← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.

стр. 3781

وهذا الحديث سمعه عطاء من ابن عبَّاسٍ، فإنَّ عليَّ بن المدينيِّ قال: حدَّثنا سفيان بن عيينة، عن ابن جريجٍ، عن عطاء قال: سمعت ابن عبَّاسٍ يقول: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، ولم يقل: يعتددن في بيوتهنَّ، تعتدُّ حيث شاءت. قال سفيان: قاله لنا ابن جريجٍ كما أخبرنا (١). وقال عبد الرزاق (٢): ثنا ابن جريجٍ، أخبرني أبو الزبير أنَّه سمع جابر بن عبد الله يقول: تعتدُّ المتوفَّى عنها حيث شاءت. وقال عبد الرزاق (٣): عن الثَّوريِّ، عن إسماعيل بن أبي خالدٍ، عن الشَّعبيِّ أنَّ عليَّ بن أبي طالبٍ كان يُرحِّل المتوفَّى عنهنَّ في عدَّتهنَّ. وذكر عبد الرزاق أيضًا (٤) عن محمَّد بن مسلمٍ، عن عمرو بن دينارٍ، عن طاوسٍ وعطاء قالا جميعًا: المبتوتة والمتوفَّى عنها تحجَّان وتعتمران وتنتقلانِ وتبيتانِ.

стр. 3782

وذكر أيضًا (١) عن ابن جريجٍ، عن عطاء قال: لا يضرُّ المتوفَّى عنها أين اعتدَّت. وقال ابن عيينة، عن عمرو بن دينارٍ، عن عطاء وأبي الشعثاء قالا جميعًا: المتوفَّى عنها تخرج في عدَّتها حيث شاءت (٢). وذكر ابن أبي شيبة (٣): ثنا عبد الوهَّاب الثَّقفيُّ، عن حبيبٍ المعلِّم، قال: سألت عطاء عن المطلَّقة ثلاثًا والمتوفَّى عنها، أتحجَّانِ (٤) في عدَّتهما؟ قال: نعم. وكان الحسن يقول مثل ذلك. وقال ابن وهب: أخبرني ابن لهيعة، عن حُنَين بن أبي حكيم أنَّ امرأة مزاحمٍ لمَّا تُوفِّي عنها زوجُها بخُنَاصِرَة (٥) سألتْ عمرَ بن عبد العزيز: أأمكثُ حتَّى تنقضي عدَّتي؟ فقال لها: بل الْحَقِي بقرارِك ودارِ أبيك، فاعتدِّي فيهما (٦) (٧).

стр. 3783

قال ابن وهب: وأخبرني يحيى بن أيوب، عن يحيى بن سعيدٍ الأنصاريِّ أنَّه قال في رجلٍ توفِّي بالإسكندريَّة ومعه امرأته، وله بها دارٌ، وله بالفسطاط دارٌ، فقال: إن أحبَّتْ (١) أن تعتدَّ حيث توفِّي زوجها فلتعتدَّ، وإن أحبَّت أن ترجع إلى دار زوجها وقرارِه بالفُسطاط فتعتدَّ فيها (٢) فلترجعْ (٣). قال ابن وهب: وأخبرني عمرو بن الحارث، عن بُكَير بن الأشجِّ قال: سألنا سالم بن عبد الله (٤) بن عمر عن المرأة يخرج بها زوجها إلى بلدٍ فيتوفَّى؟ قال: تعتدُّ حيث توفِّي عنها زوجها (٥)، أو ترجع إلى بيت زوجها حتَّى تنقضي عدَّتها (٦). وهذا مذهب أهل الظَّاهر كلِّهم. ولأصحاب هذا القول حجَّتان احتجَّ

стр. 3784

بهما (١) ابن عبَّاسٍ، وقد حكينا إحداهما، وهي: أنَّ الله سبحانه إنَّما أمرها باعتداد أربعة أشهرٍ وعشرٍ (٢)، ولم يأمرها بمكانٍ معيَّنٍ. والثَّانية: ما رواه أبو داود (٣): ثنا أحمد بن محمد المروزي، ثنا موسى بن مسعودٍ، ثنا شِبْل، عن ابن أبي نَجيحٍ قال: قال عطاء: قال ابن عبَّاسٍ: نَسخت هذه الآية عدَّتَها عند أهلها، فتعتدُّ حيث شاءت، وهو قول الله : ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠]. قال عطاء: إن شاءت اعتدَّت عند أهله وسكنت في وصيَّتها، وإن شاءت خرجت لقول الله : ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ﴾ [البقرة: ٢٤٠]. قال عطاء: ثمَّ جاء الميراث فنَسخ السُّكنى، تعتدُّ حيث شاءت. وقالت طائفةٌ ثانيةٌ من الصَّحابة والتَّابعين ومن بعدهم: تعتدُّ في منزلها الَّتي توفِّي زوجها وهي فيه. فقال وكيعٌ: ثنا الثَّوريُّ، عن منصور، عن مجاهد، عن سعيد بن المسيَّب أنَّ عمر ردَّ نسوةً من ذي الحُلَيفة حاجَّاتٍ أو معتمراتٍ توفِّي عنهنَّ أزواجهنَّ (٤).

стр. 3785

وقال عبد الرزاق (١): ثنا ابن جريجٍ، أبنا حُميد الأعرج، عن مجاهد قال: كان عمر وعثمان يَرجِعانِهنَّ حاجَّاتٍ ومعتمراتٍ من الجحفة وذي الحليفة. وذكر عبد الرزاق (٢) عن معمر، عن أيوب، عن يوسف بن ماهك، عن أمِّه مُسَيكة أنَّ امرأةً متوفًّى عنها زارت أهلَها في عدَّتها، فضربَها الطَّلْقُ (٣)، فأتوا عثمان فقال: احملُوها إلى بيتها وهي تُطْلَقُ. وذكر أيضًا (٤) عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر أنَّه كانت له ابنةٌ تعتدّ من وفاة زوجها، وكانت تأتيهم بالنَّهار فتتحدَّث إليهم، فإذا كان اللَّيل أمرها أن ترجع إلى بيتها. وقال ابن أبي شيبة (٥): ثنا وكيعٌ، عن علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن ابن ثوبان (٦) أنَّ عمر رخَّص للمتوفَّى عنها أن تأتي أهلَها بياضَ يومها، وأنَّ زيد بن ثابتٍ [لم] (٧) يُرخِّص لها إلا في بياض يومها أو ليلها.

стр. 3786

وذكر عبد الرزاق (١) عن سفيان الثَّوريِّ، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم النَّخعيِّ، عن علقمة قال: سأل ابن مسعودٍ نساءٌ من هَمْدان نُعِيَ إليهنَّ أزواجهنَّ فقلن: إنَّا نستوحش، فقال ابن مسعودٍ: يجتمعن بالنَّهار، ثمَّ ترجع كلُّ امرأةٍ (٢) منهنّ إلى بيتها باللَّيل. وذكر الحجَّاج بن المنهال: ثنا أبو عوانة، عن منصور، عن إبراهيم أنَّ امرأةً بعثت إلى أم سلمة أم المؤمنين: أنَّ أبي مريضٌ وأنا في عدَّةٍ، أفآتيهِ أُمرِّضُه؟ قالت: نعم، ولكن بِيتي أحدَ طرفَي اللَّيل في بيتك (٣). وقال سعيد بن منصورٍ (٤): ثنا هُشَيم، أبنا إسماعيل بن أبي خالدٍ، عن الشَّعبيِّ أنَّه سئل عن المتوفَّى عنها: أتخرج في عدَّتها؟ فقال: كان أكثر أصحاب ابن مسعودٍ (٥) أشدَّ شيءٍ في ذلك يقولون: لا تخرج، وكان الشَّيخ

