← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.

стр. 3676

فهؤلاء بضعة عشر من الصَّحابة، وهو قول سعيد بن المسيِّب وسفيان الثَّوريِّ وإسحاق بن راهويه. قال شريك: له الرَّجعة وإن فرَّطتْ في الغسل عشرين سنةً. وهذا إحدى الرِّوايات عن الإمام أحمد. والثَّاني: أنَّ العدة تنقضي بمجرَّد طهرها من الحيضة الثَّالثة، ولا تقف على الغسل. وهذا قول سعيد بن جبيرٍ، والأوزاعيِّ، والشَّافعيِّ في قوله القديم حيث كان يقول: الأقراء: الحيض. وهو إحدى الرِّوايات عن الإمام أحمد اختارها أبو الخطاب (١). والثَّالث: أنَّها في عدَّتها بعد انقطاع الدَّم، ولزوجها رجعتها حتَّى يمضي (٢) عليها وقت الصَّلاة الَّتي طهرت في وقتها. وهذا قول الثَّوريِّ، والرِّواية الثَّالثة عن أحمد، حكاها أبو بكر عنه. وهو قول أبي حنيفة، لكن إذا انقطع الدَّم لأقلِّ الحيض، وإن انقطع لأكثره انقضت العدَّة عنه (٣) بمجرَّد انقطاعه. وأمَّا من قال: إنَّها الأطهار، اختلفوا في موضعين: أحدهما: هل يُشترط كون الطُّهر مسبوقًا بدمٍ قبله، أو لا يشترط ذلك؟ على قولين لهم، وهما وجهان في مذهب الشَّافعيِّ وأحمد: أحدهما: يُحتسب؛ لأنَّه طهرٌ بعده حيضٌ، فكان قرءًا، كما لو كان قبله

стр. 3677

حيضٌ. والثَّاني: لا يُحتسب، وهو ظاهر نصِّ الشَّافعيِّ في الجديد؛ لأنَّها لا تسمَّى من ذوات الأقراء إلا إذا رأت الدَّم. الموضع الثَّاني: هل تنقضي العدَّة بالطَّعن في الحيضة الثَّالثة [أو لا تنقضي] (١) حتَّى تحيض يومًا وليلةً؟ على وجهين لأصحاب أحمد، وهما قولان منصوصان للشَّافعيِّ، ولأصحابه وجهٌ ثالثٌ: إن حاضت للعادة (٢)، انقضت العدَّة بالطَّعن في الحيضة. وإن حاضت لغير العادة ــ بأن كانت عادتها ترى الدَّم في عاشر الشَّهر، فرأته في أوَّله ــ لم تنقضِ حتَّى يمضي عليها يومٌ وليلةٌ. ثمَّ اختلفوا: هل يكون هذا الدَّم محسوبًا من العدَّة؟ على وجهين، تظهر فائدتهما في رجعتها في وقته. فهذا تقرير مذاهب النَّاس في الأقراء. قال من نصَّ (٣) أنَّها الحيض: الدَّليل عليه وجوهٌ: أحدها: أنَّ قوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] إمَّا أن يراد به الأطهار فقط، أو الحيض فقط، أو مجموعهما. والثَّالث محالٌ إجماعًا، حتَّى عند من يحمل اللَّفظ المشترك على معنييه. وإذا تعيَّن حمله على أحدهما فالحيض أولى به لوجوهٍ، أحدها: أنَّها لو كانت الأطهار

стр. 3678

فالمعتدَّة بها يكفيها قَرْآنِ ولحظةٌ من الثَّالث، وإطلاق الثَّلاثة على هذا مجازٌ، لنصبِه (١) الثَّلاثةَ في العدد المخصوص. فإن قلتم: بعض الطُّهر المطلَّق فيه عندنا قرءٌ كاملٌ. قيل: جوابه من ثلاثة أوجهٍ: أحدها: أنَّ هذا مختلفٌ فيه كما تقدَّم، فلم تُجمِع الأمَّة على أنَّ بعض القرء قرءٌ قطُّ، فدعوى هذا تفتقر إلى دليلٍ. الثَّاني: أنَّ هذه دعوى مذهبيَّةٌ، أوجب حملَ الآية عليها إلزامُ كون الأقراء الأطهار، والدَّعاوى المذهبيَّة لا يُفسَّر بها القرآن وتُحمل عليها اللُّغة، ولا يُعقل في اللُّغة قطُّ أنَّ اللَّحظة من الطُّهر تُسمَّى (٢) قرءًا كاملًا، ولا اجتمعت الأمَّة على ذلك. فدعواه لا تثبت نقلًا ولا إجماعًا، وإنَّما هو مجرَّد الحمل، ولا ريبَ أنَّ الحمل [شيءٌ] (٣)، والوضع من آخر، وإنَّما يفيد ثبوت الوضع لغةً أو شرعًا أو عرفًا. الثَّالث: أنَّ القَرء إمَّا أن يكون اسمًا لمجموع الطُّهر كما يكون اسمًا لمجموع الحيضة، أو لبعضه (٤)، أو مشتركًا بين الأمرين اشتراكًا لفظيًّا أو اشتراكًا معنويًّا. والأقسام الثَّلاثة باطلةٌ، فتعيَّن الأوَّل.

стр. 3679

أمَّا بطلان وضعه لبعض الطُّهر، فلأنَّه يلزم أن يكون الطُّهر الواحد عدَّة أقراءٍ، ويكون استعمال لفظ القَرء فيه مجازًا. وأمَّا بطلان الاشتراك المعنويِّ فمن وجهين: أحدهما: أنَّه يلزم أن يصدق على الطُّهر الواحد أنَّه عدَّة أقراءٍ حقيقةً. والثَّاني: أنَّ نظيره ــ وهو الحيض ــ لا يُسمَّى جزؤه قَرءًا اتِّفاقًا، ووضعُ القرء لهما لغةً لا يختلف، وهذا لا خفاء به. فإن قيل: نختار من هذه الأقسام أن يكون مشتركًا بين كلِّه وجزئه اشتراكًا لفظيًّا، ويُحمَل المشترك على معنييه، فإنَّه أحفظ، وبه تحصل البراءة بيقينٍ. قيل: الجواب من وجهين: أحدهما: أنَّه لا يصحُّ اشتراكه كما تقدَّم. الثَّاني: أنَّه لو صحَّ اشتراكه لم يجُزْ حملُه على مجموع معنييه. أمَّا على قول من لا يُجوِّز حملَ المشترك على معنييه، فظاهرٌ. وأمَّا من يُجوِّز حملَه عليهما، فإنَّما (١) يُجوِّزونه إذا دلَّ الدَّليل على إرادتهما معًا، فإذا لم يدلَّ الدَّليل وَقفوه حتَّى يقوم الدَّليل على إرادة أحدهما أو إرادتهما. وحكى المتأخِّرون (٢) عن الشَّافعيِّ والقاضي أبي بكر: أنَّه إذا تجرَّد عن القرائن وجب حملُه على معنييه كالاسم العامِّ؛ لأنَّه أحوط، إذ ليس أحدهما أولى به

стр. 3680

من الآخر، ولا سبيل إلى معنًى ثالثٍ، وتعطيلُه غير ممكنٍ، ويمتنع تأخير البيان عن وقت الحاجة. فإذا جاء وقت العمل، ولم يتبيَّن أنَّ أحدهما هو المقصود بعينه، عُلِم أنَّ الحقيقة غير مرادةٍ، إذ لو أُريدتْ لثَبتتْ (١)، فتعيَّن المجاز، وهو مجموع المعنيين. ومن يقول: إنَّ الحمل عليهما بالحقيقة يقول: لمَّا لم يتبيَّن أنَّ المراد أحدهما عُلِم أنَّه أراد كليهما. قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة (٢): وفي هذه الحكاية عن الشَّافعيِّ والقاضي نظرٌ. أمَّا القاضي فمن أصله الوقف في صيغ العموم، وأنَّه لا يجوز حملُها على الاستغراق إلا بدليلٍ، فمن يقف في ألفاظ العموم كيف يجزم في الألفاظ المشتركة بالاستغراق من غير دليلٍ؟ وإنَّما الذي ذكره في كتبه إحالة الاشتراك رأسًا، وما يُدَّعى فيه الاشتراك فهو عنده من قبيل المتواطئ. وأمَّا الشَّافعيُّ فمنصبه في العلم أجلُّ من أن يقول مثل هذا، وإنَّما استُنبط هذا من قوله: إذا أوصى لمواليه تناول المولى من فوق ومن أسفل. وهذا قد يكون قاله لاعتباره (٣) أنَّ المولى من الأسماء المتواطئة، وأنَّ موضوعه (٤) القدر المشترك بينهما، فإنَّه من الأسماء المتضايفة، كقوله: «من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه» (٥)،

