← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.

стр. 3536

وقال أبو إسحاق (١) عن الحارث: كان علي يقول في إطعام المساكين في كفَّارة اليمين: يُغدِّيهم ويُعشِّيهم خبزًا وزيتًا، خبزًا وسَمْنًا (٢). وقال ابن أبي شيبة (٣): ثنا يحيى بن يعلى، عن ليث قال: كان عبد الله بن مسعودٍ يقول: ﴿مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ﴾ [المائدة: ٨٩] قال: الخبز والسَّمْن، والخبز باللحم، والخبز بالزيت. وصحَّ عن ابن عمر قال: أوسطُ ما يُطعِم الرَّجل أهلَه الخبز واللَّبن، والخبز والزَّيت، والخبز والسَّمْن، ومن أفضل ما يُطعِمهم (٤) الخبز واللَّحم (٥). وقال يزيد بن زُريعٍ: حدَّثنا يونس، عن محمَّد بن سيرين، أنَّ الأشعريَّ (٦) كفَّر عن يمينٍ له مرَّةً، فأمر بُجيرًا أو جُبيرا يُطعِم عنه عشرةَ مساكين خبزًا ولحمًا، وأمر لهم بثوبٍ معقَّدٍ أو ظهرانيٍّ (٧).

стр. 3537

وقال ابن أبي شيبة (١): ثنا يحيى بن إسحاق، ثنا يحيى بن أيوب، عن حميد، أنَّ أنسًا مرِض قبل أن يموت، فلم يستطع أن يصوم، فكان يجمع ثلاثين مسكينًا فيُطعِمهم خبزًا ولحمًا أكلةً واحدةً. وأمَّا التَّابعون، فثبت ذلك عن الأسود بن يزيد (٢)، وأبي رَزِين (٣)، وعَبِيدة (٤)، ومحمَّد بن سيرين (٥)، والحسن البصريِّ (٦)، وسعيد بن جبيرٍ (٧)، وشُريح (٨)، وجابر بن زيدٍ (٩)، وطاوس (١٠)، والشَّعبيِّ (١١)، وابن

стр. 3538

بُريدة (١)، والضحّاك (٢)، والقاسم، وسالم (٣)، ومحمد بن إبراهيم (٤)، ومحمَّد بن كعبٍ (٥)، وقتادة (٦)، وإبراهيم النَّخعيِّ (٧). والأسانيد عنهم بذلك في «أحكام القرآن» (٨) لإسماعيل بن إسحاق، منهم من يقول: يُغدِّي المساكين ويُعشِّيهم (٩). ومنهم من يقول: أكلةً واحدةً (١٠). ومنهم من يقول: خبزًا ولحمًا، خبزًا وزيتًا، خبزًا وسَمْنًا (١١). وهذا مذهب أهل المدينة، وأهل العراق، وأحمد في إحدى الرِّوايتين عنه، والرِّواية الأخرى: أنَّ طعام الكفَّارة مقدَّرٌ (١٢) دون نفقة الزَّوجات.

стр. 3539

فالأقوال ثلاثةٌ: التَّقدير فيهما كقول الشَّافعيِّ وحده، وعدم التَّقدير فيهما كقول مالك وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الرِّوايتين، والتَّقدير في الكفَّارة دون النَّفقة كالرِّواية الأخرى عنه. قال مَن نصر هذا القول: الفرق بين النَّفقة والكفَّارة أنَّ الكفَّارة لا تختلف باليسار والإعسار، ولا هي مقدَّرةٌ بالكفاية (١)، ولا أوجبها الشَّارع بالمعروف كنفقة الزَّوجة والخادم، والإطعام فيها حقٌّ لله تعالى، لا لآدميٍّ معيَّنٍ فيرضى بالعوض عنه؛ ولهذا لو أخرج القيمة لم يُجزِئه. وروي التَّقدير فيها عن الصَّحابة، فقال القاضي إسماعيل (٢): حدَّثنا حجَّاج بن المنهال، ثنا أبو عوانة، عن منصور، عن أبي وائل، عن يسار بن نمير قال: قال عمر: إنَّ ناسًا يأتوني يسألوني، فأحلف أنِّي لا أعطيهم، ثمَّ يبدو لي أن أُعطِيهم، فإذا أمرتُك أن تُكفِّر عنّي فأطعِمْ عنِّي عشرة مساكين، لكلِّ مسكينٍ صاعًا من تمرٍ أو شعيرٍ، أو نصفَ صاعٍ من برٍّ. حدَّثنا حجَّاج بن المنهال وسليمان بن حربٍ قالا: حدَّثنا حمَّاد بن سلمة، عن سلمة بن كُهيلٍ، عن يحيى بن عبَّاد، أنَّ عمر بن الخطَّاب قال: يا يَرْفَأ، إذا حلفتُ فحَنِثْتُ، فأَطعِمْ عنِّي ليميني خمسةَ أصواعٍ (٣) عشرة

стр. 3540

مساكين (١). وقال ابن أبي شيبة (٢): ثنا وكيعٌ، عن ابن أبي ليلى، عن عَمرو بن مُرّة (٣)، عن عبد الله بن سلمة، عن علي قال: كفَّارة اليمين إطعامُ عشرة مساكين، لكلِّ مسكينٍ نصفُ صاعٍ. حدَّثنا عبد الرحيم وأبو خالدٍ الأحمر، عن حجَّاج، عن قرط، عن جدَّته (٤) عن عائشة قالت: إنَّا نُطعِم نصفَ صاعٍ من برٍّ، أو صاعًا من تمرٍ في كفَّارة اليمين (٥). وقال إسماعيل (٦): ثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا هشام بن أبي عبد اللَّه، ثنا

стр. 3541

يحيى بن أبي كثيرٍ، عن أبي سلمة، عن زيد بن ثابتٍ (١) قال: يجزئ في كفَّارة اليمين لكلِّ مسكينٍ مدُّ حنطةٍ. ثنا سليمان بن حربٍ، ثنا حمَّاد بن زيد (٢)، عن أيوب، عن نافع، أنَّ ابن عمر كان إذا ذكر اليمين أعتقَ، وإذا لم يذكرها أطعم عشرة مساكين، لكلِّ مسكينٍ مدٌّ مدٌّ (٣). وصحَّ عن ابن عبَّاسٍ: في كفَّارة اليمين مُدٌّ، ومعه (٤) أُدْمُه (٥). وأمَّا التَّابعون فثبت ذلك عن سعيد بن المسيَّب (٦)، وسعيد بن جبيرٍ (٧)، ومجاهد (٨)، وقال: كلُّ طعامٍ ذُكِر في القرآن للمساكين فهو نصف صاعٍ،

стр. 3542

وكان يقول في كفَّارة الأيمان كلِّها: مُدَّانِ لكلِّ مسكينٍ. وقال حمَّاد بن زيدٍ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سليمان بن يسارٍ: أدركت النَّاس وهم يعطون (١) في كفَّارة اليمين مدًّا بالمدِّ الأوَّل (٢). وقال القاسم وسالم (٣) وأبو سلمة (٤): مدٌّ مدٌّ من برٍّ. وقال عطاء: فرقًا بين عشرةٍ (٥). ومرَّةً قال: مدٌّ مدٌّ (٦). قالوا: وقد ثبت في «الصَّحيحين» (٧) أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لكعب بن عُجْرة في كفَّارة فدية الأذى: «أَطعِمْ ستَّةَ مساكين نصفَ صاعٍ نصف صاعٍ طعامًا لكلِّ مسكينٍ». فقدَّر رسول الله ﷺ فدية الأذى، فجعلنا تقديرها أصلًا،

стр. 3543

وعَدَّيناه إلى سائر الكفَّارات. ثمَّ قال من قدَّر طعامَ الزَّوجة: ثمَّ رأينا النَّفقات والكفَّارات قد اشتركا في الوجوب، فاعتبرنا إطعام النَّفقة بإطعام الكفَّارة، ورأينا الله سبحانه قد قال في جزاء الصَّيد: ﴿الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ﴾ [المائدة: ٩٥]، وأجمعت (١) الأمَّة أنَّ الطَّعام مقدَّرٌ فيها، ولهذا لو عُدِمَ الطَّعام صام عن كلِّ مدٍّ يومًا، كما أفتى به ابن عبَّاسٍ والنَّاس بعده. فهذا ما احتجَّت به هذه الطَّائفة على تقدير طعام الكفَّارة. قال الآخرون: لا حجَّةَ في أحدٍ دون الله ورسوله وإجماع الأمَّة، وقد أمرنا تعالى أن نردَّ ما تنازعنا فيه إليه وإلى رسوله، وذلك خيرٌ لنا حالًا وعاقبةً، ورأينا الله سبحانه إنَّما قال في الكفَّارة: ﴿فَكَفَّارَتُهُ (٢) إِطْعَامُ عَشَرَةِ﴾ [المائدة: ٨٩]، و ﴿فَإِطْعَامُ (٣) سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤]، فعلَّق الأمر بالمصدر الذي هو الإطعام، ولم يَحُدَّ لنا جنسَ الطَّعام ولا قدْرَه، وحدَّ لنا جنس المُطْعَمين وقدْرَهم، فأطلق الطَّعام وقيَّد المطعومين. ورأيناه سبحانه حيث ذكر إطعام المسكين في كتابه، فإنَّما أراد به الإطعام المعهود المتعارف، كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٢ - ١٥]. وقال: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨]. وكان من المعلوم يقينًا أنَّهم لو غَدَّوهم أو عَشَّوهم، أو أطعموهم

