← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.

стр. 3886

بيعها كالمُذكَّى، وقال بعضهم: بل هذا ينبني على أنَّ الدَّبغ إزالةٌ أو إحالةٌ، فإن قلنا: إحالةٌ جاز بيعه؛ لأنَّه قد استحال من كونه جزءَ ميتةٍ إلى عينٍ أخرى، وإن قلنا: إزالةٌ لم يجز بيعه؛ لأنَّ وصف الميتة هو المحرِّم لبيعه، وذلك باقٍ لم يستحلَّ. وبَنَوا على هذا الخلاف جوازَ أكله، ولهم فيه ثلاثة أوجهٍ: أكله مطلقًا، وتحريمه مطلقًا (١)، والتَّفصيل بين جلد المأكول وغير المأكول. فأصحاب الوجه الأوَّل غَلَّبوا حكم الإحالة، وأصحاب الوجه الثَّاني غَلَّبوا حكم الإزالة، وأصحاب الوجه الثَّالث أجْرَوا الدِّباغ مُجرى الذَّكاة، فأباحوا بها ما يباح أكلُه (٢) إذا ذُكِّي دون غيره. والقول بجواز أكله باطلٌ مخالفٌ لصريح السُّنَّة، ولهذا لم يُمكِن قائلَه القولُ به إلا بعد منعه كونَ الجلد بعد الدَّبغ ميتةً، وهذا منعٌ باطلٌ، فإنَّه جلد ميتةٍ حقيقةً وحسًّا وحكمًا، ولم يحدث له حياةٌ بالدَّبغ تَرفع عنه اسم الميتة. وكون الدَّبغ إحالةً باطلٌ حسًّا؛ فإنَّ الجلد لم تُستحلَّ ذاتُه وأجزاؤه وحقيقتُه بالدِّباغ، فدعوى أنَّ الدِّباغ إحالةٌ عن حقيقةٍ (٣) إلى حقيقةٍ أخرى، كما تُحيل النَّارُ الحطبَ إلى الرَّماد، والمَلَّاحةُ (٤) ما يلقى فيها من الميتات إلى الملح= دعوى باطلةٌ.

стр. 3887

وأمَّا أصحاب مالك ففي «المدوَّنة» (١) لابن القاسم المنع من بيعها وإن دبغت، وهو الذي ذكره صاحب «التَّهذيب» (٢). وقال المازري (٣): هذا هو مقتضى القول بأنَّها لا تطهر بالدِّباغ. قال: وأمَّا إذا فرَّعنا على أنَّها تطهر بالدِّباغ طهارةً كاملةً، فإنَّا نجيز بيعها لإباحة جملة منافعها. قلت: عن مالك في طهارة الجلد المدبوغ روايتان (٤)، إحداهما: يطهر ظاهره وباطنه، وبها قال ابن وهب (٥)، وعلى هذه الرِّواية جوَّز أصحابه بيعه. والثَّانية ــ وهي أشهر الرِّوايتين عنه ــ أنَّه يطهر طهارةً مخصوصةً يجوز معها استعماله في اليابسات، وفي الماء وحده دون سائر المائعات، قال أصحابه: وعلى هذه الرِّواية لا يجوز بيعه، ولا الصَّلاة فيه، ولا الصَّلاة عليه. وأمَّا مذهب الإمام أحمد، فإنَّه لا يصحُّ عنده بيع جلد الميتة قبل دبغه. وعنه في جوازه بعد الدَّبغ روايتان (٦)، هكذا أطلقهما الأصحاب، وهما عندي مبنيَّتان على اختلاف الرِّواية عنه في طهارته بعد الدِّباغ. وأمَّا بيع الدُّهن النَّجس ففيه ثلاثة أوجهٍ في مذهبه (٧): أحدها: أنَّه لا يجوز بيعه.

стр. 3888

والثَّاني: يجوز بيعه لكافرٍ يعلم نجاسته، وهو المنصوص عنه. قلت: والمراد بعلم النَّجاسة العلمُ بالسَّبب المنجِّس، لا اعتقاد [الكافر] (١) في نجاسته. والثَّالث: يجوز بيعه لمسلمٍ وكافرٍ. وخُرِّج هذا الوجه من جواز إيقاده، وخرِّج أيضًا من طهارته بالغسل، فيكون كالثَّوب النَّجس. وخرَّج بعض أصحابه وجهًا ببيع السِّرقين النَّجس للوقيد من بيع الزَّيت النَّجس له، وهو تخريجٌ صحيحٌ. وأمَّا أصحاب أبي حنيفة (٢) فجوَّزوا بيع السِّرجين النَّجس إذا كان تبعًا لغيره، ومنعوه إذا كان مفردًا. فصل وأمَّا عظمها، فمن لم يُنجِّسه بالموت ــ كأبي حنيفة، وبعض أصحاب أحمد، واختيار ابن وهب من أصحاب مالك ــ فيجوز بيعه عندهم، وإن اختلَف مأخذُ الطَّهارة: فأصحاب أبي حنيفة قالوا: لا يدخل في الميتة، ولا يتناوله اسمها، ومنعوا كونَ الألم دليلَ حياته. قالوا: وإنَّما يألمه ما (٣) جاوره من اللَّحم لا ذات العظم، وحملوا قوله تعالى: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] على حذف مضافٍ، أي أصحابها.

стр. 3889

وغيرهم ضعَّف هذا المأخذ جدًّا، وقال: العظم يَألَم حسًّا، وألمُه أشدُّ من ألم اللَّحم. ولا يصحُّ حمل الآية على حذف مضافٍ لوجهين، أحدهما: أنَّه تقدير ما لا دليل عليه، فلا سبيل إليه. الثَّاني: أنَّ هذا التَّقدير يستلزم الإضرابَ عن جواب سؤال السَّائل الذي استشكل حياة العظام، فإنَّ أُبيّ بن خَلَف أخذ عظمًا باليًا، ثمَّ جاء به إلى النَّبيِّ ﷺ ، ففتَّه في يده، وقال: يا محمَّد! أترى الله يُحِيي هذا بعدما رَمَّ؟ فقال رسول الله ﷺ : «نعم، ويَبعثك، ويُدخِلك النَّار» (١). فمأخذ الطَّهارة أنَّ سبب تنجيس الميتة منتفٍ في العظام، فلم يحكم بنجاستها. ولا يصحُّ قياسها على اللَّحم؛ لأنَّ احتقان الرُّطوبات والفَضَلات الخبيثة يختصُّ به دون العظام، كما أنَّ ما لا نفسَ له سائلةً لا ينجس (٢) بالموت وهو حيوانٌ كاملٌ، لعدم سبب التَّنجيس (٣) فيه، فالعظم أولى. وهذا المأخذ أصحُّ وأقوى من الأوَّل، وعلى هذا فيجوز بيع عظام الميتة إذا كانت من حيوانٍ طاهر العين.

стр. 3890

وأمَّا من رأى نجاستها فإنَّه لا يجوِّز بيعها، إذ نجاستها عينيَّةٌ، قال ابن القاسم (١): قال مالك: لا أرى أن تُشترى عظام الميتة ولا تُباع، ولا أنياب الفيل، ولا يُتَّجر فيها، ولا يُمتشط بأمشاطها، ولا يُدَّهن بمداهنها. وكيف يجعل الدُّهن في الميتة، ويمشط لحيته بعظام الميتة وهي مبلولةٌ؟ وكره أن يطبخ بعظام الميتة. وأجاز مطرِّف وابن الماجشون بيع أنياب الفيل مطلقًا، وأجازه ابن وهب وأصبغ إذا أُغلِيت وصُلِقت، وجَعلا ذلك دِباغًا لها. فصل وأمَّا تحريم بيع الخنزير، فيتناول جملتَه وجميعَ أجزائه الظَّاهرة والباطنة. وتأمَّلْ كيف ذكر لحمه عند تحريم الأكل إشارةً إلى تحريم أكله ومعظمه اللَّحم، فذكر اللَّحم تنبيهًا على تحريم أكله دون قَتْله (٢)، بخلاف الصَّيد، فإنَّه لم يقل فيه: وحرّم عليكم لحم الصَّيد، بل حرّم نفس الصَّيد ليتناول ذلك أكلَه وقتْلَه. وهاهنا لمَّا حرَّم البيع ذكر جملته، ولم يخصَّ التَّحريم بلحمه، ليتناول بيعه حيًّا وميِّتًا. فصل وأمَّا تحريم بيع الأصنام، فيُستفاد منه تحريم بيع كلِّ آلةٍ متَّخذةٍ للشِّرك، على أيِّ وجهٍ كانت، ومن أيِّ نوعٍ كانت، صنمًا أو وثنًا أو صليبًا، وكذلك الكتب المشتملة على الشِّرك وعبادةِ غير اللَّه، فهذه كلُّها يجب إزالتها وإعدامها، وبيعها ذريعةٌ إلى اقتنائها واتِّخاذها، فهي أولى بتحريم البيع من

