← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.

стр. 3921

فإنَّها أقرب إلى مقصود أحمد، وأقرب إلى القياس؛ وذلك لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لعن عاصرَ الخمر ومعتصَرها وحاملَها والمحمولةَ إليه (١)، فالعاصر والحامل قد عاوضا على منفعةٍ تستحقُّ عوضًا، وهي ليست محرَّمةً في نفسها، وإنَّما حُرِّمت بقصد المعتصر والمحتمل (٢)، فهو كما لو باع عنبًا وعصيرًا لمن يتَّخذه خمرًا، وفات العصير والخمر في يد المشتري، فإنَّ مال البائع لا يذهب مجَّانًا، بل يُقضى له بعوضه. كذلك هنا، المنفعة الَّتي وفَّاها المُؤجِر، لا تذهب مجَّانًا، بل يُعطى بدلها، فإنَّ تحريم الانتفاع بها (٣) إنَّما كان من جهة المستأجر، لا من جهة المُؤجِر، فإنَّه لو حملها للإراقة، أو لإخراجها إلى الصَّحراء خشيةَ التَّأذِّي بها= جاز. ثمَّ نحن نحرِّم الأجرة عليه لحقِّ الله سبحانه لا لحقِّ المستأجر والمشتري، بخلاف من (٤) استُؤجِر للزِّنا أو التَّلوُّط أو القتل أو السَّرقة، فإنَّ نفس هذا العمل محرَّمٌ [لا] (٥) لأجل قصد المستأجر، فهو كما لو باعه ميتةً أو خمرًا، فإنَّه لا يُقضى له بثمنها؛ لأنَّ نفس هذه العين محرَّمةٌ، وكذلك لا يُقضى له بعوض هذه المنفعة المحرَّمة. قال شيخنا (٦): ومثل هذه الإجارة والجِعالة ــ يعني الإجارة على حمل الخمر والميتة ــ لا تُوصف بالصِّحَّة مطلقًا، ولا بالفساد مطلقًا، بل يقال: هي صحيحةٌ بالنِّسبة إلى المستأجر، بمعنى أنَّه يجب عليه العوض، وفاسدةٌ بالنِّسبة

стр. 3922

إلى الأجير، بمعنى أنَّه يحرم عليه الانتفاع بالأجر، ولهذا في الشَّريعة نظائر. قال: ولا ينافي هذا نصُّ أحمد على كراهة نظارة كَرْم النَّصرانيِّ، فإنَّا ننهاه عن هذا الفعل وعن عوضه، ثمَّ نقضي له بكرائه. قال: ولو لم نفعل هذا لكان في هذا منفعةٌ عظيمةٌ للعصاة، فإنَّ كلَّ من استأجروه على عملٍ يستعينون به على المعصية قد حصَّلوا غرضَهم منه، فإذا لم يعطوه شيئًا، ووجب أن يُردَّ عليهم ما أُخِذ منهم= كان ذلك أعظم العون لهم، وليسوا بأهلٍ أن يُعانوا على ذلك. بخلاف من سلَّم إليهم عملًا لا قيمةَ له بحالٍ، يعني كالزَّانية والمغنِّي والنَّائحة، فإنَّ هؤلاء لا يُقضى لهم بأجرة. ولو قبضوا منهم المال، فهل يلزمهم ردُّه عليهم، أم يتصدَّقون به؟ فقد تقدَّم الكلام مستوفًى في ذلك، وبيَّنَّا أنَّ الصَّواب أنَّه لا يلزمهم ردُّه، ولا يَطيبُ لهم أكلُه، والله الموفِّق للصَّواب. فصل الحكم الخامس: حُلوان الكاهن. قال أبو عمر بن عبد البرِّ (١): لا خلافَ في حُلوان الكاهن أنَّه ما يُعطاه على كهانته، وهو من أكل المال بالباطل. والحُلوان في أصل اللُّغة: العطيَّة، قال علقمة (٢): فمَنْ رَجُلٌ (٣) أحلُوه رَحْلي وناقتي ... يُبلِّغ عنِّي الشِّعرَ إذْ ماتَ قائلُه انتهى.

стр. 3923

وتحريم حلوان الكاهن تنبيهٌ على تحريم حُلوان المنجِّم، والزَّاجر، وصاحب القرعة الَّتي هي شقيقة الأزلام، وضاربة الحصا، والعرَّاف، والرَّمَّال، ونحوهم ممَّن يُطلب منهم (١) الإخبار عن المغيَّبات، وقد نهى النَّبيُّ ﷺ عن إتيان الكهَّان، وأخبر أنَّ من أتى عرَّافًا فصدَّقه بما يقول، فقد كفر بما أُنزِل عليه ﷺ (٢). ولا ريب أنَّ الإيمان بما جاء به محمَّدٌ ﷺ وبما يجيء به هؤلاء لا يجتمعانِ في قلبٍ واحدٍ، وإن كان أحدهم قد يَصدُق أحيانًا، فصدقه بالنِّسبة إلى كذبه قليلٌ من كثيرٍ، وشيطانه الذي يأتيه بالأخبار لا بدَّ له أن يَصْدُقه أحيانًا ليُغوِي به النَّاسَ ويَفتِنهم به. وأكثر النَّاس مستجيبون لهؤلاء مؤمنون بهم، ولا سيَّما ضعفاء العقول كالسُّفهاء والجهَّال والنِّساء، وأهل البوادي، ومن لا علمَ لهم بحقائق الإيمان، فهؤلاء هم المفتونون بهم، وكثيرٌ منهم يُحسِن الظَّنَّ بأحدهم ولو كان مشركًا كافرًا بالله مجاهرًا بذلك، ويزوره، وينذر له، ويلتمس دعاءه. فقد رأينا وسمعنا من ذلك كثيرًا. وسبب هذا كلِّه خفاءُ ما بعث الله به رسوله من الهدى ودين الحقِّ على هؤلاء وأمثالهم، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ﴾ [النور: ٤٠]. وقد قال الصَّحابة للنَّبيِّ ﷺ : إنَّ هؤلاء يحدِّثوننا أحيانًا بالأمر، فيكون كما قالوا، فأخبرهم أنَّ ذلك من جهة الشَّياطين، يُلْقُون إليهم الكلمة تكون حقًّا، فيزيدون هم معها مئة كذبةٍ، فيصدَّقون من أجل تلك

стр. 3924

الكلمة (١). وأصحاب (٢) الملاحم فركَّبوا ملاحمهم من أشياء: أحدها: أخبار (٣) الكهَّان. والثَّاني: أخبار منقولة عن الكتب السَّالفة متوارثة بين أهل الكتاب. والثَّالث: من أمورٍ أخبر نبيُّنا ﷺ بها جملةً وتفصيلًا. والرَّابع: من أمورٍ أخبر بها من له كشفٌ من الصَّحابة ومن بعدهم. والخامس: من مناماتٍ متواطئةٍ على أمرٍ كلِّيٍّ أو جزئيٍّ. فالجزئيُّ يذكرونه بعينه، والكلِّيُّ يفصِّلونه بحَدْسٍ وقرائنَ تكون حقًّا أو تُقارِب. والسَّادس: من استدلالٍ بآثار عُلويَّةٍ جعلها الله سبحانه علاماتٍ وأدلَّةً وأسبابًا لحوادثَ أرضيَّةٍ لا يعلمها أكثر النَّاس، فإنَّ الله سبحانه لم يخلق شيئًا سُدًى ولا عبثًا (٤)، وربط سبحانه العالم العُلويَّ بالسُّفليِّ، وجعل عُلويَّه مؤثِّرًا في سُفليِّه دون العكس، فالشَّمس والقمر لا ينكسفان لموت أحدٍ ولا لحياته، وإن كان كسوفهما سببًا لشرٍّ (٥) يحدث في الأرض؛ ولهذا شرع سبحانه تغيير الشَّرِّ عند كسوفهما مما (٦) يدفع ذلك الشَّرَّ المتوقَّع من الصَّلاة

стр. 3925

والذِّكر والدُّعاء والتَّوبة والاستغفار والعتق، فإنَّ هذه الأسباب تُعارِض أسباب الشَّرِّ وتُقاوِمها، وتدفع موجبها إن قويت عليها. وقد جعل الله سبحانه حركة الشَّمس والقمر واختلافَ مطالعهما سببًا للفصول الَّتي هي سبب الحرِّ والبرد والشِّتاء والصَّيف، وما يحدث فيهما ممَّا يليق بكلِّ فصلٍ منها. فمن له اعتناءٌ بحركاتهما واختلافِ مطالعهما، يستدلُّ بذلك على ما يحدث في النَّبات والحيوان وغيرهما، وهذا أمرٌ يعرفه كثيرٌ من أهل الفِلاحة والزِّراعة. ورُبَّانِيُّ (١) السُّفُن لهم استدلالاتٌ بأحوالهما وأحوال الكواكب على أسباب السَّلامة والعَطَب (٢) من اختلاف الرِّياح وقوَّتها وعُصوفها، لا تكاد تَختلُّ. والأطبَّاء لهم استدلالاتٌ بأحوال القمر والشَّمس على اختلاف طبيعة الإنسان، وتَهيُّئها لقبول التَّغيُّر، واستعدادِها لأمورٍ غريبةٍ ونحو ذلك. وواضعو الملاحم لهم عنايةٌ شديدةٌ بهذا، وأمورٌ متوارثةٌ عن قدماء المنجِّمين، ثمَّ يستنتجون (٣) من هذا كلِّه قياساتٍ وأحكامًا تُشبِه ما تقدَّم نظيره. وسنَّة الله في خلقه جاريةٌ على سَنَنٍ اقتضتْه حكمتُه، فحكمُ النَّظير حكمُ نظيرِه، وحكمُ الشَّيء حكمُ مثلِه، وهؤلاء صرفوا قوى أذهانهم إلى أحكام القضاء والتقدير، واعتبار بعضه ببعضٍ، والاستدلال ببعضه على بعضٍ، كما صرف أئمَّة الشَّرع قوى أذهانهم إلى أحكام الأمر والشَّرع،

