← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.

стр. 3571

مالٍ أو ترك الإنفاقَ على امرأته ولم تقدر على أخْذِ كفايتها من ماله بنفسها ولا بالحاكم= أنَّ لها الفسخَ، وإن تزوَّجتْه عالمةً بعسرته أو كان موسرًا ثمَّ أصابته جائحةٌ اجتاحتْ ماله فلا فسخَ لها في ذلك، ولم يزل النَّاسُ تصيبهم الفاقة بعد اليسار ولم ترفعهم أزواجُهم إلى الحكَّام ليفرِّقوا بينهم وبينهنَّ، وباللَّه التَّوفيق. وقد قال جمهور الفقهاء: لا يثبت لها الفسخ بالإعسار بالصَّداق، وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه وهو الصَّحيح من مذهب أحمد، اختاره عامَّة أصحابه، وهو قول كثيرٍ من أصحاب الشَّافعيِّ. وفصَّل الشَّيخ أبو إسحاق وأبو عليِّ بن أبي هريرة فقالا: إن كان قبل الدُّخول ثبت به الفسخ، وبعده لا يثبت، وهو أحد الوجوه في مذهب أحمد. هذا (١) مع أنَّه عوضٌ محضٌ، وهو أحقُّ أن يُوفَّى به من ثمن المبيع كما دلَّ عليه النَّصُّ، وكلُّ ما تقرَّر في عدم الفسخ به فمثلُه في النَّفقة وأولى. فإن قيل: في الإعسار بالنَّفقة من الضَّرر اللَّاحق بالزَّوجة ما ليس في الإعسار بالصَّداق، فإنَّ البنية (٢) تقوم بدونه بخلاف النَّفقة. قيل: والبِنية قد تقوم بدون نفقته بأن تُنفِق من مالها أو ينفق عليها ذو قرابتها أو تأكل من غَزْلها، وبالجملة فتعيش بما تعيش به زمن العدَّة، وتقدِّر زمنَ عُسْرة (٣) الزَّوج كلَّه عدَّةً.

стр. 3572

ثمَّ الذين يُجوِّزون لها الفسخ يقولون: لها أن تفسخ ولو كان معها القناطير المقنطرة من الذَّهب والفضَّة إذا عجز الزَّوج عن نفقتها، وبإزاء هذا القول قولُ منجنيقِ الغرب أبي محمد ابن حزم (١): إنَّه يجب عليها أن تنفق عليه في هذه الحال، فتعطيه مالها وتمكِّنه من نفسها. ومن العجائب قول العنبري بأنَّه يُحْبَس. وإذا تأمَّلت أصول الشَّريعة وقواعدها، وما اشتملت عليه من المصالح ودرء المفاسد، ودفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما، وتفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعلاهما= تبيَّن لك القول الرَّاجح من هذه الأقوال، وباللَّه التَّوفيق. فصل في حكم رسول الله ﷺ الموافق لكتاب الله أنه لا نفقة للمبتوتة ولا سكنى روى مسلم في «صحيحه» (٢) عن فاطمة بنت قيس: أنَّ أبا عمرو بن حفص طلَّقها البتَّةَ وهو غائبٌ، فأرسل إليها وكيله بشعيرٍ، فسَخِطَتْه، فقال: والله ما لكِ علينا من شيءٍ، فجاءت رسولَ الله ﷺ ، فذكرت ذلك له، فقال: «ليس لكِ عليه نفقةٌ»، فأمرها أن تعتدَّ في بيت أم شَرِيك، ثمَّ قال: «تلك امرأةٌ يغشاها أصحابي، اعتدِّي عند ابن أمِّ (٣) مكتومٍ، فإنَّه رجلٌ أعمى تضعين

стр. 3573

ثيابكِ، فإذا حللتِ فآذِنيني». قالت: فلمَّا حللتُ ذكرتُ له أنَّ معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباني، فقال رسول الله ﷺ : «أمَّا أبو جهم فلا يضعُ عصاه عن عاتقه، وأمَّا معاوية فصعلوكٌ لا مال له، انكِحي أسامةَ بن زيدٍ». فكرهتُه، ثمَّ قال: «انكِحي أسامةَ»، فنكحتُه، فجعل الله فيه خيرًا واغتبطتُ به. وفي «صحيحه» (١) أيضًا عنها: أنَّها طلَّقها زوجها في عهد النبي ﷺ ، وكان أنفق عليها نفقةً دُوْنًا (٢)، فلمَّا رأت ذلك قالت: والله لأُعلِمَنَّ رسولَ الله ﷺ ، فإن كانت لي نفقةٌ أخذتُ الذي يُصلِحني، وإن لم تكن لي نفقةٌ لم آخُذْ منه شيئًا، قالت: فذكرتُ ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «لا نفقةَ لكِ ولا سُكنى». وفي «صحيحه» (٣) أيضًا عنها: أنَّ أبا حفص بن المغيرة المخزومي طلَّقها ثلاثًا، ثمَّ انطلق إلى اليمن، فقال لها أهله: ليس لكِ علينا نفقةٌ. فانطلق خالد بن الوليد في نفرٍ، فأَتَوا رسولَ الله ﷺ في بيت ميمونة، فقالوا: إنَّ أبا حفص طلَّق امرأته ثلاثًا، فهل لها من نفقةٍ؟ فقال رسول الله ﷺ : «ليست لها نفقةٌ، وعليها العدَّة». وأرسل إليها: أن لا تَسْبِقيني بنفسك، وأمرها أن تنتقل إلى أم شريك. ثمَّ أرسل إليها: أنَّ أم شريك يأتيها المهاجرون الأوَّلون، فانطلقي إلى ابن أمِّ مكتومٍ الأعمى، فإنَّكِ إذا وضعتِ خماركِ لم يركِ. فانطلقَتْ إليه، فلمَّا انقضَتْ عدَّتها أنكحَها رسول الله ﷺ أسامةَ بن زيد بن حارثة.

стр. 3574

وفي «صحيحه» (١) أيضًا عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة: أنَّ أبا عمرو بن (٢) حفص بن المغيرة خرج مع عليِّ بن أبي طالبٍ (٣)، فأرسل إلى امرأته فاطمة بنت قيس بتطليقةٍ كانت بقيت من تطليقها، وأمر لها الحارثَ بن هشامٍ وعيَّاشَ بن أبي ربيعة بنفقةٍ، فقالا لها: والله ما لكِ نفقةٌ إلا أن تكوني حاملًا، فأتت النَّبيَّ ﷺ فذكرتْ له قولهما، فقال: «لا نفقة لك»، فاستأذنتْه في الانتقال فأذن لها، فقالت: أين يا رسول اللَّه؟ قال: «إلى ابن أمِّ مكتومٍ». وكان أعمى، تضع ثيابها عنده ولا يراها، فلمَّا مضتْ عدَّتها أنكحَها النَّبيُّ ﷺ أسامةَ بن زيدٍ. فأرسل إليها مروانُ قَبِيصةَ بن ذؤيب يسألها عن الحديث فحدَّثته به، فقال مروان: لم نسمع هذا الحديث إلا من امرأةٍ، سنأخذ بالعصمة الَّتي وجدنا النَّاس عليها، فقالت فاطمة حين بلغها قول مروان: فبيني وبينكم القرآن، قال الله : ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]. قالت: هذا لمن كان له مراجعةٌ، فأيُّ أمرٍ يحدث بعد ذلك؟ فكيف تقولون: لا نفقةَ لها إذا لم تكن حاملًا، فعلامَ تَحبِسونها؟ وزاد أبو داود (٤) في هذا الحديث بإسناد مسلم عقيبَ قول عيَّاش بن أبي

