← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.

стр. 3641

عنه، وهو قول الحسن، والزُّهريِّ، وقتادة (١)، وعكرمة (٢)، والأوزاعيِّ. قال الأوزاعيُّ (٣): إن فُطِم وله عامٌ واحدٌ واستمرَّ (٤) فطامه، ثمَّ رضع في الحولين، لم يُحرِّم هذا الرَّضاع شيئًا، فإن تمادى رضاعه ولم يُفطَم، فإنه ما كان في الحولين يُحرِّم، وما كان بعدهما فإنَّه لا يُحرِّم وإن تمادى الرَّضاع. وقالت طائفةٌ: الرَّضاع المحرِّم ما كان في الصِّغر، ولم يُوقِّته هؤلاء بوقت، وروي هذا عن ابن عمر (٥)، وابن المسيَّب (٦)، وأزواج النبي ﷺ خلا عائشة.

стр. 3642

وقال أبو حنيفة وزفر: ثلاثون شهرًا، وعن أبي حنيفة روايةٌ أخرى كقول أبي يوسف ومحمد. وقال مالك في المشهور من مذهبه: يُحرِّم في الحولين وما قاربَهما، ولا حرمةَ له بعد ذلك. ثمَّ رُوي عنه اعتبار أيَّامٍ يسيرةٍ، وروي عنه شهران. وروي عنه شهرٌ ونحوه. وروى عنه الوليد بن مسلمٍ وغيره: أنَّ ما كان بعد الحولين من رضاعٍ بشهر أو شهرين أو ثلاثة فإنَّه عندي من الحولين، وهذا هو المشهور عند كثيرٍ من أصحابه. والَّذي رواه عنه أصحاب «الموطَّأ» وكان يُقرأ عليه إلى أن مات قوله فيه (١): وما كان من الرَّضاع بعد الحولين فإنَّ قليله وكثيره لا يحرِّم شيئًا، إنَّما هو بمنزلة الماء (٢). هذا لفظه. وقال: إذا فُصِل الصَّبيُّ قبل الحولين، واستغنى بالطَّعام عن الرَّضاع، فما ارتضع بعد ذلك لم يكن لرضاعه حرمةٌ (٣). وقال الحسن بن صالحٍ، وابن أبي ذئبٍ، وجماعةٌ من أهل الكوفة: مدَّة الرَّضاع المحرِّم ثلاث سنين، فما زاد عليها لم يحرِّم. وقال عمر بن عبد العزيز: مدَّته إلى سبع سنين، وكان يزيد بن هارون يحكيه عنه كالمتعجِّب من قوله (٤). وروي عنه خلاف هذا، وحكى عنه

стр. 3643

ربيعة أنَّ مدَّته حولان واثنا عشر يومًا (١). وقالت طائفةٌ من السَّلف والخلف: يُحرِّم رضاع الكبير ولو أنَّه شيخٌ، فروى مالك (٢) عن ابن شهابٍ أنَّه سئل عن رضاع الكبير، فقال: أخبرني عروة بن الزُّبير بحديث أمر رسول الله ﷺ سهلة بنت سهيل برضاع سالم، ففعلتْ، وكانت تراه ابنًا لها. قال عروة: فأخذتْ بذلك عائشة أم المؤمنين فيمن كانت تحبُّ أن يدخل عليها من الرِّجال (٣)، فكانت تأمر أختها أمَّ كلثوم وبناتِ أخيها يُرضِعن من أحبَّت أن يدخل عليها من الرِّجال. وقال عبد الرزاق (٤): ثنا ابن جريجٍ، قال: سمعت عطاء بن أبي رباحٍ وسأله رجلٌ فقال: سقتني امرأةٌ (٥) من لبنها بعد ما كنتُ رجلًا كبيرًا، أفأنكحها؟ قال عطاء: لا تنكِحْها، فقلت له: وذلك رأيك؟ قال: نعم، كانت عائشة تأمر بذلك بناتِ أخيها. وهذا قولٌ ثابتٌ عن عائشة ﵂. ويروى عن علي (٦) وعروة بن

стр. 3644

الزُّبير (١) وعطاء بن أبي رباحٍ (٢)، وهو قول اللَّيث بن سعدٍ (٣)، وأبي محمد بن حزم، قال (٤): ورضاع الكبير ولو أنَّه شيخٌ يُحرِّم كما يُحرِّم رضاع الصَّغير، ولا فرقَ. فهذه مذاهب النَّاس في هذه المسألة. ولنذكر مناظرة أصحاب الحولين، والقائلين برضاع الكبير، فإنَّهما طرفان، وسائر الأقوال متقاربةٌ. قال أصحاب الحولين: قال الله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، قالوا: فجعل تمام الرَّضاعة حولين، فدلَّ على أنَّه لا حكم لما بعدهما، فلا يتعلَّق به التَّحريم. قالوا: وهذه المدَّة هي مدَّة المجاعة الَّتي ذكرها رسول الله ﷺ ، وقَصَرَ الرَّضاعة المحرِّمة عليها. قالوا: وهي مدَّة الثَّدي التي قال فيها: «لا رضاعَ إلا ما كان في الثَّدي» (٥) أي في زمن الثَّدي، وهذه لغةٌ معروفةٌ, العرب يقولون: فلانٌ مات في الثَّدي، أي في زمن الرَّضاع قبل الفطام، ومنه الحديث المشهور: «إنَّ إبراهيم مات في

стр. 3645

الثَّدي، وإنَّ له مُرضِعًا في الجنَّة تُتِمُّ رضاعَه» (١) , يعني إبراهيم ابنَه صلوات الله وسلامه عليه. قالوا: وأكَّد ذلك بقوله: «لا رضاعَ إلا ما فَتَقَ الأمعاءَ, وكان في الثَّدي قبل الفِطام» (٢)، فهذه ثلاثة أوصافٍ للرَّضاع المحرِّم، ومعلومٌ أنَّ رضاع الشَّيخ الكبير عارٍ من الثَّلاثة. قالوا: وأصرحُ من هذا حديث ابن عبَّاسٍ: «لا رضاعَ إلا ما كان في الحولين» (٣). قالوا: وأكَّده أيضًا حديث ابن مسعودٍ: «لا يُحرِّم من الرَّضاع إلا ما أنبتَ اللَّحم وأنشَرَ العظمَ» (٤)، ورضاع الكبير لا يُنبِت لحمًا، ولا يُنشِر عظمًا. قالوا: ولو كان رضاع الكبير محرِّمًا لما قال النَّبيُّ ﷺ لعائشة وتغيَّر وجهه، وكره دخولَ أخيها من الرَّضاعة عليها لمَّا رآه كبيرًا، وقال: «انظُرْنَ مَنْ إخوانُكنُّ»، فلو حرَّم رضاع الكبير لم يكن فرقٌ بينه وبين الصَّغير، ولما كره ذلك وقال: «انظُرن مَن إخوانُكنَّ» ثمَّ قال: «فإنَّما الرَّضاعة من المجاعة» , وتحت هذا من المعنى خشيةُ أن يكون قد ارتضع في غير زمن الرَّضاع وهو زمن المجاعة، فلا ينشُر الحرمة، فلا يكون أخًا.