стр. 3544

خبزًا ولحمًا، أو خبزًا ومَرَقًا ونحوه= لكانوا ممدوحين داخلين فيمن أثنى عليهم. وهو سبحانه عَدَلَ عن الطَّعام الذي هو اسمٌ للمأكول إلى الإطعام الذي هو مصدرٌ صريحٌ، وهذا نصٌّ في أنَّه إذا أطعم المساكين ولم يُمَلِّكهم فقد امتثل ما أُمِر به، وصحَّ في كلِّ لغةٍ وعرفٍ: أنَّه أطعمهم. قالوا: وفي أيِّ لغةٍ لا يَصدُق لفظ الإطعام إلا بالتَّمليك؟ ولمَّا قال أنس: إنَّ النَّبيَّ ﷺ أطعم الصَّحابة في وليمة زينبَ خبزًا ولحمًا (١)، كان قد اتَّخذ طعامًا ودعاهم إليه على عادة الولائم، وكذلك قوله في وليمة صفية: أَطعَمَهم حَيْسًا (٢)، وهذا أظهر من أن نذكر شواهده. قالوا: وقد زاد ذلك إيضاحًا وبيانًا بقوله: ﴿مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ (٣)﴾ [المائدة: ٨٩]، ومعلومٌ يقينًا أنَّ الرَّجل إنَّما يُطعِم أهلَه الخبزَ واللَّحم والمَرَق واللَّبنَ ونحو ذلك، فإذا أطعم المساكينَ من ذلك فقد أطعمهم من أوسط ما يُطعِم أهلَه بلا شكٍّ، ولهذا اتَّفق الصَّحابة في طعام الأهل على أنَّه غير مقدَّرٍ كما تقدَّم، والله سبحانه جعله أصلًا لطعام الكفَّارة، فدلَّ بطريق الأولى على أنَّ طعام الكفَّارة غير مقدَّرٍ. وأمَّا من قدَّر طعام الأهل فإنَّما أخذ من تقدير طعام الكفَّارة، فيقال: هذا خلاف مقتضى النَّصِّ، فإنَّ الله أطلق طعام الأهل وجعله أصلًا لطعام الكفَّارة، فعُلِم أنَّ طعام الكفَّارة لا يتقدَّر كما لا يتقدَّر أصلُه، ولا يُعرَف عن

стр. 3545

صحابيٍّ البتَّة تقديرُ طعام الزَّوجة مع عموم هذه الواقعة في كلِّ وقتٍ. قالوا: فأمَّا الفروق الَّتي ذكرتموها فليس فيها ما يستلزم تقديرَ طعام الكفَّارة، وحاصلها خمسة فروقٍ: أنَّها لا تختلف باليسار والإعسار، وأنَّها لا تتقدَّر بالكفاية، ولا أوجبها الشَّارع بالمعروف، ولا يجوز إخراج العوض عنها، وهي حقٌّ لله لا تَسقُط بالإسقاط بخلاف نفقة الزَّوجة. فيقال: نعم لا شكَّ في صحَّة هذه الفروق، ولكن من أين يستلزم وجوبَ تقديرها بمدٍّ ومدَّين؟ بل هي إطعامٌ واجبٌ من جنس ما يطعم أهله، ومع ثبوت هذه الأحكام لا يدلُّ على تقديرها بوجهٍ. وأمَّا ما ذكرتم عن الصَّحابة من تقديرها، فجوابه من وجهين: أحدهما: أنَّا قد ذكرنا عن جماعةٍ ــ منهم علي وأنس (١) وأبو موسى وابن مسعودٍ ــ أنَّهم قالوا: يُجزِئ أن يُغدِّيهم ويُعشِّيهم. الثَّاني: أنَّ من رُوِي عنهم المدُّ والمدَّان لم يذكروا ذلك تقديرًا وتحديدًا، بل تمثيلًا، فإنَّ منهم من رُوي عنه المدُّ، ورُوي عنه مدَّان، وروي عنه مَكُّوكٌ، وروي عنه جواز التَّغدية أو التَّعشية، وروي عنه أَكْلةٌ، وروي عنه رغيفٌ أو رغيفين (٢)، فإن كان هذا اختلافًا فلا حجَّة فيه، وإن كان بحسب حال المستفتي وبحسب حال الحالف والمكفِّر فظاهرٌ، وإن كان ذلك على سبيل التَّمثيل فكذلك. فعلى كلِّ تقديرٍ لا حجَّة فيه على التَّقديرين.

стр. 3546

قالوا: وأمَّا الإطعام في فدية الأذى فليس من هذا الباب؛ فإنَّ الله سبحانه قال: ﴿رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، والله سبحانه أطلق هذه الثَّلاثة ولم يُقيِّدها. وصحَّ (١) عن النَّبيِّ ﷺ تقييد الصِّيام بثلاثة أيَّامٍ، وتقييد النُّسك بذبح شاةٍ، وتقييد الإطعام بستَّة مساكين لكلِّ مسكينٍ نصف صاعٍ (٢)، ولم يقل سبحانه في فدية الأذى: فإطعام ستَّة مساكين، ولكن أوجب صدقةً مطلقةً وصومًا مطلقًا ودمًا مطلقًا (٣)، فعيَّنه النَّبيُّ ﷺ بالفَرق والثَّلاثة الأيَّام والشَّاة. وأمَّا جزاء الصَّيد فإنَّه من غير هذا الباب، فإنَّ المُخرِج إنَّما يُخرِج قيمة الصَّيد من الطَّعام، وهي تختلف بالقلَّة والكثرة، فإنَّها بدلُ مُتْلَفٍ، ولا يُنظَر فيها إلى عدد المساكين، وإنَّما يُنظَر فيها إلى مبلغ الطَّعام، فيُطعِمه المساكينَ على ما يرى من إطعامهم وتفضيل بعضهم على بعضٍ، فتقدير الطَّعام فيها على حسب المُتْلَف، وهو يقلُّ ويكثر، وليس ما يُعطاه كلُّ مسكينٍ مقدَّرًا. ثمَّ إنَّ التَّقدير بالحبِّ يستلزم أمرًا باطلًا بيِّنَ البطلان، فإنَّه إذا كان الواجب لها عليه شرعًا الحبَّ، وأكثر النَّاس إنَّما يُطعِم أهلَه الخبز، فإن جعلتم هذا معاوضةً كان ربًا ظاهرًا، وإن لم تجعلوه معاوضةً فالحبُّ ثابتٌ لها في ذمَّته، ولم تَعْتَضْ عنه، فلا تبرأ ذمَّته منه إلا بإسقاطها وإبرائها، فإذا

стр. 3547

لم (١) تُبرِئْه طالبتْه بالحبِّ مدَّةً طويلةً مع إنفاقه عليها كلَّ يومٍ حاجتَها من الخبز والأُدْمِ، وإن مات أحدهما كان الحبُّ دَينًا له أو عليه، يؤخذ من التَّركة، مع سعة الإنفاق عليها كلَّ يومٍ. ومعلومٌ أنَّ الشَّريعة الكاملة المشتملة على العدل والحكمة والمصلحة تأبى ذلك كلَّ الإباء، وتدفعه كلَّ الدَّفع، كما يدفعه العقل والعرف. ولا يمكن أن يقال: إنَّ النَّفقة الَّتي في ذمَّته تَسقُط بالَّذي له عليها من الخبز والأُدْم لوجهين، أحدهما: أنَّه لم يبعه إيَّاها، ولا اقترضها إيّاه منها حتَّى يثبت في ذمَّتها، بل هي معه فيه على حكم الضَّيف لامتناع المعاوضة عن الحبِّ بذلك شرعًا. ولو قُدِّر ثبوته في ذمَّتها لما أمكنت المُقاصَّة لاختلاف الدَّيْنَينِ جنسًا، والمقاصَّة تعتمد اتِّفاقهما. هذا، وإن قيل بأحد الوجهين إنَّه لا يجوز المعاوضة على النَّفقة مطلقًا لا بدراهمَ ولا غيرِها، لأنَّه معاوضةٌ عمَّا لم يَستقرَّ ولم يجب، فإنَّها إنَّما تجب شيئًا فشيئًا، فعنده لا تصحُّ المعاوضة عليها حتَّى تستقرَّ بمضيِّ الزَّمان، فيعاوض عنها كما يعاوض عمَّا هو مستقرٌّ في الذِّمَّة من الدُّيون. ولمَّا لم يجد بعض أصحاب الشَّافعيِّ من هذا الإشكال مَخْلَصًا قال: الصَّحيح أنَّها إذا أكلتْ سقطتْ نفقتُها. قال الرافعي في «محرَّره» (٢): أولى الوجهين السُّقوط، وصحَّحه النووي (٣) لجريان النَّاس عليه في كلِّ عصرٍ