стр. 3891

كلِّ ما عداها، فإنَّ مفسدة بيعها بحسب مفسدتها في نفسها، والنَّبيُّ ﷺ لم يؤخِّر ذكرها لخفَّة أمرها، ولكنَّه تدرَّج من الأسهل إلى ما هو أغلظ منه، فإنَّ الخمر أحسن حالًا من الميتة، فإنَّها قد تصير مالًا محترمًا إذا قَلَبها الله سبحانه ابتداءً (١)، أو قَلَبها آدميٌّ بصنعته عند طائفةٍ من العلماء، وتُضْمَن إذا أُتلِفت على الذِّمِّيِّ عند طائفةٍ بخلاف الميتة. وإنَّما لم يجعل الله في أكل الميتة حدًّا اكتفاءً بالزَّاجر الذي جعله الله في الطِّباع من كراهتها، والنَّفرة عنها، وإبعادها عنها، بخلاف الخمر. والخنزير أشدُّ تحريمًا من الميتة، ولهذا أفرده الله سبحانه بالحكم عليه بأنّه رِجْسٌ في قوله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، فالضَّمير في قوله «فإنَّه» وإن كان عوده إلى الثَّلاثة المذكورة باعتبار لفظ المحرَّم، فإنَّه يترجَّح اختصاص لحم الخنزير به لثلاثة أوجهٍ، أحدها: قربه منه، والثَّاني: تذكيره دون قوله «فإنَّها رجسٌ»، والثَّالث: أنَّه أتى بالفاء و «إنَّ» تنبيهًا على علَّة التَّحريم لتنزجر النُّفوسُ عنه، ويقابل هذه العلَّة ما في طباع بعض النَّاس من استلذاذه واستطابته، فنفى عنه ذلك، وأخبر أنَّه رجسٌ. وهذا لا يُحتَاج إليه في الميتة والدَّم، لأنَّ كونهما رِجْسًا أمرٌ مستقرٌّ معلومٌ عندهم. ولهذا في القرآن نظائر، فتأمَّلْها. ثمَّ ذكر بعدُ تحريمَ بيع الأصنام، وهو أعظم تحريمًا وإثمًا وأشدُّ منافاةً للإسلام من بيع الخمر والميتة والخنزير.

стр. 3892

فصل وفي قوله: «إنَّ الله إذا حرَّم شيئًا أو حرَّم أكلَ شيءٍ حرَّم ثمنَه»، يراد به أمران: أحدهما: ما هو حرام العين والانتفاع جملةً، كالخمر والميتة والدَّم والخنزير وآلات الشِّرك، فهذه ثمنُها حرامٌ كيفما أُبِيعَتْ (١). والثَّاني: ما يباح الانتفاع به في غير الأكل، وإنَّما يحرم أكله، كجلد الميتة بعد الدِّباغ، وكالحُمُر الأهليَّة، والبغال ونحوها ممَّا يحرم أكله دون الانتفاع به، فهذا قد يقال: إنَّه لا يدخل في الحديث، وإنَّما يدخل فيه ما هو حرامٌ على الإطلاق. وقد يقال: إنَّه داخلٌ فيه، ويكون تحريم ثمنه إذا أُبِيعَ (٢) لأجل المنفعة الَّتي حرمت منه، فإذا بِيع البغل والحمار لأكلهما حَرُمَ ثمنُهما، بخلاف ما إذا أُبِيعا للرُّكوب وغيره، وإذا بيع جلد الميتة للانتفاع به حلَّ ثمنه، وإذا بيع لأكله حرم ثمنه. وطَرْدُ هذا ما قاله جمهور الفقهاء كأحمد ومالك وأتباعهما: إنَّه إذا بيع العنب لمن يعصره خمرًا حرم أكلُ ثمنه، بخلاف ما إذا بيع لمن يأكله. وكذلك السِّلاح إذا بيع لمن يقاتل به مسلمًا حرم أكلُ ثمنه، وإذا بيع لمن يغزو به في سبيل اللَّه فثمنُه من الطَّيِّبات. وكذلك ثياب الحرير إذا بيعت لمن يلبسها ممَّن تحرُم عليه حرم أكلُ ثمنها، بخلاف بيعها ممَّن يحلُّ له لبسها. فإن قيل: فهل تُجوِّزون للمسلم بيعَ الخمر والخنزير من الذِّمِّيِّ لاعتقاد

стр. 3893

الذِّمِّيِّ حِلَّهما له، كما جوَّزتم أن يبيعه الدُّهنَ المتنجِّس إذا بيَّن حاله لاعتقاده طهارتَه وحِلَّه؟ قيل: لا يجوز ذلك، وثمنه حرامٌ. والفرق بينهما: أنَّ الدُّهن المتنجِّس عينٌ طاهرةٌ خالطتْها نجاسةٌ، ويَسُوغ فيها النِّزاع. وقد ذهبت طائفةٌ من العلماء إلى أنَّه لا يتنجس إلا بالتَّغيُّر. وإن تغيَّر، فذهبت طائفةٌ إلى إمكان تطهيره بالغسل، بخلاف العين الَّتي حرَّمها الله في كلِّ ملَّةٍ، وعلى لسان كلِّ رسولٍ، كالميتة والدَّم والخنزير، فإنَّ استباحته مخالفةٌ لما أجمعت الرُّسل على تحريمه وإن اعتقد الكافر حلَّه، فهو كبيع الأصنام للمشركين، وهذا هو الذي حرَّمه الله ورسوله بعينه، وإلَّا فالمسلم لا يشتري صنمًا. فإن قيل: فالخمر حلالٌ عند أهل الكتاب، فجَوِّزوا بيعَها منهم. قيل: هذا هو الذي توهَّمه من توهَّمه من عمَّال عمر بن الخطَّاب، حتَّى كتب إليهم عمر (١) ينهاهم عنه، وأمر عمَّاله أن يولُّوا أهلَ الكتاب بيعَها بأنفسهم، وأن يأخذوا ما عليهم من أثمانها. فقال أبو عبيد (٢): ثنا عبد الرحمن، عن سفيان بن سعيدٍ، عن إبراهيم بن عبد الأعلى الجعفي، عن سُوَيد بن غَفَلة قال: بلغ عمرَ بن الخطَّاب أنَّ ناسًا يأخذون الجزية من الخنازير، فقام بلال فقال: إنَّهم ليفعلون، فقال عمر: لا تفعلوا، وَلُّوهم بيعَها.

стр. 3894

قال أبو عبيد (١): وحدَّثنا الأنصاري، عن إسرائيل، عن إبراهيم بن عبد الأعلى، عن سُوَيد بن غَفَلة، أنَّ بلالًا قال لعمر: إنَّ عمَّالك يأخذون الخمر والخنازير في الخراج، فقال: لا تأخذوا منهم، ولكن وَلُّوهم بيعَها، وخذوا أنتم من الثَّمن. قال أبو عبيد (٢): يريد أنَّ المسلمين كانوا يأخذون من أهل الذِّمَّة الخمر والخنازير من جزية رؤوسهم، وخراج أرضهم بقيمتها، ثمَّ يتولَّى المسلمون بيعَها، فهذا الذي أنكره بلال، ونهى عنه عمر، ثمَّ رخَّص لهم أن يأخذوا ذلك من أثمانها إذا كان أهل الذِّمَّة المتولِّين لبيعها؛ لأنَّ الخمر والخنازير مالٌ من أموال أهل الذِّمَّة، ولا يكون ذلك للمسلمين. قال (٣): وممَّا يُبيِّن ذلك حديثٌ آخر لعمر: حدَّثنا علي بن مَعْبد، عن عبيد الله (٤) بن عمرٍو، عن ليث بن أبي سُليمٍ، أنَّ عمر بن الخطَّاب كتب إلى العمَّال يأمرهم بقتلِ الخنازير، وتُقَصُّ (٥) أثمانها لأهل الجزية من جزيتهم (٦). قال أبو عبيد (٧): فهو لم يجعلها قصاصًا من الجزية إلا وهو يراها مالًا

стр. 3895

من أموالهم. فأمَّا إذا مرَّ الذِّمِّيُّ بالخمر والخنازير على العَاشِر (١)، فإنَّه لا يطيب له أن يَعْشِرَها، ولا يأخذَ ثمنَ العُشْر منها، وإن كان الذِّمِّيُّ هو المتولِّي لبيعها أيضًا. وهذا ليس من الباب الأوَّل، ولا يُشبِهه؛ لأنَّ ذلك حقٌّ وجب على رقابهم وأرضهم، وأنَّ العشر هاهنا إنَّما هو شيءٌ يوضع على الخمر والخنازير أنفسها، وكذلك ثمنُها لا يطيب، لقول رسول الله ﷺ : «إنَّ الله إذا حرَّم شيئًا حرَّم ثمنَه» (٢). وقد رُوي عن عمر بن الخطَّاب أنَّه أفتى في مثل هذا بغير ما أفتى به في ذاك، وكذلك قال عمر بن عبد العزيز. حدَّثنا أبو الأسود المصري (٣)، ثنا عبد الله بن لَهيعة، عن عبد الله بن هُبَيرة السَّبائي، أنَّ عُتبة بن فَرقد بعث إلى عمر بن الخطَّاب بأربعين ألفَ درهمٍ صدقة الخمر، فكتب إليه عمر: بعثتَ إليَّ بصدقة الخمر، وأنت أحقُّ بها من المهاجرين. وأخبَر بذلك النَّاسَ، وقال: والله لا استعملتُكَ على شيءٍ بعدها. قال: فنزعه (٤) (٥). وحدَّثنا عبد الرحمن، عن المثنَّى بن سعيد (٦)، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عديِّ بن أرطاة، أن ابعَثْ إليَّ بتفصيل (٧) الأموال الَّتي قِبَلَك