стр. 3575

ربيعة والحارث بن هشامٍ «لا نفقة لك إلا أن تكوني حاملًا»: فأتت النَّبيَّ ﷺ فقال: «لا نفقة لكِ إلا أن تكوني حاملًا (١)». وفي «صحيحه» (٢) أيضًا عن الشَّعبيِّ قال: دخلتُ على فاطمة بنت قيس فسألتها عن قضاء رسول الله ﷺ عليها، فقالت: طلَّقها زوجها البتَّةَ، فخاصمتْه إلى رسول الله ﷺ في السُّكنى والنَّفقة، قالت: فلم يجعل لي سكنى ولا نفقةً، وأمرني أن أعتدَّ عند ابن أمِّ مكتومٍ. وفي «صحيحه» (٣) أيضًا عن أبي بكر بن أبي الجهم العَدَوي قال: سمعت فاطمة بنت قيس تقول: إنّ زوجها طلَّقها ثلاثًا، فلم يجعل لها رسول الله ﷺ سكنى ولا نفقةً. قالت: قال لي رسول الله ﷺ : «إذا حللتِ فآذِنيني». فآذنتُه، فخطبها معاوية وأبو جهم (٤) وأسامة بن زيدٍ، فقال رسول الله ﷺ : «أمَّا معاوية فرجلٌ تَرِبٌ لا مالَ له، وأمَّا أبو جهم فرجلٌ ضَرَّابٌ للنِّساء، ولكن أسامة». فقالت بيدها هكذا: أسامة! أسامة! فقال لها رسول الله ﷺ : «طاعةُ الله وطاعةُ رسوله خيرٌ لكِ». فتزوَّجتُه فاغتبطتُ (٥). وفي «صحيحه» (٦) أيضًا عنها (٧) قالت: أرسل إليَّ زوجي أبو عمرو بن

стр. 3576

حفص بن المغيرة عيَّاشَ بن أبي ربيعة بطلاقي، فأرسل معه بخمسة آصُعِ تمرٍ وخمسة آصُعِ شعيرٍ، فقلتُ: ما لي نفقةٌ إلا هذا؟ ولا أعتدُّ في منزلكم؟ قال: لا، فشددتُ عليَّ ثيابي، وأتيت رسولَ الله ﷺ ، فقال: «كم طلَّقكِ؟»، قلت: ثلاثًا. قال: «صدقَ، ليس لكِ نفقةٌ، ولكن اعتدِّي في بيت ابن عمِّك ابن أمِّ مكتومٍ، فإنَّه ضرير البصر، تضعين ثوبك عنده، فإذا انقضتْ عدَّتُك فآذِنيني». وروى النَّسائيُّ في «سننه» هذا الحديث بطرقه وألفاظه، وفي بعضها (١) بإسنادٍ صحيحٍ لا مطعنَ فيه: فقال لها النَّبيُّ ﷺ : «إنَّما النَّفقة والسُّكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها الرَّجعة». ورواه الدَّارقطنيُّ (٢) وقال: فأتت رسولَ الله ﷺ فذكرتْ ذلك له، قالت: فلم يجعل لي سكنى ولا نفقةً، وقال: «إنَّما السُّكنى والنَّفقة لمن يملك الرَّجعة». وروى النَّسائيُّ (٣) أيضًا هذا اللَّفظ، وإسنادهما صحيحٌ. ذِكرُ موافقة هذا الحكم لكتاب الله قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)

стр. 3577

فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ١ - ٣]. فأمر سبحانه الأزواجَ الذين لهم عند بلوغ الأجل الإمساكُ والتَّسريحُ بأن لا يُخرِجوا أزواجهم (١) من بيوتهنّ، وأمر أزواجَهم (٢) أن لا يَخْرُجن، فدلَّ على جواز إخراج من ليس لزوجها إمساكُها بعد الطَّلاق، فإنَّه سبحانه ذكر لهؤلاء المطلَّقات أحكامًا متلازمةً لا ينفكُّ بعضها عن بعضٍ: أحدها: أنَّ الأزواج لا يُخرِجوهنَّ (٣) من بيوتهنَّ. والثَّاني: أنَّهنَّ لا يخرجن من بيوت أزواجهنَّ. والثَّالث: أنَّ لأزواجهنَّ إمساكهنَّ بالمعروف قبل انقضاء الأجل وترك الإمساك، فيسرِّحوهنَّ بإحسانٍ. والرَّابع: إشهاد ذَوَي عدلٍ، وهو إشهادٌ على الرَّجعة إمَّا وجوبًا وإمَّا استحبابًا، وأشار سبحانه إلى حكمة ذلك وأنَّه (٤) في الرَّجعيَّات خاصَّةً بقوله: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾. والأمر الذي يُرجى إحداثُه هاهنا هو المراجعة. هكذا قال السَّلف ومن بعدهم. قال ابن أبي شيبة (٥): ثنا أبو معاوية عن داود الأَودي عن الشَّعبيِّ:

стр. 3578

﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ قال: لعلَّك تندم فيكون لك سبيلٌ إلى (١) الرَّجعة. وقال الضحاك: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ قال: لعلَّه أن يراجعها في العدَّة (٢). وقاله عطاء (٣) وقتادة (٤) والحسن (٥). وقد تقدَّم قول فاطمة بنت قيس: أيُّ أمرٍ يَحدُث بعد الثَّلاث؟ فهذا يدلُّ على أنَّ الطَّلاق المذكور هو الرَّجعيُّ الذي تَثبتُ فيه هذه الأحكام، وأنَّ حكمة أحكم الحاكمين وأرحم الرَّاحمين اقتضَتْه؛ لعلَّ الزَّوج أن يندم ويزول الشَّرُّ الذي نَزَغَه الشَّيطان بينهما، فيُتْبِعها نفسَه فيراجعها، كما قال عليُّ بن أبي طالبٍ: لو أنَّ النَّاس أخذوا بأمر الله في الطَّلاق ما يُتْبِع رجلٌ نفسَه امرأةً يطلِّقها أبدًا. ثمَّ ذكر سبحانه الأمر بإسكان هؤلاء المطلَّقات فقال: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦]، فالضَّمائر كلُّها يتَّحد مفسِّرها، وأحكامها كلُّها متلازمةٌ، وكان قول النَّبيِّ ﷺ : «إنَّما النَّفقة والسُّكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها رجعةٌ» مشتقًّا من كتاب الله ومفسِّرًا له، وبيانًا لمراد المتكلِّم به منه. فقد تبيَّن اتِّحاد قضاء رسول الله ﷺ وكتاب الله . والميزان الصحيح العادل أيضًا معهما لا يخالفهما، فإنَّ النَّفقة إنَّما تكون لزوجةٍ، فإذا بانت منه صارت أجنبيَّةً، حكمها حكم سائر الأجنبيَّات،

стр. 3579

ولم يبقَ إلا مجرَّد اعتدادها منه، وذلك لا يوجب لها نفقةً كالموطوءة بشبهةٍ أو زنًا. ولأنَّ النَّفقة إنَّما تجب في مقابلة التَّمكُّن من الاستمتاع، وهذه لا يمكن استمتاعه بها بعد بينونتها. ولأنَّ النَّفقة لو وجبت لها عليه لأجل عدَّتها لوجبت للمتوفَّى عنها من ماله، ولا فرقَ بينهما البتَّةَ، فإنَّ كلَّ واحدٍ منهما قد بانت عنه وهي معتدَّةٌ منه، وقد تعذَّر منهما الاستمتاع. ولأنَّها لو وجبت لها السُّكنى لوجبت لها النَّفقة كما يقوله من يوجبهما، فأمَّا أن تجب لها السُّكنى دون النَّفقة فالنَّصُّ والقياس يدفعه. وهذا قول عبد الله بن عبَّاسٍ وأصحابه وجابر بن عبد الله وفاطمة بنت قيس إحدى فقهاء نساء الصَّحابة، وكانت (١) تُناظِر عليه، وبه يقول أحمد بن حنبلٍ وأصحابه وإسحاق بن راهويه وأصحابه وداود بن علي وأصحابه وسائر أهل الحديث. وللفقهاء في هذه المسألة ثلاثة أقوالٍ وهي ثلاث رواياتٍ عن أحمد أحدها هذا. والثَّاني: أنَّ لها السُّكنى والنَّفقة، وهذا قول عمر بن الخطَّاب وابن مسعودٍ وفقهاء الكوفة. والثَّالث: أنَّ لها السُّكنى دون النَّفقة، وهذا مذهب أهل المدينة، وبه يقول مالك والشَّافعيُّ. ذِكر المطاعن التي طُعِن بها على حديث فاطمة بنت قيس قديمًا وحديثًا (٢) فأوَّله ا طعن أمير المؤمنين عمر بن الخطَّاب ﵁، فروى مسلم في «صحيحه» (٣) عن أبي إسحاق قال: كنت مع الأسود بن يزيد جالسًا في

