← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

وأبطلُ من هذا الاعتراض قولُ بعضهم (١): إنَّه لم يُلحِقه به أخًا، وإنَّما جعله له عبدًا، ولهذا أتى فيه بلام التَّمليك فقال: «هو لك» أي: مملوكُك. وقوَّى هذا الاعتراضَ بأنَّ في بعض ألفاظ الحديث: «هو لك عبدٌ» (٢)، وبأنَّه أمر سودةَ أن تحتجبَ منه، ولو كان أخاها لما أمرها بالاحتجاب منه، فدلَّ على أنَّه أجنبيٌّ منها. قال: وقوله: «الولد للفراش» تنبيهٌ على عدم لحوق نسبه بزَمْعة، أي لم تكن هذه الأمة فراشًا له؛ لأنَّ الأمة لا تكون فراشًا، والولد إنَّما هو للفراش، وعلى هذا يصحُّ أمر احتجابِ سودةَ منه. قال: ويُؤكِّده أنَّ في بعض طرق الحديث: «احتجبي منه فإنَّه ليس لكِ بأخٍ» (٣). قالوا: وحينئذٍ فتبيَّن أنَّا أسعدُ بالحديث وبالقضاء النَّبويِّ منكم. قال الجمهور: الآن حَمِيَ الوطيسُ، والتقتْ حَلْقتا البِطانِ، فنقول ــ والله

стр. 3432

المستعان ــ أمَّا قولكم: إنَّه لم يُلحِقه به أخًا وإنَّما جعله عبدًا، يردُّه ما رواه محمَّد بن إسماعيل البخاريُّ في «صحيحه» (١) في هذا الحديث: «هو لك، هو أخوك يا عبدُ بن زَمْعة»، وليست اللَّام للتَّمليك، وإنَّما هي للاختصاص كقوله: «الولد للفراش». فأمَّا لفظة: «هو لك عبدٌ»، فروايةٌ باطلةٌ لا تصحُّ أصلًا. وأمَّا أمره سودةَ بالاحتجاب منه، فإمَّا أن يكون على طريق الاختيار (٢) والورع لمكان الشُّبهة التي أورثها الشَّبَهُ البيِّن بعتبة، وإمَّا أن يكون مراعاةً للشَّبَهينِ وإعمالًا للدَّليلينِ، فإنَّ الفراش دليلُ لحوق النَّسب، والشَّبه بغير صاحبه دليلُ نفيِه، فأعمل أمر الفراش بالنِّسبة إلى المدَّعي لقوَّته، وأعمل الشَّبه بعتبة بالنِّسبة إلى ثبوت المَحرميَّة بينه وبين سودة. وهذا من أحسن الأحكام وأبينها وأوضحها، ولا يمتنع ثبوتُ النَّسب من وجهٍ دون وجهٍ، فهذا الزَّاني يثبت النَّسب بينه وبين الولد في التَّحريم والبعضيَّة، دون الميراث والنَّفقة والولاية وغيرها، وقد يتخلَّف بعض أحكام النَّسب عنه مع ثبوته لمانعٍ، وهذا كثيرٌ في الشَّريعة، فما يُنكَر (٣) مِن تخلُّفِ المحرميَّةِ بين سودة وبين هذا الغلام لمانعِ الشَّبَهِ بعتبة؟ وهل هذا إلا محض الفقه؟ وقد عُلِم بهذا معنى قوله: «ليس لك بأخٍ» لو صحَّت هذه اللَّفظة، مع أنَّها لا تصحُّ، وقد ضعَّفها أهل العلم بالحديث، ولا نبالي بصحَّتها مع قوله لعبد: «هو أخوك». وإذا جمعتَ أطرافَ كلام النَّبيِّ ﷺ ، وقرنت قوله: «هو أخوك»

стр. 3433

بقوله: «الولد للفراش وللعاهر الحجر»، تبيَّن لك بطلان ما ذكروه من التَّأويل، وأنَّ الحديث صريحٌ في خلافه، لا يحتمله بوجهٍ، والله أعلم. والعجب أنَّ منازعينا في هذه المسألة يجعلون الزَّوجة فراشًا بمجرَّد العقد، وإن كان بينها وبين الزَّوج بُعْدُ المشرقين، ولا يجعلون سُرِّيَّته التي تكرَّرَ استفراشه لها ليلًا ونهارًا فراشًا! فصل واختلف الفقهاء فيما تصير به الزَّوجة فراشًا، على ثلاثة أقوالٍ: أحدها: أنَّه نفس العقد وإن عُلِم أنَّه لم يجتمع بها، بل لو طلَّقها عقيبَه في المجلس، وهذا مذهب أبي حنيفة. والثَّاني: أنَّه العقد مع إمكان الوطء، وهذا مذهب الشَّافعيِّ وأحمد. والثَّالث: أنَّه العقد مع الدُّخول المحقَّق لا إمكانُه المشكوك فيه. وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيميَّة، وقال (١): إنَّ أحمد أشار إليه في رواية حرب، فإنَّه نصَّ في روايته (٢) فيمن طلَّق قبل البناء وأتت امرأته بولدٍ فأنكره، أنَّه ينتفي عنه بغير لعانٍ. وهذا هو الصَّحيح المجزوم به، وإلَّا فكيف تصير المرأة فراشًا ولم يدخل بها الزَّوج ولم يَبْنِ بها لمجرَّد إمكانٍ بعيدٍ؟ وهل يَعُدُّ أهلُ العرف أو اللُّغة المرأةَ فراشًا قبل البناء بها؟ وكيف تأتي الشَّريعة بإلحاق نسبٍ بمن لم يَبْنِ بامرأته ولا دخلَ بها ولا اجتمع بها لمجرَّد إمكان ذلك؟ وهذا

стр. 3434

الإمكان قد يقطع بانتفائه عادةً، فلا تصير المرأة فراشًا إلا بدخولٍ محقَّقٍ. وباللَّه التَّوفيق. وهذا الذي نصَّ عليه في رواية حرب هو الذي تقتضيه قواعده وأصول مذهبه. والله أعلم. واختلفوا أيضًا فيما تصير به الأمة فراشًا، فالجمهور (١) أنَّها لا تصير فراشًا إلا بالوطء , وذهب بعض المتأخِّرين من المالكيَّة (٢) أنَّ الأمة التي تُشترى للوطء دون الخدمة، كالمرتفعة التي يُفهم من قرائن الأحوال أنَّها إنَّما تُراد للتَّسرِّي، فتصير فراشًا بنفس الشِّراء. والصَّحيح أنَّ الأمة والحرَّة لا تصيرانِ فراشًا إلا بالدُّخول. فصل فهذا أحد الأمور الأربعة التي يثبت بها النَّسب، وهو الفراش. الثَّاني: الاستلحاق، وقد اتَّفق (٣) أهل العلم على أنَّ للأب أن يستلحق، فأمَّا الجدُّ فإن كان الأب موجودًا لم يُؤثِّر استلحاقُه شيئًا، وإن كان معدومًا ــ وهو كلُّ الورثة ــ صحَّ إقراره وثبتَ نسبُ المقرِّ به، وإن كان بعضَ الورثة وصدَّقوه فكذلك، وإلَّا لم يثبت نسبُه إلا أن يكون أحد الشَّاهدين فيه. والحكمُ في الأخ كالحكم في الجدِّ سواءٌ. والأصل في ذلك أنَّ من حاز المالَ ثبتَ النَّسبُ بإقراره واحدًا كان أو

стр. 3435

جماعةً، هذا أصلُ مذهب أحمد والشَّافعيِّ، لأنَّ الورثة قاموا مقام الميِّت وحلُّوا محلَّه. وأورد بعض النَّاس على هذا الأصل أنَّه لو كان إجماعُ الورثة على إلحاق النَّسب يُثبِت النَّسب للزمَ إذا أجمعوا على نفي حَمْلٍ من أمةٍ وطئها الميِّت أن يحلُّوا محلَّه في نفي النَّسب، كما حلُّوا محلَّه في إلحاقه. وهذا لا يَلزم؛ لأنَّا اعتبرنا جميعَ الورثة، والحمل من الورثة، فلم يُجمِع الورثة على نفيه. فإن قيل: فأنتم اعتبرتم في ثبوت النَّسب إقرارَ جميع الورثة، والمقرُّ هاهنا إنَّما هو عبد، وسودةُ لم تُقِرَّ به وهي أخته، والنَّبيُّ ﷺ ألحقه بعبدٍ باستلحاقه، ففيه دليلٌ على استلحاق الأخ وثبوت النَّسب بإقراره، ودليلٌ على أنَّ استلحاق أحد الإخوة كافٍ. قيل: سودةُ لم تكن مُنكِرةً، فإنَّ عَبْدًا استلحقه وأقرَّتْه سودةُ على استلحاقه، وإقرارُها وسكوتُها على هذا الأمر ــ المتعدِّي حكمُه إليها من خلوته بها، ورؤيتِه إيَّاها، وصيرورتِه أخًا لها ــ تصديقٌ لأخيها عبْدٍ وإقرارٌ بما أقرَّ به، وإلَّا لبادرتْ إلى الإنكار والتَّكذيب، فجرى رضاها وإقرارها مجرى تصديقها. هذا إن كان لم يصدر منها تصديقٌ صريحٌ فالواقعة واقعة عينٍ، ومتى استلحق الأخُ أو الجدُّ أو غيرهما نسبَ من لو أقرَّ به موروثُهم (١) لَحِقَه= ثبت نسبُه ما لم يكن هناك وارثٌ منازعٌ، فالاستلحاق مقتضٍ لثبوت النَّسب، ومنازعةُ غيرِه من الورثة مانعٌ من الثُّبوت، فإذا وُجِد المقتضي ولم يمنع مانعٌ من اقتضائه ترتَّبَ عليه حكمُه.

