Полный текст (3 983 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
آثار الإمام ابن القيم الجوزية وما لحقها من أعمال (٣٠)
زاد المعاد في هدي خير العباد
تأليف
الإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية
(٦٩١ هـ - ٧٥١ هـ)
دار عطاءات العلم - دار ابن حزم
стр. 2
مقدمة التحقيق
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه.
وبعد، فنقدّم اليوم كتابًا طال انتظار تحقيقه ضمن المشروع المبارك «آثار الإمام ابن القيم وما لحقها من أعمال»، ليس لأنه لم يطبع سابقًا بل طبع وتعدّدت طبعاتُه، لكن لأنه لم يُخدَم على المنهج العلميّ الصحيح، ولا على الوجه الذي يستحقه، ولا على ما كان يتمنّاه القراء.
ويعتبر «زاد المعاد» أو «الهدي النبوي» أشهر كتب ابن القيّم على الإطلاق، وهو رئيس كتبه، وأكبرها حجمًا، وأكثرها انتشارًا، وألصقها بهدي النبي ﷺ وسيرته العطرة. وهو كتاب فريد في بابه، ذَكَر فيه المؤلف هدي النبي ﷺ في عباداته ومعاملاته وجميع شؤون حياته، وذَكَر مغازيه والدروس المستفادة منها، وخصَّص مجلدًا لما ورد في الطب النبوي من الأحاديث وتوسع فيه إلى غيرها، ثم توسّع في أحكام النبي وقضاياه فاستغرقت مجلدين من طبعتنا. وبهذا جمع الكتابُ كلَّ أدبٍ وعادةٍ وسيرةٍ وقضيّة كانت للنبي ﷺ في كافّة أمور الدين والدنيا، فهو بحق يعتبر موسوعة علمية متكاملة، حتى قال فيه الشيخ أبو الحسن علي النَّدوي: «يُعتبر من أهم كتب الإسلام، الذي يقوم مقام مكتبة بأسرها» (١).
ولن نترك القارئ يتساءل طويلًا عن ميزات هذه الطبعة وما تحمله من جديد، وما تتميز به عن سابقاتها، بل سنذكر في هذا التمهيد جُمَلًا من ذلك
_________
(١) «رجال الفكر والدعوة في الإسلام» (٢/ ٣١٥). وانظر «كتب وشخصيات» له (ص ١٥٤) حيث ذكر فيه تأثّره بهذا الكتاب في مطلع حياته.
стр. 3
ونترك التفاصيل في مكانها اللائق بها من هذه المقدمة. فنلخّص ذلك في ثلاثة جوانب:
١ - طبعتنا هي الأولى التي اعتمدت على أقدم النسخ وأفضلها في مكتبات العالم، بعد أن كانت الطبعات المتداولة تعتمد على طبعات سابقة أو نسخة واحدة أو نسخ ناقصة. ولا يخفى على المهَرَة في هذا الفن أن قوام التحقيق العلمي استجلاب النسخ الخطية الجيدة والأصول القديمة، ثم التعامل معها بمهارة واحتراف، فليس كل مَن جمع النسخ يهتدي إلى التعامل الصحيح معها.
وبالاعتماد على هذه الأصول الجيدة تبيَّن ما في الطبعات السابقة من التصرّف في النصوص من إضافة أو حذف أو سقط، وما فيها من تصحيف أو تحريف، أو تغيير لما في النسخ بلا موجب، أو تغيير السياق لتوهُّمٍ في فهم النص، إلى غير ذلك مما كشفت عنه المقابلة، وستأتي مُثُلٌ من كل هذه الأخطاء في وصف طبعات الكتاب.
٢ - العناية بالنص تخريجًا لأحاديثه وآثاره، وعزوًا لمصادره، وتوثيقًا لنقوله، وضبطًا لنصوصه، وغالبُ ذلك كانت تفتقر إليه الطبعات السابقة، وإن اهتمّ بعضها كطبعة الرسالة بتخريج الأحاديث، إلا أن إعوازها كان ظاهرًا حتى في هذا الجانب.
٣ - التقديم العلمي الكاشف لحال الكتاب ومنهجه وكل ما يتعلق به، ثم الفهارس العلمية الكاشفة لعلومه وذخائره.
فاجتمع بحمد الله في هذا العمل متطلبات التحقيق العلمي على صورة حسنة مرضية.
стр. 4
ولسنا نقول هذا تكثّرًا بما صنعنا أو غمطًا لجهد أحد قبلنا، فقد كان للطبعات السابقة جهد مشكور، لكن المتابعين لهذه المشروعات والمهتمين بمؤلفات الإمام ابن القيم لهم حقّ علينا في التعجيل بتوضيح ما يمتاز به العمل بحيث يعلم القارئ ما تحمله له هذه الطبعة من جديد، فيتوجّه إليها وهو مطمئنّ لما فيها من جهد وعمل.
ومع ذلك لسنا ندّعي لعملنا كمالًا متوهَّمًا ولا عصمة مزعومة، لكنا حاولنا التجويد ما استطعنا، ونرغب إلى أهل العلم وروّاد المعرفة أن يُسْدُوا جميلًا ويصنعوا حسنًا لنا وللعلم وأهله؛ إذا ما رأوا ملاحظة أو فائدة أو فَوْتًا أن لا يبخلوا به. وسُبُل التواصل اليوم لم تترك لأحدٍ عُذرًا في إيصال ما لديه بأقرب سبيل وأقل كُلفة. وبالله التوفيق.
وقد قدمنا للكتاب تقديمًا مناسبًا عرَّفنا فيه بأهم الجوانب المتعلقة بالكتاب، وقد اشتملت مباحث المقدمة على ما يلي:
- نسبة الكتاب، وعنوانه، وتاريخ تأليفه
- بناء الكتاب وموضوعاته
- غرض المؤلف من تأليفه ومنهجه فيه
- أهم موارد المؤلف في كتابه
- أثره في الكتب والمؤلفات بعده
- الطبعات السابقة
- وصف النسخ الخطية المعتمدة
- منهج التحقيق
- نماذج من النسخ الخطية
стр. 5
وقد اشترك في إعداد هذه المقدمة وصياغتها ومراجعتها كل محققي الكتاب.
وختمنا الكتاب بفهارس لفظية وعلمية كاشفة عن علومه وكنوزه، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
كتبه
علي بن محمد العمران
مكة المكرمة ٢٨/ رمضان/ ١٤٣٨
стр. 6
نسبة الكتاب، وعنوانه، وتاريخ تأليفه
* نسبة الكتاب
كتابنا هذا أشهر كتب الإمام ابن القيم ﵀، وقد لقي من القبول والسيرورة ما لم يلقه كتاب آخر من مؤلفاته كما سبق. وقد أجمَعَتْ على نسبته إليه كل نسخه الخطية، وكتب التراجم، والصادرون عنه في كتبهم من تلامذة المؤلف وغيرهم. وقد ذَكَر ابن القيم فيه غيرَ كتاب من مؤلفاته، مثل «تهذيب السنن» و «جلاء الأفهام» و «مفتاح دار السعادة» وغيرها، ونثرَ فيه كعادته أقوال شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية واختياراته. وشواهد أخرى كثيرة من منهج المؤلف وأسلوبه وترجيحاته لا تدع مجالًا للشك في نِسْبته إليه، فالكلام على هذه القضية تطويل بلا طائل.
