← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.

стр. 3396

يَحتجْ أن يلاعن بعد وضعه، كما دلَّت عليه السُّنَّة الصَّحيحة الصَّريحة. وهذا موضعٌ اختلف فيه: فقال أبو حنيفة: لا يلاعن لنفيه حتَّى تضع، لاحتمال أن يكون ريحًا فتَنفَّشَ، ولا يكون للِّعان حينئذٍ معنًى. وهذا هو الذي ذكره الخِرقي في «مختصره» فقال (١): وإن نفى الحمل في التعانِه لم ينتفِ حتَّى ينفيه عند وضعها له ويلاعن. وتبعه الأصحاب على ذلك، وخالفهم أبو محمَّدٍ المقدسيُّ كما يأتي كلامه. وقال جمهور أهل العلم: له أن يلاعن في حال الحمل اعتمادًا على قصَّة هلال بن أمية، فإنَّها صريحةٌ صحيحةٌ في اللِّعان حالَ الحمل ونَفْي الولد في تلك الحال، وقد قال النَّبيُّ ﷺ : «إن جاءتْ به على صفةِ كذا وكذا فلا أُراه إلا قد صدقَ عليها» الحديث. قال الشَّيخ في «المغني» (٢): وقال مالك والشَّافعيُّ وجماعةٌ من أهل الحجاز: يصحُّ نفْيُ الحمل وينتفي عنه، محتجِّين بحديث هلال، وأنَّه نفى حمْلَها، فنفاه عنه النَّبيُّ ﷺ وألحقَه بالأمِّ. ولا خفاء بأنَّه كان حملًا، ولهذا قال النَّبيُّ ﷺ : «انظُروها فإن جاءت به كذا وكذا». قال: ولأنَّ الحمل مظنونٌ بأماراتٍ تدلُّ عليه، ولهذا ثبتَتْ للحامل أحكامٌ تُخالف فيها الحائل: من النَّفقة، والفطر في الصِّيام، وترك إقامة الحدِّ عليها، وتأخير القصاص عنها، وغير ذلك ممَّا يطول ذكره. ويصحُّ استلحاق الحمل فكان كالولد بعد وضعه. قال: وهذا القول هو الصَّحيح؛ لموافقته ظواهر الأحاديث، وما خالف الحديثَ لا يُعبأ به كائنًا ما كان، وقال أبو بكر: ينتفي

стр. 3397

الولد بزوال الفراش، ولا يحتاج إلى ذكره في اللِّعان، احتجاجًا بظاهر الأحاديث، حيث لم يُنقَل نفْيُ الحمل ولا تعرّض لنفيه. وأمَّا مذهب أبي حنيفة فإنَّه لا يصحُّ نفي الحمل واللِّعانُ عليه، فإن لاعنَها حاملًا ثمَّ أتت بالولد لزمه عنده، ولم يتمكَّن من نفيه أصلًا؛ لأنَّ اللِّعان لا يكون إلا بين الزَّوجين، وهذه قد بانت بلعانها في حال حملها. قال المنازعون له: هذا فيه إلزامه ولدًا ليس منه، وسدُّ باب الانتفاء من أولاد الزِّنا. والله سبحانه قد جعل له إلى ذلك طريقًا، فلا يجوز سَدُّها. قالوا: وإنَّما تعتبر الزَّوجيَّة في الحال التي أضاف الزِّنا إليها فيها؛ لأنَّ الولد الذي تأتي به يلحقه إذا لم ينْفِه، فيحتاج إلى نفيه، وهذه كانت زوجته في تلك الحال فملك نفي ولدها. وقال أبو يوسف ومحمد: له أن ينفي الحمل ما بين الولادة إلى تمام أربعين ليلةً منها. وقال عبد الملك بن الماجشون: لا يلاعن لنفي الحمل إلا أن ينفيه ثانيةً بعد الولادة. وقال الشَّافعيُّ: إذا علم بالحمل فأمكنه الحاكم من اللِّعان فلم يلاعن لم يكن له أن ينفيه بعدُ. فإن قيل: فما تقولون لو استلحق الحملَ وقذَفَها بالزِّنا، فقال: هذا الولد منِّي وقد زنَتْ؟ ما حكم هذه المسألة؟ قيل: قد اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوالٍ: أحدها: أنَّه يُحَدُّ ويُلحَق به الولد، ولا يُمكَّن من اللِّعان. والثَّاني: أنَّه يلاعن وينتفي الولد. والثَّالث: أنَّه يلاعن للقذف ويلحقه الولد.

стр. 3398

والثَّلاثة رواياتٌ عن مالك. والمنصوص عن أحمد: أنَّه لا يصحُّ استلحاق الحمل (١) كما لا يصحُّ نفيه. قال أبو محمد (٢): وإن استلحق الحملَ، فمن قال: لا يصحُّ نفيه قال: لا يصحُّ استلحاقه، وهو المنصوص عن أحمد. ومن أجاز نفْيَه قال: يصحُّ استلحاقه، وهو مذهب الشَّافعيِّ؛ لأنَّه محكومٌ بوجوده، بدليل وجوب النَّفقة ووقف الميراث، فصحَّ الإقرار به كالمولود، وإذا استلحقه لم يملك نفْيَه بعد ذلك، كما لو استلحقه بعد الوضع. ومن قال: لا يصحُّ استلحاقه قال: لو صحَّ استلحاقه للزمه بترك نفيه كالمولود، ولا يلزمه ذلك بالإجماع، وليس للشَّبه أثرٌ (٣) في الإلحاق، بدليل حديث الملاعنة، وذلك مختصٌّ بما بعد الوضع، فاختصَّ صحَّة الإلحاق به. فعلى هذا لو استلحقه ثمَّ نفاه بعد وضعه كان له ذلك، فأمَّا إن سكت عنه فلم ينْفِه ولم يستلحقه لم يلزمه عند أحدٍ علمنا قوله؛ لأنَّ تركه محتملٌ؛ لأنَّه لا يتحقَّق وجوده إلا أن يلاعنها، فإنَّ أبا حنيفة ألزمه الولد على ما أسلفناه. فصل وقول ابن عبَّاسٍ: ففرَّق رسول الله ﷺ بينهما، وقضى أن لا يُدعى ولدها لأبٍ ولا تُرمى، ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحدُّ، وقضى أن لا بيتَ لها عليه ولا قُوتَ، من أجل أنَّهما يفترقان من غير طلاقٍ ولا متوفَّى عنها (٤).

стр. 3399

وقول سهل: فكان ابنها يُدعى إلى أمِّه، ثمَّ جرت السُّنَّة أنَّه يرِثُها وترِثُ منه ما فرض الله لها. وقوله: مضت السُّنَّة في المتلاعنينِ أن يُفرَّق بينهما، ثمَّ لا يجتمعان أبدًا. وقال الزُّهريُّ عن سهل بن سعدٍ: فرَّق رسول الله ﷺ بينهما وقال: «لا يجتمعان أبدًا». وقول الزَّوج: يا رسول الله، مالي؟ قال: «لا مالَ لك؛ إن كنت صدقتَ عليها فهو بما استحللتَ من فرجها، وإن كنت كذبتَ عليها فهو أبعد لك منها». فتضمَّنت هذه الجملة عشرة أحكامٍ: الحكم الأوَّل: التَّفريق بين المتلاعنين، وفي ذلك خمسة مذاهب: أحدها: أنَّ الفرقة تحصل بمجرَّد القذف. وهذا قول أبي عبيد، والجمهور خالفوه في ذلك، ثمَّ اختلفوا: فقال جابر بن زيدٍ وعثمان البتِّيُّ ومحمد بن أبي صفرة وطائفةٌ من فقهاء البصرة: لا يقع باللِّعان فرقةٌ البتَّةَ، وقال ابن أبي صفرة: اللِّعان لا يقطع العصمة، واحتجُّوا بأنَّ النبيَّ ﷺ لم يُنكِر عليه الطَّلاق بعد اللِّعان، بل هو أنشأ طلاقها، ونزَّه نفسَه أن يمسك من قد اعترف بأنَّها زنت، أو أن يقوم عليه دليل كذبٍ بإمساكها، فجعل النَّبيُّ ﷺ فعلَه سنَّةً. ونازع هؤلاء جمهورُ العلماء وقالوا: اللِّعان يوجب الفُرقة، ثمَّ اختلفوا على ثلاثة (١) مذاهب: أحدها: أنَّها تقع بمجرَّد لعان الزَّوج وحده، وإن لم تلتعن المرأة. وهذا