стр. 3787

ــ يعني عليَّ بن أبي طالبٍ ــ يُرحِّلها. وقال حمَّاد بن سلمة: أخبرنا هشام بن عروة أنَّ أباه قال: المتوفَّى عنها زوجها تعتدُّ في بيتها، إلا أن يَنتوِي (١) أهلُها فتَنتوِي معهم (٢). وقال سعيد بن منصورٍ (٣): ثنا هُشيم، أبنا يحيى بن سعيد هو الأنصاري، أنَّ القاسم بن محمَّدٍ وسالم بن عبد الله وسعيد بن المسيَّب قالوا في المتوفَّى عنها: لا تبرحُ حتَّى تنقضي عدَّتها. وذكر أيضًا (٤) عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينارٍ، عن عطاء وجابر، كلاهما قال في المتوفَّى عنها: لا تخرج. وذكر وكيعٌ (٥) عن الحسن بن صالحٍ، عن المغيرة، عن إبراهيم في المتوفَّى عنها: لا بأسَ أن تخرج بالنَّهار، ولا تبيت عن بيتها. وذكر حمَّاد بن زيدٍ (٦): عن أيُّوب السَّختيانيِّ، عن محمَّد بن سيرين أنَّ

стр. 3788

امرأةً توفِّي عنها زوجها وهي مريضةٌ، فنقلها أهلها، ثمَّ سألوا، فكلُّهم يأمرهم أن تُرَدَّ إلى بيت زوجها. قال ابن سيرين: فرددناها في نَمَطٍ (١). وهذا قول الإمام أحمد ومالك والشَّافعيِّ وأبي حنيفة وأصحابهم، والأوزاعيِّ وأبي عبيد وإسحاق. قال أبو عمر بن عبد البرِّ (٢): وبه يقول جماعة فقهاء الأمصار بالحجاز والشَّام والعراق ومصر. وحجَّة هؤلاء حديث الفُرَيعة بنت مالك، وقد تلقَّاه عثمان بن عفَّان بالقبول، وقضى به بمحضرِ المهاجرين والأنصار، وتلقَّاه أهل المدينة والحجاز والشَّام والعراق ومصر بالقبول، ولم يُعلَم (٣) أنَّ أحدًا منهم طعن فيه ولا في رواته (٤). وهذا مالك ــ مع تحرِّيه وتشدُّدِه في الرِّواية، وقولِه للسَّائل له عن رجلٍ: أثقةٌ هو؟ فقال: لو كان ثقةً لرأيتَه في كتبي (٥) ــ قد أدخله في «موطَّئه» (٦)، وبنى عليه مذهبه. قالوا: ونحن لا نُنكر النِّزاع بين السَّلف في المسألة، ولكنَّ السُّنَّة تَفصِل بين المتنازعين.

стр. 3789

قال أبو عمر بن عبد البرِّ (١): أمَّا السُّنَّة فثابتةٌ بحمد اللَّه، وأمَّا الإجماع فمستغنًى عنه مع السُّنَّة؛ لأنَّ الاختلاف إذا نزل في مسألةٍ كانت الحجَّة في قول مَن وافقته السُّنَّة. وقال عبد الرزاق (٢): أخبرنا معمر، عن الزُّهريِّ قال: أخذ المترخِّصون في المتوفَّى عنها بقول عائشة، وأخذ أهل العزم والورع بقول ابن عمر. فإن قيل: فهل ملازمةُ المنزل حقٌّ لها، أو حقٌّ عليها؟ قيل: بل هو حقٌّ عليها إذا تركه لها الورثة ولم يكن عليها فيه ضررٌ، أو كان المسكن لها، فلو حوَّلها الوارث أو طلبوا منها الأجرة لم يلزمها السَّكن وجاز لها التَّحوُّل. ثمَّ اختلف أصحاب هذا القول: هل لها أن تتحوَّل حيث شاءت، أو يلزمها التَّحوُّل إلى أقرب المساكن إلى مسكن الوفاة؟ على قولين. فإن خافت هَدْمًا أو غَرَقًا أو عدوًّا أو نحو ذلك، أو حوَّلها صاحب المنزل لكونه عاريةً رجع فيها، أو بإجارةٍ انقضت مدَّتها، أو منعها السُّكنى تعدِّيًا، أو امتنع من إجارته، أو طلب به أكثر من أَجْرِ المثل، أو لم يجد ما يكتري به، أو لم يجد إلا من مالها= فلها أن تنتقل، لأنَّها حال عذرٍ، ولا يَلزمُها بذلُ أجرِ المسكن، وإنَّما الواجب عليها فعلُ السُّكنى لا تحصيل المسكن، وإذا تعذَّرت السُّكنى سقطت. هذا قول أصحاب أحمد والشَّافعيِّ.

стр. 3790

فإن قيل: فهل الإسكان حقٌّ على الورثة تُقدَّم الزَّوجةُ به على الغرماء وعلى الميراث، أم لا حقَّ لها في التَّركة سوى الميراث؟ قيل: هذا موضع اختُلِف فيه: فقال الإمام أحمد: إن كانت حائلًا (١) فلا سُكنى لها في التَّركة، ولكن عليها ملازمة المنزل إذا بُذِل لها كما تقدَّم، وإن كانت حاملًا ففيه روايتان: إحداهما: أنَّ الحكم كذلك. والثَّاني: أنَّ لها السُّكنى حقٌّ ثابتٌ في المال، تُقدَّم به على الورثة والغرماء، ويكون من رأس المال، ولا تباع الدَّار في دَيْنه بيعًا يمنعها سكناها حتَّى تنقضي عدَّتها. وإن تعذَّر ذلك فعلى الوارث أن يكتري لها مسكنًا من مال الميِّت، فإن لم يفعل أجبره الحاكم، وليس لها أن تنتقل عنه إلا لضرورةٍ. وإن اتَّفق الوارث والمرأة على نقلها عنه لم يجز، لأنَّه يتعلَّق بهذه السُّكنى حقُّ الله تعالى (٢)،لأنَّها وجبت من حقوق العدَّة، والعدَّة فيها حقٌّ لله تعالى، فلم يجز اتِّفاقهما على إبطالها، بخلاف سكنى النِّكاح فإنَّها حقٌّ للزوجين. والصَّحيح المنصوص أنَّ سكنى الرَّجعيَّة كذلك، لا يجوز اتِّفاقهما على إبطالها، هذا مقتضى نصِّ الأئمة (٣)، وهو منصوص أحمد. وعنه روايةٌ ثالثةٌ: أنَّ للمتوفَّى عنها السُّكنى بكلِّ حالٍ، حاملًا كانت أو حائلًا. فصار في مذهبه ثلاث رواياتٍ: وجوبها للحامل والحائل، وإسقاطها

стр. 3791

في حقِّهما، ووجوبها للحامل دون الحائل. هذا تحصيل مذهب أحمد في سكنى المتوفَّى عنها. وأمَّا مذهب مالك فإيجاب السُّكنى لها حاملًا كانت أو حائلًا، وإيجاب السُّكنى عليها مدَّةَ العدَّة. قال أبو عمر (١): فإذا كان المسكن بكراءٍ، فقال مالك: هي أحقُّ بسكناه من الورثة والغرماء، وهو من رأس مال المتوفَّى، إلا أن يكون فيه عقدٌ لزوجها، وأراد أهل المسكن إخراجها. وإذا كان المسكن لزوجها لم يُبَعْ في دَينه حتَّى تنقضي عدَّتها. انتهى كلامه. وقال غيره من أصحاب مالك: هي أحقُّ بالسُّكنى من الورثة والغرماء إذا كان الملك للميِّت، أو كان قد أدَّى كراءه، فإن لم يكن أدَّى كراءه، ففي «التَّهذيب» (٢): لا سكنى لها في مال الميِّت وإن كان موسرًا، وروى محمدٌ عن مالك: الكراء لازمٌ للميِّت في ماله، ولا تكون الزَّوجة أحقَّ به، وتحاصُّ الورثة في السُّكنى، وللورثة إخراجها إلا أن تحبَّ أن تسكن في حصَّتها وتؤدِّي كراء حصَّتهم. وأمَّا مذهب الشَّافعيِّ فإنَّ له في سكنى المتوفَّى عنها قولان (٣): أحدهما: لها السُّكنى حاملًا كانت أو حائلًا. والثَّاني: لا سكنى لها حائلًا كانت أو حاملًا. ويجب عنده ملازمتها للمسكن في العدَّة، بائنًا كانت أو متوفَّى عنها، وملازمة البائن للمنزل عنده آكدُ من ملازمة المتوفَّى عنها، فإنَّه يجوِّز