* عنوان الكتاب
أما عنوان الكتاب، فلم يسمِّه المؤلف في مقدمته. وقد سماه الصفدي في كتابيه «الوافي» (٢/ ٢٧١) و «أعيان العصر» (٤/ ٣٦٩) وابن رجب في «الذيل على طبقات الحنابلة» (٥/ ١٧٥): «زاد المعاد في هدي خير العباد» (في مطبوعة الوافي: «دين العباد» تحريف).
ولما ترجم له الحافظ ابن حجر في «الدرر الكامنة» (٣/ ٤٠٢) قال وهو يذكر مؤلفاته: «وله من التصانيف: الهدي، وأعلام الموقعين، وبدائع الفوائد، وطرق السعادتين، وشرح منازل السائرين، والقضاء والقدر ... »، فسماه: «الهدي» من باب الاختصار. وهو ظاهر من صنيعه في تسمية معظم كتب ابن القيم، وقد يبدو معه شيء من عدم الاهتمام.
стр. 7
وأما النسخ الخطية فإنها متفقة على العنوان المشهور إلا نسخة دار الكتب المصرية (٢٣٤ - حديث) التي رمزها (مب)، وهي نسخة قديمة غير مؤرّخة، فقد جاء في صفحة عنوانها: «زاد المعاد فيما بلغنا من هدي خير العباد»، فلعل المؤلف ﵀ سماه هكذا في بعض نسخ الكتاب، أو يكون تصرفًا من كاتب النسخة أو مالكها.
وجاء في آخر الجزء الأول من النسخة الكتانية بخط ناسخها ابن بَردِس البعلي الحنبلي سنة ٧٧٢: «تم السِّفر الأول من هدي النبي ﷺ ».
وفي بداية الجزء الثاني من نسخة مانيسا المكتوبة سنة ٧٧٢ أيضًا: «الجزء الثاني من الهدي النبوي»، وفي خاتمته: «آخر المجلد الثاني من الهدي». ولم يصل إلينا الجزء الأول من هذه النسخة.
وجاء على صفحة العنوان من الجزء الثاني من نسخة بايزيد المكتوبة سنة ٧٦٧: «الجزو الثاني من زاد المعاد في هدي خير العباد ﷺ المسمَّى أيضًا بالهدي».
ولا يبعد أن يكون (الهدي النبوي) أو (هدي النبي ﷺ ) هو العنوان الثابت في أوائل بعض النسخ، ولا يبعد أيضًا أن يكون المؤلف نفسه كتب ذلك في مطلع بعضها تجوُّزًا واختصارًا.
أما الناقلون من كتابنا فهم يسمونه أحيانًا باسمه الكامل، وأحيانًا يختصرونه، فالقسطلاني مثلًا في «إرشاد الساري» سمَّاه أحيانًا «زاد المعاد» (٢/ ١٩٥. ٨/ ٣٦٤، ٣٦٩، ٣٧٥. ٩/ ٢٠٠)، ومرة واحدة: «الهدي النبوي» (٨/ ٣٤٥)، ومرتين: «الهدي» فقط (٨/ ٤٣، ٣٧١). وسمَّاه الحافظ ابن حجر في موضع واحد من «الفتح» (١١/ ١٣٣): «الهدي النبوي» ــ ومثله في
стр. 8
«كشّاف القناع» للبهوتي ــ وفي سائر المواضع: «الهدي». وهكذا إذا نقل منه ابنا مفلح في «الفروع» و «المبدع» والمرداويُّ وغيرهم قالوا: «اختار صاحب الهدي» و «ذكر صاحب الهدي» ونحوه. ولو اختصروه إلى «الزاد» لم يُبعِدوا، ولكن آثروا لفظ «الهدي» أو «الهدي النبوي» لدلالته على مضمون الكتاب.
وقد ذكر الحافظ ابن رجب من تصانيف المؤلف كتابًا يشبه «زاد المعاد» في عنوانه وموضوعه، وهو «زاد المسافرين إلى منازل السعداء في هدي خاتم الأنبياء». ولولا أنه صرح بعده بأنه في مجلد، وأن «زاد المعاد» في أربع مجلدات لأوهم أنهما اسمان لكتاب واحد. وسيأتي بعض الكلام على «زاد المسافرين» في مبحث بناء الكتاب.
* تاريخ تأليفه
لم نجد فيما وصل إلينا من مؤلفات ابن القيم إحالة على زاد المعاد، غير أنه أحال فيه على عدة كتب له، منها «تهذيب سنن أبي داود» (١/ ١٥٦)، و «مفتاح دار السعادة» (٤/ ٢٢٠)، و «جلاء الأفهام» (١/ ٧٢)، وأشار أيضًا إلى «مدارج السالكين» (٤/ ٢٥٣). وأشار في موضع آخر (٣/ ١٧٥) إلى نيته لإفراد كتاب في الحكم بالأمارات والقرائن، والظاهر أنه كتاب «الطرق الحكمية» الذي ألفه فيما بعد. والكتاب الوحيد الذي نعرف زمن تأليفه من الكتب المذكورة بالتحديد هو «تهذيب السنن»، فقد ألفه سنة ٧٣٢ بمكة المكرمة كما ذكر في آخره. إذن يكون ألَّف «زاد المعاد» بعد سنة ٧٣٢.
ولكننا وجدنا في الكتاب إشارة إلى حَدَث يعين على تحديد أقرب، وذلك أن المؤلف ذكر أن أهل الذمة إذا نقض بعضُهم العهدَ ورضي به
стр. 9
الباقون فحُكمهم كحكم أهل الصلح: يُغزَون جميعًا، ثم قال: «وبهذا القول أفتينا وليَّ الأمر لما أحرق النصارى أموالَ المسلمين بالشام ودُورَهم، وراموا حَرْقَ جامعهم الأعظم حتى أحرقوا منارتَه، وكاد ــ لولا دفاع الله ــ أن يحترقَ كلُّه، وعلم بذلك من علم من النصارى وواطؤوا عليه وأقرُّوه ورضُوا به ولم يُعْلِموا به ولي الأمر. فاستفتى فيهم وليُّ الأمر من حضره من الفقهاء، وأفتيناه بانتقاض عهد مَن فعل ذلك أو أعان عليه بوجهٍ من الوجوه أو رضي به وأقرَّ عليه، وأن حدَّه القتلُ حتمًا، ولا يُخيَّر الإمام فيه كالأسير، بل صار القتل له حدًّا» (٣/ ١٦٢)، وذكر مثله في أحكام أهل الذمة (٣/ ١٢٣٤).
فإذا رجعنا إلى كتب التاريخ لمعرفة زمن هذا الحدث الذي أشار إليه المؤلف علمنا أنه وقع سنة ٧٤٠. انظر «ذيل العبر» للذهبي (ص ٢١٣)، وقد فصَّل القول فيه ابن كثير في «البداية والنهاية» (١٨/ ٤١٤).
وقد ذكر المؤلف في مقدمة الكتاب أنه ألفه ــ أي أخذ في تأليفه ــ حالَ السفر، ولم يشر إلى جهته، ولعله إحدى رحلاته للحج أو لغيره بعد سنة ٧٤٠، وقد حج مرات كثيرة كما ذكر تلميذه الحافظ ابن رجب في ترجمته. فهل تعطي هذه الحادثة دلالة أن الكتاب ألّف بعد سنة ٧٤٠؟ يحتمل ذلك، ويحتمل أنه مما أضافه المؤلف لاحقًا. ويظهر من بناء الكتاب ــ كما سيأتي ــ أن المؤلف أكمله في فتراتٍ مختلفة بعد أن ألقى عصا السفر وتوفَّرت له الكتب والمصادر.