стр. 3681

ولا يلزم من هذا أن تُحكى عنه قاعدةٌ عامَّةٌ من (١) الأسماء الَّتي ليس من معانيها قدرٌ مشتركٌ (٢) أن تُحمل عند الإطلاق على جميع معانيها. ثمَّ الذي يدلُّ على فساد هذا القول وجوهٌ: أحدها: أنَّ استعمال اللَّفظ في معنييه إنَّما هو مجازٌ، إذ وضعه لكلِّ واحدٍ منهما على سبيل الانفراد هو الحقيقة، واللَّفظ المطلق لا يجوز حمله على المجاز، بل يجب حمله على حقيقته. الثَّاني: أنَّه لو قُدِّر أنَّه موضوعٌ لهما منفردين، ولكلٍّ منهما مجتمعينِ، فإنَّه يكون له حينئذٍ ثلاثة مفاهيم، فالحمل على أحد مفاهيمه دون غيره بغير موجبٍ ممتنعٌ. الثَّالث: أنَّه حينئذٍ يستحيل حمله على جميع معانيه، إذ حملُه على هذا وحده، وعلى هذا وحده، وعليهما معًا= مستلزمٌ للجمع بين النَّقيضين، فيستحيل حمله على جميع معانيه، وحمله عليهما معًا حملٌ له (٣) على

стр. 3682

بعض مفهوماته، فحمله على جميعها يُبطِل حملَه على جميعها. الرَّابع: أنَّ هاهنا أمور (١). أحدها: هذه الحقيقة وحدها، والثَّاني: الحقيقة (٢) الأخرى وحدها، والثَّالث: مجموعهما، والرَّابع: مجازُ هذه وحدها، والخامس: مجازُ الأخرى وحده (٣)، والسَّادس: مجازهما معًا، والسَّابع: الحقيقة وحدها مع مجازها، والثَّامن: الحقيقة مع مجاز الأخرى، والتَّاسع: الحقيقة الواحدة مع مجازهما، والعاشر: الحقيقة الأخرى مع مجازها، الحادي عشر: مع مجاز الأخرى، الثَّاني عشر: مع مجازهما، فهذه اثنا عشر محملًا على سبيل الحقيقة، وبعضها على سبيل المجاز، فتعيينُ معنًى واحدٍ مجازيٍّ دون سائر المجازات والحقائق ترجيحٌ من غير مرجِّحٍ، وهو ممتنعٌ. الخامس: أنَّه لو وجب حمله على المعنيين جميعًا لصار من صيغ العموم؛ لأنَّ حكم الاسم العامِّ وجوب حمله على جميع مفرداته عند التَّجرُّد من التَّخصيص، ولو كان كذلك لجاز استثناء أحد المعنيين منه، ولسبق إلى الذِّهن منه عند الإطلاق العمومُ، ولكان المستعمل له في أحد معنييه بمنزلة المستعمل للاسم العامِّ في بعض معانيه، فيكون متجوِّزًا في خطابه غير متكلِّمٍ بالحقيقة، وأن يكون من استعمله في معنييه غير محتاجٍ إلى دليلٍ، وإنَّما يحتاج إليه من نفى (٤) المعنى الآخر، ولوجب أن يفهم منه الشُّمول قبل

стр. 3683

البحث عن التَّخصيص عند من يقول بذلك في صيغ العموم، ولا ينفي الإجمال عنه، إذ يصير بمنزلة سائر الألفاظ العامَّة، وهذا باطلٌ قطعًا، وأحكام الأسماء مشتركة (١) لا تفارق أحكام الأسماء العامَّة، وهذا ممَّا يُعلَم بالاضطرار من اللُّغة، ولكانت الأمَّة قد أجمعت في هذه الآية على حملها على خلاف ظاهرها ومطلقها، إذ لم يَصِرْ أحدٌ منهم إلى حمل القرء على الطُّهر والحيض معًا. وبهذا يتبيَّن بطلان قولهم: حمله عليهما أحوط، فإنَّه لو قُدِّر حمل الآية على ثلاثةٍ من الحيض والأطهار لكان فيه خروجٌ عن الاحتياط. وإن قيل بحملِه (٢) على ثلاثةٍ من كلٍّ منهما، فهو خلاف نصِّ القرآن، إذ تصير القروء ستَّةً. قولهم: إمَّا أن يُحمل على أحدهما بعينه أو عليهما ... إلى آخره. قلنا: مثل هذا لا يجوز أن يَعرى عن دلالةٍ تُبيِّن المراد منه كما في الأسماء المجملة، وإن خفيت الدِّلالة على بعض المجتهدين فلا يلزم أن تكون خفيَّةً عن مجموع الأمَّة. وهذا هو الجواب عن الوجه الثَّالث، فالكلام إذا لم يكن مطلقه يدلُّ على المعنى المراد، فلا بدَّ من بيان المراد. وإذا تعيَّن أنَّ المراد بالقرء في الآية أحدهما لا كلاهما، فإرادة الحيض أولى لوجوهٍ. منها: ما تقدَّم. الثَّاني: أنَّ استعمال القرء في الحيض أظهر منه في الطُّهر، فإنَّهم يذكرونه تفسيرًا للفظة، ثمَّ يُردِفونه بقولهم: وقيل، أو قال فلانٌ،

стр. 3684

أو يقال: على الطُّهر، أو وهو أيضًا الطُّهر، فيجعلون تفسيره بالحيض كالمستقرِّ المعلوم المستفيض، وتفسيره بالطُّهر قولٌ قيل. وهاك (١) حكاية ألفاظهم: قال الجوهري (٢): القَرء بالفتح: الحيض، والجمع أقراءٌ وقروءٌ. وفي الحديث: «لا صلاة أيَّام أقرائك» (٣). والقَرء أيضًا: الطُّهر، وهو من الأضداد. وقال أبو عبيد: الأقراء الحيض، ثمَّ قال: الأقراء الأطهار. وقال الكسائيُّ والفرَّاء: أقرأت المرأة: إذا حاضت (٤). وقال ابن فارس (٥): القروء: أوقاتٌ تكون للطُّهر مرَّةً وللحيض مرَّةً، والواحد قَرْءٌ. ويقال: القَرْء: هو الطُّهر، ثمَّ قال: وقومٌ يذهبون إلى أنَّ القرء الحيض. فحكى قول من جعله مشتركًا بين أوقات الطُّهر والحيض، وقول من جعله لأوقات الطُّهر، وقول من جعله لأوقات الحيض، وكأنَّه لم يختر واحدًا منهما، بل جعله لأوقاتهما. قال: وأقرأت المرأةُ إذا خرجتْ من حيضٍ إلى طهرٍ، ومن طهرٍ إلى حيضٍ.

стр. 3685

وهذا يدلُّ على أنَّه لا بدَّ من مسمَّى الحيض في حقيقته، يُوضِّحه أنَّ من قال: أوقات الطُّهر تُسمَّى قروءًا، فإنَّما يريد أوقات الطُّهر الَّتي يَحْتَوِشُها (١) الدَّم، وإلَّا فالصَّغيرة والآيسة لا يقال لزمن طهرهما أقراءٌ، ولا هما من ذوات الأقراء باتِّفاق أهل اللُّغة. الدَّليل الثَّاني: أنَّ لفظ القرء [لم يُستعمل] (٢) في كلام الشَّارع إلا للحيض، ولم يجئ عنه في موضعٍ واحدٍ استعماله للطُّهر، فحمله في الآية على المعهود المعروف من خطاب الشَّارع أولى، بل متعيِّنٌ، فإنَّه ﷺ قال للمستحاضة: «دَعِي الصَّلاةَ أيَّام أقرائِك» (٣)، وهو ﷺ هو المعبِّر عن الله، وبلغة قومه نزل القرآن، فإذا ورد المشترك في كلامه على أحد معنييه وجبَ حملُه في سائر كلامه عليه إذا لم يثبت إرادة الآخر في شيءٍ من كلامه البتَّةَ، ويصير هو لغة القرآن الَّتي خُوطبنا بها، وإن كان له معنًى آخر في كلام غيره، ويصير هذا المعنى الحقيقة الشَّرعيَّة في تخصيص المشترك بأحد معنييه، كما يختصّ المتواطئ بأحد أفراده، بل هذا أولى؛ لأنَّ أغلب أسباب الاشتراك