стр. 3896

من أين دخلَتْ؟ فكتب إليه بذلك وصنَّفه، وكان فيما كتب إليه من عُشْر الخمر أربعة آلاف درهمٍ. قال: فلَبِثنا ما شاء الله، ثمَّ جاءه جواب كتابه: إنَّك كتبتَ إليَّ تذكر من عشور الخمر أربعة آلاف، وإنَّ الخمر لا يَعْشِرها مسلمٌ ولا يشتريها ولا يبيعها، فإذا أتاك كتابي هذا فاطلُبِ الرَّجل فاردُدْها عليه، فهو أولى بما كان فيها. فطلب الرَّجل، فرُدَّت عليه (١). قال أبو عبيد: فهذا عندي الذي عليه العمل، وإن كان إبراهيم النَّخعيُّ قد قال غير ذلك. ثمَّ ذكر عنه في الذِّمِّيِّ (٢) يمرُّ بالخمر على العاشر، قال: يُضاعَف عليه العُشُور (٣). قال أبو عبيد (٤): وكان أبو حنيفة يقول: إذا مرَّ على العاشر بالخمر والخنازير، عَشَر الخمرَ، ولم يَعْشِر الخنازير. سمعتُ محمد بن الحسن يحدِّث بذلك عنه. قال أبو عبيد: وقول الخليفتين عمر بن الخطَّاب وعمر بن عبد العزيز أولى بالاتِّباع، والله أعلم. حكم رسول الله ﷺ في ثمن الكلب والسِّنَّور في «الصَّحيحين» (٥) عن ابن مسعود (٦): أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن ثمنِ الكلب، ومَهْر البَغِيِّ، وحُلوان الكاهن.

стр. 3897

وفي «صحيح مسلم» (١) عن أبي الزبير قال: سألتُ جابرًا عن ثمن الكلب والسِّنَّور، فقال: زجر رسول الله ﷺ عن ذلك. وفي «سنن أبي داود» (٢) عنه أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن ثمن الكلب والسِّنَّور. وفي «صحيح مسلم» (٣) من حديث رافع بن خَدِيجٍ عن رسول الله ﷺ قال: «شرُّ الكسب مَهْر البغيِّ، وثمن الكلب، وكَسْب الحجَّام». فتضمَّنت هذه السُّنن أربعة أمورٍ: أحدها: تحريم بيع الكلب، وذلك يتناول كلَّ كلبٍ صغيرًا كان أو كبيرًا، للصَّيد أو للماشية (٤) أو للحرث. وهذا مذهب فقهاء أهل الحديث قاطبةً، والنِّزاع في ذلك معروفٌ عن أصحاب مالك وأبي حنيفة، فجوَّز أصحاب أبي حنيفة بيعَ الكلاب وأكْلَ أثمانها. وقال القاضي عبد الوهَّاب (٥): اختلف أصحابنا في بيع ما أُذِن في اتِّخاذه من الكلاب، فمنهم من قال: يكره، ومنهم من قال: يحرم. انتهى. وعقد بعضهم (٦) عقدًا لما يصحُّ بيعه، وبنى عليه اختلافهم في بيع الكلب، فقال: ما كانت منافعه كلُّها محرَّمةً لم يجز بيعه، إذ لا فرق بين المعدوم حسًّا

стр. 3898

والممنوع شرعًا، وما تنوَّعت منافعه إلى محلَّلةٍ ومحرَّمةٍ، فإن كان المقصود من العين خاصَّةً كان الاعتبار بها، والحكم تابعٌ لها، فاعتُبِر نوعها، وصار الآخر كالمعدوم. وإن توزَّعتْ في النَّوعين لم يصحَّ البيع؛ لأنَّ ما يقابل ما حرم منها أكْلُ مالٍ بالباطل، وما سواه من بقيَّة الثَّمن يصير مجهولًا. قال (١): وعلى هذا الأصل مسألة بيع كلب الصَّيد، فإذا بُنِي الخلاف فيها على هذا الأصل قيل: في الكلب من المنافع كذا وكذا، وعُدِّدت جملة منافعه، ثمَّ نُظِر فيها، فمن رأى أنَّ جملتها محرَّمةٌ مَنَع، ومن رأى جميعها محلَّلةً أجاز، ومن رآها متنوِّعةً نَظَر: هل المقصود المحلَّل أو المحرَّم، فجعل الحكم للمقصود، ومن رأى منفعةً واحدةً منها محرَّمةً وهي مقصودةٌ مَنَع أيضًا، ومن التبسَ عليه كونُها مقصودةً وَقَفَ أو كره. فتأمَّلْ هذا التَّأصيل والتَّفصيل، وطابِقْ بينهما يظهَرْ لك ما فيهما من التَّناقض والخلل، وأنَّ بناء بيع كلب الصَّيد على هذا الأصل من أفسد البناء، فإنَّ قوله: «من رأى أنَّ جملة منافع كلب الصَّيد محرَّمةٌ بعد تعديدها (٢) لم يُجِز بيعه»، فإنَّ هذا لم يقلْه أحدٌ من النَّاس قطُّ، وقد اتَّفقت الأمَّة على إباحة منافع كلب الصَّيد من الاصطياد والحراسة، وهما جُلُّ منافعه، ولا يُقتنى إلا لذلك، فمن الذي رأى منافعه كلَّها محرَّمةٌ؟ ولا يصحُّ أن تُراد منافعه الشَّرعيَّة، فإنَّ إعارته جائزةٌ. وقوله: «من رأى جميعها محلَّلةً أجاز»، كلامٌ فاسدٌ أيضًا، فإنَّ منافعه

стр. 3899

المذكورة محلَّلةٌ اتِّفاقًا، والجمهور على عدم جواز بيعه. وقوله: «ومن رآها متنوِّعةً نَظر: هل المقصود المحلَّل أو (١) المحرَّم؟» كلامٌ لا فائدة تحته البتَّة، فإنَّ منفعة كلب الصَّيد هي الاصطياد دون الحراسة، فأين التَّنوُّع؟ وما يُقدَّر في المنافع من التَّحريم يُقدَّر مثله في الحمار والبغل. وقوله: «ومن رأى منفعةً واحدةً محرَّمةً وهي مقصودةٌ مَنَع»، أظهرُ فسادًا ممَّا قبله، فإنَّ هذه المنفعة المحرَّمة ليست هي المقصودة من كلب الصَّيد، وإن قُدِّر أنَّ مشتريه قصدَها، فهو كما لو قصد منفعةً محرَّمةً من سائر ما يجوز بيعه. وتبيَّنَ فسادُ هذا التَّأصيل، وأنَّ الأصل الصَّحيح هو الذي دلَّ عليه النَّصُّ الصَّريح الذي لا معارِضَ له البتَّة من تحريم بيعه. فإن قيل: كلب الصَّيد مستثنًى من النَّوع الذي نهى عنه رسول الله ﷺ ، بدليل ما رواه الترمذي (٢) من حديث جابر أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن ثمن الكلب، إلّا كلبَ الصَّيد.

стр. 3900

وقال النَّسائيُّ (١): أخبرني إبراهيم بن الحسن المِصِّيصي، ثنا حجَّاج بن محمَّدٍ، عن حمَّاد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن ثمن السِّنَّور والكلب، إلا كلبَ صَيْدٍ. وقال قاسم بن أصبغ (٢): حدَّثنا محمَّد بن إسماعيل، ثنا ابن أبي مريم، أخبرنا يحيى بن أيوب، حدثني المثنَّى بن الصباح، عن عطاء بن أبي رباحٍ، عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «ثمن الكلب سُحْتٌ إلا كلبَ صيدٍ». وقال ابن وهب (٣): عمَّن أخبره، عن ابن شهابٍ، عن أبي بكرٍ الصِّدِّيق عن النَّبيِّ ﷺ قال: «ثلاثٌ هنَّ سُحْتٌ: حُلوان الكاهن، ومَهْر الزَّانية، وثمن الكلب العَقُور». وقال ابن وهب (٤): حدَّثني الهيثم (٥) بن نُمير، عن حسين (٦) بن عبد الله بن ضمرة (٧)، عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن ثمن الكلب العَقُور. ويدلُّ على صحَّة هذا الاستثناء أيضًا أنَّ جابرًا أحد من روى عن النَّبيِّ

стр. 3901

- ﷺ النَّهيَ عن ثمن الكلب، وقد رخَّص جابر نفسُه في ثمن كلب الصَّيد (١)، وقول الصَّحابيِّ صالحٌ لتخصيص عموم الحديث عند من جعله حجَّةً، فكيف إذا كان معه النَّصُّ باستثنائه والقياس أيضًا؟ لأنَّه يُباح الانتفاع به، ويصحُّ نقل اليد فيه بالميراث والوصيَّة والهبة، وتجوز إعارته وإجارته في أحد قولي العلماء، وهما وجهان للشَّافعيَّة، فجاز بيعه كالبغل والحمار. فالجواب (٢): أنَّه لا يصحُّ عن النَّبيِّ ﷺ استثناء كلب الصَّيد بوجهٍ: أمَّا حديث جابر، فقال الإمام أحمد وقد سئل عنه: هذا من الحسن بن أبي جعفر، وهو ضعيفٌ (٣). وقال الدَّارقطنيُّ (٤): الصَّواب أنَّه موقوفٌ على جابر. وقال الترمذي (٥): لا يصحُّ إسناد هذا الحديث.