стр. 3580

المسجد الأعظم ومعنا الشَّعبيُّ، فحدَّث الشَّعبيُّ بحديث فاطمة بنت قيس أنَّ رسول الله ﷺ لم يجعل لها سكنى ولا نفقةً، ثمَّ أخذ الأسود كفًّا من حصًى فحَصَبَه به، فقال: ويلك تُحدِّث بمثل هذا؟ قال عمر: لا نترك كتاب الله وسنَّة نبيِّنا ﷺ لقول امرأةٍ لا ندري أحفظتْ أم نسيتْ. لها السُّكنى والنَّفقة. قال الله : ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١]. قالوا: فهذا عمر يُخبر أنَّ سنَّة رسول الله ﷺ أنَّ لها النَّفقة والسُّكنى، ولا ريبَ أنَّ هذا مرفوعٌ؛ فإنَّ الصَّحابيَّ إذا قال: من السُّنَّة كذا، كان مرفوعًا، فكيف إذا قال: من سنَّة رسول الله ﷺ ؟ فكيف إذا كان القائل عمر بن الخطَّاب؟ وإذا تعارضت رواية عمر ورواية فاطمة فرواية عمر أولى، لا سيَّما ومعها ظاهر القرآن كما سنذكره. وقال سعيد بن منصورٍ (١): ثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش، عن إبراهيم قال: كان عمر بن الخطَّاب إذا ذكر عنده حديث فاطمة بنت قيس قال: ما كنَّا نَغتَرُّ (٢) في ديننا بشهادة امرأةٍ. ذِكر طعن عائشة ﵂ في خبر فاطمة في «الصَّحيحين» (٣) من حديث هشام بن عروة عن أبيه قال: تزوَّج

стр. 3581

يحيى بن سعيد بن العاص (١) بنتَ عبد الرحمن بن الحكم فطلَّقها، فأخرجها من عنده، فعاب ذلك عليهم عروة، فقالوا: إنَّ فاطمة قد خرجت، قال عروة: فأتيتُ عائشة فأخبرتها بذلك، فقالت: ما بفاطمة بنت قيس خيرٌ أن تذكر هذا الحديث. وقال البخاريُّ: فانتقلها عبد الرحمن، فأرسلت عائشة إلى مروان وهو أمير المدينة: اتَّقِ الله واردُدْها إلى بيتها. قال مروان: إنَّ عبد الرحمن بن الحكم غلبني. قال [القاسم بن محمَّدٍ] (٢): أوَما بلغكِ شأنُ فاطمة بنت قيس؟ قالت: لا يضرُّكَ أن لا تذكر حديث فاطمة، فقال مروان: إن كان بكِ شرٌّ فحسبك ما بين هذين من الشَّرِّ. ومعنى كلامه: إن كان خروج فاطمة لما يقال من شرٍّ كان في لسانها، فيكفيكِ ما بين يحيى بن سعيد بن العاص وبين امرأته من الشَّرِّ. وفي «الصَّحيحين» (٣) عن عروة أنَّه قال لعائشة: ألم تَرَيْ إلى فلانة بنت الحكم، طلَّقها زوجُها البتَّةَ، فخرجتْ؟ فقالت: بئسَ ما صنعتْ، فقلت: ألم تسمعي إلى قول فاطمة؟ فقالت: أما إنَّه لا خيرَ لها في ذكر ذلك. وفي حديث القاسم عن عائشة: تعني (٤) قولها: لا سكنى لها ولا نفقة (٥).

стр. 3582

وفي «صحيح البخاريِّ» (١) عن عائشة أنَّها قالت: [ما] لفاطمة ألا تتَّقي اللَّه! يعني في قولها: لا سكنى ولا نفقة. وفي «صحيحه» (٢) أيضًا عنها قالت: إنَّ فاطمة كانت في مكانٍ وحشٍ، فخِيْفَ على ناحيتها، فلذلك أرخص النَّبيُّ ﷺ لها. وقال عبد الرزاق (٣) عن ابن جريج، أخبرني ابن شهابٍ، عن عروة: أنَّ عائشة أنكرت ذلك على فاطمة بنت قيس، يعني: انتقال المطلَّقة ثلاثًا. وذكر القاضي إسماعيل: ثنا نصر بن علي، حدَّثني أبي، عن هارون، عن محمد بن إسحاق، قال: أحسبه عن محمَّد بن إبراهيم، أنَّ عائشة قالت لفاطمة بنت قيس: إنَّما أخرجكِ هذا اللِّسان (٤). ذِكر طعن أسامة بن زيد حِبِّ رسول الله ﷺ وابن حِبِّه على حديث فاطمة روى عبد الله بن صالح كاتب الليث قال: حدَّثني اللَّيث بن سعدٍ، حدَّثني جعفر، عن ابن هرمز، عن أبي سلمة بن عبد الرَّحمن قال: كان محمد بن أسامة بن زيد يقول: كان أسامة إذا ذكرتْ فاطمةُ شيئًا من ذلك

стр. 3583

ــ يعني من انتقالها في عدَّتها ــ رماها بما في يده (١). ذكر طعن مروان على حديث فاطمة روى مسلم في «صحيحه» (٢) من حديث الزُّهريِّ عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة حديث فاطمة هذا: أنَّه حدَّث به مروان، فقال مروان: لم نسمع هذا إلا من امرأةٍ، سنأخذ بالعصمة الَّتي وجدنا النَّاس عليها. ذكر طعن سعيد بن المسيّب روى أبو داود في «سننه» (٣) من حديث ميمون بن مهران قال: قدمتُ المدينة فدفعت إلى سعيد بن المسيَّب، فقلت: فاطمة بنت قيس طُلِّقتْ فخرجتْ من بيتها، فقال سعيد: تلك امرأةٌ فَتنتِ النَّاس، إنَّها كانت لَسِنةً، فوُضِعَتْ على يَدَيْ ابن أمِّ مكتومٍ. ذكر طعن سليمان بن يسار روى أبو داود في «سننه» (٤) أيضًا قال في خروج فاطمة: إنَّما كان من

стр. 3584

سوء الخلق. ذكر طعن الأسود بن يزيد تقدَّم (١) حديث «مسلم» أنَّ الشَّعبيَّ حدَّث بحديث فاطمة، فأخذ الأسود كفًّا من حَصًى (٢) فحَصَبَه به، وقال: ويلك. تُحدِّث بمثل هذا؟ وقال النَّسائيُّ (٣): ويلك! لِمَ تُفتي بمثل هذا؟ قال عمر لها: إن جئتِ بشاهدين يشهدان أنَّهما سمعاه من رسول الله ﷺ ، وإلَّا لم نترك كتاب ربِّنا لقول امرأةٍ. ذكر طعن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال الليث: حدَّثني عقيل، عن ابن شهابٍ، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرَّحمن، فذكر حديث فاطمة ثمَّ قال: فأنكر النَّاس عليها ما كانت تُحدِّث من خروجها قبل أن تحلَّ (٤). قالوا: وقد عارض روايةَ فاطمة صريحُ رواية عمر في إيجاب النَّفقة

стр. 3585

والسُّكنى، فروى حمَّاد بن سلمة عن حمَّاد بن أبي سليمان (١) أنَّه أخبر إبراهيم النَّخعيَّ بحديث الشَّعبيِّ عن فاطمة بنت قيس، فقال له إبراهيم: إنَّ عمر أخبر بقولها، فقال: لسنا بتاركي آيةٍ من كتاب الله وقولِ النَّبيِّ ﷺ لقول امرأةٍ لعلَّها أوهمت، سمعتُ النَّبيَّ ﷺ يقول: «لها السُّكنى والنَّفقة». ذكره أبو محمد في «المحلَّى» (٢)، فهذا نصٌّ صريحٌ يجب تقديمه على حديث فاطمة لجلالة راويه (٣)، وتركِ إنكار الصَّحابة عليه، وموافقتِه لكتاب اللَّه. ذكر الأجوبة عن هذه المطاعن وبيان بطلانها وحاصلها أربعةٌ. أحدها: أنَّ راويتها امرأةٌ لم تأتِ بشاهدين يُتابِعانها على حديثها. الثَّاني: أنَّ روايتها تضمَّنت مخالفة القرآن. الثَّالث: أنَّ خروجها من المنزل لم يكن لأنَّه لا حقَّ لها في السُّكنى، بل لأذاها أهلَ زوجها بلسانها. الرَّابع: معارضة روايتها برواية أمير المؤمنين عمر بن الخطَّاب. ونحن نُبيِّن ما في كلِّ واحدٍ من هذه الأمور الأربعة بحول الله وقوَّته، هذا مع أنَّ في بعضها من الانقطاع وفي بعضها من الضَّعف وفي بعضها من البطلان ما سنُنبِّه عليه، وبعضها صحيحٌ عمَّن نُسِب إليه بلا شكٍّ.