стр. 3686

تسمية إحدى القبيلتين الشَّيء باسمٍ، وتسمية الأخرى بذلك الاسم مسمًّى آخر، ثمَّ تشيع الاستعمالات. بل قال المبرِّد وغيره: لا يقع الاشتراك في اللُّغة إلا بهذا الوجه خاصَّةً، والواضع لم يضع لفظًا مشتركًا البتَّةَ. فإذا ثبت استعمال الشَّارع لفظ القروء في الحيض عُلِم أنَّ هذا لغته، فيتعيَّن حمله على ما في كلامه. ويُوضِّح ذلك ما في سياق الآية من قوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وهذا هو الحيض والحمل (١) عند عامَّة المفسِّرين، والمخلوق في الرَّحم إنَّما هو حيض (٢) الوجوديّ، ولهذا قال السَّلف والخلف: هو الحمل والحيض (٣)، وقال بعضهم: الحمل (٤)، وبعضهم: الحيض (٥)، ولم يقل أحدٌ قطُّ: إنَّه الطُّهر؛ ولهذا لم ينقله من عُنِي بجمع أقوال أهل التَّفسير، كابن الجوزيِّ وغيره (٦). وأيضًا فقد قال سبحانه: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]، فجعل كلَّ شهرٍ

стр. 3687

بإزاء حيضةٍ، وعلَّق الحكم بعدم الحيض لا بعدم الطُّهر من الحيض. وأيضًا فحديث عائشة عن النَّبيِّ ﷺ : «طلاقُ الأمة تطليقتان، وعدَّتها حيضتانِ»، رواه أبو داود وابن ماجه والتِّرمذيُّ (١)، وقال: غريبٌ لا نعرفه إلا من حديث مظاهر بن أسلم، ومظاهرٌ لا يعرف له في العلم غير هذا الحديث. وفي لفظٍ للدَّارقطنيِّ فيه (٢): «طلاق العبد اثنتان». وروى ابن ماجه (٣) من حديث عطيَّة العوفيِّ عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «طلاق الأمة اثنتان، وعدَّتها حيضتان». وأيضًا قال ابن ماجه في «سننه» (٤): حدَّثنا علي بن محمد، ثنا وكيعٌ، عن

стр. 3688

سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: أُمِرتْ بريرة أن تعتدَّ ثلاثَ حِيَضٍ. وفي «المسند» (١) عن ابن عبَّاسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ خيَّر بريرة، فاختارت نفسها، وأمرها أن تعتدَّ عدَّة الحرَّة. وقد فُسِّر عدَّة الحرَّة (٢) بثلاث حِيَضٍ في حديث عائشة. فإن قيل: فمذهب عائشة أنَّ الأقراء الأطهار؟ قيل: ليس هذا بأوَّل حديثٍ خالفه راويه، فأُخِذ بروايته دون رأيه. وأيضًا ففي حديث الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمر امرأة ثابت بن قيس بن شمَّاسٍ لمَّا اختلعت من زوجها أن تتربَّص حيضةً واحدةً، وتلحق بأهلها. رواه النَّسائيُّ (٣). وفي «سنن أبي داود» (٤) عن ابن عبَّاسٍ: أنَّ امرأة ثابت بن قيسٍ اختلعت

стр. 3689

من زوجها، فأمرها النَّبيُّ ﷺ أن تعتدَّ بحيضة. وفي «الترمذي» (١): أنَّ الرُّبيِّع بنت مُعَوِّذ اختلعت على عهد رسول الله ﷺ ، فأمرها النَّبيُّ ﷺ أو أُمِرَتْ أن تعتدَّ بحيضة. قال الترمذي: حديث الرُّبيع الصَّحيح أنَّها أُمِرتْ أن تعتدَّ بحيضةٍ. وأيضًا فالاستبراء هو عدَّة الأمة، وقد ثبت عن أبي سعيد أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال في سبايا أوطاسٍ: «لا تُوطَأ حاملٌ حتَّى تضَعَ، ولا غيرُ ذاتِ حَمْلٍ حتى تحيضَ حَيضةً». رواه أحمد (٢) وأبو داود (٣). فإن قيل: لا نسلِّم أنَّ استبراء الأمة بالحيضة، وإنَّما هو بالطُّهر الذي قبل

стр. 3690

الحيضة، كذلك قال ابن عبد البرِّ، وقال (١): قولهم: إنَّ استبراء الأمة حيضةٌ بإجماعٍ ليس كما ظنُّوا، بل جائزٌ لها عندنا أن تنكح إذا دخلت في الحيضة، واستيقنت أنَّ دمها دم حيضٍ، كذلك قال إسماعيل بن إسحاق ليحيى بن أكثم حين أُدخِلَ عليه في مناظرته إيَّاه. قلنا: هذا يردُّه قول النبي ﷺ : «لا تُوطَأ حاملٌ حتَّى تَضَعَ، ولا حائلٌ حتَّى تُستبرأ بحيضةٍ» (٢). وأيضًا فالمقصود الأصليُّ (٣) من العدَّة إنَّما هو استبراء الرَّحم، وإن كان لها فوائد أخر، ولشرف الحرَّة المنكوحة وخَطَرِها جُعِل العَلَم الدَّالُّ على براءة رحمها ثلاثة أقراءٍ، فلو كان القرء هو الطُّهر لم يحصل بالقرء الأوَّل دلالةٌ، فإنَّه لو جامعها في الطُّهر ثمَّ طلَّقها ثمَّ حاضت= كان ذلك قرءًا محسوبًا من الأقراء عند من يقول: الأقراء الأطهار. ومعلومٌ أنَّ هذا لم يدلَّ على شيءٍ، وإنَّما الذي يدلُّ على البراءة الحيضُ الحاصل بعد الطَّلاق، ولو طلَّقها في طهرٍ لم يصبها فيه، فإنَّا نعلم (٤) هنا براءة الرَّحم بالحيض الموجود قبل الطَّلاق، والعدَّة لا تكون قبل الطَّلاق؛ لأنَّها حكمه، والحكم لا يسبق سببَه. فإذا كان الطُّهر الموجود بعد الطَّلاق لا دلالة له على البراءة أصلًا، لم يجز إدخاله في العِدَد دالًّا (٥) على براءة الرَّحم، وكان مثله كمثل شاهدٍ غير مقبولٍ،

стр. 3691

ولا يجوز تعليق الحكم بشهادة شاهدٍ لا شهادة له. يوضِّحه أنَّ العدَّة في المنكوحات كالاستبراء في المملوكات، وقد ثبت بصريح السُّنَّة أنَّ الاستبراء بالحيض لا بالطُّهر، فكذلك العدَّة، إذ لا فرقَ بينهما إلا بتعدُّد العدَّة، والاكتفاء بالاستبراء بقرء واحدٍ، وهذا لا يوجب اختلافهما في حقيقة القرء، وإنَّما يختلفان في القدر المعتبر منهما. ولهذا قال الشَّافعيُّ ﵀ في أصحِّ القولين عنه: إنَّ استبراء الأمة يكون بالحيض، وفرَّق أصحابه بين البابين: بأنَّ العدَّة وجبت قضاءً لحقِّ الزَّوج، فاختصَّت بأزمان حقِّه، وهي أزمان الطُّهر، وبأنَّها تتكرَّر، فيُعْلَم معها البراءة بتوسُّط الحيض، بخلاف الاستبراء فإنَّه لا يتكرَّر، والمقصود منه مجرَّد البراءة، فاكتُفِي فيه بحيضةٍ. وقال في القول الآخر: تُستبرأ بطهرٍ طردًا لأصله في العِدَد، وعلى هذا فهل تحتسب (١) ببعض الطُّهر؟ على وجهين لأصحابه، فإن احتسبت به فلا بدَّ من ضَمِّ حيضةٍ كاملةٍ إليه، فإذا طعنتْ في الطُّهر الثَّاني حَلَّت. وإن (٢) لم تحتسب به فلا بدَّ من ضَمِّ طهرٍ كاملٍ إليه، ولا تحتسب ببعض الطُّهر عنده قرءًا قولًا واحدًا. والمقصود أنَّ الجمهور على أنَّ عدَّة الاستبراء حيضةٌ لا طهرٌ، وهذا الاستبراء في حقِّ الأمة كالعدَّة في حقِّ الحرَّة، قالوا: بل الاعتداد في حقِّ الحرَّة بالحيض أولى من الأمة من وجهين: أحدهما: أنَّ الاحتياط في حقِّها ثابتٌ بتكرير القرء، فهو ثلاث