стр. 3646

قالوا: وأمَّا حديث سهلة في رضاع سالم فهذا كان في أوَّل الهجرة؛ لأنَّ قصَّته نزلت (١) عقيب نزول قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، وهي نزلت في أوَّل الهجرة. وأمَّا أحاديث اشتراط الصِّغر وأن يكون في الثَّدي قبل الفِطام، فهي من رواية ابن عبَّاسٍ وأبي هريرة، وابن عبَّاسٍ إنَّما قدِمَ المدينة قبل الفتح، وأبو هريرة إنَّما أسلم عام فتح خيبر بلا شكٍّ، كلاهما قدِمَ المدينة بعد قصَّة سالم في رضاعه من امرأة أبي حذيفة. قال المثبتون للتَّحريم برضاع الشُّيوخ: قد صحَّ عن النَّبيِّ ﷺ صحَّةً لا يمتري فيها أحدٌ أنَّه أمر سهلة بنت سهيل أن تُرضِع سالمًا مولى أبي حذيفة، وكان كبيرًا ذا لحيةٍ، وقال: «أَرضِعيه تَحْرُمي عليه»، ثمَّ ساقوا الحديث وطرقه وألفاظه، وهي صحيحةٌ صريحةٌ بلا شكٍّ. ثمَّ قالوا: فهذه الأخبار ترفع الإشكال، وتُبيِّن مراد الله في الآيات المذكورات: أنَّ الرَّضاعة الَّتي تَتِمُّ بتمام الحولين أو بتراضي الأبوين قبل الحولين إذا رأيا في ذلك صلاحًا للرَّضيع، إنَّما هي الموجبة للنَّفقة على المرأة المرضعة، والَّتي يُجبَر عليها الأبوان أحبَّا أم كَرِها. ولقد كان في الآية كفايةٌ من هذا؛ لأنَّه تعالى قال: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فأمر تعالى الوالداتِ بإرضاع المولود عامين، وليس في هذا تحريمٌ للرَّضاعة بعد ذلك، ولا أنَّ التَّحريم ينقطع بتمام الحولين، وكان قول الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]،

стр. 3647

ولم يقل في حولين، ولا في وقتٍ دون وقتٍ زائدًا على الآيات الأخر، وعمومها (١) لا يجوز تخصيصه إلا بنصٍّ يبيِّن أنَّه تخصيصٌ له, لا بظنٍّ ولا محتملٍ لا بيانَ فيه. وكانت هذه الآثار ــ يعني الَّتي فيها التَّحريم برضاع الكبير ــ قد جاءت مجيء التَّواتر، رواها نساء النبي ﷺ (٢)، وسهلة بنت سهيل (٣) وهي من المهاجرات، وزينب بنت أم سلمة (٤) وهي ربيبة النَّبيِّ ﷺ ، ورواها من التَّابعين: القاسم بن محمَّدٍ (٥)، وعروة بن الزُّبير (٦)، وحُميد بن نافع (٧)، ورواها عن هؤلاء: الزُّهريُّ (٨)، وابن أبي مُليكة (٩)، وعبد الرحمن بن القاسم (١٠)، ويحيى بن سعيدٍ الأنصاريُّ (١١)، وربيعة (١٢) , ثمَّ رواها عن

стр. 3648

هؤلاء: أيُّوب السِّختيانيُّ (١)، وسفيان الثَّوريُّ (٢)، وسفيان بن عيينة (٣)، وشعبة (٤)، ومالك (٥)، وابن جريجٍ (٦)، وشعيب (٧)، ويونس (٨)، وجعفر بن ربيعة (٩)، ومعمر (١٠)، وسليمان بن بلالٍ (١١)، وغيرهم، ثمَّ رواها عن هؤلاء الجمُّ الغفير والعدد الكثير، فهي نقلُ كافَّةٍ لا يختلف مؤالفٌ ولا مخالفٌ في صحَّتها. فلم يبقَ من الاعتراض إلا قولُ القائل: كان ذلك خاصًّا بسالم، كما قال بعض أزواج رسول الله ﷺ ومن تبعهنَّ في ذلك، فليعلمْ من تعلَّق بهذا أنَّه ظنٌّ ممَّن ظنَّ ذلك منهنَّ ﵅, هكذا في الحديث أنَّهنُّ قلن: ما نرى هذا إلا خاصًّا بسالم، وما ندري لعله رخصةٌ لسالم. فإذْ هو ظنٌّ بلا شكٍّ فإنَّ

стр. 3649

الظَّنَّ لا تُعارَض به السُّننُ الثَّابتة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦]. وشتَّانَ بين احتجاج أم سلمة ﵂ بظنِّها وبين احتجاج عائشة ﵂ بالسُّنَّة الثَّابتة، ولهذا لمَّا قالت لها عائشة: أما لكِ في رسول الله أسوةٌ حسنةٌ، سكتت أم سلمة، ولم تَنطِقْ بحرفٍ، وهذا إمَّا رجوعٌ منها (١) إلى مذهب عائشة، وإمَّا انقطاعٌ في يدها. قالوا: وقول سهلة لرسول الله ﷺ : كيف أُرضِعه وهو رجلٌ كبيرٌ؟ بيانٌ جليٌّ أنَّه بعد نزول الآيات المذكورات. قالوا: ونعلم يقينًا أنَّه لو كان ذلك خاصًّا بسالم لقطعَ النَّبيُّ ﷺ الإلحاقَ، ونصَّ على أنَّه ليس لأحدٍ بعده، كما بيَّن لأبي بُردة بن نِيَارٍ أنَّ جَذَعَتَه تَجزي عنه، ولا تَجزِي عن أحدٍ بعده (٢). وأين يقع ذبح جَذَعةٍ أضحيَّةً من هذا الحكم العظيم المتعلِّق به حِلُّ الفرج وتحريمه، وثبوت المَحْرَميَّة, والخلوة بالمرأة والسَّفر بها؟ فمعلومٌ قطعًا أنَّ هذا أولى ببيان التَّخصيص لو كان خاصًّا. قالوا: وقول النَّبيِّ ﷺ : «إنَّما الرَّضاعة من المَجَاعة» (٣) حجَّةٌ لنا؛ لأنَّ شرب الكبير للَّبن يُؤثِّر في دفع مجاعته قطعًا، كما يُؤثِّر في الصَّغير أو قريبًا منه. فإن قلتم: فما فائدة ذكره إذا كان الكبير والصَّغير فيه سواءً؟

стр. 3650

قلنا: فائدته إبطال تعلُّق التَّحريم بالقطرة من اللَّبن، أو المصَّة الواحدة الَّتي لا تُغنِي من جوعٍ، ولا تُنبِت لحمًا، ولا تُنشِر عَظْمًا. قالوا: وقوله ﷺ : «لا رضاعَ إلا ما كان في الحولين»، و «كان في الثَّدي قبل الفطام» (١) ليس بأبلغَ من قوله ﷺ : «لا ربا إلا في النَّسيئة» (٢) و «إنَّما الرَّبا في النَّسيئة» (٣)، ولم يمنع ذلك ثبوتَ ربا الفضل بالأدلَّة الدَّالَّة عليه، فكذا هذا. فأحاديث رسول الله ﷺ وسُننه الثَّابتة كلُّها حقٌّ يجب اتِّباعها، ولا يُضرَب بعضُها ببعضٍ، ولا يُعارَض بعضُها ببعضٍ (٤) بل يُستعمل كلٌّ منها على وجهه. قالوا: وممَّا يدلُّ على ذلك أنَّ عائشة أمَّ المؤمنين، وأفقه نساء الأمَّة هي الَّتي روتْ هذا وهذا. فهي الَّتي روتْ «إنَّما الرَّضاعة من المجاعة»، وروت حديث سهلة وأخذتْ به، فلو كان عندها حديث «إنَّما الرَّضاعة من المجاعة» مخالفًا لحديث سهلة لما ذهبتْ إليه، وتركتْ حديثًا واجهها به رسول الله ﷺ وتغيَّر وجهه، وكره الرَّجل الذي رآه عندها، وقالت: هو أخي. قالوا: وقد صحَّ عنها أنَّها كانت تُدخِل عليها الكبيرَ إذا أرضعته ــ في حال كِبَرِه ــ أختٌ من أخواتها الرَّضاعَ المحرِّم، ونحن نشهد بشهادة اللَّه، ونقطع قطعًا نلقاه به يوم نَلقاه (٥)، أنَّ أمَّ المؤمنين لم تكن لِتُبِيح سِتْرَ رسول الله ﷺ