стр. 3400

القول ممَّا تفرَّد به الشَّافعيُّ ﵀ ، واحتجَّ له بأنَّها فُرقةٌ حاصلةٌ بالقول، فحصلت بقول الزَّوج وحده كالطَّلاق. المذهب الثَّاني: أنَّها لا تحصل إلا بلعانهما جميعًا، فإذا تمَّ لعانهما وقعت الفرقة، ولا يُعتبر تفريق الحاكم. وهذا مذهب أحمد في إحدى الرِّوايتين عنه، اختارها أبو بكر، وقول مالك وأهل الظَّاهر. واحتُجَّ لهذا القول بأنَّ الشَّرع إنَّما ورد بالتَّفريق بين المتلاعنينِ، ولا يكونان متلاعنينِ بلعان الزَّوج وحده، وإنَّما فرَّق النَّبيُّ ﷺ بينهما بعد تمام اللِّعان منهما، فالقول بوقوع الفرقة قبله مخالفٌ لمدلول السُّنَّة وفعلِ النَّبيِّ ﷺ . واحتجُّوا بأنَّ لفظ اللِّعان لا يقتضي فرقةً، فإنَّه إمَّا أيمانٌ على زناها وإمَّا شهادةٌ به، وكلاهما لا يقتضي فرقةً، وإنَّما ورد الشَّرع بالتَّفريق بينهما بعد تمامِ لعانهما لمصلحةٍ ظاهرةٍ، وهي أنَّ الله سبحانه جعل بين الزَّوجين مودَّةً ورحمةً، وجعل كلًّا منهما سَكَنًا للآخر، وقد زال هذا بالقذف، وأقامها مقام الخِزْي والعار والفضيحة، فإنَّه إن كان كاذبًا فقد فضَحَها وبهتَها ورماها بالدَّاء العضال، ونكَّس رأسَها ورؤوس قومها، وهتكَها على رؤوس الأشهاد. وإن كانت كاذبةً فقد أفسدتْ فراشَه، وعرَّضته للفضيحة والخزي والعار بكونه زوجَ بَغِيٍّ وتعليقِ ولدِ غيره عليه، فلا يحصل بعد هذا بينهما من المودَّة والرَّحمة والسَّكَن ما هو مطلوبٌ بالنِّكاح، فكان من محاسن شريعة الإسلام التَّفريقُ بينهما والتَّحريمُ المؤبَّد على ما سنذكره. ولا يترتَّب هذا على بعض اللِّعان، كما لا يترتَّب على بعضِ لعانِ الزَّوج. قالوا: ولأنَّه فسخٌ ثبت بأيمان متحالفينِ، فلم يثبت بأيمان أحدهما، كالفسخ لتحالُفِ (١) المتبايعين عند الاختلاف.

стр. 3401

المذهب الثَّالث: أنَّ الفرقة لا تحصل إلا بتمام لعانهما وتفريق الحاكم. وهذا مذهب أبي حنيفة، وإحدى الرِّوايتين عن أحمد، وهي ظاهر كلام الخِرقي، فإنَّه قال (١): ومتى تلاعنا وفرَّق الحاكم بينهما لم يجتمعا أبدًا. واحتجَّ أصحاب هذا القول بقول ابن عبَّاسٍ في حديثه: ففرَّق رسول الله ﷺ بينهما. وهذا يقتضي أنَّ الفرقة لم تحصل قبله. واحتجُّوا بأن عُويمرًا قال: كذبتُ عليها يا رسول الله إن أمسكتُها، فطلَّقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله ﷺ (٢)، وهذا حجَّةٌ من وجهين، أحدهما: أنَّه يقتضي إمكانَ إمساكها. والثَّاني: وقوع الطَّلاق. ولو حصلت الفرقة باللِّعان وحده لما ثبت واحدٌ من الأمرين، وفي حديث سهل بن سعدٍ أنَّه طلَّقها ثلاثًا فأنفذه رسول الله ﷺ . رواه أبو داود (٣). قال المُوقِعون للفرقة بتمام اللِّعان بدون تفريق الحاكم: اللِّعان معنًى يقتضي التَّحريم المؤبَّد كما سنذكره، فلم يقف على تفريق الحاكم كالرِّضاع. قالوا: ولأنَّ الفرقة لو وقعت على تفريق الحاكم لساغ تركُ التَّفريق إذا كرهه الزَّوجان، كالتَّفريق بالعيب والإعسار. قالوا: وقوله: فرَّق النَّبيُّ ﷺ يحتمل أمورًا ثلاثةً؛ أحدها: إنشاء الفرقة. والثَّاني: الإعلام بها. والثَّالث: إلزامه بموجبها من الفرقة الحسِّيَّة. وأمَّا قوله: «كذبتُ عليها إن أمسكتُها»، فهذا لا يدلُّ على أنَّ إمساكها بعد

стр. 3402

اللِّعان مأذونٌ فيه شرعًا، بل هو بادرَ إلى فراقها وإن كان الأمر صائرًا إلى ما بادر إليه. وأمَّا طلاقه ثلاثًا فما زاد الفرقة الواقعة إلا تأكيدًا، فإنَّها حرِّمت عليه تحريمًا مؤبَّدًا، فالطَّلاق تأكيدٌ لهذا التَّحريم، وكأنَّه قال: لا تحلُّ لي بعد هذا. وأمَّا إنفاذ الطَّلاق عليه فتقريرٌ لموجبه من التَّحريم، فإنَّها إذا لم تحلَّ له باللِّعان أبدًا كان الطَّلاق الثَّلاث تأكيدًا للتَّحريم الواقع باللِّعان (١)، فهذا معنى إنفاذه، فلمَّا لم يُنكِره عليه وأقرَّه على التَّكلُّم به وعلى موجبه جعل هذا إنفاذًا من النَّبيِّ ﷺ . وسهل لم يحكِ لفظَ النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: وقع طلاقك، وإنَّما شاهدَ القصَّة وعدمَ إنكار النَّبيِّ ﷺ للطَّلاق، فظنَّ ذلك تنفيذًا، وهو صحيحٌ بما ذكرنا من الاعتبار، والله أعلم. فصل الحكم الثَّاني: أنَّ فرقة اللِّعان فسخٌ وليست بطلاقٍ. وإلى هذا ذهب الشَّافعيُّ وأحمد ومن قال بقولهما، واحتجُّوا بأنَّها فرقةٌ توجب تحريمًا مؤبَّدًا فكانت فسخًا كفُرقة الرَّضاع. واحتجُّوا بأنَّ اللِّعان ليس صريحًا في الطَّلاق، ولا نوى الزَّوج به الطَّلاق، فلا يقع به الطَّلاق. قالوا: ولو كان اللِّعان صريحًا في الطَّلاق أو كنايةً فيه لوقع بمجرَّد لعان الزَّوج، ولم يتوقَّف على لعان المرأة. قالوا: ولأنَّه لو كان طلاقًا فهو طلاقٌ من مدخولٍ بها بغير عوضٍ لم ينوِ به الثَّلاث، فكان يكون رجعيًّا. قالوا: ولأنَّ الطَّلاق بيد الزَّوج، إن شاء طلَّق وإن شاء أمسك، وهنا الفسخُ حاصلٌ بالشَّرع، وبغير اختياره. قالوا: وإذا ثبت بالسُّنَّة وأقوال الصَّحابة ودلالة القرآن أنَّ فُرقة الخلع ليست بطلاقٍ بل هي فسخٌ مع كونها بتراضيهما، فكيف تكون فُرقة اللِّعان طلاقًا؟

стр. 3403

فصل الحكم الثَّالث: أنَّ هذه الفرقة توجب تحريمًا مؤبَّدًا لا يجتمعان بعدها أبدًا. قال الأوزاعيُّ: حدَّثنا الزبيدي، حدَّثنا الزُّهريُّ، عن سهل بن سعدٍ، فذكر قصَّة المتلاعنين وقال: ففرَّق رسول الله ﷺ بينهما وقال: «لا يجتمعانِ أبدًا» (١). وذكر البيهقي (٢) من حديث سعيد بن جبيرٍ عن ابن عمر عن النَّبيِّ ﷺ قال: «المتلاعنان إذا تفرَّقا لا يجتمعان أبدًا». قال (٣): وروِّينا عن علي وعبد الله بن عبَّاسٍ (٤) قالا: مضت السُّنَّة في

стр. 3404

المتلاعنين أن لا يجتمعان أبدًا. قال: وروي عن عمر بن الخطَّاب أنَّه قال: يُفرَّق بينهما ولا يجتمعان أبدًا (١). وإلى هذا ذهب أحمد والشَّافعيُّ ومالك والثَّوريُّ وأبو عبيد وأبو يوسف. وعن أحمد روايةٌ أخرى: أنَّه إن (٢) أكذبَ نفسَه حلَّت له وعاد فراشه بحاله، وهي روايةٌ شاذَّةٌ شذَّ بها حنبل عنه. قال أبو بكر: لا نعلم أحدًا رواها غيره. وقال صاحب «المغني» (٣): وينبغي أن تُحمل هذه على ما إذا لم يُفرِّق الحاكمُ بينهما، فأمَّا مع تفريق الحاكم بينهما فلا وجهَ لبقاء النِّكاح بحاله. قلت: الرِّواية مطلقةٌ، ولا أثرَ لتفريق الحاكم في دوام التَّحريم، فإنَّ الفُرقة الواقعة بنفس اللِّعان أقوى من الفرقة الحاصلة بتفريق الحاكم، فإذا كان إكذابُ (٤) نفسِه مؤثِّرًا في تلك الفرقة القويَّة رافعًا للتَّحريم النَّاشئ منها، فلَأن (٥) يُؤثِّر في الفرقة التي هي دونها ويرفع تحريمَها أولى. وإنَّما قلنا: إنَّ الفرقة بنفس اللِّعان أقوى من الفرقة بتفريق الحاكم؛ لأنَّ

стр. 3405

فرقة اللِّعان تستند إلى حكم الله ورسوله، سواءٌ رضي الحاكم والمتلاعنانِ التَّفريقَ أو أَبَوه، فهي فُرقةٌ من الشَّارع بغير رضا أحدٍ منهم ولا اختياره، بخلاف فرقة الحاكم، فإنَّه إنَّما يفرِّق باختياره. وأيضًا فإنَّ اللِّعان يكون قد اقتضى بنفسه التَّفريقَ؛ لقوَّته وسلطانه عليه، بخلاف ما إذا توقَّف على تفريق الحاكم، فإنَّه لم يَقْوَ بنفسه على اقتضاء الفرقة، ولا كان له سلطانٌ عليها. وهذه الرِّواية هي مذهب سعيد بن المسيِّب، قال: إن أكذبَ نفسه فهو خاطبٌ من الخُطَّاب (١)، ومذهب أبي حنيفة ومحمد، وهذا على أصله اطَّردَ؛ لأنَّ فُرقة اللِّعان عنده طلاقٌ. وقال سعيد بن جبيرٍ (٢): إن أكذبَ نفسَه رُدَّت إليه ما دامت في العدَّة. والصَّحيح القول الأوَّل، الذي دلَّت عليه السُّنَّة الصَّحيحة الصَّريحة وأقوال الصَّحابة، وهو الذي يقتضيه حكمة اللِّعان، ولا يقتضي سواه، فإنَّ لعنة الله وغضبه قد حلَّ بأحدهما لا مَحالةَ، ولهذا قال النَّبيُّ ﷺ عند الخامسة: «إنَّها المُوجِبة» (٣) أي الموجبة لهذا الوعيد، ونحن لا نعلم