стр. 3926

واعتبار بعضه ببعضٍ، والاستدلال ببعضه على بعضٍ. والله سبحانه له الخلق والأمر، ومصدُر خلقه وأمره عن حكمةٍ لا تختلُّ ولا تعطَّل (١) ولا تنتقض، ومن صَرفَ قوى ذهنه وفكره، واستنفدَ (٢) ساعاتِ عمره في شيءٍ من أحكام هذا العالم وعلمه، كان له فيه من النُّفوذ والمعرفة والاطِّلاع ما ليس لغيره. ويكفي الاعتبارُ بفرعٍ واحدٍ من فروعه، وهو عبارة الرُّؤيا، فإنَّ العبد إذا نفَذَ فيها وكملَ اطِّلاعُه جاء بالعجائب. وقد شاهدنا نحن وغيرنا من ذلك أمورًا عجيبةً، يحكم فيها المعبِّر بأحكامٍ متلازمةٍ صادقةٍ سريعةٍ وبطيئةٍ، يقول سامعها: هذه علم غيبٍ. وإنَّما هي معرفة ما غاب عن غيره بأسبابٍ انفرد هو بعلمها، وخفيت على غيره. والشَّارع صلوات الله وسلامه عليه حرَّم مِن تَعاطِي ذلك ما مضرَّته راجحةٌ على منفعته، أو ما لا منفعة فيه، أو ما يُخشى على صاحبه أن يَجُرَّه إلى الشِّرك، وحرَّم بذل المال في ذلك، وحرَّم أخذَه به؛ صيانةً للأمَّة عمَّا يُفسد عليها الإيمان أو يَخْدِشه، بخلاف علم عبارة الرُّؤيا، فإنَّه حقٌّ لا باطلٌ؛ لأنَّ الرُّؤيا مستندةٌ إلى الوحي المناميِّ، وهي جزءٌ من أجزاء النُّبوَّة؛ ولهذا كلَّما كان الرَّائي أصدقَ كانت رؤياه أصدقَ، وكلَّما كان المعبِّر أصدقَ وأبرَّ وأعلمَ كان تعبيره أصحَّ، بخلاف الكاهن والمنجِّم وأضرابهما ممَّن لهم مددٌ من إخوانهم من الشَّياطين؛ فإنَّ صناعتهم لا تصحُّ من صادقٍ ولا بارٍّ ولا متقيِّدٍ بالشَّريعة، بل هم أشبهُ بالسَّحرة الذين كلَّما كان أحدهم أكذبَ وأفجرَ وأبعدَ عن الله ورسوله ودينه، كان السِّحر معه أقوى وأشدَّ تأثيرًا، بخلاف كلِّ ما كان

стр. 3927

من الحقِّ، فإنَّ صاحبه كلَّما كان أبرَّ وأصدقَ وأدينَ كان علمه به ونفوذه فيه أقوى، وباللَّه التَّوفيق. فصل الحكم السَّادس: خُبث كسب الحجَّام، ويدخل فيه الفاصد والشَّارِط وكلُّ من يكون كسبه من إخراج الدَّم، ولا يدخل فيه الطَّبيب ولا الكحَّال ولا البيطار، لا في لفظه ولا في معناه. وصحَّ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه حكم بخبثه (١)، وأمر صاحبه أن يَعْلِفَه ناضِحَه أو رَقيقَه (٢)، وصحَّ عنه أنَّه احتجم وأعطى الحجَّام أجره (٣). فأشكل الجمعُ بين هذين على كثيرٍ من الفقهاء، وظنُّوا أنَّ النَّهي عن كسبِه منسوخٌ بإعطائه أجره، وممَّن سلك هذا المسلك الطَّحاويُّ، فقال في احتجاجه للكوفيِّين في إباحة بيع الكلاب وأكْلِ أثمانها (٤): لما أمر رسول الله ﷺ بقتل الكلاب، ثمَّ قال: «ما لي وللكلاب» (٥)، ثمَّ رخَّص في كلب الصَّيد وكلب الغنم، وكان بيع الكلاب إذ ذاك والانتفاع به حرامًا، وكان قاتله مؤدِّيًا للفرض عليه في قتله، ثمَّ نسخ ذلك، وأباح الاصطياد به، فصار كسائر الجوارح في جواز بيعه. قال: ومثل ذلك نهيه ﷺ عن كسب الحجَّام، وقال:

стр. 3928

«كسب الحجَّام خبيثٌ» (١)، ثمَّ أعطى الحجَّام أجره، وكان ذلك ناسخًا لمنعه وتحريمه ونهيه. انتهى كلامه. وأسهلُ ما في هذه الطَّريقة أنَّها دعوى مجرَّدةٌ لا دليلَ عليها، فلا تُقبل، كيف وفي الحديث نفسه ما يُبطِلها؛ فإنَّه ﷺ أمر بقتل الكلاب، ثمَّ قال: «ما بالهم وبال الكلاب؟»، ثمَّ رخَّص لهم في كلب الصَّيد. وقال ابن عمر: أمر رسول الله ﷺ بقتل الكلاب إلا كلبَ صيدٍ، أو كلبَ غنمٍ أو ماشيةٍ (٢). وقال عبد الله بن مغفَّلٍ: أمرنا رسول الله ﷺ بقتل الكلاب، ثمَّ قال: «ما بالهم وبال الكلاب؟»، ثمَّ رخَّص في كلب الصَّيد وكلب الغنم (٣). والحديثان في «الصَّحيح»، فدلَّ على أنَّ الرُّخصة في كلب الصَّيد والغنم وقعت بعد الأمر بقتل الكلاب، فالكلب الذي أذن رسول الله ﷺ في اقتنائه هو الذي حرَّم ثمنه وأخبر أنَّه خبيثٌ، دونَ الكلب الذي أمر بقتله، فإنَّ المأمور بقتله غير مستبقًى حتَّى تحتاج الأمَّة إلى بيان حكم ثمنه، ولم تجْرِ العادة ببيعه وشرائه، بخلاف الكلب المأذون في اقتنائه، فإنَّ الحاجة داعيةٌ إلى بيان حكم ثمنه أولى من حاجتهم إلى بيان ما لم تجْرِ عادتهم ببيعه، بل قد أُمِروا بقتله.

стр. 3929

وممَّا يبيِّن هذا أنَّه ﷺ ذكر الأربعة الَّتي تُبذَل فيها الأموال عادةً لحرص النُّفوس عليها، وهي ما تأخذه الزَّانية والكاهن والحجَّام وبائع الكلب، فكيف يُحمل هذا على كلبٍ لم تجْرِ العادة ببيعه، وتخرج منه الكلاب الَّتي إنَّما جرت العادة ببيعها؟ هذا من الممتنع البيِّن امتناعه. وإذا تبيَّن هذا ظهر فساد ما شبِّه به من نسخ خبث أجرة الحجَّام، بل دعوى النَّسخ فيها أبعد. وأمَّا إعطاء النَّبيِّ ﷺ الحجَّام أجره فلا يعارض قوله: «كسب الحجَّام خبيثٌ»؛ فإنَّه لم يقل: إنَّ إعطاءه خبيثٌ، بل إعطاؤه إمَّا واجبٌ، وإمَّا مستحبٌّ، وإمَّا جائزٌ، ولكن هو خبيثٌ بالنِّسبة إلى الآخذ، وخبثه بالنِّسبة إلى أكله، فهو خبيث الكسب، ولم يلزم من ذلك تحريمه؛ فقد سمَّى النَّبيُّ ﷺ الثُّوم والبصل خبيثينِ مع إباحة أكلهما، ولا يلزم من إعطاء النَّبيِّ ﷺ الحجَّام أجرَه حِلُّ أكله فضلًا عن كون أكله طيِّبًا؛ فإنَّه قال: «إنِّي لأُعطي الرَّجلَ العطيَّةَ يخرج بها يتأبَّطُها نارًا» (١). والنَّبيُّ ﷺ قد كان يُعطي المؤلَّفةَ قلوبُهم من مال الزَّكاة والفيء مع غناهم وعدمِ حاجتهم إليه؛ ليبذُلوا من الإسلام والطَّاعة ما يجب عليهم بذلُه بدون العطاء، ولا يحلُّ لهم توقُّف بذْلِه على الأخذ، بل يجب عليهم المبادرة إلى بذله بلا عوضٍ. وهذا أصلٌ معروفٌ من أصول الشَّرع: أنَّ العقد والبذل قد يكون جائزًا أو مستحبًّا أو واجبًا من أحد الطَّرفين، مكروهًا أو محرَّمًا من الطَّرف الآخر، فيجب على الباذل أن يبذل، ويحرم على الآخذ أن يأخذه. وبالجملة فخبث أجر الحجَّام من جنس خبث أكل الثُّوم والبصل، لكنَّ