стр. 3651

بحيث ينتهكه من لا يحلُّ له انتهاكُه، ولم يكن الله لِيُبِيحَ ذلك على يد الصِّدِّيقة بنت الصِّدِّيق المبرَّأة من فوق سبع سماواتٍ، وقد عصم الله سبحانه ذلك الجنابَ الكريم والحِمى المنيع والشَّرف الرَّفيع أتمَّ عصمةٍ، وصانه أعظمَ صيانةٍ، وتولَّى صيانته وحمايته والذَّبَّ عنه بنفسه ووحيه وكلامه. قالوا: فنحن نُوقن ونقطع ونَبُتُّ (١) الشَّهادة لله بأنَّ فِعْلَ عائشة هو الحقُّ، وأنَّ رضاع الكبير يقع به من التَّحريم والمَحْرميَّة ما يقع برضاع الصَّغير، ويكفينا أمُّنا أفقهُ نساء الأمَّة على الإطلاق، وقد كانت تناظر في ذلك نساءه ﷺ ، ولا يُجِبْنَها بغير قولهنِّ: ما أحدٌ داخلًا علينا بتلك الرَّضاعة. ويكفينا في ذلك أنَّه مذهب ابنِ عمِّ نبيِّنا (٢) وأعلمِ أهل الأرض على الإطلاق حين كان خليفةً، ومذهب اللَّيث بن سعدٍ الذي شهد له الشَّافعيُّ بأنَّه كان أفقه من مالك إلا أنَّه ضيَّعه أصحابه، ومذهب عطاء بن أبي رباحٍ ذكره عبد الرزاق عن ابن جريجٍ عنه (٣). وذكر مالك (٤) عن الزُّهريِّ أنَّه سئل عن رضاع الكبير، فاحتجَّ بحديث سهلة بنت سهيل في قصَّة سالمٍ مولى أبي حذيفة. وقال عبد الرزاق (٥): وأخبرني ابن جريجٍ، قال: أخبرني عبد الكريم، أنَّ

стр. 3652

سالم بن أبي الجعد مولى (١) الأشجعي أخبره [أنَّ أباه أخبره] (٢)، أنَّه سأل عليَّ بن أبي طالبٍ فقال: أردتُ أن أتزوَّج امرأةً قد سَقَتْني من لبنها وأنا كبيرٌ تداويتُ به، فقال له علي: لا تنكِحْها، ونهاه عنها. فهؤلاء سلفنا في هذه المسألة، وتلك نصوصنا كالشَّمس صحَّةً وصراحةً. قالوا: وأصرحُ أحاديثكم حديث أم سلمة ترفعه: «لا يُحرِّم من الرَّضاع إلا ما فَتَقَ الأمعاءَ في الثَّدي وكان قبل الفطام» (٣)، فما أصْرَحَه لو كان سليمًا من العلَّة! لكن هذا حديثٌ منقطعٌ؛ لأنَّه من رواية فاطمة بنت المنذر عن أم سلمة، ولم تسمع منها شيئًا؛ لأنَّها كانت أسنَّ من زوجها هشام باثني عشر عامًا، فكان مولده (٤) في سنة ستِّين (٥)، ومولد فاطمة سنة ثمانٍ وأربعين، وماتت أم سلمة سنة تسعٍ وخمسين، وفاطمة صغيرةٌ لم تَبلُغها، فكيف أن تحفظ عنها؟ ولم تسمع من خالة أبيها شيئًا وهي في حجرها، كما حصل (٦) سماعها من جدَّتها أسماء بنت أبي بكر. قالوا: وإذا نظر العالم المنصف في هذا القول، ووازنَ بينه وبين قول من

стр. 3653

يَحُدُّ مدَّة الرَّضاع المحرِّم بخمسةٍ وعشرين شهرًا، أو ستَّةٍ وعشرين أو سبعةٍ وعشرين أو ثلاثين شهرًا، من تلك الأقوال الَّتي لا دليلَ عليها من كتاب اللَّه ولا سنَّة رسوله ولا قولِ أحدٍ من الصَّحابة= تبيَّن له فَصْلُ (١) ما بين القولين. فهذا منتهى أقدام الطَّائفتين في هذه المسألة، ولعلَّ الواقف عليها لم يكن يَخْطِر له أنَّ هذا القول تنتهي قوَّتُه إلى هذا الحدِّ، وأنَّه ليس بأيدي أصحابه قدرةٌ على تقريره وتصحيحه، فاجلِسْ أيُّها العالم المنصف مجلسَ الحكم بين هذين المتنازعينِ، وافصِلْ بينهما بالحجَّة والبيان، لا بالتَّقليد وقال فلان. واختلف القائلون بالحولين في حديث سهلة هذا على ثلاث مسالك: أحدها: أنَّه منسوخٌ، وهذا مسلك كثيرٍ منهم، ولم يأتوا على النَّسخ بحجَّةٍ سوى الدَّعوى، فإنَّهم لا يُمكِنهم إثباتُ التَّاريخ المعلوم التَّأخُّر بينه وبين تلك الأحاديث. ولو قَلَبَ أصحاب هذا القول عليهم الدَّعوى، وادَّعوا نسخَ تلك الأحاديث بحديث سهلة، لكانت نظيرَ دعواهم. وأمَّا قولهم: إنَّها كانت في أوَّل الهجرة حينَ نزولِ قوله: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، ورواية ابن عبَّاسٍ وأبي هريرة بعد ذلك، فجوابه من وجوهٍ: أحدها: أنَّهما لم يُصرِّحا بسماعه من النَّبيِّ ﷺ ، بل لم يسمع منه ابن عبَّاسٍ إلا دونَ العشرين حديثًا، وسائرها عن الصِّحابة. الثَّاني: أنَّ نساء النَّبيِّ ﷺ لم يحتجَّ أحدٌ منهنُّ، بل ولا غيرُهنَّ على عائشة بذلك، بل سلكن في الحديث تخصيصَه بسالم، وعدمَ إلحاق غيره به.

стр. 3654

الثَّالث: أنَّ عائشة نفسها روت هذا وهذا، فلو كان حديث سهلة منسوخًا لكانت عائشة قد أخذتْ به وتركت النَّاسخ، أو خفي عليها تقدُّمُه مع كونها هي الرَّاوية له، وكلاهما ممتنعٌ أو في غاية البعد. الرَّابع: أنَّ عائشة ابتُلِيَتْ بالمسألة، وكانت تعمل بها، وتناظر عليها، وتدعو إليها صواحباتها، فلها بها مزيدُ اعتناءٍ، فكيف يكون هذا حكمًا منسوخًا قد بطلَ كونُه من الدِّين جملةً، ويخفى عليها ذلك، ويخفى على نساء النَّبيِّ ﷺ فلا تذكره لها واحدةٌ منهنَّ؟ المسلك الثَّاني: أنَّه مخصوصٌ بسالم دون من عداه، وهذا مسلك أم سلمة ومن معها من نساء النَّبيِّ ﷺ ومن تبعهنَّ. وهذا المسلك أقوى ممَّا قبله، فإنَّ أصحابه قالوا ممَّا يبيِّن اختصاصه بسالم أنَّ فيه: أنَّ سهلة سألت رسول الله ﷺ بعد نزول آية الحجاب، وهي تقتضي أنَّه لا يحلُّ للمرأة أن تُبدِيَ زينتها إلا لمن ذُكر في الآية وسُمِّي فيها، ولا يُخَصُّ من عموم من عداهم أحدٌ إلا بدليلٍ. قالوا: والمرأة إذا أرضعتْ أجنبيًّا فقد أبدتْ زينتها له، فلا يجوز ذلك تمسُّكًا بعموم الآية، فعلمنا أنَّ إبداء سهلة زينتَها لسالم خاصٌّ به. قالوا: وإذا أمر رسول الله ﷺ واحدًا من الأمَّة بأمرٍ، أو أباح له شيئًا أو نهاه عن شيءٍ، وليس في الشَّريعة ما يعارضه= ثبت ذلك في حقِّ غيره من الأمَّة ما لم ينصَّ على تخصيصه. وأمَّا إذا أمر النَّاس بأمرٍ، أو نهاهم عن شيءٍ، ثمَّ أمر واحدًا من الأمَّة بخلاف ما أمر به النَّاس، أو أطلق له ما نهاهم عنه، فإنَّ ذلك يكون خاصًّا به وحده. ولا نقول في هذا الموضع: إنَّ أمره للواحد أمرٌ للجميع،