стр. 3406

عينَ من حلَّت به يقينًا، ففرَّق بينهما خشية أن يكون هو الملعون الذي قد وجبت عليه لعنة الله وباءَ بها، فيعلو امرأةً غير ملعونةٍ، وحكمة الشَّرع تأبى هذا، كما أبتْ أن يعلو الكافر مسلمةً والزَّاني عفيفةً. فإن قيل: فهذا يوجب أن لا يتزوَّج غيرها لِما ذكرتم بعينه؟ قيل: لا يوجب ذلك؛ لأنَّا لم نتحقَّق أنَّه هو الملعون، وإنَّما تحقَّقنا أنَّ أحدهما كذلك، وشككنا في عينه، فإذا اجتمعا لزمه أحدُ الأمرين ولا بدَّ: إمَّا هذا، وإمَّا إمساكُه ملعونةً مغضوبًا عليها قد وجب عليها غضب الله وباءت به، فأمَّا إذا تزوَّجت بغيره أو تزوَّج بغيرها لم يتحقَّق هذه المفسدة فيهما. وأيضًا فإنَّ النُّفرة الحاصلة من إساءة كلِّ واحدٍ منهما إلى صاحبه لا تزول أبدًا، فإنَّ الرَّجل إن كان صادقًا عليها فقد أشاع فاحشتَها، وفضَحَها على رؤوس الأشهاد، وأقامها مقامَ الخِزْي، وحقَّق عليها الخزيَ والغضبَ، وقطع نسبَ ولدها. وإن كان كاذبًا فقد أضاف إلى ذلك بَهْتَها بهذه الفرية العظيمة، وإحراقَ قلبها بها. والمرأة إن كانت صادقةً فقد أكذبتْه على رؤوس الأشهاد، وأوجبت عليه لعنة اللَّه. وإن كانت كاذبةً فقد أفسدتْ فراشَه، وخانتْه في نفسها، وألزمتْه العارَ والفضيحة، وأحوجتْه إلى هذا المقام المُخزِي، فحصل لكلِّ واحدٍ منهما من صاحبه من النُّفرة والوحشة وسوء الظَّنِّ به ما لا يكاد يلتئم معه شَمْلُهما (١) أبدًا، فاقتضت حكمةُ من شرْعُه كلُّه

стр. 3407

حكمةٌ ومصلحةٌ وعدلٌ ورحمةٌ انْحتامَ (١) الفرقة بينهما، وقطْع الصُّحبة المتمحِّضة مفسدةً. وأيضًا فإنَّه إن كان كاذبًا عليها فلا ينبغي أن يُسلَّط على إمساكها مع ما صنع من القبيح إليها، وإن كان صادقًا فلا ينبغي أن يمسكها مع علمه بحالها، ويرضى لنفسه أن يكون زوجَ بَغِيٍّ. فإن قيل: فما تقولون لو كانت أمةً ثمَّ اشتراها، هل يحلُّ له وطؤها بملك اليمين؟ قلنا: لا يحلُّ له؛ لأنَّه تحريمٌ مؤبَّدٌ، فحرِّمت على مشتريها كالرِّضاع، ولأنَّ المطلِّق ثلاثًا إذا اشترى مطلَّقته لم تحلَّ له قبل زوجٍ وإصابةٍ، فهاهنا أولى؛ لأنَّ هذا التَّحريم مؤبَّدٌ، وتحريم الطَّلاق غير مؤبَّدٍ. فصل الحكم الرَّابع: أنَّها لا يَسقُط صداقُها بعد الدُّخول، فلا يرجع به (٢) عليها، فإنَّه إن كان صادقًا فقد استحلَّ من فرجها عِوضَ الصَّداق، وإن كان كاذبًا فأولى وأحرى. فإن قيل: فما تقولون لو وقع اللِّعان قبل الدُّخول، هل تحكمون عليه بنصف المهر، أو تقولون: يسقط جملةً؟ قيل: في ذلك قولان للعلماء، وهما روايتان عن أحمد، مأخذهما: أنَّ

стр. 3408

الفرقة إذا كانت بسببٍ من الزَّوجين كلعانهما، أو منها ومن أجنبيٍّ كشرائها لزوجها قبل الدُّخول، فهل يسقط الصَّداق تغليبًا لجانبها؟ كما لو كانت مستقلَّةً (١) بسبب الفرقة أو بنصفه تغليبًا لجانبه، وأنَّه هو المشارك في سبب الإسقاط، والسَّيِّد الذي باعه متسبِّبٌ إلى إسقاطه ببيعه إيَّاها. هذا الأصل فيه قولان. وكلُّ فُرقةٍ جاءت من قبل الزَّوج نصَّفت الصَّداقَ كطلاقه، إلا فسخه لعيبها أو فواتِ شرطٍ شرطَه، فإنَّه يُسقِطه كلَّه، وإن كان هو الذي فسخَ؛ لأنَّ سبب الفسخ منها، وهي الحاملة له عليه. ولو كانت الفرقة بإسلامه فهل تُسقِط عنه أو تُنصِّفه؟ على روايتين. فوجه إسقاطه أنَّه فعلَ الواجبَ عليه، وهي الممتنعة من فعل ما يجب عليها، فهي المتسبِّبة إلى إسقاط صداقها بامتناعها من الإسلام، ووجه التَّنصيف أنَّ سبب الفسخ من جهته. فإن قيل: فما تقولون في الخلع هل يُنصِّفه أو يُسقِط؟ قيل: إن قلنا: هو طلاقٌ نصَّفه، وإن قلنا: هو فسخٌ فقال أصحابنا: فيه وجهان؛ أحدهما كذلك تغليبًا لجانبه (٢). والثَّاني: يُسقِطه؛ لأنَّه لم يستقلَّ بسبب الفسخ. وعندي أنَّه إن كان مع أجنبيٍّ نصَّفه وجهًا واحدًا، وإن كان معها ففيه وجهان. فإن قيل: فما تقولون لو جاءت (٣) الفرقة بشرائه لزوجته من سيِّدها: هل يُسقِطه أو ينصِّفه؟

стр. 3409

قيل: فيه وجهان، أحدهما: يُسقِطه؛ لأنَّ مستحقَّ مهرها تسبَّب إلى إسقاطه ببيعها. والثَّاني: يُنصِّفه؛ لأنَّ الزَّوج تسبَّب إليه بالشِّراء، وكلُّ فرقةٍ جاءت من قبلها ــ كردَّتها، وإرضاعِها من يفسخ إرضاعُه نكاحَها، وفسخِها لإعساره أو عيبه ــ فإنَّه يُسقِط مهرها. فإن قيل: فقد قلتم: إنَّ المرأة إذا فسخت لعيبٍ في الزَّوج سقط مهرها، إذ الفرقة من جهتها، وقلتم: إنَّ الزَّوج إذا فسخ لعيبٍ في المرأة سقط أيضًا، ولم تجعلوا الفسخ من جهته فتنصِّفوه، كما جعلتموه بفسخها لعيبه من جهتها فأسقطتموه، فما الفرق؟ قيل: الفرق بينهما أنَّه إنَّما بذل المهر في مقابلة بُضْعٍ سليمٍ من العيوب، فإذا لم يتبيَّن كذلك وفسخ عاد إليها كما خرج منها، ولم يَستوفِه ولا شيئًا منه، فلا يلزمه شيءٌ من الصَّداق، كما أنَّها إذا فَسختْ لعيبه لم تُسلِّم إليه المعقودَ عليه ولا شيئًا منه، فلا تستحقُّ عليه شيئًا من الصَّداق. فصل الحكم الخامس: أنَّها لا نفقةَ لها عليه ولا سكنى، كما قضى به رسول الله ﷺ ، وهذا موافقٌ لحكمه في المبتوتة التي لا رجعةَ لزوجها عليها، كما سيأتي بيان حكمه في ذلك، وأنَّه موافقٌ لكتاب الله لا مخالفٌ له، بل سقوط النَّفقة والسُّكنى للملاعنة أولى من سقوطها للمبتوتة؛ لأنَّ المبتوتة له سبيل أن (١) ينكحها في عدَّتها، وهذه لا سبيلَ له إلى نكاحها لا في العدَّة ولا بعدها، فلا وجهَ أصلًا لوجوب نفقتها وسكناها، وقد انقطعت العصمة انقطاعًا كلِّيًّا.