стр. 3902

وقال في حديث أبي هريرة (١): هذا لا يصحُّ، أبو المُهزِّم ضعيفٌ. يريد راويَه عنه. وقال البيهقي (٢): روى عن النَّبيِّ ﷺ النَّهيَ عن ثمن الكلب جماعةٌ، منهم: ابن عبَّاسٍ (٣)، وجابر بن عبد اللَّه، وأبو هريرة، ورافع بن خَدِيجٍ (٤)، وأبو جُحَيفة (٥)، اللَّفظ مختلفٌ والمعنى واحدٌ. والحديث الذي رُوِي في استثناء كلب الصَّيد لا يصحُّ، وكأنَّ من رواه أراد حديث النَّهي عن اقتنائه فشُبِّه عليه، والله أعلم. وأمَّا حديث حمَّاد بن سلمة عن أبي الزبير، فهو الذي ضعَّفه الإمام أحمد بالحسن بن أبي جعفر، وكأنَّه لم يقع له طريق حجَّاج بن محمَّدٍ، وهو الذي قال فيه الدَّارقطنيُّ: الصَّواب أنَّه موقوفٌ، وقد أعلَّه ابن حزمٍ (٦) بأنَّ أبا الزبير (٧) لم يصرِّح فيه بالسَّماع من جابر، وهو مدلِّسٌ، وليس من رواية الليث عنه. وأعلَّه البيهقي (٨) بأنَّ أحد رواته وهم من استثناء كلب الصَّيد ممَّا نهي عن اقتنائه من الكلاب فنقله إلى البيع.

стр. 3903

قلت: وممَّا يدلُّ على بطلان حديث جابر هذا وأنَّه خُلِّط عليه: أنَّه صحَّ عنه أنَّه قال: أربعٌ من السُّحْت: ضِراب الفَحْل، وثمن الكلب، ومَهْر البغيِّ، وكَسْب الحجَّام (١). وهذا علَّةٌ أيضًا للموقوف عليه من استثناء كلب الصَّيد، فهو علَّةٌ للموقوف والمرفوع. وأمَّا حديث المثنَّى بن الصباح عن عطاء عن أبي هريرة فباطلٌ؛ لأنَّ فيه يحيى بن أيوب، وقد شهد مالك عليه بالكذب، وجرَّحه الإمام أحمد. وفيه المثنى بن الصباح، وضعفُه عندهم مشهورٌ. ويدلُّ على بطلان الحديث ما رواه النَّسائيُّ (٢): ثنا الحسن بن أحمد بن شبيب (٣)، حدَّثنا محمَّد بن عبد الله بن بهز (٤)، ثنا أسباط، ثنا الأعمش، عن عطاء بن أبي رباحٍ، قال: قال أبو هريرة: أربعٌ من السُّحْت: ضِراب الفحل، وثمن الكلب، ومَهْر البغيِّ، وكَسْب الحجَّام.

стр. 3904

وأمَّا الأثر عن أبي بكرٍ الصِّدِّيق، فلا ندري من أخبر ابن وهب عن ابن شهابٍ، ولا من أخبر ابنَ شهابٍ عن الصِّدِّيق، ومثل هذا لا يُحتجُّ به. وأمَّا الأثر عن علي، ففيه ابن ضمرة (١) في غاية الضَّعف. ومثلُ هذه الآثار السَّاقطة المعلولة لا تُقدَّم على الآثار الَّتي رواها الأئمَّة الثِّقات الأثبات، حتَّى قال بعض الحفَّاظ: إنَّ نقْلها نقلُ تواترٍ، وقد ظهر أنَّه لم يصحَّ عن صحابيٍّ خلافُها البتَّة، بل هذا جابر وأبو هريرة وابن عبَّاسٍ يقولون: ثمن الكلب خبيثٌ. قال وكيعٌ (٢): ثنا إسرائيل، عن عبد الكريم، عن قيس بن حَبْتَر (٣)، عن ابن عبَّاسٍ رفعَه: «ثمنُ الكلب، ومَهْر البغيِّ، وثمنُ الخمر حرامٌ». وهذا أقلُّ ما فيه أن يكون قول ابن عبَّاسٍ. وأمَّا قياس الكلب على البغل والحمار فمن أفسدِ القياس، بل قياسه على الخنزير أصحُّ من قياسه عليهما؛ لأنَّ الشَّبّه الذي بينه وبين الخنزير أقربُ من الشَّبَه الذي بينه وبين البغل والحمار، ولو تعارض القياسان لكان القياس المؤيَّد بالنَّصِّ الموافق له أصحَّ وأولى من القياس المخالف له. فإن قيل: كان النَّهي عن ثمنها حين كان الأمر بقتلها، فلمَّا حُرِّم قتلُها

стр. 3905

وأُبيح اتِّخاذ بعضها نُسِخ النَّهي، فنُسِخ تحريم البيع. قيل: هذه دعوى باطلةٌ، ليس مع مدَّعيها بصحَّتها دليلٌ ولا شبهةٌ، وليس في الأثر ما يدلُّ على صحَّة هذه الدَّعوى البتَّةَ بوجهٍ من الوجوه. ويدلُّ على بطلانها: أنَّ أحاديث تحريم بيعها وأكلِ ثمنها مطلقةٌ عامَّةٌ كلُّها، وأحاديث الأمر بقتلها والنَّهي عن اقتنائها نوعان: نوعٌ كذلك وهو المتقدِّم، ونوعٌ مقيَّدٌ مخصَّصٌ وهو المتأخِّر، فلو كان النَّهي عن بيعها مقيَّدًا مخصوصًا لجاءت به الآثار كذلك، فلمَّا جاءت عامَّةً مطلقةً عُلِم أنَّ عمومها وإطلاقها مرادٌ، فلا يجوز إبطاله. والله أعلم. فصل الحكم الثَّاني: تحريم بيع السِّنَّور، كما دلَّ عليه الحديث الصَّحيح الصَّريح الذي رواه جابر، وأفتى بموجبه، كما رواه قاسم بن أصبغ (١): ثنا محمَّد بن وضَّاحٍ، ثنا محمد بن آدم، ثنا عبد الله بن المبارك، ثنا حمَّاد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد اللَّه أنَّه كره ثمنَ الكلب والسِّنَّور. قال أبو محمد (٢): فهذه فتيا جابر بن عبد اللَّه بما رواه (٣)، ولا يُعرف له مخالفٌ من الصَّحابة. وكذلك أفتى أبو هريرة (٤)، وهو مذهب طاوسٍ

стр. 3906

ومجاهد (١) وجابر بن زيدٍ (٢)، وجميع أهل الظَّاهر، وإحدى الرِّوايتين عن أحمد، وهي اختيار أبي بكر عبد العزيز. وهو الصَّواب لصحَّة الحديث بذلك، وعدمِ ما يعارضه، فوجب القول به. قال البيهقي (٣): ومن العلماء من حمل الحديث على أنَّ ذلك حين كان محكومًا بنجاستها، فلمَّا قال النَّبيُّ ﷺ : «الهرَّة ليستْ بنجسٍ» (٤) صار ذلك منسوخًا في البيع. ومنهم من حملَه على السِّنَّور إذا توحَّش، ومتابعةُ ظاهر السُّنَّة أولى. ولو سمع الشَّافعيُّ الخبر الوارد (٥) فيه لقال به إن شاء اللَّه، وإنَّما لا يقول به من توقَّف في تثبيت روايات أبي الزبير، وقد تابعه أبو سفيان عن جابر على هذه الرِّواية، من جهة عيسى بن يونس وحفص بن غياثٍ عن الأعمش عن أبي سفيان، والله أعلم. انتهى كلامه. ومنهم من حمله على الهرِّ الذي ليس بمملوكٍ، ولا يخفى ما في هذه المحامل من الوهن. فصل والحكم الثَّالث: مهر البَغِيِّ، وهو ما تأخذه الزَّانية في مقابلة الزِّنا بها،

стр. 3907

فحكم رسول الله ﷺ أنَّ ذلك خبيثٌ على أيِّ وجهٍ كان، حرَّةً كانت أو أمةً، ولا سيَّما فإنَّ البِغاء إنَّما كان على عهدهم في الإماء دون الحرائر، ولهذا قالت هند وقتَ البيعة: أَوَ تَزني الحرَّة؟! (١). ولا نزاعَ بين الفقهاء في أنَّ الحرَّة البالغة العاقلة إذا مَكَّنت رجلًا من نفسها فزنى بها أنَّه لا مهْرَ لها، واختُلِف في مسألتين، إحداهما: الحرَّة المُكْرَهة. والثَّانية: الأمة المطاوعة. فأمَّا الحرَّة المُكْرَهة على الزِّنا، ففيها أربعة أقوالٍ، وهي رواياتٌ منصوصاتٌ عن أحمد (٢): أحدها: أنَّ لها المهرَ بكرًا كانت أو ثيِّبًا، سواءٌ وُطِئتْ في قُبُلِها أو دُبُرِها. والثَّاني: أنَّها إن كانت ثيِّبًا فلا مهرَ لها، وإن كانت بكرًا فلها المهر. وهل يجب معه أَرْشُ البكارة؟ على روايتين منصوصتين. وهذا القول اختيار أبي بكر. والثَّالث: أنَّها إن كانت ذاتَ محرمٍ فلا مهرَ لها، وإن كانت أجنبيَّةً فلها المهر. والرَّابع: أنَّ من تحرم ابنتُها كالأمِّ والبنت والأخت فلا مهرَ لها، ومن تحلُّ ابنتها كالعمَّة والخالة فلها المهر. وقال أبو حنيفة: لا مهرَ للمكرهة على الزِّنا بحالٍ، بكرًا كانت أو ثيِّبًا.