стр. 3930

هذا خبيث لرائحتِه، وهذا خبيثٌ لمكسبِه (١)، وبالله التوفيق. فإن قيل: فما أطيبُ المكاسبِ وأحلُّها؟ قيل: هذا فيه ثلاثة أقوالٍ للفقهاء: أحدها: أنَّه كسب التِّجارة. والثَّاني: أنَّه عمل اليد في غير الصَّنائع الدَّنيئة كالحجامة ونحوها. والثَّالث: أنَّه (٢) الزِّراعة. ولكلِّ قولٍ من هذه وجهٌ من التَّرجيح أثرًا ونظرًا، والرَّاجح أنَّ أحلَّها الكسبُ الذي جُعِل منه رزقُ رسول الله ﷺ ، وهو كسبُ الغانمين ما (٣) أُبِيح لهم على لسان الشَّارع، وهذا الكسب قد جاء في القرآن مدحُه أكثر من غيره، وأُثنِي على أهله ما لم يُثْنَ على غيرهم؛ ولهذا اختاره الله لخير خلقه وخاتم أنبيائه ورسله، حيث يقول: «بُعِثتُ بالسَّيف بين يدي السَّاعة حتَّى يُعبد الله وحدَه لا شريك له، وجُعِل رزقي تحتَ ظِلِّ رُمْحي، وجُعِل الذِّلَّة والصَّغار على من خالف أمري» (٤)، وهو الرِّزق المأخوذ بعزَّةٍ وشرفٍ وقهرٍ لأعداء اللَّه، وجُعِل أحبَّ شيءٍ إلى اللَّه، فلا يقاومه كسبٌ غيره. والله أعلم.

стр. 3931

فصل في حكمه ﷺ في بيع عَسْبِ الفحل وضِرابه في «صحيح البخاريِّ» (١) عن ابن عمر أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن عَسْب الفَحْل. وفي «صحيح مسلم» (٢) عن جابر أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن بيع ضِراب الجَمل (٣). وهذا الثَّاني تفسيرٌ للأوَّل (٤)، وسمَّى أجرة ضِرابه بيعًا؛ إمَّا لكون المقصود هو الماء الذي له، فالثَّمن مبذولٌ في مقابلة عين مائه، وهو حقيقة البيع، وإمَّا أنَّه سمَّى إجارته لذلك بيعًا، إذ هي عقد معاوضةٍ وهي بيع المنافع، والعادة أنَّهم يستأجرون الفحل للضِّراب، وهذا هو الذي نُهِي عنه (٥)، والعقد الوارد عليه باطلٌ، سواءٌ كان (٦) بيعًا أو إجارةً، وهذا قول جمهور العلماء، منهم أحمد والشَّافعيُّ وأبو حنيفة وأصحابهم. وقال أبو الوفاء بن عقيلٍ (٧): ويحتمل عندي الجواز؛ لأنَّه عقدٌ على منافع الفحل ونَزْوِه على الأنثى، وهي منفعةٌ مقصودةٌ، وماء الفحل يدخل

стр. 3932

تبعًا، والغالب حصوله عقيبَ نَزْوِه، فيكون كالعقد على الظِّئر؛ ليحصل اللَّبن في بطن الصَّبيِّ، وكما لو استأجر أرضًا وفيها بئر ماءٍ، فإنَّ الماء يدخل تبعًا، وقد يُغتفر في الأتباع ما لا يُغتفر في المتبوعات. وأمَّا مالك فحُكِي عنه جوازه، والَّذي ذكره أصحابه التَّفصيل، فقال صاحب «الجواهر» (١) في باب فساد العقد من جهة نهي الشَّارع: ومنها بيع عَسْب الفحل، ويُحمل النَّهي فيه على استئجار الفحل على لِقاح الأنثى، وهو فاسدٌ؛ لأنَّه غير مقدورٍ على تسليمه، فأمَّا إن استأجره على أن يحمله عليها (٢) دفعاتٍ معلومةً فذلك جائزٌ، إذ هو أمدٌ معلومٌ في نفسه، ومقدورٌ على تسليمه. والصَّحيح تحريمُه مطلقًا وفسادُ العقد به على كلِّ حالٍ، ويحرم على الآخذ (٣) أخذُ أجرة ضِرابه، ولا يحرم على المعطي؛ لأنَّه بذل ماله في تحصيل مباحٍ يحتاج إليه، ولا يُمنع من هذا كما في كسب الحجَّام وأجرة الكَسَّاح (٤). والنَّبيُّ ﷺ نهى عمَّا يعتادونه من استئجار الفحل للضِّراب، وسمَّى ذلك بيعَ عَسْبه، فلا يجوز حمْلُ كلامه على غير الواقع والمعتاد، وإخلاءُ الواقع من البيان، مع أنَّه الذي قصد بالنَّهي. ومن المعلوم أنَّه ليس للمستأجر غرضٌ صحيحٌ في نَزْو الفحل على الأنثى الذي له دَفَعاتٌ معلومةٌ، وإنَّما غرضه نتيجة ذلك وثمرته، ولأجله بذلَ ماله.

стр. 3933

وقد عُلِّل التَّحريم بعدَّة عللٍ: إحداها: أنَّه لا يُقدَر على تسليم المعقود عليه، فأشبهَ إجارةَ الآبق، فإنَّ ذلك متعلِّقٌ باختيار الفحل وشهوته. الثَّانية: أنَّ المقصود هو الماء، وهو ممَّا لا يجوز إفراده بالعقد، فإنَّه مجهول القدر والعين، وهذا بخلاف إجارة الظِّئر، فإنَّها احتُمِلَت لمصلحة الآدميِّ، فلا يقاس عليها غيرها. وقد يقال ــ والله أعلم ــ: إنَّ النَّهي عن ذلك من محاسن الشَّريعة وكمالها، فإنَّ مقابلة ماء الفحل بالأثمان، وجَعْلَه محلًّا لعقود المعاوضات ممَّا هو مستقبحٌ مستهجنٌ عند العقلاء، وفاعلُ ذلك عندهم ساقطٌ من أعينهم في أنفسهم. وقد جعل الله سبحانه فِطَرَ عباده لا سيَّما المسلمين ميزانًا للحُسن والقُبح، فما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسنٌ، وما رآه المسلمون قبيحًا فهو عند الله قبيحٌ (١). ويزيد هذا بيانًا أنَّ ماء الفحل لا قيمةَ له، ولا هو ممَّا يُعاوَض عليه، ولهذا لو نزا فحلٌ لرجلٍ على رَمَكَةِ (٢) غيره، فأولدها، فالولد لصاحب الرَّمكة اتِّفاقًا؛ لأنَّه لم ينفصل عن الفحل إلا مجرَّد الماء، ولا قيمة له، فحرَّمت هذه الشَّريعة الكاملة المعاوضةَ على ضِرابه ليتناوله النَّاس بينهم مجَّانًا، لما فيه من تكثير النَّسل المحتاج إليه، من غير إضرارٍ بصاحب الفحل ولا نقصانٍ من ماله، فمن محاسن الشَّريعة إيجاب بذل هذا مجَّانًا، كما قال

стр. 3934

النَّبيُّ ﷺ : «إنَّ من حقِّها إطراقَ فَحْلِها وإعارةَ دَلْوِها» (١). فهذه حقوقٌ يضرُّ بالنَّاس منعُها إلا بالمعاوضة، فأوجبت الشَّريعة بذْلَها مجَّانًا. فإن قيل: فإذا أهدى صاحب الأنثى إلى صاحب الفحل هديَّةً، أو ساق إليه كرامةً، فهل له أخذُها؟ قيل: إن كان ذلك على وجه المعاوضة والاشتراط في الناظر (٢) لم يحلَّ له أخذُه، وإن لم يكن كذلك فلا بأس به. قال أصحاب أحمد والشَّافعيِّ: وإن أعطى صاحبَ الفحل هديَّةً أو كرامةً من غير إجارةٍ جاز، واحتجَّ أصحابنا بحديثٍ روي عن أنس عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «إذا كان إكرامًا فلا بأسَ»، ذكره صاحب «المغني» (٣). ولا أعرِفُ حالَ هذا الحديث ولا من خرَّجه (٤)، وقد نصَّ أحمد في رواية ابن القاسم (٥) على خلافه، فقيل له: ألا يكون مثل

стр. 3935

الحجَّام يُعطى، وإن كان منهيًّا عنه؟ فقال: لم يبلغنا أنَّ النَّبيَّ ﷺ أعطى في مثل هذا شيئًا كما بلغنا في الحجَّام. واختلف أصحابنا في حمْلِ كلام أحمد على ظاهره أو تأويلِه، فحمله القاضي على ظاهره، وقال (١): هذا مقتضى النَّظر، لكن تُرِكَ مقتضاه في الحجَّام، فبقي فيما عداه على مقتضى القياس. وقال أبو محمد في «المغني» (٢): كلام أحمد يُحمل على الورع لا على التَّحريم، والجواز أرفقُ بالنَّاس، وأوفقُ للقياس. والله أعلم. ذكر حكمه ﷺ في المنع من بيع الماء الذي يشترك فيه الناس ثبت في «صحيح مسلم» (٣) من حديث جابر قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع فَضْل الماء. وفيه (٤) عنه قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع ضِراب الفحل، وعن بيع الماء والأرض لتُحْرَث، فعن ذلك نهى رسول الله ﷺ . وفي «الصَّحيحين» (٥) عن أبي هريرة أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لا تَمْنَع فضلَ الماء لتَمنعَ به الكلأ»، وفي لفظٍ آخر (٦): «لا تمنعوا فضلَ الماء لتمنعوا