стр. 3692

استبراءاتٍ، فهكذا ينبغي أن يكون الاعتداد في حقِّها بالحيض الذي هو أحوط من الطُّهر، فإنَّها لا تحتسب ببقيَّة الحيضة قرءًا، وتحتسب ببقيَّة الطُّهر قرءًا. الثَّاني: أنَّ استبراء الأمة فرعٌ على عدَّة الحرَّة، وهي الثَّابتة بنصِّ القرآن، والاستبراء إنَّما ثبت بالسُّنَّة، فإذا كان قد احتاط له الشَّارع بأن جعله بالحيض فاستبراء الحرَّة أولى، فعدَّة الحرَّة استبراءٌ لها، واستبراء الأمة عدَّةٌ لها. وأيضًا فالأدلَّة والعلامات والحدود والغايات إنَّما تحصل بالأمور الظَّاهرة المتميِّزة عن غيرها، والطُّهر هو الأمر الأصليُّ (١)، ولهذا متى كان مستمرًّا مستصحبًا لم يكن له حكمٌ يفرد به في الشَّريعة، وإنَّما الأمر المتميِّز هو الحيض، فإنَّ المرأة إذا حاضت تغيَّرت أحكامها: من بلوغها، وتحريم العبادات عليها من الصَّلاة والصَّوم والطَّواف واللُّبث في المسجد وغير ذلك من الأحكام. ثمَّ إذا انقطع الدَّم واغتسلت فلم تتغيَّر أحكامها بتجدُّد الطُّهر، لكن لزوال المغيِّر الذي هو الحيض، فإنَّها تعود بعد الطُّهر إلى ما كانت عليه قبل الحيض من غير أن (٢) يجدِّد لها الطُّهر حكمًا، والقرء أمرٌ يغيِّر أحكام المرأة، وهذا التَّغيير إنَّما يحصل بالحيض دون الطُّهر. فهذا الوجه دالٌّ على فساد قول من يحتسب بالطُّهر الذي قبل الحيضة قرءًا فيما إذا طُلِّقت قبل أن تحيض ثمَّ حاضت، فإنَّ من اعتدَّ بهذا الطُّهر قرءًا جعل شيئًا ليس له حكمٌ في الشَّريعة قرءًا من الأقراء، وهذا فاسدٌ.

стр. 3693

فصل قال من جعل الأقراء الأطهار: الكلام معكم في مقامين: أحدهما: بيان الدَّليل الدالّ على أنَّها الأطهار. الثَّاني: في الجواب عن أدلَّتكم. فأمَّا المقام الأوَّل: فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، ووجهُ الاستدلال به أنَّ اللَّام هي لام الوقت، أي: فطلِّقوهنَّ في عدَّتهنَّ (١)، كما في قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، أي: في يوم القيامة، وقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، أي: وقت الدُّلوك. وتقول العرب: جئتُك لثلاثٍ بقين من الشَّهر، أي: في ثلاثٍ بقين منه. وقد فسَّر النَّبيُّ ﷺ هذه الآية بهذا التَّفسير، ففي «الصَّحيحين» (٢) عن ابن عمر: أنَّه لمَّا طلَّق امرأته وهي حائضٌ، أمره النَّبيُّ ﷺ أن يراجعها، ثمَّ يطلِّقها وهي طاهرٌ، قبل أن يمسَّها، ثمَّ قال: «فتلك العدَّة الَّتي أمر الله أن يُطلَّق لها النِّساء». فبيَّن النَّبيُّ ﷺ أنَّ العدَّة الَّتي أمر الله أن يُطلَّق لها النِّساء هي الطُّهر الذي بعد الحيضة، ولو كان القرء هو (٣) الحيض كان قد طلَّقها قبل العدَّة لا العدَّة (٤)، وكان ذلك تطويلًا عليها، وهو غير جائزٍ، كما لو طلَّقها في الحيض.

стр. 3694

قال الشَّافعيُّ (١): قال الله ﵎: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فالأقراء عندنا ــ والله أعلم ــ الأطهار، فإن قال قائلٌ: ما دلَّ على أنَّها الأطهار وقال غيركم: الحيض؟ قيل له: دلالتان، إحداهما (٢): الكتاب الذي دلَّ عليه السُّنَّة، والأخرى: اللِّسان. فإن قال: وما الكتاب؟ قيل: قال الله ﵎: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، وأخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر: أنَّه طلَّق امرأته وهي حائضٌ في عهد النَّبيِّ ﷺ ، فسأل عمر رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال رسول الله ﷺ : «مُرْه فليراجِعْها، ثمَّ ليمسِكْها حتَّى تطهر، ثمَّ تحيض، ثمَّ تطهر، ثمَّ إن شاء أمسك بعدُ وإن شاء طلَّقَ قبلَ أن يَمسَّ، فتلك العدَّة الَّتي أمر الله أن يُطلَّق لها النِّساء» (٣). أخبرنا مسلم وسعيد بن سالمٍ، عن ابن جريجٍ، عن أبي الزبير: أنَّه سمع ابن عمر يذكر طلاق امرأته حائضًا، فقال: قال النَّبيُّ ﷺ : «إذا طهُرتْ فلتُطلَّقْ أو تُمسَكْ»، وتلا النَّبيُّ ﷺ : (إذا طلَّقتم النِّساء فطلِّقوهنَّ لِقُبُلِ ــ أو: في قُبُلِ ــ عدَّتهنَّ) (٤). قال الشَّافعيُّ: أنا شككتُ. فأخبر (٥) رسول الله ﷺ عن الله جلَّ ثناؤه: أنَّ العدَّة الطُّهر دون الحيض،

стр. 3695

وقرأ: (فطلِّقوهنَّ لِقُبُل عدَّتهنَّ)، وهو أن يطلِّقها طاهرًا؛ لأنَّها حينئذٍ تستقبل عدَّتها، ولو طُلِّقت حائضًا لم تكن مستقبلةً عدَّتها إلا بعد الحيض. فإن قال: فما اللِّسان؟ قيل: القرء: اسمٌ وُضِع لمعنًى، فلمَّا كان الحيض دمًا يُرخِيه الرَّحِمُ فيخرج، والطُّهر دمًا يحتبس فلا يخرج، وكان معروفًا من لسان العرب أنَّ القرء الحبس. تقول العرب: هو يَقْرِي الماءَ في حوضه وفي سِقائه. وتقول العرب: يَقْرِي الطَّعامَ في شِدْقه، يعني: يحبس الطعام في شدقه. وتقول العرب إذا حبس الرَّجلُ الشَّيء: قَرأه، يعني: خَبَأه (١). قال الشَّافعيُّ: أخبرنا مالك (٢)، عن ابن شهابٍ، عن عروة، عن عائشة أنَّها انتقلت حفصة بنت عبد الرحمن حين دخلت في الدَّم من الحيضة الثَّالثة. قال ابن شهابٍ: فذكرتُ ذلك لعمرة بنت عبد الرحمن، فقالت: صدق عروة. وقد جادلها (٣) في ذلك ناسٌ فقالوا: إنَّ الله يقول: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، فقالت عائشة: صدقتم، وهل تدري ما الأقراء؟ الأقراء: الأطهار. أخبرنا مالك (٤)، عن ابن شهابٍ قال: سمعت أبا بكر بن عبد الرَّحمن

стр. 3696

يقول (١): ما أدركتُ أحدًا من فقهائنا إلا وهو يقول هذا. يريد الذي قالت عائشة. قال الشَّافعيُّ: وأخبرنا سفيان، عن الزُّهريِّ، عن عمرة، عن عائشة: إذا طعنت المطلَّقة في الدَّم من الحيضة الثَّالثة فقد برئتْ منه. وأخبرنا مالك (٢)، عن نافع وزيد بن أسلم، عن سليمان بن يسارٍ أنَّ الأحوص ــ يعني ابن حكيم ــ هلك بالشَّام حين دخلت امرأته في الحيضة الثَّالثة، وقد كان طلَّقها، فكتب معاوية إلى زيد بن ثابتٍ يسأله عن ذلك؟ فكتب إليه زيد: أنَّها إذا دخلت في الدَّم من الحيضة الثَّالثة فقد برئتْ منه وبرئ منها، ولا تَرِثه ولا يَرِثها. وأخبرنا سفيان، عن الزُّهريِّ، قال: حدَّثني سليمان بن يسارٍ، عن زيد بن ثابتٍ قال: إذا طعنت المرأة في الحيضة الثَّالثة فقد برئت منه (٣). قال: وفي حديث سعيد بن أبي عروبة، عن رجلٍ، عن سليمان بن يسارٍ، أنَّ عثمان بن عفَّان وابن عمر قالا: إذا دخلت في الحيضة الثَّالثة فلا رجعةَ له عليها (٤).