стр. 3410

فأقضيته ﷺ يوافق بعضُها بعضًا، وكلُّها توافق كتابَ اللَّه، والميزان الذي أنزله ليقوم النَّاس بالقسط، وهو القياس الصَّحيح، كما ستَقَرُّ عينُك إن شاء الله بالوقوف عليه عن قريبٍ (١). وقال مالك والشَّافعيُّ: لها السُّكنى. وأنكر القاضي إسماعيل بن إسحاق هذا القول إنكارًا شديدًا. وقوله (٢): «من أجلِ أنَّهما يتفرَّقان من غير طلاقٍ ولا متوفَّى عنها»، لا يدلُّ مفهومه على أنَّ كلَّ مطلَّقةٍ ومتوفّى عنها لها النَّفقة والسُّكنى، وإنَّما يدلُّ على أنَّ هاتين الفُرقتين قد يجب معهما نفقةٌ وسكنى، وذلك إذا كانت المرأة حاملًا، فلها ذلك في فُرقة الطَّلاق اتِّفاقًا، وفي فرقة الموت ثلاثة أقوالٍ: أحدها: أنَّه لا نفقة لها ولا سكنى، كما لو كانت حائلًا، وهذا مذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى روايتيه، والشَّافعيِّ في أحد قوليه، لزوال سبب النَّفقة بالموت على وجهٍ لا يُرجى عَوده، فلم يبقَ إلا نفقة قريبٍ، فهي في مال الطِّفل إن كان له مالٌ، وإلَّا فعلى من تلزمه نفقته من أقاربه. والثَّاني: أنَّ لها النَّفقة والسُّكنى في تركته، تُقدَّم بها على الميراث، وهذا إحدى الرِّوايتين عن أحمد؛ لأنَّ انقطاع العصمة بالموت لا يزيد على انقطاعها بالطَّلاق البائن، بل انقطاعها بالطَّلاق أشدُّ، ولهذا تُغسِّل المرأة زوجَها بعد موته عند جمهور العلماء (٣)، حتَّى المطلَّقة الرَّجعيَّة عند أحمد

стр. 3411

ومالك في إحدى الرِّوايتين عنه، فإذا وجبت النَّفقة والسُّكنى للبائن الحامل فوجوبها للمتوفَّى عنها أولى وأحرى. الثَّالث: أنَّ لها السُّكنى دون النَّفقة حاملًا كانت أو حائلًا، وهذا قول مالك وأحد قولي الشَّافعيِّ؛ إجراءً لها مُجرى المبتوتة في الصِّحَّة. وليس هذا موضعَ بسطِ هذه المسائل وذكرِ أدلَّتها والتَّمييزِ بين راجحها ومرجوحها، إذ المقصود أنَّ قوله: «من أجلِ أنَّهما يفترقان من غير طلاقٍ ولا متوفَّى عنها» إنَّما يدلُّ على أنَّ المطلَّقة والمتوفَّى عنها قد يجب لهما القوت والبيت في الجملة، فهذا إن كان هذا الكلام من كلام الصَّحابيِّ، والظَّاهر ــ والله أعلم ــ أنَّه مدرجٌ من قول الزُّهريِّ. فصل الحكم السَّادس: انقطاع نسب الولد من جهة الأب؛ لأنَّ رسول الله ﷺ قضى أن لا يُدعى ولدها لأبٍ. وهذا هو الحقُّ، وهو قول الجمهور، وهو أجلُّ (١) فوائد اللِّعان. وشذَّ بعض أهل العلم وقال: المولود على الفراش لا ينفيه اللِّعان البتَّةَ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قضى أنَّ الولد للفراش (٢)، وإنَّما ينفي اللِّعانُ الحملَ، فإن لم يلاعِنْها حتَّى ولدت لاعنَ لإسقاط الحدِّ فقط، ولا ينتفي ولدُها منه. وهذا مذهب أبي محمَّد بن حزمٍ، واحتجَّ عليه بأنَّ رسول الله ﷺ قضى أنَّ الولد

стр. 3412

لصاحب الفراش، قال (١): فصحَّ أنَّ كلَّ من وُلِد على فراشه ولدٌ فهو ولده، إلا حيث نفاه الله تعالى على لسان رسوله ﷺ أو حيث يُوقِن بلا شكٍّ أنَّه ليس ولده، ولم ينْفِه ﷺ إلا وهي حاملٌ باللِّعان فقط، فبقي ما عدا ذلك على لحاق النَّسب. قال (٢): ولذلك قلنا: إن صدَّقتْه في أنَّ الحمل ليس منه، فإنَّ تصديقها له لا يُلتفت إليه؛ لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤]، فوجب أنَّ إقرار الأبوين لا يصدُق (٣) على نفي الولد، فيكون كسبًا على غيرهما، وإنَّما نفى الله سبحانه الولدَ إذا أكذَبتْه الأمُّ والتعنَتْ هي والزَّوج فقط، فلا ينتفي في غير هذا الموضع. انتهى كلامه. وهذا ضدُّ مذهب من يقول: إنَّه لا يصحُّ اللِّعان على الحمل حتَّى تضعه، كما يقوله أحمد وأبو حنيفة. والصَّحيح صحَّته على الحمل وعلى الولد بعد وضعه، كما قاله مالك والشَّافعيُّ، فالأقوال ثلاثةٌ. ولا تَنافيَ بين هذا الحكم وبين الحكم بكون (٤) الولد للفراش بوجهٍ ما، فإنَّ الفراش قد زال باللِّعان، وإنَّما حكم رسول الله ﷺ بأنَّ الولد للفراش عند تعارض الفراش ودعوى الزَّاني، فأبطل دعوى الزَّاني للولد، وحكم به لصاحب الفراش. وهاهنا صاحب الفراش قد نفى الولد عنه. فإن قيل: فما تقولون لو لاعنَ لمجرَّد نفي الولد مع قيام الفراش فقال: لم تَزْنِ ولكن ليس هذا الولد ولدي؟

стр. 3413

قيل: في ذلك قولان للشَّافعيِّ، وهما روايتان منصوصتان عن أحمد. إحداهما: أنَّه لا لعانَ بينهما، ويلزمه الولد. وهي اختيار الخرقي. والثَّانية: له أن يلاعن لنفي الولد، فينتفي عنه بلعانه وحده. وهي اختيار أبي البركات ابن تيمية (١)، وهي الصَّحيحة. فإن قيل: فخالفتم حكم رسول الله ﷺ أنَّ الولد للفراش. قلنا: معاذ اللَّه، بل وافقنا أحكامه حيث وقع غيرنا في خلاف بعضها تأويلًا، فإنَّه إنَّما حكم بالولد للفراش حيث ادَّعاه صاحب الفراش، فرجَّح دعواه بالفراش وجعلَه له، وحكمَ بنفيه عن صاحب الفراش حيث نفاه عن نفسه وقطعَ نسبه منه، وقضى أن لا يُدعى لأبٍ. فوافقنا الحكمين، وقلنا بالأمرين، ولم نُفرِّق تفريقًا باردًا جدًّا سَمِجًا لا أثرَ له في نفي الولد حملًا ونفيه مولودًا، فإنَّ الشَّريعة لا تأتي على هذا الفرق الصُّوريِّ الذي لا معنى تحتَه البتَّةَ، وإنَّما يرتضي هذا مَن قلَّ نصيبُه من ذوق الفقه وأسرار الشَّريعة ومعانيها وحِكَمها، والله المستعان، وبه التَّوفيق. فصل الحكم السَّابع: إلحاق الولد بأمِّه عند انقطاع نسبه من جهة أبيه، وهذا الإلحاق يفيد حكمًا زائدًا على إلحاقه بها مع ثبوت نسبه من الأب، وإلَّا كان عديم الفائدة، فإنَّ خروج الولد منها أمرٌ محقَّقٌ، فلا بدَّ في الإلحاق من أمرٍ زائدٍ عليه، وعلى ما كان حاصلًا مع ثبوت النَّسب من الأب. وقد اختُلِف في ذلك.

стр. 3414

فقالت طائفةٌ: أفاد هذا الإلحاق قطْعَ توهُّم انقطاع نسب الولد من الأمِّ كما انقطع من الأب، وأنَّه لا يُنْسب إلى أمٍّ ولا إلى أبٍ، فقطعَ النَّبيُّ ﷺ هذا الوهم وألحق الولد بالأمِّ، وأكَّد هذا بإيجابه الحدَّ على من قذفه أو قذفَ أمَّه، وهذا قول الشَّافعيِّ ومالك وأبي حنيفة، وكلِّ من لا يرى أنَّ أمَّه وعصباتها عصبة (١) له. وقالت طائفةٌ ثانيةٌ: بل أفادنا هذا الإلحاق فائدةً زائدةً، وهي تحويلُ النَّسب الذي كان إلى أبيه إلى أمِّه، وجعْلُ أمِّه قائمةً مقام أبيه في ذلك، فهي عصبته، وعصباتها أيضًا عصبته، فإذا مات حازتْ ميراثَه. وهذا قول ابن مسعودٍ (٢)، ويُروى عن علي (٣). وهذا القول هو الصَّواب؛ لما روى أهل السُّنن الأربعة (٤) من حديث واثلة بن الأَسْقَع عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «تَحُوزُ

стр. 3415

المرأة ثلاثةَ مواريث: عتيقها ولقيطها وولدها الذي لاعنَتْ عليه». ورواه الإمام أحمد وذهب إليه (١). وروى أبو داود في «سننه» (٢): من حديث عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه جعلَ ميراثَ ابنِ الملاعنة لأمِّه ولورثتِها مِن بعدِها. وفي «السُّنن» أيضًا مرسلًا (٣) من حديث مكحول قال: جعل رسول الله ﷺ ميراثَ ابنِ الملاعنة لأمِّه ولورثَتِها مِن بعدِها (٤). وهذه الآثار موافقةٌ لمحض القياس، فإنَّ النَّسب في الأصل للأب، فإذا انقطع من جهته صار للأمِّ، كما أنَّ الولاء في الأصل لمعتق الأب، فإذا كان الأب رقيقًا كان لمعتق الأمِّ. فلو أعتق الأب بعد هذا انجرَّ الولاء من موالي الأمِّ إليه ورجع إلى أصله. وهو نظير ما إذا أكذَبَ الملاعن نفسَه واستلحق الولد، رجع النَّسب والتَّعصيب من الأمِّ وعصبتها إليه. فهذا محض القياس وموجَبُ الأحاديث والآثار، وهو مذهب حبر الأمَّة وعالمها عبد الله بن

