← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.

стр. 3746

فالجواب: أنَّ القائلين بهذا هم بأنفسهم القائلون إنَّ عدَّتها حيضتان، وقد أفتَوا بهذا وهذا، ولهم في الاعتداد بالشهور ثلاثة أقوالٍ، وهي للشَّافعيِّ، وهي ثلاث رواياتٍ عن أحمد: فأكثر الرِّوايات عنه أنَّها شهران، رواه عنه جماعةٌ من أصحابه، وهو إحدى الرِّوايتين عن عمر بن الخطَّاب (١)، ذكرها الأثرم وغيره عنه (٢). وحجَّة هذا القول أنَّ عدَّتها بالأقراء حيضتان، فجُعِلَ كلُّ شهرٍ مكان حيضةٍ. والقول الثَّاني: إنَّ عدَّتها شهرٌ ونصفٌ، نقلها عنه الأثرم والميموني (٣). وهذا قول عليِّ بن أبي طالبٍ (٤) وابن عمر (٥) وابن المسيَّب (٦) وأبي حنيفة، والشَّافعيِّ في أحد أقواله. وحجَّته أنَّ التَّنصيف في الأشهر ممكنٌ، فتنصَّفتْ بخلاف القروء. ونظير هذا: أنَّ المحرم إذا وجب عليه في جزاء الصَّيد نصفُ مدٍّ أخرجه، فإن أراد الصِّيام مكانَه لم يُجزِئْه إلا صوم يومٍ كاملٍ. والقول الثَّالث: إنَّ عدَّتها ثلاثة أشهرٍ كوامل، وهو إحدى الرِّوايتين عن عمر (٧)، وقولٌ ثالثٌ للشَّافعيِّ، وهو فيمن ذكرتموه.

стр. 3747

والفرق عند هؤلاء بين اعتدادها بالأقراء وبين اعتدادها بالشُّهور: أنَّ اعتبار الشُهور للعلم ببراءة رحمها، وهو لا يحصل بدون ثلاثة أشهرٍ في حقِّ الحرَّة والأمة جميعًا؛ لأنَّ الحمل يكون نطفةً أربعين يومًا، ثمَّ عَلَقةً أربعين، ثمَّ مُضْغةً أربعين، وهي الطَّور الثَّالث الذي يمكن أن يظهر فيه الحمل، وهذا بالنِّسبة إلى الحرَّة والأمة سواءٌ بخلاف الأقراء، فإنَّ الحيضة الواحدة عَلَمٌ ظاهرٌ على الاستبراء، ولهذا اكتُفِي بها في حقِّ المملوكة، فإذا زُوِّجت فقد أخذَتْ شَبَهًا من الحرائر، وصارت أشرفَ من مِلْك اليمين، فجُعِلتْ عدَّتها بين العدَّتين. قال الشَّيخ في «المغني» (١): ومن ردَّ هذا القول قال: هو مخالفٌ لإجماع الصَّحابة، لأنَّهم اختلفوا على القولين الأوَّلين، ومتى اختلفوا على قولين لم يجز إحداثُ قولٍ ثالثٍ؛ لأنَّه يُفضِي إلى تخطئتهم وخروجِ الحقِّ عن قول جميعهم. قلت: وليس في هذا إحداث قولٍ ثالثٍ، بل هو إحدى الرِّوايتين عن عمر، ذكرها ابن وهب وغيره، وقال به من التَّابعين من ذكرناهم وغيرهم. فصل وأمَّا عدَّة الآيسة والَّتي لم تَحِضْ، فقد بيَّنها سبحانه في كتابه فقال: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]. وقد اضطرب النَّاس في حدِّ الإياس اضطرابًا شديدًا:

стр. 3748

فمنهم من حدَّه بخمسين سنةً، وقال: لا تحيض المرأة بعد الخمسين. وهذا قول إسحاق وروايةٌ عن أحمد، واحتجَّ أرباب هذا القول بقول عائشة ﵂: إذا بلغتْ خمسين سنةً خرجتْ من حدِّ الحيَّض (١). وحدَّه طائفةٌ بستِّين سنةً، وقالوا: لا تحيض بعد السِّتِّين، وهذا (٢) روايةٌ ثانيةٌ عن أحمد. وعنه روايةٌ ثالثةٌ: الفرق بين نساء العرب وغيرهم، فحدُّه ستُّون في نساء العرب وخمسون في نساء العجم. وعنه روايةٌ رابعةٌ: أنَّ ما بين (٣) الخمسين والسِّتِّين دمٌ مشكوكٌ فيه، تصوم وتصلِّي وتقضي الصَّوم المفروض، وهذه اختيار الخِرقي. وعنه روايةٌ خامسةٌ: أنَّ الدَّم إن عاود بعد الخمسين وتكرَّر فهو حيضٌ، وإلَّا فلا. وأمَّا الشَّافعيُّ فلا نصَّ له في تقدير اليأس بمدَّةٍ، وله قولان بعدُ، أحدهما: أنَّه يعرف بيأس أقاربها. والثَّاني: أنَّه يعتبر بيأس جميع النِّساء.

стр. 3749

فعلى القول الأوَّل هل المعتبر جميع أقاربها، أو نساء عَصَباتها، أو نساء بلدها خاصَّةً؟ فيه ثلاثة أوجهٍ. ثمَّ إذا قيل: يُعتبر بالأقارب فاختلفت عادتهنَّ فهل يعتبر بأقلَّ عادةً منهنَّ، أو بأكثرهنَّ عادةً، أو بأقصرِ امرأةٍ في العالم عادةً؟ على ثلاثة أوجهٍ. والقول الثَّاني للشَّافعيِّ أنَّ المعتبر جميع النِّساء، ثمَّ اختلف أصحابه هل لذلك حدٌّ أم لا؟ على وجهين: أحدهما: ليس له حدٌّ، وهو ظاهر نصِّه. والثَّاني: له حدٌّ، ثمَّ اختلفوا فيه على وجهين، أحدهما: أنَّه ستُّون سنةً، قاله أبو العباس بن القاصّ والشَّيخ أبو حامد. والثَّاني: اثنان وستُّون سنةً، قاله الشَّيخ أبو إسحاق في «المهذَّب» وابن الصباغ في «الشَّامل» (١). وأما أصحاب أبي حنيفة (٢) ... وأمَّا أصحاب مالك فلم يحدُّوا سنَّ الإياس بحدٍّ البتَّةَ. وقال آخرون منهم شيخ الإسلام ابن تيميَّة: اليأس يختلف باختلاف النِّساء، وليس له حدٌّ يتَّفق فيه النِّساء. والمراد بالآية أنَّ يأس كلِّ امرأةٍ من نفسها؛ لأنَّ اليأس ضدُّ الرَّجاء، فإذا كانت المرأة قد يئست من الحيض ولم تَرْجُه فهي آيسةٌ وإن كان لها أربعون أو نحوها، وغيرُها لا تيأسُ منه وإن كان لها خمسون.

стр. 3750

وقد ذكر الزُّبير بن بكَّارٍ (١): أنَّ بعضهم قال: لا تَلِدُ لخمسين سنةً إلا عربيَّةٌ (٢)، ولا تلد لستِّين إلا قرشيَّةٌ، وقال: إنَّ هند بنت أبي عبيدة بن عبد الله بن ربيعة (٣) ولدتْ موسى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب ولها ستُّون سنةً. وقد صحَّ عن عمر بن الخطَّاب في امرأةٍ طلِّقت فحاضت حيضةً أو حيضتين، ثمَّ يرتفع حيضها لا تدري ما رفعه: أنَّها تَربَّصُ تسعة أشهرٍ، فإن استبان بها حملٌ وإلَّا اعتدَّت ثلاثة أشهرٍ (٤). وقد وافقه الأكثرون على هذا، منهم مالك وأحمد والشَّافعيُّ في القديم، قالوا: تتربَّص غالبَ مدَّة الحمل، ثمَّ تعتدُّ عدَّةَ الآيسة، ثمَّ تحلُّ للأزواج ولو كانت بنتَ ثلاثين سنةً أو أربعين. وهذا يقتضي أنَّ عمر بن الخطَّاب ﵁ ومن وافقه من السَّلف والخلف تكون المرأة آيسةً عندهم قبل الخمسين وقبل الأربعين، وأنَّ اليأس عندهم ليس وقتًا محدودًا للنِّساء، بل مثلُ هذه تكون آيسةً وإن كانت بنت ثلاثين، وغيرُها لا تكون آيسةً وإن بلغت خمسين. وإذا كانوا فيمن ارتفع حيضُها ولا تدري ما رفَعَه جعلوها آيسةً بعد تسعة