стр. 3436

ولكن هاهنا أمرٌ آخر، وهو أنَّ إقرار من حاز الميراثَ واستلحاقَه هل هو إقرار خلافةٍ عن الميِّت أو إقرار شهادةٍ؟ هذا فيه خلافٌ، فمذهب أحمد والشَّافعيِّ أنَّه إقرار خلافةٍ، فلا يُشتَرط عدالة المستلحق، بل ولا إسلامه، بل يصحُّ ذلك من الفاسق والدَّيِّن. وقالت المالكيَّة: هو إقرار شهادةٍ، فتُعتبر فيه أهليَّة الشَّهادة، وحكى ابن القصَّار عن مذهب مالك: أنَّ الورثة إذا أقرُّوا بالنَّسب لحِقَ وإن لم يكونوا عدولًا، والمعروف من مذهب مالك خلافه. فصل الثَّالث: البيِّنة ، بأن يشهد شاهدان أنَّه ابنه، أو أنَّه ولد على فراشه من زوجته أو أمته، وإذا شهد بذلك اثنان من الورثة لم يُلتفت إلى إنكار بقيَّتهم وثبت نسبه، ولا يُعرف في ذلك نزاعٌ. فصل الرَّابع: القافة . ذكر حكمِ رسول الله ﷺ وقضائه باعتبار القافة وإلحاقِ النَّسب بها (١) ثبت في «الصَّحيحين» (٢) من حديث عائشة قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ ذات يومٍ مسرورًا تَبْرُقُ أساريرُ وجهه، فقال: «ألم تَرَيْ أنَّ مُجزِّزًا المُدْلِجي نظر آنفًا إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيدٍ، وعليهما قطيفةٌ قد غَطَّيا رؤوسهما وبدت أقدامهما، فقال: إنَّ هذه الأقدام بعضها من بعضٍ».

стр. 3437

فَسُرَّ النَّبيُّ ﷺ بقول القائف، ولو كانت كما يقول المنازعون من أمر الجاهليَّة كالكهانة ونحوها لما سُرَّ بها، ولا أُعجِبَ بها، ولكانت بمنزلة الكهانة، وقد صحَّ عنه وعيدُ من صدَّق كاهنًا. قال الشَّافعيُّ (١): والنَّبيُّ ﷺ أثبته علمًا ولم يُنكِره، ولو كان خطأً لأنكره؛ لأنَّ في ذلك قَذْف المحصنات ونَفْي الأنساب، انتهى. كيف والنَّبيُّ ﷺ قد صرَّح في الحديث الصَّحيح بصحَّتها واعتبارها، فقال في ولد الملاعنة: «إن جاءت به كذا وكذا فهو لهلال بن أمية، وإن جاءت به كذا وكذا فهو لشَرِيك ابن سَحْماء»، فلمَّا جاءت به على شَبَهِ الذي رُمِيتْ به قال: «لولا الأيمانُ لكان لي ولها شأنٌ» (٢). وهل هذا إلا اعتبارٌ (٣) للشَّبه وهو عين القيافة، فإنَّ القائف يتبع أثرَ الشَّبه وينظر إلى من يتَّصل، فيحكم به لصاحب الشَّبه. وقد اعتبر النَّبيُّ ﷺ الشَّبه وبيَّن سببَه، ولهذا لمَّا قالت له أم سلمة: أَوَتَحتلمُ المرأة؟ فقال: «ممَّ يكون الشَّبه؟» (٤). وأخبر في الحديث الصَّحيح (٥) أنَّ ماء الرَّجل إذا سبقَ ماءَ المرأة كان الشَّبه له، وإذا سبقَ ماؤها ماءَه كان الشَّبه لها.

стр. 3438

فهذا اعتبارٌ منه للشَّبه شرعًا وقدرًا، وهذا أقوى ما يكون من طرق الأحكام، أن يتوارد عليه الخَلْق والأمر والشَّرع والقدَر، ولهذا تبعه خلفاؤه الرَّاشدون في الحكم بالقافة. قال سعيد بن منصورٍ: حدَّثنا سفيان، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سليمان بن يسارٍ، عن عمر في امرأةٍ وطئها رجلان في طهرٍ، فقال القائف: قد اشتركا فيه جميعًا، فجعله بينهما (١). قال الشَّعبيُّ: وعلي يقول: هو ابنهما وهما أبواه يَرِثانِه. ذكره سعيد أيضًا (٢).

стр. 3439

وروى الأثرم (١) بإسناده عن سعيد بن المسيِّب في رجلين اشتركا في طُهرِ امرأةٍ فحملتْ، فولدتْ غلامًا يُشبِههما، فرُفِع ذلك إلى عمر بن الخطَّاب، فدعا القافةَ فنظروا فقالوا: نراه يُشبِههما، فألحقه بهما وجعله يَرِثُهما وَيَرِثانِه. ولا يُعرف قطُّ في الصَّحابة من خالف عمر وعليًّا في ذلك، بل حكم عمر بهذا في المدينة وبحضرته المهاجرون والأنصار، فلم يُنكره منهم منكرٌ. قالت الحنفيَّة: قد أجلبتم علينا في القافة بالخيل والرَّجِل، والحكم بالقيافة تعويلٌ على مجرَّد الشَّبه والظَّنِّ والتَّخمين، ومعلومٌ أنَّ الشَّبه يوجد من الأجانب وينتفي من الأقارب، وذكرتم قصَّة أسامة وزيد ونسيتم قصَّة الذي ولدت امرأته غلامًا أسود يخالف لونَهما، فلم يُمكِّنه النَّبيُّ ﷺ من نفيه، ولا جعل للشَّبه ولا لعدمه أثرًا. ولو كان للشَّبه أثرٌ لاكتفى به في ولد الملاعنة، ولم يحتج إلى اللِّعان، ولكان ينتظر ولادته ثمَّ يُلحق بصاحب الشَّبه، ويستغني بذلك عن اللِّعان، بل كان لا يصحُّ نفيُه مع وجود الشَّبه بالزَّوج، وقد دلَّت السُّنَّة الصَّحيحة الصَّريحة على نفيه عن الملاعن ولو كان الشَّبه له، فإنَّ النبيَّ ﷺ قال: «أَبصِرُوها، فإن جاءت به كذا وكذا فهو لهلال بن أمية» (٢)، وهذا قاله بعد اللِّعان ونفي النَّسب عنه، فعُلِم أنَّه لو جاء على الشَّبه المذكور لم يثبت نسبه منه، وإنَّما كان مجيئه على شَبَهِه دليلًا على كذبه، لا على لحوق الولد به.