стр. 3697

وأخبرنا مالك (١)، عن نافع، عن ابن عمر قال: إذا طلَّق الرَّجل امرأته فدخلتْ في الدَّم من الحيضة الثَّالثة فقد برئت منه، ولا تَرِثه ولا يرثها. أخبرنا مالك (٢) أنَّه بلغه عن القاسم بن محمَّدٍ، وسالم بن عبد اللَّه، وأبي بكر بن عبد الرَّحمن، وسليمان بن يسارٍ، وابن شهابٍ، أنَّهم كانوا يقولون: إذا دخلت المطلَّقة في الدَّم من الحيضة الثَّالثة فقد بانت منه، ولا ميراثَ بينهما. زاد غير الشَّافعيِّ عن مالك: ولا رجعةَ له عليها. قال مالك: وذلك الأمر الذي أدركتُ عليه أهل العلم ببلدنا. قال الشَّافعيُّ (٣): ولا يَعْدُو (٤) أن تكون الأقراءُ الأطهارَ ــ كما قالت عائشة، والنِّساءُ بهذا أعلم لأنَّه فيهنَّ لا في الرِّجال ــ أو الحيضَ، فإذا جاءت بثلاث حيضٍ حلَّتْ، ولا نجد في كتاب الله للغسل معنًى، ولستم تقولون بواحدٍ من القولين. يعني: أنَّ الذين قالوا: إنَّها الحيض قالوا: هو أحقُّ برجعتها حتَّى تغتسل من الحيضة الثَّالثة، كما قاله علي وابن مسعودٍ وأبو موسى، وهو قول عمر بن الخطَّاب أيضًا (٥).

стр. 3698

قال الشَّافعيُّ: فقيل لهم ــ يعني للعراقيِّين ــ: لم تقولوا بقول من احتججتم بقوله ورويتم هذا عنه، ولا بقول أحدٍ من السَّلف علمناه. فإن قال قائلٌ: أين خالفناهم؟ قلنا: قالوا: حتَّى تغتسل وتحلَّ لها الصَّلاة، وقلتم: إن فرَّطتْ في الغسل حتَّى يذهب وقت الصَّلاة حلَّت، وهي لم تغتسل ولم تحلَّ لها الصَّلاة. انتهى كلام الشَّافعيِّ. قالوا: ويدلُّ على أنَّها الأطهار في اللِّسان قول الأعشى (١): أفي كلِّ عامٍ أنت جَاشِمُ غَزوةٍ ... تَحُلُّ (٢) لأقصاها عَزِيمَ عَزائِكا مُورِّثةٍ عِزًّا وفي الحيِّ رِفعةً ... لما ضَاعَ فيها من قُروء نِسائِكا فالقروء في البيت: الأطهار، لأنَّه ضيَّع أطهارهنَّ في غَزاته، وآثرها عليهنَّ. قالوا: ولأنَّ الطُّهر أسبق إلى الوجود من الحيض، فكان أولى بالاسم. قالوا: فهذا أحد المقامين. وأمَّا المقام الآخر، وهو الجواب عن أدلَّتكم: فنجيبكم بجوابين مجملٍ ومفصَّلٍ (٣). أمَّا المجمل، فنقول: من أُنزِل عليه القرآن فهو أعلمُ بتفسيره ومرادِ

стр. 3699

المتكلِّم من كلِّ أحدٍ سواه، وقد فسَّر النَّبيُّ ﷺ العدَّة الَّتي أمر الله أن يُطلَّق لها النِّساء بالأطهار، فلا التفاتَ بعد ذلك إلى شيءٍ خالفه، بل كلُّ تفسيرٍ يخالف هذا فباطلٌ. قالوا: وأعلمُ الأمَّة بهذه المسألة أزواج رسول الله ﷺ ، وأعلمهنَّ بها عائشة؛ لأنَّها فيهنَّ لا في الرِّجال، ولأنَّ الله تعالى جعل قولهنَّ في ذلك مقبولًا في وجود الحيض والحبل؛ لأنَّه لا يُعلَم إلا من جهتهنَّ، فدلَّ على أنَّهنَّ أعلمُ بذلك من الرِّجال، فإذا قالت أمُّ المؤمنين: إنَّ الأقراء الأطهار فقد قالت حَذَامِ فصَدِّقوها ... فإنَّ القولَ ما قالتْ حَذامِ (١) قالوا: وأمَّا الجواب المفصَّل، فنفرد كلَّ واحدٍ واحدٍ من أدلَّتكم بجوابٍ خاصٍّ، فهاكم الأجوبة. أمَّا قولكم: إمَّا أن يُراد بالأقراء في الآية الأطهار فقط، أو الحيض فقط، أو مجموعهما ... إلى آخره. فجوابه أن نقول: الأطهار فقط، لما ذكرنا من الدَّلالة. قولكم: النَّصُّ اقتضى ثلاثةً ... إلى آخره. قلنا: عنه جوابان: أحدهما: أنَّ بقيَّة الطُّهر عندنا قرءٌ كاملٌ، فما اعتدَّت إلا بثلاثٍ كوامل.

стр. 3700

الثَّاني: أنَّ العرب (١) تُوقِع اسمَ الجمع على اثنين وبعض الثَّالث، كقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، فإنَّها شوَّالٌ، وذو القعدة، وعشرٌ من ذي الحجَّة أو تسعٌ أو ثلاثة عشر. ويقولون: لفلانٍ ثلاثَ عشرة سنةً، إذا دخل في السَّنة الثَّالثة عشر (٢). وإذا كان هذا معروفًا في لغتهم، وقد دلَّ الدَّليل عليه، وجب المصير إليه. وأمَّا قولكم: إنَّ استعمال القرء في الحيض أظهر منه في الطُّهر، فمُقابَلٌ بقول منازعيكم. قولكم: إنَّ أهل اللُّغة يُصدِّرون كتبهم بأنَّ القرء هي الحيض، فيذكرونه تفسيرًا للّفظ، ثمَّ يُردِفونه بقولهم: وقيل، أو: وقال بعضهم: هو الطُّهر. قلنا: أهل اللُّغة يحكون أنَّ له مسمَّيينِ في اللُّغة، ويُصرِّحون بأنَّه يقال على هذا وعلى هذا، ومنهم من يجعله في الحيض أظهر، ومنهم من يحكي إطلاقه عليهما من غير ترجيح. فالجوهري رجَّح الحيض. والشَّافعيُّ من أئمَّة اللُّغة، وقد رجَّح أنَّه الطُّهر. وقال أبو عبيد: القرء يصلح للحيض والطهر. وقال الزَّجَّاج (٣): أخبرني من أثق به عن يونس أنَّ القرء عنده يصلح للحيض والطهر. وقال أبو عمرو بن العلاء: القرء الوقت، وهو يصلح للحيض ويصلح للطُّهر. وإذا كانت هذه نصوص أهل اللُّغة، فكيف يحتجُّون بقولهم: إنَّ الأقراء الحيض؟

стр. 3701

قولكم: إنَّ من جعله الطُّهر فإنَّه يريد أوقاتَ الطُّهر الَّتي يَحتوِشُها الدَّم، وإلَّا فالصَّغيرة والآيسة ليستا من ذوات الأقراء. عنه جوابان. أحدهما: المنع، بل إذا طُلِّقت الصَّغيرة الَّتي لم تحض ثمَّ حاضت، فإنَّها تعتدُّ بالطُّهر الذي طُلِّقت فيه قرءًا على أصحِّ الوجهين عندنا؛ لأنَّه طهرٌ بعده حيضٌ، وكان قرءًا كما لو كان قبله حيضٌ. الثَّاني: أنَّا وإن سلَّمنا ذلك فإنَّ هذا يدلُّ على أنَّ الطُّهر لا يُسمَّى قرءًا حتَّى يحتوِشَه دمانِ، وكذلك نقول، فالدَّم شرطٌ في تسميته قرءًا، وهذا لا يدلُّ على أنَّ مسمَّاه الحيض. وهذا كالكأس الذي لا يقال على الإناء إلا بشرط كون الشَّراب فيه، وإلَّا فهو زُجاجةٌ أو قَدَحٌ. والمائدة الَّتي لا يقال للخِوَان إلا إذا كان عليه طعامٌ، وإلَّا فهو خِوانٌ. والكُوز الذي لا يقال لمسمَّاه إلا إذا كان ذا عُروةٍ، وإلَّا فهو كوبٌ. والقلم الذي يشترط في صحَّة إطلاقه على القصبة كونها مَبْرِيَّةً، وبدون البَرْي فهو أُنبوبٌ أو قَصَبةٌ. والخاتَم شرطُ إطلاقه أن يكون ذا فَصٍّ منه أو من غيره، وإلَّا فهو فَتْخَةٌ. والفَرْوُ شرط إطلاقه على مسمَّاه الصُّوف، وإلَّا فهو جِلْدٌ. والرَّيْطَة شرط إطلاقها على مسمَّاها أن تكون قطعةً واحدةً، فإن كانت ملفَّقةً من قطعتين فهي مُلَاءةٌ.