стр. 3655

وإباحته للواحد إباحةٌ للجميع (١)؛ لأنَّ ذلك يُؤدِّي إلى إسقاط الأمر الأوَّل والنَّهي الأوَّل، بل نقول: إنَّه خاصٌّ بذلك الواحد لتتَّفق النُّصوص وتأتلف (٢)، ولا يعارض بعضها بعضًا، فحرَّم الله في كتابه أن تُبدِي المرأة زينتها لغير مَحْرمٍ، وأباح رسول الله ﷺ لسهلة أن تُبدي زينتها لسالم وهو غير محرمٍ عند إبداء الزِّينة قطعًا، فيكون ذلك رخصةً خاصَّةً بسالم (٣)، مستثناةً من عموم التَّحريم، ولا نقول: إنَّ حكمها عامٌّ، فيبطل حكم الآية المحرِّمة. قالوا: ويتعيَّن هذا المسلك، لأنَّا لو لم نسلكه لزِمَنا أحدُ مسلكين لا بدَّ منهما: إمَّا نسخ هذا الحديث بالأحاديث الدالَّة على اعتبار الصِّغر في التَّحريم، وإمَّا نسخها به، ولا سبيلَ إلى واحدٍ من الأمرين لعدم العلم بالتَّاريخ، ولعدم تحقُّق المعارضة، ولإمكان العمل بالأحاديث كلِّها، فإنَّا (٤) إذا حملنا حديث سهلة على الرُّخصة الخاصَّة، والأحاديث الأُخَر على عمومها فيما عدا سالمًا، لم تتعارض، ولم يَنسخ بعضُها بعضًا، وعُمِل بجميعها. قالوا: وإذا كان النَّبيُّ ﷺ قد بيَّن أنَّ الرَّضاع إنَّما يكون في الحولين، وأنَّه إنَّما يكون في الثَّدي، وإنَّما يكون قبل الفطام= كان في ذلك ما يدلُّ على أنَّ حديث سهلة على الخصوص، سواءٌ تقدَّم أو تأخَّر، فلا ينحصر بيان الخصوص في قوله: «هذا لك وحدك» حتَّى يتعيَّن طريقًا.

стр. 3656

قالوا: وأمَّا تفسير حديث «إنَّما الرَّضاعة من المجاعة» بما ذكرتموه، ففي غاية البعد من اللَّفظ، ولا يتبادر إليه أفهام المخاطبين، بل القول في معناه ما قاله أبو عبيد والنَّاس. قال أبو عبيد (١): قوله: «إنَّما الرَّضاعة من المجاعة»، يقول: إنَّ الذي إذا جاع كان طعامه الذي يُشْبِعه اللَّبن، إنَّما هو الصَّبيُّ الرَّضيع. فأمَّا الذي شِبَعُه (٢) من جوعه الطَّعام فإنَّ رضاعه ليس برضاعٍ. ومعنى الحديث: إنَّما الرَّضاع في الحولين قبل الفطام. هذا تفسير أبي عبيد والنَّاس، وهو الذي يتبادر فهمه من الحديث إلى الأذهان، حتَّى لو احتمل الحديث التَّفسيرين على السَّواء لكان هذا المعنى أولى به، لمساعدة سائر الأحاديث لهذا المعنى، وكَشْفِها له وإيضاحِها. وممَّا يُبيِّن أنَّ غير هذا التَّفسير خطأٌ، وأنَّه لا يصحُّ أن يُراد به رضاعة الكبير: أنَّ لفظة المجاعة إنَّما تدلُّ على رضاعة الصَّغير، فهي تُثبِت رضاعة المجاعة وتنفي غيرها، ومعلومٌ يقينًا أنَّه إنَّما أراد مجاعة اللَّبن، لا مجاعة الخبز واللَّحم، فهذا لا يخطر ببال المتكلِّم ولا السَّامع، فلو جعلنا حكم الرَّضاعة عامًّا لم يبقَ لنا ما ينفي ويثبت. وسياق قوله: لمَّا رأى الرَّجل الكبير فقال: «إنَّما الرَّضاعة من المجاعة» يُبيِّن المراد، وأنَّه إنَّما يُحرِّم رضاعةَ من يجوع إلى لبن المرأة، والسِّياق يُنزِل اللَّفظ منزلةَ الصَّريح، فتغيُّر وجهه الكريم صلوات الله عليه وسلامه، وكراهته لذلك الرَّجل، وقوله: «انظُرن مَن إخوانكنَّ» = إنَّما هو للتَّحفُّظ في الرَّضاعة، وأنَّها لا تُحرِّم كلَّ وقتٍ، وإنَّما تُحرِّم وقتًا دون وقتٍ، ولا يفهم أحدٌ من هذا:

стр. 3657

إنما الرَّضاعة ما كان عددها خمسًا، فيُعبِّر عن هذا المعنى بقوله من المجاعة، وهذا ضدُّ البيان الذي كان عليه ﷺ . وقولكم: إنَّ الرَّضاعة تَطْرُد الجوع عن الكبير، كما تطردُه عن الصَّغير= كلامٌ باطلٌ، فإنَّه لا يُعهَد ذو لحيةٍ قطُّ يُشبِعه رضاع المرأة ويطرد عنه الجوع، بخلاف الصَّغير فإنَّه ليس له ما يقوم مقام اللَّبن، فهو يطرد عنه الجوع، فالكبير ليس ذا مجاعةٍ إلى اللَّبن أصلًا. والَّذي يُوضِّح هذا أنَّه ﷺ لم يُرِد حقيقة المجاعة، وإنَّما أراد مظنَّتها وزمنَها، ولا شكَّ أنَّه الصِّغر (١)، فإن أبيتم إلا الظَّاهريَّة، وأنَّه أراد حقيقتها، لزِمكم أن لا يُحرِّم رضاع الكبير إلا إذا ارتضع وهو جائعٌ، فلو ارتضع وهو شبعان لم يُؤثِّر شيئًا. وأمَّا حديث السِّتر المصون والحرمة العظيمة والحِمى المنيع، فرضي الله عن أمِّ المؤمنين، فإنَّها وإن رأت أنَّ هذا الرَّضاع يثبت المَحْرميَّة، فسائر أزواج النَّبيِّ ﷺ يخالفنها (٢) في ذلك، ولا يَرَين دخول هذا السِّتر المصون والحمى الرَّفيع بهذه الرَّضاعة، فهي مسألة اجتهادٍ، وأحد الحزبين مأجورٌ أجرًا واحدًا، والآخر مأجورٌ أجرين، وأسعدهما بالأجرين من أصاب حكم الله ورسوله في هذه الواقعة، فكلٌّ من المُدخِل للسِّتر المصون بهذه الرَّضاعة والمانعِ من الدُّخول فائزٌ بالأجر، مجتهدٌ في مرضاة الله وطاعة رسوله وتنفيذِ حكمه، ولهما أسوةٌ بالنَّبيَّين الكريمين اللَّذين أثنى الله عليهما بالحكمة والحكم، وخَصَّ بفهم الحكومة أحدَهما.