стр. 3440

قالوا: وأمَّا قصَّة أسامة وزيد فالمنافقون كانوا يطعنون في نسبه من زيد لمخالفة (١) لونِه لونَ أبيه، ولم يكونوا يكتفون بالفراشِ وحُكْمِ الله ورسوله في أنَّه ابنُه، فلمَّا شهد به القائف وافقت شهادتُه حكْمَ الله ورسوله، فسُرَّ بها النَّبيُّ ﷺ لموافقتها حكْمَه ولتكذيبها قولَ المنافقين، لا أنَّه أثبتَ نسبَه بها، فأين في هذا إثباتُ النَّسب بقول القائف؟ قالوا: وهذا معنى الأحاديث التي ذُكِر فيها اعتبار الشَّبَه، فإنَّها إنَّما اعتُبِر فيها (٢) الشَّبهُ في نسبٍ ثابتٍ بغير القيافة، ونحن لا ننكر ذلك. قالوا: وأمَّا حكم عمر وعلي فقد اختُلِف على عمر، فرُوِي عنه ما ذكرتم، ورُوي عنه أنَّ القائف لمَّا قال له: قد اشتركا فيه قال: وَالِ (٣) أيَّهما شئتَ (٤). فلم يعتبر قول القائف. قالوا: وكيف تقولون بالشَّبه، ولو أقرَّ أحد الورثة بأخٍ وأنكره الباقون والشَّبه موجودٌ لم تُثبِتوا النَّسب به، وقلتم: إن لم تتَّفق الورثة على الإقرار به لم يثبت النَّسب؟

стр. 3441

قال أهل الحديث: من العجب أن يُنكِر علينا القولَ بالقافة ويجعلها من باب الحدس والتَّخمين من يُلحِق ولدَ المشرقيِّ بمن في أقصى المغرب، مع القطع بأنَّهما لم يتلاقيا طرفةَ عينٍ (١)، ويُلحِق الولد باثنين (٢) مع القطع بأنَّه ليس ابنًا لأحدهما. هذا، ونحن إنَّما ألحقنا الولد بقول القائف المستند إلى الشَّبه المعتبر شرعًا وقدرًا، فهو استنادٌ إلى ظنٍّ غالبٍ ورأيٍ راجحٍ وأمارةٍ ظاهرةٍ، بقول من هو من أهل الخبرة، فهو أولى بالقبول من قول المقوِّمين. وهل يُنكَر مجيء كثيرٍ من الأحكام مستندًا إلى الأمارات الظَّاهرة والظَّنون الغالبة؟ وأمَّا وجود الشَّبه بين الأجانب (٣) وانتفاؤه بين الأقارب وإن كان واقعًا فهو من أندرِ شيءٍ وأقلِّه، والأحكام إنَّما هي للغالب الكثير، والنَّادر في حكم المعدوم. وأمَّا قصَّة من ولدتْ امرأتُه غلامًا أسود، فهي حجَّةٌ عليكم؛ لأنَّها دليلٌ على أنَّ العادة التي فطر الله عليها النَّاس اعتبارُ الشَّبه، وأنَّ خلافه يوجب رِيبةً، وأنَّ في طباع الخلق إنكارَ ذلك، ولكن لمَّا عارضَ ذلك دليلٌ أقوى منه وهو الفراش كان الحكم للدَّليل القويِّ، وكذلك نقول نحن وسائر النَّاس: إنَّ الفراش الصَّحيح إذا كان قائمًا فلا يُعارَض بقافةٍ ولا شبهٍ، فمخالفةُ (٤) ظاهر الشَّبه لدليلٍ أقوى منه ــ وهو الفراش ــ غير مستنكرٍ، وإنَّما المستنكر مخالفة

стр. 3442

هذا الدَّليل الظَّاهر لغيرِ شيءٍ. وأمَّا تقديم اللِّعان على الشَّبه وإلغاء الشَّبه مع وجوده، فكذلك أيضًا هو من تقديم أقوى الدَّليلين على أضعفهما، وذلك لا يمنع العمل بالشَّبه مع عدم ما يعارضه، كالبيِّنة تُقدَّم على اليد والبراءة الأصليَّة، ويُعمل بهما عند عدمها (١). وأمَّا ثبوت نسب أسامة من زيد بدون القيافة، فنحن لم نُثبِت نسبه بالقيافة، والقيافة دليلٌ آخر موافقٌ لدليل الفراش، فسرور النَّبيِّ ﷺ وفرحُه بها واستبشاره لتعاضُدِ أدلَّة النَّسب وتظافُرها (٢)، لا لإثبات النَّسب بقول القائف وحده، بل هو من باب الفرح بظهور أعلامِ الحقِّ وأدلَّتِه وتكاثرِها، ولو لم تصلح القيافة دليلًا لم يَفْرَحْ بها ولم يُسَرَّ. وقد كان النَّبيُّ ﷺ يَفرح ويُسَرُّ إذا تعاضدت عنده أدلَّة الحقِّ، ويخبر بها الصَّحابة، ويحبُّ أن يسمعوها من المخبر بها؛ لأنَّ النُّفوس تزداد تصديقًا بالحقِّ إذا تعاضدت أدلَّته وتُسَرُّ به وتفرح، وعلى هذا فطر الله عباده، فهذا حكمٌ اتَّفقت عليه الفطرة والشِّرعة. وباللَّه التَّوفيق. وأمَّا ما رُوي عن عمر أنَّه قال: «وَالِ (٣) أيَّهما شئتَ»، فلا تُعرف صحَّته عن عمر، ولو صحَّ عنه لكان قولًا عنه، فإنَّ ما ذكرناه عنه في غاية الصِّحَّة، مع أنَّ قوله: «وَالِ أيَّهما شئتَ» ليس بصريحٍ في إبطال قول القائف، ولو كان

стр. 3443

صريحًا في إبطال قوله لكان في مثل هذا الموضع إذا ألحقه باثنين، كما يقوله الشَّافعيُّ ومن وافقه. وأمَّا إذا أقرَّ أحد الورثة بأخٍ وأنكره الباقون، فإنَّما لم يثبت نسبُه لمجرَّد الإقرار، فأمَّا إذا كان هناك شبهٌ يستند إليه القائف فإنَّه لا يُعتبر إنكارُ الباقين. ونحن لا نَقصُر القافةَ على بني مُدلِجٍ، ولا نعتبر تعدُّد القائف، بل يكفي واحدٌ على الصَّحيح بناءً على أنَّه خبرٌ، وعن أحمد روايةٌ أخرى: أنَّه شهادةٌ فلا بدَّ من اثنين، ولفظ الشَّهادة بناء على اشتراط اللَّفظ. فإن قيل: فالمنقول عن عمر أنَّه ألحقه بأبوين، فما تقولون فيما إذا ألحقته القافة بأبوين، هل تُلحقونه بهما أو لا تلحقونه إلا بواحدٍ؟ وإذا ألحقتموه بأبوينِ فهل يختصُّ ذلك باثنين أم يُلحَق بهم وإن كثروا؟ وهل حُكم الاثنين (١) في ذلك حكم الأبوين أم ماذا حكمهما؟ قيل: هذه مسائل فيها نزاعٌ بين أهل العلم، فقال الشَّافعيُّ ومن وافقه: لا يُلحَق بأبوين، ولا يكون للرَّجل إلا أبٌ واحدٌ، ومتى ألحقتْه القافة باثنين سقط قولها. وقال الجمهور: بل يُلحَق باثنين. ثمَّ اختلفوا، فنصَّ أحمد في رواية مهنا بن يحيى: أنَّه يُلحَق بثلاثةٍ، وقال صاحب «المغني» (٢): ومقتضى هذا أنَّه يُلحَق بمن ألحقته القافة بهم (٣) وإن كثروا. لأنَّه إذا جاز إلحاقه باثنين جاز إلحاقه بأكثر من ذلك، وهذا مذهب أبي حنيفة، لكنَّه لا يقول بالقافة،

стр. 3444

فهو يُلحِقه بالمدَّعين وإن كثروا. وقال القاضي (١): يجب أن لا يُلْحَق بأكثر من ثلاثةٍ، وهو قول محمد بن الحسن. وقال ابن حامد: لا يُلحَق بأكثر من اثنين، وهو قول أبي يوسف. فمن لم يُلحِقه بأكثر من واحدٍ قال: قد أجرى الله سبحانه عادته أنَّ للولد أبًا واحدًا وأمًّا واحدةً، ولذلك يقال: فلان بن فلانٍ، وفلان بن فلانة فقط، ولو قيل: فلان بن فلانٍ وفلانٍ لكان ذلك منكرًا وعُدَّ قذفًا. ولهذا إنَّما يقال يوم القيامة: أين فلان بن فلانٍ؟ (٢) وهذه غَدْرة فلان بن فلانٍ (٣). ولم يُعهَد قطُّ في الوجود نسبةُ ولدٍ إلى أبوين قطُّ. ومن ألحقَه باثنين احتجَّ بقول عمر وإقرار الصَّحابة له على ذلك، وبأنَّ الولد قد ينعقد من ماء رجلين كما ينعقد من ماء الرَّجل والمرأة. ثمَّ قال أبو يوسف (٤): إنَّما جاء الأثر بذلك فيُقتَصر عليه. وقال القاضي: لا يُتعدَّى به ثلاثةٌ؛ لأنَّ أحمد إنَّما نصَّ على الثَّلاثة. والأصل أن لا يُلحَق بأكثر من واحدٍ، وقد دلَّ قول عمر على إلحاقه باثنين مع