стр. 3792

للمتوفَّى عنها الخروج نهارًا لقضاء حوائجها، ولا يجوِّز ذلك في البائن في أحد قوليه، وهو القديم. ولا يُوجِبه في الرَّجعيَّة (١) بل يستحبُّه. وأمَّا أحمد فعنده ملازمة المتوفَّى عنها آكدُ من الرَّجعيَّة، ولا يُوجِبه في البائن. وأورد أصحاب الشَّافعيِّ على نصِّه بوجوب ملازمة المنزل على المتوفَّى عنها مع نصِّه في أحد القولين على أنَّه لا سكنى لها سؤالًا (٢)، وقالوا: كيف يجتمع النَّصَّان؟ وأجابوا بجوابين: أحدهما: أنَّه لا يجب عليها ملازمةُ المسكن على ذلك القول، لكن لو أُلزِمَ الوارثُ أجرةَ المسكن وجبتْ عليها الملازمةُ حينئذٍ. وأطلق أكثر أصحابه الجواب هكذا. والثَّاني: أنَّ ملازمة المنزل واجبةٌ عليها ما لم يكن عليها فيه ضررٌ، بأن تُطالَب بالأجرة، أو يُخرِجها الوارث أو المالك، فتسقُطُ حينئذٍ. وأمَّا أصحاب أبي حنيفة فقالوا: لا يجوز للمطلَّقة الرَّجعيَّة ولا للبائنِ الخروجُ من بيتها ليلًا ولا نهارًا، وأمَّا المتوفَّى عنها فتخرج نهارًا وبعضَ اللَّيل، ولكن لا تبيتُ إلَّا (٣) في منزلها. قالوا: والفرق أنَّ المطلَّقة نفقتها في مال زوجها، فلا يجوز لها الخروج كالزَّوجة، بخلاف المتوفَّى عنها فإنَّها لا نفقةَ لها، فلا بدَّ أن تخرج بالنَّهار

стр. 3793

لإصلاح حالها. قالوا: وعليها أن تعتدَّ في المنزل الذي يُضاف إليها بالسُّكنى حالَ وقوع الفرقة. قالوا: فإن كان نصيبها من دار الميِّت لا يكفيها، أو أخرجها الورثة من نصيبهم= انتقلتْ؛ لأنَّ هذا عذرٌ، والكون في بيتها عبادةٌ، والعبادة تسقط بالعذر. قالوا: فإن عجزت عن كراء البيت الذي هي فيه لكثرته، فلها أن تنتقل إلى بيتٍ أقلَّ كراءً منه. وهذا من كلامهم يدلُّ على أنَّ أجرة السَّكن عليها، وإنَّما يسقط السَّكنُ عنها لعجزها عن أجرته، ولهذا صرَّحوا بأنَّها تسكن في نصيبها (١) من التَّركة إن كفاها، وهذا لأنَّه لا سكنى عندهم للمتوفَّى عنها، حاملًا كانت أو حائلًا، وإنَّما عليها أن تلزم مسكنَها الذي توفِّي زوجها وهي فيه ليلًا لا نهارًا، فإن (٢) بذلَه لها الورثةُ وإلَّا كانت الأجرة عليها. فهذا تحرير مذاهب النَّاس في هذه المسألة ومآخذ الخلاف فيها، وباللَّه التَّوفيق. وقد أصاب فُرَيعةَ بنتَ مالك في هذا الحديث نظيرُ ما أصاب فاطمةَ بنت قيس في حديثها (٣)، فقال بعض المنازعين في هذه المسألة: لا نَدَعُ كتابَ ربِّنا

стр. 3794

لقول امرأةٍ، فإنَّ الله سبحانه إنَّما أمرها بالاعتداد أربعة أشهرٍ وعشرًا، ولم يأمرها بالمنزل. وقد أنكرتْ عائشة أم المؤمنين وجوبَ المنزل، وأفتت المتوفَّى عنها بالاعتداد حيث شاءت، كما أنكرتْ حديثَ فاطمة بنت قيس، وأوجبت السُّكنى للمطلَّقة. وقال بعض من نازع في حديث الفُريعة: قد قُتِل من الصَّحابة على عهد رسول الله ﷺ خلقٌ كثيرٌ يومَ أحدٍ ويومَ بئرِ مَعُونة ويومَ مُؤْتة وغيرها، واعتدَّ أزواجُهم بعدهم، فلو كان كلُّ امرأةٍ منهنَّ تُلازِم منزلَها زمنَ العدَّة لكان ذلك من أظهر الأشياء وأَبينِها، بحيث لا يخفى على من هو دون ابن عبَّاسٍ وعائشة، فكيف خفي هذا عليهما وعلى غيرهما من الصَّحابة الذين حُكِي أقوالُهم مع استمرار العمل به استمرارًا متتابعًا (١)؟ هذا من أبعد الأشياء. ثمَّ لو كانت السُّنَّة جاريةً بذلك لم تأتِ الفُريعة تستأذنه ﷺ أن تلحقَ بأهلها، ولمَّا أذِنَ لها في ذلك لم (٢) يأمرْ بردِّها بعد ذهابها ويأمرْها بأن تمكث في بيتها، فلو كان ذلك أمرًا مستمرًّا ثابتًا لكان قد نَسَخ بإذنه لها في اللَّحاق بأهلها، ثمَّ نَسخ ذلك الإذنَ بأمره لها بالمكث في بيتها، فيفضي إلى تغيير الحكم مرَّتين، وهذا لا عهدَ لنا به في الشَّريعة في موضعٍ متيقَّنٍ. قال الآخرون: ليس في هذا ما يوجب ردَّ هذه السُّنَّة الصَّحيحة الصَّريحة، الَّتي تلقَّاها أمير المؤمنين عثمان بن عفَّان وأكابر الصَّحابة بالقبول ونفَّذها عثمان وحكم بها، ولو كنَّا لا نقبل رواية النِّساء عن النَّبيِّ ﷺ لذهبتْ سننٌ كثيرةٌ من سنن الإسلام لا نَعرِف رواها عنه إلا النِّساء. وهذا كتاب الله ليس

стр. 3795

فيه ما يَنْفي (١) وجوبَ الاعتداد في المنزل حتَّى تكون السُّنَّة مخالفةً له، بل غايتها أن تكون بيانًا لحكمٍ سكت عنه الكتاب، ومثلُ هذا لا تُرَدُّ به السُّنن. وهذا الذي حذَّر منه رسول الله ﷺ بعينه أن تُترك السُّنَّة إذا لم يكن نظيرُ حكمِها في الكتاب. وأمَّا تركُ أمِّ المؤمنين ﵃ لحديث فُرَيعة، فلعلَّه لم يبلغها، ولو بلغها فلعلَّها تأوَّلتْه، ولو لم تتأوَّلْه فلعلَّه قام عندها معارضٌ له، وبكلِّ حالٍ فالقائلون به في تركهم لتركها لهذا الحديث أعذرُ من التَّاركين له لتركِ أمِّ المؤمنين له، فبينَ التَّركينِ فرقٌ عظيمٌ. وأمَّا من قُتِل مع النَّبيِّ ﷺ ومن مات في حياته فلم يأتِ قطُّ أنَّ نساءهم كنَّ يعتددن حيث شئنَ، ولم يأتِ عنهنَّ ما يخالف حكمَ حديث فُريعة البتَّةَ، فلا يجوز تركُ السُّنَّة الثَّابتة لأمرٍ لا يُعلَم كيف كان، ولو عُلِم أنَّهنَّ كنَّ يعتددن حيث شئن، ولم يأتِ عنهنَّ ما يخالف حكم حديث فُريعة= فلعلَّ ذلك قبل استقرار هذا الحكم وثبوته، حيث كان الأصل براءة الذِّمَّة وعدم الوجوب. وقد ذكر عبد الرزاق (٢) عن ابن جريجٍ، عن عبد الله بن كثيرٍ قال: قال