стр. 3416

مسعودٍ، ومذهب إمامَي أهلِ الأرض في زمانهما أحمد بن حنبلٍ وإسحاق بن راهويه. وعليه يدلُّ القرآن بألطف إيماءٍ وأحسنِه، فإنَّ الله سبحانه جعل عيسى من ذرِّيَّة إبراهيم بواسطة مريم أمِّه، وهي من صميم ذرِّيَّة إبراهيم. وسيأتي مزيدُ تقريرٍ لهذا عند ذكر أقضية النَّبيِّ ﷺ وأحكامه في الفرائض إن شاء الله تعالى. فإن قيل: فما تصنعون بقوله في حديث سهل الذي رواه مسلم في «صحيحه» (١) في قصَّة اللِّعان، وفي آخره: ثمَّ جَرتِ السُّنَّة أن يَرِثَ منها وتَرِثَ منه ما فرض الله لها؟ قيل: نتلقَّاه بالقبول والتَّسليم والقول بموجَبه، وإن أمكن أن يكون مُدرجًا من كلام ابن شهابٍ، وهو الظَّاهر؛ فإنَّ تعصيب الأمِّ لا يُسقِط ما فرض الله لها من ولدها في كتابه، وغايتها أن تكون كالأب حيث يجتمع له الفرض والتَّعصيب، فهي تأخذ فرضها ولا بدَّ، فإن فضَلَ شيءٌ أخذتْه بالتَّعصيب، وإلَّا فازتْ (٢) بفرضها، فنحن قائلون بالآثار كلِّها في هذا الباب بحمد الله وتوفيقه. فصل الحكم الثَّامن: أنَّها لا تُرمى ولا يُرمى ولدها، ومن رماها أو ولدَها فعليه الحدُّ. وهذا لأنَّ لعانها نفى عنها تحقيقَ ما رُميت به، فيُحَدُّ قاذفُها وقاذفُ ولدها، هذا الذي دلَّت عليه السُّنَّة الصَّحيحة الصَّريحة، وهو قول جمهور

стр. 3417

الأمَّة. وقال أبو حنيفة ﵀: إن لم يكن هناك ولدٌ نُفِي نسَبُه حُدَّ قاذِفُها، وإن كان هناك ولدٌ نُفِي نسبُه لم يُحَدَّ قاذفها، والحديث إنَّما هو فيمن لها ولدٌ نفاه الزَّوج. والَّذي أوجب له هذا الفرق أنَّه متى نُفِي نسبُ ولدها فقد حُكِمَ بزناها بالنِّسبة إلى الولد، فأثَّر ذلك شبهةً في سقوط حدِّ القذف. فصل الحكم التَّاسع: أنَّ هذه الأحكام إنَّما ترتَّبت على لعانهما معًا وبعدَ أن تمَّ اللِّعانانِ، فلا يترتَّب شيءٌ منها على لعان الزَّوج وحده. وقد خرَّج أبو البركات ابن تيميَّة (١) على المذهب انتفاءَ الولد بلعان الزَّوج وحده، وهو تخريجٌ صحيحٌ، فإنَّ لعانه كما أفاد سقوط الحدِّ وعارِ القذف عنه من غير اعتبار لعانها، أفاد سقوطَ النَّسب الفاسد عنه وإن لم تلاعنْ هي، بل بطريق الأَولى، فإنَّ تضرُّرَه بدخول النَّسب الفاسد عليه أعظم من تضرُّره بحدِّ القذف، وحاجتُه إلى نفيه عنه أشدُّ من حاجته إلى دفع الحدِّ، فلعانه كما استقلَّ بدفع الحدِّ استقلَّ بنفي الولد، والله أعلم. فصل الحكم العاشر: وجوب النَّفقة والسُّكنى للمطلَّقة والمتوفَّى عنها إذا كانتا حاملينِ (٢)، فإنَّه قال (٣): «من أجلِ أنَّهما يفترقانِ عن (٤) غير طلاقٍ ولا

стр. 3418

متوفَّى عنها»، فأفاد ذلك أمرين: أحدهما: سقوط نفقة البائن وسكناها إذا لم تكن حاملًا من الزَّوج. والثَّاني: وجوبهما لها وللمتوفَّى عنها إذا كانتا حاملينِ من الزَّوج. فصل وقوله ﷺ : «أبصِرُوها، فإن جاءت به كذا وكذا فهو لهلال بن أمية، وإن جاءت به كذا وكذا فهو لشَرِيك ابن سَحْماء» (١) إرشادٌ منه ﷺ إلى اعتبار الحكم بالقافة، وأنَّ للشَّبه مدخلًا في معرفة النَّسب، وإلحاق الولد بمنزلة الشَّبه، وإنَّما لم يُلْحَق بالملاعن لو قدِّر أنَّ الشَّبه له لمعارضة اللِّعان الذي هو أقوى من الشَّبه له، كما تقدَّم. فصل وقوله في الحديث: «لو أنَّ رجلًا وجد مع امرأته رجلًا أيقتله فتقتلونه به» (٢) دليلٌ على أنَّ من قتل رجلًا في داره وادَّعى أنَّه وجده مع امرأته أو حريمِه قُتِل به، ولا يُقبَل قوله، إذ لو قُبِل قوله لأُهدِرت الدِّماء، وكان كلُّ من أراد قتلَ رجلٍ أدخلَه دارَه وادَّعى أنَّه وجده مع امرأته. ولكن هاهنا مسألتان يجب التَّفريق بينهما، إحداهما: هل يسعه فيما بينه وبين الله أن يقتله أم لا؟ والثانية: هل يُقبل قوله في ظاهر الحكم أم لا؟ وبهذا التَّفريق يزول الإشكال فيما نُقل عن الصَّحابة ﵃ في ذلك، حتَّى جعلها بعض العلماء مسألةَ نزاعٍ بين الصَّحابة، وقال: مذهب عمر أنَّه لا يُقتَل به،

стр. 3419

ومذهب علي: أنَّه يُقتَل به. والَّذي غَرَّه ما رواه سعيد بن منصورٍ في «سننه» (١): أنَّ عمر بن الخطَّاب بينا هو يومًا يتغدَّى إذ جاء رجلٌ يعدو، وفي يده سيفٌ ملطَّخٌ بدمٍ، ووراءه قومٌ يَعْدُون، فجاء حتَّى جلس مع عمر، فجاء الآخرون فقالوا: يا أمير المؤمنين، إنَّ هذا قتل صاحبنا، فقال له عمر: ما تقول؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إنِّي ضربتُ فخذَيِ امرأتي، فإن كان بينهما أحدٌ فقد قتلتُه، فقال عمر: ما تقولون؟ قالوا: يا أمير المؤمنين، إنَّه ضربَ بالسَّيف فوقع في وسط الرَّجل وفخذَي المرأة، فأخذ عمر سيفَه فهَزَّه، ثمَّ دفعه إليه وقال: إن عادوا فعُدْ. فهذا ما نُقِل عن عمر ﵁ . وأمَّا علي فسئل عمَّن وجد مع امرأته رجلًا فقتله، فقال: إن لم يأتِ بأربعة شهداء فلْيُعْطَ بِرُمَّته (٢). فظنَّ أنَّ هذا خلافٌ (٣) للمنقول عن عمر، فجعلها مسألة خلافٍ بين الصَّحابة، وأنتَ إذا تأمَّلتَ حكمَيْهما لم تجد بينهما اختلافًا، فإنَّ عمر ﵁ إنَّما أسقط عنه القَوَد لمَّا اعترف الوليُّ بأنَّه كان مع امرأته، وقد قال أصحابنا ــ واللَّفظ لصاحب «المغني» (٤) ــ: فإن اعترف الوليُّ بذلك فلا قصاصَ ولا ديةَ؛ لما رُوِي عن عمر، ثمَّ ساق القصَّة. وكلامه يعطي أنَّه لا فرقَ بين أن يكون مُحصَنًا أو غير محصَنٍ، وكذلك حكم

стр. 3420

عمر في هذا القتيل. وقوله أيضًا: إنْ عادوا فعُدْ، ولم يفرِّق بين المحصن وغيره. وهذا هو الصَّواب، وإن كان صاحب «المستوعب» (١) قد قال: ومن وجد مع امرأته رجلًا ينال منها ما يوجب الرَّجم فقتله، وادَّعى أنَّه قتله لأجل ذلك، فعليه القصاص في ظاهر الحكم، إلا أن يأتي ببيِّنةٍ بدعواه، فلا يلزمه القصاص. قال (٢): وفي عدد البيِّنة روايتان؛ إحداهما: شاهدان، اختارها أبو بكر؛ لأنَّ البيِّنة على الوجود دون الزِّنا (٣). والأخرى: لا يُقبل أقلُّ من أربعةٍ. والصَّحيح أنَّ البيِّنة متى قامت بذلك أو أقرَّ به الوليُّ سقطَ القصاص، محصَنًا كان أو غيره، وعليه يدلُّ كلام عليٍّ ﵁، فإنَّه قال فيمن وجد مع امرأته رجلًا فقتله: إن لم يأتِ بأربعة شهداء فَلْيُعْطَ برُمَّته. وهذا لأنَّ هذا القتل ليس بحدٍّ للزِّنا، ولو كان حدًّا لما كان بالسَّيف، ولَاعْتُبِرَ له شروط إقامة الحدِّ وكيفيَّته، وإنَّما هو عقوبةٌ لمن تعدَّى عليه وهَتَكَ حريمه (٤) وأفسدَ أهله. وكذلك فعل الزبير لمَّا تخلَّف عن الجيش ومعه جاريةٌ له، فأتاه رجلان فقالا: أعطِنا شيئًا، فأعطاهما طعامًا كان معه، فقالا: خَلِّ عن الجارية، فضربهما بسيفه، فقطعهما بضربةٍ واحدةٍ (٥). وكذلك (٦) من اطَّلع في بيت قومٍ من ثُقْبٍ أو شَقٍّ في الباب بغير إذنهم،