стр. 3548

ومصرٍ، واكتفاء الزَّوجة به. وقال الرافعي في «الشَّرح الكبير» (١) و «الأوسط»: فيه وجهان، أَقْيَسُهما: أنَّها لا تسقط؛ لأنَّه لم يُوف الواجب وتطوَّع بما ليس بواجبٍ. وصرَّحوا بأنَّ هذين الوجهين في الرَّشيدة الَّتي أذِنَ لها قيِّمُها، فإن لم يأذنْ لها لم تسقُطْ وجهًا واحدًا. فصل وفي حديث هند دليلٌ على جواز قول الرَّجل في غريمه ما فيه من العيوب عند شكواه، وأنَّ ذلك ليس بغيبة، ونظير ذلك قول الآخر في خصمه: «يا رسول اللَّه، إنَّه فاجرٌ لا يبالي ما حلف عليه» (٢). وفيه دليلٌ على تفرُّد الأب بنفقة أولاده ولا تُشاركه فيها الأمُّ، وهذا إجماعٌ من العلماء إلا قولٌ شاذٌّ لا يلتفت إليه: إنَّ على الأمِّ من النَّفقةَ بقدر ميراثها، وزعم صاحب هذا القول أنَّه طردَ القياسَ على كلِّ من له ذكرٌ وأنثى في درجةٍ وهما وارثانِ فإنَّ النَّفقة عليهما، كما لو كان له أخٌ وأختٌ، أو أمٌّ وجدٌّ، أو ابنٌ وبنتٌ، فالنَّفقة عليهما على قدر ميراثهما، فكذلك الأب والأمُّ. والصَّحيح: انفراد العصبة بالنَّفقة، وهذا كلُّه كما ينفرد بها الأب دون الأمِّ بالإنفاق، وهذا هو مقتضى قواعد الشَّرع، فإنَّ العاصب ينفرد بحمل

стр. 3549

العقل وولاية النِّكاح وولاية الموت والميراث بالولاء. وقد نصَّ الشَّافعيُّ على أنَّه إذا اجتمع أمٌّ وجدٌّ أو أبٌ فالنَّفقة على الجدِّ وحده، وهو إحدى الرِّوايات عن أحمد، وهي الصَّحيحة في الدَّليل. وكذلك إن اجتمع ابنٌ وبنتٌ، أو أمٌّ وابنٌ، أو بنتٌ وابنُ ابنٍ، فقال الشَّافعيُّ: النَّفقة في هذه المسائل الثَّلاث على الابن لأنَّه العصبة، وهو إحدى الرِّوايات عن أحمد. والثَّانية أنَّها على قدر الميراث في المسائل الثَّلاث. وقال أبو حنيفة: النَّفقة في مسألة الابن والبنت عليهما نصفان لتساويهما في القرب، وفي مسألة بنتٍ وابن ابنٍ: النَّفقة على البنت لأنَّها أقرب. وفي مسألة أمٍّ وبنتٍ: على الأمِّ الرُّبعُ والباقي على البنت، وهو قول أحمد، وقال الشَّافعيُّ: تنفرد بها البنت؛ لأنَّها تكون عصبةً مع أخيها. والصَّحيح: انفراد العصبة بالإنفاق؛ لأنَّه الوارث المطلق. وفيه دليلٌ على أنَّ نفقة الزَّوجة والأقارب مقدَّرةٌ بالكفاية، وأنَّ ذلك بالمعروف، وأنَّ لمن له النَّفقة أن يأخذها بنفسه إذا منعه إيَّاها من هي عليه. وقد احتُجَّ به على جواز الحكم على الغائب. ولا دليلَ فيه؛ لأنَّ أبا سفيان كان حاضرًا في البلد لم يكن مسافرًا، والنَّبيُّ ﷺ لم يسألها البيِّنة، ولا يُعطى المدَّعي بمجرَّد دعواه، وإنَّما كان هذا فتوى منه ﷺ . وقد احتُجَّ به على مسألة الظَّفر، وأنَّ للإنسان أن يأخذ من مال غريمه إذا ظَفِرَ به بقدر حقِّه الذي جَحدَه إيَّاه. ولا يدلُّ لثلاثة أوجهٍ: أحدها: أنَّ سبب الحقِّ هاهنا ظاهرٌ وهو الزَّوجيَّة، فلا يكون الأخذ خيانةً في الظَّاهر، فلا يتناوله قول النَّبيِّ ﷺ : «أدِّ الأمانةَ إلى من ائتمنَك، ولا

стр. 3550

تَخُنْ من خانَك» (١). ولهذا نصَّ أحمد على المسألتين مفرِّقًا بينهما، فمنعَ من الأخذ في مسألة الظَّفر، وجَوَّز للزَّوجة الأخذَ، وعمِلَ بكلا الحديثين. الثَّاني: أنَّه يَشُقُّ على الزَّوجة أن ترفعه إلى الحاكم، فيُلزِمه بالإنفاق أو الفراق، وفي ذلك مضرَّةٌ عليها مع تمكُّنها من أخذ حقِّها. الثَّالث: أنَّ حقَّها يتجدَّد كلَّ يومٍ، فليس هو حقًّا واحدًا (٢) مستقرًّا يمكن أن تستدين عليه أو ترفعه إلى الحاكم، بخلاف حقِّ المدين. فصل وقد احتُجَّ بقصَّة هند هذه على أنَّ نفقة الزَّوجة تسقط بمضيِّ الزَّمان؛ لأنَّه لم (٣) يُمكِّنها من أخْذِ ما مضى لها من قدر الكفاية مع قولها: إنَّه لا يُعطيها ما يكفيها. ولا دليلَ فيها؛ لأنَّها لم تَدَّعِ به ولا طلبتْه، وإنَّما استفتتْه: هل تأخذ في المستقبل ما يكفيها؟ فأفتاها بذلك. وبعدُ، فقد اختلف النَّاس في نفقة (٤) الزَّوجات والأقارب، هل يسقطان بمضيِّ الزَّمان كلاهما، أو لا يسقطان، أو تسقط نفقة الأقارب دون الزَّوجات؟ على ثلاثة أقوالٍ:

стр. 3551

أحدها: أنَّهما يسقطان بمضيِّ الزَّمان، وهذا مذهب أبي حنيفة وإحدى الرِّوايتين عن أحمد. والثَّاني: أنَّهما لا يسقطان إذا كان القريب طفلًا، وهذا وجهٌ للشَّافعيَّة. والثَّالث: تسقط نفقة القريب دون نفقة الزَّوجة، وهذا هو المشهور من مذهب الشَّافعيِّ وأحمد ومالك. ثمَّ الذين أسقطوها بمضيِّ الزَّمان منهم من قال: إذا كان الحاكم قد فرضها لم تسقط، وهذا قول بعض الشَّافعيَّة والحنابلة. ومنهم من قال: لا يُؤثِّر فرض الحاكم في وجوبها شيئًا إذا سقطت بمضيِّ الزَّمان. والَّذي ذكره أبو البركات في «محرَّره» الفرق بين نفقة الزَّوجة ونفقة القريب في ذلك، فقال (١): وإذا غاب مدَّةً ولم ينفق لزِمَه نفقة الماضي، وعنه: لا يلزمه إلا أن يكون الحاكم قد فرضَها. وأمَّا نفقة أقاربه فلا تلزمه لما مضى وإن فُرِضت، إلا أن يستدان عليه بإذن الحاكم. وهذا هو الصَّواب، وأنَّه لا تأثير لفرض الحاكم في وجوب نفقة القريب لما مضى من الزَّمان نقلًا وتوجيهًا: أمَّا النَّقل، فإنَّه لا يُعرف عن أحمد ولا عن (٢) قدماء أصحابه استقرارُ نفقة القريب بمضيِّ الزَّمان إذا فرضها الحاكم، ولا عن الشَّافعيِّ وقدماء أصحابه والمحقِّقين لمذهبه منهم، كصاحب «المهذَّب» و «الحاوي» و «الشَّامل» و «النِّهاية» و «التَّهذيب» و «البيان» و «الذَّخائر». وليس في هذه الكتب إلا السُّقوط بدون استثناء فرضٍ، وإنَّما يوجد استقرارها إذا فرضها

стр. 3552

الحاكم في «الوسيط» و «الوجيز» و «شرح الرافعي» وفروعه. وقد صرَّح نصر المقدسي في «تهذيبه» والمحاملي في «العدَّة» ومحمد بن عثمان في «التَّمهيد» والبندنيجي في «المعتمد» بأنَّها لا تستقرُّ ولو فرضها القاضي، وعلَّلوا السُّقوط بأنَّها تجب على وجه المواساة لإحياء النَّفس (١)، ولهذا لا تجب مع يسار المنفق عليه. وهذا التَّعليل يوجب سقوطها، فُرِضَتْ أو لم تُفرض. قال أبو المعالي (٢): وممَّا يدلُّ على ذلك أنَّ نفقة القريب إمتاعٌ لا تمليكٌ، وما لا يجب فيه التَّمليك وانثنَى (٣) إلى الكفاية استحال مصيره دَينًا في الذِّمَّة. واستبعد لهذا التَّعليل قول من يقول: إنَّ نفقة الصَّغير تستقرُّ بمضيِّ الزَّمان، وبالغ في تضعيفه من جهة أنَّ إيجاب الكفاية مع إيجاب عوض ما مضى متناقضٌ، ثمَّ اعتذر عن تقررها (٤) في صورة الحمل على الأصحِّ، إذا قلنا: إنَّ النَّفقة له بأنَّ الحامل مستحقَّةٌ لها ومنتفعةٌ بها فهي كنفقة الزَّوجة. قال: ولهذا قلنا: تتقدَّر، ثمَّ قال: هذا في الحمل والولد الصَّغير، أمَّا نفقة غيرهما فلا تصير دينًا أصلًا. انتهى. وهذا الذي قاله هؤلاء هو الصَّواب، فإنَّ في تصوُّر فرْضِ الحاكم نظرًا؛ لأنَّه إمَّا أن يعتقد سقوطها بمضيِّ الزَّمان أو لا، فإن كان يعتقده لم يَسَعْ (٥) له الحكمُ بخلافه، وإلزامُ ما يعتقد أنَّه غير لازمٍ، وإن كان لا يعتقد سقوطها مع