* * * *
стр. 10
بناء الكتاب وموضوعاته
الكتاب في صورته الحالية يحتوي على الأقسام الآتية:
١. مقدمة المؤلف (١/ ٥ - ٥٢).
٢. فصول في سيرة النبي ﷺ ، وهديه في لباسه وأكله وشربه ومعاشرته للأزواج، ونومه وانتباهه وجلوسه وركوبه ومشيه، وبيعه وشرائه ومعاملاته، وقضاء الحاجة، الفطرة وتوابعها، وكلامه وسكوته وخطبه (١/ ٥٣ - ٢٠٧).
٣. هديه ﷺ في العبادات (١/ ٢٠٨ - ٦٨٣) ثم (٢/ ٥ - ٥٥٠).
٤. هديه ﷺ في الجهاد والمغازي والسرايا والبعوث ومكاتبته إلى الملوك وغيرهم (٣/ ٥ - ٨٨١).
٥. هديه ﷺ في الطب (٤/ ٥ - ٦١٦).
٦. هديه ﷺ في أقضيته وأحكامه (٥/ ٥ - ٥٩٢) و (٦/ ٥ - ٥٣١).
ولكن هل جاء الكتاب كما قدَّر المؤلف عندما شرع فيه؟ هذا ما يحتاج إلى بعض النظر والتأمّل، فنقول:
ختم المؤلف مقدمته بقوله: «وهذه كلمات يسيرة، لا يستغني عن معرفتها من له أدنى همة إلى معرفة نبيه ﷺ وسيرته وهديه، اقتضاها الخاطر المكدود على عُجَره وبُجَره، مع البضاعة المزجاة التي لا تفتح لها أبواب السدد، ولا يتنافس فيها المتنافسون، مع تعليقها في حال سفر لا إقامة، والقلب بكل واد منه شعبة، والهمة قد تفرقت شذر مذر. والكتاب مفقود، ومن يفتح بابَ العلم مذاكرتُه غير موجود ... ».
стр. 11
قوله: «كلمات يسيرة» صريح الدلالة على أن المؤلف ﵀ كان ينوي وضع كتاب مختصر في سيرة النبي ﷺ وهديه، ولا سيما لكونه في حال السفر وتشتت البال والبعد عن الكتب. فيبدو أنه لما كتب الفصول الأولى في سيرة النبي ﷺ وهديه لم يكن بين يديه إلا كتب معدودة أهمها «المختصر الكبير في سيرة الرسول ﷺ » لعز الدين ابن جماعة، و «القرمانية» لشيخ الإسلام وهي قاعدة تتضمن ذكر ملابس النبي ﷺ وسلاحه ودوابه. أما فصل قص الشارب (١/ ١٩١) الذي اعتمد فيه على كتاب «التمهيد» لابن عبد البر، فقد أضافه فيما بعد. وهكذا زاد في (١/ ٦٧) فقرة من «التمهيد» تتعلق بختان النبي ﷺ . ومثله ما يتعلق بزواج أم سلمة (١/ ٩٥ - ٩٨) وزيادات أخرى نبهنا عليها في تعليقاتنا.
ولكن يظهر أن المؤلف لما استقر به النوى، وحصلت له الكتب أبى ذهنه الوقَّاد وعلمه الغزير وقلمه السيَّال إلا أن يتوسع ويتبسَّط على منهجه المعروف، فينقل المذاهب، ويناقش الأدلة، ويرجح الأقوال، ويتكلم على الأحاديث والآثار؛ فاختلف بناء الكتاب، وابتعد ابتعادًا كليًّا عن خطته الأولى. فبينما كانت النية أن يكون كتابًا مختصرًا إذ امتدّ واستطال حتى بلغ «أربعة أسفار» كما ذكر الصفدي وغيره في ترجمته، وإذا كان المأمول أن يقتصر فيه على ما صح وثبت من هدي النبي ﷺ من غير تعرض لاختلاف الفقهاء ومحاكمة الأقوال، أصبح بعض أبوابه كأنها من كتاب مطوَّل في الفقه المقارن.
ومن أوضح الأدلة على تغيُّر خطة الكتاب: قِسْم الطب النبوي. قال المؤلف ﵀ في بعض فصول القسم الأول: «وأصول الطب ثلاثة: الحمية،
стр. 12
وحفظ الصحة، واستفراغ المادة المضرة. وقد جمعها الله تعالى له ولأمته في ثلاثة مواضع من كتابه ... وهذه الثلاثة هي قواعد الطب وأصوله ... وهو الرؤوف الرحيم» (١/ ١٦٩ - ١٧٠). وقد أعاد هذا الكلام كله مع الآيات التي استدل بها في قسم الطب النبوي في المجلد الرابع، فلو كان في نيته عند ابتداء التأليف أن يخصص فصولا كثيرة تصلح أن تكون كتابًا مفردًا في الطب النبوي (وقد أُفرِد بالفعل فيما بعد بعنوان «الطب النبوي»، وبين أيدينا نسخة منه مكتوبة سنة ٧٨٨ أي بعد وفاة المؤلف بسبع وثلاثين سنة) لأشار إلى ذلك في هذا الموضع. هذه واحدة. والأمر الآخر أن ما يمكن أن يسمى الطب النبوي في الحقيقة ــ وكان خليقًا بأن يلحق بهدي النبي ﷺ حسب الخطة الأولى ــ لا يتجاوز ربع ما أورده في قسم الطب النبوي.
وقد ذكر ابن رجب في ترجمة المؤلف كتابًا آخر له بعنوان «زاد المسافرين إلى منازل السعداء في هدي خاتم الأنبياء»، ذكره قبل «زاد المعاد في هدي خير العباد» متصلًا به. ولا فرق بين العنوانين في المضمون كما ترى، فكلاهما في هدي النبي ﷺ ، ولكنهما مختلفان في الحجم، فقد صرح ابن رجب بأن زاد المسافرين في مجلد واحد، وزاد المعاد في أربع مجلدات. فهل المؤلف نفسه أدرك بعد ما استطال الكتاب أنه استدبر من أمره غير ما استقبل، فاختصره في مجلد واحد؛ أو هي المسودة الأولى قبل أن تنضم إليها أبواب المغازي والطب والأقضية؟ لعل الثاني أقرب. وقد ذكر السخاوي هذا المختصر في «الجواهر والدرر» (ص ١٢٥٤)، فقال: «ولابن القيم كتاب الهدي النبوي لا نظير له، وآخر أخصر منه».
وكأن الفيروزابادي صاحب «القاموس» لاحظ أيضًا ما قصده المؤلف
стр. 13
في البداية وما صار إليه الكتاب من الطول والتوسع فيما بعد، فصنع كتابًا مختصرًا سماه «سفر السعادة»، وجلّه مأخوذ من كتابنا هذا وإن لم يشر إليه!