стр. 3421

فنظر حرمةً أو عورةً، فلهم حَذْفُه (١) وطَعْنُه في عينه، فإن انقلعتْ عينُه فلا ضمانَ عليهم. قال القاضي أبو يعلى: هذا ظاهر كلام أحمد أنَّهم يدفعونه ولا ضمان عليهم، من غير تفصيلٍ. وفصَّل ابن حامد فقال: يدفعه بالأسهل فالأسهل، فيبدأ بقوله: انصرِفْ واذهَبْ، وإلَّا نفعل بك (٢). قلت: وليس في كلام أحمد ولا في السُّنَّة الصَّحيحة ما يقتضي هذا التَّفصيل، بل الأحاديث الصَّحيحة تدلُّ على خلافه، فإنَّ في «الصَّحيحين» (٣) عن أنس: أنَّ رجلًا اطَّلع من جُحرٍ في حُجرة (٤) النَّبيِّ ﷺ ، فقام إليه بمِشْقَصٍ أو بمَشاقِصَ، وجعل يَخْتِلُه ليطعنَه. فأين الدَّفع بالأسهل وهو ﷺ يَخْتِله أو (٥) يختبئ له ويختفي ليطعنه؟ وفي «الصَّحيحين» (٦) أيضًا من حديث سهل بن سعدٍ: أنَّ رجلًا اطَّلع في جُحْرِ بابِ النَّبيِّ ﷺ ، وفي يد النَّبيِّ ﷺ مِدْرًى يَحُكُّ به (٧) رأسه، فلمَّا رآه قال: «لو أعلم أنَّك تنظرني لطعنتُ به عينَك (٨)، إنَّما جُعِل الاستئذان من أجل

стр. 3422

البصر». وفيهما (١) أيضًا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لو أنَّ امرءًا اطَّلع عليك بغير إذنٍ، فحذَفْتَه بحصاةٍ ففقأتَ عينَه، لم يكن عليك جُناحٌ». وفيهما (٢) أيضًا: «من اطَّلع في بيت قومٍ بغير إذنهم فَفَقَأوا عينَه فلا ديةَ له ولا قصاصَ». وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيميَّة، وقال (٣): ليس هذا من باب دفع الصَّائل، بل من باب عقوبة المعتدي المؤذي. وعلى هذا فيجوز له فيما بينه وبين الله تعالى قتلُ من اعتدى على حريمه، سواءٌ كان محصَنًا أو غير محصَنٍ، معروفًا بذلك أو غيرَ معروفٍ، كما دلَّ عليه كلام الأصحاب وفتاوي الصَّحابة. وقد قال الشَّافعيُّ وأبو ثورٍ: يَسَعُه قتلُه فيما بينه وبين الله تعالى إذا كان الزَّاني مُحصَنًا، جعلاه من باب الحدود. وقال أحمد وإسحاق: يُهدَر دمه إذا جاء بشاهدين، ولم يفصلا بين المحصَن وغيره. واختلف قول مالك في هذه المسألة، فقال ابن حبيب: إن كان المقتول

стр. 3423

مُحصَنًا وأقام الزَّوج البيِّنةَ فلا شيء عليه، وإلَّا قُتِل به. وقال ابن القاسم: إذا قامت البيِّنة فالمحصن وغير المحصن سواءٌ، ويُهدَر دمُه. واستحبَّ ابن القاسم الدِّية في غير المحصن. فإن قيل: فما تقولون في الحديث المتَّفق على صحَّته (١) عن أبي هريرة: أنَّ سعد بن عبادة قال: يا رسول الله، أرأيتَ الرَّجل يجدُ مع امرأته رجلًا أيقتله؟ فقال رسول الله ﷺ : «لا»، فقال سعد: بلى والَّذي بعثك بالحقِّ، فقال رسول الله ﷺ : «اسمعوا إلى ما يقول سيِّدكم». وفي اللَّفظ الآخر (٢): إن وجدتُ مع امرأتي رجلًا أُمهِلُه حتَّى آتي بأربعة شهداء؟ قال: «نعم»، قال: والَّذي بعثَك بالحقِّ إن كنتُ لأعاجِلُه بالسَّيف قبل ذلك، قال رسول الله ﷺ : «اسمعوا إلى ما يقول سيِّدكم، إنَّه لغَيورٌ، وأنا أغيرُ منه، والله أغيرُ منِّي». قلنا: نتلقَّاه بالقبول والتَّسليم والقول بموجبه، وآخرُ الحديث دليلٌ على أنَّه لو قتله لم يُقَدْ به؛ لأنَّه قال: بلى والَّذي أكرمك بالحقِّ، ولو وجب عليه القصاص بقتله لما أقرَّه على هذا الحلف، ولما أثنى على غَيرتِه، ولقال: لو قتلتَه قُتِلتَ به. وحديث أبي هريرة صريحٌ في هذا، فإنَّ (٣) رسول الله ﷺ قال: «أتعجبون

стр. 3424

من غيرة سعد؟ فواللَّه لأنا أغيرُ منه، والله أغيرُ منِّي»، ولم ينكر عليه. ونهيُه (١) عن قتله لأنَّ قوله ﷺ حكمٌ مُلزِمٌ، وكذلك فتواه حكمٌ عامٌّ للأمَّة، فلو أَذِنَ له في قتله لكان ذلك حكمًا منه بأنَّ دمه هدرٌ في ظاهر الشَّرع وباطنِه، ووقعت المفسدةُ التي درأها الله بالقصاص، وتهالكَ النَّاس في قتل من يريدون قتلَه في دُورهم ويَدَّعون أنَّهم كابَرُوهم (٢) على حريمهم، فسَدَّ الذَّريعة، وحَمى المفسدة، وصانَ الدِّماء. وفي ذلك دليلٌ على أنَّه لا يُقبل قول القاتل، ويُقَاد به في ظاهر الشَّرع، فلمَّا حلف سعد أنَّه يقتله ولا ينتظر به الشُّهود عجِبَ النَّبيُّ ﷺ من غيرته، وأخبر أنَّه غَيورٌ، وأنَّه ﷺ أغيرُ منه، والله أشدُّ غيرةً. وهذا يحتمل معنيين: أحدهما: إقراره وسكوتُه على ما حلفَ عليه سعد أنَّه جائزٌ له فيما بينه وبين اللَّه، ونهيُه عن قتْلِه في ظاهر الشَّرع، ولا يتناقض أوَّلُ الحديث وآخره. والثَّاني: أنَّ رسول الله ﷺ قال ذلك كالمُنكِر على سعد، فقال: «ألا تسمعون إلى ما يقول سيِّدكم!» يعني: أنا أنهاه عن قتله، وهو يقول: بلى والَّذي أكرمَك بالحقِّ. ثمَّ أخبر عن الحامل له على هذه المخالفة، وأنَّه شدَّة غيرته، ثمَّ قال: «أنا أغيرُ منه، والله أغيرُ منِّي». وقد شرع إقامة الشُّهداء

стр. 3425

الأربعة مع شدَّة غيرته سبحانه، فهي مقرونةٌ بحكمةٍ ومصلحةٍ ورحمةٍ وإحسانٍ، فاللَّه سبحانه مع شدَّة غيرته أعلمُ بمصالح عبادِه وما شرعَه لهم من إقامة الشُّهود الأربعة دون المبادرة إلى القتل، وأنا أغيرُ من سعدٍ وقد نهيتُه عن قتله. وقد يريد رسول الله ﷺ كلا الأمرين، وهو الأليقُ بكلامه وسياقة القصَّة. والله أعلم. فصل في حكمه ﷺ في لحوق النَّسب بالزَّوج إذا خالف لونُ ولده لونَه ثبت عنه في «الصَّحيحين» (١) أنَّ رجلًا قال له: إنَّ امرأتي ولدت غلامًا أسود ــ كأنَّه يُعرِّض بنفيه ــ فقال النَّبيُّ ﷺ : «هل لك من إبلٍ؟»، قال: نعم. قال: «ما لونها؟»، قال: حُمْرٌ. قال: «فهل فيها من أورقَ؟»، قال: نعم. قال رسول الله ﷺ : «فأنَّى أتاها ذلك؟»، قال: لعلَّه يا رسول الله أن يكون نَزَعَها (٢) عِرْقٌ. فقال النَّبيُّ ﷺ : «وهذا لعلَّ أن يكونَ (٣) نَزَعَه عِرْقٌ». وفي هذا الحديث من الفقه أنَّ الحدَّ لا يجب بالتَّعريض إذا كان على وجه السُّؤال والاستفتاء. ومن أَخذ منه أنَّه لا يجب بالتَّعريض ولو كان على وجه المقابحة والمشاتمة فقد أبعد النُّجعةَ، وربَّ تعريضٍ أفهمُ وأوجعُ للقلب وأبلغُ في النِّكاية من التَّصريح، وبِساط الكلام وسياقه يردُّ ما ذكروه من الاحتمال، ويجعل الكلام قطعيَّ الدَّلالة على المراد. وفيه أنَّ مجرَّد الرِّيبة لا يُسوِّغ اللِّعان ونفْيَ الولد. وفيه ضرب الأمثال والأشباه والنَّظائر في الأحكام، ومن تراجم البخاريِّ

стр. 3426

في «صحيحه» على هذا الحديث (١): باب من شبَّه أصلًا معلومًا بأصل مبيَّنٍ قد بيَّن الله حكمهما (٢) ليفهم السَّائل، وساق معه حديث: «أرأيت لو كان على أمِّك دَينٌ»؟ (٣).