стр. 3702

والحُلَّة شرط إطلاقها أن تكون ثوبين، إزارٌ ورداء، وإلَّا فهو ثوبٌ. والأَرِيْكَة لا تقال على السَّرير إلا إذا كان عليه حَجَلةٌ، وهي الَّتي تسمَّى بَشَخانه (١) وخَرْكاه (٢)، وإلَّا فهو سريرٌ. واللَّطِيمة لا تُقال للتجارة (٣) إلا إذا كان فيها طيبٌ، وإلَّا فهي عِيْرٌ. والنَّفَق لا يقال إلا لما له مَنْفذٌ، وإلَّا فهو سَرَبٌ. والعِهْن لا يقال للصُّوف إلا إذا كان مصبوغًا، وإلَّا فهو صُوفٌ. والخِدْر لا يقال إلا لما اشتمل على المرأة، وإلَّا فهو سِتْرٌ. والمِحْجَن لا يقال [للعصا إلا إذا كان مَحْنِيَّة الرَّأس، وإلَّا فهي عصًا. والرَّكيَّة لا تقال على البئر إلا بشرط كون الماء فيها، وإلَّا فهي بئرٌ. والوَقُود] (٤) لا يقال للحَطَب إلا إذا كان فيه النَّار، وإلَّا فهو حَطَبٌ. ولا يقال للتُّراب ثَرًى إلا بشرط نَداوته، وإلَّا فهو تُرابٌ. ولا يقال للرِّسالة مُغَلْغَلةٌ إلا إذا حُمِلَت من بلدٍ إلى بلدٍ، وإلَّا فهي رسالةٌ.

стр. 3703

ولا يقال للأرض قَرَاحٌ إلا إذا هُيِّئتْ للزِّراعة، وإلَّا فهي أرض (١). ولا يقال لهروب العبد إباقٌ إلا إذا كان هروبه من غير خوفٍ ولا جوعٍ ولا جهدٍ، وإلَّا فهو هروبٌ. والرِّيق لا يقال له رُضَابٌ إلا إذا كان في الفم، فإذا فارقه فهو بُصَاقٌ وبُزَاق (٢) وبُسَاقٌ. والشُّجاع لا يقال له كَمِيٌّ إلا إذا كان شاكِيَ السِّلاح، وإلَّا فهو بطلٌ. وفي تسميته بطلًا قولان، أحدهما: لأنَّه يُبطِل شجاعةَ (٣) قِرْنِه وضرْبَه وطعْنَه، والثَّاني: لأنَّه يَبطُل شجاعة الشُّجعان عنده، فعلى الأوَّل فهو فَعَلٌ بمعنى فاعلٍ، وعلى الثَّاني فَعَلٌ بمعنى مفعولٍ، وهو قياس اللُّغة. والبعير لا يقال له راويةٌ إلا بشرط حمله للماء. والطَّبَق لا يسمَّى مِهْدًى إلا بشرط كون (٤) عليه هديَّةٌ. والمرأة لا تُسمَّى ظَعِينةً إلا بشرط ركوبها في الهَوْدَج، هذا في الأصل، وإلَّا فقد تُسمَّى المرأة ظعينةً وإن لم تكن (٥) في هودجٍ، ومنه في الحديث:

стр. 3704

«فمرَّت ظُعُنٌ يَجْرِينَ» (١). والدَّلو لا يقال لها سَجْلٌ إلا ما دام فيها ماءٌ، ولا يقال لها ذَنُوبٌ إلا إذا امتلأت به. والسَّرير لا يقال له نَعْشٌ إلا إذا كان عليه ميِّتٌ. والعَظْم لا يقال له عَرْقٌ إلا إذا اشتمل عليه لحمٌ. والخَيط لا يسمَّى سِمْطًا إلا إذا كان فيه خَرَزٌ. ولا يقال للحَبْل قَرَنٌ إلا إذا قُرِنَ فيه اثنان فصاعدًا. والقوم لا يُسمَّون رُفْقَةً إلا إذا انضمُّوا في مجلسٍ واحدٍ وسيرٍ واحدٍ، فإذا تفرَّقوا زال هذا الاسم، ولم يَزُلْ عنهم اسم الرَّفيق. والحِجارة لا تُسمَّى رَضْفًا إلا إذا حَمِيَتْ بالشَّمس أو بالنَّار. والشَّمس لا يقال لها غَزَالةُ إلا عند ارتفاع النَّهار. والثَّوب لا يُسمَّى مُطْرَفًا إلا إذا كان في طرفيه عَلَمانِ. والمجلس لا يقال له النَّادي إلا إذا كان أهله فيه. والمرأة لا يقال لها عَاتِقٌ إلا إذا كانت في بيت أبويها. ولا يُسمَّى الماء المِلْح أُجاجًا إلا إذا كان مع مُلوحتِه مُرًّا. ولا يقال للسَّير [إهْطَاعٌ] (٢) إلا إذا كان معه خوفٌ.

стр. 3705

ولا يقال للفرس مُحَجَّلٌ إلا إذا كان البياض في قَوائِمه كلِّها أو أكثرِها. وهذا بابٌ طويلٌ لو تَقصَّيناه (١)، فكذلك لا يقال للطُّهر قرءًا (٢) إلا إذا كان قبله دمٌ وبعده دمٌ، فأين في هذا ما يدلُّ على أنَّه الحيض؟ قالوا: وأمَّا قولكم: إنَّه لم يجئ في كلام الشَّارع إلا للحيض، فنحن نمنع مجيئه في كلام الشَّارع للحيض (٣) البتَّةَ، فضلًا عن الحصر. قالوا: إنَّه قال للمستحاضة: «دَعِي الصَّلاةَ أيَّام أقرائِك»، فقد أجاب الشَّافعيُّ عنه في «كتاب حَرملة» بما فيه شفاءٌ، وهذا لفظه (٤): قال: وزعم إبراهيم بن إسماعيل بن عُلَيَّة أنَّ الأقراء الحيض، واحتجَّ بحديث سفيان، عن أيوب، عن سليمان بن يسارٍ، عن أم سلمة: أنَّ رسول الله ﷺ قال في امرأةٍ استُحِيضتْ أن تَدَعَ الصَّلاة أيَّامَ أقرائِها (٥). قال الشَّافعيُّ: وما حدَّث بهذا سفيان قطُّ، إنَّما قال سفيان: عن أيوب، عن سليمان بن يسارٍ، عن أم سلمة أنَّ رسول الله ﷺ قال: «تَدَعُ الصَّلاةَ عددَ اللَّيالي والأيَّام الَّتي كانت تحيضهنَّ»، أو قال: «أيَّامَ أقرائِها» (٦)، الشَّكُّ من

стр. 3706

أيوب، لا ندري (١) قال هذا أو هذا، فجعله هو حديثًا على ناحية ما يريد، فليس هذا بصدقٍ. وقد أخبرناه مالك، عن نافع، عن سليمان بن يسارٍ، عن أم سلمة، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لِتنظُرْ عددَ اللَّيالي والأيَّام الَّتي كانت تحيضُهنَّ من الشَّهر قبل أن يُصِيبها الذي أصابها، ثمَّ لِتَدَعِ الصَّلاة، ثمَّ لِتغتسلْ ولْتُصَلِّ» (٢). ونافع أحفظ عن سليمان من أيوب، وهو يقول بمثل أحد معنَيَيْ أيوب اللَّذين رواهما. انتهى كلامه.