стр. 3586

فأمَّا المطعن الأوَّل: وهو كون الرَّاوي امرأةً، فمطعنٌ باطلٌ بلا شكٍّ، والعلماء قاطبةً على خلافه، والمحتجُّ بهذا من أتباع الأئمَّة أوَّلُ مبطلٍ له ومخالفٍ له، فإنَّهم لا يختلفون في أنَّ السُّنن تُؤخذ عن المرأة كما تؤخذ عن الرَّجل. هذا، وكم من سنَّةٍ تلقَّتْها الأمةُ بالقبول عن امرأةٍ واحدةٍ من الصَّحابة، وهذه مسانيد نساء الصَّحابة بأيدي النَّاس لا تشاء أن ترى فيها سنَّةً تفرَّدت بها امرأةٌ منهنَّ إلا رأيتَها، فما ذنبُ فاطمة دون نساء العالمين؟ وقد أخذ النَّاس بحديث فُريعة بنت مالك بن سِنان أخت أبي سعيد في اعتداد المتوفَّى عنها في بيت زوجها (١)، وليست فاطمة بدونها علمًا وجلالةً وثقةً وأمانةً، بل هي أفقه منها بلا شكٍّ، فإنَّ الفُريعة لا تُعرف إلا في هذا الخبر، وأمَّا شهرة فاطمة ودعاؤها من نازعها من الصَّحابة إلى كتاب الله ومناظرتها على ذلك فأمرٌ مشهورٌ، وكانت أسعدَ بهذه المناظرة ممَّن خالفها كما مضى تقريره. وقد كان الصَّحابة يختلفون في الشَّيء، فتَروي لهم إحدى أمَّهات المؤمنين عن النَّبيِّ ﷺ شيئًا، فيأخذون به ويرجعون إليه ويتركون ما عندهم له، وإنَّما فُضِلَتْ (٢) فاطمة بنت قيس بكونهنَّ أزواجَ رسول الله ﷺ ، وإلَّا فهي (٣)

стр. 3587

من المهاجرات الأول، وقد رَضِيَها رسول الله ﷺ لحِبِّه وابنِ حِبِّه أسامة بن زيدٍ، وكان الذي خطبها له. وإذا شئتَ أن تعرف مقدار حفظها وعلمها فاعرِفْه من حديث الدَّجَّال الطَّويل الذي حدَّث به رسول الله ﷺ على المنبر، فوعَتْه فاطمة وحفظته، وأدَّته كما سمعتْه، ولم ينكره عليها أحدٌ مع طوله وغرابته (١). فكيف بقصَّةٍ جرتْ لها وهي سببُها، وخاصمَتْ فيها وحُكِم فيها بكلمتين، وهي: لا نفقةَ لكِ ولا سكنى. والعادة تُوجِب حفظَ مثل هذا وذكره، واحتمال النِّسيان فيه أمرٌ مشتركٌ بينها وبين من أنكر عليها، فهذا عمر ﵁ قد نسي تيمُّم الجنب، وذكَّره عمَّار بن ياسرٍ أمْرَ رسول الله ﷺ لهما بالتَّيمُّم من الجنابة، فلم يذكره عمر، وأقام على أنَّ الجنب لا يُصلِّي حتَّى يجد الماء (٢). ونسي ﵁ قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] حتَّى ذكَّرتْه به امرأةٌ، فرجع إلى قولها (٣).

стр. 3588

ونسي قوله تعالى ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] حتَّى ذُكِّر به (١). فإن كان جواز النِّسيان على الرَّاوي يوجب سقوطَ روايته سقطتْ رواية عمر الَّتي عارضتم بها خبر فاطمة، وإن كان لا يوجب سقوطَ روايته بطلت المعارضة بذلك، فهي باطلةٌ على التَّقديرين، ولو رُدَّت السُّنن بمثل هذا لم يبقَ بأيدي الأمَّة منها إلا اليسير. ثمَّ كيف يعارِض خبر فاطمة ويطعن فيه بمثل هذا مَن يرى قبول خبر الواحد العدل ولا يشترط للرِّواية نصابًا؟ وعمر ﵁ أصابه في هذا مثلُ ما أصابه في ردِّ خبر أبي موسى في الاستئذان حتَّى (٢) شهد له أبو سعيد (٣)، وردِّ خبر المغيرة بن شعبة في إملاص المرأة حتَّى شهد له محمد بن مَسْلمة (٤). وهذا كان تثبُّتًا (٥) منه ﵁ حتَّى لا يركب النَّاس الصَّعب والذَّلولَ في الرِّواية عن رسول الله ﷺ , وإلَّا فقد قَبِلَ خبر الضحاك بن سفيان الكلابي وحده وهو أعرابيٌّ (٦)، وقَبِلَ لعائشة عدَّة أخبارٍ تفرَّدت بها.

стр. 3589

وبالجملة فلا يقول أحدٌ: إنَّه لا يُقبل قول الرَّاوي الثِّقة العدل حتَّى يشهد له شاهدان، لا سيَّما إن كان من الصَّحابة. فصل وأمَّا المطعن الثَّاني: وهو أنَّ روايتها مخالفةٌ للقرآن، فنجيب بجوابين مجملٍ ومفصَّلٍ: أمَّا المجمل فنقول: لو كانت مخالِفةً كما ذكرتم لكانت مخالفةً لعمومه، فتكون تخصيصًا للعامِّ، فحكمها حكم تخصيصِ قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] بالكافر والرَّقيق والقاتل، وتخصيصِ قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] بتحريم (١) الجمع بين المرأة وعمَّتها وبينها وبين خالتها، ونظائره، فإنَّ القرآن لم يَخُصَّ البائنَ بأنَّها لا تُخرَج ولا تَخْرج وبأنَّها تسكن من حيث يسكن زوجها، بل إمَّا أن يَعُمَّها ويَعُمَّ الرَّجعيَّة وإمَّا أن يخصَّ الرَّجعيَّة. فإن عمَّ النَّوعين فالحديث مخصِّصٌ لعمومه، وإن خصَّ الرَّجعيَّاتِ ــ وهو الصَّواب، للسِّياق الذي مَن تدبَّره وتأمَّله قطع بأنَّه في الرَّجعيَّات، من عدَّة أوجهٍ قد أشرنا إليها ــ فالحديث ليس مخالفًا لكتاب الله بل موافقٌ له، ولو ذُكِّر أمير المؤمنين ﵁ ذلك (٢) لكان أوَّل راجعٍ إليه، فإنَّ الرَّجل كما يَذْهَل عن النَّصِّ يَذْهَل عن دلالته وسياقه وما يقترن به ممَّا يُبيِّن المرادَ منه، وكثيرًا ما يَذْهَل عن دخول الواقعة المعيَّنة تحت النَّصِّ العامِّ واندراجِه تحتها، فهذا كثيرٌ جدًّا، والتَّفطُّنُ له من الفهم الذي يؤتيه الله من يشاء من

стр. 3590

عباده. ولقد كان أمير المؤمنين عمر ﵁ من ذلك بالمنزلة الَّتي لا تُجهَل، ولا يَستَوفيها (١) عبارةٌ، غير أنَّ النِّسيان والذُّهول عُرضَةُ الإنسان (٢)، وإنَّما الفاضل العالم من إذا ذُكِّر ذَكر ورجع. فحديث فاطمة مع كتاب الله على ثلاثة أطباقٍ لا يخرج عن واحدٍ منها: إمَّا أن يكون تخصيصًا لعامِّه. الثَّاني: أن يكون بيانًا لما لم يتناوله، بل سكت عنه. الثَّالث: أن يكون بيانًا لما أريد به، وموافقًا لما أَرشد إليه سياقه وتعليله وتنبيهه، وهذا هو الصَّواب، فهو إذن موافقٌ له لا مخالفٌ، وهكذا ينبغي قطعًا، ومعاذَ الله أن يحكم رسول الله ﷺ بما يخالف كتاب الله تعالى أو يعارضه. وقد أنكر الإمام أحمد هذا من قول عمر، وجعل يتبسَّم ويقول: وأين في كتاب الله إيجاب النَّفقة والسُّكنى للمطلَّقة ثلاثًا (٣)؟ وأنكرتْه قبله الفقيهة الفاضلة فاطمة، وقالت: بيني وبينكم كتاب اللَّه (٤)، قال الله تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]، فأيُّ أمرٍ يحدُث بعد الثَّلاث؟ وقد تقدَّم أنَّ قوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ٢] يشهد بأنَّ الآيات كلَّها في الرَّجعيَّات.