بالإضافة إلى تغير الخطة، يظهر أن الكتاب دُوِّنت أقسامه المختلفة في أزمنة متفاوتة، ثم أضيفت إليه فصول وفقرات في أوقات مختلفة أيضًا، فأدّى ذلك كله إلى تكرار كثير واختلاف في بعض الأحيان. ومن أمثلة التكرار أنه عقد في المجلد الثاني (٤١٦ - ٤١٧) فصلًا في تفسير نهي النبي ﷺ عن تسمية العنب كرمًا، ثم تكلم عليه في المجلد الرابع (٥٤٦ - ٥٤٧) ولم يشر إلى البحث السابق، فكأنه نسي أنه فسَّره من قبل. وقد اقترح أحد المراجعين لنشرتنا هذه لما رأى كثرة التكرار أن يُفرَد في آخر الكتاب فهرسٌ للمسائل المتكررة.
ومن أمثلة الاختلاف: قوله في هديه ﷺ في الركوب (١/ ١٦١): إن المعروف أنه كان عنده بغلة واحدة، مع أنه قد ذكر قبل قليل في فصل الدواب (١/ ١٣٠) أربع بغال. وسبب ذلك أنه كان في هذا الفصل صادرًا عن كتاب «المختصر الكبير» لابن جماعة، وفي سياق هديه ﷺ في الركوب اعتمد على كلام شيخه شيخ الإسلام.
ولعل طول الكتاب وتفاوت وقت العمل فيه وتبييضه جعل المؤلف يَعِد بكتابة بعض الفصول والمباحث التي لم يتمكن من الوفاء بها، كما أشار في موضع إلى إفراد الخصائص النبوية (١/ ٣٦٠، ٣٨٣)، وفي موضع إلى أحكام السَّلَم (٦/ ٤٩٨)، وإلى الأطعمة والأشربة (٦/ ٤٢٢) والعِينة (٦/ ٤٦٨). وانتهى الكتاب في أثناء الكلام على البيوع دون استيفائها.
ونشير في السطور الآتية إلى ترتيب الموضوعات في الأقسام المذكورة من الكتاب مع بعض الملحوظات.
стр. 14
* أما مقدمة الكتاب (١/ ٥ - ٥٢) فبيّن المؤلف فيها اضطرار العباد إلى معرفة الرسول وما جاء به، وتصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر؛ فإن سعادة الدارين معلقة باتباعه، ولا سبيل إلى معرفة الطيب والخبيث على التفصيل إلا من جهته، وبمتابعته يتميز أهل الهدى من أهل الضلال. فوجب على كل مسلم أن يعرف من هدي النبي ﷺ وسيرته ما يُدخِله في عداد أتباعه وشيعته وحزبه. وقد استشهد على ذلك بآيات وأحاديث، واستطرد في الكلام عليها إلى مباحث أخرى.
* ترتيب الفصول في سيرة النبي ﷺ وهديه في لباسه ... إلخ (١/ ٥٣ - ٢٠٧)
استهلَّها المؤلف بفصل في نسب النبي ﷺ ، وبعد ما ذكر أن عدنان من ولد إسماعيل استطرد إلى إثبات أن إسماعيل هو الذبيح لا إسحاق ﵉. ثم في هذا الفصل نفسه ذكر مولد النبي ﷺ ، ووفاة أبيه وأمه، وكفالة جده عبد المطلب ثم أبي طالب له، وسفره مع عمه إلى الشام، وزواجه من خديجة بعد عودته من رحلته التجارية إلى الشام، وتعبده في غار حراء، وبعثته ومراتب الوحي.
ثم عقد فصلًا في ختان النبي ﷺ ، وبعد فصلين في مرضعاته وحواضنه، رجع مرة أخرى إلى مبعثه وأول ما نزل عليه وبيان ترتيب الدعوة ومراتبها.
ثم عقد فصلين في أسماء النبي ﷺ وشرح معانيها، وفصلًا اشتمل على ذكر الهجرة إلى الحبشة، وبيعة العقبة، والهجرة إلى المدينة، وبناء المسجد النبوي.
ثم تتابعت الفصول على هذا النسق: أولاده، أعمامه وعماته، أزواجه،
стр. 15
سراريه، مواليه، خدامه، كتّابه، كُتبه إلى أهل الإسلام بالشرائع، كتبه ورسله إلى الملوك، مؤذّنوه، أمراؤه، حرسه، من كان يضرب الأعناق بين يديه، من كان على نفقاته وخاتمه وما إلى ذلك، شعراؤه وخطباؤه، حُداته، غزواته وبعوثه، وسراياه، سلاحه وأثاثه، دوابه، ملابسه.
وقد تابع المصنفُ في هذا الترتيب مصدره وهو كتاب ابن جماعة، غير أنَّ ذِكْر الخدّام فيه قبل ذِكر الموالي، وذِكر الغزوات بعد فصل الهجرة، وذِكر الملابس قبل الدواب. ولم يذكر ابن جماعة كتب النبي ﷺ . ومن جهة أخرى أغفل المصنف مما ذكره ابن جماعة صفة النبي ﷺ ومعجزاته ووفاته.
ولعله أخَّر ذكر الملابس ليصل كلام ابن جماعة فيه بكلام شيخ الإسلام في «القرمانية»، ويتخلص منه إلى ذكر هدي النبي ﷺ في سائر شؤون حياته. وذلك أن شيخ الإسلام لما ذكر هديه ﷺ في اللباس أنه كان يلبس ما تيسَّر من اللباس من قطن أو صوف أو غيرهما قال: و «كذلك كانت سيرته في الطعام: لا يردُّ موجودًا ولا يتكلَّف مفقودًا ... ويأكل لحم الدجاج وغيره» (جامع المسائل ٧/ ١٤٤). فأخذ المؤلف ﵀ هذه الفقرة، واستهل بها فصلًا جديدًا بعد فصل ملابسه ﷺ لتفصيل هديه في الأكل والشرب. ثم تتابعت الفصول في هديه ﷺ في النكاح ومعاشرة أهله، وغير ذلك كما سبق تفصيله.
* ترتيب قسم العبادات
رتب المؤلف ﵀ هدي النبي ﷺ في العبادات على الأبواب الآتية: الطهارة، الصلاة، الصدقة والزكاة، الصوم، الحج والعمرة. وختمه بفصول في هديه ﷺ في الذِّكْر.
стр. 16
في باب الطهارة ذكر ﵀ هدي النبي ﷺ في الوضوء، والمسح على الخفين، والتيمم. وفاته ذكر هديه في الغسل وإزالة النجاسة.
وفي باب الصلاة ذكر أولًا صفة صلاته ﷺ من أولها إلى آخرها، وقفى عليه بهديه في سجود السهو، والأذكار بعد الصلاة، والسُّتْرة. ثم ذكر هديه في السنن الرواتب، وقيام الليل والوتر، وصلاة الضحى، وسجود الشكر، وسجود القرآن، والجمعة، والعيدين، وصلاة الكسوف، والاستسقاء، وصلاته في السفر، وقراءة القرآن. وختمه بفصول في هديه في الجنائز وما يتعلق بها من النهي عن تعلية القبور وزيارتها والتعزية.
ومن المباحث التي أفاض القول فيها: وضع الركبتين قبل اليدين عند السجود، والقنوت في الفجر، وخصائص يوم الجمعة فذكر ثلاثًا وثلاثين خاصة (١/ ٤٦٠ - ٥٣٠)، وتعيين ساعة الإجابة في يوم الجمعة.