стр. 3707

قالوا: وأمَّا الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وأنَّه الحيض أو الحبل أو كلاهما، فلا ريبَ أنَّ الحيض داخلٌ في ذلك، ولكن تحريم كتمانه لا يدلُّ على أنَّ القروء المذكورة (١) في الآية هي الحيض، فإنَّها إذا كانت الأطهار فإنَّها تنقضي بالطَّعن في الحيضة الرَّابعة أو الثَّالثة، فإذا أرادت كتمان انقضاء العدَّة لأجل النَّفقة أو غيرها قالت: لم أَحِضْ، فتنقضي عدَّتي، وهي كاذبةٌ وقد حاضت وانقضت عدَّتها، وحينئذٍ فتكون دلالة الآية على أنَّ القروء الأطهار أظهر، ونحن نَقْنَع باتِّفاق الدِّلالة بها، وإن أبيتم إلا الاستدلال فهو من جانبنا أظهر، فإنَّ أكثر المفسِّرين قالوا: الحيض والولادة، فإذا كانت العدَّة تنقضي بظهور (٢) الولادة فهكذا تنقضي بظهور الحيض، تسويةً بينهما في إتيان المرأة على كلِّ واحدٍ منهما. وأمَّا استدلالكم بقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤] فجعل كلُّ شهرٍ بإزاء حيضةٍ= فليس هذا بصريحٍ في أنَّ القروء هي (٣) الحيض، بل غاية الآية أنَّه جعل اليأس (٤) من الحيض شرطًا في الاعتداد بالأشهر، فما دامت حائضًا لا تنتقل إلى عدَّة الآيسات، وذلك أنَّ الأقراء الَّتي هي الأطهار عندنا لا توجد إلا مع

стр. 3708

الحيض، لا تكون بدونه، فمن أين يلزم أن تكون هي الحيض؟ وأمَّا استدلالكم بحديث عائشة: «طلاق الأمة طلقتان وقرؤها حيضتان» (١) فهو حديثٌ لو استدللنا به عليكم لم تقبلوا ذلك منَّا، فإنَّه حديثٌ ضعيفٌ معلولٌ، قال الترمذي: غريبٌ لا نعرفه إلا من حديث مظاهر بن أسلم، ومظاهر لا يُعْرَف له في العلم غير هذا الحديث، انتهى. ومظاهر (٢) ليس بشيءٍ، مع أنَّه لا يُعرف، وضعَّفه أبو عاصم أيضًا. وقال أبو داود (٣): هذا حديثٌ مجهولٌ. وقال الخطّابي (٤): أهل الحديث ضعَّفوا هذا الحديث. وقال البيهقي (٥): لو كان ثابتًا قلنا به، إلا أنَّا لا نُثبِت حديثًا يرويه من تُجهَل عدالته. وقال الدَّارقطنيُّ (٦): الصَّحيح عن القاسم بخلاف هذا، ثمَّ روى عن زيد بن أسلم قال: سئل القاسم عن الأمة كم (٧) تُطلَّق؟ قال: طلاقها اثنتان، وعدَّتها حيضتان. قال: فقيل له: أبلغكَ عن النبي ﷺ في هذا؟ فقال: لا.

стр. 3709

وقال البخاريُّ في «تاريخه» (١): مظاهر بن أسلم، عن القاسم، عن عائشة رفعه: «طلاق الأمة تطليقتان، وعدَّتها حيضتان». قال أبو عاصم: أخبرنا ابن جريجٍ عن مظاهر، ثمَّ لقيتُ مظاهرًا، فحدَّثنا به، وكان أبو عاصم يضعِّف مظاهرًا. وقال يحيى بن سليمان: ثنا ابن وهب، قال: حدَّثني أسامة بن زيد بن أسلم، أنَّه كان جالسًا عند أبيه، فأتاه رسول الأمير، فقال: إنَّ الأمير يقول لك: كم عدَّة الأمة؟ فقال: عدَّة الأمة حيضتان، وطلاق الحرِّ الأمةَ (٢) ثلاثٌ، وطلاق العبد الحرَّةَ تطليقتان، وعدَّة الحرَّة ثلاث حيضٍ. ثمَّ قال للرَّسول: أين تذهب؟ قال: أمرني أن أسأل القاسم بن محمَّدٍ وسالم بن عبد اللَّه، قال: فأُقسِم عليك إلا رجعتَ إليَّ فأخبرتَني ما يقولان، فذهب ورجع إلى أبي، فأخبره أنَّهما قالا كما قال، وقالا (٣) له: قل له: إنَّ هذا ليس في كتاب اللَّه ولا سنَّة رسول الله، ولكن عمل به المسلمون (٤). وقال أبو القاسم بن عساكر في «أطرافه»: [فدلَّ ذلك على أنَّ الحديث المرفوع غير محفوظٍ] (٥).

стр. 3710

وأمَّا استدلالكم بحديث ابن عمر مرفوعًا: «طلاق الأمة اثنتان، وعدَّتها حيضتان»، فهو من رواية عطيَّة بن سعدٍ العوفيِّ، وقد ضعَّفه غير واحدٍ من الأئمَّة. قال الدَّارقطنيُّ (١): والصَّحيح عن ابن عمر ما رواه سالم ونافع من قوله، وروى الدَّارقطنيُّ (٢) أيضًا عن سالم ونافع أنَّ ابن عمر كان يقول: طلاق العبد الحرَّةَ تطليقتان، وعدَّتها ثلاثة قروءٍ، وطلاق الحرِّ الأمةَ تطليقتان، وعدَّتها عدَّة الأمة حيضتان. قالوا: والثَّابت بلا شكٍّ عن ابن عمر أنَّ الأقراء الأطهار. قال الشَّافعيُّ: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: إذا طلَّق الرَّجل امرأته، فدخلتْ في الدَّم من الحيضة الثَّالثة، فقد برئتْ منه، ولا تَرِثُه ولا يَرِثها (٣). قالوا: فهذا الحديث مداره على ابن عمر وعائشة، ومذهبهما بلا شكٍّ أنَّ الأقراء الأطهار، فكيف يكون عندهما عن النَّبيِّ ﷺ خلافُ ذلك، ولا يذهبان إليه؟ قالوا: وهذا بعينه هو الجواب عن حديث عائشة الآخر: «أُمِرَتْ بريرة أن تعتدَّ ثلاث حيضٍ». قالوا: وقد روي هذا الحديث بثلاثة ألفاظٍ: «أُمِرَتْ أن تعتدَّ» (٤)،

стр. 3711

و «أُمِرَت أن تعتدَّ عدَّة الحرَّة» (١)، و «أُمِرَت أن تعتدَّ ثلاث حِيَضٍ» (٢)، فلعلَّ رواية من روى «ثلاث حِيَضٍ» محمولةٌ على المعنى. ومن العجب أن يكون عند عائشة هذا وهي تقول: الأقراء الأطهار، وأعجب منه أن يكون هذا الحديث بهذا السَّند المشهور الذين (٣) كلُّهم أئمَّةٌ، ولا يُخرِجه أصحاب الصَّحيح، ولا المَسانِد، ولا من اعتنى بأحاديث الأحكام وجمعها، ولا الأئمَّة الأربعة. وكيف يصبر عن إخراج هذا الحديث من هو مضطرٌّ إليه، ولا سيَّما بهذا السَّند المعروف الذي هو كالشَّمس شهرةً؟ ولا شكَّ أنَّ بريرة أُمِرَت أن تعتدَّ، وأمَّا إنَّها أُمِرت بثلاث حِيَضٍ، فهذا لو صحَّ لم نَعْدُه إلى غيره، ولبادرنا إليه. قالوا: وأمَّا استدلالكم بشأن الاستبراء، فلا ريب أنَّ الصَّحيح كونه بحيضةٍ، وهو ظاهر النَّصِّ الصَّحيح، فلا وجهَ للاشتغال بالتَّعلُّل بالقول: ..... (٤) وإنَّها تُستَبرأ بطهرٍ، فإنَّه خلاف ظاهر نصِّ الرَّسول ﷺ ، وخلافُ القول الصَّحيح من قولي الشَّافعيِّ، وخلاف قول جمهور الأمَّة، فالوجه العدول إلى الفرق بين البابين، فنقول: الفرق بينهما ما تقدَّم أنَّ العدَّة وجبت قضاءً لحقِّ الزَّوج، فاختصَّت بزمان حقِّه وهو الطُّهر، وبأنَّها تتكرَّر، فيُعلَم