стр. 3553

أنَّه لا يعرف به قائلٌ إلا في الطِّفل الصَّغير على وجهٍ لأصحاب الشَّافعيِّ، فإمَّا أن يعني بالفرض: الإيجابَ، أو إثباتَ الواجب، أو تقديرَه، أو أمرًا رابعًا. فإن أُريد به الإيجاب فهو تحصيل الحاصل ولا أثرَ لفرضه، وكذلك إن أُريد به إثبات الواجب ففرضه وعدمه سِيَّانِ، وإن أُريد به تقدير الواجب فالتَّقدير إنَّما يؤثِّر في صفة الواجب من الزِّيادة والنُّقصان لا في سقوطه وثبوته، فلا أثرَ لفرضه في الوجوب البتَّةَ. هذا مع ما في التَّقدير من مصادمة الأدلَّة الَّتي تقدَّمت على أنَّ الواجب النَّفقة بالمعروف، فيُطعِمهم ممَّا يأكل ويكسوهم ممَّا يلبس. وإن أريد به أمرٌ رابعٌ فلا بدَّ من بيانه لننظر فيه. فإن قيل: الأمر الرَّابع المراد هو عدم السُّقوط بمضيِّ الزَّمان، فهذا هو محلُّ الحكم، وهو الذي أثَّر فيه حكم الحاكم وتعلَّق به. قيل: فكيف يمكن أن يعتقد السُّقوط ثمَّ يُلزِم ويقضي بخلافه؟ وإن اعتقد عدم السُّقوط فخلاف الإجماع (١)، ومعلومٌ أنَّ حكم الحاكم لا يُزِيل الشَّيء عن صفته، فإذا كانت صفة هذا الواجب سقوطه بمضيِّ الزَّمان شرعًا لم يُزِلْه حكم الحاكم عن صفته. فإن قيل: بقي قسمٌ آخر، وهو أن يعتقد الحاكم السُّقوطَ بمضيِّ الزَّمان ما لم يُفرَض، فإن فُرِضت استقرَّت، فهو يحكم باستقرارها لأجل الفرض لا بنفس مضيِّ الزَّمان. قيل: هذا لا يُجدِي شيئًا، فإنَّه إذا اعتقد سقوطها بمضيِّ الزَّمان، وأنَّ هذا هو الحقُّ والشَّرع، لم يَجُزْ له أن يلزم بما يعتقد سقوطه وعدم ثبوته، وما هذا إلا بمثابة ما لو ترافع إليه مضطرٌّ وصاحبُ طعامٍ غير مضطرٍّ، فقضي به

стр. 3554

للمضطرِّ بعوضه، فلم يتَّفق أخذُه حتَّى زال الاضطرار، ولم يعط صاحبه العوض، أنَّه يُلزِمه بالعوض ويُلزِم صاحب الطَّعام ببذله له، والقريب يستحقُّ النَّفقة لإحياء مهجته، فإذا مضى زمن الوجوب حصل مقصود الشَّارع من إحيائه، فلا فائدة في الرُّجوع بما فات من سبب الإحياء ووسيلته مع حصول المقصود والاستغناء عن السَّبب بسببٍ آخر. فإن قيل: فهذا ينتقض عليكم بنفقة الزَّوجة، فإنَّها تستقرُّ بمضيِّ الزَّمان ولو لم تُفرض، مع حصول هذا المعنى الذي ذكرتموه بعينه. قيل: النَّقض لا بدَّ أن يكون بمعلوم الحكم بالنَّصِّ أو الإجماع، وسقوط نفقة الزَّوجة بمضيِّ الزَّمان مسألة نزاعٍ، فأبو حنيفة وأحمد في روايةٍ يُسقِطانها، والشَّافعيُّ وأحمد في الرِّواية الأخرى لا يُسقِطانها. والَّذين أسقطوها (١) فرَّقوا بينها وبين نفقة القريب بفروقٍ (٢): أحدها: أنَّ نفقة القريب صلةٌ. الثَّاني: أنَّ نفقة الزَّوجة تجب مع اليسار والإعسار، بخلاف نفقة القريب. الثَّالث: أنَّ نفقة الزَّوجة تجب مع استغنائها بمالها، ونفقة القريب لا تجب إلا مع إعساره وحاجته. الرَّابع: أنَّ الصَّحابة أوجبوا للزَّوجة نفقة ما مضى، ولا يُعرف عن أحدٍ منهم قطُّ أنَّه أوجب للقريب نفقةَ ما مضى، فصحَّ عن عمر ﵁ أنَّه كتب إلى أمراء الأجناد في رجالٍ غابوا عن نسائهم، فأمرهم بأن ينفقوا أو يطلِّقوا،

стр. 3555

فإن طلَّقوا بعثوا بنفقة ما مضى (١)، ولم يخالف عمرَ في ذلك مخالفٌ منهم. قال ابن المنذر (٢): هذه نفقةٌ وجبت بالكتاب والسُّنَّة والإجماع، ولا يزول ما وجب بهذه الحجج إلا بمثلها. قال المسقطون: قد شكت هند إلى النَّبيِّ ﷺ أنَّ أبا سفيان لا يعطيها كفايتها، فأباح لها أن تأخذ في المستقبل قدرَ الكفاية، ولم يُجوِّز لها أخْذَ ما مضى. وقولكم: إنَّها نفقة معاوضةٍ، فالمعاوضة إنَّما هي بالصَّداق، وإنَّما النَّفقة لكونها في حبسه، فهي عانيةٌ عنده كالأسير، فهي من جملة عياله، ونفقتها مواساةٌ، وإلَّا فكلٌّ من الزَّوجين يحصل له من الاستمتاع مثل ما يحصل للآخر، وقد عاوضها على المهر، فإذا استغنتْ عن نفقة ما مضى فلا وجهَ لإلزام الزَّوج به. والنَّبيُّ ﷺ جعل نفقة الزَّوجة كنفقة القريب بالمعروف وكنفقة الرَّقيق، فالأنواع الثَّلاثة إنَّما وجبت بالمعروف مواساةً لإحياء نفسِ من هو في ملكه وحبسه، ومن بينه وبينه رحمٌ وقرابةٌ، فإذا استغنى عنها بمضيِّ الزَّمان فلا وجه لإلزام الزَّوج بها، وأيُّ معروفٍ في إلزامه نفقتَه لما مضى وحبسِه على ذلك والتَّضييقِ عليه وتعذيبِه بطول الحبس، وتعريضِ الزَّوجة لقضاء أوطارِها من الدُّخول والخروج وعِشْرة الأخدان بانقطاع زوجها عنها وغيبة نظره (٣) عليها كما هو الواقع؟ وفي ذلك من الفساد المنتشر ما لا يعلمه إلا اللَّه، حتَّى إنَّ الفروج لَتَعِجُّ إلى الله من حَبْسِ حُماتِها ومن يصونها عنها،

стр. 3556

وتسيُّبِها في أوطارها. ومعاذَ الله أن يأتي شرع الله بهذا الفساد الذي قد استطار شرارُه واستَعَرتْ ناره. وإنَّما أمر عمر بن الخطَّاب الأزواج إذا طلَّقوا أن يبعثوا بنفقة ما مضى، ولم يأمرهم إذا قَدِموا أن يفرضوا نفقة ما مضى، ولا يُعرف ذلك عن صحابيٍّ البتَّةَ. ولا يلزم من الإلزام بالنَّفقة الماضية بعد الطَّلاق وانقطاعِها بالكلِّيَّة الإلزامُ بها إذا عاد الزَّوج إلى النَّفقة والإقامة، واستقبل الزَّوجة بكلِّ ما تحتاج إليه، فاعتبارُ أحدِهما بالآخر غير صحيحٍ. ونفقة الزَّوجة تجب يومًا بيوم، فهي كنفقة القريب، وما مضى فقد استغنتْ عنه بمضيِّ وقته، فلا وجهَ لإلزام الزَّوج به، وذلك منشأ العداوة والبغضاء بين الزَّوجين، وهو ضدُّ ما جعله الله بينهما من المودَّة والرَّحمة. وهذا القول هو الصَّحيح المختار الذي لا تقتضي الشَّريعةُ غيرَه. وقد صرَّح أصحاب الشَّافعيِّ بأنَّ كسوة الزَّوجة وسكنها يَسقُطان بمضيِّ الزَّمان إذا قيل: إنَّهما إمتاعٌ لا تمليكٌ، فإنَّ لهم في ذلك وجهين (١). فصل وأمَّا فرض الدَّراهم، فلا أصلَ له في كتاب الله تعالى، ولا سنَّة رسوله ﷺ ، ولا عن أحدٍ من الصَّحابة البتَّةَ (٢)، ولا التَّابعين ولا تابعيهم، ولا نصَّ عليه أحدٌ من الأئمَّة الأربعة ولا غيرهم من أئمَّة الإسلام. وهذه كتب الآثار والسُّنن وكلام الأئمَّة بين أظهرنا، فأَوجِدُونا (٣) مَن ذكر فرض الدَّراهم.