أما باب الصدقة والزكاة فقد ذكر فيه أولًا حكمة تشريع الزكاة، وهديه ﷺ في تفريق الزكاة وإعطائها لمن هو أهل لها، ونهي المتصدِّق أن يشتري صدقته. وخصَّص فصلًا للكلام على زكاة العسل، وبيَّن هدي النبي ﷺ في زكاة الفطر، وصدقة التطوع. وبمناسبة كون الصدقة من أعظم أسباب شرح الصدر خصَّص فصلًا لذكر هذه الأسباب وحصولها على الكمال له ﷺ (٢/ ٢٨ - ٣٣).
وفي باب الصيام ذكر أولًا تاريخ فرض الصوم، ثم هديه ﷺ في شهر رمضان، وعدم الدخول في صوم رمضان إلا برؤية محققة أو شهادة، وفصَّل الكلام على صوم يوم الغيم، وبيَّن هديه ﷺ في الإفطار، وحكم الصوم في السفر، وهديه في الصوم جنبًا، والأشياء التي يفطر بها الصائم، وصيام
стр. 17
التطوع. وأفرد بحثًا في صيام يوم عاشوراء وإفطار يوم عرفة بعرفة، وهديه ﷺ في صوم يوم السبت والأحد وكراهة تخصيص يوم الجمعة بالصوم. وختم هذا الباب بذكر هديه ﷺ في الاعتكاف.
أما باب الحج والعمرة فهو باب طويل ذكر فيه أولًا عدد عُمَر النبي ﷺ ، ثم ساق هديه ﷺ في حجته منذ أن خرج من المدينة إلى أن رجع إليها، وتكلم في أثنائها على أحكام جزئية كثيرة للحج، وبيَّن أوهام الذين غلِطوا في ذكر عُمَر النبي ﷺ وصفة حجته وإهلاله، وردَّ على ما احتجُّوا به. وقد خصَّص فصلًا طويلًا للكلام على فسخ الحج إلى العمرة (٢/ ٢١٩ - ٢٧٢).
ثم عقد بابًا في هديه ﷺ في الهدايا والضحايا والعقيقة، وختمه بذكر المناهي اللفظية. وعقّبه بفصلٍ في هديه ﷺ في الذكر، جمع فيه أذكار النبي ﷺ في مناسبات مختلفة، وبه ختم قسم العبادات من الكتاب.
* ترتيب قسم المغازي
بدأه المؤلف بذكر مكانة الجهاد في الإسلام وأنه أنواع عديدة: بالحجة والبيان وبالسيف والسنان، وأن العدو الخارجي لا يمكن جهاده حتى يجاهد نفسه وشهواتها، ويجاهد الشيطان ووساوسه.
ثم ذكر ما قام به النبي ﷺ من الجهاد من أول مبعثه، وذلك بالقرآن كما قال تعالى: ﴿الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا﴾ [الفرقان: ٥٢]، فآذاه قومه وآذوا أتباعه إلى أن اضطروا إلى الهجرة إلى الحبشة، وأذن الله لنبيه بالهجرة إلى المدينة، ثم فُرض عليه القتال.
ثم ساق الأحاديث في فضل الجهاد والترغيب فيه وفي فضل الشهادة في سبيل الله.
стр. 18
ثم ذكر مجمل هدي النبي ﷺ في الجهاد والغزو، وهديه في تقسيم الغنائم والنفل، والتشديد في الغلول، وهديه في الأسارى والسبي والجواسيس وعبيد المشركين والأرض المغنومة وما إلى ذلك.
ثم عقد فصلًا في هديه في الأمان والصلح ومعاملة رسل الكفار، وأخذ الجزية وما إليه، فذكر فيه قبائل اليهود بالمدينة وغدرهم بالنبي ﷺ واحدة تلو الأخرى، وقتال النبي ﷺ إياهم وإجلاءهم (وهذه الغزوات الثلاث مع اليهود ذكرها بالتفصيل هنا ثم أعادها مختصرة في موضعها من المغازي)، وذكر أيضًا صلحه مع قريش ومع أهل خيبر.
ثم عقد فصلًا في «سياق مغازيه وبعوثه على وجه الاختصار»، وهو قِوام هذا الجزء وأكبر فصوله. فإنه يمثّل نحوًا من ثُلُثيه؛ ذكر فيه الغزوات على ترتيبها الزمني ويعقب أكثرها بذكر ما يستفاد من قصتها من فوائد وأحكام، وما فيها من الحكم الإلهية.
ثم عقد فصلًا في قدوم وفود العرب إلى النبي ﷺ بعد مجيئه من تبوك، ويذكر ما في قصصهم من الفقه. وختم بفصل في كتب النبي ﷺ إلى الملوك والرؤساء.
وبه ينتهي هذا القسم، مع أنه بقي عليه مما في «عيون الأثر» ــ وهو مصدر المؤلف في كثير مما يذكره لا سيما في النصف الأخير ــ: سرية علي بن أبي طالب إلى اليمن، وحجة الوداع، وسرية أسامة بن زيد إلى الشام (التي توفي عنها النبي ﷺ ). فهذه الأحداث الثلاثة ذكرها ابن سيد الناس بعد ذكر كتب النبي ﷺ إلى الملوك، وقد سبق ذكر حجة الوداع في قسم العبادات عند المؤلف، إلّا أنه لم يُشر إلى السريتين.
стр. 19
* ترتيب قسم الطب
بدأه المؤلف ﵀ بمقدمة ذكر فيه أولًا أن المرض نوعان: مرض القلوب ومرض الأبدان، وكلاهما مذكور في القرآن. وقد أرشد سبحانه إلى أصول الطب ومجامع قواعده، وهدي الرسول ﷺ في ذلك أكمل هدي. ثم بيَّن أن من هديه ﷺ التداوي في نفسه والأمر به لمن مرض من أهله وأصحابه، وتكلم على قوله: «ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء» ودلالة هذا الحديث وغيره على ربط المسببات بالأسباب والأمر بالتداوي وأنه لا يناقض التوكل. ثم ذكر أن علاجه ﷺ للمرض ثلاثة أنواع: أحدها: بالأدوية الطبيعية، والثاني: بالأدوية الإلهية، والثالث: بالمركب من الأمرين.
وعلى ذلك جاءت الفصول بعد المقدمة على ثلاثة أقسام:
١ - في العلاج بالأدوية الطبيعية.
٢ - في العلاج بالأدوية الروحانية الإلهية المفردة، والمركبة منها ومن الأدوية الطبيعية.
٣ - في ذكر الأدوية والأغذية المفردة التي جاءت على لسان النبي ﷺ مرتبة على حروف المعجم.
وختم هذا القسم بفصول في المحاذير والوصايا الكلية النافعة من وصايا الأطباء.
* ترتيب قسم الأقضية والأحكام
بدأ المجلد الخامس بفصول في هديه ﷺ في الأقضية والأحكام، وبيَّن في أوله (٥/ ٥) أن ليس الغرض ذِكْر التشريع العام، وإنما الغرض ذكر هديه في الحكومات الجزئية التي فصَل فيها بين الخصوم، وكيف كان هديه في
стр. 20
الحكم بين الناس. وتعرض فيه إلى قضايا الحدود المختلفة كالزنا والسرقة واللواط وقتل الساحر والجاسوس وغيرها (٥/ ٥ - ١٠٠)، ثم ذكر بعض أحكامه في الفتوح والمغازي وقسمة الغنائم والأموال على اختلافها وبعض مسائل الجهاد وأحكام المغازي والسير (٥/ ١٠١ - ١٣٦) وهذه الأحكام سبقت بالتفصيل في المجلد الثالث الخاص بالمغازي والسير، وهو كثير الإحالة إليه في هذا القسم.