стр. 3936

به الكَلَأ»، وفي لفظ آخر (١): «لا يُباع فضلُ الماء لِيُباع به الكلأ» (٢)، وقال البخاريُّ (٣) في بعض طرقه: «لا تمنعوا فضْلَ الماء لتمنعوا به فضْلَ الكَلأ». وفي «المسند» (٤) من حديث عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه عن النَّبيِّ ﷺ قال: «من منع فضْلَ مائه أو فضْلَ كَلَئِه منعه الله فضلَه يوم القيامة». وفي «سنن ابن ماجه» (٥) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثٌ لا يُمْنَعن: الماء والكلأ والنَّار». وفي «سننه» (٦) أيضًا عن ابن عبَّاسٍ قال: قال رسول الله ﷺ : «المسلمون

стр. 3937

شركاء في ثلاثٍ: الماء والكلأ والنَّار، وثمنه حرامٌ». وفي «صحيح البخاريِّ» (١) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثةٌ لا ينظر الله إليهم يومَ القيامة، ولا يزكِّيهم، ولهم عذابٌ أليمٌ: رجلٌ كان على فَضْلِ ماءٍ بالطَّريق فمنَعَه ابنَ السَّبيل، ورجلٌ بايع إمامه لا يبايعه إلا للدُّنيا، فإن أعطاه منها رضي، وإن لم يُعطِه منها سَخِط، ورجلٌ أقام سِلْعةً بعد العصر فقال: والذي لا إله غيره لقد أُعطِيتُ بها كذا وكذا، فصدَّقه رجلٌ»، ثمَّ قرأ هذه الآية ﴿الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ﴾ الآية [آل عمران: ٧٧]. وفي «سنن أبي داود» (٢) عن بُهَيْسة قالت: استأذن أبي النَّبيَّ ﷺ ، فجعل يدنو منه ويلتزمه، ثمَّ قال: يا نبيَّ اللَّه، ما الشَّيء الذي لا يحلُّ منعه؟ قال: «الماء»، قال: يا نبيَّ اللَّه، ما الشَّيء الذي لا يحلُّ منعه؟ قال: «الملح»، قال: يا نبيَّ اللَّه، ما الشَّيء الذي لا يحلُّ منعه؟ قال: «أن تفعل الخيرَ خيرٌ لك». الماء خلقه الله سبحانه في الأصل مشتركًا بين العباد والبهائم، وجعله سقيًا لهم، فلا يكون أحدٌ أخصَّ به من أحدٍ، ولو أقام عليه وتَنَأ (٣) عليه. قال عمر بن الخطَّاب ﵁: ابنُ السَّبيل أحقُّ بالماء من التَّانئ (٤) عليه، ذكره

стр. 3938

أبو عبيد عنه (١). وقال أبو هريرة: ابن السَّبيل أوَّلُ شاربٍ (٢). فأمَّا ما حازه في إنائه أو قِربته فذاك غير المذكور في الحديث، وهو بمنزلة سائر المباحات إذا حازها إلى مِلْكه ثمَّ أراد بيعها، كالحطب والكلأ والملح، وقد قال النَّبيُّ ﷺ : «لأن يأخذ أحدكم حبلًا، فيأخذ حُزْمةً من حَطَبٍ فيبيع، فيكفَّ الله بها وجهَه، خيرٌ له من أن يسأل النَّاسَ أُعطِي أو مُنِع». رواه البخاريُّ (٣). وفي «الصَّحيحين» (٤) عن علي أنه قال: أصبتُ شَارِفًا مع رسول الله ﷺ في مغنمٍ يوم بدرٍ، وأعطاني رسول الله ﷺ شارفًا آخر، فأنختُهما يومًا عند باب رجلٍ من الأنصار، وأنا أريد أن أحمل عليهما إذخرًا لأبيعه. وذكر الحديث. فهذا في الكلأ والحطب المباح بعد أخذه وإحرازه، وكذلك السَّمك وسائر المباحات، وليس هذا محلَّ النَّهي بالضَّرورة، ولا محلُّ النَّهي أيضًا بيع مياه الأنهار الكبار المشتركة بين النَّاس؛ فإنَّ هذا لا يمكن منعُها والحَجْرُ عليها، وإنَّما محلُّ النَّهي صورٌ، أحدها: المياه المنتقعة من الأمطار إذا

стр. 3939

اجتمعت في أرضٍ مباحةٍ، فهي مشتركةٌ بين النَّاس، وليس أحدٌ أحقَّ بها من أحدٍ إلا بالتَّقديم لقرب أرضه، كما سيأتي إن شاء الله. فهذا النَّوع لا يحلُّ بيعه ولا منعه، ومانعه عاصٍ مستوجبٌ لوعيدِ الله ومنْعِ فضْلِه، إذ منَعَ فضْلَ ما لم تعمل يداه. فإن قيل: فلو اتَّخذ في أرضه المملوكة له حُفرةً يجمع فيها الماء، أو حفَرَ بئرًا، فهل يملكه بذلك، ويحلُّ له بيعه؟ قيل: لا ريب أنَّه أحقُّ به من غيره، ومتى كان الماء النَّابع في ملكه والكلأ والمعدن وَفْقَ (١) كفايته لشربه وشرب ماشيته ودوابِّه لم يجب عليه بذلُه، نصَّ عليه أحمد (٢). وهذا لا يدخل تحت وعيد النَّبيِّ ﷺ ، فإنَّه إنَّما توعَّد مَن منع فَضْلَ الماء، ولا فضْلَ في هذا. فصل وما فضَلَ منه عن حاجته وحاجة بهائمه وزرعه، واحتاج إليه آدميٌّ مثلُه أو بهائمه، بذلَه بغير عوضٍ، ولكلِّ واحدٍ أن يتقدَّم إلى الماء ويشرب ويسقي ماشيته، وليس لصاحب الماء منعه من ذلك، ولا يلزم الشَّاربَ وساقيَ البهائم عوضٌ. وهل يلزمه أن يبذل له الدَّلو والبَكَرة والحبل مجَّانًا، أو له أن يأخذ أجرته؟ على قولين، وهما وجهان لأصحاب أحمد في وجوب إعارة المتاع عند الحاجة إليه، أظهرهما دليلًا وجوبُه، وهو من الماعون.

стр. 3940

قال أحمد (١): إنَّما هذا في الصَّحاري والبريَّة دون البنيان. يعني: أنَّ البنيان إذا كان فيه الماء فليس لأحدٍ الدُّخولُ إليه إلا بإذن صاحبه. وهل يلزمه بذلُ فضلِ مائه لزرع غيره؟ فيه قولان، وهما روايتان عن الإمام أحمد (٢): أحدهما: لا يلزمه، وهو مذهب الشَّافعيِّ؛ لأنَّ الزَّرع لا حرمة له في نفسه، ولهذا لا يجب على صاحبه سَقْيُه، بخلاف الماشية. والثَّاني: يلزمه بذلُه، واحتجَّ لهذا القول بالأحاديث المتقدِّمة وعمومها، وبمَّا رُوِي عن عبد الله بن عمرٍو أنَّ قيِّم أرضه بالوَهْط (٣) كتب إليه يخبره أنَّه (٤) سقى أرضه، وفضَلَ له من الماء فضْلٌ يُطلَب بثلاثين ألفًا، فكتب إليه عبد الله بن عمرٍو: أَقِمْ قِلْدَك (٥)، ثمَّ اسْقِ الأدنى فالأدنى، فإنِّي سمعتُ رسول الله ﷺ ينهى عن بيع فضلِ الماء (٦).

стр. 3941

قالوا: وفي منعه من سقي الزَّرع إهلاكُه وإفساده، فحُرِّم (١) كالماشية. وقولكم: «لا حرمةَ له» فلصاحبه حرمةٌ فلا يجوز التَّسبُّب إلى إهلاك ماله، ومن سلَّم لكم أنَّه لا حرمةَ للزَّرع؟ قال أبو محمَّدٍ المقدسيُّ (٢): ويحتمل أن يُمنَع نفيُ الحرمة عنه، فإنَّ إضاعة المال منهيٌّ عنها، وإتلافه محرَّمٌ، وذلك دليلٌ على حرمته. فإن قيل: فإذا كان في أرضه أو داره بئرٌ نابعةٌ، أو عينٌ مستنبطةٌ، فهل تكون مِلْكًا له تبعًا لملك الأرض والدَّار؟ قيل: أمَّا نفس البئر وأرض العين فمملوكةٌ لمالك الأرض، وأمَّا الماء ففيه قولان، هما روايتان عن أحمد، ووجهان لأصحاب الشَّافعيِّ (٣): أحدهما: أنَّه غير مملوكٍ؛ لأنَّه يجري من تحت الأرض إلى ملكه، فأشبه الجاري في النَّهر إلى ملكه. والثَّاني: أنَّه مملوكٌ له، قال أحمد (٤) في رجلٍ له أرضٌ ولآخر ماءٌ، فاشترك صاحب الأرض وصاحب الماء في الزَّرع، ويكون بينهما، فقال: لا بأس. وهذا القول اختيار أبي بكر. وفي معنى الماء المعادن الجارية في الأملاك، كالقَار والنِّفْط والمُومِيا (٥)