стр. 3557

والله سبحانه أوجب نفقة الأقارب والزَّوجات والرَّقيق بالمعروف، وليس من المعروف فرضُ الدَّراهم، بل المعروف الذي نصَّ عليه صاحب الشَّرع أن يُطعِمهم ممَّا يأكل ويكسوهم ممَّا يلبس، ليس المعروف سوى هذا. وفرضُ الدَّراهم على المنفق من المنكر. وليست الدَّراهم من الواجب ولا عوضِه، ولا يصحُّ الاعتياض عمَّا لم يستقرَّ ولم يملك، فإنَّ نفقة الأقارب والزَّوجات تجب يومًا فيومًا، ولو كانت مستقرَّةً لم تصحَّ المعاوضة عنها بغير رضى الزَّوج والقريب، فإنَّ الدَّراهم تُجعل عوضًا عن الواجب الأصليِّ، وهو إمَّا البُرُّ عند الشَّافعيِّ، أو الطَّعام المعتاد عند الجمهور، فكيف يُجبَر على المعاوضة على ذلك بدراهم من غيرِ رضاه ولا إجبارِ صاحبِ الشَّرع له على ذلك؟ فهذا مخالفٌ لقواعد الشَّرع ونصوص الأئمَّة ومصالح العباد، ولكن إن اتَّفق المُنفِق والمُنفَق عليه على ذلك جاز باتِّفاقهما. هذا مع أنَّه في جواز اعتياض الزَّوجة عن (١) النَّفقة الواجبة لها نزاعٌ معروفٌ في مذهب الشَّافعيِّ وغيره، فقيل: لا تعتاض؛ لأنَّ نفقتها طعامٌ ثبت في الذِّمَّة عوضًا، فلا تعتاض عنه قبل القبض كالمُسلَم فيه، وعلى هذا فلا يجوز الاعتياض لا بدراهم ولا ثيابٍ ولا شيءٍ البتَّةَ. وقيل: تعتاض بغير الخبز والدَّقيق؛ فإنَّ الاعتياض بهما ربًا، هذا إذا كان الاعتياض عن الماضي، فإن كان عن المستقبل لم يصحَّ عندهم وجهًا واحدًا؛ لأنَّها بصدد السُّقوط، فلا يُعلَم استقرارها.

стр. 3558

ذِكر ما رُوي من حكم رسول الله ﷺ في تمكين المرأة من فراقِ زوجها إذا أعسَرَ بنفقتها روى البخاريُّ في «صحيحه» (١) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أفضل الصَّدقة ما تَركَ غِنًى ــ وفي لفظٍ: ما كان عن ظَهْرِ غِنًى ــ واليد العليا خيرٌ من اليد السُّفلى، وابدَأْ بمن تَعُول». تقول المرأة: إمَّا أن تُطعِمني وإمَّا أن تُطلِّقني، ويقول العبد: أَطعِمْني واستعمِلْني، ويقول الولد: أَطعِمْني، إلى مَن تَدَعُني؟ قالوا: يا أبا هريرة، سمعتَ هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: لا، هذا من كيس أبي هريرة. وذكر النَّسائيُّ هذا الحديث في كتابه (٢) وقال فيه: «وابدَأْ بمن تَعُول»، فقيل: من أعول يا رسول اللَّه؟ قال: «امرأتك تقول: أطعِمْني وإلَّا فارِقْني، خادمك يقول: أطعِمْني واستعمِلْني، ولدُك يقول (٣): إلى من تتركني؟». وهذا في جميع نسخ كتاب النَّسائيِّ هكذا، وهو عنده من حديث سعيد بن أيوب عن محمَّد بن عجلان عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة،

стр. 3559

وسعيد ومحمد ثقتان. وقال الدَّارقطنيُّ (١): ثنا أبو بكر الشافعي، ثنا محمد بن بِشر بن مَطَر، ثنا شيبان بن فرُّوخٍ، ثنا حمَّاد بن سلمة، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «المرأة تقول لزوجها: أطعِمْني أو طلِّقني» الحديث. وقال الدَّارقطنيُّ (٢): ثنا عثمان بن أحمد بن السَّماك وعبد الباقي بن قانعٍ وإسماعيل بن علي قالوا: أخبرنا أحمد بن عليٍّ الخزَّاز، ثنا إسحاق بن إبراهيم الباوردي، ثنا إسحاق بن منصورٍ، ثنا حمَّاد بن سلمة، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيد بن المسيَّب في الرَّجل لا يجد ما ينفق على امرأته، قال: يُفرَّق بينهما. وبهذا الإسناد إلى حمَّاد بن سلمة عن عاصم بن بَهْدَلة عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النَّبيِّ ﷺ مثله (٣). وقال سعيد بن منصورٍ في «سننه» (٤): ثنا سفيان عن أبي الزناد قال: سألت سعيد بن المسيَّب عن الرَّجل لا يجد ما ينفق على امرأته، أيُفرَّق بينهما؟ قال: نعم. قلت: سنَّةٌ؟ قال: سنَّةٌ.

стр. 3560

وهذا ينصرف إلى سنَّة رسول الله ﷺ ، فغايته أن يكون من مراسيل سعيد بن المسيَّب. واختلف الفقهاء في حكم هذه المسألة على أقوالٍ: أحدها: أنَّه يُجبَر على أن يُنفِق أو يُطلِّق، روى سفيان عن يحيى بن سعيدٍ الأنصاريِّ عن ابن المسيَّب قال: إذا لم يجد الرَّجل ما ينفق على امرأته أُجبِر على طلاقها (١). الثَّاني: إنَّما يطلِّقها عليه الحاكم، وهذا قول مالك؛ لكنَّه قال: يُؤجَّل في عدم النَّفقة شهرًا ونحوه، فإن انقضى الأجل وهي حائضٌ أُخِّر حتَّى تَطْهُر، وفي الصَّداق عامين، ثمَّ يُطلِّقها عليه الحاكم طلقةً رجعيَّةً، فإن أيسرَ في العدَّة فله ارتجاعها. وللشَّافعيِّ قولان: أحدهما: أنَّ الزَّوجة تُخيَّر، إن شاءت أقامت معه، وتبقى نفقة المعسر دَينًا لها في ذمَّته. قال أصحابه: هذا إذا أمكنَتْه من نفسها، وإن لم تمكِّنه سقطتْ نفقتها، وإن شاءت فسخت النِّكاح. والقول الثَّاني: ليس لها أن تفسخ، لكن يرفع الزَّوج يده عنها لتكتسب. والمذهب أنَّها تملك الفسخ. قالوا: وهل هو طلاقٌ أو فسخٌ؟ فيه وجهان: أحدهما: أنَّه طلاقٌ، فلا بدَّ من الرَّفع إلى القاضي حتَّى يُلزِمه أن يُطلِّق أو يُنفِق، فإن أبى طلَّق الحاكم عليه طلقةً رجعيَّةً، فإن راجعها طلَّق عليه ثانيةً،

стр. 3561

فإن راجعها طلَّق عليه ثالثةً. والثَّاني: أنَّه فسخٌ، فلا بدَّ من الرَّفع إلى الحاكم ليثبت الإعسار ثمَّ تفسخ هي، وإن اختارت المقام ثمَّ أرادت الفسخ ملكَتْه؛ لأنَّ النَّفقة يتجدَّد وجوبها كلَّ يومٍ. وهل تَملِك الفسخَ في الحال أو لا تملكه إلا بعد مضيِّ ثلاثة أيَّامٍ؟ فيه قولان، الصَّحيح عندهم الثَّاني. قالوا: فلو وجد في اليوم الثَّالث نفقتها وتعذَّرتْ عليه نفقة اليوم الرَّابع، فهل يجب استئناف هذا الإمهال؟ فيه وجهان. وقال حمَّاد بن أبي سليمان: يُؤجَّل سنةً ثمَّ يفسخ قياسًا على العنِّين. وقال عمر بن عبد العزيز: يُضرَب له شهرٌ أو شهران. وقال مالك: الشَّهر ونحوه (١). وعن أحمد روايتان، إحداهما وهي ظاهر مذهبه: أنَّ المرأة تُخيَّر بين المقام معه وبين الفسخ، فإن اختارت الفسخ رفعتْه إلى الحاكم، فيخيَّر الحاكم بين أن يفسخ عليه أو يُجبِره على الطَّلاق أو يأذن لها في الفسخ، فإن فسخ أو أذن في الفسخ فهو فسخٌ لا طلاقٌ، ولا رجعة له وإن أيسرَ في العدَّة. وإن أجبره على الطَّلاق (٢) فطلَّق رجعيًّا فله رجعتُها، فإن راجعَها وهو مُعسِرٌ أو امتنع من الإنفاق عليها فطلبت الفسخَ فسخ عليه ثانيًا وثالثًا، وإن رضيتْ بالمقام معه مع عُسْرته ثمَّ بدا لها الفسخُ، أو تزوَّجته عالمةً بعُسْرتِه ثمَّ اختارت الفسخ، فلها ذلك. قال القاضي (٣): وظاهر كلام أحمد أنَّه ليس لها الفسخ في الموضعين