стр. 3908

فمن أوجب المهر قال: إنَّ استيفاء هذه المنفعة جُعِل مُقوَّمًا في الشَّرع بالمهر، وإنَّما لم يجب للمختارة؛ لأنَّها باذلةٌ للمنفعة الَّتي عوضها لها، فلم يجب لها شيءٌ، كما لو أذنت في إتلاف عضوٍ من أعضائها لمن أتلفه. ومن لم يوجبه قال: الشَّارع إنَّما جعل هذه المنفعة متقوِّمًا (١) بالمهر في عقدٍ أو شبهة عقدٍ، ولم يُقوِّمها بالمهر في الزِّنا البتَّة، وقياس السِّفاح على النِّكاح من أفسد القياس. قالوا: وإنَّما جَعلَ الشَّارع في مقابلة هذا الاستمتاع الحدَّ والعقوبةَ، فلا يجمع بينه وبين ضمان المهر. قالوا: والوجوب إنَّما يُتلقَّى من الشَّارع من نصِّ خطابه، أو عمومه، أو فَحْواه، أو تنبيهه، أو معنى نصِّه، وليس شيءٌ من ذلك ثابتًا متحقِّقًا عنه. وغاية ما يُدَّعى قياسُ السِّفاح على النِّكاح، ويا بُعْدَ ما بينهما! قالوا: والمهر إنَّما هو من خصائص النِّكاح لفظًا ومعنًى، ولهذا إنَّما يضاف إليه فيقال: مهر النِّكاح، ولا يضاف إلى الزِّنا، فلا يقال: مهر الزِّنا، وإنَّما أطلق النَّبيُّ ﷺ المهر بالعقد (٢)، كما قال: «إنَّ الله حرَّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام» (٣). وكما قال: «من باع حرًّا وأكلَ ثمنَه» (٤). ونظائره كثيرةٌ.

стр. 3909

والأوَّلون يقولون: الأصل في هذه المنفعة أن تُقوَّم بالمهر، وإنَّما أسقطه الشَّارع في حقِّ البغيِّ، وهي الَّتي تزني باختيارها، وأمَّا المُكرَهة على الزِّنا فليست بغيًّا، فلا يجوز إسقاطُ بدلِ منفعتها الَّتي أُكرِهت على استيفائها، كما لو أكره الحرُّ على استيفاء منافعه، فإنَّه يلزمه عِوضُها، وعِوضُ هذه المنفعة شرعًا هو المهر. فهذا مأخذ القولين. ومن فرَّق بين البكر والثَّيِّب رأى أنَّ الواطئ لم يُذهِب على الثَّيِّب شيئًا، وحَسْبُه العقوبة الَّتي رُتَّبتْ على فعله، وهذه المعصية لا يقابلها شرعًا مالٌ يلزم من أقدر (١) عليها، بخلاف البكر فإنَّه أزال بكارتها، فلا بدَّ من ضمان ما أزالَه، فكانت هذه الجناية مضمونةً عليه في الجملة، فضَمِن ما أتلفه من جزء منفعةٍ، وكانت المنفعة تابعةً للجزء في الضَّمان، كما كانت تابعةً له في عدمه في البِكر المطاوعة. ومن فرَّق بين ذوات المحارم وغيرهنَّ، رأى أنَّ تحريمهنَّ لمَّا كان تحريمًا مستقرًّا، وأنَّهنَّ غير محلِّ الوطء شرعًا، كان استيفاء هذه المنفعة منهنَّ بمنزلة التَّلوُّط، فلا يوجب مهرًا. وهذا قول الشَّعبيِّ، وهذا بخلاف تحريم المصاهرة، فإنَّه عارضٌ يمكن زواله. قال صاحب «المغني» (٢): وهكذا ينبغي أن يكون الحكم فيمن حرمت بالرَّضاع؛ لأنَّه طارٍ (٣) أيضًا.

стр. 3910

ومن فرَّق في ذوات المحارم بين من تحرم ابنتها ومن لا تحرم، فكأنَّه رأى أنَّ من لا تحرم ابنتها تحريمها (١) أخفُّ من تحريم الأخرى، فأشبَه العارضَ. فإن قيل: فما حكم المُكْرَهة على الوطء في دُبرها، أو الأمة المطاوعة على ذلك؟ قيل: هو أولى بعدم الوجوب، فهذا كاللِّواط لا يجب به (٢) المهر اتِّفاقًا. وقد اختلف في هذه المسألة الشَّيخان: أبو البركات ابن تيميَّة، وأبو محمد ابن قدامة: فقال أبو البركات في «محرَّره» (٣): ويجب مهر المثل للموطوءة بشبهةٍ، والمكرهة على الزِّنا في قُبُلٍ أو دُبُرٍ. وقال أبو محمد في «المغني» (٤): ولا يجب المهر بالوطء في الدُّبر ولا اللِّواط؛ لأنَّ الشَّرع لم يَرِد ببدله، ولا هو إتلافٌ لشيءٍ، فأشبهَ القبلةَ والوطء دون الفرج. وهذا القول هو الصَّواب قطعًا، فإنَّ هذا الفعل لم يجعل له الشَّارع قيمةً أصلًا، ولا قدَّر له مهرًا بوجهٍ من الوجوه، وقياسه على وطء الفرج من أفسد القياس، ولازم من قاله إيجاب المهر لمن فعلت به اللُّوطيَّة من الذُّكور،

стр. 3911

وهذا لم يقل به أحدٌ البتَّة. فصل وأمَّا المسألة الثَّانية: وهي الأمة المطاوعة، فهل يجب لها المهر؟ فيه قولان، أحدهما: يجب، وهذا قول الشَّافعيِّ وأكثر أصحاب أحمد. قالوا: لأنَّ هذه المنفعة لغيرها، فلا يسقط بدلها مجَّانًا، كما لو أذنت في قطع طرفها. والصَّواب المقطوع به: أنَّه لا مهرَ لها، وهذه هي البغيُّ الَّتي نهى رسول الله ﷺ عن مهرها، وأخبر أنَّه خبيثٌ، وحكم عليه وعلى ثمنِ الكلب وأجرِ الكاهن بحكمٍ واحدٍ، والأمة داخلةٌ في هذا الحكم دخولًا أوَّليًّا، فلا يجوز تخصيصها من عمومه؛ لأنَّ الإماء هنَّ اللَّاتي كنَّ (١) يُعرَفن بالبغاء، وفيهنَّ وفي ساداتهنَّ أنزل الله : ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣]، فكيف يجوز أن تخرج الإماء من نصٍّ أُرِدْنَ به قطعًا، ويُحمَل على غيرهنَّ؟ وأمَّا قولكم: «إنَّ منفعتها لسيِّدها، ولم يأذن في استيفائها»، فيقال: هذه المنفعة يملك السَّيِّد استيفاءها بنفسه، ويملك المعاوضةَ عليها بعقد النِّكاح أو شبهته (٢)، ولا يملك المعاوضةَ عليها إذا أذنت (٣)، ولم يجعل الله ورسوله للزِّنا عوضًا قطُّ غير العقوبة، فيفوت على السَّيِّد حتَّى يُقضى له، بل

стр. 3912

هذا تقويمُ مالٍ هَدَرَه (١) الله ورسوله، وإثباتُ عوضٍ حكَمَ الشَّارع بخبثه، وجعله بمنزلة ثمنِ الكلب وأجرِ الكاهن، وإذا كان عوضًا خبيثًا شرعًا لم يجز أن يُقضَى به. ولا يقال: فأجر الحجَّام خبيثٌ، ويُقضى له به؛ لأنَّ منفعة الحجامة منفعةٌ مباحةٌ وتجوز، بل يجب على مستأجره أن يُوفِّيه أجرَه، فأين هذا من المنفعة الخبيثة المحرَّمة الَّتي عِوضُها من جنسها، وحكمُه حكمها، وإيجابُ عوضٍ في مقابلة هذه القصة (٢) كإيجاب عوضٍ في مقابلة اللِّواط، إذ الشَّارع لم يجعل في مقابلة هذا الفعل عوضًا. فإن قيل: فقد جعل في مقابلة الوطء في الفرج عوضًا، وهو المهر من حيث الجملة، بخلاف اللِّواط. قلنا: إنَّما جعل في مقابلته عوضًا إذا استُوفي بعقدٍ أو بشبهة عقدٍ، ولم يجعل له عوضًا إذا استُوفي بزنًا محضٍ لا شبهةَ فيه، وباللَّه التَّوفيق. ولم يُعرَف في الإسلام قطُّ أنَّ زانيًا قُضِي عليه بالمهر للمَزْنيِّ بها، ولا ريبَ أنَّ المسلمين يرون هذا قبيحًا، فهو عند الله قبيحٌ. فصل فإن قيل: فما تقولون في كسب الزَّانية إذا قبضَتْه ثمَّ تابت، هل يجب عليها ردُّ ما قبضتْه إلى أربابه، أم يطيب لها، أم تَصَّدَّقُ به؟