ثم تطرق إلى أحكام النكاح وأقضيته وتوابعه (٥/ ١٣٧ - ١٦٥) ثم عقد مبحثًا طويلًا في المحرّمات من النساء (٥/ ١٦٦ - ١٧٧)، ثم أخذ في مسائل تتعلق بالوطء والتعددّ والقَسْم وأحكام الزوجية (٥/ ١٧٨ - ٢٦٩).
ثم انفصل إلى أحكام الخلع والطلاق، وتوسّع في الطلاق البدعي والطلاق الثلاث بكلمة واحدة (٥/ ٢٧٠ - ٤٠٥)، ثم إلى مسائل تتعلق بالفراق والظهار والإيلاء واللعان واستلحاق الولد (٥/ ٤٠٦ - ٥٩٢).
وفي المجلد السادس ذَكَر المؤلف حكمه ﷺ في الولد مَن أحقُّ به في الحضانة، وتوسع في الكلام على مسألة تخيير الولد بين الأبوين في الحضانة. ثم ذكر حكمه ﷺ في النفقة على الزوجات، وتوسَّع هنا في بيان أنه لا نفقة للمبتوتة ولا سُكْنى كما في حديث فاطمة بنت قيس، وأطال في ذكر المطاعن التي طُعِن بها هذا الحديث ثم ردَّ عليها وبيَّن بطلانها. وبعد الانتهاء منها عقد فصلًا في وجوب نفقة الأقارب، ثم فصلًا طويلًا في حكمه ﷺ في الرضاعة وما يحرم بها وما لا يحرم، وحكمه في القدر المحرِّم منها، وحكمه في رضاع الكبير هل له تأثير أم لا؟ ثم ذكر حكمه ﷺ في العِدد، وفصَّل الكلام على تفسير «القروء» هل هي الحيض أو الأطهار، مع ذكر أدلّة الفريقين ومناقشتها
стр. 21
وترجيح أنها الحيض. وفي هذا الباب فصول في عدة الأمَة، وعِدة الآيسة والتي لم تحِضْ، وعِدة الوفاة، وعِدة الطلاق، وعِدة المختلعة، واعتداد المتوفى عنها في منزلها الذي توفي فيه زوجها، وحكم رسول الله ﷺ في إحداد المعتدَّة، والخصال التي تجتنبها الحادَّة، وختم هذا الباب بذكر حكم رسول الله ﷺ في الاستبراء في فصل طويل (٦/ ٣٧١ - ٤١٨).
وآخر أبواب الكتاب: ذكر أحكامه ﷺ في البيوع، بدأه بذكر ما يحرم بيعه مثل الميتة والخنزير والأصنام، ثم حكمه ﷺ في ثمن الكلب والسنَّور ومهر البغيّ وحلوان الكاهن وأجرة الحجّام، ثم حكمه ﷺ في بيع عَسْب الفحل وضِرابه، والمنع من بيع الماء الذي يشترك فيه الناس، ومنع الرجل من بيع ما ليس عنده.
وختم هذا القسم بفصل في بيع الغرر، ومن صوره بيع اللبن في الضرع، وتكلم في آخره على بيع الصوف على الظهر وذكر الفرق بينه وبين اللبن في الضرع، فقال: «اللبن في الضرع يختلط ملك المشتري فيه بملك البائع سريعًا، فإن اللبن سريع الحدوث كلما حلبه درَّ، بخلاف الصوف. والله أعلم وأحكم».
وبهذا الفصل ينتهي الكتاب دون خاتمة واضحة، ويُخيَّل إلى القارئ أن شيئًا سقط من آخره، وأن النسخ التي وصلت إلينا قد تكون غير تامة. والواقع أن النسخ التي بين أيدينا تختلف فيما بينها أحيانًا، ولكنها متفقة على نهايتها، وقد قوبلت بعضها على نسخة مقروءة على المؤلف كما سبق، فلا ندري لماذا لم يختم المؤلف ﵀ كتابه بكلمة مناسبة تؤذن بانتهائه.
* * * *
стр. 22
غرض المؤلف من تأليفه ومنهجه فيه
غرض المؤلف من تأليف كتابه هذا واضح من عنوانه: «زاد المعاد في هدي خير العباد»، وله دلالتان بينتان، إحداهما أن موضوع الكتاب هدي النبي ﷺ لا غير، والأخرى أن هذا الهدي هو الزاد النافع يوم القيامة، فيجب على المؤمن أن يتزود به. ولا شك أن المؤلف قد وفِّق في اختيار هذا العنوان كلَّ التوفيق.
وقد صرح ﵀ بغرض الكتاب في غير موضع، فقال في مقدمته: «وإذا كانت سعادة العبد في الدارين معلّقة بهدي النبي ﷺ فيجب على كل من نصح نفسَه وأحبَّ نجاتَها وسعادتَها أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه ما يخرج به عن الجاهلين به، ويدخل به في عداد أتباعه وشيعته وحزبه ... وهذه كلمات يسيرة لا يستغني عن معرفتها من له أدنى همة إلى معرفة نبيه ﷺ وسيرته وهديه» (١/ ٥١ - ٥٢).
وكلما بعُد به البحث والنقاش رجع وهو يذكر غرض الكتاب، فقال في موضع: إن «المقصود: التنبيه على هديه واقتباس الأحكام من سيرته ومغازيه ووقائعه صلوات الله وسلامه عليه» (٣/ ١٧٥).
وقال في موضع آخر في كلام مهم: «وليس مقصودنا إلا ذكر هديه ﷺ الذي كان يفعله هو، فإنه قبلة القصد، وإليه التوجه في هذا الكتاب، وعليه مدار التفتيش والطلب، وهذا شيء، والجائز الذي لا ينكر فعله وتركه شيء» (١/ ٣١٨).
وقال أيضا: «وليس لهذا وُضِع كتابنا هذا، ولا قصدنا به نُصرةَ أحدٍ من
стр. 23
العالمين، وإنَّما قصدنا به مجرَّدَ هديِ رسول الله ﷺ في سيرته وأقضيته وأحكامه، وما تضمَّن سوى ذلك فتَبعٌ مقصودٌ لغيره فهَبْ أنَّ من لم يقضِ بالنُّكول تناقضَ، فماذا يَضُرُّ ذلك هديَ رسول الله ﷺ ؟» (٥/ ٥٢١).
هذا ما يتعلق بغرضه من تأليف الكتاب، أما ما يتعلق بمنهجه فيه، فقد صرح في أوله وفي أثنائه في مواضع متفرقة بطريقته فيه. ومن الطبيعي أن ينعكس الهدف الذي أنشأ المؤلف كتابه من أجله على طبيعة المادة ومسائل البحث التي أوردها وعلى طريقته في إيرادها، وقد نبَّه إلى قضية مهمة جدًّا في منتصف المجلد الأول تقريبًا، حيث قال: «فنحن لم نتعرض في هذا الكتاب لما يجوز ولما لا يجوز، وإنما مقصودنا فيه هدي النبي ﷺ الذي كان يختاره لنفسه، فإنه أكمل الهدي وأفضله، فإذا قلنا: (لم يكن من هديه المداومة على القنوت في الفجر، ولا الجهر بالبسملة)، لم يدل ذلك على كراهية غيره، ولا أنه بدعة، ولكن هديه ﷺ أكمل الهدي وأفضله» (١/ ٣١٨).