стр. 3562

ويَبطُل خيارها، وهو قول مالك، لأنَّها رضيتْ بعيبه ودخلتْ في العقد عالمةً به، فلم تملك الفسخ، كما لو تزوَّجت عنِّينًا عالمةً بِعُنَّته، أو قالت بعد العقد: قد رضيتُ به عنِّينًا. وهذا الذي قاله القاضي: هو مقتضى المذهب والحجَّة. والَّذين قالوا: لها الفسخ ــ وإن رضيتْ بالمقام ــ قالوا: حقُّها متجدِّدٌ كلَّ يومٍ، فيتجدَّد لها الفسخ بتجدُّد حقِّها. قالوا: ولأنَّ رضاها يتضمَّن إسقاط حقِّها فيما لم يجب فيه من الزَّمان، فلم يسقط كإسقاط الشُّفعة قبل البيع. قالوا: وكذلك لو أسقطت النَّفقة المستقبلة لم تسقط، وكذلك لو أسقطتْها قبل العقد جملةً ورضيتْ بلا نفقةٍ، وكذلك لو أسقطت المهرَ قبله لم يسقط، وإذا لم يسقط وجوبها لم يسقُط الفسخُ الثَّابت به. والَّذين قالوا بالسُّقوط أجابوا عن ذلك بأنَّ حقَّها من الجماع يتجدَّد، ومع هذا إذا أسقطت حقَّها من الفسخ بالعُنَّة سقطَ، ولم تملك الرُّجوع فيه. قالوا: وقياسكم ذلك على إسقاط نفقتها قياسٌ على أصلٍ غير متَّفقٍ عليه ولا ثابتٍ بالدَّليل، بل الدَّليل يدلُّ على سقوط الشُّفعة بإسقاطها قبل البيع، كما صحَّ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «لا يَحِلُّ له أن يبيعَ حتَّى يُؤذِنَ شريكَه، فإن باعَه ولم يُؤذِنْه فهو أحقُّ بالبيع» (١). وهذا صريحٌ في أنَّه إذا أسقطها قبل البيع لم يملك طَلَبَها بعده، وحينئذٍ فنجعل هذا أصلًا لسقوط حقِّها من النَّفقة بالإسقاط، ونقول: خيارٌ (٢) لدفع الضَّرر، فسقط بإسقاطه قبل ثبوته كالشُّفعة.

стр. 3563

ثمَّ ينتقض هذا بالعيب في العين المُؤْجَرة، فإنَّ المستأجر إذا دخل عليه أو علم به ثمَّ اختار ترك الفسخ لم يكن له الفسخُ بعد هذا، وتجدُّد حقِّه من الانتفاع كلَّ وقتٍ كتجدُّد حقِّ المرأة من النَّفقة سواءٌ، ولا فرق بينهما (١). وأمَّا قوله: لو أسقطتْها قبل النِّكاح أو أسقطت المهر قبله لم يسقط، فليس إسقاط الحقِّ (٢) قبل انعقاد سببه بالكلِّيَّة كإسقاطه بعد انعقاد سببه. هذا إن كان في المسألة إجماعٌ، وإن كان فيها خلافٌ فلا فرقَ بين الإسقاطين وسوَّينا بين الحكمين، وإن كان بينهما فرقٌ امتنع القياس. وعنه روايةٌ أخرى: ليس لها الفسخ، وهذا قول أبي حنيفة وصاحبيه. وعلى هذا لا يلزمها تمكينُه من الاستمتاع؛ لأنَّه لم يُسلِّم إليها عوضَه فلم يلزمها تسليمه، كما لو أعسر المشتري بثمن المبيع لم يجب تسليمه إليه، وعليه تخليةُ سبيلها لتكتسب لها وتُحصِّل ما تنفقه على نفسها؛ لأنَّ في حبسها بغير نفقةٍ إضرارًا بها. فإن قيل: فلو كانت مُوسِرةً، فهَلْ (٣) يملك حبسها؟ قيل: قد قالوا أيضًا: لا يملك حبسها؛ لأنَّه إنَّما يملكه إذا كفاها المُؤْنةَ وأغناها عمَّا لا بدَّ لها منه من النَّفقة والكسوة، ولحاجته إلى الاستمتاع الواجب له عليها، فإذا انتفى هذا وهذا لم يملك حبْسَها، وهذا قول جماعةٍ من السَّلف والخلف.

стр. 3564

ذكر عبد الرزاق (١) عن ابن جريجٍ قال: سألت عطاء عمَّن لا يجد ما يصلح امرأته من النَّفقة، قال: ليس لها إلا ما وجدتْ (٢)، ليس لها أن يطلِّقها. وروى حمَّاد بن سلمة عن جماعةٍ عن الحسن البصريِّ أنَّه قال في الرَّجل يَعجِز عن [نفقة] (٣) امرأته: قال: تُواسِيه وتتَّقي الله وتصبر، وينفق عليها ما استطاع (٤). وذكر عبد الرزاق (٥) عن معمر قال: سألت الزُّهريَّ عن رجلٍ لا يجد ما ينفق على امرأته، أيُفرَّق بينهما؟ قال: يُستَأْنَى (٦) به ولا يُفرَّق بينهما، وتلا: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ﴾ [الطلاق: ٧]. قال معمر: وبلغني عن عمر بن عبد العزيز مثلُ قول الزُّهريِّ سواءً. وذكر عبد الرزاق (٧) عن سفيان الثَّوريِّ في المرأة يُعسِرُ زوجها بنفقتها: قال: هي امرأةٌ ابتُلِيتْ، فلْتصبِرْ، ولا تأخُذْ بقول من فرَّق بينهما. قلت: عن عمر بن عبد العزيز ثلاث رواياتٍ، هذه إحداها.

стр. 3565

والثَّانية: روى ابن وهب عن عبد الرَّحمن بن أبي الزِّناد عن أبيه قال: شهدتُ عمر بن عبد العزيز يقول لزوجِ امرأةٍ شكتْ إليه أنَّه لا يُنفِق عليها: اضرِبوا له أجلَ شهرٍ (١) أو شهرين، فإن لم ينفق عليها إلى ذلك الأجل فرِّقوا بينه وبينها (٢). والثَّالثة: ذكر ابن وهب عن ابن لهيعة عن محمد بن عبد الرحمن أنَّ رجلًا شكا إلى عمر بن عبد العزيز بأنَّه أنكحَ ابنتَه رجلًا لا يُنفِق عليها، فأرسل إلى الزَّوج، فأتى، فقال: أَنكحَني وهو يعلم أنَّه ليس لي شيءٌ، فقال عمر: أنكحتَه وأنتَ تعرفه؟ (٣) فما الذي أصنع؟ اذهَبْ بأهلك (٤). والقول بعدم التَّفريق مذهب أهل الظَّاهر كلِّهم، وقد تناظر فيها مالك وغيره فقال مالك (٥): أدركتُ النَّاس يقولون: إذا لم ينفق الرَّجل على امرأته فُرِّق بينهما. فقيل له: قد كانت الصَّحابة يُعسِرون ويحتاجون، فقال مالك: ليس النَّاس اليوم كذلك؛ إنَّما تزوَّجتْه رجاءً. ومعنى كلامه: أنَّ نساء الصَّحابة كنَّ يُرِدن الدَّار الآخرة وما عند اللَّه، ولم يكن مرادهنَّ الدُّنيا، فلم يكُنَّ يبالين بعُسْر أزواجهنَّ؛ لأنَّ أزواجهنَّ كانوا كذلك. وأمَّا النِّساء اليوم فإنَّما تزوَّجن رجاءَ دنيا الأزواج ونفقتهنّ

стр. 3566

وكسوتهنّ (١)، فالمرأة إنَّما تدخل اليوم على رجاء الدُّنيا، فصار هذا العرف (٢) كالمشروط في العقد، وكان عرف الصَّحابة ونسائهم كالمشروط في العقد، والشَّرط العرفيُّ في أصل مذهبه كاللَّفظيِّ، وإنَّما أَنكر على مالك كلامَه هذا من لم يفهمه ويفهم غَوْرَه. وفي المسألة مذهبٌ آخر، وهو: أنَّ الزَّوج إذا أعسرَ بالنَّفقة حُبِس حتَّى يجدَ ما ينفقه. وهذا المذهب (٣) حكاه النَّاس ــ ابنُ حزمٍ (٤) وصاحبُ «المغني» وغيرُهما ــ عن عبيد الله بن الحسن العَنْبري قاضي البصرة (٥). وياللَّه العجب! لأيِّ شيءٍ يُسجَن ويُجمَع عليه بين عذاب السِّجن وعذاب الفقر وعذاب البعد عن أهله؟ سبحانك هذا بهتانٌ عظيمٌ، وما أظنُّ من شَمَّ رائحة العلم يقول هذا. وفي المسألة مذهبٌ آخر، وهو: أنَّ المرأة تُكلَّف الإنفاقَ (٦) إذا كان عاجزًا عن نفقة نفسه. وهذا مذهب أبي محمد ابن حزم، وهو خيرٌ بلا شكَّ من مذهب العنبري. قال في «المحلَّى» (٧): فإن عجز الزَّوج عن نفقة نفسه، وامرأتُه غنيَّةٌ، كُلِّفتِ النَّفقةَ عليه، لا تَرجِع بشيء من ذلك إن أيسرَ. برهانُ