стр. 3751

أشهرٍ، فالَّتي تدري ما رفعَه ــ إمَّا بدواءٍ يُعلَم أنَّه لا يعود معه، وإمَّا بعادةٍ مستقراةٍ لها من أهلها وأقاربها ــ أولى أن تكون آيسةً وإن لم تبلغ الخمسين، وهذا بخلاف ما إذا ارتفع لمرضٍ أو رضاعٍ أو حملٍ، فإنَّ هذه ليست آيسةً، فإنَّ ذلك يزول. فالمراتب ثلاثةٌ، إحداها: أن يرتفع ليأسٍ (١) معلومٍ متيقَّنٍ، بأن ينقطع عامًا بعد عامٍ، ويتكرَّر انقطاعه أعوامًا متتابعةً، ثمَّ تُطلَّق بعد ذلك، فهذه تتربَّصُ ثلاثة أشهرٍ بنصِّ القرآن، سواءٌ كانت بنتَ أربعين أو أقلَّ أو أكثر. وهي أولى بتربُّصِ ثلاثة أشهرٍ من الَّتي حكم فيها الصَّحابة والجمهور بتربُّصها تسعةَ أشهرٍ ثمَّ ثلاثةً، فإنَّ تلك كانت تحيض وطُلِّقت وهي حائضٌ، ثمَّ ارتفع حيضها بعد طلاقها لا تدري ما رفَعَه، فإذا حُكِمَ فيها بحكم الآيسات بعد انقضاء غالب مدَّة الحمل فكيف بهذه؟ ولهذا قال القاضي إسماعيل في «أحكام القرآن» (٢): إذا كان الله سبحانه قد ذكر اليأس مع الرِّيبة فقال تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤]، ثمَّ جاء عن عمر بن الخطَّاب لفظٌ موافقٌ لظاهر القرآن لأنَّه قال: أيُّما امرأةٍ طُلِّقت فحاضتْ حيضةً أو حيضتين، ثمَّ رُفِعَتْ حيضتها (٣) لا تدري ما رفعها، فإنَّها تنتظر تسعة أشهرٍ، ثمَّ تعتدُّ ثلاثة أشهرٍ (٤). فلمَّا كانت لا تدري ما الذي رفع الحيضة كان موضع

стр. 3752

الارتياب، فحُكِم فيها بهذا الحكم، وكان اتِّباع ذلك ألزمَ وأولى من قول من يقول: إنَّ الرَّجل يطلِّق امرأته تطليقةً أو تطليقتين فيرتفع حيضها وهي شابَّةٌ، أنَّها تبقى ثلاثين سنةً معتدَّةً، وإن جاءت بولدٍ لأكثر من سنتين لم يلزمه. فخالف ما كان من إجماع المسلمين الذين مَضَوا، لأنَّهم كانوا مُجمِعين على أنَّ الولد يُلحَق بالأب ما دامت المرأة في عدَّتها، فكيف يجوز أن يقول قائلٌ: إنَّ الرَّجل يُطلِّق امرأته تطليقةً أو تطليقتين، ويكون بينها وبين زوجها أحكامُ الزّوجات ما دامت في عدَّتها من الموارثة وغيرها؟ فإن جاءت بولدٍ لم يلحقه، وظاهرُ عدَّةِ الطَّلاق أنَّها جعلت من الدُّخول الذي يكون منه الولد، فكيف تكون المرأة معتدَّةً والولد لا يلزم؟ قلت: هذا إلزامٌ منه (١) لأبي حنيفة، فإنَّ عنده أقصى مدَّة الحمل سنتان، والمرتابة في أثناء عدَّتها لا تزال في عدَّةٍ حتَّى تبلغ سنَّ الإياس فتعتدَّ (٢) به، وهو يلزم الشَّافعيَّ في قوله الجديد سواءً، إلا أنَّ مدَّة الحمل عنده أربع سنين، فإذا جاءت به بعدها لم يلحقه وهي في عدَّتها منه. قال القاضي إسماعيل: واليأس يكون بعضه أكثرَ من بعضٍ، وكذلك القنوط، وكذلك الرَّجاء، وكذلك الظَّنُّ، ومثل هذا يتبع (٣) الكلام فيه، فإذا قيل منه شيءٌ أُنزِل على قدر ما يظهر من المعنى فيه، فمن ذلك أنَّ الإنسان يقول: قد يئستُ من مريضي إذا كان الأغلب عنده أنَّه لا يَبْرأ، ويئستُ من غائبي إذا كان الأغلب عنده أنَّه لا يَقْدَم، ولو قال إذا مات غائبه أو مات مريضه: قد يئستُ منه،

стр. 3753

لكان الكلام عند النَّاس على غير وجهه، إلا أن يتبيَّن معنى ما قصد له في كلامه، مثل أن يقول: كنتُ وَجِلًا في مرضه مخافةَ أن يموت، فلمَّا مات وقع اليأس، فينصرف الكلام على هذا وما أشبهه. إلَّا أنَّ أكثر ما يُلفَظ باليأس إنَّما هو فيما يكون (١) الأغلب عند اليأس أنَّه لا يكون، وليس واحدٌ من اليائس والطَّامع يعلم يقينًا أنَّ ذلك الشَّيء يكون أو لا يكون. وقال تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور: ٦٠]، والرَّجاء ضدُّ اليأس، والقاعدة من النِّساء قد يُمكِن أن تُزَوَّج، غير أنَّ الأغلب عند النَّاس فيها أنَّ الأزواج لا يرغبون فيها. وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ [الشورى: ٢٨]، والقنوط شبه اليأس، وليس يعلمون يقينًا أنَّ المطر لا يكون، ولكنَّ اليأس دخلَهم حين تطاولَ إبطاؤه. وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يوسف: ١١٠]، فلمَّا ذكر أنَّ الرُّسل هم الذين استيأسوا كان فيه دليلٌ على أنَّهم دخل قلوبَهم يأسٌ من غير يقينٍ استيقنوه؛ لأنَّ اليقين في ذلك إنَّما يأتيهم من عند الله، كما قال في قصَّة نوحٍ: ﴿(٣٥) وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ﴾، ثم قال (٢): ﴿آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا﴾ [هود: ٣٦]، وقال تعالى في قصَّة إخوة يوسف: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ [يوسف: ٨٠]، فدلَّ الظَّاهر على أنَّ يأسهم ليس بيقينٍ.

стр. 3754

وقد حدَّثنا ابن أبي أُويسٍ، ثنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه أنَّ عمر بن الخطَّاب كان يقول في خطبته: تَعلَّمُنَّ أيُّها النَّاس أنَّ الطَّمع فقرٌ، وأنَّ اليأس غِنًى، وأنَّ المرء إذا يئس من شيءٍ استغنى عنه (١). فجعل عمر اليأس بإزاء الطَّمع. وسمعت أحمد بن المعذَّل (٢) ينشد شعرًا لرجلٍ من القدماء يصف ناقةً (٣): صَفْراء من تَلْدِ (٤) بني العبَّاس ... صيَّرتُها كالظَّبي في الكِنَاسِ تَدِرُّ أن تَسْمعَ بالإِبساسِ (٥) ... فالنَّفسُ بين طَمَعٍ وياس فجعل الطَّمع بإزاء اليأس. وحدَّثنا سليمان بن حربٍ، ثنا جرير بن حازمٍ، عن الأعمش، عن سلَّام بن (٦) شُرَحْبيل سمع حَبَّةَ بن خالد وسَواءَ بن خالد أنَّهما أَتَيا

стр. 3755

النَّبيَّ (١) ﷺ قالا: عَلِّمْنا أشياءَ، ثمَّ قال: «لا تَيْأَسا من الخيرِ ما تَهَزْهزتْ (٢) رُؤوسُكما، فإنَّ كلَّ عبدٍ يُولَد أحمرَ ليس عليه قِشْرةٌ، ثمَّ يرزقه الله ويعطيه» (٣). وحدَّثنا علي بن عبد الله، حدَّثنا ابن عيينة قال: قال هشام بن عبد الملك لأبي حازم: يا أبا حازم، ما مالك؟ قال: خيرُ مالٍ، ثقتي بالله ويَأْسي ممَّا في أيدي النَّاس (٤). قال: وهذا أكثر من أن يُحصى. انتهى (٥). قال شيخنا (٦): وليس للنِّساء في ذلك عادةٌ مستمرَّةٌ، بل فيهنَّ من لا