стр. 3591

فصل وأمَّا المطعن الثَّالث: وهو أنَّ خروجها لم يكن إلا لفُحْشٍ في لسانها، فما أبردَه من تأويلٍ وأسْمَجَه! فإنَّ المرأة من خيار الصَّحابة وفُضَلائهم، ومن المهاجرات الأُول، وممَّن لا يَحملها رقَّةُ الدِّين وقلَّة التَّقوى على فحشٍ يوجب إخراجها من دارها، وأن تُمنَع حقَّها الذي جعله الله لها ونهى عن إضاعته. ويا عجبًا! كيف لم ينكر عليها النَّبيُّ ﷺ هذا الفحش، ويقول لها: اتَّقي (١) الله وكُفِّي لسانك عن أذى أهل زوجك واستقرِّي في مسكنك؟ وكيف يَعدِلُ عن هذا إلى قوله: «لا سكنى لك ولا نفقة» وإلى قوله: «إنَّما النَّفقة والسُّكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها رجعةٌ»؟ فيا عجبًا! كيف يُترَك هذا المانع الصَّريح الذي خرج من بين شَفَتَي النَّبيِّ ﷺ ويُعلَّل بأمرٍ موهومٍ لم يُعلِّل به رسول الله ﷺ البتَّةَ، ولا أشار إليه ولا نبَّه عليه؟ هذا من المحال البيِّن. ثمَّ لو كانت فاحشة اللِّسان ــ وقد أعاذها الله من ذلك ــ لقال لها النَّبيُّ ﷺ وسمعت وأطاعت: كُفِّي لسانَكِ حتَّى تنقضي عدَّتك، وكان مَن دونها يسمع ويطيع، لئلَّا تخرج (٢) من سكنه. فصل وأمَّا المطعن الرَّابع: وهو معارضة روايتها برواية عمر، فهذه المعارضة تُورَد من وجهين، أحدهما قوله: «لا نَدَعُ كتابَ ربِّنا وسنَّة نبيِّنا»، وأنَّ هذا من حكم المرفوع. والثَّاني قوله: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لها السُّكنى

стр. 3592

والنَّفقة». ونحن نقول: قد أعاذ الله أمير المؤمنين من هذا الكلام الباطل الذي لا يصحُّ عنه أبدًا. قال الإمام أحمد: لا يصحُّ ذلك عن عمر (١). وقاله (٢) أبو الحسن الدَّارقطنيُّ (٣). بل السُّنَّة بيد فاطمة بنت قيس قطعًا، ومن له إلمامٌ بسنَّة رسول الله ﷺ يشهد شهادة الله (٤) أنَّه لم يكن عند عمر ﵁ سنَّةٌ عن رسول الله ﷺ أنَّ للمطلَّقة ثلاثًا السُّكنى والنَّفقة، وعمر كان أتقى لله وأحرصَ على تبليغ سنن رسول الله ﷺ أن تكون هذه السُّنَّة عنده ثمَّ لا يرويها أصلًا ولا يبيِّنها ولا يُبلِّغها عن رسول الله ﷺ . وأمَّا حديث حمَّاد عن حمَّاد عن إبراهيم [عن عمر] (٥) سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لها السُّكنى والنَّفقة» (٦) = فنحن نشهد بالله شهادةً نُسأَل عنها إذا لقيناه أنَّ هذا كذبٌ على عمر وكذبٌ على رسول الله ﷺ ، وينبغي أن لا يَحمِل الإنسانَ (٧) فرطُ الانتصار للمذاهب والتَّعصُّب لها (٨) على معارضة سنن رسول الله ﷺ الصَّحيحة الصَّريحة بالكذب البحت، فلو يكون هذا عند

стр. 3593

عمر عن النَّبيِّ ﷺ لخرِسَتْ فاطمة وذووها ولم يَنْبِزوا (١) بكلمةٍ، ولا دعتْ فاطمة إلى المناظرة، ولا احتيجَ إلى ذكر إخراجها لبذاء لسانها، ولَمَا فات هذا الحديثُ أئمَّةَ الحديث والمصنِّفين في السُّنن والأحكام، المنتصرين للسُّنن فقط لا لمذهبٍ ولا لرجلٍ. هذا قبلَ أن نصلَ به إلى إبراهيم، ولو قُدِّر وصولُنا بالحديث إلى إبراهيم لانقطعَ نُخاعُه (٢)؛ فإنَّ إبراهيم لم يُولد إلا بعد موت عمر بسنين، فإن كان مخبرٌ أخبر به إبراهيمَ عن عمر وحسَّنَّا به الظَّنَّ، كان قد روى له قول عمر بالمعنى، وظنَّ أنَّ رسول الله ﷺ هو الذي حكم بثبوت النَّفقة والسُّكنى للمطلَّقة، حتَّى قال عمر: لا نَدَعُ كتاب ربِّنا لقول امرأةٍ، فقد يكون الرَّجل صالحًا ويكون مغفَّلًا ليس تحمُّلُ الحديث وحفظه وروايته من شأنه، وباللَّه التَّوفيق. وقد تناظر في هذه المسألة ميمون بن مهران وسعيد بن المسيَّب فذكر له ميمون خبر فاطمة فقال سعيد: تلك امرأةٌ فَتنتِ النَّاسَ، فقال له ميمون: لئن كانت إنَّما أخذت بما أفتاها به رسول الله ﷺ ما فتنت النَّاس، وإنَّ لنا في رسول الله ﷺ أسوةً حسنةً، مع أنَّها أحرم النَّاس عليه، ليس لها عليه (٣) رجعةٌ ولا بينهما ميراثٌ. انتهى (٤).

стр. 3594

ولا يُعلَم أحدٌ (١) من الفقهاء إلا وقد احتجَّ بحديث فاطمة بنت قيس هذا، وأخذ به في بعض الأحكام: فمالك والشَّافعيِّ وجمهور الأمَّة يحتجُّون به في سقوط نفقة المبتوتة إذا كانت حائلًا (٢). والشَّافعيُّ نفسه احتجَّ به على جواز جمع الثَّلاث؛ لأنَّ في بعض ألفاظه: «فطلَّقني ثلاثًا» (٣)، وقد بيَّنَّا أنَّه إنَّما طلَّقها آخر ثلاثٍ كما أخبرت به عن نفسها. واحتجَّ به من يرى جواز نظر المرأة إلى الرِّجال. واحتجَّ به الأئمَّة كلُّهم على جواز خطبة الرَّجل على خطبة أخيه إذا لم تكن المرأة قد سَكنتْ إلى الخاطب الأوَّل. واحتجُّوا به على جواز بيان ما في الرَّجل إذا كان على وجه النَّصيحة لمن استشاره أن يُزوِّجه أو يعامله أو يسافر معه، وأنَّ ذلك ليس بغيبةٍ. واحتجُّوا به على جواز نكاح القرشيَّة من غير القرشيِّ. واحتجُّوا به على وقوع الطَّلاق في حال غَيبة أحد الزَّوجين عن الآخر، وأنَّه لا يُشترط حضوره ومواجهته به. واحتجُّوا به على جواز التَّعريض بخطبة المعتدَّة البائن.

стр. 3595

وكانت هذه الأحكام كلُّها حاصلةً ببركة روايتها وصدق حديثها، فاستنبطتها الأمَّة منها وعملت بها، فما بالُ روايتها تُرَدُّ في حكمٍ واحدٍ من أحكام هذا الحديث وتُقبَل فيما عداه؟! فإن كانت حفظتْه (١) قُبِلتْ في جميعه، وإن لم تكن حفظتْه وجب أن لا يُقبل في شيءٍ من أحكامه، وباللَّه التَّوفيق. فإن قيل: بقي عليكم شيءٌ واحدٌ، وهو أنَّ قوله سبحانه: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦] إنَّما هو في البوائن لا في الرَّجعيَّات، بدليل قوله عقيبه: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، فهذا في البائن؛ إذ لو كانت رجعيَّةً لما قيَّد النَّفقة عليها بالحمل ولكان عديمَ التَّأثير، فإنَّها تستحقُّها حائلًا كانت أو حاملًا، والظَّاهر أنَّ الضَّمير في ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ هو والضَّمير في قوله: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ واحدٌ. فالجواب: أنَّ مُورِد هذا السُّؤال إمَّا أن يكون من الموجبين النَّفقةَ والسُّكنى، أو ممَّن يوجب السُّكنى دون النَّفقة، فإن كان الأوَّل: فالآية على زعمه حجَّةٌ عليه؛ لأنَّه سبحانه شرطَ في إيجاب النَّفقة عليهنَّ كونَهنَّ حواملَ، والحكم المعلَّق على الشَّرط ينتفي عند انتفائه، فدلَّ على أنَّ البائن الحائل لا نفقة لها. فإن قال: فهذه دلالةُ المفهوم (٢) ولا نقول بها (٣).