стр. 3712

منها البراءة بواسطة الحيض، بخلاف الاستبراء. قولكم: لو كانت الأقراء الأطهار لم يحصل بالقرء الأوَّل دلالةٌ؛ لأنَّه لو جامعها ثمَّ طلَّقها فيه حسبت بقيَّته قرءًا، ومعلومٌ قطعًا أنَّ هذا الطُّهر لا يدلُّ على شيءٍ. فجوابه أنَّها إذا طهرت بعد طهرين كاملين، صحَّت دلالته بانضمامه إليهما. قولكم: إنَّ الحدود والعلامات والأدلَّة إنَّما تحصل بالأمور الظَّاهرة ... إلى آخره. جوابه: أنَّ الطُّهر إذا احتوَشَه دمانِ كان كذلك، وإذا لم يكن قبله دمٌ ولا بعده دمٌ، فهذا لا يُعتدُّ به البتَّة. قالوا: ويزيد ما ذهبنا إليه قوَّةً أنَّ القرء هو الجمع، وزمان الطُّهر أولى به، فإنَّه حينئذٍ يجتمع الحيض، وإنَّما يخرج بعد جمعه. قالوا: وإدخال الهاء (١) في (ثلاثة قروءٍ) يدلُّ على أنَّ القرء مذكَّرٌ، وهو الطُّهر، ولو كان للحيض لكان بغير تاءٍ (٢)؛ لأنَّ واحدها حيضةٌ. فهذا ما احتجَّ به أرباب هذا القول استدلالًا وجوابًا، وهذا موضعٌ لا يمكن فيه التَّوسُّط بين الفريقين، إذ لا توسُّطَ بين القولين، فلا بدَّ من التَّحيُّز إلى إحدى الفئتين، ونحن متحيِّزون في هذه المسألة إلى أكابر الصِّحابة، وقائلون فيها بقولهم: إنَّ القرء الحيض، وقد تقدَّم الاستدلال على صحَّة هذا

стр. 3713

القول، فنجيب عمَّا عارض به أرباب القول الآخر، ليتبيَّن ما رجَّحناه، وباللَّه التَّوفيق. فنقول: أمَّا استدلالكم بقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، فهو إلى أن يكون حجَّةً عليكم أقربُ منه (١) إلى أن يكون حجَّةً لكم، فإنَّ المراد طلاقها قبل العدَّة ضرورةً، إذ لا يمكن حملُ الآية على الطَّلاق في العدَّة، فإنَّ هذا ــ مع تضمُّنه لكون اللَّام للظَّرفيَّة بمعنى «في» ــ فاسدٌ معنًى، إذ لا يمكن إيقاع الطَّلاق في العدَّة، فإنَّه سببها، والسَّبب يتقدَّم الحكم، وإذا تقرَّر ذلك فمن قال: الأقراء الحيض، فقد عمل بالآية، وطلَّق قبل العدَّة. فإن قلتم: ومن قال إنَّها الأطهار فالعدَّة تتعقَّب الطَّلاق، فقد طلَّق قبل العدَّة. قلنا: فبطل احتجاجكم حينئذٍ، وصحَّ أنَّ المراد الطَّلاق قبل العدَّة لا فيها، وكلا الأمرين يصحُّ أن يراد بالآية، لكنَّ إرادة الحيض أرجح، وبيانه أنَّ العِدَّة فِعْلةٌ ممَّا يُعدُّ يعني معدودةً؛ لأنَّها تُعدُّ وتُحصى، كقوله: ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق: ١]، والطُّهر الذي قبل الحيضة ممَّا يُعدُّ ويُحصى، فهو من العدَّة، وليس الكلام فيه، وإنَّما الكلام في أمرٍ آخر، وهو دخوله في مسمَّى القروء الثَّلاثة المذكورة في الآية أم لا؟ فلو كان النَّصُّ: فطلِّقوهنَّ لقروئهنَّ، لكان فيه تعلُّقٌ، فهنا أمران، قوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، والثَّاني: قوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، ولا ريبَ أنَّ القائل: افعلْ كذا لثلاثٍ بقين من الشَّهر، إنَّما يكون المأمور ممتثلًا إذا فعله قبل مجيء الثَّلاث، وكذلك إذا

стр. 3714

قال: فعلتُه لثلاثٍ مضين من الشَّهر، إنَّما يصدق إذا فعله بعد مضيِّ الثَّلاث، وهو بخلاف حرف الظَّرف الذي هو «في»، فإنَّه إذا قال: فعلتُه في ثلاثٍ بقين، كان الفعل واقعًا في نفس الثَّلاث. وهاهنا نكتةٌ حسنةٌ، وهي أنَّهم يقولون: فعلتُه لثلاث ليالٍ خلون أو بقين من الشَّهر، وفعلتُه في الثَّاني أو الثَّالث من الشَّهر، أو في ثانيه أو ثالثه، فمتى أرادوا مضيَّ الزَّمان أو استقبالَه أَ تَوا باللَّام، ومتى أرادوا وقوع الفعل فيه نفسه (١) أَ تَوا بـ «في». وسرُّ ذلك أنَّهم إذا أرادوا مضيَّ زمن الفعل أو استقباله أتوا باللام الدَّالَّة على اختصاص العدد الذي يلفظون به بما مضى أو بما يستقبل، وإذا أرادوا وقوع الفعل في ذلك الزَّمان أتوا بالأداة المعيَّنة له، وهي أداة «في». وهذا خيرٌ من قول كثيرٍ من النُّحاة: إنَّ اللَّام تكون بمعنى «قبل» في قولهم: كتبته لثلاثٍ بقين، وطلِّقوهنَّ لعدَّتهنَّ. وبمعنى «بعد»، كقولهم: لثلاثٍ خلون. وبمعنى «في»، كقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وقوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران: ٢٥]. والتَّحقيق: أنَّ اللَّام على بابها للاختصاص بالوقت المذكور، كأنَّهم جعلوا الفعل للزَّمان المذكور اتِّساعًا لاختصاصه به، فكأنَّه له، فتأمَّلْه. وفرقٌ آخر: وهو أنَّك إذا أتيت باللَّام لم يكن الزِّمان المذكور بعده إلا ماضيًا أو منتظرًا، ومتى أتيت بـ «في» لم يكن الزَّمان المجرور بها إلا مقارنًا للفعل. وإذا تقرَّر هذا من قواعد العربيَّة، فقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾

стр. 3715

معناه: لاستقبال عدَّتهنَّ، لا فيها، وإذا كانت العدَّة الَّتي يطلَّق لها النِّساء مستقبلةً بعد الطَّلاق، فالمستقبل بعدها إنَّما هو الحيض، فإنَّ الطَّاهر لا تستقبل الطُّهر إذ هي فيه، وإنَّما تستقبل الحيض بعد حالها الَّتي هي فيها. هذا المعروف لغةً وعقلًا وعرفًا، فإنَّه لا يقال لمن هو في عافيةٍ: هو مستقبِلٌ العافيةَ، ولا لمن هو في أمنٍ: هو مستقبِلٌ الأمنَ، ولا لمن هو في قبضِ مُغَلِّه وإحرازِه: هو مستقبِلٌ المغلَّ، وإنَّما المعهود لغةً وعرفًا أن يَستقبل الشَّيءَ من هو على حالٍ ضدَّه، وهذا أظهر من أن نُكثِر شواهده. فإن قيل: فيلزم من هذا أن يكون من طلَّق في الحيض مطلِّقًا للعدَّة عند من يقول: الأقراء الأطهار؛ لأنَّها تستقبل طهرها بعد حالها الَّتي هي فيها. قلنا: نعم يلزمهم ذلك، فإنَّه لو كان أوَّل العدَّة الَّتي يُطلِّق لها المرأةَ هو الطُّهر لكان إذا طلَّقها في أثناء الحيض مطلِّقًا للعدَّة؛ لأنَّها تستقبل الطُّهر بعد ذلك الطَّلاق. فإن قيل: اللَّام بمعنى «في»، والمعنى: فطلِّقوهنَّ في عدَّتهنَّ، وهذا إنَّما يمكن إذا طلَّقها في الطُّهر، بخلاف ما إذا طلَّقها في الحيض. قيل: الجواب من وجهين: أحدهما: أنَّ الأصل عدم الاشتراك في الحروف، والأصل إفراد كلِّ حرفٍ بمعناه، فدعوى خلاف ذلك مردودةٌ بالأصل. الثَّاني: أنَّه يلزم منه أن يكون بعض العدَّة ظرفًا لزمن الطَّلاق، فيكون الطَّلاق واقعًا في نفس العدَّة ضرورةَ صحَّة الظَّرفيَّة، كما إذا قلتَ: فعلتُه في يوم الخميس، بل الغالب في الاستعمال من هذا أن يكون بعض الظَّرف سابقًا
следующие страницы →