стр. 3913

قيل: هذا ينبني على قاعدةٍ عظيمةٍ من قواعد الإسلام، وهي أنَّ من قبضَ ما ليس له قبضه شرعًا، ثمَّ أراد التَّخلُّص منه، فإن كان المقبوض قد أُخِذ بغير رضى صاحبه ولا استُوفي عوضُه، ردَّه عليه. فإن تعذَّر ردُّه عليه قضى به دينًا يعلمه عليه، فإن تعذَّر ذلك ردَّه إلى ورثته، فإن تعذَّر ذلك تصدَّقَ به عنه. فإن اختار صاحب الحقِّ ثوابه يوم القيامة كان له، وإن أبى إلا أن يأخذ من حسنات القابض استوفى منه نظيرَ ماله، وكان ثواب الصَّدقة للمتصدِّق، كما ثبت عن الصَّحابة ﵃. وإن كان المقبوض برضى الدَّافع وقد استوفى عوضَه المحرَّم ــ كمن عاوض على خمرٍ أو خنزيرٍ أو على زنًا أو فاحشةٍ ــ فهذا لا يجب ردُّ العوض على الدَّافع؛ لأنَّه أخرجه باختياره، واستوفى عوضَه المحرَّم، فلا يجوز أن يجمع له بين العوض والمعوَّض، فإنَّ في ذلك إعانةً له على الإثم والعدوان، وتيسيرَ أصحابِ المعاصي عليه. وماذا يريد الزَّاني وفاعل الفاحشة إذا علم أنَّه يَنال غرضَه ويستردُّ مالَه، فهذا ممَّا تُصان الشَّريعة عن الإتيان به، ولا يَسُوغ القول به، وهو يتضمَّن الجمع بين الظُّلم والفاحشة والغدر. ومن أقبح القبيح أن يستوفي عوضَه من المزنيِّ بها، ثمَّ يرجع فيما أعطاها قهرًا، وقبْحُ هذا مستقرٌّ في فطر جميع العقلاء، فلا تأتي به شريعةٌ، ولكن لا يطيب للقابض أكلُه، بل هو خبيثٌ كما حكم عليه رسول الله ﷺ ، ولكنَّ خبثه لخبث مكسبه، لا لظلم من أخذ منه. فطريق التَّخلُّص منه وتمامُ التَّوبة بالصَّدقة به، فإن كان محتاجًا إليه فله أن يأخذ قدر حاجته، ويتصدَّق بالباقي. فهذا حكم كلِّ كسبٍ خبيثٍ لخبث عوضه، عينًا كان أو منفعةً، ولا يلزم من الحكم بخبثه وجوبُ ردِّه على الدَّافع، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ حكم بخبث كَسْب

стр. 3914

الحجَّام، ولا يجب ردُّه على دافعه. فإن قيل: فالدَّافع مالَه في مقابلة العوض المحرَّم دفعَ ما لا يجوز دفعه، بل حَجَرَ عليه فيه الشَّارع، فلم يقع قبضُه موقعَه، بل وجود هذا القبض كعدمه، فيجب ردُّه على مالكه، كما لو تبرَّع المريض لوارثه بشيءٍ، أو لأجنبيٍّ بزيادةٍ على الثُّلث، أو تبرَّعَ المحجورُ عليه لفَلَسٍ (١) أو سَفَهٍ، أو تبرَّع المضطرُّ إلى قُوتِه بذلك، ونحو ذلك. وحَرْف المسألة (٢) أنَّه محجورٌ عليه شرعًا في هذا الدَّفع، فيجب ردُّه. قيل: هذا قياسٌ فاسدٌ؛ لأنَّ الدَّفع في هذه الصُّور تبرُّعٌ محضٌ لم يعاوض عليه، والشَّارع قد منعه منه لتعلُّق حقِّ غيره به، أو حقِّ نفسه المقدَّمة على غيره، وأمَّا فيما نحن فيه فهو قد عاوَضَ بماله على استيفاء منفعةٍ، أو استهلاك عينٍ محرَّمةٍ، فقد قبض عوضًا محرَّمًا، وأقبضَ مالًا محرَّمًا، فاستوفى ما لا يجوز استيفاؤه، وبذَلَ فيه ما لا يجوز بذلُه، فالقابض قبضَ مالًا محرَّمًا، والدَّافع استوفى عوضًا محرَّمًا، وقضيَّةُ العدل تَرَادُّ العوضينِ، لكن قد تعذَّر ردُّ أحدهما، فلا يُوجِب ردَّ الآخر من غير رجوع عوضه. نعم، لو كان الخمر قائمًا بعينه لم يستهلكه، أو دفع إليها المال ولم يَفْجُرها (٣) = وجبَ ردُّ المال في الصُّورتين قطعًا، كما في سائر العقود الباطلة إذا لم يتَّصل بها القبض. فإن قيل: وأيُّ تأثيرٍ لهذا القبض المحرَّم حتَّى جُعِل له حرمةٌ؟ ومعلومٌ أنَّ قبض ما لا يجوز قبضه بمنزلة عدمه، إذ الممنوع شرعًا كالممنوع حسًّا،

стр. 3915

فقابضُ المالِ قبضَه بغير حقٍّ، فعليه أن يؤدِّيَه (١) إلى دافعه. قيل: والدَّافع قبضَ العينَ واستوفى المنفعةَ بغير حقٍّ، فكلاهما قد اشتركا في دفْعِ ما ليس لهما دفعُه، وقبْضِ ما ليس لهما قبضُه، وكلاهما عاصٍ للَّه، فكيف يُخَصُّ أحدهما بأن يجمع له بين العوض والمعوَّض، ويُفَوَّت على الآخر العوض والمعوَّض؟ فإن قيل: هو فوَّت المنفعة على نفسه باختياره. قيل: والآخر فوَّت العوضَ على نفسه باختياره، فلا فرق بينهما، وهذا واضحٌ بحمد اللَّه. وقد توقَّف شيخنا ﵀ في وجوب ردِّ عوضِ هذه المنفعة المحرَّمة على باذلِه أو الصَّدقةِ به، في كتاب «اقتضاء الصِّراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم» وقال (٢): الزَّاني ومستمعُ الغناء والنَّوح قد بذلوا هذا المال عن طيب نفوسهم، واستوفَوا العوضَ المحرَّم. والتَّحريمُ الذي فيه ليس لحقِّهم، وإنَّما هو لحقِّ الله، وقد فاتت هذه المنفعة بالقبض، والأصولُ تقتضي أنَّه إذا ردَّ أحدَ العوضين ردَّ الآخر، فإذا تعذَّر على المستأجر ردُّ المنفعة لم يردَّ عليه المال. وهذا الذي استُوفِيتْ منفعته عليه ضررٌ في أخذ منفعتِه وعوضِها جميعًا منه، بخلاف ما إذا كان العوض خمرًا أو ميتةً، فإنَّ تلك لا ضررَ عليه في فَواتها، فإنَّها لو كانت باقيةً أتلَفْناها عليه، ومنفعة الغناء والنَّوح لو لم تَفُتْ لتوفَّرتْ عليه، بحيث كان يتمكَّن من صَرْف تلك المنفعة في أمرٍ آخر، أعني من صرف القوَّة الَّتي عمل بها.