стр. 3942

والملح، وكذلك الكلأ النَّابت في أرضه، كلُّ ذلك يُخرَّج على الرِّوايتين في الماء. وظاهر المذهب أنَّ هذا الماء لا يُمْلَك، فكذلك هذه الأشياء. قال أحمد (١): لا يُعجِبني بيع الماء البتَّةَ. وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يُسأل عن قومٍ بينهم نهرٌ تَشرَب منه أَرَضُوهم (٢)، لهذا يومٌ، ولهذا يومان، يتَّفقون عليه بالحصص، فجاء يومي ولا أحتاج إليه، أُكرِيه بدراهم؟ قال: ما أدري، أمَّا النَّبيُّ ﷺ فنهى عن بيع الماء. قيل: إنَّه ليس يبيعه، إنَّما يُكرِيه، قال: إنَّما احتالوا بهذا لِيُحسِّنوه، فأيُّ شيءٍ هذا إلا البيع! انتهى. وأحاديث اشتراك النَّاس في الماء دليلٌ ظاهرٌ على المنع من بيعه. وهذه المسألة الَّتي سُئل عنها أحمد ﵀ هي الَّتي قد ابتُلِي بها النَّاس في أرض الشَّام وبساتينه وغيرها، فإنَّ الأرض والبستان يكون له حقٌّ من الشُّرب من نهرٍ، فيفضل (٣) عنه، أو يبنيه دورًا وحوانيت، ويُؤجِر ماءه، فقد توقَّف أحمد أوَّلًا، ثمَّ أجاب بأنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن بيع الماء، فلمَّا قيل له: إنَّ هذا إجارةٌ، قال: هذه التَّسمية حيلةٌ، وهي تحسين اللَّفظ، وحقيقة العقد البيع، وقواعد الشَّريعة تقتضي المنع من بيع هذا الماء، فإنَّه إنَّما كان له حقُّ التَّقديم في سَقْي أرضه من هذا الماء المشترك بينه وبين غيره، فإذا استغنى عنه لم يجز له المعاوضة عنه، وكان المحتاج إليه أولى به بعده. وهذا كمن أقام على معدنٍ، فأخذ منه صاحبه (٤)، لم يجز له أن يبيع

стр. 3943

باقيه بعد نزوعه (١) عنه. وكذلك من سبق إلى الجلوس في رَحْبةٍ أو طريقٍ واسعةٍ، فهو أحقُّ بها ما دام جالسًا، فإذا استغنى عنها وآجَر مقعدَه لم يجز. وكذلك الأرض المباحة إذا كان فيها كلأٌ أو عُشْبٌ، فسبق بدوابِّه إليه، فهو أحقُّ برِعْيتِه (٢) ما دامت دوابُّه فيه، فإذا طلب الخروجَ منها وبيعَ ما فضَلَ عنه لم يكن له ذلك. وهكذا هذا الماء سواءٌ، فإنَّه إذا فارق أرضه لم يبقَ له فيه حقٌّ، وصار بمنزلة الكلأ الذي لا اختصاصَ له به، ولا هو في أرضه. فإن قيل: الفرق بينهما أنَّ هذا الماء في نفس أرضه، فهو منفعةٌ من منافعها، فملكه بملكها كسائر منافعها، بخلاف ما ذكرتم من الصُّور، فإنَّ تلك الأعيان ليست من مِلْكه، وإنَّما له حقُّ الانتفاع والتَّقديم إذا سبق خاصَّةً. قيل: هذه هي النُّكتة الَّتي لأجلها جوَّز من جوَّز بيعه، وجعل ذلك حقًّا من حقوق أرضه، فمَلَكَ المعاوضة عليه وحده كما يملك المعاوضة عليه مع الأرض، فيقال: حقُّ أرضه في الانتفاع لا في ملك العين الَّتي أودعها الله فيها بوصف الاشتراك، وجعل حقَّه في تقديم الانتفاع على غيره في التَّحجُّر والمعاوضة. فهذا القول هو الذي تقتضيه قواعد الشَّرع وحكمته واشتماله على مصالح العالم، وعلى هذا فإذا دخل غيره بغير إذنه، فأخذ منه شيئًا، مَلَكَه، لأنَّه مباحٌ في الأصل، فأشبهَ ما لو عشَّش في أرضه طائرٌ، أو حصل فيها ظبيٌ، أو نَضَبَ ماؤها عن سمكٍ، فدخل إليه فأخذه. فإن قيل: فهل له منعه من دخول مِلكه، وهل يجوز دخوله في مِلكه بغير إذنه؟

стр. 3944

قيل: قد قال بعض أصحابنا: لا يجوز له دخول ملكه لأخْذِ ذلك بغير إذنه. وهذا لا أصل له في كلام الشَّارع، ولا في كلام الإمام أحمد، بل قد نصَّ أحمد على جواز الرَّعي في أرضٍ [مغصوبة] (١) مع كون الأرض ليست مملوكةً له ولا مستأجرةً، ودخولها لغير الرَّعي ممنوعٌ منه. فالصَّواب أنَّه يجوز له دخولها لأخْذِ ما له أخْذُه، وقد يتعذَّر عليه غالبًا استئذان مالكها، ويكون قد احتاج إلى الشُّرب وسَقْيِ بهائمه ورعْيِ الكلأ، ومالك الأرض غائبٌ، فلو منعناه من دخولها إلا بإذنه كان في ذلك إضرارًا (٢) بيِّنًا به (٣). وأيضًا فإنَّه لا فائدة لهذا الإذن؛ لأنَّه ليس لصاحب الأرض منعُه من الدُّخول، بل يجب عليه تمكينُه، فغاية ما يقدَّر أنَّه لم يأذن له، وهذا حرامٌ عليه شرعًا لا يحلُّ له منعه من الدُّخول، فلا فائدةَ في توقُّف دخوله على الإذن. وأيضًا فإنَّه إذا لم يتمكَّن من أخذ حقِّه الذي جعله له الشَّارع إلا بالدُّخول، فهو مأذونٌ فيه شرعًا، بلى لو كان دخوله بغير إذنه يُعثِره (٤) على حريمه وأهلِه فإنه لا يجوز له الدُّخول بغير إذنٍ، فأمَّا إذا كان في الصَّحراء أو دارٍ فيها بئرٌ ولا أنيسَ بها، فله الدُّخول بإذنٍ وغيره، وقد قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٩]. وهذا

стр. 3945

الدُّخول الذي رفع عنه الجناح هو الدُّخول بلا إذنٍ، فإنَّه قد منعهم قبلُ من الدُّخول لغير بيوتهم حتَّى يستأنسوا ويسلِّموا على أهلها، والاستئناس هنا: الاستئذان، وهي في قراءة بعض السَّلف كذلك (١)، ثمَّ رفع عنهم الجناح في دخول البيوت غير المسكونة لأخْذِ متاعهم، فدلَّ ذلك على جواز الدُّخول إلى بيت غيره وأرضه غير المسكونة، لأخْذِ حقِّه من الماء والكلأ، فهذا ظاهر القرآن، وهو مقتضى نصِّ أحمد، وباللَّه التَّوفيق. فإن قيل: فما تقولون في بيع البئر والعين نفسها، هل يجوز؟ قيل: نعم يجوز (٢)، قال الإمام أحمد (٣): إنَّما نُهِي عن بيع فضل ماء البئر والعيون في قراره، ويجوز بيع البئر نفسها والعين، ومشتريها أحقُّ بمائها. وهذا الذي قاله الإمام أحمد هو الذي دلَّ عليه السُّنَّة، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «من يشتري بئر رُومةَ (٤) يوسِّع بها على المسلمين وله الجنَّة» أو كما قال، فاشتراها عثمان بن عفَّان من يهوديٍّ بأمر النَّبيِّ ﷺ وسَبَّلها للمسلمين، وكان اليهوديُّ يبيع ماءها. وفي الحديث أنَّ عثمان اشترى منه نصفها باثني عشر ألفًا، ثمَّ قال لليهوديِّ: اختَرْ إمَّا أن تأخذها يومًا وآخذها أنا يومًا، وإمَّا أن تَنْصِب لك عليها دلوًا وأَنْصبِ عليها دلوًا، فاختار يومًا ويومًا، فكان النَّاس

стр. 3946

يستقون منها في يوم عثمان لليومين، فقال اليهوديُّ: أفسدت عليَّ بئري فاشترِ باقيَها، فاشتراه بثمانية آلافٍ (١). فكان في هذا حجَّةٌ على صحَّةِ بيع البئر، وجواز شرائها وتسبيلها، وصحَّةِ بيع ما يسقى منها، وجواز قسمة الماء بالمهايأة، وعلى كون المالك أحقَّ بمائها، وجواز قسمة ما فيه حقٌّ وليس بمملوكٍ. فإن قيل: فإذا كان الماء عندكم لا يُمْلَك، ولكلِّ واحدٍ أن يستقي منه حاجته، فكيف أمكن اليهوديَّ تحجُّرُه حتَّى اشترى عثمان البئر وسبَّلها؟ فإن قلتم: اشترى نفس البئر وكانت مملوكةً، ودخل الماء تبعًا، أشكل عليكم من وجهٍ آخر، وهو أنَّكم قرَّرتم أنَّه يجوز للرَّجل دخول أرض غيره لأخذ الكلأ والماء، وقضيَّة بئر اليهوديِّ تدلُّ على أحد الأمرين ولا بدَّ: إمَّا مِلْك الماء بمِلْك قراره، وإمَّا على أنَّه لا يجوز دخول الأرض لأخذ ما فيها من المباح إلا بإذن مالكها. قيل: هذا سؤالٌ قويٌّ، وقد يتمسَّك به من ذهب إلى واحدٍ من هذين المذهبين، ومن منعَ الأمرينِ يجيب عنه بأنَّ هذا كان في أوَّل الإسلام، وحين قدِمَ النَّبيُّ ﷺ ، وقبلَ تقرُّر الأحكام، وكان اليهود إذ ذاك لهم الشوكة بالمدينة، ولم تكن أحكام الإسلام جاريةً عليهم، والنَّبيُّ ﷺ لمَّا قدِم صالحَهم، وأقرَّهم على ما بأيديهم، لم يتعرَّض له. ثمَّ استقرَّت الأحكام،