стр. 3796

مجاهد: استُشِهد رجالٌ يومَ أحدٍ، فجاء نساؤهم إلى رسول الله ﷺ فقلن: إنَّا نستوحش يا رسول الله باللَّيل فنبيت عند إحدانا، حتَّى إذا أصبحنا تبدَّدنا في بيوتنا، فقال رسول الله ﷺ : «تحدَّثنَ عند إحداكنَّ ما بدا لكنَّ، فإذا أردتنَّ النَّومَ فلْتَؤُبْ كلُّ امرأةٍ إلى بيتها». وهذا وإن كان مرسلًا فالظَّاهر أنَّ مجاهدًا إمَّا أن يكون سمعه من تابعيٍّ ثقةٍ أو من صحابيٍّ، والتَّابعون لم يكن الكذب معروفًا فيهم، وهم ثاني القرون المفضَّلة، وقد شاهدوا أصحاب رسول الله ﷺ وأخذوا العلم عنهم، وهم خير الأمَّة بعدهم، فلا يُظَنُّ بهم الكذبُ على رسول الله ﷺ ولا الرِّوايةُ عن الكذَّابين، ولا سيَّما العالم منهم إذا جزم على رسول الله ﷺ بالرِّواية وشهد عليه بالحديث فقال: قال رسول الله ﷺ ، وفعل رسول الله ﷺ ، وأمر ونهى، فيبعُدُ كلَّ البعد أن يُقدِم على ذلك مع كون الواسطة بينه وبين رسول الله ﷺ كذَّابًا أو مجهولًا. وهذا بخلاف مراسيلِ مَن بعدهم، وكلَّما تأخَّرت القرون ساء الظَّنُّ بالمراسيل ولم يُشهَد بها على رسول الله ﷺ . وبالجملة فليس الاعتماد على هذا المرسل وحده، وباللَّه التَّوفيق. * * * *

стр. 3797

ذكر حكم رسول الله ﷺ في إحداد المعتدَّة نفيًا وإثباتًا ثبت في «الصَّحيحين» (١) عن حُميد بن نافع، عن زينب بنت أبي سلمة أنَّها أخبرتْه هذه الأحاديث الثَّلاثة، قالت زينب: دخلتُ على أم حبيبة زوجِ النَّبيِّ ﷺ حين توفِّي أبوها أبو سفيان، فدَعَتْ أم حبيبة بطيبٍ فيه صفرةٌ خَلوقٌ أو غيره، فدَهنتْ منه جاريةً، ثمَّ مسَّت بعارضَيها (٢)، ثمَّ قالت: والله ما لي بالطِّيب من حاجةٍ، غير أنِّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يَحِلُّ لامرأةٍ تؤمنُ بالله واليوم الآخر تُحِدُّ على ميِّتٍ فوقَ ثلاثٍ، إلا على زوجٍ أربعة أشهرٍ وعشرًا». قالت زينب: ثمَّ دخلتُ على زينب بنت جحش حين توفِّي أخوها، فدعتْ بطيبٍ فمسَّتْ منه، ثمَّ قالت: والله ما لي بالطِّيب من حاجةٍ، غير أنِّي سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر: «لا يَحِلُّ لامرأةٍ تؤمن بالله واليوم الآخر تُحِدُّ على ميِّتٍ فوق ثلاثٍ، إلا على زوجٍ أربعة أشهرٍ وعشرًا». قالت زينب: وسمعتُ أمِّي أم سلمة تقول: جاءت امرأةٌ إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إنَّ بنتي تُوفِّي عنها زوجها، وقد اشتكت عينَها أفتَكْحَلُها؟ فقال رسول الله ﷺ : «لا» مرَّتين أو ثلاثًا، كلُّ ذلك يقول: لا، ثمَّ قال: «إنَّما هي أربعة أشهرٍ وعشرٌ (٣)، وقد كانت إحداكنَّ في الجاهليَّة تَرمي بالبَعرة على [رأس] (٤) الحول».

стр. 3798

فقالت (١) زينب: كانت المرأة إذا توفِّي عنها زوجها دخلتْ حِفْشًا (٢)، ولبستْ شرَّ ثيابها، ولم تمسَّ طيبًا ولا شيئًا حتَّى تمرَّ بها سنةٌ، ثمَّ تُؤتى بدابَّةٍ ــ حمارٍ أو شاةٍ أو طيرٍ ــ فتفتضُّ به، فقلَّما تَفْتضُّ بشيءٍ إلا مات، ثمَّ تخرج فتُعطى بعرةً فترمي بها، ثمَّ تُراجِعُ بعدُ ما شاءتْ من طِيبٍ أو غيره. قال مالك: تَفْتضُّ به تَدْلُكُ به جلْدَها. وفي «الصَّحيحين» (٣) عن أم سلمة أنَّ امرأةً تُوفِّي عنها زوجها فخافوا على عينها، فأتوا النَّبيَّ ﷺ فاستأذنوه في الكحل، فقال رسول الله ﷺ : «قد كانت إحداكنَّ تكون في شرِّ بيتها في أحْلاسِها (٤) ــ أو: في شرّ أحلاسها في بيتها ــ حولًا، فإذا مرَّ كلبٌ رَمَتْ ببعرةٍ فخرجت، فلا أقلَّ من (٥) أربعة أشهرٍ وعشرًا». وفي «الصَّحيحين» (٦) عن أم عطية أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لا تُحِدُّ امرأة على ميِّتٍ فوقَ ثلاثٍ إلا على زوجٍ أربعة أشهرٍ وعشرًا، ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا إلا ثوبَ عصْبٍ (٧)، ولا تكتحل، ولا تمسُّ طيبًا إلا إذا طهرتْ نُبذةً

стр. 3799

من قُسْطٍ أو أَظْفارٍ (١)». وفي «سنن أبي داود» (٢) من حديث الحسن بن مسلم، عن صفية بنت شيبة، عن أم سلمة زوج النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «المتوفَّى عنها زوجُها لا تلبسُ المعصفرَ من الثِّياب ولا المُمَشَّقةَ (٣) ولا الحُلِيَّ، ولا تكتحل، ولا تختضب». وفي «سننه» (٤) أيضًا من حديث ابن وهب، أخبرني مَخْرمة، عن أبيه قال سمعت المغيرة بن الضحاك يقول: أخبرتني أم حَكيم بنت أُسَيد، عن أمِّها:

стр. 3800

أنَّ زوجها توفِّي وكانت تشتكي عينَها (١) فتكتحل بالجِلَاء (٢). (قال أحمد بن صالح: الصَّواب: بكُحْلِ الجِلاء) فأرسلتْ مولاةً لها إلى أم سلمة، فسألتْها عن كُحْل الجِلاء فقالت: لا تكتحلي (٣) به إلا من أمرٍ لا بدَّ منه يشتدُّ عليك، فتكتحلينَ باللَّيل وتمسحِينَه بالنَّهار. ثمَّ قالت عند ذلك أم سلمة: دخل عليَّ رسول الله ﷺ حين توفِّي أبو سلمة، وقد جعلتُ على [عيني] (٤) صَبِرًا، فقال ما هذا يا أم سلمة؟ فقلت: هو صَبِرٌ يا رسول الله ليس فيه طيبٌ. قال: «إنَّه يَشُبُّ الوجه (٥)، فلا تجعليه إلا باللَّيل وتنزِعيه بالنَّهار، ولا تمتشطي (٦) بالطِّيب ولا بالحنَّاء، فإنَّه خضابٌ». قالت: قلت: بأيِّ شيءٍ أمتشط يا رسول اللَّه؟ قال: «بالسِّدر، تُغلِّفين به رأسَكِ». وقد تضمَّنت هذه السنن أحكامًا عديدةً: أحدها: أنَّه لا يجوز الإحداد على ميِّتٍ فوق ثلاثة أيَّامٍ كائنًا من كان إلا الزَّوج وحده. وتضمَّن الحديث الفرقَ بين الإحدادين من وجهين: أحدهما: من جهة الوجوب والجواز، فإنَّ الإحداد على الزَّوج واجبٌ وعلى غيره جائزٌ. الثَّاني: من مقدار مدَّة الإحداد، فالإحداد على الزَّوج عزيمةٌ وعلى غيره

стр. 3801

رخصةٌ، وأجمعت الأمَّة على وجوبه على المتوفَّى عنها زوجها، إلا ما حُكِي عن الحسن والحكم بن عُتَيبة (١). أمَّا الحسن فروى حمَّاد بن سلمة عن حميد عنه: أنَّ المطلَّقة ثلاثًا والمتوفَّى عنها زوجها تكتحلان، وتمتشطان، وتتطيَّبان، وتختضبان، وتنتعلان، وتصنعان ما شاءتا (٢). وأمَّا الحكم فذكر عنه شعبة: أنَّ المتوفَّى عنها لا تُحِدُّ (٣). قال ابن حزمٍ (٤): واحتجَّ أهل هذه المقالة، ثمَّ ساق من طريق الخُشَني (٥) محمد بن عبد السلام، ثنا محمَّد بن بشَّارٍ، ثنا محمَّد بن جعفرٍ، ثنا شعبة، ثنا الحكم بن عُتَيبة، عن عبد الله بن شدَّاد بن الهادِ أنَّ رسول الله ﷺ قال لامرأة جعفر بن أبي طالبٍ: «إذا كان ثلاثة أيَّامٍ فالبسي ما شئتِ»، [أو] (٦) «إذا كان بعد ثلاثة أيَّامٍ» شعبة شكَّ (٧).