стр. 3445

انعقاده من ماء الأمِّ، فدلَّ على إمكان انعقاده من ماء ثلاثةٍ، وما زاد على ذلك فمشكوكٌ فيه. قال المُلحِقون له بأكثر من ثلاثةٍ: إذا جاز خلقُه (١) من ماء رجلين وثلاثةٍ جاز خلقه من ماء أربعةٍ وخمسةٍ، ولا وجهَ لاقتصاره على ثلاثةٍ فقط، بل إمَّا أن يُلحَق بهم وإن كثروا، وإمَّا أن لا يُتعدَّى به واحدٌ، ولا قول سوى القولين. والله أعلم. فإن قيل: إذا اشتمل الرَّحِم على ماء الرَّجل وأراد الله أن يخلق منه الولد، انضمَّ عليه أحكمَ انضمامٍ وأتمَّه حتَّى لا يفسد، فكيف يدخل عليه ماءٌ آخر؟ قيل: لا يمتنع أن يصل الماء الثَّاني إلى حيث وصل الأوَّل فيضمَّ (٢) عليهما، وهذا كما أنَّ الولد ينعقد من ماء الأبوين، وقد سبق ماء الرَّجل ماءَ المرأة أو بالعكس، ومع هذا فلا يمتنع وصول الماء الثَّاني إلى حيث وصل الأوَّل. وقد عُلِم بالعادة أنَّ الحامل إذا تُوبع وطؤها جاء الولد عَبْلَ الجسم (٣) ما لم يعارض ذلك مانعٌ؛ ولهذا ألهم الله سبحانه الدَّوابَّ إذا حملت أن لا تُمكِّن الفحل أن يَنزُوَ عليها، بل تَنفِر عنه كلَّ النِّفار. وقال الإمام أحمد (٤):

стр. 3446

إنَّ وَطْءَ الثَّاني يزيد في سمع الولد وبصره، وقد شبَّهه النَّبيُّ ﷺ بسَقْي الزَّرع (١)، ومعلومٌ أنَّ سَقْيه يزيد في ذاته، والله أعلم. فإن قيل: فقد دلَّ الحديث على حكم استلحاق الولد، وعلى أنَّ الولد للفراش، فما تقولون لو استلحقَ الزَّاني ولدًا لا فِراشَ هناك يعارضه، هل يَلحقه نسبُه ويثبت له أحكام النَّسب؟ قيل: هذه مسألةٌ جليلةٌ اختلف فيها أهل العلم، فكان إسحاق بن راهويه يذهب إلى أنَّ المولود من الزِّنا إذا لم يكن مولودًا على فراشٍ يدَّعيه صاحبه، وادَّعاه الزَّاني= أُلحق به، وأَوَّل قولَ النَّبيِّ ﷺ : «الولد للفراش» على أنَّه حكم بذلك عند تنازع الزَّاني وصاحب الفراش، كما تقدَّم. وهذا مذهب الحسن البصريِّ، رواه عنه إسحاق بإسناده في رجلٍ زنى بامرأةٍ، فولدت ولدًا فادَّعى ولدَها، قال: «يُجلد ويَلزمه الولد» (٢). وهذا مذهب عروة بن الزُّبير وسليمان بن يسارٍ، ذكر عنهما أنَّهما قالا: أيُّما رجلٍ أتى إلى غلامٍ يزعم أنَّه ابنٌ له، وأنَّه زنى بأمِّه، ولم يدَّع ذلك الغلامَ أحدٌ، فهو ابنه (٣). واحتجَّ سليمان بأنَّ عمر بن الخطَّاب كان يُلِيطُ (٤) أولادَ الجاهليَّة بمن ادَّعاهم في

стр. 3447

الإسلام (١). وهذا المذهب كما تراه (٢) قوَّةً ووضوحًا، وليس مع الجمهور أكثر من «الولد للفراش»، وصاحب هذا المذهب أوَّل قائلٍ به، والقياس الصَّحيح يقتضيه، فإنَّ الأب أحد الزَّانيين، وهو إذا كان يُلحَق بأمِّه ويُنسَب إليها، وتَرِثه ويَرِثها، ويثبت النَّسب بينه وبين أقارب أمِّه مع كونها زنَتْ به، وقد وُجِد الولد من ماء الزَّانيين، وقد اشتركا فيه، واتَّفقا على أنَّه ابنهما، فما المانع من لحوقه بالأب إذا لم يَدِّعِه (٣) غيره؟ فهذا محض القياس، وقد قال جُريج للغلام الذي زنت أمُّه بالرَّاعي: من أبوك يا غلام؟ قال: فلانٌ الرَّاعي (٤)، وهذا إنطاقٌ من الله لا يمكن فيه الكذب. فإن قيل: فهل لرسول الله ﷺ في هذه المسألة حكمٌ؟ قيل: قد رُوِي عنه فيها حديثان، نحن نذكر شأنهما. ذكر حكم رسول الله ﷺ في استلحاق ولد الزِّنا وتوريثه ذكر أبو داود في «سننه» (٥) من حديث ابن عبَّاسٍ قال: قال رسول الله

стр. 3448

- ﷺ : «لا مُساعاةَ في الإسلام، من ساعى في الجاهليَّة فقد لحق بعَصَبته، ومن ادَّعى ولدًا من غير رِشْدةٍ فلا يَرِث ولا يُورَث». المساعاة: الزِّنا، وكان الأصمعيُّ يجعلها في الإماء دون الحرائر، لأنَّهنَّ يَسعَين لمواليهنَّ فيكسبن لهم، وكان عليهنَّ ضرائبُ مقرَّرةٌ، فأبطل النَّبيُّ ﷺ المساعاة في الإسلام، ولم يُلحِق النَّسبَ بها، وعفا عمَّا كان في الجاهليَّة منها (١)، وألحقَ النَّسبَ به. وقال الجوهري (٢): يقال زنى الرَّجلُ وعَهَرَ، فهذا قد يكون بالحرَّة والأمة، ويقال في الأمة خاصَّةً: قد ساعاها. ولكن في إسناد هذا الحديث رجلٌ مجهولٌ، فلا تقوم به حجَّةٌ. وروى أيضًا في «سننه» (٣) من حديث عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه أنَّ النبيَّ ﷺ قضى أنَّ كلَّ مُستلْحَقٍ استُلْحِق بعد أبيه الذي يُدعى له ادَّعاه ورثته، فقضى أنَّ كلَّ من كان من أمةٍ يملكها يومَ أصابها فقد لَحِقَ مَنْ (٤) استلحقه، وليس له ممَّا قُسِم قبله، وما أَدركَ من ميراثٍ لم يُقسَم فله نصيبُه،

стр. 3449

ولا يَلْحَقُ إذا كان أبوه الذي يُدعى له أنكره. وإن كان من أمةٍ لم يَملِكْها أو من حرَّةٍ عاهَرَ بها فإنَّه لا يَلْحَق ولا يرِث، وإن كان الذي يُدعى له هو ادَّعاه، فهو ولدُ زِنيةٍ من حرَّةٍ كان أو أمةٍ. وفي روايةٍ (١): وهو ولدُ زنًا لأهلِ أمِّه من كانوا، حرَّةً أو أمةً. وذلك فيما استلحق في أوَّلِ الإسلام، فما اقتسمَ من مالٍ قبل الإسلام فقد مضى. وهذا الحديث في إسناده مقالٌ؛ لأنَّه من رواية محمَّد بن راشدٍ المكحوليِّ. وكان قومٌ في الجاهليَّة لهم إماءٌ بغايا، فإذا ولدت أمة أحدهم وقد وطئها غيره بالزِّنا فربَّما ادَّعاه سيِّدها، وربَّما ادَّعاه الزَّاني، واختصما في ذلك، حتَّى قام الإسلام، فحكَمَ النَّبيُّ ﷺ بالولد للسَّيِّد؛ لأنَّه صاحب الفراش، ونفاه عن الزَّاني. ثمَّ تضمَّن هذا الحديث أمورًا: منها: أنَّ المستلْحَق إذا استُلْحِق بعد أبيه الذي يُدعى له، ادَّعاه ورثته، فإن كان الولد من أمةٍ يملكها الواطئ يومَ أصابها فقد لَحِقَ بمن استلحقه، يعني إذا كان الذي استلحقه ورثةَ مالكِ الأمة، صار (٢) ابنه من يومئذٍ، وليس له ممَّا قُسِّم قبله من الميراث شيءٌ؛ لأنَّ هذا تجديد حكمٍ بنسبٍ (٣)، ومن