стр. 3756

تحيض وإن بلغت، وفيهنَّ من تحيض حيضًا يسيرًا يتباعد ما بين أقرائها حتَّى تحيض في السَّنة مرَّةً، ولهذا اتَّفق العلماء على أنَّ أكثر الطُّهر بين الحيضتين لا حدَّ له. وغالب النِّساءَ يَحِضْنَ كلَّ شهرٍ مرَّةً، ويَحِضنَ ربع الشَّهر، ويكون طهرهنَّ ثلاثةَ أرباعه، ومنهنَّ من تطهر الشُّهورَ المتعدِّدةَ لقلَّة رطوبتها، ومنهنَّ من يُسرِع إليها الجفافُ فينقطع حيضها وتيأسُ منه، وإن كان لها دون الخمسين بل والأربعين، ومنهنَّ من لا يُسرِع إليها الجفافُ فتجاوزُ الخمسين وهي تحيض. قال: وليس في الكتاب ولا السُّنَّة تحديدُ اليأس بوقتٍ، ولو كان المراد بـ (اللائي يئسن من المحيض) من لها خمسون سنةً أو ستُّون أو غير ذلك لقيل: واللَّائي يبلغن من السِّنِّ كذا وكذا، ولم يقل: يئسنَ. وأيضًا فقد ثبت عن الصَّحابة أنَّهم جعلوا من ارتفع حيضها قبل ذلك يائسةً كما تقدَّم، والوجود مختلفٌ في وقت يأسهنَّ غيرُ متَّفقٍ. وأيضًا فإنَّه سبحانه قال: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ﴾ [الطلاق: ٤]، ولو كان له وقتٌ محدَّد لكانت المرأة وغيرها سواءً في معرفة يأسها، وهو سبحانه قد خصَّ النِّساء بأنَّهنَّ من اللَّائي يئسنَ، كما خصَّهنَّ بقوله: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]، فالَّتي تحيض هي الَّتي تيأس. وهذا بخلاف الارتياب، فإنَّه سبحانه قال: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾، ولم يقل: «إن ارتَبْن»، أي إن ارتبتم في حكمهنَّ وشككتم فيه فهو. هذا (١) الذي عليه جماعة أهل التَّفسير، كما روى ابن أبي حاتمٍ في

стр. 3757

«تفسيره» (١) من حديث جرير وموسى بن أعين واللَّفظ له، عن مُطرِّف بن طَريفٍ، عن عمر بن سالم، عن أبيِّ بن كعبٍ قال: قلت: يا رسول الله، إنَّ ناسًا بالمدينة يقولون في عِدَد النِّساء ما لم يذكر الله في القرآن، الصِّغار والكبار وأولات الأحمال، فأنزل الله سبحانه في هذه السُّورة: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]. فأجلُ إحداهنَّ أن تضع حملها، فإذا وضعت فقد قضتْ عدَّتها. ولفظ جرير: قلت: يا رسول الله، إنَّ ناسًا من أهل المدينة لمَّا نزلت هذه الآية الَّتي في البقرة في عدَّة النِّساء قالوا: لقد بقي مِن عدَّة النِّساء عِدَدٌ لم يُذكَرن في القرآن، الصِّغار والكبار الَّتي قد انقطع عنها الحيض وذوات الحمل، قال: فأُنزِلت الَّتي في النِّساء القصرى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ فالتي قد يئستْ ثلاثة أشهر (٢).

стр. 3758

ثمَّ روى عن سعيد بن جبيرٍ في قوله: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾، يعني بالآيسة العجوز الَّتي لا تحيض، أو المرأة الَّتي قد قعدت في (١) الحيضة، فليست هذه من القرء في شيءٍ. وفي قوله: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ يعني في الآيسة (٢)، يعني: إن شككتم فعدَّتهنَّ ثلاثة أشهرٍ. وعن مجاهد: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ لم تعلموا عدَّة الَّتي قعدتْ عن الحيض أو الَّتي لم تحِضْ ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ (٣). فقوله تعالى: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ يعني: إن سألتم عن حكمهنَّ ولم تعلموا حكمهنَّ وشككتم فيه فقد بيَّنَّاه لكم، فهو بيانٌ لنعمته على من طلب عليه ذلك ليزول ما عنده من الشَّكِّ والرَّيب، بخلاف المعرِض عن طلب العلم. وأيضًا فإنَّ النِّساء لا يستوين في ابتداء الحيض، بل منهنَّ من تحيض لعشرٍ، أو اثنتي عشرة، أو خمس عشرة، أو أكثر من ذلك، فكذلك لا يستوين في آخر سنِّ الحيض الذي هو سنُّ اليأس، والوجود شاهدٌ بذلك. وأيضًا فإنَّهم تنازعوا فيمن بلغتْ ولم تَحِضْ، هل تعتدُّ بثلاثة أشهرٍ أو بالحول كالَّتي ارتفع حيضها لا تدري ما رفَعه؟ وفيه روايتان عن أحمد.

стр. 3759

قلت: والجمهور على أنَّها تعتدُّ بثلاثة أشهرٍ، ولم يجعلوا للصِّغر (١) الموجب للاعتداد بها حدًّا، فكذلك يجب أن لا يكون للكبر الموجب للاعتداد بالشُّهور حدًّا (٢)، وهذا ظاهرٌ وللَّه الحمد. فصل وأمَّا عدَّة الوفاة فتجب بالموت، سواءٌ دخل بها أو لم يدخل، اتِّفاقًا كما دلَّ عليه عموم القرآن والسُّنَّة، واتَّفقوا على أنَّهما يتوارثان قبل الدُّخول، وعلى أنَّ الصَّداق يستقرُّ إذا كان مسمًّى؛ لأنَّ الموت لمَّا كان انتهاء العقد وانقضاءَه (٣) استقرَّت به الأحكام، فتوارثَا واستقرَّ المهر ووجبت العدَّة. واختلفوا في مسألتين: إحداهما: وجوب مهر المثل إذا لم يكن مسمًّى، فأوجبه أحمد وأبو حنيفة والشَّافعيُّ في أحد قوليه، ولم يوجبه مالك والشَّافعيُّ في القول الآخر، وقضى بوجوبه رسول الله ﷺ كما جاء في السُّنَّة الصَّحيحة الصَّريحة من حديث بَرْوَع بنت واشق، وقد تقدَّم (٤). ولو لم تَرِدْ به السُّنَّة لكان هو محض القياس؛ لأنَّ العرف (٥) أُجري مُجرى الدُّخول في تقرير المسمَّى ووجوبِ العدَّة.

стр. 3760

والمسألة الثَّانية: هل يثبت تحريم الرَّبيبة بموت الأمِّ كما يثبت بالدُّخول بها؟ وفيه قولان للصَّحابة، وهما روايتان عن أحمد. والمقصود أنَّ العدَّة فيه ليست للعلم ببراءة الرَّحم، فإنَّها تجب قبل الدُّخول، بخلاف عدَّة الطَّلاق. وقد اضطرب النَّاس في حِكمة عدَّة الوفاة وغيرها: فقيل: هي لبراءة الرَّحم، وأُورِد على هذا القول وجوهٌ كثيرةٌ، منها: وجوبها قبل الدُّخول في الوفاة، ومنها: أنَّها ثلاثة قروءٍ وبراءة الرَّحم يكفي فيها حيضةٌ كما في المستبرأة (١)، ومنها: وجوب ثلاثة أشهرٍ في حقِّ من يقطع ببراءة رحمها لصغرها أو كبرها. ومن النَّاس من يقول: هو تعبُّد لا يُعقَل معناه، وهذا فاسدٌ لوجهين: أحدهما: أنَّه ليس في الشَّريعة حكمٌ إلا وله حكمةٌ، وإن لم يعقلها كثيرٌ من النَّاس أو أكثرهم. الثَّاني: أنَّ العِدَد ليست من العبادات المحضة، بل فيها من المصالح رعايةُ حقِّ الزَّوجين والولد والنَّاكح. قال شيخنا (٢): والصَّواب أن يقال: أمَّا عدَّة الوفاة فهي حرمٌ لانقضاء النِّكاح ورعايةٌ لحقِّ الزَّوج، ولهذا تُحِدُّ المتوفَّى عنها زوجُها (٣) في عدَّة الوفاة رعايةً لحقِّ الزَّوج، فجُعِلت العدَّة حريمًا لحقِّ هذا العقد الذي له خَطَرٌ

стр. 3761

وشأنٌ، فيحصل فصلٌ بهذه بين نكاح الأوَّل ونكاح الثَّاني، ولا يتَّصل النَّاكحان. ألا ترى أنَّ رسول الله ﷺ لمَّا عظُمَ حقُّه حُرِّم نساؤه بعده، وهذا اختصَّ به الرَّسول؛ لأنَّ أزواجه في الدُّنيا هنَّ أزواجه في الآخرة، بخلاف غيره، فإنَّه لو حَرُمَ على المرأة أن تتزوَّج بغير زوجها تضرَّرت المتوفَّى عنها، وربَّما كان الثَّاني خيرًا لها من الأوَّل، ولكن لو تأيَّمتْ على أولاد الأوَّل لكانت محمودةً على ذلك مستحبًّا (١) لها، في الحديث: «أنا وامرأةٌ سَفْعَاء الخدَّينِ كهاتين يومَ القيامة ــ وأومأ بالوسطى والسَّبَّابة ــ امرأةٌ آمَتْ من زوجها ذاتُ منصبٍ وجمالٍ، وحبستْ نفسَها على يتامى لها، حتَّى بانوا أو ماتوا» (٢). وإذا كان المقتضي لتحريمها قائمًا فلا أقلَّ من مدَّةٍ تتربَّصُها، وقد كانت في الجاهليَّة تتربَّص سنةً، فخفَّفها الله سبحانه بأربعة أشهرٍ وعشرًا (٣). وقيل لسعيد بن المسيَّب: ما بال العشر؟ قال: فيها يُنفَخ الرُّوح (٤). فيحصل بهذه المدَّة براءة الرَّحم حيث يُحتاج إليه، وقضاء حقِّ الزَّوج إذا لم يُحتَج إلى ذلك.