стр. 3658

فصل وأمَّا ردُّكم لحديث أم سلمة فتعسُّفٌ باردٌ، فلا يلزم انقطاع الحديث من أجل أنَّ فاطمة بنت المنذر لقيت أم سلمة صغيرةً، فقد يَعقل الصَّغير جدًّا أشياء ويحفظها، وقد عَقلَ محمود بن الرَّبيع المَجَّةَ وهو ابن سبع سنين (١)، ويعقل أصغر منه. وقد قلتم: إنَّ فاطمة كانت وقتَ وفاة أم سلمة بنتَ إحدى عشرة سنةً، وهذا سنٌّ جيِّدٌ، لا سيَّما للمرأة، فإنه (٢) يصلح فيه للزَّوج، فمن هي في حدِّ الزَّواج كيف يقال: إنَّها لا تَعقِل ما تسمع، ولا تدري ما تتحدَّثُ (٣) به؟ هذا هو الباطل الذي لا تُرَدُّ به السُّنن، مع أنَّ أم سلمة كانت مصادقةً لجدَّتها أسماء، وكانت دارهما واحدةً، فنشأت فاطمة هذه في حجر جدَّتها أسماء مع خالة أبيها عائشة وأم سلمة، وماتت عائشة سنة سبعٍ وخمسين، وقيل: سنة ثمانٍ، وقد يمكن سماع فاطمة منها. وأمَّا جدَّتها أسماء فماتت سنة ثلاثٍ وسبعين، وفاطمة إذ ذاك بنت خمسٍ وعشرين سنةً، فلذلك كثر سماعها منها. وقد أفتت أم سلمة بمثل الحديث الذي روته سواء (٤)، فقال أبو عبيد: ثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب،

стр. 3659

عن أم سلمة، أنَّها سئلت ما يُحرِّم من الرَّضاع؟ فقالت: ما كان في الثَّدي قبل الفطام (١). فروت الحديث، وأفتتْ بموجبه. وأفتى به عمر بن الخطَّاب، كما رواه الدَّارقطنيُّ (٢) من حديث سفيان عن عبد الله بن دينارٍ، عن ابن عباس (٣) قال: سمعت عمر يقول: لا رضاع إلا في الحولين في الصِّغر. وأفتى به ابنه عبد الله، فقال مالك (٤): عن نافع، عن ابن عمر: أنَّه كان يقول: لا رضاعةَ إلا لمن أرضع في الصِّغر، لا رضاعةَ لكبيرٍ.

стр. 3660

وأفتى به ابن عبَّاسٍ، فقال أبو عبيد (١): ثنا عبد الرحمن، عن سفيان الثَّوريِّ، عن عاصمٍ الأحول، عن عكرمة، عن ابن عبَّاسٍ، قال: لا رضاعَ بعد فطامٍ. وتناظر في هذه المسألة عبد الله بن مسعودٍ وأبو موسى، فأفتى ابن مسعودٍ بأنَّه لا يُحرِّم إلا في الصِّغر، فرجع إليه أبو موسى، فذكر الدَّارقطنيُّ (٢) أنَّ ابن مسعودٍ قال لأبي موسى: أنت تفتي بكذا وكذا، وقد قال رسول الله ﷺ «لا رضاعَ إلا ما شدَّ العظم وأنبتَ اللَّحم»؟ وقد روى أبو داود (٣): ثنا محمد بن سليمان الأنباري (٤)، ثنا وكيعٌ، ثنا سليمان بن المغيرة، عن أبي موسى الهلالي، عن أبيه، عن ابن مسعودٍ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يُحرِّم من الرَّضاع إلا ما أنبتَ اللَّحم وأنشز (٥) العظم».

стр. 3661

ثمَّ أفتى بذلك، كما ذكره عبد الرزاق (١) عن الثَّوريِّ، ثنا أبو بكر بن عيَّاشٍ، عن أبي حُصَين، عن أبي عطية الوادعي، قال: جاء رجلٌ إلى أبي موسى، فقال: إنَّ امرأتي وَرِمَ ثديُها فمَصَصْتُه، فدخل حلقي شيءٌ سبقني، فشدَّد عليه أبو موسى، فأتى عبد الله بن مسعودٍ، فقال: سألتَ أحدًا غيري؟ قال: نعم أبا موسى، فشدَّد عليَّ، فأتى أبا موسى، فقال: أرضيعٌ هذا؟ فقال أبو موسى: لا تسألوني ما دامَ هذا الحبرُ بين أظهركم. فهذه روايته وفتواه. وأمَّا عليُّ بن أبي طالبٍ، فذكر عبد الرزاق (٢) عن الثَّوريِّ، عن جُويبر، عن الضحّاك، عن النزَّال بن سَبْرة، عن علي: لا رضاعَ بعد الفِصال. وهذا خلاف رواية عبد الكريم، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبيه عنه (٣). ولكن جُويبر لا يُحتجُّ بحديثه، وعبد الكريم أقوى منه. فصل المسلك الثَّالث: أنَّ حديث سهلة ليس بمنسوخٍ، ولا مخصوصٍ، ولا عامٍّ في حقِّ كلِّ أحدٍ، وإنَّما هو رخصةٌ للحاجة لمن لا يستغني عن دخوله على المرأة، ويَشُقُّ احتجابها عنه، كحال سالم مع امرأة أبي حذيفة، فمثل هذا الكبير إذا أرضعته للحاجة (٤) أثَّر رضاعُه، وأمَّا مَن عداه فلا يُؤثِّر إلا رضاع

стр. 3662

الصَّغير. وهذا مسلك شيخ الإسلام ابن تيميَّة ﵀ . والأحاديث النَّافية للرَّضاع في الكبر (١) إمَّا مطلقةٌ، فتُقيَّد بحديث سهلة، أو عامَّةٌ في الأحوال، فتُخصَّصُ (٢) هذه الحالُ من عمومها، وهذا أولى من النَّسخ ودعوى التَّخصيص بشخصٍ بعينه، وأقرب إلى العمل بجميع الأحاديث من الجانبين، وقواعدُ الشَّرع تشهدُ له، وبالله التوفيق.

стр. 3663

ذكر حكمه ﷺ في العِدَد هذا الباب قد تولَّى الله سبحانه بيانَه في كتابه أتمَّ بيانٍ وأوضحَه وأجمعَه، بحيث لا تَشِذُّ عنه معتدَّةٌ، فذكر أربعة أنواعٍ من العِدَد، وهي جملة أنواعها: النَّوع الأوَّل: عدَّة الحامل بوضع الحمل مطلقًا بائنةً كانت أو رجعيَّةً، مفارقةً في الحياة، أو متوفًّى عنها، فقال: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]. وهذا فيه عمومٌ من ثلاث جهاتٍ: أحدها: عموم المُخبَر عنه، وهو أولات الأحمال، فإنَّه يتناول جميعهنَّ. الثَّاني: عموم الأجل (١)، فإنَّه أضافه إليهنَّ، وإضافة اسم الجمع إلى المعرفة يَعُمُّ، فجعل وضْع الحمل جميعَ أجلهنَّ، فلو كان لبعضهنَّ أجلٌ غيره لم يكن جميعَ أجلهنَّ. الثَّالث: أنَّ المبتدأ والخبر معرفتين (٢)، أمَّا المبتدأ فظاهرٌ، وأمَّا الخبر ــ وهو قوله: ﴿أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ ــ ففي تأويل مصدرٍ مضافٍ، أي: أجلُهنَّ وضْعُ حملِهنَّ، والمبتدأ والخبر إذا كانا معرفتين اقتضى ذلك حصْرَ الثَّاني في الأوَّل، كقوله: ﴿النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥]. وبهذا احتجَّ جمهور الصِّحابة على أنَّ الحامل المتوفَّى عنها عدَّتُها وضْعُ حملها، ولو وضعتْه والزَّوجُ على المغتَسَل، كما أفتى به النَّبيُّ ﷺ لسُبَيعةَ