стр. 3450

يومئذٍ ثبتَ نسبُه، فلا يرجع بما اقتسم قبله من الميراث؛ إذ لم يكن حكم البنوَّة ثابتًا، وما أدرك من ميراثٍ لم يُقسَم فله نصيبُه منه؛ لأنَّ الحكم ثبت قبل قِسمةِ الميراث، فيستحقُّ منه نصيبَه (١). وهذا نظيرُ من أسلم على ميراثٍ قبل قَسْمِه، قُسِمَ له في أحد قولي العلماء، وهو إحدى الرِّوايتين عن أحمد. وإن أسلم بعد قَسْم الميراث فلا شيء له. فثبوتُ النَّسب هاهنا بمنزلة الإسلام بالنِّسبة إلى الميراث. قوله: «ولا يَلْحَق إذا كان أبوه الذي يُدعى له أنكره»، هذا يُبيِّن أنَّ التَّنازع بين الورثة، وأنَّ الصُّورة الأولى أن يستلحقه ورثة أبيه الذي كان يُدعى له. وهذه الصُّورة إذا استلحقه ورثته، وأبوه الذي يُدعى له كان ينكر، فإنَّه لا يَلْحَق؛ لأنَّ الأصل الذي الورثةُ خَلَفٌ عنه مُنكِرٌ له، فكيف يلحق به مع إنكاره؟ فهذا إذا كان من أمةٍ يملكها. وأمَّا إذا كان من أمةٍ لم يملكها، أو من حرَّةٍ عاهَرَ بها، فإنَّه لا يَلْحَق ولا يرِث وإن ادَّعاه الواطئ، وهو ولدُ زِنْيةٍ من حرّة كان أو من أمة. وهذا حجَّة الجمهور على إسحاق ومن قال بقوله: إنَّه لا يلحق بالزَّاني إذا ادَّعاه، ولا يرثه، وأنَّه ولدُ زِنًا لأهلِ أمِّه من كانوا، حرَّةً كانت أو أمةً. وأمَّا ما اقتسم من مالٍ قبل الإسلام فقد مضى. فهذا الحديث يردُّ قول إسحاق ومن وافقه، لكن فيه محمَّد بن راشدٍ، ونحن نحتجُّ بعمرو بن شعيبٍ، فلا نُعلِّل الحديث به، فإن ثبت هذا الحديث تعيَّن القولُ بموجبه والمصيرُ إليه، وإلَّا فالقول قول إسحاق ومن معه، والله المستعان.

стр. 3451

ذكر الحكم الذي حكم به علي بن أبي طالب في الجماعة الذين وقعوا على امرأة في طهرٍ واحد، ثم تنازعوا الولدَ، فأقرعَ بينهم فيه، ثم بلغ النبيَّ ﷺ ، فضحكَ ولم يُنكِره ذكر أبو داود والنَّسائيُّ في «سننهما» (١) من حديث عبد الله بن الخليل عن زيد بن أرقم قال: كنت جالسًا عند النَّبيِّ ﷺ ، فجاء رجلٌ من أهل اليمن فقال: إنَّ ثلاثة نفرٍ من أهل اليمن أَتَوا عليًّا يختصمون إليه في ولدٍ، قد وقعوا على امرأةٍ في طهرٍ واحدٍ، فقال لاثنين: طِيبَا بالولد لهذا، فغَلبا (٢)، ثمَّ قال لاثنين: طِيبَا بالولد لهذا، فغلبا، ثمَّ قال لاثنين: طيبا بالولد لهذا، فغلبا (٣)، فقال: أنتم شركاء مُتشاكِسون، إنِّي مُقرِعٌ بينكم، فمن قَرَع فله الولد، وعليه

стр. 3452

لصاحبيه ثلثا الدِّية، فأقرع بينهم، فجعله لمن قَرَع. فضحك رسول الله ﷺ حتَّى بَدَتْ أضراسُه أو نواجذُه. وفي إسناده يحيى بن عبد الله الكندي الأجلح، ولا يُحتجُّ بحديثه. لكن رواه أبو داود والنَّسائيُّ (١) بإسنادٍ كلُّهم ثقاتٌ إلى عبد خير عن زيد بن أرقم، قال: أتي عليٌّ بثلاثةٍ ــ وهو باليمن ــ وقعوا على امرأةٍ في طهرٍ واحدٍ، فسأل اثنين: أتُقِرَّان لهذا (٢)؟ قالا: لا، حتَّى سألهم جميعًا، فجعل كلَّما سأل اثنين قالا: لا. فأقرع بينهم، فألحق الولدَ بالَّذي صارت عليه القرعة، وجعلَ عليه ثلثي (٣) الدِّية. قال: فذكر ذلك للنَّبيِّ ﷺ ، فضحك حتَّى بدتْ نواجذُه. وقد أُعِلَّ هذا الحديث بأنَّه رُوِي عن عبدِ خيرٍ بإسقاط زيد بن أرقم، فيكون مرسلًا. قال النَّسائيُّ: وهذا أصوب. وهذا عَجَبٌ (٤)؛ فإنَّ إسقاط زيد بن أرقم من هذا الحديث لا يجعله مرسلًا، فإنَّ عبدَ خيرٍ أدرك عليًّا وسمع منه، وعليٌّ صاحب القصَّة، فهَبْ أنَّ زيد بن أرقم لا ذِكْرَ له في المتن (٥)، فمن أين يجيء الإرسال؟ إلا أن يقال:

стр. 3453

عبدُ خير لم يشاهدْ ضَحِكَ النَّبيِّ ﷺ ! وعليٌّ كان إذ ذاك باليمن، وإنَّما شاهد ضَحِكَه ﷺ زيدُ بن أرقم أو غيره من الصَّحابة، وعبدُ خير لم يذكر مَن شاهدَ ضَحِكَه، فصار الحديث به مرسلًا. فيقال إذًا: قد صحَّ السَّند عن عبد خير عن زيد بن أرقم متَّصلًا، فمن رجَّح الاتِّصال لكونه زيادةً من الثِّقة فظاهرٌ، ومن رجَّح روايةَ الأحفظ والأضبط، وكان التَّرجيح من جانبه، ولم يكن عليٌّ قد أخبره بالقصَّة= فغايتها أن تكون مرسلةً، وقد يقوى الحديث بروايته من طريقٍ أخرى متَّصلًا. وبعد، فاختلف الفقهاء في هذا الحكم، فذهب إليه إسحاق بن راهويه وقال: هو السُّنَّة في دعوى الولد، وكان الشَّافعيُّ يقول به في القديم، وأمَّا الإمام أحمد، فسئل عن هذا الحديث، فرجَّح عليه حديثَ القافة، وقال: حديثُ القافة أحبُّ إليَّ (١). وهاهنا أمران، أحدهما: دخول القرعة في النَّسب، والثَّاني: تغريمُ من خرجت له القرعة ثُلثَي ديةِ ولدِه لصاحبيه. فأمَّا القرعة فقد تُستعمل عند فقدان مرجِّحٍ سواها من بيِّنةٍ أو إقرارٍ أو قافةٍ، وليس ببعيدٍ تعيينُ المستحقِّ بالقرعة في هذه الحال، إذ هي غاية المقدور عليه من أسباب ترجيح الدَّعوى، ولها دخولٌ في دعوى الأملاك المرسلة التي لا تثبت بقرينةٍ ولا أمارةٍ، فدخولُها في النَّسب الذي يَثبتُ بمجرَّد الشَّبه الخفيِّ المستند إلى قول القائف أولى وأحرى. وأمَّا أمر الدِّية فمشكلٌ جدًّا، فإنَّ هذا ليس بقتلٍ يُوجِب الدِّية، وإنَّما هو

стр. 3454

تفويتُ نسبِه بخروج القرعة له (١)، فيقال: وطء كلِّ واحدٍ صالحٌ لجعْلِ الولد له، فقد فوَّتَه كلُّ واحدٍ منهم على صاحبيه بوطئه، ولكن لم يتحقَّق مَن كان له الولد منهم، فلمَّا أخرجته القرعة لأحدهم صار مفوِّتًا لنسبه عن صاحبيه، فأُجرِي ذلك مُجرَى إتلاف الولد، ونُزِّلَ الثَّلاثةُ منزلة أبٍ واحدٍ، فحصَّة المُتلِف منه ثلثُ الدِّية، إذ قد عاد الولد له، فيَغْرَمُ لكلٍّ من صاحبيه ما يَخُصُّه، وهو ثلثُ الدِّية. ووجهٌ آخر أحسنُ من هذا، أنَّه لمَّا أتلفه عليهما بوطئِه ولحوقِ الولد به وجب عليه ضمان قيمته، وقيمة الولد شرعًا هي ديته، فلزِمَه لهما ثُلثا قيمته، وهي ثُلثا الدِّية، وصار هذا كمن أتلف عبدًا بينه وبين شريكين له، فإنَّه يجب عليه ثُلثا القيمةِ لشريكَيْه، فإتلافُ الولد الحرِّ عليهما بحكم القرعة كإتلاف الرَّقيق الذي بينهم. ونظير هذا تضمينُ الصَّحابة المغرورَ (٢) بحرِّيَّة الأمة قيمةَ أولاده لسيِّد الأمة لمَّا فات رقُّهم على السَّيِّد بحرّيتهم، وكانوا بصدد أن يكونوا أرقَّاء له (٣). وهذا ألطفُ ما يكون من القياس وأدقُّه، وأنت إذا تأمَّلت كثيرًا من أقيسة الفقهاء وتشبيهاتهم (٤) وجدتَ هذا أقوى منها، وألطفَ مسلكًا، وأدقَّ مأخذًا، ولم يضحك منه النَّبيُّ ﷺ سُدًى.