стр. 3762

فصل وأمَّا عدَّة الطَّلاق فهي الَّتي أشكلَتْ، فإنَّه لا يمكن تعليلُها بذلك، لأنَّها إنَّما تجب بعد المسيس، ولأنَّ الطَّلاق قطعٌ للنِّكاح، ولهذا يتنصَّف فيه المسمَّى ويسقط فيه مهر المثل. فيقال ــ والله الموفِّق للصَّواب ــ: عدَّة الطَّلاق وجبت ليتمكَّن الزَّوج فيها من الرَّجعة، ففيها حقٌّ للزَّوج وحقٌّ لله وحقٌّ للولد وحقٌّ للنَّاكح الثَّاني: فحقُّ الزَّوج ليتمكَّن من الرَّجعة في العدَّة. وحقُّ الله بوجوب ملازمتها المنزلَ كما نصَّ عليه سبحانه، وهو منصوص أحمد ومذهب أبي حنيفة. وحقُّ الولد لئلَّا يضيع نسبه، ولا يُدرى لأيِّ الواطئينِ. وحقُّ المرأة لِما لها من النَّفقة زمنَ العدَّة، لكونها زوجةً ترِثُ وتُورَث. ويدلُّ على أنَّ العدَّة حقٌّ للزَّوج قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]، فقوله: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ﴾ دليلٌ على أنَّ العدَّة للرَّجل على المرأة. وأيضًا فإنَّه سبحانه قال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فجعل الزَّوج أحقَّ بردِّها في العدَّة، وهذا حقٌّ له. فإذا كانت العدَّة ثلاثةَ قروءٍ أو ثلاثةَ أشهرٍ طالت مدَّة التَّربُّص، لينظر في أمره هل يُمسِكها أو يُسرِّحها، كما جعل سبحانه للمُؤلِي تربُّص أربعة أشهرٍ لينظر في أمره هل يُمسِك ويفيء أو يُطلِّق، فكان تخيير المطلِّق كتخيير المُؤلي، لكنَّ المُؤلي جعل له أربعة أشهرٍ كما جعل مدَّة التَّسيير أربعة أشهرٍ لينظروا في أمرهم.

стр. 3763

وممَّا يُبيِّن ذلك أنَّه سبحانه قال: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، وبلوغ الأجل هو الوصول والانتهاء إليه، وبلوغ الأجل في هذه الآية مجاوزته، وفي قوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] مقاربته ومشارفته، ثمَّ فيه قولان: أحدهما: أنَّه حدٌّ من الزَّمان، وهو الطَّعن في الحيضة الثَّالثة، أو انقطاع الدَّم منها أو من الرَّابعة، وعلى هذا فلا يكون مقدورًا لها. وقيل: بل هو فعلها، وهو الاغتسال كما قاله جمهور الصَّحابة، وهذا كما أنَّه بالاغتسال يحلُّ للزَّوج وطؤها، ويحلُّ لها أن تُمكِّنه من نفسها، فالاغتسال عندهم شرطٌ في النِّكاح الذي هو العقد، وفي النِّكاح الذي هو الوطء. وللنَّاس في ذلك أربعة أقوالٍ: أحدها: أنَّه ليس شرطًا، لا في هذا ولا في هذا، كما يقوله من يقوله من أهل الظَّاهر. والثَّاني: أنَّه شرطٌ فيهما، كما قاله أحمد وجمهور الصَّحابة، كما تقدَّم حكايته عنهم. والثَّالث: أنَّه شرطٌ في نكاح الوطء لا في نكاح العقد، كما قاله مالك والشَّافعيُّ. والرَّابع: أنَّه شرطٌ فيهما، أو ما يقوم مقامه، وهو الحكم بالطُّهر بمضيِّ وقت صلاةٍ وانقطاعه لأكثره كما يقوله أبو حنيفة.

стр. 3764

فإذا ارتجعها قبل غسلها كان غسلها لأجل وطئه لها، وإلَّا كان لأجل حلِّها لغيره، وبالاغتسال يتحقَّق كمال الحيض وتمامه كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. والله سبحانه أمرها أن تتربَّص ثلاثة قروءٍ، فإذا مضت الثَّلاثة فقد بلغت أجلها، وهو سبحانه لم يقل: إنَّها عقيبَ القرء (١) تَبِين من الزَّوج، بل (٢) خيَّر الزَّوج عند بلوغ الأجل بين الإمساك والتَّسريح. فظاهر القرآن كما فهمه الصَّحابة أنَّه عند انقضاء القروء الثَّلاثة يُخيَّر الزَّوج بين الإمساك بالمعروف والتَّسريح بإحسان، وعلى هذا فيكون بلوغ الأجل في القرآن واحدًا لا يكون قسمين، بل يكون استيفاء المدَّة واستكمالها. وهذا كقوله تعالى إخبارًا عن أهل النَّار: ﴿وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾ [الأنعام: ١٢٨]، وقوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٤]. وإنَّما حملَ من قال إنَّ بلوغ الأجل هو مقارنته أنَّها بعد أن تحلَّ للخُطَّاب لا يبقى الزَّوج أحقَّ برجعتها، وإنَّما يكون أحقَّ بها ما لم تحلَّ لغيره، فإذا حلَّ لغيره أن يتزوَّج بها صار هو خاطبًا من الخطَّاب. ومنشأ هذا ظنُّ أنَّها ببلوغ الأجل تحلُّ لغيره، والقرآن لم يدلَّ على هذا، بل القرآن جعل عليها أن تتربَّص ثلاثة قروءٍ، وذكر أنَّها إذا بلغت أجلَها فإمَّا أن تُمسَك بمعروفٍ وإمَّا أن تُسرَّح بإحسانٍ. وقد ذكر سبحانه قبلَ هذا الإمساكَ والتَّسريحَ عقيبَ الطَّلاق فقال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ

стр. 3765

بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ثمَّ قال: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، وهذا هو تزوُّجها بزوجها الأوَّل المطلِّق الذي كان أحقَّ بها، فالنَّهي عن عَضْلهنَّ مؤكِّدٌ لحقِّ الزَّوج. وليس في القرآن أنه (١) بعد بلوغ الأجل تحلُّ (٢) للخُطَّاب، بل فيه أنَّه في هذه الحال إمَّا أن يُمسِك بمعروفٍ أو يُسرِّح بإحسانٍ، فإن سَرَّح بإحسانٍ حلَّت حينئذٍ للخُطَّاب. وعلى هذا فدلالة القرآن بيِّنةٌ أنَّها إذا بلغت أجلها ــ وهو انقضاء ثلاثة قروءٍ بانقطاع الدَّم ــ فإمَّا أن يُمسِكها قبل أن تغتسل فتغتسل عنده، وإمَّا أن يُسرِّحها فتغتسل وتنكح من شاءت. وبهذا يُعرَف قدرُ فهم الصَّحابة ﵃، وأنَّ مَن بعدهم إنَّما يكون غاية اجتهاده أن يفهم ما فهموه ويَعرِف ما قالوه. فإن قيل: فإذا كان له أن يرتجعها في جميع هذه المدَّة ما لم تغتسل، فلِمَ قُيِّد التَّخييرُ ببلوغ الأجل؟ قيل: ليتبيَّن أنَّها في مدَّة العدَّة كانت متربِّصةً لأجل حقِّ الزَّوج، والتَّربُّص الانتظار، فكانت منتظرةً هل يُمسِكها أو يسرِّحها؟ وهذا التَّخيير ثابتٌ له من أوَّل المدَّة إلى آخرها، كما خُيِّر المُؤلي بين الفيئة وعدم الطَّلاق، وهنا لمَّا خيَّره عند بلوغ الأجل كان تخييره قبله أولى وأحرى، لكنَّ التَّسريح بإحسانٍ إنَّما يمكن إذا بلغت الأجل، وقبل ذلك هي في العدَّة. وقد قيل: إنَّ تسريحها بإحسانٍ مؤثِّرٌ فيها حين تنقضي العدَّة، ولكن