стр. 3802

ومن طريق حمَّاد بن سلمة، ثنا الحجَّاج بن أرطاة، عن الحسن بن سعدٍ (١)، عن عبد الله بن شدَّادٍ: أنَّ أسماء بنت عُمَيس استأذنت النَّبيَّ ﷺ أن تبكي على جعفر وهي امرأته، فأذن لها ثلاثة أيَّامٍ، ثمَّ بعث إليها بعد ثلاثة أيَّامٍ أن: «تَطهَّري واكتحلي» (٢). قالوا: وهذا ناسخٌ لأحاديث الإحداد لأنَّه بعدها، فإنَّ أم سلمة روت حديثَ الإحداد، وأنَّه ﷺ أمرها به إثرَ موتِ أبي سلمة، ولا خلافَ أنَّ موت أبي سلمة كان قبل جعفر ﵄.

стр. 3803

وأجاب النَّاس عن ذلك بأنَّ هذا حديثٌ منقطعٌ، فإنَّ عبد الله بن شدَّاد بن الهاد لم يسمع من رسول الله ﷺ ولا رآه، فكيف يُقدَّم حديثه على الأحاديث الصَّحيحة المسندة الَّتي لا مطعنَ فيها؟ وفي الحديث الثَّاني: الحجَّاج بن أرطاة، ولا يُعارَض بحديثه حديثُ الأئمَّة الأثبات الذين هم فرسان الحديث. فصل الحكم الثَّاني: أنَّ الإحداد تابعٌ للعدَّة بالشُّهور، وأمَّا الحامل فإذا انقضى حملها سقط وجوب الإحداد عنها اتِّفاقًا، فإنَّ لها أن تتزوَّج وتتجمَّل وتتطيَّب (١) لزوجها وتتزيَّن له ما شاءت. فإن قيل: فإذا زادت مدَّة الحمل على أربعة أشهرٍ وعشرٍ هل يسقط وجوب الإحداد أم يستمرُّ إلى حين الوضع؟ قيل: بل يستمرُّ الإحداد إلى حين الوضع، فإنَّه من توابع العدَّة، ولهذا قُيِّد بمدَّتها، وهو حكمٌ من أحكام العدَّة وواجبٌ من واجباتها، فكان معها وجودًا وعدمًا. فصل الحكم الثَّالث: أنَّ الإحداد يستوي فيه جميع الزَّوجات المسلمة والكافرة والحرَّة والأمة الصَّغيرة والكبيرة، هذا قول الجمهور: أحمد والشَّافعيِّ ومالك، إلا أنَّ أشهب وابن نافع قالا: لا إحدادَ على الذِّمِّيَّة. رواه

стр. 3804

أشهب عن مالك (١)، وهو قول أبي حنيفة، ولا إحدادَ عنده على الصَّغيرة. واحتجَّ أرباب هذا القول بأنَّ النَّبيَّ ﷺ جعل الإحداد من أحكام من يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا تدخل فيه الكافرة، ولأنَّها غير مكلَّفةٍ بأحكام الفروع. قالوا: وعدولُه عن اللَّفظ العامِّ المطلق إلى الخاصِّ المقيَّد بالإيمان يقتضي أنَّ هذا من أحكام الإيمان ولوازمه وواجباته، فكأنَّه قال: من التزم الإيمان فهذا من شرائعه وواجباته. والتَّحقيق: أنَّ نفْيَ حلِّ الفعل عن المؤمنين لا يقتضي نفْيَ حكمه عن الكفَّار، ولا إثباتَ الحلّ لهم أيضًا، وإنَّما يقتضي أنَّ من التزم الإيمانَ وشرائعه فهذا لا يحلُّ له، ويجب على كلِّ حالٍ أن يلزم الإيمانَ وشرائعه، ولكن لا يُلزِمه الشَّارع شرائعَ الإيمان إلا بعد دخوله فيه. وهذا كما لو قيل: لا يحلُّ لمؤمنٍ أن يترك الصَّلاة والزَّكاة والحجَّ، فهذا لا يدلُّ على أنَّ ذلك حلٌّ للكافر، وهذا كما قال في لباس الذهب (٢): «لا ينبغي هذا للمتَّقين» (٣)، فلا يدلُّ على أنَّه ينبغي لغيرهم، وكذا قوله: «لا ينبغي للمؤمنِ أن يكون لعَّانًا» (٤).

стр. 3805

وسرُّ المسألة: أنَّ شرائع الحلال والحرام والإيجاب إنَّما شُرِعت لمن التزم أصلَ الإيمان، ومن لم يلتزمه وخُلِّي بينه وبين دينه فإنَّه يُخلَّى بينه وبين شرائع الدِّين الذي التزمه كما خلِّي بينه وبين أصله، ما لم يحاكم إلينا. وهذه القاعدة متَّفقٌ عليها بين العلماء، ولكن عذر الذين أوجبوا الإحداد على الذِّمِّيَّة أنَّه يتعلَّق به حقُّ الزَّوج المسلم، وكان في إلزامها به كأصل العدَّة، ولهذا لا يُلزِمونها به في عدَّتها من الذِّمِّيِّ، ولا يُتعرَّض لها فيها، فصار هذا كعقودهم مع المسلمين، فإنَّهم يُلزَمون فيها بأحكام الإسلام، وإنّا (١) لم نتعرَّض لعقودهم مع بعضهم بعضًا. ومن ينازعهم في ذلك يقولون: الإحداد حقٌّ لله، ولهذا لو اتَّفقت هي والأولياء والمتوفَّى على سقوطه ــ بأن أوصاها بتركه ــ لم يسقط، ولزِمَها الإتيان به، فهو جارٍ مجرى العبادات، وليست الذِّمِّيَّة من أهلها، فهذا سرُّ المسألة. فصل الحكم الخامس (٢): أنَّ الإحداد لا يجب على الأمة ولا أمِّ الولد إذا مات سيِّدهما (٣)، لأنَّهما ليسا بزوجين. قال ابن المنذر (٤): لا أعلمهم يختلفون (٥) في ذلك.

стр. 3806

فإن قيل: فهل لهما أن تُحِدَّان (١) ثلاثة أيَّامٍ؟ قيل: نعم لهما ذلك، فإنَّ النَّصَّ إنَّما حرَّم الإحداد فوق الثَّلاث على غير الزَّوج، وأوجبه أربعة أشهرٍ وعشرًا على الزَّوج، فدخلت الأمة وأمُّ الولد فيمن يحلُّ له الإحدادُ، لا فيمن يحرم عليهنَّ، ولا فيمن يجب. فإن قيل: فهل يجب على المعتدَّة من طلاقٍ، أو وطءِ شبهةٍ، أو زنًا، أو استبراءٍ إحدادٌ؟ قلنا: هذا هو الحكم السادس الذي دلَّت عليه السُّنَّة، أنَّه لا إحدادَ على واحدةٍ من هؤلاء؛ لأنَّ السُّنَّة أثبتتْ ونفتْ، فخصَّت بالإحداد الواجب الزَّوجاتِ وبالجائز غيرَهنَّ على الأموات خاصَّةً، وما عداهما فهو داخلٌ في حكم التَّحريم على الأموات، فمن أين لكم دخولُه في الإحداد على المطلَّقة البائن (٢)؟ وقد قال سعيد بن المسيب وأبو عبيد وأبو ثورٍ وأبو حنيفة وأصحابه والإمام أحمد ــ في إحدى الرِّوايتين عنه اختارها الخرقي ــ: إنَّ البائن يجب عليها الإحداد، وهذا محض القياس؛ لأنَّها معتدَّةٌ بائنٌ من نكاحٍ، فلزمها الإحداد كالمتوفَّى عنها، لأنَّهما اشتركا في العدَّة واختلفا في سببها، ولأنَّ العدَّة تُحرِّم النِّكاحَ فحرمت دواعيه. قالوا: ولا ريبَ أنَّ الإحداد معقول المعنى، وهو أنَّ إظهار الزِّينة والطِّيب والحُليِّ ممَّا يدعو المرأةَ إلى الرِّجال ويدعو الرِّجالَ إليها، فلا يُؤمَن