وقد يفصّل ويطيل وينبه لأجل غرض تربويّ تعليميّ، أفصحَ عنه بقوله: «وإنَّما نبَّهنا على مأخَذِها وأدلَّتها ليعلم الغِرُّ الذي بضاعته من العلم مزجاةٌ: أنَّ هناك شيئًا آخر وراء ما عنده، وأنَّه إذا كان ممَّن قَصُر في العلم باعُه، وضَعُف خلفَ الدَّليل، وتقاصرَ عن جَنْي ثمارِه ذراعُه، فليعذر مَن شمَّر عن ساق عزمِه، وحام حولَ آثار رسول الله ﷺ وتحكيمها، والتَّحاكم إليها بكلِّ همَّةٍ». (٥/ ٣٤٤).
وأما معالم منهجه في أقسام الكتاب في سياق الموضوعات وطريقة العرض والإيراد والتحليل، فنشير إليها في السطور الآتية:
المجلد الأول افتتحه المؤلف ﵀ بعد مقدمته بنُبذ في سيرة النبي ﷺ ،
стр. 24
ولما كان الغرض الأصلي من الكتاب بيان هديه ﷺ ، ولم تكن بين يديه ــ وهو في حالة السفر ــ مصادر تعينه على تحقيق المواضع التي اختلف فيها أصحاب السيرة= أوجز القول في فصول السيرة، ولم يطنب إلا في مواضع قليلة قد تكلم عليها هو أو شيخه من قبل، مثل بحث الذبيح، وشرح أسماء النبي ﷺ ، وإطالته ــ وهو يشرح اسم أحمد ــ في مسألة نحوية، وهي صياغة اسم التفضيل من الفعل الواقع على المفعول.
ولم يفصل المؤلف ﵀ بين فصول السيرة وفصول الهدي، بل لما عقد فصل ملابس النبي ﷺ على نسق ابن جماعة في «مختصر السيرة»، ونقل من كتاب «القرمانية» لشيخه= انساق معه بعد ذكر لباسه إلى ذكر هديه ﷺ في طعامه وشرابه، ثم استمر على ذكر هديه في شؤون أخرى من حياته اليومية، وذهل عن ذكر وفاته ﷺ . ولم يذكر أيضا صفة النبي ﷺ ومعجزاته، كما سبق. وقد استطرد عند ذكر مشية النبي ﷺ وبكائه إلى تفصيل أنواع المشي والبكاء.
وأتبع هذه الفصول بـ «فصول في هديه ﷺ في العبادات»، فذكر هديه في الوضوء والتيمم ثم في الصلاة. ويبدو أنه كتب هذه الفصول عندما تيسر له الحصول على عدد من المصادر، فلا نجد فيها الاقتضاب الذي نراه في الفصول السابقة. وقد استقصى في بعض المسائل أقوال العلماء واحتجاجاتهم وردودهم بعضهم على بعض، ثم ناقشها جميعًا ورجّح ما هو الراجح عنده، حسب منهجه المعروف؛ كما فعل في بحث القنوت في صلاة الفجر وبحث التغني بالقرآن. وقد أطنب في ذكر خصائص الجمعة غاية الإطناب، فذكر منها ثلاثًا وثلاثين خاصة، ثم أفاض الكلام على الخاصة
стр. 25
العشرين، وهي ساعة الإجابة في يوم الجمعة. وقد استغرق مبحث الخصائص هذا الصفحات (٤٤٥ - ٥٣٣) من المجلد الأول من نشرتنا.
وفي المجلد الثاني الخاص بالزكاة والصيام والحج؛ لم يفصل في باب الزكاة في بيان أحكامها، وإنما اقتصر على ذكر الأموال التي تجب فيها الزكاة، وبيان الحكمة في المقدار الذي يؤخذ منها. بينما أطال الكلام على الزكاة في العسل واختلاف العلماء فيها، وذكر هدي النبي ﷺ في زكاة الفطر وإخراجها قبل صلاة العيد، وهديه في صدقة التطوع، ثم استطرد في بيان أسباب شرح الصدر وحصولها على الكمال له ﷺ ، وبه ختم الكلام في الزكاة.
وفي باب الصيام أجمل الكلام فيه، وبيان هديه ﷺ في رمضان، ولم يفصل إلا في بعض المسائل، مثل الوصال في الصوم، وصوم يوم الغيم أو الشك، وما يفطّر الصائم، وما لا يفطّر. وأطال الكلام في صيام يوم عاشوراء والإشكالات الواردة عليه والجواب عنها. وختم الكلام ببيان هديه ﷺ في صوم التطوع والاعتكاف.
أما في باب الحج فقد كان غرض المؤلف فيه سياق حجة النبي ﷺ وعمره التي اعتمرها، وبيان أوهام الذين غلطوا في ذكر عمره وحجه وإحرامه، واستطرد في أثنائها إلى الكلام على مسائل الحج المشهورة التي اختلف العلماء فيها مع ذكر حججهم ومناقشتها. وعقَّب ذلك ببيان هديه ﷺ في الهدايا والضحايا والعقيقة، وهديه في الأسماء والكنى، وهديه في الذكر، وقد جمع هنا أذكار الصباح والمساء والمناسبات المختلفة، بحيث أصبح كتابًا مفردًا في الأذكار الواردة عن النبي ﷺ .
وفي المجلد الثالث الخاص بالجهاد والمغازي والسير لم يكن مقصوده
стр. 26
بيان سيرة النبي ﷺ من مولده إلى وفاته على ما هو معهود في كتب السيرة، وإنما كان مقصوده الأعظم هو بيان هدي النبي ﷺ في الجهاد والغزوات، كما سبق. وقد أشار إلى ذلك أيضًا في موضعٍ آخر (٣/ ١٦٨) حيث قال وهو يتحدث عن الأحكام المستفادة من صلح الحديبية: «وأخذُ الأحكام المتعلقة بالحرب ومصالحِ الإسلام وأهله وأمورِ السياسات الشرعية من سِيَره ومغازيه أولى من أخذها من آراء الرجال؛ فهذا لون، وتلك لون، وبالله تعالى التوفيق».
أما سياقه لذلك فقد بدأ بذكر السيرة النبوية من مبعثه ﷺ حين كان مبدأُ جهاده للكفار والمشركين «بالحجة والبيان وتبليغ القرآن» (٣/ ٥). ثم ذكر ما تعرَّض له النبي ﷺ وأصحابه من الأذى في سبيل الدعوة، حتى هاجر من هاجر إلى الحبشة وهاجر النبي ﷺ إلى المدينة حيث نزل عليه الإذن بالقتال ثم الأمر به. وانفصل منه إلى سياق أخبار الغزوات والبعوث مرتبةً على سني وقوعها، ويعقب على أغلبها بعقد فصول في ذكر ما يُستفاد من أخبارها من الأحكام والفقه، وقد يُطيل في ذكر بعض هذه المسائل إذا كان فيها خلاف مشهور، فيورد حجج الفريقين ويرجِّح بينها على طريقته المعروفة في سائر كتبه.
ولا يقتصر في ذلك على بيان ما يُستفاد من الأحكام المتعلقة في الجهاد وما إليه، بل يذكر كلَّ ما يجود به عقلُه الوقَّاد من الاستنباط وذِكْر ما في أخبار المغازي من الغايات المحمودة والحِكَم الإلهية وما يترتب عليها من مسائل في السلوك والتزكية، كما فعل في غزوات أُحُد وحُنين وتبوك حيث عقد فصلًا خاصًّا بعد كل غزاة لما يستنبط منها من الحِكَم والأسرار والغايات المحمودة.