стр. 3766

ظاهر القرآن يدلُّ على خلاف ذلك، فإنَّه سبحانه جعل التَّسريح بإحسانٍ عند بلوغ الأجل، ومعلومٌ أنَّ هذا التَّرك ثابتٌ من أوَّل المدَّة، فالصَّواب أنَّ التَّسريح إرسالُها إلى أهلها بعد بلوغ الأجل ورفعُ يدِه عنها، فإنَّه كان يملك حبْسَها مدَّةَ العدَّة، فإذا بلغتْ أجلَها فحينئذٍ إن أمسكها كان له حبْسُها، وإن لم يمسكها كان عليه أن يسرِّحها بإحسانٍ. ويدلُّ على هذا قوله تعالى في المطلَّقة قبل المسيس: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩]، فأمر بالسَّراح الجميل ولا عدَّة، فعُلِم أنّه تخلية سبيلها وإرسالُها، كما يقال: سرَّح الماءَ والنَّاقةَ إذا [مَكَّنها] (١) من الذَّهاب، وبهذا الإطلاق والسَّراح يكون قد تمَّ تطليقُها وتخليتُها، وقبل ذلك لم يكن الإطلاق تامًّا، وقبل ذلك كان له أن يُمسِكها وأن يُسرِّحها، وكان مع كونه مطلِّقًا قد جُعِلَ أحقَّ بها من غيره مدَّةَ التَّربُّص، وجُعِلَ التَّربُّص ثلاثة قروءٍ لأجله. ويؤيِّد هذا أشياء: أحدها: أنَّ الشَّارع جعل عدَّة المختلعة حيضةً كما ثبتت به السُّنَّة، وأقرَّ به عثمان بن عفَّان وابن عبَّاسٍ وابن عمر (٢)، وحكاه أبو جعفرٍ النَّحَّاس في «ناسخه ومنسوخه» (٣) إجماع الصَّحابة، وهو مذهب إسحاق وأحمد بن حنبلٍ في أصحِّ الرِّوايتين عنه دليلًا، كما سيأتي تقرير المسألة عن قربٍ إن شاء الله. فلمَّا لم يكن

стр. 3767

على المختلعة رجعةٌ لم يكن عليها عدَّةٌ، بل استبراءٌ (١) بحيضةٍ، لأنَّها لمَّا افتدتْ منه وبانتْ ملكتْ نفسَها، فلم يكن أحقَّ بإمساكها، فلا معنى لتطويل العدَّة عليها، بل المقصود العلم ببراءة رحمها، فيكفي فيه مجرَّد الاستبراء. الثَّاني: أنَّ المهاجرة من دار الحرب قد جاءت السُّنَّة بأنَّها إنَّما تُستبرأ بحيضةٍ ثمَّ تُزوَّج، كما سيأتي. الثَّالث: أنَّ الله سبحانه لم يشرع لها طلاقًا بائنًا بعد الدُّخول إلا الثَّالثة، وكلُّ طلاقٍ في القرآن سواها فرجعيٌّ، وهو سبحانه إنَّما ذكر القروء الثَّلاثة في هذا الطَّلاق الذي شرعه لهذه الحكمة (٢). وأمَّا المفتدية فليس افتداؤها طلاقًا، بل خلعًا غيرَ محسوبٍ من الثَّلاث، والمشروع فيه حيضةٌ. فإن قيل: فهذا ينتقض عليكم بصورتين: إحداهما: بمن استوفتْ عددَ طلاقها، فإنَّها تعتدُّ ثلاثة قروءٍ، ولا يتمكَّن زوجها من رجعتها. الثَّانية: بالمُخيَّرة إذا عتقتْ تحت حرٍّ أو عبدٍ، فإنَّ عدَّتها ثلاثة قروءٍ بالسُّنَّة، كما في «السُّنن» (٣) من حديث عائشة: «أُمِرَتْ بَريرةُ أن تعتدَّ عدَّة الحرَّة»، وفي «سنن ابن ماجه» (٤): «أُمِرتْ أن تعتدَّ ثلاثَ حِيَضٍ». ولا رجعةَ لزوجها عليها. فالجواب: أنَّ الطَّلاق المحرِّم للزَّوجة لم يجب فيه التَّربُّص لأجل

стр. 3768

رجعة الزَّوج، بل جُعِل حريمًا للنِّكاح وعقوبةً للزَّوج بتطويل مدَّة تحريمها عليه، فإنَّه لو سُوِّغ لها أن تتزوَّج بعد مجرَّد الاستبراء بحيضةٍ أمكنَ أن يتزوَّجها الثَّاني ويُطلِّقها بسرعةٍ، إمَّا على قصد التَّحليل أو بدونه، فكان تيسيرُ عَوْدها إلى المطلِّق، والشَّارع حرَّمها عليه بعد الثَّالثة عقوبةً له؛ لأنَّ الطَّلاق أبغض الحلال إلى الله، وإنَّما أباح منه قدر الحاجة، وهو الثَّلاث، وحرَّم المرأة بعد الثَّالثة حتَّى تنكح زوجًا غيره. وكان من تمام الحكمة أنَّها لا تنكح حتَّى تتربَّصَ ثلاثة قروءٍ، وهذا لا ضررَ عليها به، فإنَّها في كلِّ مرَّةٍ من الطَّلاق لا تنكح حتَّى تتربَّص ثلاثة قروءٍ، فكان التَّربُّص هناك نظرًا في مصلحته لمَّا لم يوقع الثَّلاث المحرِّمة، وهنا التَّربُّص بالثَّلاث من تمام عقوبته، فإنَّه عوقب بثلاثة أشياء: أن حُرِّمت عليه حبيبتُه، وجُعِل تربُّصها ثلاثةَ قروءٍ، ولم يجز أن تعود إليه حتَّى يحظى (١) بها غيرُه حُظوةَ الزَّوج الرَّاغب بزوجته المرغوب فيها، وفي كلٍّ من ذلك عقوبةٌ مؤلمةٌ على إيقاع البغيض إلى الله المكروه له. فإذا علم بعد الثَّالثة: لا تحلُّ له إلا بعد تربُّصٍ وتزوُّجٍ بزوجٍ آخر، وأنَّ الأمر بيد ذلك الزَّوج، ولا بدَّ أن تذوقَ عُسَيلتَه ويذوقَ عُسيلتَها= علمَ أنَّ المقصود أن ييأسَ منها، فلا تعودُ إليه لا باختياره ولا باختيارها (٢)، ومعلومٌ أنَّ الزَّوج الثَّاني إذا كان قد نكح نكاحَ رغبةٍ ــ وهو النِّكاح الذي شرعه الله لعباده، وجعله سببًا لمصالحهم في المعاش والمعاد، وسببًا لحصول الرَّحمة

стр. 3769

والوِداد ــ فإنَّه لا يُطلِّقها لأجل الأوَّل، بل يُمسِك امرأته، فلا يصير لأحدٍ من النَّاس اختيارٌ (١) في عَودِها إليه، فإذا اتَّفق فراقُ الثَّاني لها بموتٍ أو طلاقٍ كما يفترق الزَّوجان اللَّذان هما زوجان، أُبيح للمطلِّق الأوَّل نكاحُها كما يُباح للرَّجل نكاحُ مطلَّقةِ الرَّجل ابتداءً. وهذا أمرٌ لم يحرِّمه الله سبحانه في الشَّريعة الكاملة المهيمنة على جميع الشَّرائع، بخلاف الشَّريعتين قبلَنا، فإنَّه في شريعة التَّوراة قد قيل: إنَّها متى تزوَّجتْ بزوجٍ آخر لم تحلَّ للأوَّل أبدًا. وفي شريعة الإنجيل قد قيل: إنَّه ليس له أن يُطلِّقها البتَّة. فجاءت هذه الشَّريعة الكاملة الفاضلة على أكمل الوجوه وأحسنها وأصلحها للخلق. ولهذا لمَّا كان التَّحليل مباينًا للشَّرائع كلِّها وللعقل والفطرة، ثبت عن النَّبيِّ ﷺ لعنُ المحلِّلِ والمحلَّلِ له (٢). ولعنُه ﷺ لهما إمَّا خبرٌ عن الله بوقوع لعنته عليهما، أو دعاءٌ عليهما باللَّعنة، وهذا يدلُّ على تحريمه وأنَّه من الكبائر. والمقصود أنَّ إيجاب القروء الثَّلاثة في هذا الطَّلاق من تمام تأكيد تحريمها على الأوَّل، على أنَّه ليس في المسألة إجماعٌ، فذهب ابن اللبَّان الفَرَضي صاحب «الإيجاز» وغيره إلى أنَّ المطلَّقة ثلاثًا ليس عليها غيرُ استبراءٍ بحيضةٍ، ذكره عنه أبو الحسين بن القاضي أبي يعلى فقال (٣): مسألةٌ: إذا طلَّق الرَّجل امرأته ثلاثًا بعد الدُّخول، فعدَّتها ثلاثة أقراءٍ إن كانت من ذوات الأقراء، وقال ابن اللبَّان: عليها الاستبراء بحيضةٍ. دليلنا قوله تعالى:

стр. 3770

﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. ولم يقف شيخ الإسلام على هذا القول، وعلَّق تسويغه على ثبوت الخلاف فقال (١): إن كان فيه نزاعٌ كان القول بأنَّه ليس عليها ولا على المُعتَقة المخيَّرة إلا الاستبراء قولًا متوجِّهًا. ثمَّ قال: ولازم هذا القول أنَّ الآيسة لا تحتاج إلى عدَّةٍ بعد الطَّلقة الثَّالثة. قال: وهذا لا نعلم أحدًا قاله. قد ذكر الخلاف أبو الحسين فقال: مسألةٌ: إذا طلَّق الرَّجل زوجته ثلاثًا وكانت ممَّن لا تحيض لصغرٍ أو هرمٍ، فعدَّتها ثلاثة أشهرٍ، خلافًا لابن اللبّان أن لا عدَّة عليها. دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]. قال شيخنا: وإذا مضت السُّنَّة بأنَّ على هذه ثلاثةَ أقراءٍ لم يجزْ مخالفتها ولو لم يُجمَع عليها، فكيف إذا كان مع السُّنَّة إجماعٌ؟ قال: وقوله ﷺ لفاطمة بنت قيس: «اعتدِّي» (٢) قد فهم منه العلماء أنَّها تعتدُّ ثلاثة قروءٍ، فإنَّ مع (٣) الاستبراء قد تُسمَّى عدَّةً. قلت: كما في حديث أبي سعيد في سبايا أَوطاسٍ (٤) أنَّه فسَّر قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٤] بالسَّبايا، ثمَّ قال: «أي (٥) فهنَّ لكم

стр. 3771

حلالٌ إذا انقضتْ عدَّتهنَّ»، فجعل الاستبراء عدَّةً. قال: فأمَّا حديث عائشة: أُمِرَتْ بَريرةُ أن تعتدَّ ثلاث حيضٍ (١) فحديثٌ منكرٌ؛ فإنَّ مذهب عائشة أنَّ الأقراء الأطهار. قلت: ومن جعل عدَّة المختلعة حيضةً فبطريق الأولى تكون عدَّة الفسوخ كلِّها عنده حيضةً؛ لأنَّ الخلع الذي هو شقيقُ الطَّلاق وأشبهُ به لا يجب فيه الاعتداد عنده بثلاثة قروءٍ، فالفسخ أولى وأحرى من وجوهٍ: أحدها: أنَّ كثيرًا من الفقهاء يجعل الخلع طلاقًا ينقص به عدده، بخلاف الفسخ لرضاعٍ ونحوه. الثَّاني: أنَّ أبا ثورٍ ومن وافقه يقولون: إنَّ الزَّوج إذا ردَّ العوض ورضيت المرأة بردِّه ورَجْعها فلهما ذلك، بخلاف الفسخ. الثَّالث: أنَّ الخلع يمكن فيه رجوع المرأة إلى زوجها في عدَّتها بعقدٍ جديدٍ، بخلاف الفسخ لرضاعٍ أو تجدُّدِ محرميَّةٍ (٢) حيث لا يمكن عودُها إليه، فهذه بطريق الأولى يكفيها استبراءٌ بحيضةٍ، ويكون المقصود مجرَّد العلم ببراءة رحمها، كالمَسْبِيَّة والمهاجرة والمختلعة والزَّانية على أصحِّ القولين فيهما دليلًا, وهما روايتان عن أحمد. فصل وممَّا يبيِّن الفرق بين عدَّة الرَّجعيَّة والبائن: أنَّ عدَّة الرَّجعيَّة لأجل

стр. 3772

الزَّوج، وللمرأة فيها النَّفقة والسُّكنى باتِّفاق المسلمين، ولكنَّ سكناها هل هو (١) كسكنى الزَّوجة فيجوز أن ينقلها المطلِّق حيث شاء, أم يتعيَّن عليها المنزل فلا تَخْرج ولا تُخْرَج؟ فيه قولان. وهذا الثَّاني هو المنصوص عن أحمد وأبي حنيفة، وعليه يدلُّ القرآن. والأوَّل قول الشَّافعيِّ وقول بعض أصحاب أحمد. والصَّواب ما جاء به القرآن، فإنَّ سكنى الرَّجعيَّة من جنس سكنى المتوفَّى عنها، ولو تراضيا بإسقاطها لم يجزْ، كما أنَّ العدَّة فيها كذلك، بخلاف البائن فإنَّها لا سكنى لها ولا عليها، فالزَّوج له أن يُخرِجها ولها أن تَخرج، كما قال النَّبيُّ ﷺ لفاطمة بنت قيس: «لا نفقةَ لكِ ولا سكنى» (٢). فأمَّا الرَّجعة فهل هي حقٌّ للزَّوج يملك إسقاطَها بأن يطلِّقها واحدةً بائنةً، أو هي حقٌّ لله فلا يملك إسقاطَها؟ ولو قال: أنت طالقٌ طلقةً بائنةً وقعت رجعيَّةً أم هي حقٌّ لهما؟ فإن تراضيا بالخلع بلا عوضٍ وقع طلاقًا بائنًا ولا رجعة فيه؟ فيه ثلاثة أقوالٍ: فالأوَّل: مذهب أبي حنيفة وإحدى الرِّوايات عن أحمد. والثَّاني: مذهب الشَّافعيِّ والرِّواية الثَّانية عن أحمد. والثَّالث: مذهب مالك والرِّواية الثَّالثة عن أحمد. والصَّواب أنَّ الرَّجعة حقٌّ لله تعالى، ليس لهما أن يتَّفقا على إسقاطها، وليس له أن يُطلِّق طلقةً بائنةً ولو رضيت الزَّوجة، كما أنَّه ليس لهما أن

стр. 3773

يتراضيا بفسخ النِّكاح بلا عوضٍ بالاتِّفاق. فإن قيل: فكيف يجوز الخلع بغير عوضٍ في أحد القولين في مذهب مالك وأحمد؟ وهل هذا إلا اتِّفاقٌ (١) من الزِّوجين على فسخ النِّكاح بغير عوضٍ؟ قيل: إنَّما يُجوِّز أحمد في إحدى الرِّوايتين الخلع بلا عوضٍ إذا كان طلاقًا، فأمَّا إذا كان فسخًا فلا يجوز بالاتِّفاق. قاله شيخنا ﵀. قال (٢): ولو جاز هذا لجاز أن يتَّفقا على أن يُبِيْنَها مرَّةً بعد مرَّةٍ من غير أن ينقص عدد الطَّلاق، ويكون الأمر إليهما إذا أرادا أن يجعلا الفرقة بين الثَّلاث جعلاها، وإن أرادا لم يجعلاها من الثَّلاث. ويلزم من هذا إذا قالت: فَادِني بلا طلاقٍ أن يُبِينها بلا طلاقٍ، ويكون مخيَّرًا إذا سألته إن شاء أن يجعله رجعيًّا وإن شاء أن يجعله بائنًا، وهذا ممتنعٌ، فإنَّ مضمونه أنَّه يخيَّر (٣) إن شاء أن يُحرِّمها بعد المرَّة الثَّالثة، وإن شاء لم يُحرِّمها، ويمتنع أن يُخيَّر الرَّجل بين أن يجعل الشَّيء حلالًا وأن يجعله حرامًا، ولكن إنَّما يُخيَّر بين أمرين مباحين له، وله أن يباشر أسباب الحلِّ وأسباب التَّحريم، وليس له إنشاء نفس التَّحليل والتَّحريم. والله سبحانه إنَّما شرع له الطَّلاق واحدةً بعد واحدةٍ، ولم يشرع له إيقاعه مرَّةً واحدةً، لئلَّا يندم، وتزول نزغةُ الشَّيطان الَّتي حملتْه على الطَّلاق،

стр. 3774

فتتبع نفسُه المرأةَ فلا يجد إليها سبيلًا. فلو ملَّكه الشَّارع أن يُطلِّقها طلقةً بائنةً ابتداءً لكان هذا المحذور بعينه موجودًا، والشَّريعة المشتملة على مصالح العباد تأبى ذلك، فإنَّه يبقى الأمر بيدها إن شاءت راجعته وإن شاءت فلا. والله سبحانه جعل الطَّلاق بيد الزَّوج لا بيد المرأة، رحمةً منه وإحسانًا ومراعاةً لمصلحة الزِّوجين. نعم، له أن يُملِّكها أمرَها باختياره، فيخيِّرها بين القيام معه وفراقها. وأمَّا أن يخرج الأمر عن يد الزَّوج بالكلِّيَّة إليها، فهذا لا يمكن، فليس له أن يُسقِط حقَّه من الرَّجعة، ولا يملك ذلك، فإنَّ الشَّارع إنَّما يُملِّك العبدَ ما ينفعه مِلْكُه ولا يتضرَّر به، ولهذا لم يُملِّكه أكثرَ من ثلاثٍ، ولا ملَّكه جمْعَ الثَّلاث، ولا ملَّكه الطَّلاقَ في زمن الحيض والطُّهر المُواقَع (١) فيه، ولا ملَّكه نكاحَ أكثر من أربعٍ، ولا ملَّك المرأةَ الطَّلاقَ، وقد نهى سبحانه الرِّجال أن يؤتوا السُّفهاء أموالهم الَّتي جعل الله لهم قيامًا، فكيف يجعلون أمر الأبضاع إليهنَّ في الطَّلاق والرَّجعة؟ فكما لا يكون الطَّلاق بيدها لا تكون الرَّجعة بيدها، فإن شاءت راجعتْه وإن شاءتْ فلا، فتبقى الرَّجعة موقوفةً على اختيارها. وإذا كان لا يملك الطَّلاق البائن فلا يملك الطَّلاق المحرِّم ابتداءً أولى وأحرى؛ لأنَّ النَّدم في الطَّلاق المحرِّم أقوى منه في البائن. فمن قال: إنَّه لا يملك الإبانة، ولو أتى بها لم تَبِنْ، كما هو قول فقهاء الحديث= لزمه أن يقول: إنَّه لا يملك الثَّلاث المحرِّمة ابتداءً بطريق الأولى والأحرى، وإنَّ له رجعتَها وإن أوقعها، كما له (٢) رجعتُها وإن قال: أنت طالقٌ واحدةً بائنةً. فإذا