стр. 3427

فصل في حكمه ﷺ بالولد للفراش، وأن الأمة تكون فراشًا، وفيمن استلحق بعدَ موتِ أبيه ثبت في «الصَّحيحين» (١) من حديث عائشة قالت: اختصم سعد بن أبي وقَّاصٍ وعبد بن زَمْعَة في غلامٍ، فقال سعد: هذا يا رسولَ الله ابنُ أخي عتبةَ بن أبي وقّاص، عهِدَ إليَّ أنَّه ابنه، انظُرْ إلى شَبَهِه. وقال عبد بن زَمْعة: هذا أخي يا رسول الله، وُلِد على فراش أبي من وليدته. فنظر رسول الله ﷺ ، فرأى شَبَهًا بيِّنًا بعتبة فقال: «هو لك يا عبدُ بنَ زمعة، الولد للفراش وللعاهر الحجر، واحتجبي منه يا سودة». فلم تَرَه سودةُ قطُّ. فهذا الحكم النَّبويُّ أصلٌ في ثبوت النَّسب بالفراش، وفي أنَّ الأمة تكون فراشًا بالوطء، وفي أنَّ الشَّبَه إذا عارض الفراش قُدِّم عليه الفراش، وفي أنَّ أحكام النَّسب تتبعَّض فتثبتُ من وجهٍ دون وجهٍ، وهو الذي يُسمِّيه بعض الفقهاء (٢) حكمًا بين حكمين، وفي أنَّ القافة حقٌّ وأنَّها من الشَّرع. فأمَّا ثبوت النَّسب بالفراش فأجمعت عليه الأمَّة. وجهات ثبوت النَّسب أربعةٌ: الفراش، والاستلحاق، والبيِّنة، والقافة. فالثَّلاثة الأُوَل متَّفقٌ عليها، واتَّفق المسلمون على أنَّ (٣) النِّكاح يثبت به

стр. 3428

الفراش. واختلفوا في التَّسرِّي، فجعله جمهور الأمَّة موجبًا للفراش، واحتجُّوا بصريح حديث عائشة الصَّحيح، وأنَّ النبيَّ ﷺ قضى بالولد لزَمْعة، وصرَّح بأنَّه صاحب الفراش، وجعل ذلك علَّةً للحكم بالولد له، فسببُ الحكم ومحلُّه إنَّما كان في الأمة، فلا يجوز إخلاء الحديث منه وحملُه على الحرَّة التي لم تُذكَر البتَّةَ، وإنَّما كان الحكم في غيرها، فإنَّ هذا يستلزم إلغاءَ ما اعتبره الشَّارع وعلَّق الحكم به صريحًا، وتعطيلَ محلِّ الحكم الذي كان لأجله وفيه. ثمَّ لو لم يَرِد الحديث الصَّحيح فيه لكان هو مقتضى الميزان الذي أنزله الله تعالى ليقوم النَّاس بالقسط، وهو التَّسوية بين المتماثلين، فإنَّ السُّرِّيَّة فراشٌ حسًّا وحقيقةً وحكمًا، كما أنَّ الحرَّة كذلك، وهي تُراد لما تُراد له الزَّوجة من الاستمتاع والاستيلاد، ولم يزل النَّاس قديمًا وحديثًا يرغبون في السَّراريِّ لاستيلادهنَّ واستفراشهنَّ، والزَّوجة إنَّما سمِّيت فراشًا لمعنًى هي والسُّرِّيَّة فيه على حدٍّ سواءٍ. وقال أبو حنيفة: لا تكون الأمة فراشًا بأوَّل ولدٍ ولدتْه من السَّيِّد، فلا يلحقه الولد إلا إذا استلحقه، فيَلْحَقُه حينئذٍ بالاستلحاق لا بالفراش، فما ولدت بعد ذلك لحِقَه، إلا أن ينفيه. فعندهم ولدُ الأمة لا يَلْحَق السَّيِّدَ (١) إلا أن يتقدَّمه ولدٌ مستلحقٌ، ومعلومٌ أنَّ النبيَّ ﷺ ألحق الولدَ بزمعة وأثبتَ نسبَه منه، ولم يَثبُتْ قطُّ أنَّ هذه الأمة ولدتْ له قبل ذلك غيرَه، ولا سأل النبيُّ ﷺ عن ذلك ولا استفصلَ فيه.

стр. 3429

قال منازعوهم: وليس لهذا التَّفصيل أصلٌ في كتابٍ ولا سنَّةٍ ولا أثرٍ عن صاحبٍ، ولا تقتضيه قواعد الشَّرع وأصوله. قالت الحنفيَّة: نحن لا ننكر كونَ الأمة فراشًا في الجملة، ولكنَّه فراشٌ ضعيفٌ هي فيه دون الحرَّة، فاعتبرنا ما تَعتِق به، بأن تَلِدَ منه ولدًا فيستلحقه، فما ولدتْ بعد ذلك لحِقَ به إلا أن ينفيه، وأمَّا الولد الأوَّل فلا يَلحقُه إلا بالاستلحاق، ولهذا قلتم: إنَّه إذا استلحق ولدًا من أمته لم يَلْحَقه ما بعده إلا باستلحاقٍ مستأنفٍ، بخلاف الزَّوجة. والفرق بينهما: أنَّ عقد النِّكاح إنَّما يُراد للوطء والاستفراش، بخلاف مِلْك اليمين، فإنَّ الوطء والاستفراش فيه تابعٌ، ولهذا يجوز ورودُه على من يحرم عليه وطؤها بخلاف عقد النِّكاح. قالوا: والحديث لا حجَّةَ لكم فيه؛ لأنَّ وطء زمعة لم يثبت، وإنَّما ألحقه النَّبيُّ ﷺ بعَبْدٍ أخًا لأنَّه استلحقه، فألحقَه باستلحاقه لا بفراش الأب. قال الجمهور: إذا كانت الأمة موطوءةً فهي فراشٌ حقيقةً وحكمًا، واعتبارُ ولادتها السَّابقة في صيرورتها فراشًا اعتبارُ ما لا دليلَ على اعتباره شرعًا، والنَّبيُّ ﷺ لم يعتبره في فراش زَمْعة، فاعتباره تحكُّمٌ. وقولكم: إنَّ الأمة لا تُراد للوطء، فالكلام في الأمة الموطوءة التي اتُّخِذتْ سُرِّيَّةً وفراشًا وجُعِلت كالزَّوجة أو أحظى (١) منها، لا في أَمتِه التي هي أختُه من الرَّضاع ونحوها. وقولكم: إنَّ وطء زمعة لم يثبت حتَّى يَلْحَق به الولد، ليس علينا جوابه، بل جوابه على من حكم بلحوق الولد بزَمْعة وقال لابنه: هو أخوك.

стр. 3430

وقولكم: إنَّما ألحقه بالأخ لأنَّه استلحقه، باطلٌ، فإنَّ المستلْحَق إن (١) لم يُقِرَّ به جميعُ الورثة لم يَلْحَق بالمُقِرِّ، إلا أن يشهد منهم اثنان أنَّه وُلد على فراش الميِّت، وعَبْدٌ لم يكن (٢) جميعَ الورثة، فإنَّ سودةَ زوجةَ النَّبيِّ ﷺ أختُه، وهي لم تُقِرَّ به ولم تَستلحِقْه، وحتَّى لو أقرَّت به مع أخيها عبْدٍ لكان ثبوت النَّسب بالفراش لا بالاستلحاق، فإنَّ النبيَّ ﷺ صرَّح عقيبَ حكمِه بإلحاق النَّسب بأنَّ الولد للفراش، معلِّلًا بذلك، منبِّهًا على قضيَّةٍ كلِّيَّةٍ عامَّةٍ تتناول هذه الواقعةَ وغيرها. ثمَّ جواب هذا الاعتراض الباطل المحرَّم أنَّ ثبوت كون الأمة فراشًا بالإقرار من الواطئ أو وارثِه كافٍ في لُحوق النَّسب، فإنَّ النبيَّ ﷺ ألحقه (٣) به بقوله: ابن وليدةِ أبي، وُلِد على فراشه، كيف وزَمعةُ كان صِهْر النَّبيِّ ﷺ وابنتُه تحتَه، فكيف لا يثبت عنده الفراش الذي يلحق به النَّسب؟ وأمَّا ما نقضتم به علينا أنَّه إذا استلحق ولدًا من أمته لم يلحقْه ما بعده إلا بإقرارٍ مستأنفٍ، فهذا فيه قولان لأصحاب أحمد هذا أحدهما، والثَّاني: أنَّه يلحقه وإن لم يستأنف إقرارًا. ومن رجَّح القول الأوَّل قال: قد يستبرئها السَّيِّدُ بعد الولادة فيزول حكم الفراش بالاستبراء، فلا يَلحقُه ما بعد الأوَّل إلا باعترافٍ مستأنفٍ أنَّه وطئها كالحال في أوَّل ولدٍ. ومن رجَّح الثَّاني قال: قد ثبت كونها فراشًا أوَّلًا، والأصل بقاء الفراش حتَّى يثبتَ ما يُزيله، إذ ليس هذا نظيرَ قولكم: إنَّه لا يلحقه الولد مع اعترافه بوطئها حتَّى يستلحقه.