стр. 3455

وقد يقال: لا تعارضَ بين هذا وبين حديث القافة، بل إن وُجِدت القافةُ تعيَّن العملُ بها، وإن لم تُوجد قافةٌ إذا (١) أشكلَ عليهم (٢) تعيَّن العملُ بهذا الطَّريق، والله أعلم.

стр. 3456

النسخ المعتمدة في تحقيق هذا الجزء ١ - م= نسخة دار الكتب المصرية الثانية (٧٥٨ هـ) ٢ - ص= نسخة المكتبة الظاهرية برقم ١٨٩٩ (تكملة نسخة ابن خاص ترك) ٣ - ز= نسخة مكتبة بايزيد (٧٦٨ هـ) ٤ - ح= نسخة مكتبة الحرم المكي (٧٧٤ هـ) ٥ - د= نسخة المكتبة الظاهرية (٨٥٤ هـ) ٦ - ن= النسخة اليمنية بمتحف طوف قابي سراي (١١٥٣ هـ)

стр. 3457

ذكْرُ حكمه ﷺ في الولد مَن أحقُّ به في الحضانة روى أبو داود في «سننه» (١) من حديث عمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه عبد الله بن عمرو بن العاص (٢): أنَّ امرأةً قالت: يا رسول اللَّه، إنَّ ابني هذا كان بطني له وِعاءً، وثَدْيي له سِقاءً، وحجْري له حِواءً، وإنَّ أباه طلَّقني وأراد أن ينتزعَه منِّي، فقال لها رسول الله ﷺ : «أنتِ أحقُّ به ما لم تَنْكِحي». وفي «الصَّحيحين» (٣) من حديث البراء بن عازبٍ: أنَّ ابنة حمزة اختصم فيها علي وجعفر وزيد. فقال علي: أنا أحقُّ بها وهي ابنة عمِّي (٤)، وقال جعفر: بنت عمِّي وخالتها عندي، وقال زيد: بنت أخي، فقضى بها رسول الله ﷺ لخالتها، وقال: «الخالةُ بمنزلةِ الأمِّ». وروى أهل «السُّنن» (٥) من حديث أبي هريرة: أنَّ رسول الله ﷺ خيَّر غلامًا بين أبيه وأمِّه. قال الترمذي: حديثٌ صحيحٌ. وروى أهل «السُّنن» (٦) أيضًا عنه: أنَّ امرأةً جاءت فقالت: يا رسول اللَّه،

стр. 3458

إنَّ زوجي يريد أن يَذْهَب بابني، وقد سقاني من بئر أبي عِنَبَة (١) وقد نفعني، فقال رسول الله ﷺ : «اسْتَهِما عليه»، فقال زوجها: مَن يُحاقُّني في ولدي؟ فقال النبي ﷺ : «هذا أبوك وهذه أمُّك، فخُذْ بيدِ أيِّهما شئتَ»، فأخذ بيد أمِّه، فانطلقتْ به. قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وفي «سنن النَّسائيِّ» (٢) عن عبد الحميد بن جعفر (٣) الأنصاري، [عن أبيه] (٤)، عن جدِّه: أنَّ جدَّه أسلم وأبتِ امرأتُه أن تُسلِم، فجاء بابنٍ له صغيرٍ لم يبلغ، قال: فأجلسَ النَّبيُّ ﷺ الأبَ هاهنا والأمَّ هاهنا، ثمَّ خيَّره وقال: «اللَّهمَّ اهْدِه»، فذهب إلى أبيه. ورواه أبو داود (٥) عنه، وقال: أخبرني جدِّي رافع بن سِنان أنَّه أسلم

стр. 3459

وأبتْ امرأتُه أن تُسلِم، فأتت النَّبيَّ ﷺ ، فقالت: ابنتي وهي فَطِيمٌ أو شبيهه (١)، وقال رافع: ابنتي، فقال له رسول الله ﷺ : «اقعُدْ ناحيةً»، وقال لها: «اقْعُدي ناحيةً»، فأقعدَ الصَّبيَّة بينهما ثمَّ قال: «ادْعُوَاها»، فمالت إلى أمِّها، فقال النَّبيُّ ﷺ : «اللَّهمَّ اهْدِها»، فمالت إلى أبيها (٢)، فأخذها (٣). الكلام على (٤) هذه الأحكام أمَّا الحديث الأوَّل فهو حديثٌ احتاج (٥) النَّاس فيه إلى عمرو بن شعيبٍ، ولم يجدوا بُدًّا من الاحتجاج هنا به، ومدار الحديث عليه، وليس عن النَّبيِّ ﷺ حديثٌ في سقوط الحضانة بالتَّزويج غيرُ هذا، وقد ذهب إليه الأئمَّة الأربعة وغيرهم، وقد صرَّح بأنَّ الجدَّ هو عبد الله بن عمرٍو، فبطلَ قولُ من يقول: لعلَّه محمد والد شعيب، فيكون الحديث مرسلًا. وقد صحَّ سماع شعيب من (٦) جدِّه عبد الله بن عمرٍو، فبطلَ قولُ من قال: إنَّه منقطعٌ. وقد احتجَّ به البخاريُّ خارجَ «صحيحه»، ونصَّ على صحَّة حديثه، وقال (٧): كان عبد الله بن الزُّبير الحميديُّ وأحمد وإسحاق وعلي بن

стр. 3460

عبد الله يحتجُّون بحديثه، فمَن النَّاس بعدهم؟! هذا لفظه. وقال إسحاق بن راهويه: هو عندنا كأيوب عن نافع عن ابن عمر. وحكى الحاكم في «علوم الحديث» (١) له الاتِّفاق على صحَّة حديثه. وقال أحمد بن صالح: لا يختلف آلُ عبد الله أنَّها صحيفةٌ (٢). وقولها: «كان بطني له وِعاءً» إلى آخره، إدلاءٌ منها، وتوسُّلٌ إلى اختصاصها به، كما اختصَّ بها في هذه المواطن الثَّلاثة، والأب لم يشارِكْها في ذلك، فنبَّهتْ بهذا الاختصاص الذي لم يشاركها (٣) فيه الأبُ على الاختصاص الذي طلبته بالاستفتاء (٤) والمخاصمة. وفي هذا دليلٌ على اعتبار المعاني والعِلل، وتأثيرِها في الأحكام وإناطتِها (٥) بها، وأنَّ ذلك أمرٌ مستقرٌّ في الفِطَر السَّليمة حتَّى فِطَرِ النِّساء. وهذا الوصف الذي أدلَتْ به المرأة وجعلتْه سببًا لتعليق الحكم به قد قرَّره النبيُّ ﷺ ، ورتَّب عليه أثره، ولو كان باطلًا ألغاه، بل ترتيبُه الحكمَ عقيبَه دليلٌ على تأثيره فيه وأنَّه سببه.