стр. 3916

ثمَّ أورد على نفسه سؤالًا، فقال (١): فيقال على هذا: فينبغي أن تَقضُوا بها إذا طالب بقبضها. وأجاب عنه بأن قال: قيل: نحن لا نأمر بدفعها ولا رَدِّها، كعقود الكفَّار المحرَّمة، فإنَّهم إذا أسلموا قبل القبض لم يُحكَم بالقبض، ولو أسلموا بعد القبض لم يُحكم بالرَّدِّ، ولكنَّ المسلم تَحرُم عليه هذه الأجرة؛ لأنَّه كان معتقدًا لتحريمها، بخلاف الكافر. وذلك لأنَّه إذا طلب الأجرة قلنا له: أنت فرَّطتَ حيث صرفتَ قوَّتك في عملٍ يحرم، فلا يُقضى لك بأجرة. فإذا قبضَها وقال الدَّافع: هذا المال اقْضُوا لي بردِّه، فإنَّه (٢) أقبضتُه إيَّاه عوضًا عن منفعةٍ محرَّمةٍ= قلنا له: دفعتَه معاوضةً رضيتَ بها، فإذا طلبتَ استرجاعَ ما أُخِذ، فاردُدْ إليه ما أخذتَ إذا كان له في بقائه معه منفعةٌ، فهذا محتملٌ. قال (٣): وإن كان ظاهر القياس ردّها، لأنَّها مقبوضةٌ بعقدٍ فاسدٍ. انتهى. وقد نصَّ أحمد ــ في رواية أبي النضر (٤) ــ فيمن حمل خمرًا أو خنزيرًا أو ميتةً لنصرانيٍّ (٥): أكره أكْلَ كرائِه، ولكن يُقضى للحمَّال بالكراء. وإذا كان لمسلمٍ فهو أشدُّ كراهةً. فاختلف أصحابه في هذا النَّصِّ على ثلاث طرقٍ (٦):

стр. 3917

إحداها: إجراؤه على ظاهره، وأنَّ المسألة روايةٌ واحدةٌ. قال ابن أبي موسى (١): وكره أحمد أن يُؤجِر المسلم نفسَه لحمل ميتةٍ أو خنزيرٍ لنصرانيٍّ. فإن فعلَ قُضِي له بالكراء، وهل يطيب له أم لا؟ على وجهين، أوجههما: أنَّه لا يطيب له، ويتصدَّق به. وكذا ذكر أبو الحسن الآمدي (٢)، قال: إذا آجر نفسَه من رجلٍ في حمل خمرٍ أو خنزيرٍ أو ميتةٍ كُرِه، نصَّ عليه، وهذه كراهة تحريمٍ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لعن حاملها (٣). إذا ثبت ذلك فيُقضى له بالكراء، وغير ممتنعٍ أن يُقضى له بالكراء وإن كان محرَّمًا كإجارة الحجَّام. انتهى. فقد صرَّح هؤلاء بأنَّه يستحقُّ الأجرة مع كونها محرَّمةً عليه على الصَّحيح. الطَّريقة (٤) الثَّانية: تأويل هذه الرِّواية بما يخالف ظاهرها، وجَعْل المسألة روايةً واحدةً، وهي أنَّ هذه الإجارة لا تصحُّ. وهذه طريقة القاضي في «المجرَّد»، وهي طريقةٌ ضعيفةٌ، وقد رجع عنها في كتبه المتأخِّرة، فإنَّه صنَّف «المجرَّد» قديمًا. الطَّريقة الثَّالثة: تخريج هذه المسألة على روايتين، إحداهما: أنَّ هذه

стр. 3918

الإجارة صحيحةٌ يستحقُّ بها الأجرة مع الكراهة للفعل والأجرة. والثَّانية: لا تصحُّ الإجارة، ولا يستحقُّ بها أجرةً وإن حمل. وهذا على قياس قوله في الخمر: لا يجوز إمساكها، وتجب إراقتها. قال في رواية أبي طالب: إذا أسلم وله خمرٌ أو خنازير، تُصَبُّ الخمر وتُسَرَّح الخنازير، قد حرما عليه، وإن قتلها فلا بأس. فقد نصَّ أنَّه لا يجوز إمساكها. ولأنَّه قد نصَّ في رواية ابن منصور (١): أنَّه يكره أن يُؤاجِر نفسَه لنظارة كَرْمٍ من (٢) النصراني؛ لأنَّ أصل ذلك يرجع إلى الخمر، إلا أن يعلم أنَّه يباع لغير الخمر. فقد منع من إجارة نفسه على حمل الخمر، وهذه طريقة القاضي في «تعليقه»، وعليها أكثر أصحابه. والمنصور عندهم: الرِّواية المخرَّجة، وهي عدم الصِّحَّة، وأنَّه لا يستحقُّ أجرةً، ولا يُقضى له بها، وهي مذهب مالك والشَّافعيِّ وأبي يوسف ومحمد. هذا إذا استأجر على حملها إلى بيته للشُّرب أو لأكلِ الخنزير أو مطلقًا. فأمَّا إذا استأجره لحملها لِيُرِيقها، أو لينقل الميتة إلى الصَّحراء لئلَّا يتأذَّى بها، فإنَّ الإجارة تجوز حينئذٍ؛ لأنَّه عملٌ مباحٌ، لكن إن كانت الأجرة جلد الميتة لم تصحَّ، واستحقَّ أجرة المثل، وإن كان قد سلخَ الجلدَ وأخذَه ردَّه على صاحبه، هذا قول شيخنا (٣)، وهو مذهب مالك. والظَّاهر أنَّه مذهب الشَّافعيِّ.

стр. 3919

وأمَّا أبو حنيفة (١): فمذهبه كالرِّواية الأولى، أنَّه تصحُّ الإجارة، ويُقضى له بالأجرة. ومأخذُه في ذلك أنَّ الحمل إذا كان مطلقًا لم يكن المستحقُّ نفسَ حملِ الخمر، فذِكْره وعدم ذكره سواءٌ، وله أن يحمله شيئًا آخر غيره كخلٍّ وزيتٍ. وهكذا قال فيما لو آجرَه دارَه أو حانوتَه ليتَّخذها كنيسةً، أو ليبيع فيها الخمر. قال أبو بكر الرازي: لا فرقَ عند أبي حنيفة بين أن يشترط أن يبيع فيه الخمر أو لا يشترط، وهو يعلم أنَّه يبيع فيه الخمر: أنَّ الإجارة تصحُّ؛ لأنَّه لا يستحقُّ عليه بعقد الإجارة فعل هذه الأشياء وإن شرطَ ذلك؛ لأنَّ له أن لا يبيع فيه الخمر، ولا يتَّخذ الدَّار كنيسةً، ويستحقُّ عليه الأجرة بالتَّسليم في المدَّة. فإذا لم يستحقَّ عليه فعل هذه الأشياء كان ذكرها وتركها سواءً، كما لو اكترى دارًا لينام فيها أو يسكنها، فإنَّ الأجرة تستحقُّ عليه، وإن لم يفعل ذلك. وكذا يقول فيما إذا استأجر رجلًا لحملِ خمرٍ أو ميتةٍ أو خنزيرٍ: إنَّه يصحُّ؛ لأنَّه لا يتعيَّن حمل الخمر، بل لو حمَّله بدله عصيرًا استحقَّ الأجرة، فهذا التَّقييد عنده (٢) لغوٌ، فهو بمنزلة الإجارة المطلقة، والمطلقة عنده جائزةٌ وإن غلبَ على ظنِّه أنَّ المستأجر يعصي فيها، كما يجوز بيع العصير لمن يتَّخذه خمرًا. ثمَّ إنَّه كره بيع السِّلاح في الفتنة، قال: لأنَّ السِّلاح معمولٌ للقتال لا يصلح لغيره. وعامَّة الفقهاء خالفوه في المقدِّمة الأولى، وقالوا: ليس المقيَّد كالمطلق،

стр. 3920

بل المنفعة المعقود عليها هي المستحقَّة، فتكون هي المقابلة بالعوض، وهي منفعةٌ محرَّمةٌ، وإن كان للمستأجر أن يقيم غيرها مقامها. وألزموه ما لو اكترى دارًا ليتَّخذها مسجدًا، فإنَّه لا يستحقُّ عليه فعلَ المعقود عليه، ومع هذا فإنَّه أبطل هذه الإجارة بناءً على أنَّها اقتضت فعْلَ الصَّلاة، وهي لا تستحقُّ بعقد إجارةٍ. ونازعه أصحاب أحمد ومالك في المقدِّمة الثَّانية، وقالوا: إذا غلب على ظنِّه أنَّ المستأجر ينتفع بها في محرَّمٍ حَرُمت الإجارة؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لعن عاصر الخمر ومعتصرها (١)، والعاصر إنَّما يعصر عصيرًا، لكن لمَّا علم أنَّ المعتصر يريد أن يتَّخذه خمرًا، فيعصره (٢) له، استحقَّ اللَّعنة. قالوا: وأيضًا فإنَّ هذا معاونةٌ (٣) على نفس ما يسخطه الله ويُبغِضه، ويلعن فاعله، فأصول الشَّرع وقواعده تقضي بتحريمه وبطلان العقد عليه. وسيأتي مزيدُ تقريرِ هذا عند الكلام على حكمه ﷺ بتحريم العِينة (٤)، وما يترتَّب عليها من العقوبة. قال شيخنا ﵁ (٥): والأشبه طريقة ابن أبي موسى (٦)، يعني أنَّه يُقضى له بالأجرة وإن كانت المنفعة محرَّمةً، ولكن لا يَطيب له أكلُها. قال:

стр. 3921

فإنَّها أقرب إلى مقصود أحمد، وأقرب إلى القياس؛ وذلك لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لعن عاصرَ الخمر ومعتصَرها وحاملَها والمحمولةَ إليه (١)، فالعاصر والحامل قد عاوضا على منفعةٍ تستحقُّ عوضًا، وهي ليست محرَّمةً في نفسها، وإنَّما حُرِّمت بقصد المعتصر والمحتمل (٢)، فهو كما لو باع عنبًا وعصيرًا لمن يتَّخذه خمرًا، وفات العصير والخمر في يد المشتري، فإنَّ مال البائع لا يذهب مجَّانًا، بل يُقضى له بعوضه. كذلك هنا، المنفعة الَّتي وفَّاها المُؤجِر، لا تذهب مجَّانًا، بل يُعطى بدلها، فإنَّ تحريم الانتفاع بها (٣) إنَّما كان من جهة المستأجر، لا من جهة المُؤجِر، فإنَّه لو حملها للإراقة، أو لإخراجها إلى الصَّحراء خشيةَ التَّأذِّي بها= جاز. ثمَّ نحن نحرِّم الأجرة عليه لحقِّ الله سبحانه لا لحقِّ المستأجر والمشتري، بخلاف من (٤) استُؤجِر للزِّنا أو التَّلوُّط أو القتل أو السَّرقة، فإنَّ نفس هذا العمل محرَّمٌ [لا] (٥) لأجل قصد المستأجر، فهو كما لو باعه ميتةً أو خمرًا، فإنَّه لا يُقضى له بثمنها؛ لأنَّ نفس هذه العين محرَّمةٌ، وكذلك لا يُقضى له بعوض هذه المنفعة المحرَّمة. قال شيخنا (٦): ومثل هذه الإجارة والجِعالة ــ يعني الإجارة على حمل الخمر والميتة ــ لا تُوصف بالصِّحَّة مطلقًا، ولا بالفساد مطلقًا، بل يقال: هي صحيحةٌ بالنِّسبة إلى المستأجر، بمعنى أنَّه يجب عليه العوض، وفاسدةٌ بالنِّسبة

стр. 3922

إلى الأجير، بمعنى أنَّه يحرم عليه الانتفاع بالأجر، ولهذا في الشَّريعة نظائر. قال: ولا ينافي هذا نصُّ أحمد على كراهة نظارة كَرْم النَّصرانيِّ، فإنَّا ننهاه عن هذا الفعل وعن عوضه، ثمَّ نقضي له بكرائه. قال: ولو لم نفعل هذا لكان في هذا منفعةٌ عظيمةٌ للعصاة، فإنَّ كلَّ من استأجروه على عملٍ يستعينون به على المعصية قد حصَّلوا غرضَهم منه، فإذا لم يعطوه شيئًا، ووجب أن يُردَّ عليهم ما أُخِذ منهم= كان ذلك أعظم العون لهم، وليسوا بأهلٍ أن يُعانوا على ذلك. بخلاف من سلَّم إليهم عملًا لا قيمةَ له بحالٍ، يعني كالزَّانية والمغنِّي والنَّائحة، فإنَّ هؤلاء لا يُقضى لهم بأجرة. ولو قبضوا منهم المال، فهل يلزمهم ردُّه عليهم، أم يتصدَّقون به؟ فقد تقدَّم الكلام مستوفًى في ذلك، وبيَّنَّا أنَّ الصَّواب أنَّه لا يلزمهم ردُّه، ولا يَطيبُ لهم أكلُه، والله الموفِّق للصَّواب. فصل الحكم الخامس: حُلوان الكاهن. قال أبو عمر بن عبد البرِّ (١): لا خلافَ في حُلوان الكاهن أنَّه ما يُعطاه على كهانته، وهو من أكل المال بالباطل. والحُلوان في أصل اللُّغة: العطيَّة، قال علقمة (٢): فمَنْ رَجُلٌ (٣) أحلُوه رَحْلي وناقتي ... يُبلِّغ عنِّي الشِّعرَ إذْ ماتَ قائلُه انتهى.

стр. 3923

وتحريم حلوان الكاهن تنبيهٌ على تحريم حُلوان المنجِّم، والزَّاجر، وصاحب القرعة الَّتي هي شقيقة الأزلام، وضاربة الحصا، والعرَّاف، والرَّمَّال، ونحوهم ممَّن يُطلب منهم (١) الإخبار عن المغيَّبات، وقد نهى النَّبيُّ ﷺ عن إتيان الكهَّان، وأخبر أنَّ من أتى عرَّافًا فصدَّقه بما يقول، فقد كفر بما أُنزِل عليه ﷺ (٢). ولا ريب أنَّ الإيمان بما جاء به محمَّدٌ ﷺ وبما يجيء به هؤلاء لا يجتمعانِ في قلبٍ واحدٍ، وإن كان أحدهم قد يَصدُق أحيانًا، فصدقه بالنِّسبة إلى كذبه قليلٌ من كثيرٍ، وشيطانه الذي يأتيه بالأخبار لا بدَّ له أن يَصْدُقه أحيانًا ليُغوِي به النَّاسَ ويَفتِنهم به. وأكثر النَّاس مستجيبون لهؤلاء مؤمنون بهم، ولا سيَّما ضعفاء العقول كالسُّفهاء والجهَّال والنِّساء، وأهل البوادي، ومن لا علمَ لهم بحقائق الإيمان، فهؤلاء هم المفتونون بهم، وكثيرٌ منهم يُحسِن الظَّنَّ بأحدهم ولو كان مشركًا كافرًا بالله مجاهرًا بذلك، ويزوره، وينذر له، ويلتمس دعاءه. فقد رأينا وسمعنا من ذلك كثيرًا. وسبب هذا كلِّه خفاءُ ما بعث الله به رسوله من الهدى ودين الحقِّ على هؤلاء وأمثالهم، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ﴾ [النور: ٤٠]. وقد قال الصَّحابة للنَّبيِّ ﷺ : إنَّ هؤلاء يحدِّثوننا أحيانًا بالأمر، فيكون كما قالوا، فأخبرهم أنَّ ذلك من جهة الشَّياطين، يُلْقُون إليهم الكلمة تكون حقًّا، فيزيدون هم معها مئة كذبةٍ، فيصدَّقون من أجل تلك

стр. 3924

الكلمة (١). وأصحاب (٢) الملاحم فركَّبوا ملاحمهم من أشياء: أحدها: أخبار (٣) الكهَّان. والثَّاني: أخبار منقولة عن الكتب السَّالفة متوارثة بين أهل الكتاب. والثَّالث: من أمورٍ أخبر نبيُّنا ﷺ بها جملةً وتفصيلًا. والرَّابع: من أمورٍ أخبر بها من له كشفٌ من الصَّحابة ومن بعدهم. والخامس: من مناماتٍ متواطئةٍ على أمرٍ كلِّيٍّ أو جزئيٍّ. فالجزئيُّ يذكرونه بعينه، والكلِّيُّ يفصِّلونه بحَدْسٍ وقرائنَ تكون حقًّا أو تُقارِب. والسَّادس: من استدلالٍ بآثار عُلويَّةٍ جعلها الله سبحانه علاماتٍ وأدلَّةً وأسبابًا لحوادثَ أرضيَّةٍ لا يعلمها أكثر النَّاس، فإنَّ الله سبحانه لم يخلق شيئًا سُدًى ولا عبثًا (٤)، وربط سبحانه العالم العُلويَّ بالسُّفليِّ، وجعل عُلويَّه مؤثِّرًا في سُفليِّه دون العكس، فالشَّمس والقمر لا ينكسفان لموت أحدٍ ولا لحياته، وإن كان كسوفهما سببًا لشرٍّ (٥) يحدث في الأرض؛ ولهذا شرع سبحانه تغيير الشَّرِّ عند كسوفهما مما (٦) يدفع ذلك الشَّرَّ المتوقَّع من الصَّلاة

стр. 3925

والذِّكر والدُّعاء والتَّوبة والاستغفار والعتق، فإنَّ هذه الأسباب تُعارِض أسباب الشَّرِّ وتُقاوِمها، وتدفع موجبها إن قويت عليها. وقد جعل الله سبحانه حركة الشَّمس والقمر واختلافَ مطالعهما سببًا للفصول الَّتي هي سبب الحرِّ والبرد والشِّتاء والصَّيف، وما يحدث فيهما ممَّا يليق بكلِّ فصلٍ منها. فمن له اعتناءٌ بحركاتهما واختلافِ مطالعهما، يستدلُّ بذلك على ما يحدث في النَّبات والحيوان وغيرهما، وهذا أمرٌ يعرفه كثيرٌ من أهل الفِلاحة والزِّراعة. ورُبَّانِيُّ (١) السُّفُن لهم استدلالاتٌ بأحوالهما وأحوال الكواكب على أسباب السَّلامة والعَطَب (٢) من اختلاف الرِّياح وقوَّتها وعُصوفها، لا تكاد تَختلُّ. والأطبَّاء لهم استدلالاتٌ بأحوال القمر والشَّمس على اختلاف طبيعة الإنسان، وتَهيُّئها لقبول التَّغيُّر، واستعدادِها لأمورٍ غريبةٍ ونحو ذلك. وواضعو الملاحم لهم عنايةٌ شديدةٌ بهذا، وأمورٌ متوارثةٌ عن قدماء المنجِّمين، ثمَّ يستنتجون (٣) من هذا كلِّه قياساتٍ وأحكامًا تُشبِه ما تقدَّم نظيره. وسنَّة الله في خلقه جاريةٌ على سَنَنٍ اقتضتْه حكمتُه، فحكمُ النَّظير حكمُ نظيرِه، وحكمُ الشَّيء حكمُ مثلِه، وهؤلاء صرفوا قوى أذهانهم إلى أحكام القضاء والتقدير، واعتبار بعضه ببعضٍ، والاستدلال ببعضه على بعضٍ، كما صرف أئمَّة الشَّرع قوى أذهانهم إلى أحكام الأمر والشَّرع،
следующие страницы →