стр. 3431

وأبطلُ من هذا الاعتراض قولُ بعضهم (١): إنَّه لم يُلحِقه به أخًا، وإنَّما جعله له عبدًا، ولهذا أتى فيه بلام التَّمليك فقال: «هو لك» أي: مملوكُك. وقوَّى هذا الاعتراضَ بأنَّ في بعض ألفاظ الحديث: «هو لك عبدٌ» (٢)، وبأنَّه أمر سودةَ أن تحتجبَ منه، ولو كان أخاها لما أمرها بالاحتجاب منه، فدلَّ على أنَّه أجنبيٌّ منها. قال: وقوله: «الولد للفراش» تنبيهٌ على عدم لحوق نسبه بزَمْعة، أي لم تكن هذه الأمة فراشًا له؛ لأنَّ الأمة لا تكون فراشًا، والولد إنَّما هو للفراش، وعلى هذا يصحُّ أمر احتجابِ سودةَ منه. قال: ويُؤكِّده أنَّ في بعض طرق الحديث: «احتجبي منه فإنَّه ليس لكِ بأخٍ» (٣). قالوا: وحينئذٍ فتبيَّن أنَّا أسعدُ بالحديث وبالقضاء النَّبويِّ منكم. قال الجمهور: الآن حَمِيَ الوطيسُ، والتقتْ حَلْقتا البِطانِ، فنقول ــ والله

стр. 3432

المستعان ــ أمَّا قولكم: إنَّه لم يُلحِقه به أخًا وإنَّما جعله عبدًا، يردُّه ما رواه محمَّد بن إسماعيل البخاريُّ في «صحيحه» (١) في هذا الحديث: «هو لك، هو أخوك يا عبدُ بن زَمْعة»، وليست اللَّام للتَّمليك، وإنَّما هي للاختصاص كقوله: «الولد للفراش». فأمَّا لفظة: «هو لك عبدٌ»، فروايةٌ باطلةٌ لا تصحُّ أصلًا. وأمَّا أمره سودةَ بالاحتجاب منه، فإمَّا أن يكون على طريق الاختيار (٢) والورع لمكان الشُّبهة التي أورثها الشَّبَهُ البيِّن بعتبة، وإمَّا أن يكون مراعاةً للشَّبَهينِ وإعمالًا للدَّليلينِ، فإنَّ الفراش دليلُ لحوق النَّسب، والشَّبه بغير صاحبه دليلُ نفيِه، فأعمل أمر الفراش بالنِّسبة إلى المدَّعي لقوَّته، وأعمل الشَّبه بعتبة بالنِّسبة إلى ثبوت المَحرميَّة بينه وبين سودة. وهذا من أحسن الأحكام وأبينها وأوضحها، ولا يمتنع ثبوتُ النَّسب من وجهٍ دون وجهٍ، فهذا الزَّاني يثبت النَّسب بينه وبين الولد في التَّحريم والبعضيَّة، دون الميراث والنَّفقة والولاية وغيرها، وقد يتخلَّف بعض أحكام النَّسب عنه مع ثبوته لمانعٍ، وهذا كثيرٌ في الشَّريعة، فما يُنكَر (٣) مِن تخلُّفِ المحرميَّةِ بين سودة وبين هذا الغلام لمانعِ الشَّبَهِ بعتبة؟ وهل هذا إلا محض الفقه؟ وقد عُلِم بهذا معنى قوله: «ليس لك بأخٍ» لو صحَّت هذه اللَّفظة، مع أنَّها لا تصحُّ، وقد ضعَّفها أهل العلم بالحديث، ولا نبالي بصحَّتها مع قوله لعبد: «هو أخوك». وإذا جمعتَ أطرافَ كلام النَّبيِّ ﷺ ، وقرنت قوله: «هو أخوك»

стр. 3433

بقوله: «الولد للفراش وللعاهر الحجر»، تبيَّن لك بطلان ما ذكروه من التَّأويل، وأنَّ الحديث صريحٌ في خلافه، لا يحتمله بوجهٍ، والله أعلم. والعجب أنَّ منازعينا في هذه المسألة يجعلون الزَّوجة فراشًا بمجرَّد العقد، وإن كان بينها وبين الزَّوج بُعْدُ المشرقين، ولا يجعلون سُرِّيَّته التي تكرَّرَ استفراشه لها ليلًا ونهارًا فراشًا! فصل واختلف الفقهاء فيما تصير به الزَّوجة فراشًا، على ثلاثة أقوالٍ: أحدها: أنَّه نفس العقد وإن عُلِم أنَّه لم يجتمع بها، بل لو طلَّقها عقيبَه في المجلس، وهذا مذهب أبي حنيفة. والثَّاني: أنَّه العقد مع إمكان الوطء، وهذا مذهب الشَّافعيِّ وأحمد. والثَّالث: أنَّه العقد مع الدُّخول المحقَّق لا إمكانُه المشكوك فيه. وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيميَّة، وقال (١): إنَّ أحمد أشار إليه في رواية حرب، فإنَّه نصَّ في روايته (٢) فيمن طلَّق قبل البناء وأتت امرأته بولدٍ فأنكره، أنَّه ينتفي عنه بغير لعانٍ. وهذا هو الصَّحيح المجزوم به، وإلَّا فكيف تصير المرأة فراشًا ولم يدخل بها الزَّوج ولم يَبْنِ بها لمجرَّد إمكانٍ بعيدٍ؟ وهل يَعُدُّ أهلُ العرف أو اللُّغة المرأةَ فراشًا قبل البناء بها؟ وكيف تأتي الشَّريعة بإلحاق نسبٍ بمن لم يَبْنِ بامرأته ولا دخلَ بها ولا اجتمع بها لمجرَّد إمكان ذلك؟ وهذا

стр. 3434

الإمكان قد يقطع بانتفائه عادةً، فلا تصير المرأة فراشًا إلا بدخولٍ محقَّقٍ. وباللَّه التَّوفيق. وهذا الذي نصَّ عليه في رواية حرب هو الذي تقتضيه قواعده وأصول مذهبه. والله أعلم. واختلفوا أيضًا فيما تصير به الأمة فراشًا، فالجمهور (١) أنَّها لا تصير فراشًا إلا بالوطء , وذهب بعض المتأخِّرين من المالكيَّة (٢) أنَّ الأمة التي تُشترى للوطء دون الخدمة، كالمرتفعة التي يُفهم من قرائن الأحوال أنَّها إنَّما تُراد للتَّسرِّي، فتصير فراشًا بنفس الشِّراء. والصَّحيح أنَّ الأمة والحرَّة لا تصيرانِ فراشًا إلا بالدُّخول. فصل فهذا أحد الأمور الأربعة التي يثبت بها النَّسب، وهو الفراش. الثَّاني: الاستلحاق، وقد اتَّفق (٣) أهل العلم على أنَّ للأب أن يستلحق، فأمَّا الجدُّ فإن كان الأب موجودًا لم يُؤثِّر استلحاقُه شيئًا، وإن كان معدومًا ــ وهو كلُّ الورثة ــ صحَّ إقراره وثبتَ نسبُ المقرِّ به، وإن كان بعضَ الورثة وصدَّقوه فكذلك، وإلَّا لم يثبت نسبُه إلا أن يكون أحد الشَّاهدين فيه. والحكمُ في الأخ كالحكم في الجدِّ سواءٌ. والأصل في ذلك أنَّ من حاز المالَ ثبتَ النَّسبُ بإقراره واحدًا كان أو

стр. 3435

جماعةً، هذا أصلُ مذهب أحمد والشَّافعيِّ، لأنَّ الورثة قاموا مقام الميِّت وحلُّوا محلَّه. وأورد بعض النَّاس على هذا الأصل أنَّه لو كان إجماعُ الورثة على إلحاق النَّسب يُثبِت النَّسب للزمَ إذا أجمعوا على نفي حَمْلٍ من أمةٍ وطئها الميِّت أن يحلُّوا محلَّه في نفي النَّسب، كما حلُّوا محلَّه في إلحاقه. وهذا لا يَلزم؛ لأنَّا اعتبرنا جميعَ الورثة، والحمل من الورثة، فلم يُجمِع الورثة على نفيه. فإن قيل: فأنتم اعتبرتم في ثبوت النَّسب إقرارَ جميع الورثة، والمقرُّ هاهنا إنَّما هو عبد، وسودةُ لم تُقِرَّ به وهي أخته، والنَّبيُّ ﷺ ألحقه بعبدٍ باستلحاقه، ففيه دليلٌ على استلحاق الأخ وثبوت النَّسب بإقراره، ودليلٌ على أنَّ استلحاق أحد الإخوة كافٍ. قيل: سودةُ لم تكن مُنكِرةً، فإنَّ عَبْدًا استلحقه وأقرَّتْه سودةُ على استلحاقه، وإقرارُها وسكوتُها على هذا الأمر ــ المتعدِّي حكمُه إليها من خلوته بها، ورؤيتِه إيَّاها، وصيرورتِه أخًا لها ــ تصديقٌ لأخيها عبْدٍ وإقرارٌ بما أقرَّ به، وإلَّا لبادرتْ إلى الإنكار والتَّكذيب، فجرى رضاها وإقرارها مجرى تصديقها. هذا إن كان لم يصدر منها تصديقٌ صريحٌ فالواقعة واقعة عينٍ، ومتى استلحق الأخُ أو الجدُّ أو غيرهما نسبَ من لو أقرَّ به موروثُهم (١) لَحِقَه= ثبت نسبُه ما لم يكن هناك وارثٌ منازعٌ، فالاستلحاق مقتضٍ لثبوت النَّسب، ومنازعةُ غيرِه من الورثة مانعٌ من الثُّبوت، فإذا وُجِد المقتضي ولم يمنع مانعٌ من اقتضائه ترتَّبَ عليه حكمُه.
следующие страницы →