стр. 3947

وزالت شوكة اليهود (١)، وجرت عليهم أحكام الشَّريعة، وسياق قصَّة هذه البئر ظاهرٌ في أنَّها كانت حين مَقدَمِ النَّبيِّ ﷺ المدينةَ في أوَّل الأمر. فصل فأما المياه الجارية، فما كان نابعًا من غير مِلْكٍ ــ كالأنهار الكبار وغير ذلك ــ لم يُمْلَك بحالٍ، ولو دخل إلى أرض رجلٍ لم يملكه بذلك، وهو كالطَّير يدخل إلى أرضه، فلا يُمْلك بذلك، ولكلِّ واحدٍ (٢) أخْذُه وصَيدُه. فإن جعل له في أرضه مصنعًا أو بِرْكةً يجتمع فيها ثمَّ يخرج منها، فهو كنقع البئر سواءٌ، وفيه من النِّزاع ما فيه، وإن كان لا يخرج منها فهو أحقُّ به للشُّرب والسَّقي، وما فضَلَ عنه فحكمه حكم ما تقدَّم. وقال الشَّيخ في «المغني» (٣): وإن كان ما يَستقِرُّ (٤) في البِركة لا يخرج منها، فالأولى أنَّه يَمْلِكه بذلك على ما سنذكره في مياه الأمطار. ثمَّ قال: فأمَّا المصانع المتَّخَذة لمياه الأمطار تجتمع فيها ونحوها من البِرَكِ وغيرها، فالأولى أن يُمْلك ماؤها، ويصحُّ بيعه إذا كان معلومًا؛ لأنَّه مباحٌ حصَّله في شيءٍ مُعَدٍّ له، فلا يجوز أخذ شيءٍ منه إلا بإذن مالكه. وفي هذا نظرٌ مذهبًا ودليلًا: أمَّا المذهب فإنَّ أحمد قال: إنَّما نُهي عن بيع فضل ماء البئر والعيون في

стр. 3948

قراره، ومعلومٌ أنَّ ماء البئر لا يفارقها، فهو كالبِركة الَّتي اتُّخِذت مَقرًّا للبئر سواءٌ، ولا فرقَ بينهما، وقد تقدَّم من نصوص أحمد ما يدلُّ على المنع من بيع هذا. وأمَّا الدَّليل فما تقدَّم من النُّصوص الَّتي سُقناها، وقوله في الحديث الذي رواه البخاريُّ (١) في وعيد الثَّلاثة: «ورجلٌ على فَضْلِ ماءٍ يَمنعُه ابنَ السَّبيل»، ولم يفرِّق بين كون ذلك الفضل في أرضه المختصَّة به أو في الأرض المباحة. وقوله: «النَّاس شركاء في ثلاثٍ» (٢)، ولم يشترط في هذه الشَّركة كون مقرِّه مشتركًا. وقوله وقد سئل: ما الشَّيء الذي لا يحلُّ منعه؟ فقال: «الماء» (٣)، ولم يشترط كون مقرِّه مباحًا. فهذا مقتضى الدَّليل في هذه المسألة أثرًا ونظرًا، والله أعلم. حكم رسول الله ﷺ في منع الرجل من بيع ما ليس عنده في «السُّنن» و «المسند» (٤) من حديث حكيم بن حِزامٍ قال: قلت يا

стр. 3949

رسول اللَّه، يأتيني الرَّجل يسألني البيعَ ليس عندي، فأبيعه منه، ثمَّ أبتاعه من السُّوق، فقال: «لا تَبِعْ ما ليس عندك». قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ. وفي «السُّنن» (١) نحوه من حديث ابن عمرو لفظُه: «لا يحلُّ سَلَفٌ وبيعٌ، ولا شرطانِ في بيعٍ، ولا رِبْحُ ما لم يُضْمَنْ، ولا بيعُ ما ليس عندك». قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. فاتَّفق لفظ الحديثين على نهيه ﷺ عن بيع ما ليس عنده، فهذا هو المحفوظ من لفظه ﷺ ، وهو يتضمَّن نوعًا من الغَرَر، فإنَّه إذا باعه شيئًا معيَّنًا وليس في مِلْكه، ثمَّ مضى (٢) ليشتريه ويُسلِّمه له، كان متردِّدًا بين الحصول وعدمه، فكان غَررًا يُشبِه القمار، فنُهِي عنه. وقد ظنَّ بعض النَّاس أنَّه إنَّما نُهِي عنه لكونه معدومًا، فقال: لا يصحُّ بيع المعدوم، ورَوَوا في ذلك حديثًا أنَّه ﷺ نهى عن بيع المعدوم (٣). وهذا الحديث لا يُعرف في شيءٍ من كتب الحديث، ولا له أصلٌ، والظَّاهر أنَّه مرويٌّ بالمعنى من هذا الحديث، وغَلِطَ من ظنَّ أنَّ معناهما واحدٌ، وأنَّ هذا المنهيَّ عنه في حديث حَكيم وابن عمرو لا يلزم أن يكون معدومًا، وإن كان فهو معدومٌ خاصٌّ، فهو كبيع حبل الحبلة، وهو معدومٌ يتضمَّن غررًا وتردُّدًا في حصوله.

стр. 3950

والمعدوم ثلاثة أقسامٍ: معدومٌ موصوفٌ مضمونٌ (١) في الذِّمَّة، فهذا يجوز بيعه اتِّفاقًا، وإن كان أبو حنيفة شرطَ في هذا النَّوع أن يكون وقتَ العقد في الوجود من حيث الجملة، وهذا هو السَّلَم، وسيأتي ذكره إن شاء الله. والثَّاني: معدومٌ تبعٌ للموجود، وإن كان أكثر منه، وهو نوعان: نوعٌ متَّفقٌ عليه، ونوعٌ مختلفٌ فيه: فالمتَّفق عليه بيع الثِّمار بعد بدوِّ صلاح ثمرةٍ واحدةٍ منها، فاتَّفق النَّاس على جواز بيع ذلك الصِّنف الذي بدا صلاح واحدةٍ منه، وإن كانت بقيَّة أجزاء الثِّمار معدومةً وقتَ العقد، ولكن جاز بيعها تبعًا للموجود، وقد يكون المعدوم متَّصلًا بالموجود، وقد يكون أعيانًا أُخَر منفصلةً عن الموجود لم تُخْلَق بعدُ. والنَّوع المختلف فيه كبيع المَقَاثِئ والمَباطِخ إذا طابتْ، فهذا فيه قولان، أحدهما: أنَّه يجوز بيعها جملةً، ويأخذها المشتري شيئًا بعد شيءٍ، كما جرت به العادة، ويجري مجرى بيع الثَّمرة بعد بدوِّ صلاحها. وهذا هو الصَّحيح من القولين الذي استمَّر (٢) عليه عمل الأمَّة، ولا غِنى لهم عنه، ولم يأتِ بالمنع منه كتابٌ ولا سنَّةٌ ولا إجماعٌ، ولا أثرٌ ولا قياسٌ صحيحٌ، وهو مذهب مالك وأهل المدينة، وأحد القولين في مذهب أحمد، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيميَّة (٣).

стр. 3951

والَّذين قالوا: لا يباع إلا لقطةً لقطةً لا ينضبط قولهم شرعًا ولا عرفًا، ويتعذَّر العمل به غالبًا، وإن أمكن ففي غاية العسر، ويؤدِّي إلى التَّنازع والاختلاف الشَّديد، فإنَّ المشتري يريد أخذ الصِّغار والكبار، ولا سيَّما إذا كان صغاره أطيبَ من كباره، والبائع لا يؤثر ذلك، وليس في ذلك عرفٌ منضبطٌ، وقد تكون المَقْثَأة كبيرة، فلا يستوعب المشتري اللُّقطة الظَّاهرة حتَّى يَحدُث فيها لقطة أخرى، ويختلط المبيع بغيره، ويتعذَّر تمييزه، ويتعذَّر أو يتعسَّر على صاحب المَقْثأة أن يحضر لها كلَّ وقتٍ من يشتري ما تجدَّد فيها، ويُفرِده بعقدٍ، وما كان هكذا فإنَّ الشَّريعة لا تأتي به، فهذا غير مقدورٍ ولا مشروعٍ، ولو أُلزِم النَّاس به لفسدت أموالهم وتعطَّلت مصالحهم. ثمَّ إنَّه يتضمَّن التَّفريقَ بين متماثلين من كلِّ الوجوه، فإنَّ بدوَّ الصَّلاح في المقاثئ بمنزلة بدوِّ الصَّلاح في الثِّمار، وتلاحقُ أجزائها كتلاحق أجزاء الثِّمار (١)، وجَعْلُ ما لم يُخْلَق منها تبعًا لما خُلِق في الصُّورتين واحدٌ، فالتَّفريق بينهما تفريقٌ بين متماثلين. ولمَّا رأى هؤلاء ما في بيعها لقطةً لقطةً من الفساد والتَّعذُّر قالوا: طريق رفْعِ ذلك بأن يبيع أصلها معها. ويقال: إذا كان بيعها جملةً مُفسِدةً عندكم، وهو بيع معدومٍ وغررٍ، فإنَّ هذا لا يرتفع ببيع العروق الَّتي لا قيمة لها، وإن كان لها قيمةٌ فيسيرةٌ جدًّا بالنِّسبة إلى الثَّمن المبذول، وليس للمشتري قصدٌ في العروق، ولا يدفع فيها الجملة من المال، وما الذي حصل ببيع العروق معها من المصلحة لهما حتَّى شرط؟ وإذا لم يكن بيع أصول الثِّمار شرطًا في