стр. 3596

قيل: ليس ذلك من دلالة المفهوم، بل من انتفاء الحكم عند انتفاء شرطه، فلو بقي الحكم بعد انتفائه لم يكن شرطًا. وإن كان ممن يوجب السُّكنى وحدها فيقال له: ليس في الآية ضميرٌ واحدٌ يخُصُّ البائنَ، بل ضمائرها نوعان: نوعٌ يخُصُّ الرَّجعيَّة قطعًا، كقوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢]، ونوعٌ يحتمل أن يكون للبائن وأن يكون للرَّجعيَّة وأن يكون لهما، وهو قوله: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ [الطلاق: ١]، وقوله ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦]، فحملُه على الرَّجعيَّة هو المتعيِّن لتتَّحد الضَّمائر ومفسِّرها، فلو حُمِل على غيرها لزِمَ اختلاف الضَّمائر ومفسِّرها (١)، وهو خلاف الأصل، والحملُ على الأصل أولى. فإن قيل: فما الفائدة في تخصيص نفقة الرَّجعيَّة بكونها حاملًا؟ قيل: ليس في الآية ما يقتضي أنَّه لا نفقة للرَّجعيَّة الحائل، بل الرَّجعيَّة نوعان قد بيَّن الله حكمهما في كتابه: حائلٌ، فلها النَّفقة بعقد الزَّوجيَّة، إذْ حكمها حكم الأزواج. وحاملٌ، فلها النَّفقة بهذه الآية إلى أن تضع حملها، فتصير النَّفقة بعد الوضع نفقةَ قريبٍ لا نفقة زوجٍ، فيخالف حالُها قبل الوضع حالَها بعده، بأنَّ الزَّوج ينفق عليها وحده إذا كانت حاملًا، فإذا وضعت صارت نفقتها على من تجب عليه نفقة الطِّفل، ولا يكون حالها في حال حملها كذلك، بحيث تجب نفقتها على من تجب عليه نفقة الطِّفل، فإنَّه في

стр. 3597

حال حَمْلِها جزءٌ من أجزائها، فإذا انفصل كان له حكمٌ آخر، وانتقلت النَّفقة من حكمٍ إلى حكمٍ، فظهرت فائدة التَّقييد وسرُّ الاشتراط، والله أعلم بما أراد من كلامه. ذكر حكم رسول الله ﷺ الموافق لكتاب الله من وجوب النفقة للأقارب روى أبو داود في «سننه» (١) عن كُلَيب بن مَنْفَعة (٢) عن جدِّه أنَّه أتى النَّبيَّ ﷺ فقال: يا رسول الله، مَنْ أبرُّ؟ قال: «أمَّك وأباك، وأختك وأخاك، ومولاك الذي يلي ذاك، حقٌّ واجبٌ ورَحِمٌ موصولةٌ». وروى النَّسائيُّ (٣) عن طارق المحاربي قال: قدمتُ المدينة فإذا رسول الله ﷺ قائمٌ على المنبر يخطب النَّاس وهو يقول: «يد المعطي العليا، وابدأْ بمن تَعُول: أمَّك وأباك، وأختك وأخاك، ثمَّ أدناك أدناك». وفي «الصَّحيحين» (٤) عن أبي هريرة قال: جاء رجلٌ إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، مَن أحقُّ النَّاس بحسنِ صَحابتي؟ قال: «أمُّك»، قال: ثمَّ

стр. 3598

من؟ قال: «ثمّ أمُّك»، قال: ثمَّ من؟ قال: «ثمّ أمُّك»، قال: ثمَّ من؟ قال: «ثمَّ أبوك» (١). وفي الترمذي (٢) عن معاوية القُشيري قال (٣): قلت: يا رسول الله، مَن أبرُّ؟ قال: «أمَّك»، قلت: ثمَّ من؟ قال: «أمَّك»، قلت: ثمَّ من؟ قال: «أمَّك»، قلت: ثمَّ من؟ قال: «أباك، ثمَّ الأقرب فالأقرب». وقد قال النَّبيُّ ﷺ لهند: «خُذِي ما يكفيكِ وولدَكِ بالمعروف» (٤). وفي «سنن أبي داود» (٥) من حديث عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «إنَّ أطيبَ ما أكلتم من كَسْبِكم، وإنَّ أولادكم من كَسْبِكم، فكلوه هَنِيئًا». ورواه أيضًا من حديث عائشة مرفوعًا (٦). وروى النَّسائيُّ (٧) من حديث جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «ابدأْ بنفسك فتصدَّقْ عليها، فإن فَضَلَ شيءٌ فلأهلك، فإن فَضَلَ عن أهلك شيءٌ فلذِي قرابتك، فإن فَضَلَ عن ذي قرابتك فهكذا وهكذا».

стр. 3599

وهذا كلُّه تفسيرٌ لقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء: ٣٦]، وقوله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ [الإسراء: ٢٦]، فجعل سبحانه حقَّ ذي القربى يلي حقَّ الوالدين كما جعله النَّبيُّ ﷺ سواءً بسواء، وأخبر سبحانه أنَّ لذي القربى حقًّا على قرابته، وأمر بإيتائِه (١) إيَّاه، فإن لم يكن ذلك حقَّ النَّفقة فلا ندري أيُّ حقٍّ هو. وأمر تعالى بالإحسان إلى ذي القربى، ومن أعظم الإساءة أن يراه يموت جوعًا وعُرْيًا وهو قادرٌ على سَدِّ خَلَّته وستْرِ عورته، ولا يُطعِمه لقمةً ولا يستر له عورةً إلا بأن يُقرِضه ذلك في ذمَّته. وهذا الحكم من النَّبيِّ ﷺ مطابقٌ لكتاب الله تعالى حيث يقول: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. فأوجب سبحانه على الوارث مثلَ ما أوجب على المولود له، وبمثل هذا الحكم حكَمَ أمير المؤمنين عمر بن الخطَّاب. فروى سفيان بن عيينة عن ابن جريجٍ عن عمرو بن شعيبٍ عن سعيد بن المسيَّب أنَّ عمر حَبَسَ (٢) عَصَبَةَ صبيٍّ على أن ينفقوا عليه، الرِّجال دون النِّساء (٣).

стр. 3600

وقال عبد الرزاق (١): أنا ابن جريجٍ، أخبرني عمرو بن شعيبٍ، أنَّ ابن المسيَّب أخبره، أنَّ عمر بن الخطَّاب وقفَ بني عمِّ منفوسٍ ــ بني عمٍّ كلالةً (٢) ــ بالنَّفقة عليه مثل العاقلة، فقالوا: لا مالَ له، فقال: ولو، وقوفُهم بالنَّفقة عليه كهيئة العقل. قال ابن المدينيِّ: قوله: ولو، أي ولو لم يكن لهم مالٌ. وذكر ابن أبي شيبة (٣) عن أبي خالدٍ الأحمر، عن حجّاج، عن عمرو، عن سعيد بن المسيَّب قال: جاء وليُّ يتيمٍ إلى عمر بن الخطَّاب فقال: أَنفِقْ عليه، ثمَّ قال: لو لم أجد إلا أقصَى (٤) عشيرتِه لفرضتُ عليهم. وحكَمَ بمثل ذلك أيضًا زيد بن ثابتٍ. قال ابن أبي شيبة (٥): ثنا حُميد بن عبد الرَّحمن، عن حسن، عن مُطَرِّف، عن إسماعيل، عن الحسن، عن زيد بن ثابتٍ قال: إذا كان أمٌّ وعمٌّ فعلى الأمِّ بقدر ميراثها، وعلى العمِّ بقدر ميراثه. ولا يُعرَف لعمر وزيد مخالفٌ في الصَّحابة البتَّةَ. وقال ابن جريجٍ: قلت لعطاء: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، قال:

стр. 3601

على ورثة اليتيم أن ينفقوا عليه كما يرثونه. قلت له: أيُحْبَس وارث المولود إن لم يكن للمولود مالٌ؟ قال: أفيَدَعُه (١) يموت؟ (٢). وقال الحسن: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾، قال: على الرَّجل الذي يَرِث أن ينفق عليه حتَّى يستغني (٣). وبهذا فسَّر الآيةَ جمهور السَّلف، منهم: قتادة (٤)، ومجاهد (٥)، والضحاك (٦)، وزيد بن أسلم (٧)، وشريحٌ القاضي (٨)، وقَبيصة بن ذُؤيبٍ (٩)، وعبد الله بن عتبة بن مسعودٍ (١٠)، وإبراهيم النَّخعيُّ (١١)،

стр. 3602

والشَّعبيُّ (١)، وأصحاب ابن مسعودٍ، وممن بعدهم: سفيان الثَّوريُّ، وعبد الرزاق، وأبو حنيفة وأصحابه، وممن بعدهم: أحمد، وإسحاق، وداود وأصحابهم. وقد اختلف الفقهاء في حكم هذه المسألة على عدَّة أقوالٍ. أحدها: أنَّه لا يُجْبَر أحدٌ على نفقة أحدٍ من أقاربه، وإنَّما ذلك برٌّ وصلةٌ، وهذا مذهبٌ يُعزى إلى الشَّعبيِّ. قال عبد بن حميدٍ الكشِّيُّ (٢): ثنا قَبيصة، عن سفيان الثَّوريِّ، عن أشعث، عن الشَّعبيِّ قال: ما رأيت أحدًا أجبر أحدًا على أحدٍ. يعني على نفقته. وفي إثبات هذا المذهب بهذا الكلام نظرٌ، والشَّعبيُّ أفقهُ من هذا، والظَّاهر أنَّه أراد أنَّ النَّاس كانوا أتقى لله من أن يحتاج الغيرُ (٣) أن يُجبِره الحاكم على الإنفاق على قريبه المحتاج، وكان النَّاس يكتفون بإيجاب الشَّرع عن إيجاب الحاكم وإجباره. المذهب الثَّاني: أنَّه يجب عليه النَّفقة على أبيه (٤) الأدنى وأمِّه الَّتي ولدته خاصَّةً، فهذان الأبوان يُجبَر الذَّكر والأنثى من الولد على النَّفقة عليهما إذا كانا فقيرين. فأمَّا نفقة الأولاد فإن الرجل يُجبَر على نفقة ابنه الأدنى حتَّى

стр. 3603

يبلغ فقط، وعلى نفقة بنته الدُّنيا حتَّى تُزوَّج، ولا يُجبَر على نفقة ابن ابنه ولا بنتِ ابنه وإن سفلا، ولا تُجبر الأمُّ على الإنفاق على ابنها ولا ابنتها ولو كانا في غاية الحاجة والأمُّ في غاية الغنى، ولا يجب على أحدٍ النَّفقةُ على ابنِ ابنٍ (١) ولا جدٍّ ولا أخٍ ولا أختٍ ولا عمٍّ ولا عمَّةٍ ولا خالٍ ولا خالةٍ ولا أحدٍ من الأقارب البتَّةَ سوى ما ذكرنا. وتجب النَّفقة مع اتِّحاد الدِّين واختلافه حيث وجبت. وهذا مذهب مالك، وهو أضيق المذاهب في النَّفقات. المذهب الثَّالث: أنَّه تجب نفقة عَمودَيِ النَّسب خاصَّةً دون من عداهم، مع اتِّفاق الدِّين ويَسار المنفِق وقدرته، وحاجة المنفَقِ عليه، وعجزِه عن الكسب بصغرٍ أو جنونٍ أو زَمانةٍ إن كان من العمود الأسفل. وإن كان من العمود الأعلى: فهل يُشترط عجزه عن الكسب؟ على قولين. ومنهم من طَردَ القولين أيضًا في العمود الأسفل. فإذا بلغ الولد صحيحًا سقطت نفقته ذكرًا كان أو أنثى. وهذا مذهب الشَّافعيِّ، وهو أوسع من مذهب مالك. المذهب الرَّابع: أنَّ النَّفقة تجب على كلِّ ذي رحمٍ مَحرمٍ لذي رحمه، فإن كان من الأولاد وأولادهم والآباء والأجداد وجبت نفقتهم مع اتِّحاد الدِّين واختلافه، وإن كان من غيرهم لم تجب إلا مع اتِّحاد الدِّين، فلا يجب على المسلم أن ينفق على ذي رَحِمه الكافر. ثمَّ إنَّما تجب النَّفقة بشرط قدرة المنفِق وحاجة المنفَق عليه، فإن كان صغيرًا اعتُبِر فقره فقط، وإن كان كبيرًا: فإن كان أنثى فكذلك، وإن كان ذكرًا فلا بدَّ مع فقره مِن عماه أو زَمانته، فإن كان صحيحًا بصيرًا لم تجب نفقته. وهي مرتَّبةٌ عنده على الميراث إلا في نفقة

стр. 3604

الولد، فإنَّها على أبيه خاصَّةً على المشهور من مذهبه. وروى عنه (١) الحسن بن زيادٍ اللُّؤلؤي: أنَّها على أبويه خاصَّةً بقدر ميراثهما طردًا للقياس. وهذا مذهب أبي حنيفة، وهو أوسع من مذهب الشَّافعيِّ. المذهب الخامس: أنَّ القريب إن كان من عمودَيِ النَّسب وجبت نفقته مطلقًا، سواءٌ كان وارثًا أو غير وارثٍ. وهل يُشترط اتِّحاد الدِّين بينهم؟ على روايتين، وعنه روايةٌ أخرى: أنَّه لا تجب نفقتهم إلا بشرط أن يرِثهم بفرضٍ أو تعصيبٍ كسائر الأقارب. وإن كان من غير عمودي النَّسب وجبت نفقتهم بشرط أن يكون بينه وبينهم توارثٌ. ثمَّ هل يُشترط أن يكون التَّوارث من الجانبين أو يكفي أن يكون من أحدهما؟ على روايتين. وهل يُشترط ثبوت التَّوارث في الحال أو أن يكون من أهل الميراث في الجملة؟ على روايتين. وإن كان الأقارب من ذوي الأرحام الذين لا يرِثون فلا نفقة لهم على المنصوص عنه، وخرَّج بعض أصحابه وجوبَها عليهم من مذهبه من توريثهم، ولا بدَّ عنده من اتِّحاد الدِّين بين المنفِق والمنفَق عليه حيث وجبت النَّفقة إلا (٢) في عمودي النَّسب في إحدى الرِّوايتين. فإن كان الميراث بغير القرابة كالولاء وجبت النَّفقة به في ظاهر مذهبه على الوارث دون الموروث. وإذا لزمتْه نفقةُ رجلٍ لزمتْه نفقةُ زوجته في ظاهر مذهبه. وعنه: لا تلزمه. وعنه: تلزمه في عمودي النَّسب خاصَّةً دون من عداهم. وعنه: تلزمه لزوجة الأب خاصَّةً. ويلزمه إعفافُ عمودي نسبه بتزويجٍ أو تَسَرٍّ إذا طلبوا ذلك.

стр. 3605

قال القاضي أبو يعلى (١): وكذلك يجيء في كلِّ من لزمته نفقته من أخٍ أو عمٍّ أو غيرهما يلزمه إعفافه؛ لأنَّ أحمد قد نصَّ في العبد: يلزمه أن يُزوِّجه إذا طلب ذلك وإلَّا بِيعَ عليه. وإذا لزمه إعفافُ رجلٍ لزِمَه نفقةُ زوجته؛ لأنَّه لا يتمكّن (٢) من الإعفاف إلا بذلك. وهذه غير المسألة المتقدَّمة وهي وجوب الإنفاق على زوجة المنفَق عليه، ولهذه مأخذٌ ولتلك مأخذٌ. وهذا مذهب الإمام أحمد، وهو أوسع من مذهب أبي حنيفة، وإن كان مذهب أبي حنيفة أوسعَ منه من وجهٍ آخر، حيث يوجب النَّفقة على ذوي الأرحام، وهو الصَّحيح في الدَّليل، وهو الذي تقتضيه أصول أحمد ونصوصه وقواعد الشَّرع، وصلة الرَّحم الَّتي أمر الله أن تُوصل، وحرَّم الجنَّة على كلِّ قاطع رَحِمٍ. فالنَّفقة تُستَحقُّ بشيئين (٣): بالميراث بكتاب اللَّه، وبالرَّحم بسنَّة رسول الله ﷺ . وقد تقدَّم أنَّ عمر بن الخطَّاب حَبَس عصبةَ صبيٍّ أن ينفقوا عليه وكانوا بني عمِّه، وتقدَّم قول زيد بن ثابتٍ: إذا كان عمٌّ وأمٌّ فعلى العمِّ بقدر ميراثه، وعلى الأمِّ بقدر ميراثها (٤). فإنَّه لا مخالفَ لهما في الصَّحابة البتَّةَ، وهو قول جمهور السَّلف، وعليه يدلُّ قوله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ [الإسراء: ٢٦]، وقوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء: ٣٦]. وقد أوجب النَّبيُّ ﷺ العطيَّةَ للأقارب، وصرَّح بأنسابهم فقال: «أختَك