стр. 3567

ذلك قول الله : ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا (١) لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، والزوجة وارثةٌ، فعليها النَّفقةُ بنصِّ القرآن. ويا عجبًا لأبي محمد! لو تأمَّل سياقَ الآية لتبيَّن له منها خلافُ ما فهمه؛ فإنَّ الله سبحانه قال: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وهذا ضمير الزَّوجات بلا شكٍّ، ثمَّ قال: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾، فجعل سبحانه على وارثِ المولود له، أو وارثِ الولد مِنْ رزقِ الوالدات وكسوتهنَّ بالمعروف مثلَ ما على الموروث، فأين في الآية نفقةٌ على غير الزَّوجات حتَّى يُحمَل عمومُها لما ذهب إليه؟ واحتجَّ من لم ير الفسخ بالإعسار بقوله تعالى: ﴿(٦) لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧]. قالوا: وإذا لم يكلِّفه الله النَّفقةَ في هذه الحال فقد ترك ما لا يجب عليه، ولم يأثم بتركه، فلا يكون سببًا للتَّفريق بينه وبين حبِّه وسَكَنِه وتعذيبِه بذلك. قالوا: وقد روى مسلم في «صحيحه» (٢) من حديث أبي الزبير عن جابر قال: دخل أبو بكر وعمر على رسول الله ﷺ ، فوجداه جالسًا حوله نساؤه واجمًا ساكتًا، فقال أبو بكر: يا رسول اللَّه، لو رأيتَ بنتَ خارجة سألتْني النَّفقةَ فقمتُ إليها فوجأتُ عنقَها، فضحك رسول الله ﷺ وقال: هنَّ حولي كما ترى يسألنني النَّفقة، فقام أبو بكر إلى عائشة يَجَأُ عنقها، وقام عمر إلى

стр. 3568

حفصة يجأ عنقها (١)، كلاهما يقول: تسألن رسول الله ﷺ ما ليس عنده؟ فقلن: والله لا نسأل رسول الله ﷺ شيئًا أبدًا ما ليس عنده، ثمَّ اعتزلهنَّ رسول الله ﷺ شهرًا. وذكر الحديث. قالوا: فهذا أبو بكر وعمر يضربان ابنتيهما بحضرة رسول الله ﷺ إذ سألاه نفقةً لا يجدها، ومن المحال أن يضربا طالبتينِ للحقِّ ويُقِرَّهما رسول الله ﷺ على ذلك، فدلَّ على أنَّه لا حقَّ لهما فيما طلبَتَاه من النَّفقة في حال الإعسار، وإذا كان طلبهما لها (٢) باطلًا فكيف تُمكَّن المرأةُ من فسخ النِّكاح بعدمِ ما ليس لها طلبُه ولا يحلُّ لها، وقد أمر الله سبحانه صاحبَ الدَّين أن يُنظِر المعسرَ إلى الميسرة، وغاية النَّفقة أن يكون دَينًا، فالمرأة مأمورةٌ بإنظار الزَّوج إلى الميسرة (٣) بنصِّ القرآن. هذا إن قيل: تثبت في ذمَّة الزَّوج، وإن قيل: تسقط بمضيِّ الزَّمان فالفسخ أبعدُ وأبعدُ. قالوا: فاللَّه أوجبَ على صاحب الحقِّ الصَّبر على المُعسِر، ونَدَبَه إلى الصَّدقة بترك حقِّه، وما عدا هذين الأمرين فَجَورٌ لم يُبِحه له، ونحن نقول لهذه المرأة كما قال الله تعالى لها سواءً بسواءٍ: إمَّا أن تُنظِريه إلى الميسرة وإمَّا أن تَصَّدَّقي، ولا حقَّ لكِ فيما عدا هذين الأمرين. قالوا: ولم يزل في الصَّحابة المعسرُ والموسرُ، وكان مُعسِروهم أضعافَ أضعافِ موسريهم، فما مكَّن النَّبيُّ ﷺ قطُّ امرأةً واحدةً من الفسخ بإعسار زوجها، ولا أعلَمَها أنَّ الفسخ حقٌّ لها، فإن شاءت صبرت وإن شاءت

стр. 3569

فسخت، وهو يُشرِّع الأحكام عن الله بأمره، فهَبْ أنَّ الأزواج تركن حقَّهنَّ، أفما كان فيهنَّ امرأةٌ واحدةٌ تطالب بحقِّها؟ وهؤلاء نساؤه ﷺ خير نساء العالمين يطالبنه بالنَّفقة حتَّى أغضبنه، وحلف أن لا يدخل عليهنَّ شهرًا من شدَّة مَوجِدتِه عليهنَّ، فلو كان من المستقِرِّ في شرعه أنَّ المرأة تملك الفسخ بإعسار زوجها لَرُفِع إليه ذلك ولو من امرأةٍ واحدةٍ، وقد رُفِع إليه ما ضرورتُه دون ضرورةِ فَقْد النَّفقة (١) من فقد النِّكاح، وقالت له امرأة رِفاعة: إنِّي نكحتُ بعد رفاعةَ عبد الرحمن بن الزَّبير وإنّما معه مثلُ هُدْبةِ الثَّوب (٢). تريد أن يُفرِّق بينه وبينها. ومن المعلوم أنَّ هذا كان فيهم في غاية النُّدرة بالنِّسبة إلى الإعسار، فما طلبت منه امرأةٌ واحدةٌ أن يُفرَّق بينها وبين زوجها بالإعسار. قالوا: وقد جعل الله الفقر والغنى مَطيَّتينِ (٣) للعباد، فيفتقر الرَّجل الوقتَ ويستغني الوقتَ، فلو كان كلُّ من افتقر فُسِخت عليه امرأته لعمَّ البلاء وتفاقم الشَّرُّ، وفُسِخت أنكحةُ أكثر العالم، وكان الفراق بيد أكثر النِّساء، فمن الذي لم تُصِبْه عُسرةٌ ويُعوِز النَّفقة أحيانًا؟ قالوا: ولو تعذَّر من المرأة الاستمتاعُ بمرض متطاولٍ وأَعسرتْ بالجماع لم يُمكَّن الزَّوجُ من فسخ النِّكاح، بل يوجبون عليه النَّفقة كاملةً مع إعسار زوجته بالوطء، فكيف يُمكِّنونها من الفسخ بإعساره عن النَّفقة الَّتي غايتها أن تكون عوضًا عن الاستمتاع؟

стр. 3570

قالوا: وأمَّا حديث أبي هريرة فقد صرَّح فيه بأنَّ قوله: «امرأتك تقول: أَنفِقْ عليَّ وإلَّا طلِّقني» من كِيْسه، لا من كلام النَّبيِّ ﷺ . هكذا في «الصَّحيح» (١) عنه، ورواه عنه سعيد بن أبي سعيدٍ وقال (٢): ثمَّ يقول أبو هريرة إذا حدَّث بهذا الحديث: امرأتك تقول، فذكر الزِّيادة. وأمَّا حديث حمَّاد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النَّبيِّ ﷺ بمثله (٣)، فأشار إلى حديث يحيى بن سعيدٍ عن سعيد بن المسيَّب في الرَّجل لا يجد ما ينفق على امرأته، قال: يُفرَّق بينهما (٤) = فحديثٌ منكرٌ لا يحتمل أن يكون عن النَّبيِّ ﷺ أصلًا، وأحسنُ أحواله أن يكون عن أبي هريرة موقوفًا، والظَّاهر أنَّه رَوى بالمعنى، وأراد قول أبي هريرة: «امرأتك تقول: أطعِمْني أو طَلِّقْني». وأمَّا أن يكون عند أبي هريرة عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه سئل عن الرَّجل لا يجد ما ينفق على امرأته فقال: يفرَّق بينهما= فواللَّه ما قال هذا رسول الله ﷺ ، ولا سمعه أبو هريرة ولا حدَّث به، كيف وأبو هريرة لا يستجيز أن يروي عن النَّبيِّ ﷺ : «امرأتك تقول: أطعمني وإلَّا طلِّقني»، ويقولُ: هذا من كيس أبي هريرة، لئلَّا يتوهَّم نسبته إلى النَّبيِّ ﷺ . والَّذي تقتضيه أصول الشَّريعة وقواعدها في هذه المسألة: أنَّ الرَّجل إذا غَرَّ المرأة بأنَّه ذو مالٍ فتزوَّجتْه على ذلك، فظهر مُعدِمًا لا شيء له، أو كان ذا