стр. 3952

صحَّة بيع الثَّمرة المتلاحقة كالتِّين والتُّوت وهي مقصودةٌ، فكيف يكون بيع أصول المقاثئ شرطًا في صحَّة بيعها وهي غير مقصودةٍ؟ والمقصود أنَّ هذا المعدوم يجوز بيعه تبعًا للموجود، ولا تأثيرَ للمعدوم، وهذا كالمنافع المعقود عليها في الإجارة، فإنَّها معدومةٌ، وهي مورد العقد؛ لأنَّها لا يمكن أن تَحدُث دفعةً واحدةً، والشَّرائع مبناها على رعاية مصالح العباد، وعدمِ الحجر عليهم فيما لا بدَّ لهم منه، ولا تتمُّ مصالحهم في معاشهم إلا به. فصل الثَّالث: معدومٌ لا يُدرى يَحصلُ أو لا يحصل، ولا ثقةَ لبائعه بحصوله، بل يكون المشتري منه على خطرٍ، فهذا الذي منع الشَّارع بيعَه لا لكونه معدومًا، بل لكونه غررًا، فمنه صورة النَّهي الَّتي تضمَّنها حديث حكيم بن حزامٍ وابن عمرو (١)، فإنَّ البائع إذا باع ما ليس في مِلكه، ولا له قدرةٌ على تسليمه؛ ليذهب ويُحصِّله ويسلِّمه إلى المشتري، كان ذلك شبيهًا بالقِمار والمخاطرة من غير حاجةٍ بهما إلى هذا العقد، ولا تتوقَّف مصلحتهما عليه. وكذلك بيع حبل الحبلة، وهو بيع حمل ما تحمل ناقته، ولا يختصُّ هذا النَّهي بحمل الحمل، بل لو باعه ما تحمل ناقته أو بقرته أو أمته كان من بيوع الجاهليَّة الَّتي يعتادونها. وقد ظنَّ طائفةٌ أنَّ بيع السَّلَم مخصوصٌ من النَّهي عن بيع ما ليس عنده، وليس كما ظنُّوه، فإنَّ السَّلَم يرد على أمرٍ مضمونٍ في الذِّمَّة، ثابتٍ فيها،

стр. 3953

مقدورٍ على تسليمه عند محلِّه، ولا غررَ (١) في ذلك ولا خطرَ، بل هو جعل المال في ذمَّة المُسْلَم إليه، يجب عليه أداؤه عند محلِّه، فهو يُشبِه تأجيل الثَّمن في ذمَّة المشتري، فهذا شَغْلٌ لذمَّة المشتري بالثَّمن المضمون، وهذا شَغْلٌ لذمَّة البائع بالمبيع المضمون، فهذا لونٌ وبيعُ ما ليس عنده لونٌ. ورأيتُ لشيخنا في هذا الحديث فصلًا مفيدًا، وهذه سياقته: قال (٢): للنَّاس في هذا الحديث أقوالٌ: قيل: المراد بذلك أن يبيع السِّلعة المعيَّنة الَّتي هي مال الغير، فيبيعها، ثمَّ يتملَّكها، ويُسلِّمها إلى المشتري. والمعنى: لا تبِعْ ما ليس عندك من الأعيان، ونقل هذا التَّفسير عن الشَّافعيِّ، فإنَّه يجوِّز السَّلم الحالَّ، وقد لا يكون عند المُسلَم إليه ما باعه، فحمله على بيع الأعيان ليكون بيع ما في الذِّمَّة غيرَ داخلٍ تحته، سواءٌ كان حالًّا أو مؤجَّلًا. وقال آخرون: هذا ضعيفٌ جدًّا، فإنَّ حكيم بن حزامٍ ما كان يبيع شيئًا معيَّنًا هو مِلْكٌ لغيره، ثمَّ ينطلق فيشتريه منه، ولا كان الذين يأتونه يقولون: نطلب عبدَ فلانٍ أو دارَ فلانٍ، وإنَّما الذي يفعله النَّاس أن يأتيه الطَّالب فيقول: أريد طعامًا كذا وكذا، أو ثوبًا كذا وكذا، أو غير ذلك، فيقول: نعم أعطيك، فيبيعه منه، ثمَّ يذهب، فيُحصِّله من عند غيره إذا لم يكن عنده. هذا هو الذي يفعله من يفعله من النَّاس، ولهذا قال: يأتيني فيطلب منِّي البيعَ ليس عندي، لم يقل: يطلب منِّي مما هو مملوكٌ لغيري، فالطَّالب طلب الجنسَ لم يطلب شيئًا معيَّنًا، كما جرت عادة الطَّالب لما يُؤكل ويُلبس ويُركب، إنَّما

стр. 3954

يطلب جنس ذلك، ليس له غرضٌ في مِلْك شخصٍ بعينه دون ما سواه، ممَّا هو مثله أو خيرٌ منه. ولهذا صار الإمام أحمد وطائفةٌ إلى القول الثَّاني، فقالوا: الحديث على عمومه يقتضي النَّهي عن بيع ما في الذِّمَّة إذا لم يكن عنده، وهو يتناول النَّهي عن السَّلَم إذا لم يكن عنده، لكن جاءت الأحاديث بجواز السَّلَم المؤجَّل، فبقي هذا في السَّلَم الحالِّ. والقول الثَّالث ــ وهو أظهر الأقوال ــ: إنَّ الحديث لم يُرَدْ به النَّهي عن السَّلم المؤجَّل ولا الحالِّ مطلقًا، وإنَّما أريد به أن يبيع ما في الذِّمَّة ممَّا ليس هو مملوكًا له (١)، ولا يقدر على تسليمه، ويربح فيه قبل أن يملكه ويَضْمَنه ويقدر على تسليمه، فهو نهيٌ عن السَّلم الحالِّ إذا لم يكن عند المستسلف ما باعه، فيلزم ذمَّته شيءٌ حالٌّ (٢)، ويربح فيه، وليس هو قادرًا على إعطائه، وإذا ذهب يشتريه فقد يحصل وقد لا يحصل، فهو من نوع الغرر والمخاطرة، وإذا كان السَّلَم حالًّا وجب عليه تسليمه في الحالِّ، وليس بقادرٍ على ذلك، ويربح فيه على أن يملكه ويضمنه، وربَّما أحاله على الذي ابتاع منه، فلا يكون قد عمل شيئًا، بل أكل المال بالباطل. وعلى هذا فالسَّلَم الحالُّ إذا كان المسلم إليه قادرًا على الإعطاء، فهو جائزٌ، وهو كما قال الشَّافعيُّ ﵀ : إذا جاز المؤجَّل فالحالُّ أولى بالجواز. وممَّا يبيِّن أنَّ هذا مراد النَّبيِّ ﷺ : أنَّ السَّائل إنَّما سأله عن بيع شيءٍ مطلقٍ في الذِّمَّة كما تقدَّم، لكن إذا لم يجز بيعُ ذلك، فبيع المعيَّن الذي لم يملكه أولى بالمنع، وإذا كان إنَّما سأله عن

стр. 3955

بيع شيءٍ في الذِّمَّة، فإنَّما سأله عن بيعه حالًّا، فإنَّه قال: أبيعُه، ثمَّ أذهبُ فأبتاعُه، فقال له: «لا تَبِعْ ما ليس عندك»، فلو كان السَّلف الحالُّ لا يجوز مطلقًا لقال له ابتداءً: لا تبِعْ هذا، سواءٌ كان عنده أو ليس عنده، فإنَّ صاحب هذا القول يقول: بيعُ ما في الذِّمَّة حالًّا لا يجوز ولو كان عنده ما يُسلِّمه، بل إذا كان عنده فإنَّه لا يبيع إلا معيَّنًا، لا يبيع شيئًا في الذِّمَّة، فلمَّا لم ينهَ النَّبيُّ ﷺ عن ذلك مطلقًا، بل قال: «لا تَبِعْ ما ليس عندك» = عُلِم أنَّه ﷺ فرَّق بين ما هو عنده ويملكه ويقدر على تسليمه، وما ليس كذلك، وإن كان كلاهما في الذِّمَّة. ومن تدبَّر هذا تبيَّن له أنَّ القول الثَّالث هو الصَّواب. وإذا قيل: المؤخَّر (١) جائزٌ (٢) للضَّرورة، وهو بيع المفاليس؛ لأنَّ البائع احتاج أن يبيع إلى أجلٍ، وليس عنده ما يبيعه الآن، فأمَّا الحالُّ فيمكنه أن يحضر المبيع فيراه، فلا حاجة إلى بيع موصوفٍ في الذِّمَّة، أو يبيع عينًا غائبةً موصوفةً لا يبيع شيئًا مطلقًا. قيل: لا نسلِّم أنَّ السَّلَم على خلاف الأصل، بل تأجيل المبيع كتأجيل الثَّمن، كلاهما من مصالح العالم. والنَّاس لهم في مبيع الغائب ثلاثة أقوالٍ: منهم من يُجوِّزه مطلقًا، ولا يجوِّزه معيَّنًا موصوفًا، كالشَّافعيِّ في المشهور عنه. ومنهم من يُجوِّزه معيَّنًا موصوفًا، ولا يُجوِّزه مطلقًا، كأحمد وأبي حنيفة. والأظهر جواز هذا وهذا، ويقال للشَّافعيِّ مثل ما قال هو لغيره: إذا جاز بيع المطلق الموصوف في