стр. 3461

واستُدِلَّ بالحديث على القضاء على الغائب، فإنَّ الأب لم يُذكَر له حضورٌ ولا مخاصمةٌ. ولا دلالةَ فيه، لأنَّها واقعة عينٍ، فإن كان الأب حاضرًا فظاهرٌ، وإن كان غائبًا فالمرأة إنَّما جاءت مستفتيةً، فأفتاها النبيُّ ﷺ بمقتضى مسألتها، وإلَّا فلا يُقبل قولها على الزَّوج إنَّه طلَّقها حتَّى يُحكم لها بالولد بمجرَّد قولها. فصل ودلَّ الحديث على أنَّه إذا افترق الأبوان وبينهما ولدٌ فالأمُّ أحقُّ به من الأب، ما لم يَقُم بالأمِّ ما يمنع تقديمَها، أو بالولد وصفٌ (١) يقتضي تخييرَه. وهذا ما لا يُعرف فيه نزاعٌ، وقد قضى به خليفة رسول الله ﷺ (٢) على عمر بن الخطَّاب، ولم يُنْكِرْه عليه مُنِكرٌ. فلمَّا ولي عمر قضى بمثله، فروى مالك في «الموطَّأ» (٣) عن يحيى بن سعيدٍ أنَّه قال: سمعت القاسم بن محمَّدٍ يقول: كانت عند عمر بن الخطَّاب امرأةٌ من الأنصار، فولدتْ له عاصمَ بن عمر، ثمَّ إنَّ عمر فارقَها، فجاء عمر قُباء، فوجد ابنه عاصمًا يلعب بفِنَاء المسجد، فأخذ بعَضُدِه، فوضعه (٤) بين يديه على الدَّابَّة، فأدركتْه جدَّةُ الغلام، فنازعتْه إيَّاه، حتَّى أتيا أبا بكرٍ الصِّدِّيق، فقال عمر: ابني، وقالت

стр. 3462

المرأة: ابني. فقال أبو بكر: خَلِّ بينها وبينه، فما راجعه عمرُ الكلامَ. قال ابن عبد البرِّ (١): وهذا خبرٌ مشهورٌ من وجوهٍ منقطعةٍ ومتَّصلةٍ، تلقَّاه أهل العلم بالقبول والعمل، وزوجة عمر أمُّ ابنه عاصم: هي جميلة ابنة عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح (٢) الأنصاري. قال: وفيه دليلٌ على أنَّ عمر كان مذهبه في ذلك خلافَ مذهب (٣) أبي بكر، ولكنَّه سلَّم للقضاء ممَّن له الحكم والإمضاء، ثمَّ كان بعدُ في خلافته يقضي به ويفتي، ولم يخالِفْ أبا بكر في شيءٍ منه ما دام الصَّبيُّ صغيرًا لا يُميِّز، ولا مخالفَ (٤) لهما من (٥) الصَّحابة. وذكر عبد الرزاق (٦) عن ابن جريجٍ، أنَّه أخبره عن عطاءٍ الخراسانيِّ عن ابن عبَّاسٍ قال: طلَّق عمر بن الخطَّاب امرأته الأنصاريَّة أمَّ ابنه عاصم، فلقيها تحمله بمجشَّر (٧)، وقد فُطِم ومشى، فأخذ بيده لينتزعَه منها، ونازعَها إيَّاه

стр. 3463

حتَّى أوجعَ الغلام وبكى، وقال: أنا أحقُّ بابني منكِ، فاختصما إلى أبي بكر، فقضى لها به، وقال: ريحُها وفراشُها وحَرُّها (١) خيرٌ له منك حتَّى يَشِبَّ ويختار لنفسه. ومجشَّر: سوقٌ بين قُباء والمدينة. وذكر (٢) عن الثَّوريِّ، عن عاصم، عن عكرمة قال: خاصمتْ امرأة عمر عمرَ (٣) إلى أبي بكر، وكان طلَّقها، فقال أبو بكر: الأمُّ أعطفُ، وألطفُ، وأرحمُ، وأحنَى، وأرأفُ، هي أحقُّ بولدها ما لم تتزوَّج. وذكر (٤) عن معمر قال: سمعت الزُّهريَّ يحدِّث أنَّ أبا بكر قضى على عمر في ابنه مع أمِّه، وقال: أمُّه أحقُّ به ما لم تتزوَّج. فإن قيل: فقد اختلفت الرِّواية: هل كانت المنازعة وقعت بينه وبين الأمِّ أوَّلًا ثمَّ بينه وبين الجدَّة، أو وقعتْ مرَّةً واحدةً بينه (٥) وبين إحداهما؟

стр. 3464

قيل: الأمر في ذلك قريبٌ، لأنَّها إن كانت من الأمِّ فواضحٌ، وإن كانت الجدَّة (١) فقضاء الصِّدِّيق لها يدلُّ على أنَّ (٢) الأمَّ أولى. فصل والولاية على الطِّفل نوعان: نوعٌ يُقدَّم فيه الأب على الأمِّ ومَن في جهتها، وهي ولاية المال والنِّكاح. ونوعٌ تُقدَّم فيه الأمُّ على الأب، وهي ولاية الحضانة والرَّضاع. وقُدِّم كلٌّ من الأبوين فيما جعل له من ذلك لتمام مصلحة الولد، وتوقُّفِ مصلحته على مَن يلي ذلك من أبويه وتحصُل به كفايته. ولمَّا كان النِّساء أعرفَ بالتَّربية وأقدرَ عليها، وأصبرَ وأرأفَ وأفرغَ لها (٣)؛ قُدِّمت (٤) الأمُّ فيها على الأب. ولمَّا كان (٥) الرِّجال أقومَ بتحصيل مصلحة الولد والاحتياط له في البضع، قُدِّم الأب فيها على الأمِّ. فتقديم الأمِّ في الحضانة من محاسن الشَّريعة والاحتياط للأطفال والنَّظر لهم، وتقديمُ الأب في ولاية المال والتَّزويج كذلك.

стр. 3465

إذا عُرِف هذا (١) فهل قُدِّمت الأمُّ لكون جهتها مقدَّمةً على جهة الأبوَّة في الحضانة، فقُدِّمت لأجل الأمومة، أو قُدِّمت على الأب لكون النِّساء أقومَ بمقاصد الحضانة والتَّربية من الذُّكور، فيكون تقديمها لأجل الأنوثة؟ ففي هذا للنَّاس قولان، وهما في مذهب أحمد، يظهر أثرهما في تقديم نساء العصبة على أقارب الأمِّ أو بالعكس، كأمِّ الأمِّ، وأمِّ الأب، والأخت من الأم، والأخت من الأب، والخالة، والعمَّة، وخالة الأمِّ، وخالة الأب، ومن يُدلِي من الخالات والعمَّات بأمٍّ، ومن يُدلِي منهنَّ بأبٍ، ففيه روايتان عن الإمام أحمد (٢)، إحداهما: تقديم أقارب الأمِّ على أقارب الأب. والثَّانية وهي أصحُّ دليلًا واختيار شيخ الإسلام ابن تيميَّة (٣): تقديم أقارب الأب، وهذا هو الذي ذكره الخرقيُّ في «مختصره» فقال (٤): والأخت من الأب أحقُّ من الأخت من الأمِّ وأحقُّ من الخالة، وخالة الأب أحقُّ من خالة الأمِّ. وعلى هذا فأمُّ الأب مقدَّمةٌ على أمِّ الأمِّ، كما نصَّ عليه أحمد في إحدى الرِّوايتين عنه. وعلى هذه الرِّواية فأقاربُ الأب من الرِّجال مقدَّمون على أقارب الأمِّ، فالأخ للأب أولى من الأخ للأمِّ، والعمُّ أولى من الخال. هذا إن قلنا: إنَّ لأقارب الأمِّ من الرِّجال مدخلًا في الحضانة، وفي ذلك وجهان في مذهب أحمد والشَّافعيِّ:

стр. 3466

أحدهما: أنَّه لا حضانَة إلا لرجلٍ من العصبة مَحْرمٍ، أو لامرأةٍ وارثةٍ، أو مُدلِيةٍ بعصبةٍ أو وارثٍ. والثَّاني: أنَّ لهم الحضانة، والتَّفريع على هذا الوجه، وهو قول أبي حنيفة، وهذا يدلُّ على رجحان جهة الأبوَّة على جهة الأمومة في الحضانة، وأنَّ الأمَّ إنَّما قُدِّمت لكونها أنثى، لا لتقديمِ جهتها، إذ لو كانت جهتها راجحةً لترجَّح رجالها ونساؤها على الرِّجال والنِّساء (١) من جهة الأب، ولمَّا لم يترجَّح رجالها اتِّفاقًا فكذلك النِّساء، وما الفرق المؤثِّر؟ وأيضًا فإنَّ أصول الشَّرع وقواعده شاهدةٌ بتقديم أقارب الأب في الميراث وولايةِ النِّكاح وولايةِ الموت وغير ذلك، ولم يُعهَد في الشَّرع تقديم قرابة الأمِّ على قرابة الأب في حكمٍ من الأحكام، فمن قدَّمها في الحضانة فقد خرج عن موجب الدَّليل. فالصَّواب المأخذ الثاني، وهو أنَّ الأمَّ إنَّما قدِّمت لأنَّ النِّساء أرفقُ بالطِّفل، وأخبرُ بتربيته، وأصبرُ على ذلك، وعلى هذا (٢) فالجدَّة (٣) أمُّ الأب أولى من أمِّ الأمِّ، والأختُ للأب أولى من الأخت للأمِّ، والعمَّة أولى من الخالة، كما نصَّ عليه أحمد (٤) في إحدى الرِّوايتين، وعلى هذا فتُقدَّم أمُّ الأب على أب الأب، كما تُقدَّم الأمُّ على الأب.