стр. 3664

الأسلميَّة (١)، وكان هذا الحكم والفتوى منه مشتقًّا من كتاب اللَّه مطابقًا له. فصل النَّوع الثَّاني: عدَّة المطلَّقة الَّتي تحيض، وهي ثلاثة قروءٍ، كما قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. النَّوع الثَّالث: عدَّة الَّتي لا حيضَ لها، وهي نوعان: صغيرةٌ لم تَحِضْ، وكبيرةٌ قد يئستْ من الحيض. فبيَّن سبحانه عدَّةَ النَّوعين بقوله: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]، أي: فعدَّتهنَّ كذلك. النَّوع الرَّابع: المتوفَّى عنها زوجُها، فبيَّن عدَّتها ــ سبحانه ــ بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، فهذا يتناول المدخولَ بها وغيرَها، والصَّغيرةَ والكبيرةَ. ولا تدخل فيه الحامل؛ لأنَّها خرجت بقوله: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، فجعل وضْعَ حملهنَّ جميعَ أجلهنَّ، وحَصَرَه فيه، بخلاف قوله في المتوفَّى عنهنَّ: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾، فإنَّه فعلٌ مطلقٌ لا عمومَ له. وأيضًا فإنَّ قوله: ﴿أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ متأخِّرٌ في النُّزول عن قوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾. وأيضًا فإنَّ قوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ في غير الحامل بالاتِّفاق، فإنَّها لو تَمادى حملُها فوق ذلك تربَّصَتْه، فعمومها مخصوصٌ اتِّفاقًا، وقوله: ﴿أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ غير مخصوصٍ بالاتِّفاق. هذا لو لم تأتِ السُّنَّة الصَّحيحة بذلك،

стр. 3665

ووقعت الحوالةُ على القرآن، فكيف والسُّنَّة الصَّحيحة مُوافِقةٌ (١) لذلك مُقرِّرةٌ له. فهذه أصول العِدَد في كتاب الله مفصَّلةً مبيَّنةً، ولكن اختُلِف في فهم المراد من القرآن ودلالته في مواضع من ذلك، وقد دلَّت السُّنَّة بحمد الله على مراد الله منها، ونحن نذكرها ونذكر أولى المعاني وأشْبَهَها بها، ودلالةَ السُّنَّة عليها. فمن ذلك اختلاف السَّلف في المتوفَّى عنها إذا كانت حاملًا، فقال علي (٢) وابن عبَّاسٍ (٣) وجماعةٌ من الصِّحابة: أبعدُ الأجلين من وضع الحمل أو أربعة أشهرٍ وعشرًا، وهذا أحد القولين في مذهب مالك اختاره سحنونٌ. قال الإمام أحمد في رواية أبي طالب عنه: ابن عبَّاسٍ وعليُّ بن أبي طالبٍ يقولان في المعتدَّة الحامل: أبعد الأجلين. وكان ابن مسعودٍ يقول: من شاء باهلتُه أنَّ سورة النِّساء القُصرى نزلتْ بعدُ (٤). وحديث سُبَيعة يقضي بينهم: «إذا وضعتْ فقد حلَّتْ» (٥). وابن مسعودٍ يتأوَّل القرآن: ﴿أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ هي في المتوفَّى عنها، والمطلَّقة مثلها إذا وضعتْ فقد حلَّتْ وانقضت عدَّتها، ولا تنقضي عدَّة الحامل إذا أسقطت حتَّى يتبيَّن

стр. 3666

خلقه، فإذا بان له يدٌ أو رِجلٌ عتقت به الأمة، وتنقضي به العدَّة، وإذا ولدت ولدًا وفي بطنها آخر لم تنقض العدَّة حتَّى تلد الآخر، ولا تبيت (١) عن منزلها الذي أصيب فيه زوجها أربعةَ أشهرٍ وعشرًا إذا لم تكن حاملًا، والعدَّة من يومِ يموت أو يُطلِّق. هذا كلام أحمد. وقد تناظر في هذه المسألة ابن عبَّاسٍ وأبو هريرة، فقال أبو هريرة: عدَّتها وضع الحمل، وقال ابن عبَّاسٍ: تعتدُّ أقصى (٢) الأجلين، فحكَّما أم سلمة، فحكمت لأبي هريرة، واحتجَّت بحديث سُبَيعة (٣). وقد قيل: إنَّ ابن عبَّاسٍ رجع (٤). وقال جمهور الصَّحابة والتابعين ومن بعدهم والأئمَّة الأربعة: إنَّ عدَّتها وضع الحمل، ولو كان الزَّوج على مُغتَسَله فوضعتْ حلَّتْ. قال أصحاب الأجلين: هذه قد تناولها عمومان، وقد أمكن دخولها في

стр. 3667

كليهما، فلا تخرج من عدَّتها بيقينٍ حتَّى تأتي بأقصى الأجلين. قالوا: ولا يمكن تخصيص عموم إحداهما بخصوص الأخرى، لأنَّ كلَّ آيةٍ منهما عامَّةٌ من وجهٍ خاصَّةٌ من وجهٍ: قالوا: فإذا أمكن دخول بعض الصُّور في عموم الآيتين، يعني إعمالًا للعموم في مقتضاه، فإذا اعتدَّت أقصى الأجلين دخل أدناهما في أقصاهما. والجمهور أجابوا عن هذا بثلاثة (١) أجوبةٍ: أحدها: أنَّ صريح السُّنَّة يدلُّ على اعتبار الحمل فقط، كما في «الصَّحيحين» (٢): أنَّ سُبَيعة الأسلمية توفِّي عنها زوجها وهي حبلى، فوضعت، فأرادت أن تنكح، فقال لها أبو السنابل: ما أنتِ بناكحةٍ حتَّى تعتدِّي آخرَ الأجلين، فسألت النَّبيَّ ﷺ ، فقال: «كذب أبو السنابل، قد حَلَلْتِ فانكحي مَن شئتِ». الثَّاني: أنَّ قوله: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] نزلت بعد قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، وهذا جواب عبد الله بن مسعودٍ، كما في «صحيح البخاريِّ» (٣) عنه: أتجعلون عليها التَّغليظ، ولا تجعلون لها الرُّخصة؟ أَشهدُ لَنزلتْ سورة النِّساء القُصرى بعد الطُّولى: ﴿وَأُولَاتُ

стр. 3668

الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. وهذا الجواب يحتاج إلى تقريرٍ، فإنَّ ظاهره أنَّ آية الطَّلاق مقدَّمةٌ على آية البقرة لتأخُّرِها عنها، فكانت ناسخةً لها، ولكنَّ النَّسخ عند الصِّحابة والسَّلف أعمُّ منه عند المتأخِّرين، فإنَّهم يريدون به ثلاث (١) معانٍ: أحدها: رفع الحكم الثَّابت بخطابٍ. الثَّاني: رفع دلالة الظَّاهر, إمَّا بتخصيص وإمَّا بتقييدٍ، وهو أعمُّ ممَّا قبله. الثَّالث: بيان المراد باللَّفظ الذي بيانه من خارجٍ، وهذا أعمُّ من المعنيين الأوَّلين. فابن مسعودٍ ﵁ أشار بتأخُّر نزول سورة الطَّلاق إلى أنَّ آية الاعتداد بوضع الحمل ناسخةٌ لآية البقرة إن كان عمومها مرادًا، أو مخصِّصةٌ إن لم يكن عمومها مرادًا، أو مبيِّنةٌ للمراد منها ومقيِّدةٌ لإطلاقها، وعلى التقديرات الثلاث فيتعيَّن تقديمُها على عموم تلك وإطلاقها (٢). وهذا من كمال فقهه ﵁ ورسوخه في العلم، وممَّا يبيِّن (٣) أنَّ أصول الفقه التي هي أصول الفقه (٤) سجيَّةٌ للقوم، وطبيعةٌ لا يتكلَّفونها، كما أنَّ العربيَّة والمعاني والبيان وتوابعها لهم كذلك، فمن بعدهم إنما يُجهِد نفسه ليتعلَّق بغبارهم وأنَّى له؟!