стр. 3775

كان لا يملك إسقاطَ الرَّجعة فكيف يملك إثبات التَّحريم الذي لا تعود بعده إلا بزوجٍ وإصابةٍ؟ فإن قيل: فلازمُ هذا أنَّه لا يملكه ولو بعد اثنتين. قلنا: ليس ذلك بلازمٍ، فإنَّ الله سبحانه مَلَّكه الطَّلاقَ على وجهٍ معيَّنٍ، وهو أن يُطلِّق واحدةً ويكون أحقَّ برجعتها ما لم تنقضِ عدَّتها، ثمَّ إن شاء طلَّق الثَّانية كذلك، وتبقى له واحدةٌ، وأخبر أنَّه إن أوقعها حرمت عليه، ولا تعود إليه إلا أن تتزوَّج غيرَه ويصيبَها ويفارقَها. فهذا هو الذي ملَّكه إيَّاه لم يُملِّكه أن يُحرِّمها ابتداءً تحريمًا تامًّا من غير تقدُّمِ تطليقتين. وباللَّه التَّوفيق. فصل قد ذكرنا حكم رسول الله ﷺ في المختلعة أنَّها تعتدُّ بحيضةٍ، وأنَّ هذا مذهب عثمان بن عفَّان، وابن عبَّاسٍ، وإسحاق بن راهويه، وأحمد بن حنبلٍ في إحدى الرِّوايتين عنه، اختارها شيخنا. ونحن نذكر الأحاديث بذلك بإسنادها. قال النَّسائيُّ في «سننه الكبير» (١): بابٌ في عدَّة المختلعة. أخبرني أبو علي محمد بن يحيى المروزي، ثنا شاذان (٢) بن عثمان أخو عبدان، ثنا أبي،

стр. 3776

ثنا علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، قال: أخبرني محمد بن عبد الرحمن أنَّ رُبَيِّع بنت مُعَوِّذ بن عفراء أخبرته أنَّ ثابت بن قيس بن شمَّاسٍ ضرب امرأته فكسرَ يدها، وهي جميلة بنت عبد الله بن أبي، فجاء أخوها يشتكيه إلى رسول الله ﷺ ، فأرسل رسول الله ﷺ إلى ثابتٍ فقال: «خُذِ الذي لها عليك وخَلِّ سبيلَها». فقال: نعم. فأمرها رسول الله ﷺ أن تتربَّص حيضةً واحدةً وتَلْحَق بأهلها. أخبرنا عبيد الله (١) بن سعد بن إبراهيم بن سعد، قال: حدَّثني عمِّي، قال حدثنا أبي، عن ابن إسحاق قال: حدَّثني عُبادة بن الوليد بن عبادة بن الصَّامت، عن رُبَيِّع بنت مُعَوِّذ، قال: قلت لها: حدِّثيني حديثَكِ، قالت: اختلعتُ من زوجي، ثمَّ جئتُ عثمانَ فسألتُ: ماذا عليَّ من العدَّة؟ قال: لا عدَّةَ عليكِ إلا أن يكون حديثَ عهدٍ بكِ، فتمكُثين حتَّى تحيضي (٢) حيضةً. قالت: وإنَّما يَتَّبِع في ذلك قضاء رسول الله ﷺ في مريم المَغَالِيَّة (٣)، كانت تحت ثابت بن قيس بن شمَّاسٍ فاختلعت منه (٤). وروى عكرمة عن ابن عبَّاسٍ أنَّ امرأة ثابت بن قيسٍ اختلعت منه،

стр. 3777

فجعل النبي ﷺ عدَّتها حيضةً. رواه أبو داود (١) عن محمد بن عبد الرحيم البزّاز، عن عليِّ بن بَحرٍ (٢) القطَّان، عن هشام بن يوسف، عن معمر، عن عمرو بن مسلم، عن عكرمة. ورواه الترمذي (٣) عن محمد بن عبد الرحيم بهذا السَّند بعينه، وقال: حديثٌ حسنٌ غريبٌ. وهذا كما أنَّه موجب السُّنَّة وقضاء رسول الله ﷺ وموافقٌ لأقوال الصَّحابة فهو مقتضى القياس، فإنَّه استبراءٌ لمجرَّد العلم ببراءة الرَّحم فكفَتْ فيه حيضةٌ، كالمسبيَّة والأمة المشتراة والحرَّة والمهاجرة والزَّانية إذا أرادت أن تنكح. وقد تقدَّم أنَّ الشَّارع من تمام حكمته جعل عدَّة الرَّجعيَّة ثلاثة قروءٍ مصلحةً للمطلِّق والمرأة، وليطول (٤) زمان الرَّجعة، وتقدَّم النقضُ على هذه الحكمة والجواب عنه، وبالله التوفيق. ذكر حكم رسول الله ﷺ باعتداد المتوفى عنها في منزلها الذي توفي زوجها وهي فيه ، وأنه غير مخالفٍ لحكمه بخروج المبتوتة واعتدادها حيث شاءت ثبت في «السُّنن» (٥) عن زينب بنت كعب بن عُجْرة، عن الفُرَيعة بنت

стр. 3778

مالك أخت أبي سعيد الخدري: أنَّها جاءت إلى رسول الله ﷺ تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خُدْرة، فإنَّ زوجها خرج في طلب أعبُدٍ له أَبَقُوا، حتَّى إذا كانوا بطرف القَدُوم (١) لحِقَهم فقتلوه، فسألتُ رسول الله ﷺ أن أرجعَ إلى أهلي، فإنِّي لم يتركني في مسكنٍ يَملِكه ولا نفقةٍ، فقال رسول الله ﷺ : «نعم». فخرجت حتَّى إذا كنت في الحُجرة أو في المسجد دعاني، أو أمر بي (٢) فدُعِيتُ له، فقال: «كيف قلتِ؟» فرددتُ عليه القصَّة الَّتي ذكرتُ من شأن زوجي، قالت: فقال: «امكُثي في بيتكِ حتَّى يبلُغَ الكتابُ أجلَه». قالت: فاعتددتُ فيه أربعة أشهرٍ وعشرًا، قالت: فلمَّا كان عثمان أرسلَ إليَّ، فسألني عن ذلك فأخبرتُه، فقضى به واتَّبعه. قال الترمذي: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وقال أبو عمر بن عبد البرِّ (٣): هذا حديثٌ مشهورٌ معروفٌ عند علماء الحجاز والعراق. وقال أبو محمَّد بن حزمٍ (٤): هذا الحديث لا يثبت، فإنَّ زينب هذه مجهولةٌ، لم يروِ حديثَها غيرُ سعيد (٥) بن إسحاق بن كعب، وهو غير مشهورٍ بالعدالة، مالك وغيره يقول فيه: سعد بن إسحاق (٦)، وسفيان يقول: سعيد.