стр. 3571

مالٍ أو ترك الإنفاقَ على امرأته ولم تقدر على أخْذِ كفايتها من ماله بنفسها ولا بالحاكم= أنَّ لها الفسخَ، وإن تزوَّجتْه عالمةً بعسرته أو كان موسرًا ثمَّ أصابته جائحةٌ اجتاحتْ ماله فلا فسخَ لها في ذلك، ولم يزل النَّاسُ تصيبهم الفاقة بعد اليسار ولم ترفعهم أزواجُهم إلى الحكَّام ليفرِّقوا بينهم وبينهنَّ، وباللَّه التَّوفيق. وقد قال جمهور الفقهاء: لا يثبت لها الفسخ بالإعسار بالصَّداق، وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه وهو الصَّحيح من مذهب أحمد، اختاره عامَّة أصحابه، وهو قول كثيرٍ من أصحاب الشَّافعيِّ. وفصَّل الشَّيخ أبو إسحاق وأبو عليِّ بن أبي هريرة فقالا: إن كان قبل الدُّخول ثبت به الفسخ، وبعده لا يثبت، وهو أحد الوجوه في مذهب أحمد. هذا (١) مع أنَّه عوضٌ محضٌ، وهو أحقُّ أن يُوفَّى به من ثمن المبيع كما دلَّ عليه النَّصُّ، وكلُّ ما تقرَّر في عدم الفسخ به فمثلُه في النَّفقة وأولى. فإن قيل: في الإعسار بالنَّفقة من الضَّرر اللَّاحق بالزَّوجة ما ليس في الإعسار بالصَّداق، فإنَّ البنية (٢) تقوم بدونه بخلاف النَّفقة. قيل: والبِنية قد تقوم بدون نفقته بأن تُنفِق من مالها أو ينفق عليها ذو قرابتها أو تأكل من غَزْلها، وبالجملة فتعيش بما تعيش به زمن العدَّة، وتقدِّر زمنَ عُسْرة (٣) الزَّوج كلَّه عدَّةً.

стр. 3572

ثمَّ الذين يُجوِّزون لها الفسخ يقولون: لها أن تفسخ ولو كان معها القناطير المقنطرة من الذَّهب والفضَّة إذا عجز الزَّوج عن نفقتها، وبإزاء هذا القول قولُ منجنيقِ الغرب أبي محمد ابن حزم (١): إنَّه يجب عليها أن تنفق عليه في هذه الحال، فتعطيه مالها وتمكِّنه من نفسها. ومن العجائب قول العنبري بأنَّه يُحْبَس. وإذا تأمَّلت أصول الشَّريعة وقواعدها، وما اشتملت عليه من المصالح ودرء المفاسد، ودفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما، وتفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعلاهما= تبيَّن لك القول الرَّاجح من هذه الأقوال، وباللَّه التَّوفيق. فصل في حكم رسول الله ﷺ الموافق لكتاب الله أنه لا نفقة للمبتوتة ولا سكنى روى مسلم في «صحيحه» (٢) عن فاطمة بنت قيس: أنَّ أبا عمرو بن حفص طلَّقها البتَّةَ وهو غائبٌ، فأرسل إليها وكيله بشعيرٍ، فسَخِطَتْه، فقال: والله ما لكِ علينا من شيءٍ، فجاءت رسولَ الله ﷺ ، فذكرت ذلك له، فقال: «ليس لكِ عليه نفقةٌ»، فأمرها أن تعتدَّ في بيت أم شَرِيك، ثمَّ قال: «تلك امرأةٌ يغشاها أصحابي، اعتدِّي عند ابن أمِّ (٣) مكتومٍ، فإنَّه رجلٌ أعمى تضعين

стр. 3573

ثيابكِ، فإذا حللتِ فآذِنيني». قالت: فلمَّا حللتُ ذكرتُ له أنَّ معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباني، فقال رسول الله ﷺ : «أمَّا أبو جهم فلا يضعُ عصاه عن عاتقه، وأمَّا معاوية فصعلوكٌ لا مال له، انكِحي أسامةَ بن زيدٍ». فكرهتُه، ثمَّ قال: «انكِحي أسامةَ»، فنكحتُه، فجعل الله فيه خيرًا واغتبطتُ به. وفي «صحيحه» (١) أيضًا عنها: أنَّها طلَّقها زوجها في عهد النبي ﷺ ، وكان أنفق عليها نفقةً دُوْنًا (٢)، فلمَّا رأت ذلك قالت: والله لأُعلِمَنَّ رسولَ الله ﷺ ، فإن كانت لي نفقةٌ أخذتُ الذي يُصلِحني، وإن لم تكن لي نفقةٌ لم آخُذْ منه شيئًا، قالت: فذكرتُ ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «لا نفقةَ لكِ ولا سُكنى». وفي «صحيحه» (٣) أيضًا عنها: أنَّ أبا حفص بن المغيرة المخزومي طلَّقها ثلاثًا، ثمَّ انطلق إلى اليمن، فقال لها أهله: ليس لكِ علينا نفقةٌ. فانطلق خالد بن الوليد في نفرٍ، فأَتَوا رسولَ الله ﷺ في بيت ميمونة، فقالوا: إنَّ أبا حفص طلَّق امرأته ثلاثًا، فهل لها من نفقةٍ؟ فقال رسول الله ﷺ : «ليست لها نفقةٌ، وعليها العدَّة». وأرسل إليها: أن لا تَسْبِقيني بنفسك، وأمرها أن تنتقل إلى أم شريك. ثمَّ أرسل إليها: أنَّ أم شريك يأتيها المهاجرون الأوَّلون، فانطلقي إلى ابن أمِّ مكتومٍ الأعمى، فإنَّكِ إذا وضعتِ خماركِ لم يركِ. فانطلقَتْ إليه، فلمَّا انقضَتْ عدَّتها أنكحَها رسول الله ﷺ أسامةَ بن زيد بن حارثة.

стр. 3574

وفي «صحيحه» (١) أيضًا عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة: أنَّ أبا عمرو بن (٢) حفص بن المغيرة خرج مع عليِّ بن أبي طالبٍ (٣)، فأرسل إلى امرأته فاطمة بنت قيس بتطليقةٍ كانت بقيت من تطليقها، وأمر لها الحارثَ بن هشامٍ وعيَّاشَ بن أبي ربيعة بنفقةٍ، فقالا لها: والله ما لكِ نفقةٌ إلا أن تكوني حاملًا، فأتت النَّبيَّ ﷺ فذكرتْ له قولهما، فقال: «لا نفقة لك»، فاستأذنتْه في الانتقال فأذن لها، فقالت: أين يا رسول اللَّه؟ قال: «إلى ابن أمِّ مكتومٍ». وكان أعمى، تضع ثيابها عنده ولا يراها، فلمَّا مضتْ عدَّتها أنكحَها النَّبيُّ ﷺ أسامةَ بن زيدٍ. فأرسل إليها مروانُ قَبِيصةَ بن ذؤيب يسألها عن الحديث فحدَّثته به، فقال مروان: لم نسمع هذا الحديث إلا من امرأةٍ، سنأخذ بالعصمة الَّتي وجدنا النَّاس عليها، فقالت فاطمة حين بلغها قول مروان: فبيني وبينكم القرآن، قال الله : ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]. قالت: هذا لمن كان له مراجعةٌ، فأيُّ أمرٍ يحدث بعد ذلك؟ فكيف تقولون: لا نفقةَ لها إذا لم تكن حاملًا، فعلامَ تَحبِسونها؟ وزاد أبو داود (٤) في هذا الحديث بإسناد مسلم عقيبَ قول عيَّاش بن أبي

стр. 3575

ربيعة والحارث بن هشامٍ «لا نفقة لك إلا أن تكوني حاملًا»: فأتت النَّبيَّ ﷺ فقال: «لا نفقة لكِ إلا أن تكوني حاملًا (١)». وفي «صحيحه» (٢) أيضًا عن الشَّعبيِّ قال: دخلتُ على فاطمة بنت قيس فسألتها عن قضاء رسول الله ﷺ عليها، فقالت: طلَّقها زوجها البتَّةَ، فخاصمتْه إلى رسول الله ﷺ في السُّكنى والنَّفقة، قالت: فلم يجعل لي سكنى ولا نفقةً، وأمرني أن أعتدَّ عند ابن أمِّ مكتومٍ. وفي «صحيحه» (٣) أيضًا عن أبي بكر بن أبي الجهم العَدَوي قال: سمعت فاطمة بنت قيس تقول: إنّ زوجها طلَّقها ثلاثًا، فلم يجعل لها رسول الله ﷺ سكنى ولا نفقةً. قالت: قال لي رسول الله ﷺ : «إذا حللتِ فآذِنيني». فآذنتُه، فخطبها معاوية وأبو جهم (٤) وأسامة بن زيدٍ، فقال رسول الله ﷺ : «أمَّا معاوية فرجلٌ تَرِبٌ لا مالَ له، وأمَّا أبو جهم فرجلٌ ضَرَّابٌ للنِّساء، ولكن أسامة». فقالت بيدها هكذا: أسامة! أسامة! فقال لها رسول الله ﷺ : «طاعةُ الله وطاعةُ رسوله خيرٌ لكِ». فتزوَّجتُه فاغتبطتُ (٥). وفي «صحيحه» (٦) أيضًا عنها (٧) قالت: أرسل إليَّ زوجي أبو عمرو بن
следующие страницы →