стр. 3669

الثَّالث: أنَّه لو لم تأتِ السُّنَّة الصَّريحة باعتبار الحمل، ولم تكن آية الطَّلاق متأخِّرةً، لكان تقديمها هو الواجب, لِما قرَّرناه أوَّلًا من جهات العموم الثَّلاثة فيها، وإطلاق قوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾، وقد كانت الحوالة على هذا الفهم ممكنةً، ولكن لغموضه ودقَّته على كثيرٍ من النَّاس، أحيل في ذلك الحكم على بيان السُّنَّة، وباللَّه التَّوفيق. فصل ودلَّ قوله سبحانه: ﴿أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ على أنَّها إذا كانت حاملًا بتَوْأمينِ لم تنقضِ العدَّة حتَّى تضعهما جميعًا، ودلَّت على أنَّ من عليها الاستبراء، فعدَّتها وضع الحمل أيضًا، ودلَّت على أنَّ العدَّة تنقضي بوضعه على أيِّ صفةٍ كان حيًّا أو ميِّتًا، تامَّ الخِلقة أو ناقصَها، نُفِخ فيه الرُّوح أو لم يُنفَخ. ودلَّ قوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ على الاكتفاء بذلك وإن لم تحض, وهذا قول الجمهور. وقال مالك: إذا كان عادتها أن تحيض في كلِّ سنةٍ مرَّةً، فتوفِّي عنها زوجها، لم تنقض عدَّتها حتَّى تحيض حيضتَها، فتبرأ من عدَّتها. فإن لم تحض انتظرتْ تمامَ تسعة أشهرٍ من يوم وفاة زوجها. وعنه روايةٌ ثانيةٌ كقول الجمهور، أنَّه تعتدُّ أربعة أشهرٍ وعشرًا، ولا تنتظر حيضها. فصل ومن ذلك اختلافهم في الأقراء، هل هي الحيض أو الأطهار؟ فقال أكابر

стр. 3670

الصَّحابة: إنَّها الحيض. هذا قول أبي بكر (١)، وعمر (٢)، وعثمان (٣)، وعلي (٤)، وابن مسعودٍ (٥)، وأبي موسى (٦)، وعبادة بن الصَّامت (٧)، وأبي الدَّرداء (٨)، وابن عبَّاسٍ (٩)، ومعاذ بن جبلٍ (١٠). وهو قول أصحاب

стр. 3671

عبد الله بن مسعودٍ كلِّهم: كعلقمة (١)، والأسود (٢)، وإبراهيم (٣)، وشريح (٤)، وقول الشَّعبيِّ (٥)، والحسن (٦)، وقتادة (٧)، وقول أصحاب ابن عبَّاسٍ: سعيد بن جبيرٍ (٨)، وطاوسٍ (٩)، وهو قول سعيد بن المسيِّب (١٠)، وهو قول أئمَّة الحديث: كإسحاق بن راهويه (١١)، وأبي عبيد القاسم، والإمام أحمد، فإنَّه رجع إلى القول به، واستقرَّ مذهبه عليه، فليس له مذهبٌ سواه، وكان يقول: إنَّها الأطهار، فقال في رواية الأثرم (١٢): رأيت الأحاديث عمَّن قال: القروء الحيض تختلف، والأحاديث عمَّن قال: إنَّه أحقُّ بها حتَّى تدخل في الحيضة الثَّالثة أحاديث صحاحٌ قويَّةٌ.

стр. 3672

وهذا النَّصُّ وحده هو الذي ظَفِرَ به أبو عمر بن عبد البرِّ، فقال (١): رجع أحمد إلى أنَّ الأقراء الأطهار. وليس كما قال، بل كان يقول هذا أوَّلًا، ثمَّ توقَّف فيه، فقال في رواية الأثرم (٢) أيضًا: قد كنت أقول الأطهار، ثمَّ وقفتُ لقول (٣) الأكابر. ثمَّ جزم أنَّها الحيض، وصرَّح بالرُّجوع عن الأطهار، فقال في رواية ابن هانئ (٤): كنت أقول: إنه الأطهار، وأنا اليوم أذهب إلى أنَّ الأقراء الحيض. قال القاضي أبو يعلى (٥): وهذا هو الصَّحيح عن أحمد، وإليه ذهب أصحابنا، ورجع عن قوله بالأطهار. ثمَّ ذكر نصَّ رجوعه من رواية ابن هانئ كما تقدَّم. وهو قول أئمَّة أهل الرَّأي كأبي حنيفة وأصحابه. وقالت طائفةٌ: الأقراء: الأطهار، وهذا قول عائشة أمِّ المؤمنين (٦)، وزيد بن ثابتٍ (٧)، وعبد الله بن عمر (٨). ويُروى عن الفقهاء

стр. 3673

السَّبعة (١)، وأبان بن عثمان (٢)، والزُّهريِّ (٣)، وعامَّة فقهاء المدينة، وبه قال مالك، والشَّافعيُّ، وأحمد في إحدى الرِّوايتين عنه. وعلى هذا القول، فمتى طلَّقها في أثناء طهرٍ فهل يُحتَسب ببقيَّته (٤) قرءًا؟ على ثلاثة أقوالٍ: أحدها: يُحتَسب به، وهو المشهور. والثَّاني: لا يُحتسب به، وهو قول الزُّهريِّ (٥). كما لا يُحتسب ببقيَّة الحيضة عند من يقول: القرء الحيض، اتِّفاقًا. والثَّالث: إن كان قد جامعها في ذلك الطُّهر، لم يُحتسب ببقيَّته (٦)، وإلَّا

стр. 3674

احتُسِب (١)، وهذا قول أبي عبيد. فإذا طعنت في الحيضة الثَّالثة أو الرَّابعة على قول الزُّهريِّ انقضت عدَّتها، وعلى قول الأوَّل لا تنقضي العدَّة حتَّى تنقضي الحيضة الثَّالثة. وهل يقف انقضاؤها (٢) على اغتسالها منها؟ على ثلاثة أقوالٍ: أحدها: لا تنقضي حتَّى تغتسل، وهذا هو المشهور عن أكابر الصَّحابة، قال الإمام أحمد (٣): عمر (٤) وعلي (٥) وابن مسعودٍ (٦) يقولون: له رَجْعُها (٧) قبل أن تغتسل من الحيضة الثَّالثة. انتهى. وروي ذلك عن أبي بكرٍ الصِّدِّيق، وعثمان بن عفَّان، وأبي موسى، وعُبادة (٨)، وأبي الدَّرداء، ومعاذ بن جبلٍ (٩)، كما في «مصنَّف وكيعٍ» (١٠)

стр. 3675

عن عيسى الخيَّاط (١)، عن الشَّعبيِّ، عن ثلاثة عشر من أصحاب النَّبيِّ ﷺ الخيْرِّ فالخيرِّ، منهم: أبو بكر، وعمر، وابن عبَّاسٍ: أنَّه أحقُّ بها ما لم تغتسل من الحيضة الثَّالثة. وفي «مصنَّفه» (٢) أيضًا عن محمَّد بن راشدٍ، عن مكحول، عن معاذ بن جبلٍ وأبي الدَّرداء مثله. وفي «مصنَّف عبد الرزاق» (٣): عن معمر، عن زيد بن رُفَيع، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعودٍ، قال: أرسل عثمان إلى أبيِّ بن كعبٍ في ذلك، فقال أبيُّ بن كعبٍ: أرى أنَّه أحقُّ بها حتَّى تغتسل من حيضتها الثَّالثة، وتحلُّ لها الصَّلاة، قال: فما أعلَمُ عثمان إلا أخذ بذلك. وفي «مصنَّفه» (٤) أيضًا: عن عمر بن راشد، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، أنَّ عبادة بن الصَّامت قال: لا تَبِينُ حتَّى تغتسل من الحيضة الثَّالثة، وتحلُّ لها الصَّلاة.