стр. 3779

وما قاله أبو محمد فغير صحيحٍ، فالحديث حديثٌ صحيحٌ مشهورٌ بالحجاز والعراق، وأدخله مالك في «موطَّئه» (١)، واحتجَّ به، وبنى عليه مذهبه. فأمَّا قوله: إنَّ زينب بنت كعب مجهولةٌ، فنعم مجهولةٌ عنده فكان ماذا؟ وزينب هذه من التَّابعيَّات، وهي امرأة أبي سعيد، روى عنها سعد بن إسحاق بن كعب وليس بسعيد، وقد ذكرها ابن حبَّان في كتاب «الثِّقات» (٢). والَّذي غرَّ أبا محمد قولُ عليِّ بن المدينيِّ: لم يَروِ عنها غيرُ سعد (٣) بن إسحاق. وقد روينا في «مسند الإمام أحمد» (٤): ثنا يعقوب، ثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدَّثني عبد الله بن عبد الرحمن بن (٥) مَعمر بن حزم، عن سليمان (٦) بن محمد بن كعب بن عُجْرة، عن عمَّته زينب بنت كعب بن عُجْرة وكانت عند أبي سعيدٍ الخدريِّ، عن أبي سعيد قال: اشتكى النَّاس عليًّا، فقام النَّبيُّ ﷺ خطيبًا، فسمعتُه يقول: «يا أيُّها النَّاس لا تَشْكُوا عليًّا، فواللَّه إنَّه لأَخْشَنُ (٧) في ذات اللَّه ــ أو: في سبيل اللَّه ــ». فهذه امرأةٌ تابعيَّةٌ كانت

стр. 3780

تحت صحابيٍّ، روى عنها الثِّقات، ولم يُطْعَن فيها بحرفٍ، واحتجَّ الأئمَّة بحديثها وصحَّحوه. وأمَّا قوله: إنَّ سعد بن إسحاق غير مشهورٍ بالعدالة، فقد قال إسحاق بن منصورٍ عن يحيى بن معينٍ: ثقةٌ، وقال النَّسائيُّ والدَّارقطنيُّ أيضًا: ثقةٌ. وقال أبو حاتم: صالحٌ. وذكره ابن حبَّان في كتاب «الثِّقات» (١)، وقد روى عنه النَّاس: حمَّاد بن زيدٍ، وسفيان الثَّوريُّ، وعبد العزيز الدَّراورديُّ، وابن جريجٍ، ومالك بن أنسٍ، ويحيى بن سعيدٍ الأنصاريُّ، والزُّهريُّ وهو أكبر منه، وحاتم بن إسماعيل، وداود بن قيس، وخلقٌ سواهم من الأئمَّة، ولم يُعلَم فيه قدحٌ ولا جرحٌ البتَّةَ (٢). ومثل هذا يُحتجُّ به اتِّفاقًا. وقد اختلفت الصَّحابة ومن بعدهم في حكم هذه المسألة: فروى عبد الرزاق (٣) عن معمر، عن الزُّهريِّ، عن عروة بن الزُّبير، عن عائشة أنَّها كانت تفتي المتوفَّى عنها بالخروج في عدَّتها، وخرجت بأختها أم كلثوم حين قُتِل عنها طلحة بن عبيد الله إلى مكَّة في عمرةٍ. ومن طريق عبد الرزاق (٤): أخبرنا ابن جريجٍ، أخبرني عطاء، عن ابن عبَّاسٍ أنَّه قال: إنَّما قال الله : تعتدُّ أربعة أشهرٍ وعشرًا، ولم يقل: تعتدُّ في بيتها، فتعتدُّ حيث شاءت.

стр. 3781

وهذا الحديث سمعه عطاء من ابن عبَّاسٍ، فإنَّ عليَّ بن المدينيِّ قال: حدَّثنا سفيان بن عيينة، عن ابن جريجٍ، عن عطاء قال: سمعت ابن عبَّاسٍ يقول: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، ولم يقل: يعتددن في بيوتهنَّ، تعتدُّ حيث شاءت. قال سفيان: قاله لنا ابن جريجٍ كما أخبرنا (١). وقال عبد الرزاق (٢): ثنا ابن جريجٍ، أخبرني أبو الزبير أنَّه سمع جابر بن عبد الله يقول: تعتدُّ المتوفَّى عنها حيث شاءت. وقال عبد الرزاق (٣): عن الثَّوريِّ، عن إسماعيل بن أبي خالدٍ، عن الشَّعبيِّ أنَّ عليَّ بن أبي طالبٍ كان يُرحِّل المتوفَّى عنهنَّ في عدَّتهنَّ. وذكر عبد الرزاق أيضًا (٤) عن محمَّد بن مسلمٍ، عن عمرو بن دينارٍ، عن طاوسٍ وعطاء قالا جميعًا: المبتوتة والمتوفَّى عنها تحجَّان وتعتمران وتنتقلانِ وتبيتانِ.

стр. 3782

وذكر أيضًا (١) عن ابن جريجٍ، عن عطاء قال: لا يضرُّ المتوفَّى عنها أين اعتدَّت. وقال ابن عيينة، عن عمرو بن دينارٍ، عن عطاء وأبي الشعثاء قالا جميعًا: المتوفَّى عنها تخرج في عدَّتها حيث شاءت (٢). وذكر ابن أبي شيبة (٣): ثنا عبد الوهَّاب الثَّقفيُّ، عن حبيبٍ المعلِّم، قال: سألت عطاء عن المطلَّقة ثلاثًا والمتوفَّى عنها، أتحجَّانِ (٤) في عدَّتهما؟ قال: نعم. وكان الحسن يقول مثل ذلك. وقال ابن وهب: أخبرني ابن لهيعة، عن حُنَين بن أبي حكيم أنَّ امرأة مزاحمٍ لمَّا تُوفِّي عنها زوجُها بخُنَاصِرَة (٥) سألتْ عمرَ بن عبد العزيز: أأمكثُ حتَّى تنقضي عدَّتي؟ فقال لها: بل الْحَقِي بقرارِك ودارِ أبيك، فاعتدِّي فيهما (٦) (٧).

стр. 3783

قال ابن وهب: وأخبرني يحيى بن أيوب، عن يحيى بن سعيدٍ الأنصاريِّ أنَّه قال في رجلٍ توفِّي بالإسكندريَّة ومعه امرأته، وله بها دارٌ، وله بالفسطاط دارٌ، فقال: إن أحبَّتْ (١) أن تعتدَّ حيث توفِّي زوجها فلتعتدَّ، وإن أحبَّت أن ترجع إلى دار زوجها وقرارِه بالفُسطاط فتعتدَّ فيها (٢) فلترجعْ (٣). قال ابن وهب: وأخبرني عمرو بن الحارث، عن بُكَير بن الأشجِّ قال: سألنا سالم بن عبد الله (٤) بن عمر عن المرأة يخرج بها زوجها إلى بلدٍ فيتوفَّى؟ قال: تعتدُّ حيث توفِّي عنها زوجها (٥)، أو ترجع إلى بيت زوجها حتَّى تنقضي عدَّتها (٦). وهذا مذهب أهل الظَّاهر كلِّهم. ولأصحاب هذا القول حجَّتان احتجَّ

стр. 3784

بهما (١) ابن عبَّاسٍ، وقد حكينا إحداهما، وهي: أنَّ الله سبحانه إنَّما أمرها باعتداد أربعة أشهرٍ وعشرٍ (٢)، ولم يأمرها بمكانٍ معيَّنٍ. والثَّانية: ما رواه أبو داود (٣): ثنا أحمد بن محمد المروزي، ثنا موسى بن مسعودٍ، ثنا شِبْل، عن ابن أبي نَجيحٍ قال: قال عطاء: قال ابن عبَّاسٍ: نَسخت هذه الآية عدَّتَها عند أهلها، فتعتدُّ حيث شاءت، وهو قول الله : ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠]. قال عطاء: إن شاءت اعتدَّت عند أهله وسكنت في وصيَّتها، وإن شاءت خرجت لقول الله : ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ﴾ [البقرة: ٢٤٠]. قال عطاء: ثمَّ جاء الميراث فنَسخ السُّكنى، تعتدُّ حيث شاءت. وقالت طائفةٌ ثانيةٌ من الصَّحابة والتَّابعين ومن بعدهم: تعتدُّ في منزلها الَّتي توفِّي زوجها وهي فيه. فقال وكيعٌ: ثنا الثَّوريُّ، عن منصور، عن مجاهد، عن سعيد بن المسيَّب أنَّ عمر ردَّ نسوةً من ذي الحُلَيفة حاجَّاتٍ أو معتمراتٍ توفِّي عنهنَّ أزواجهنَّ (٤).

стр. 3785

وقال عبد الرزاق (١): ثنا ابن جريجٍ، أبنا حُميد الأعرج، عن مجاهد قال: كان عمر وعثمان يَرجِعانِهنَّ حاجَّاتٍ ومعتمراتٍ من الجحفة وذي الحليفة. وذكر عبد الرزاق (٢) عن معمر، عن أيوب، عن يوسف بن ماهك، عن أمِّه مُسَيكة أنَّ امرأةً متوفًّى عنها زارت أهلَها في عدَّتها، فضربَها الطَّلْقُ (٣)، فأتوا عثمان فقال: احملُوها إلى بيتها وهي تُطْلَقُ. وذكر أيضًا (٤) عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر أنَّه كانت له ابنةٌ تعتدّ من وفاة زوجها، وكانت تأتيهم بالنَّهار فتتحدَّث إليهم، فإذا كان اللَّيل أمرها أن ترجع إلى بيتها. وقال ابن أبي شيبة (٥): ثنا وكيعٌ، عن علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن ابن ثوبان (٦) أنَّ عمر رخَّص للمتوفَّى عنها أن تأتي أهلَها بياضَ يومها، وأنَّ زيد بن ثابتٍ [لم] (٧) يُرخِّص لها إلا في بياض يومها أو ليلها.
следующие страницы →