стр. 3807

أن تكذب في انقضاء عدَّتها استعجالًا لذلك، فمُنِعت من دواعي ذلك وسُدَّت إليه الذَّريعةُ. هذا مع أنَّ الكذب في عدَّة (١) الوفاة يتعذَّر غالبًا، بظهور موت الزَّوج وكونِ العدَّة أيَّامًا معدودةً، بخلاف عدَّة الطَّلاق فإنَّها بالأقراء، وهي لا تُعلَم إلا من جهتها، فكان الاحتياط لها أولى. قيل: قد أنكر الله سبحانه على من حرَّم زينته الَّتي أخرج لعباده والطَّيِّبات من الرِّزق، وهذا يدلُّ على أنَّه لا يجوز أن يُحرَّم من الزِّينة إلا ما حرَّمه الله ورسوله، والله سبحانه قد حرَّم على لسان رسوله زينةَ الإحداد على المتوفَّى عنها مدَّةَ العدَّة، وأباح رسوله الإحدادَ بتركها على غير الزَّوج، فلا يجوز تحريمُ غيرِ ما حرَّمه، بل هو على أصل الإباحة. وليس الإحداد من لوازم العدَّة ولا توابعها، ولهذا لا يجب على الموطوءة بشبهةٍ، ولا المَزْنيِّ بها، ولا المستبرأةِ، ولا الرَّجعيَّةِ اتِّفاقًا. وهذا القياس أولى من قياسها على المتوفَّى عنها، لما بين العدَّتين من الفروق (٢) قدرًا وسببًا وحكمًا، فإلحاق عدَّة الأقراء بالأقراء أولى من إلحاق عدَّة الأقراء بعدَّة الوفاة. وليس المقصود من الإحداد على الزَّوج الميِّت مجرَّد ما ذكرتم من طلب الاستعجال، فإنَّ العدَّة فيه لم تكن لمجرَّد (٣) العلم ببراءة الرَّحم، ولهذا تجب قبل الدُّخول، وإنَّما هو من تعظيم هذا العقد، وإظهارِ خَطَرِه وشَرَفِه، وأنَّه عند الله بمكانٍ، فجُعِلت العدَّة حريمًا له، وجُعِل الإحداد من

стр. 3808

تمام هذا المقصود وتأكُّدِه ومزيدِ الاعتناء به، حتَّى جُعِلت الزَّوجة أولى بفعله على زوجها من أبيها وأمها وأختها (١) وسائر أقاربها. وهذا من تعظيم هذا العقد وتشريفه، وتأكُّدِ الفرق بينه وبين السِّفاح من جميع أحكامه، ولهذا شُرِع في ابتدائه إعلانُه والإشهادُ عليه والضَّربُ بالدُّفِّ لتتحقَّق المضادَّة بينه وبين السِّفاح، وشُرِع في آخره وانتهائه من العدَّة والإحداد ما لم يُشرَع في غيره. فصل الحكم السابع: في الخصال الَّتي تجتنبها الحادَّة، وهي الَّتي دلَّ عليها النَّصُّ، دون الآراء والأقوال الَّتي لا دليل عليها، وهي أربعةٌ: أحدها: الطِّيب، لقوله في الحديث الصَّحيح: «ولا تَمَسُّ طيبًا» (٢)، ولا خلافَ في تحريمه عند من أوجب الإحداد، ولهذا لمَّا خرجت أم حبيبة من إحدادها على أبيها أبي سفيان دعتْ بطيبٍ فدهنتْ منه جاريةً، ثمَّ مسَّت بعارضيها، ثمَّ ذكرت الحديث (٣)، ويدخل في الطِّيب المسكُ والعنبر والكافور والنَّدُّ والغالية والزَّباد (٤) والذَّريرة والبخور، والأدهان المطيِّبة كدهن البان والورد والبَنَفْسَج والياسمين، والمياه المعتصرة من الأدهان الطَّيِّبة كماء الورد وماء القَرَنْفُل وماء زهر النَّارنج، فهذا كلُّه طيبٌ، ولا يدخل فيه

стр. 3809

الزَّيت ولا الشَّيْرَج (١) ولا السَّمْن، ولا تُمنع من الادِّهان بشيءٍ من ذلك. فصل الحكم الثامن: الزينة (٢)، وهي ثلاثة أنواعٍ: أحدها: الزِّينة في يَدَيْها (٣)، فيحرم عليها الخضاب والنَّقش والتَّطريف (٤) والحمرة والإسْفِيْداج (٥)، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ نصَّ على الخضاب منبِّهًا به على هذه الأنواع، الَّتي هي أكثر زينةً منه وأعظم فتنةً وأشدُّ مضادَّةً لمقصود الإحداد. ومنها: الكحل، والنَّهي عنه ثابتٌ بالنَّصِّ الصريح الصَّحيح. ثمَّ قال طائفةٌ من أهل العلم من السَّلف والخلف ومنهم أبو محمَّد بن حزمٍ (٦): لا تكتحل ولو ذهبت عيناها، ليلًا ولا نهارًا، ويساعد قولَهم حديثُ أم سلمة المتَّفق عليه (٧): أنَّ امرأةً تُوفِّي عنها زوجها فخافوا على عينها، فأتوا النَّبيَّ ﷺ فاستأذنوه في الكحل، فما أذِنَ فيه بل قال: «لا» مرَّتين أو ثلاثًا، ثمَّ ذكر لهم ما كانوا يفعلونه في الجاهليَّة من الإحداد البليغ سنةً ويصبرن على ذلك، أفلا يصبرن أربعة أشهرٍ وعشرًا؟ ولا ريبَ أنَّ الكحل من أبلغ الزِّينة،

стр. 3810

فهو كالطِّيب أو أشدُّ منه. وقال بعض الشَّافعيَّة (١): للسَّوداء أن تكتحل. وهذا تصرُّفٌ مخالفٌ للنَّصِّ والمعنى، وأحكام رسول الله ﷺ لا تُفرِّق بين السُّود والبِيض، كما لا تُفرِّق بين الطِّوال والقصار، ومثل هذا القياس والرأي (٢) الفاسد الذي اشتدَّ نَكرُ (٣) السَّلفِ له وذَمُّهم إيَّاه. وأمَّا جمهور العلماء ــ كمالك وأحمد وأبي حنيفة والشَّافعيِّ وأصحابهم ــ فقالوا: إن اضطُرَّت إلى الكحل بالإثمد تداويًا لا زينةً فلها أن تكتحل به ليلًا وتمسحه نهارًا. وحجَّتهم حديث أم سلمة المتقدِّم، وأنَّها قالت في كحل الجِلاء: «لا تكتحلي إلا ما لا بدَّ منه، يشتدُّ عليك فتكتحلين باللَّيل وتغسلينه بالنَّهار». ومن حجَّتهم حديث أم سلمة الآخر أنَّ رسول الله ﷺ دخل عليها وقد جعلت عليها صَبِرًا، فقال: «ما هذا يا أم سلمة؟» فقلت: صَبِرٌ يا رسول الله ليس فيه طيبٌ، قال: «إنَّه يَشُبُّ الوجه»، فقال (٤): «لا تجعليه إلا باللَّيل، وتَنزِعينه بالنَّهار». وهما حديثٌ واحدٌ فرَّقه الرُّواة، وأدخل مالك هذا القدر منه في «موطَّئه» (٥) بلاغًا، وذكر أبو عمر في «التَّمهيد» (٦) له طرقًا يشدُّ بعضها بعضًا، ويكفي احتجاج مالك به. وأدخله أهل السُّنن في كتبهم، واحتجَّ به الأئمَّة،