стр. 3676

فهؤلاء بضعة عشر من الصَّحابة، وهو قول سعيد بن المسيِّب وسفيان الثَّوريِّ وإسحاق بن راهويه. قال شريك: له الرَّجعة وإن فرَّطتْ في الغسل عشرين سنةً. وهذا إحدى الرِّوايات عن الإمام أحمد. والثَّاني: أنَّ العدة تنقضي بمجرَّد طهرها من الحيضة الثَّالثة، ولا تقف على الغسل. وهذا قول سعيد بن جبيرٍ، والأوزاعيِّ، والشَّافعيِّ في قوله القديم حيث كان يقول: الأقراء: الحيض. وهو إحدى الرِّوايات عن الإمام أحمد اختارها أبو الخطاب (١). والثَّالث: أنَّها في عدَّتها بعد انقطاع الدَّم، ولزوجها رجعتها حتَّى يمضي (٢) عليها وقت الصَّلاة الَّتي طهرت في وقتها. وهذا قول الثَّوريِّ، والرِّواية الثَّالثة عن أحمد، حكاها أبو بكر عنه. وهو قول أبي حنيفة، لكن إذا انقطع الدَّم لأقلِّ الحيض، وإن انقطع لأكثره انقضت العدَّة عنه (٣) بمجرَّد انقطاعه. وأمَّا من قال: إنَّها الأطهار، اختلفوا في موضعين: أحدهما: هل يُشترط كون الطُّهر مسبوقًا بدمٍ قبله، أو لا يشترط ذلك؟ على قولين لهم، وهما وجهان في مذهب الشَّافعيِّ وأحمد: أحدهما: يُحتسب؛ لأنَّه طهرٌ بعده حيضٌ، فكان قرءًا، كما لو كان قبله

стр. 3677

حيضٌ. والثَّاني: لا يُحتسب، وهو ظاهر نصِّ الشَّافعيِّ في الجديد؛ لأنَّها لا تسمَّى من ذوات الأقراء إلا إذا رأت الدَّم. الموضع الثَّاني: هل تنقضي العدَّة بالطَّعن في الحيضة الثَّالثة [أو لا تنقضي] (١) حتَّى تحيض يومًا وليلةً؟ على وجهين لأصحاب أحمد، وهما قولان منصوصان للشَّافعيِّ، ولأصحابه وجهٌ ثالثٌ: إن حاضت للعادة (٢)، انقضت العدَّة بالطَّعن في الحيضة. وإن حاضت لغير العادة ــ بأن كانت عادتها ترى الدَّم في عاشر الشَّهر، فرأته في أوَّله ــ لم تنقضِ حتَّى يمضي عليها يومٌ وليلةٌ. ثمَّ اختلفوا: هل يكون هذا الدَّم محسوبًا من العدَّة؟ على وجهين، تظهر فائدتهما في رجعتها في وقته. فهذا تقرير مذاهب النَّاس في الأقراء. قال من نصَّ (٣) أنَّها الحيض: الدَّليل عليه وجوهٌ: أحدها: أنَّ قوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] إمَّا أن يراد به الأطهار فقط، أو الحيض فقط، أو مجموعهما. والثَّالث محالٌ إجماعًا، حتَّى عند من يحمل اللَّفظ المشترك على معنييه. وإذا تعيَّن حمله على أحدهما فالحيض أولى به لوجوهٍ، أحدها: أنَّها لو كانت الأطهار

стр. 3678

فالمعتدَّة بها يكفيها قَرْآنِ ولحظةٌ من الثَّالث، وإطلاق الثَّلاثة على هذا مجازٌ، لنصبِه (١) الثَّلاثةَ في العدد المخصوص. فإن قلتم: بعض الطُّهر المطلَّق فيه عندنا قرءٌ كاملٌ. قيل: جوابه من ثلاثة أوجهٍ: أحدها: أنَّ هذا مختلفٌ فيه كما تقدَّم، فلم تُجمِع الأمَّة على أنَّ بعض القرء قرءٌ قطُّ، فدعوى هذا تفتقر إلى دليلٍ. الثَّاني: أنَّ هذه دعوى مذهبيَّةٌ، أوجب حملَ الآية عليها إلزامُ كون الأقراء الأطهار، والدَّعاوى المذهبيَّة لا يُفسَّر بها القرآن وتُحمل عليها اللُّغة، ولا يُعقل في اللُّغة قطُّ أنَّ اللَّحظة من الطُّهر تُسمَّى (٢) قرءًا كاملًا، ولا اجتمعت الأمَّة على ذلك. فدعواه لا تثبت نقلًا ولا إجماعًا، وإنَّما هو مجرَّد الحمل، ولا ريبَ أنَّ الحمل [شيءٌ] (٣)، والوضع من آخر، وإنَّما يفيد ثبوت الوضع لغةً أو شرعًا أو عرفًا. الثَّالث: أنَّ القَرء إمَّا أن يكون اسمًا لمجموع الطُّهر كما يكون اسمًا لمجموع الحيضة، أو لبعضه (٤)، أو مشتركًا بين الأمرين اشتراكًا لفظيًّا أو اشتراكًا معنويًّا. والأقسام الثَّلاثة باطلةٌ، فتعيَّن الأوَّل.

стр. 3679

أمَّا بطلان وضعه لبعض الطُّهر، فلأنَّه يلزم أن يكون الطُّهر الواحد عدَّة أقراءٍ، ويكون استعمال لفظ القَرء فيه مجازًا. وأمَّا بطلان الاشتراك المعنويِّ فمن وجهين: أحدهما: أنَّه يلزم أن يصدق على الطُّهر الواحد أنَّه عدَّة أقراءٍ حقيقةً. والثَّاني: أنَّ نظيره ــ وهو الحيض ــ لا يُسمَّى جزؤه قَرءًا اتِّفاقًا، ووضعُ القرء لهما لغةً لا يختلف، وهذا لا خفاء به. فإن قيل: نختار من هذه الأقسام أن يكون مشتركًا بين كلِّه وجزئه اشتراكًا لفظيًّا، ويُحمَل المشترك على معنييه، فإنَّه أحفظ، وبه تحصل البراءة بيقينٍ. قيل: الجواب من وجهين: أحدهما: أنَّه لا يصحُّ اشتراكه كما تقدَّم. الثَّاني: أنَّه لو صحَّ اشتراكه لم يجُزْ حملُه على مجموع معنييه. أمَّا على قول من لا يُجوِّز حملَ المشترك على معنييه، فظاهرٌ. وأمَّا من يُجوِّز حملَه عليهما، فإنَّما (١) يُجوِّزونه إذا دلَّ الدَّليل على إرادتهما معًا، فإذا لم يدلَّ الدَّليل وَقفوه حتَّى يقوم الدَّليل على إرادة أحدهما أو إرادتهما. وحكى المتأخِّرون (٢) عن الشَّافعيِّ والقاضي أبي بكر: أنَّه إذا تجرَّد عن القرائن وجب حملُه على معنييه كالاسم العامِّ؛ لأنَّه أحوط، إذ ليس أحدهما أولى به

стр. 3680

من الآخر، ولا سبيل إلى معنًى ثالثٍ، وتعطيلُه غير ممكنٍ، ويمتنع تأخير البيان عن وقت الحاجة. فإذا جاء وقت العمل، ولم يتبيَّن أنَّ أحدهما هو المقصود بعينه، عُلِم أنَّ الحقيقة غير مرادةٍ، إذ لو أُريدتْ لثَبتتْ (١)، فتعيَّن المجاز، وهو مجموع المعنيين. ومن يقول: إنَّ الحمل عليهما بالحقيقة يقول: لمَّا لم يتبيَّن أنَّ المراد أحدهما عُلِم أنَّه أراد كليهما. قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة (٢): وفي هذه الحكاية عن الشَّافعيِّ والقاضي نظرٌ. أمَّا القاضي فمن أصله الوقف في صيغ العموم، وأنَّه لا يجوز حملُها على الاستغراق إلا بدليلٍ، فمن يقف في ألفاظ العموم كيف يجزم في الألفاظ المشتركة بالاستغراق من غير دليلٍ؟ وإنَّما الذي ذكره في كتبه إحالة الاشتراك رأسًا، وما يُدَّعى فيه الاشتراك فهو عنده من قبيل المتواطئ. وأمَّا الشَّافعيُّ فمنصبه في العلم أجلُّ من أن يقول مثل هذا، وإنَّما استُنبط هذا من قوله: إذا أوصى لمواليه تناول المولى من فوق ومن أسفل. وهذا قد يكون قاله لاعتباره (٣) أنَّ المولى من الأسماء المتواطئة، وأنَّ موضوعه (٤) القدر المشترك بينهما، فإنَّه من الأسماء المتضايفة، كقوله: «من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه» (٥)،
следующие страницы →