стр. 3956

الذِّمَّة، فالمعيَّن الموصوف أولى بالجواز، فإنَّ المطلق فيه من الغرر والخطر والجهل أكثر ممَّا في المعيَّن، فإذا جاز بيع حنطةٍ مطلقةٍ بالصِّفة، فجواز بيعها معيَّنةً بالصِّفة أولى، بل لو بِيعَ المعيَّنُ بلا صفةٍ (١)، وللمشتري الخيارُ إذا رآه، جاز أيضًا، كما نقل عن الصَّحابة، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الرِّوايتين، وقد جوَّز القاضي وغيره من أصحاب أحمد السَّلَم الحالَّ بلفظ البيع. والتَّحقيق: أنَّه لا فرقَ بين لفظٍ ولفظٍ، فالاعتبار في العقود بحقائقها ومقاصدها لا بمجرَّد ألفاظها، ونفس بيع الأعيان الحاضرة الَّتي يتأخَّر قبضُها يُسمَّى سَلَفًا إذا عجَّل له الثَّمن، كما في «المسند» (٢) عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه نهى أن يُسلِم في حائطٍ بعينه إلا أن يكون قد بدا صلاحه. فإذا بدا صلاحه وقال: أسلمت إليك في عشرة أوسقٍ من تمر هذا الحائط، جاز، كما يجوز أن يقول: ابتعتُ عشرة أوسقٍ من هذه الصُّبرة، ولكنَّ الثَّمن يتأخَّر قبضه إلى كمال صلاحه، فإذا عجَّل له الثَّمن قيل له: سلفٌ؛ لأنَّ السَّلف هو الذي تقدَّم، والسَّالف المتقدِّم، قال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ [الزخرف: ٥٦]. والعرب تُسمِّي أوَّل الرَّواحل: السَّالفة، ومنه قول النَّبيِّ ﷺ : «الحقي بسلفنا الخَيرِ (٣) عثمان بن مظعونٍ» (٤)، وقول الصِّدِّيق: لأقاتلنَّهم

стр. 3957

حتَّى تنفرد سَالِفتي (١). وهي العنق. ولفظ «السَّلف» يتناول القرض والسَّلَم؛ لأنَّ المُقرِض أيضًا سلَّف القرض، أي قدَّمه، ومنه هذا الحديث: «لا يحلُّ سَلَفٌ وبيعٌ» (٢)، ومنه الحديث الآخر: أنَّ النَّبيَّ ﷺ استسلف بَكْرًا، وقضى جملًا رَباعيًا (٣). والَّذي يبيع ما ليس عنده لا يقصد إلا الرِّبح، وهو تاجرٌ، فيُسلِف بسعرٍ، ثمَّ يذهب فيشتري بمثل ذلك الثَّمن، فإنَّه يكون قد أتعب نفسه لغيره بلا فائدةٍ، وإنَّما يفعل هذا من يتوكَّل لغيره فيقول: أعطني، فأنا أشتري لك (٤) هذه السِّلعة، فيكون أمينًا. أمَّا أنَّه يبيعها بثمنٍ معيَّنٍ يقبضه، ثمَّ يذهب فيشتريها بمثل ذلك الثَّمن من غير فائدةٍ في الحال، فهذا لا يفعله عاقلٌ. نعم إذا كان هناك تاجرٌ، فقد يكون محتاجًا إلى الثَّمن فيستسلفه، وينتفع به مدَّةً إلى أن تَحصُل تلك السِّلعة، فهذا يقع في السَّلم المؤجَّل، وهو الذي يُسمَّى بيع المفاليس، فإنَّه يكون محتاجًا إلى الثَّمن وهو مفلسٌ، وليس عنده في الحال ما يبيعه، ولكن له

стр. 3958

ما ينتظره من مُغَلٍّ أو غيره، فيبيعه في الذِّمَّة، فهذا يفعل مع الحاجة، ولا يفعل بدونها إلا أن يقصد أن يتَّجر بالثَّمن في الحال، ويرى أنَّه يحصل به من الرِّبح أكثر ممَّا يفوت بالسَّلم، فإنَّ المستسلف يبيع السِّلعة في الحال بدون ما تساوي نقدًا، والمُسْلِف يرى أنه يشتريها إلى أجلٍ بأرخصَ ممَّا يكون عند حصولها. وإلَّا فلو علم أنَّها عند طرد الأصل تباع بمثل رأس مال السَّلَم لم يُسلِّم فيها، فيذهب نفع ماله بلا فائدةٍ، وإذا قصد الأجر أقرضه ذلك قرضًا، ولا يجعل ذلك سلمًا إلا إذا ظنَّ أنَّه في الحال أرخص منه وقتَ حلول الأجل. فالسَّلم المؤجَّل في الغالب لا يكون إلا مع حاجة المستسلف إلى الثَّمن، وأمَّا الحالُّ فإن كان عنده فقد يكون محتاجًا إلى الثَّمن، فيبيع ما عنده معيَّنًا تارةً وموصوفًا أخرى، وأمَّا إذا لم يكن عنده، فإنَّه لا يفعله إلا إذا قصد التِّجارة والرِّبح، فيبيعه بسعرٍ، ويشتريه بأرخص منه. ثمَّ هذا الذي قدَّره قد يحصل كما قدَّره، وقد لا يحصل، وقد لا تحصلُ (١) له تلك السِّلعة الَّتي تسلَّف فيها إلا بثمنٍ أغلى ممَّا تسلَّف فيندم، وإن حصلت بسعرٍ أرخص من ذلك قدَّم السَّلف، إذ كان يمكنه أن يشتريه هو بذلك الثَّمن، فصار هذا من نوع الميسر والقمار والمخاطرة، كبيع العبد الآبق والبعير الشَّارد يُباع بدون ثمنه، فإن حصل ندِمَ البائع، وإن لم يحصل ندِمَ المشتري. وكذلك بيع حبل الحبلة، وبيع الملاقيح والمضامين، ونحو ذلك ممَّا قد يحصل وقد لا يحصل، فبائع ما ليس عنده من جنس بائع الغرر، الذي قد يحصل وقد لا يحصل، وهو من جنس القمار والميسر.

стр. 3959

والمخاطرة مخاطرتان: مخاطرة التِّجارة، وهو أن يشتري السِّلعة بقصد أن يبيعها بربحٍ (١)، ويتوكَّل على الله في ذلك. والخطر الثَّاني: الميسر الذي يتضمَّن أكلَ المال بالباطل، فهذا الذي حرَّمه الله ورسوله، مثل بيع الملامسة والمنابذة (٢)، وحبل الحبلة (٣)، والملاقيح والمضامين (٤)، وبيع الثِّمار قبل بدوِّ صلاحها (٥). ومن هذا النَّوع يكون أحدهما قد قمرَ الآخر وظلمه، ويتظلَّم أحدهما من الآخر، بخلاف التَّاجر الذي قد اشترى السِّلعة ثمَّ بعد هذا نقصَ سعرُها، فهذا من الله سبحانه، ليس لأحدٍ فيه حيلةٌ، ولا يتظلَّم مثل هذا من البائع.

стр. 3960

وبيعُ ما ليس عنده من قسم القمار والميسر؛ لأنَّه قصد أن يربح على هذا لمَّا باعه ما ليس عنده، والمشتري لا يعلم أنَّه يبيعه ثمَّ يشتري من غيره، وأكثر النَّاس لو علموا ذلك لم يشتروا منه، بل يذهبون يشترون من حيث اشترى هو، وليست هذه المخاطرة مخاطرة التُّجَّار، بل مخاطرة المستعجل بالبيع قبل القدرة على التسليم، فإذا اشترى التَّاجر السِّلعة، وصارت عنده ملكًا وقبضًا، فحينئذٍ دخل في خطر التِّجارة، وباع بيع التِّجارة كما أحلَّه الله تعالى بقوله: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. والله أعلم. حكم رسول الله ﷺ في بيع الحصاة والغرر والملامسة والمنابذة في «صحيح مسلم» (١) عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر. وفي «الصَّحيحين» (٢) عنه: أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن الملامسة والمنابذة. زاد مسلم (٣): «أمَّا الملامسة: فأن يلمِسَ كلٌّ منهما ثوبَ صاحبه بغير تأمُّلٍ، والمنابذة: أن يَنبِذ كلُّ واحدٍ منهما ثوبَه إلى الآخر، ولم ينظر واحدٌ منهما إلى ثوب صاحبه». وفي «الصَّحيحين» (٤) عن أبي سعيد قال: نهانا رسول الله ﷺ عن بيعتين
следующие страницы →