стр. 3811

وأقلُّ درجاته أن يكون حسنًا، ولكن حديثها هذا مخالفٌ في الظَّاهر لحديثها المسند المتَّفق عليه (١)، فإنَّه يدلُّ على أن المتوفَّى عنها لا تكتحل بحالٍ، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يأذن للمشتكية عينها في الكحل، لا ليلًا ولا نهارًا، ولا من ضرورةٍ ولا غيرها، وقال «لا» مرَّتين أو ثلاثًا، ولم يقل: إلا أن تضطرَّ. وقد ذكر مالك (٢) عن نافع عن صفية ابنة أبي عُبيد أنَّها اشتكت عينها وهي حادٌّ على زوجها عبد الله بن عمر، فلم تكتحل حتَّى كادت عيناها تَرْمَصانِ (٣). قال أبو عمر (٤): وهذا عندي ــ وإن كان ظاهره مخالفًا لحديثها الآخر، لما فيه من إباحته باللَّيل، وقوله في الحديث الآخر «لا» مرَّتين أو ثلاثًا على الإطلاق ــ أنَّ ترتيب الحديثين والله أعلم على أنَّ الشَّكاة الَّتي قال فيها رسول الله ﷺ «لا» لم تبلغ ــ والله أعلم ــ منها مبلغًا لا بدَّ لها فيه من الكحل؛ فلذلك نهاها، ولو كانت محتاجةً مضطرَّةً تخاف (٥) ذهابَ بصرها لأباح لها ذلك، كما فعل بالَّتي قال لها: «اجعليه باللَّيل وامسحيه بالنَّهار». والنَّظر يشهد لهذا التّأويل؛ لأنَّ الضَّرورات تنقل المحظوراتِ إلى حال المباح في الأصول، ولذلك جعل مالك فتوى أم سلمة هذه تفسيرًا للحديث المسند في الكحل؛ لأنَّ أم سلمة روتْه، وما كانت لتخالفه إذا صحَّ عندها، وهي أعلم بتأويله

стр. 3812

ومخرجه. والنَّظر يشهد لذلك؛ لأنَّ المضطرَّ إلى شيءٍ لا يُحكم له بحكم المرفَّه المتزيِّن، وليس الدَّواء والتَّداوي من الزِّينة في شيءٍ، وإنَّما نُهِيت الحادُّ (١) عن الزِّينة لا عن التَّداوي، وأم سلمة أعلمُ بما روت مع صحَّته في النَّظر، وعليه أهل الفقه، وبه قال مالك والشَّافعيُّ وأكثر الفقهاء. وقد ذكر مالك في «موطَّئه» (٢) أنَّه بلغه عن سالم بن عبد الله وسليمان بن يسارٍ أنَّهما كانا يقولان في المرأة يُتوفَّى عنها زوجها: إنَّها إذا خشيت على بصرها من رَمَدٍ بعينيها، أو شكوى أصابتها، أنَّها تكتحل وتتداوى بالكحل وإن كان فيه طيبٌ. قال أبو عمر (٣): لأنَّ القصد إلى التَّداوي لا إلى التَّطيُّب، والأعمال بالنِّيَّات. وقال الشَّافعيُّ: الصَّبِر يُصفِّر فيكون زينةً، وليس بطيبٍ، وهو كحل الجِلاء، فأذنتْ فيه أم سلمة للمرأة باللَّيل حيث لا تُرى، وتمسحه بالنَّهار حيث تُرى، وكذلك ما أشبهه. وقال أبو محمد بن قدامة في «المغني» (٤): وإنَّما تُمنع الحادُّ من الكحل بالإثمد لأنَّه الذي تحصل به الزِّينة، فأمَّا الكحل بالتُّوتيا (٥) والعَنْزَرُوت (٦)

стр. 3813

ونحوهما فلا بأس به، لأنَّه لا زينةَ فيه، بل يُقبِّح العين ويزيدها مَرَهًا (١). قال (٢): ولا تُمنَع من جَعْل الصَّبِر على غير وجهها من بدنها، لأنَّه إنَّما مُنِع منه في الوجه لأنَّه يُصَفِّره فيشبه الخضاب، فلهذا قال النَّبيُّ ﷺ : «إنَّه يَشُبُّ الوجهَ». قال: ولا تُمنع من تقليم الأظفار ونَتْف الإبط وحلق الشَّعر المندوب إلى حلقه، ولا من الاغتسال بالسِّدر والامتشاط به، لحديث أم سلمة، ولأنَّه يراد للتَّنظيف لا للطِّيب. وقال إبراهيم بن هانئٍ النَّيسابوريُّ في «مسائله» (٣): قيل لأبي عبد الله: المتوفَّى عنها أتكتحل بالإثمد؟ قال: لا، ولكن إن (٤) أرادت اكتحلت بالصَّبر إذا خافت على عينها، أو اشتكت شكوى شديدةً. فصل النَّوع الثَّاني: زينة الثِّياب، فيحرم عليها ما نهاها عنه النَّبيُّ ﷺ ، وما هو أولى بالمنع منه، وما هو مثله. وقد صحَّ عنه أنَّه قال: «ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا» (٥)، وهذا يعمُّ المعصفرَ والمزعفر، وسائرَ المصبوغ بالأحمر

стр. 3814

والأصفر والأخضر والأزرق الصَّافي، وكلَّ ما يُصبغ للتَّحسين والتَّزيين. وفي اللَّفظ الآخر: «ولا تلبسُ المعصفرَ من الثِّياب، ولا المُمَشَّقَ» (١). وههنا نوعان آخران: أحدهما: مأذونٌ فيه، وهو ما نُسِج من الثِّياب على وجهه ولم يدخل عليه صبغٌ: من خَزٍّ (٢)، أو قُطنٍ، أو كتَّانٍ، أو صوفٍ، أو وبرٍ، أو شعرٍ، أو صُبِغ غزلُه ونُسِج مع غيره كالبرود (٣). والثَّاني: ما لا يراد بصبغه الزِّينة، مثل السَّواد وما صُبغ ليقبح (٤) أو ليستُرَ الوسخَ، فهذا لا يُمنع منه. قال الشَّافعيُّ (٥) ﵀ : في الثِّياب زينتان، إحداهما: جمال الثِّياب على اللَّابسين، والسُّترة للعورة. فالثِّياب زينةٌ لمن لبسها، وإنَّما نُهِيت الحادَّة (٦) عن زينة بدنها ولم تُنْهَ عن ستر عورتها، فلا بأس أن تلبس كلَّ ثوبٍ من البياض؛ لأنَّ البياض ليس بمزيِّنٍ، وكذلك الصُّوف والوبَر وكلُّ ما يُنسَج على وجهه ولم يدخل عليه صَبْغٌ من خزٍّ أو غيره، وكذلك كلُّ صبغٍ لم يُرَد به

стр. 3815

التزيُّن، مثل السَّواد وما صُبِغ ليقبح أو لنفي الوسخ عنه، فأمَّا ما كان من زينةٍ أو وَشْيٍ (١) في ثوب أو غيره، فلا تلبسه الحادُّ، وذلك لكلِّ حرَّةٍ أو أمةٍ، وكبيرةٍ وصغيرةٍ، مسلمةٍ أو ذمِّيَّةٍ. انتهى كلامه. قال أبو عمر (٢): وقول الشَّافعيِّ في هذا الباب نحو قول مالك، وقال أبو حنيفة: لا تلبس ثوبَ عَصْبٍ ولا خَزٍّ وإن لم يكن مصبوغًا إذا أرادت به الزِّينة، وإن لم تُرِد بلبس (٣) الثَّوب المصبوغ الزِّينةَ فلا بأسَ أن تلبسه. وإذا اشتكت عينَها اكتحلت بالأسود وغيره، وإن لم تشتكِ عينَها (٤) لم تكتحل. فصل وأمَّا الإمام أحمد فقال في رواية أبي طالب: ولا تتزيَّن المعتدَّة، ولا تتطيَّب بشيءٍ من الطِّيب، ولا تكتحل بكحلِ زينةٍ، وتَدَّهن بدهنٍ ليس فيه طيبٌ، ولا تقرب مسكًا ولا زعفرانًا للطِّيب، والمطلَّقة واحدةً أو اثنتين تتزيَّن وتتشوَّف لعلَّه أن يراجعها. وقال أبو داود في «مسائله» (٥): سألت أحمد قال: المتوفَّى عنها زوجُها والمطلَّقة ثلاثًا والمُحرِمة يجتنبن الطِّيبَ والزِّينة.