стр. 3467

وإذا تقرَّر هذا الأصل فهو أصلٌ مطَّردٌ منضبطٌ لا تتناقض فروعه، بل إن اتَّفقت القرابة والدَّرجة واحدةٌ قُدِّمت الأنثى على الذَّكر، فتُقدَّم الأخت على الأخ، والعمَّة على العمِّ، والخالة على الخال، والجدَّة على الجدِّ، وأصله تقديم الأمِّ على الأب. وإن اختلفت القرابة قُدِّمت قرابة الأب على قرابة الأمِّ، فتُقدَّم الأخت للأب على الأخت للأمِّ، والعمَّة على الخالة، وعمَّة الأب على خالته، وهلمَّ جرًّا. وهذا هو الاعتبار الصَّحيح والقياس المطَّرد، وهذا هو الذي قضى به سيِّد قضاة الإسلام شُريح، كما روى وكيعٌ في «مصنَّفه» (١) عن الحسن بن عقبة، عن سعيد بن الحارث قال: اختصم عمٌّ وخالٌ إلى شُريح، فقضى به للعمِّ، فقال الخال: أنا أُنفِق عليه من مالي، فدفعه إليه شريح. ومن سلك غير هذا المسلك لم يجد بدًّا من التَّناقض، مثاله: أنَّ الثَّلاثة وأحمد في إحدى روايتيه يُقدِّمون أمَّ الأمِّ على أمِّ الأب، ثمَّ قال الشَّافعيُّ في ظاهر مذهبه، وأحمد في المنصوص عنه: تُقدَّم الأخت للأب على الأخت للأمِّ، فتركوا القياس. وطرده أبو حنيفة والمزني وابن سريج (٢) فقالوا: تُقدَّم الأخت للأمِّ على الأخت للأب. قالوا: لأنَّها تُدلِي بالأمِّ، والأختُ للأب بالأب، فلمَّا قُدِّمت (٣) الأمُّ على الأب قُدِّم من يُدلِي بها على من يُدلِي به.

стр. 3468

ولكنَّ هذا أشدُّ تناقضًا من الأوَّل؛ لأنَّ أصحاب القول الأوَّل (١) جَرَوا على القياس والأصول في تقديم قرابة الأب على قرابة الأمِّ، وخالفوا ذلك في أمِّ الأمِّ وأمِّ الأب، وهؤلاء تركوا القياس في الموضعين، وقدَّموا القرابة الَّتي أخَّرها الشَّرع، وأخَّروا القرابة الَّتي قدَّمها، ولم يُمكِنْهم تقديمُها في كلِّ موضعٍ، فقدَّموها في موضعٍ وأخَّروها في غيره مع تساويهما. ومن ذلك تقديم الشَّافعيِّ في الجديد الخالةَ على العمَّة مع تقديمه الأختَ للأب على الأخت للأمِّ، وطرد قياسه في تقديم أمِّ الأمِّ على أمِّ الأب، فوجب تقديمُ الأخت للأمِّ والخالة على الأخت للأب (٢) والعمَّة. وكذلك من قدَّم من أصحاب أحمد الخالةَ على العمَّة، وقدَّم الأختَ للأب على الأخت للأمِّ، كقول القاضي وأصحابه وصاحب «المغني»، فقد تناقضوا. فإن قيل: الخالة تُدلِي بالأمِّ، والعمَّة تُدلِي بالأب، فكما قُدِّمت الأمُّ على الأب قُدِّم من يُدلِي بها، ويزيده بيانًا كونُ الخالة أمًّا، كما قال النَّبيُّ ﷺ ، فالعمَّة بمنزلة الأب. قيل: قد بيَّنَّا أنَّه لم تُقدَّم الأمُّ على الأب لقوَّة الأمومة وتقديم هذه الجهة، بل لكونها أنثى، فإذا وُجِد عمَّةٌ وخالةٌ فالمعنى الذي قُدِّمت له الأمُّ موجودٌ فيهما، وامتازت العمَّة بأنَّها تُدلِي بأقوى القرابتين، وهي قرابة الأب، والنَّبيُّ ﷺ قضى بابنة حمزة لخالتها، وقال: «الخالة أمٌّ» حيث لم يكن لها مُزاحمٌ من أقارب الأب تُساويها في درجتها.

стр. 3469

فإن قيل: فقد كان لها عمَّةٌ وهي صفية بنت عبد المطلب أخت حمزة، وكانت إذ ذاك موجودةً في المدينة، فإنَّها هاجرت، وشهدت الخندق، وقتلت رجلًا من اليهود كان يُطِيف بالحصن الذي (١) هي فيه، وهي أوَّل امرأةٍ قتلَتْ رجلًا من المشركين، وبقيت إلى خلافة عمر، فقدَّم النَّبيُّ ﷺ عليها الخالةَ، وهذا يدلُّ على تقديم من في جهة الأمِّ على من في جهة الأب. قيل: إنَّما يدلُّ هذا إذا كانت صفية قد نازعتْ معهم وطلبت الحضانةَ فلم يَقْضِ لها بها بعد طلبها وقدَّم عليها الخالة، هذا إن كانت لم تُمنَع منها لعجزِها عنها، فإنَّها توفِّيت سنة عشرين عن ثلاثٍ وسبعين سنةً، فيكون لها وقت هذه الحكومة بضعًا وخمسين (٢) سنةً، فيحتمل أنَّها تركتْها لعجْزِها عنها، أو لم تطلبها مع قدرتها عليها، والحضانة حقٌّ للمرأة، فإذا تركتْها انتقلتْ إلى غيرها. وبالجملة، فإنَّما يدلُّ الحديث على تقديم الخالة على العمَّة إذا ثبت أنَّ صفية خاصمتْ في ابنة أخيها (٣) وطلبت كفالتها، فقدَّم رسول الله ﷺ الخالةَ، وهذا لا سبيلَ إليه. فصل ومن ذلك أنَّ مالكًا لمَّا قدَّم أمَّ الأمِّ على أمِّ الأب، قدَّم الخالة بعدها على الأب وأمِّه، واختلف أصحابه في تقديم خالة الخالة على هؤلاء على وجهين، فأحد الوجهين: تُقدَّم خالة الخالة على الأب نفسه وعلى أمِّه. وهذا في غاية

стр. 3470

البعد، فكيف تُقدَّم قرابة الأمِّ وإن بعدتْ على الأب نفسه وعلى قرابته، مع أنَّ الأب وأقاربه أشفقُ على الطِّفل وأرعى لمصلحته من قرابة الأمِّ؟ فإنَّه ليس إليهم بحالٍ، ولا يُنسَب إليهم، بل هو أجنبيٌّ منهم، وإنَّما نسَبُه (١) وولاؤه إلى أقارب أبيه، وهم أولى به، يَعقِلون عنه، وينفقون عليه عند الجمهور، ويتوارثون بالتَّعصيب وإن بَعُدتِ القرابة بينهم، بخلاف قرابة الأمِّ، فإنَّه لا يثبت فيها ذلك، ولا توارُثَ فيها إلا في أمَّهاتها وأوَّلِ درجةٍ من فروعها وهم ولدُها، فكيف تُقدَّم هذه القرابة على الأب ومَن في جهته، ولا سيَّما إذا قيل بتقديم خالة الخالة على الأب نفسه وعلى أمِّه، فهذا القول ممَّا تأباه (٢) أصول الشّريعة وقواعدها. وهذا نظير إحدى الرِّوايتين عن أحمد في تقديم الأخت من (٣) الأمِّ والخالة على الأب، وهذا أيضًا في غاية البعد ومخالفة القياس. وحجَّة هذا القول: أنَّ كلتيهما تُدلِيان بالأمِّ المقدَّمة على الأب، فتُقدَّمان عليه. وهذا ليس بصحيحٍ، فإنَّ الأمَّ لمَّا سَاوت الأبَ في الدَّرجة، وامتازت عليه بكونها أقومَ بالحضانة، وأقدرَ عليها وأصبرَ، قُدِّمتْ عليه، وليس كذلك الأختُ من الأمِّ والخالةُ مع الأب، فإنَّهما لا يساويانه، وليس أحدٌ أقربَ إلى ولده منه، فكيف تُقدَّم عليه بنتُ امرأته أو أختها؟ وهل جعل الله الشَّفقة فيهما أكملَ منه؟ ثمَّ اختلف أصحاب الإمام أحمد في فهم نصِّه هذا على ثلاثة أوجهٍ:
следующие страницы →