стр. 3606

وأخاك، ثمَّ أدناك فأدناك، حقٌّ واجبٌ ورَحِمٌ موصولةٌ» (١). فإن قيل: المراد بذلك البرُّ والصِّلة دون الوجوب. قيل: يردُّ هذا أنَّه سبحانه أمر به وسمَّاه حقًّا، وأضافه إليه بقوله: (حقَّه)، وأخبر النَّبيُّ ﷺ أنَّه حقٌّ، وأنَّه واجبٌ، وبعضُ هذا يُنادِي على الوجوب جهارًا. فإن قيل: المراد بحقِّه تركُ قطيعته. فالجواب من وجهين: أحدهما: أن يقال: فأيُّ قطيعةٍ أعظمُ من أن يراه يَتلظَّى جوعًا وعطشًا، ويتأذَّى غايةَ الأذى بالحرِّ والبرد، ولا يُطعِمه لقمةً، ولا يَسقِيه جرعةً، ولا يكسوه ما يَستُر عورته ويَقِيهِ الحرَّ والبرد، ويُسكِنه تحت سقفٍ يُظِلُّه؟ هذا وهو أخوه ابن أمِّه وأبيه، أو عمُّه صِنْوُ أبيه، أو خالته الَّتي هي أمُّه، وإنَّما يجب عليه من ذلك ما يجب بذلُه للأجنبيِّ البعيد، بأن يُعاوِضه على ذلك في الذِّمَّة إلى أن يُوسِر ثمَّ يسترجع به عليه، هذا مع كونه في غاية اليسار والجِدَة وسعةِ الأموال. فإن لم تكن هذه قطيعةً فإنَّا لا ندري ما هي (٢) القطيعة المحرَّمة، والصِّلة الَّتي أمر الله بها وحرَّمَ الجنَّة على قاطعها؟ الوجه الثَّاني: أن يقال: فما هذه الصِّلة الواجبة الَّتي نادت عليها النُّصوص وبالغت في إيجابها وذمَّت قاطعها؟ فأيُّ قدرٍ زائدٍ فيها على حقِّ

стр. 3607

الأجنبيِّ حتَّى تَعقِله القلوب وتُخبِر به الألسنة وتعمل به الجوارح؟ أهو السَّلام عليه إذا لقيه، وعيادته إذا مرض، وتشميته إذا عطس، وإجابته إذا دعاه، فإنكم لا توجبون شيئًا من ذلك إلا ما يجب نظيره للأجنبيِّ على الأجنبيِّ؟ وإن كانت (١) هذه الصِّلة تركَ ضرْبِه وسبِّه وأذاه والإزراء (٢) به ونحو ذلك، فهذا حقٌّ يجب لكلِّ مسلمٍ على كلِّ مسلمٍ، بل للذِّمِّيِّ البعيد على المسلم، فما خصوصيَّة صلة الرَّحم الواجبة؟ ولهذا كان بعض فضلاء المتأخِّرين يقول (٣): أعياني أن أعرف صلة الرَّحم الواجبة. ولمَّا أورد النَّاس هذا على أصحاب مالك وقالوا لهم: ما معنى صلة الرَّحم عندكم؟ صنَّف بعضهم في صلة الرَّحم كتابًا كبيرًا، وأوعب فيه من الآثار المرفوعة والموقوفة، وذكر جنس الصِّلة وأنواعها وأقسامها، ومع هذا فلم يتخلَّص من هذا الإلزام، فإنَّ الصِّلة معروفةٌ يعرفها الخاصُّ والعامُّ، والآثار فيها أشهر من العَلَم، ولكن ما الصِّلة الَّتي يختصُّ بها الرَّحِم وتجب له لرحِمِه (٤) ولا يشاركه فيها الأجنبيُّ؟ فلا يُمكِنكم أن تُعيِّنوا وجوب شيءٍ إلا وكانت النَّفقة أوجبَ منه، ولا يُمكِنكم أن تذكروا مُسقِطًا لوجوب النَّفقة إلا وكان ما عداها أولى بالسُّقوط منه، والنَّبيُّ ﷺ قد قَرنَ حقَّ الأخ والأخت بالأب والأمِّ فقال: «أمَّك وأباك، وأختَك وأخاك، ثمَّ أدناك فأدناك» (٥)، فما

стр. 3608

الذي نسخَ هذا؟ وما (١) الذي جعل أوَّله للوجوب وآخره للاستحباب؟ وإذا عُرِف هذا فليس من برِّ الوالدين أن يَدَعَ الرَّجل أباه يَكنِسُ الكُنُف، ويكاري على الحُمُر، ويُوقِد في أَتُون الحمَّام (٢)، ويَحمل للنَّاس على رأسه ما يتقوَّت بأجرته، وهو في غاية الغنى واليسار وسعة ذات اليد. وليس من برِّ أمِّه أن يدَعَها تخدم النَّاس، وتغسل ثيابهم، أو تسقي لهم الماء، ونحو ذلك، ولا يصونها بما يُنفِقه عليها، ويقول: الأبوان مكتسبان صحيحان وليسا بزَمِنَين ولا أعمَيَين. فياللَّه العجب! أين شرطَ الله ورسولُه في برِّ الوالدين وصلة الرَّحم أن يكون (٣) أحدهم زَمِنًا أو أعمى؟ وليست صلة الرَّحم ولا برُّ الوالدين موقوفةً على ذلك شرعًا ولا لغةً ولا عرفًا، وباللَّه التَّوفيق.

стр. 3609

ذِكر حكمه ﷺ في الرضاعة وما يَحرُم بها وما لا يَحرُم وحكمه في القدر المحرِّم منها، وحكمه في رضاع الكبير هل له تأثير أم لا ؟ ثبت في «الصَّحيحين» (١) من حديث عائشة ﵂ عنه ﷺ أنَّه قال: «إنَّ الرَّضاعة تُحرِّم ما تُحرِّم الولادة». وثبت فيهما (٢): من حديث ابن عبَّاسٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ أريد على ابنة حمزة، فقال: «إنَّها لا تَحِلُّ لي، إنَّها ابنة أخي من الرَّضاعة، ويَحْرُم من الرَّضاعة ما يَحْرُم من النسب (٣)». وثبت فيهما (٤) أنَّه قال لعائشة: «ائْذَني لأفلحَ أخي أبي القُعَيْس، فإنَّه عمُّك». وكانت امرأته (٥) أرضعت عائشةَ. وبهذا أجاب ابن عبَّاسٍ لمَّا سئل عن: رجلٍ له جاريتان أرضعتْ إحداهما جاريةً والأخرى غلامًا، أيحلُّ للغلام أن يتزوَّج الجارية؟ فقال: لا، اللِّقاح واحدٌ (٦). وثبت في «صحيح مسلم» (٧) عن عائشة عن النَّبيِّ ﷺ : «لا تُحرِّم المَصَّةُ

стр. 3610

والمَصَّتان». وفي روايةٍ (١): «لا تُحرِّم الإمْلاجة والإمْلاجتان». وفي لفظٍ له (٢): أنَّ رجلًا قال: يا رسول اللَّه، هل تحرِّم الرَّضعة الواحدة؟ قال: «لا». وثبت في «صحيحه» (٣) أيضًا عن عائشة قالت: كان فيما نزلَ من القرآن: عشْرُ رَضَعاتٍ معلوماتٍ يُحرِّمن، ثمَّ نُسِخْن بخمسٍ معلوماتٍ، فتوفِّي رسول الله ﷺ وهي (٤) فيما يُقرأ من القرآن. وثبت في «الصَّحيحين» (٥) من حديث عائشة أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إنَّما الرَّضاعة من المجاعة». وثبت في «جامع الترمذي» (٦) من حديث أم سلمة أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لا يُحرِّم من الرَّضاعة إلا ما فَتَقَ الأمعاء في الثَّدي، وكان قبلَ الفِطام». قال الترمذي: حديثٌ صحيحٌ.
следующие страницы →