стр. 3816

وقال حرب في «مسائله» (١): سألت أحمد قلت: المتوفَّى عنها زوجها والمطلَّقة هل تلبسانِ البُردَ ليس بحريرٍ؟ فقال: لا تتطيَّب (٢) المتوفَّى عنها، ولا تتزيَّنُ (٣) بزينةٍ، وشدَّد في الطِّيب إلا أن يكون قليلًا عند طهرها. ثمَّ قال: وشبِّهت المطلَّقة ثلاثًا بالمتوفَّى عنها لأنَّه ليس لزوجها عليها رجعةٌ. ثمَّ ساق حرب بإسناده إلى أم سلمة قالت: المتوفَّى عنها لا تلبس المعصفر من الثِّياب، ولا تختضب، ولا تكتحل، ولا تتطيَّب (٤)، ولا تمتشط بطيبٍ (٥). وقال إبراهيم بن هانئٍ النَّيسابوريُّ في «مسائله» (٦): سألت أبا عبد الله عن المرأة تنتقب في عدَّتها أو تَدَّهن في عدَّتها؟ قال: لا بأس به، وإنَّما كُرِه للمتوفَّى عنها زوجها أن تتزيَّن. وقال أبو عبد الله: كلُّ دهنٍ فيه طيبٌ فلا تَدَّهِن به. فقد دار كلام الإمام أحمد والشَّافعيِّ وأبي حنيفة على أنَّ الممنوع منه من الثِّياب ما كان من لباس الزِّينة من أيِّ نوعٍ كان. وهذا هو الصَّواب قطعًا، فإنَّ المعنى الذي مُنِعت من المعصفر والممشَّق لأجله مفهومٌ، والنَّبيُّ ﷺ خصَّه بالذِّكر مع المصبوغ تنبيهًا على ما هو مثله وأولى بالمنع، فإذا كان الأبيض والبرود المحرَّرة (٧) الرَّفيعة الغالية الأثمان ممَّا يراد للزِّينة

стр. 3817

لارتفاعهما وتَناهِي جودتهما كانا (١) أولى بالمنع من الثَّوب المصبوغ. وكلُّ من عقَلَ عن الله ورسوله لم يسترِبْ في ذلك، لا كما قال أبو محمَّد بن حزمٍ (٢): إنَّها تجتنب الثِّياب المصبَّغة فقط، ومباحٌ لها أن تلبس بعدُ ما شاءت من حريرٍ أبيض وأصفر من لونه الذي لم يُصبغ، وصوف البحر الذي هو لونه، وغير ذلك. ومباحٌ لها أن تلبس المنسوج بالذَّهب والحليِّ كلّه من الذَّهب والفضَّة والجوهر والياقوت والزُّمرُّد وغير ذلك. فهي خمسة أشياء تجتنبها فقط، وهي الكحلُ كلُّه لضرورةٍ أو لغير ضرورةٍ، ولو ذهبت عيناها، لا ليلًا ولا نهارًا. وتجتنب فرضًا كلَّ ثوبٍ مصبوغٍ ممَّا يُلبس في الرَّأس أو على الجسد أو على شيءٍ منه، سواءٌ في ذلك السَّواد والخضرة والحمرة والصُّفرة وغير ذلك، إلا العَصب وحده، وهي (٣) ثيابٌ موشَّاةٌ تُعمل باليمن، فهو مباحٌ لها. وتجتنب أيضًا فرضًا الخضابَ كلَّه جملةً. وتجتنب الامتشاطَ حاشا التَّسريح بالمُشْط فقط فهو حلالٌ لها. وتجتنب أيضًا فرضًا الطِّيبَ كلَّه ولا تقربه، حاشا شيئًا من قُسْطٍ أو أظفارٍ عند طهرها فقط. فهذه الخمسة الَّتي ذكرها، حكينا كلامه فيها بنصِّه. وليس بعجيبٍ منه تحريمُ لبسِ ثوبٍ أسودَ عليها ليس (٤) من الزِّينة في شيءٍ، وإباحةُ ثوبٍ يتَّقد ذهبًا ولؤلؤًا وجواهرَ، ولا تحريمُ (٥) المصبوغِ

стр. 3818

الغليظ لحمل الوسخ، وإباحةُ الحرير الذي هو يأخذ بالعيون حسنُه وبهاؤه ورُواؤه، وإنَّما العجب منه أن [يقول] (١): هذا دين الله في نفس الأمر وأنَّه لا يحلُّ لأحدٍ خلافه. وأعجبُ من هذا إقدامُه على خلاف الحديث الصَّحيح في نهيه ﷺ لها عن لباس الحُليِّ. وأعجبُ من هذا أنَّه ذكر الخبر بذلك، ثمَّ قال (٢): ولا يصحُّ لأنَّه من رواية إبراهيم بن طَهْمان، وهو ضعيفٌ، ولو صحَّ لقلنا به. فللَّه ما لقي إبراهيم بن طهمان من أبي محمَّد بن حزمٍ! وهو من الحفَّاظ الأثبات الثِّقات الذين اتَّفق الأئمَّة السِّتَّة على إخراج حديثه، واتَّفق أصحاب الصَّحيح ــ وفيهم الشَّيخان ــ على الاحتجاج بحديثه، وشهدَ له الأئمَّة بالثِّقة والصِّدق، ولم يُحفظ عن أحدٍ منهم فيه جرحٌ ولا خَدْشٌ، ولا يُحفظ عن أحدٍ من المحدِّثين قطُّ تعليلُ حديثٍ رواه، ولا تضعيفُه به. وقرئ على شيخنا أبي الحجاج الحافظ في «التَّهذيب» وأنا أسمع قال (٣): إبراهيم بن طهمان بن سعيد (٤) الخراساني أبو سعيدٍ الهرويُّ، ولد بهراةَ، وسكن نيسابور، وقدم بغداد وحدَّث بها، ثمَّ سكن بمكَّة حتَّى مات بها.

стр. 3819

ثمَّ ذكر عمَّن روى ومن روى عنه، ثمَّ قال: قال نوح أبو عمرو المروزي (١) عن سفيان بن عبد الملك عن ابن المبارك: صحيح الحديث. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبلٍ عن أبيه وأبو (٢) حاتم: ثقةٌ. وقال عبد الله بن أحمد عن يحيى بن معينٍ: لا بأس به. وكذلك قال العجلي. وقال أبو حاتم: صدوقٌ حسن الحديث. وقال عثمان بن سعيدٍ الدَّارميُّ: كان ثقةً في الحديث، لم يزل الأئمَّة يشتهون حديثه ويرغبون فيه ويوثِّقونه. وقال أبو داود: ثقةٌ. وقال إسحاق بن راهويه: كان صحيح الحديث، حسن الرِّواية، كثير السَّماع، ما كان بخراسان أكثر حديثًا منه، وهو ثقةٌ. روى له الجماعة. وقال يحيى بن أكثم القاضي: كان من أنبلِ من حدَّث بخراسان والعراق والحجاز، وأوثقهم، وأوسعهم علمًا. وقال المسعودي: سمعت مالك بن سليمان يقول: مات إبراهيم بن طهمان سنة ثمانٍ وستِّين ومائةٍ بمكَّة، ولم يخلف مثله. وقد أفتى الصَّحابة ﵃ بما هو مطابقٌ لهذه النُّصوص وكاشفٌ عن معناها ومقصودها، فصحَّ عن ابن عمر أنَّه قال: لا تكتحل، ولا تطيَّبُ، ولا تختضب، ولا تلبس المعصفر ولا ثوبًا مصبوغًا إلّا (٣) بردًا، ولا تتزيَّن بحليٍّ، ولا تلبس شيئًا تريد به الزِّينة، ولا تكتحل بكُحلٍ تريد به الزِّينة إلا أن تشتكي عينَها (٤).

стр. 3820

وصحَّ عنه (١) من طريق عبد الرزاق (٢) عن سفيان الثَّوريِّ، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: لا تمسُّ المتوفَّى عنها طيبًا، ولا تختضب، ولا تكتحل، ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا إلا ثوبَ عَصْبٍ (٣) تتجلببُ به. وصحَّ عن أم عطية: لا تلبس الثِّياب المصبَّغة إلا العَصْب، ولا تمسُّ طيبًا إلا أدنى الطِّيب بالقُسْط والأظفار، ولا تكتحل بكُحلِ زينةٍ (٤). وصحَّ عن ابن عبَّاسٍ أنَّه قال: تجتنب الطِّيب والزِّينة (٥). وصحَّ عن أم سلمة: لا تلبس من الثِّياب المصبَّغة شيئًا، ولا تكتحل، ولا تلبس حُليًّا، ولا تختضب، ولا تتطيَّب (٦).
следующие страницы →