стр. 27
هذا، وقد عُني عناية فائقةً بنقد أخبار المغازي وروايات السيرة، والتوفيق بين مختلفها، والترجيح بين متضادها. و أبرز معالم منهجه في إيراد المغازي:
- إنه كثيرًا ما يؤلِّف بين مختلف الروايات عند سبكه لها لتنسجم الأحداث والوقائع وتتسلسل في سياق واحد متصل. وهذه جادّة مسلوكة لأئمة السير والمغازي من أمثال الزهري وابن إسحاق وغيرهما. انظر على سبيل المثال سياقه لقصة الإسراء (٣/ ٤١ - ٤٤)، وقصة الحديبية (٣/ ٣٤٠ - ٣٥٢)، وقصة قتل أسامة لمن قال: لا إله إلا الله (٣/ ٤٣٤ - ٤٣٥)، قصة أكل الصحابة العنبر في سرية الخبط (٣/ ٤٧٢)، خبر وفد هوازن (٣/ ٥٩٠ - ٥٩١).
- يوازن مرويات أهل المغازي بما ورد في «الصحيحين» وغيرهما من الأحاديث الصحيحة، وبناء عليها قد يخطِّئ جماهير أهل السير فيما قالوه في تاريخ الغزوة أو غيره من التفاصيل، فمثلًا ذكر جماهير أهل المغازي أن غزوة الغابة كانت قبل الحديبية، فخطّأهم المؤلف لأن حديث سلمة بن الأكوع في «صحيح مسلم» صريح في أنه كان بعد الحديبية (٣/ ٣٢٨ - ٣٢٩). ومثله غزوة ذات الرقاع حيث قال جمهور أهل السير: إنها كانت سنة أربعٍ من الهجرة، واستصوب المؤلف أنها كانت بعد خيبر لما في الأحاديث الصحيحة من الدلالات على ذلك (٢/ ٢٩١ - ٢٩٥).
- إذا اختلف أهل المغازي فيما بينهم، يقف المؤلف موقف الحكم بينهم فيذكر مآخذ الأقوال، ثم يناقشها موفِّقًا بينها إن أمكن أو مرجِّحًا لبعضها على بعض، كما ترى صنيعه في اختلافهم في ابن مسعود: هل مكث
стр. 28
بمكة بعد قدومه من الهجرة الأولى إلى الحبشة أم رجع وقدم مرة ثانية؟ (٣/ ٢٩ - ٣٤)، وفي غزوة خيبر: هل كانت في السنة السادسة أو السابعة؟ (٣/ ٣٠٦)، في غزوة المريسيع متى كانت؟ (٣/ ٣٠٩ - ٣١١).
أما المجلد الرابع المتعلق بالطب فقد افتتحه ﵀ بقوله: «ونحن نتبع ذلك بذكر فصول نافعة في هديه في الطب الذي تطبب به، ووصفه لغيره. ونبين فيها من الحكمة التي تعجز عقول أكثر الأطباء عن الوصول إليها، وأن نسبة طبهم إليها كنسبة طب العجائز إلى طبهم». وقد نبّه على أنه ﷺ إنما بعث هاديا وداعيًا إلى الله ومبشرًا ونذيرًا، وأما طب الأبدان فجاء مقصودًا لغيره بحيث إنما يستعمل عند الحاجة إليه. ومع قوله بأن طب النبي ﷺ ليس كطب الأطباء، وإنما هو طب متيقن قطعي إلهي صادر عن الوحي؛ أشار إلى أنه لا ينكر عدم انتفاع كثير من المرضى به، فإنه إنما ينتفع به من تلقاه بالقبول واعتقاد الشفاء به (٤/ ٤٥). ثم لا ينكر تأثير الدواء بحسب الأمزجة والأزمنة والأماكن والعوائد (٤/ ٥٢٣).
ثم ذكر أن النبي ﷺ كان يعالج المرض بثلاثة أنواع من الأدوية: الأدوية الطبيعية، والأدوية الإلهية، والأدوية المركبة من الأمرين. وعلى ذلك أورد أولًا أكثر من ثلاثين فصلًا في الأدوية الطبيعية التي ذكرت في الأحاديث. وأولها فصل في هديه ﷺ في علاج الحمى، وأتبعه بفصل في هديه في علاج استطلاق البطن، وهكذا. ويستهل كل فصل بالحديث الوارد فيه مع الإحالة على مصدره من الصحيحين أو غيرهما، ثم يتكلم عليه. ثم أورد أكثر من عشرين فصلًا في العلاج بالأدوية الإلهية المفردة وبالمركبة منها ومن الأدوية الطبيعية، وأولها فصل في هديه ﷺ في علاج المصاب بالعين.
стр. 29
ثم خصص فصلًا طويلًا في ذكر الأغذية والأدوية الواردة على لسان النبي ﷺ ، ورتبها ترتيبا ألفبائيًّا على خلاف كتب الطب التي تُرتبها عمومًا ترتيبًا أبجديًا. وذكر في هذا القسم الأدوية الروحانية أيضا كالصلاة والصبر والقرآن والرقى.
وقد تخلل هذه الفصول مسائل وفوائد في التوحيد والتفسير والحديث والفقه، نحو كلامه في دفع التعارض بين نفي العدوى والأمر بالفرار من المجذوم (٤/ ٥٥ - ٦٠)، وفقه أحاديث الحجامة والفطر بها (٤/ ٨٣ - ٨٤)، وإباحة الحرير للرجال لحاجة أو مصلحة راجحة (٤/ ١٠٦ - ١٠٨) والعناية بعدد السبع في القدر والشرع (٤/ ١٣٦ - ١٣٩)، وبيان السر اللطيف في كون المحرمات لا يستشفى بها (٤/ ٢٢٥ - ٢٢٦)، والرد على المنكرين لإصابة العين (٤/ ٢٣٣ - ٢٣٥). أما كلامه البديع في تزكية النفوس وطب القلوب فحسبك أن تنظر في الفصل الذي عقده في هديه ﷺ في علاج الكرب والهم والغم والحزن، وبيان جهة الأدوية الروحانية المذكورة في الأحاديث (٤/ ٢٨٢ - ٣٠١).
وقد اعتمد المؤلف ﵀ في معظم فصول الطب هذه على كتاب علاء الدين الكحَّال الحموي كما سيأتي، فوقعت أخطاء في الإحالة على مصادر الأحاديث وألفاظها تبعًا للكتاب المذكور. ثم لم يقتصر على الأحاديث الصحيحة، بل تكلم أيضًا على بعض المفردات الطبية التي لم يصح فيها حديث عن النبي ﷺ ، فلا علاقة لها بالطب النبوي، كالباذنجان والكرفس والكراث. وقد صرّح بأن الأحاديث الثلاثة الواردة فيها موضوعة، ومع ذلك ذكر خواصّها ومنافعها (٤/ ٥٩٦ - ٥٩٨).
стр. 30
وفي المجلدين الخامس والسادس المتعلقين بالأقضية والأحكام والنكاح والطلاق وتوابعها ثم البيوع ولم يتم مباحثه، فقد جرى على طريقة واحدة في عموم المباحث، حيث يعنون للفصل ثم يسوق تحته الآيات أو الأحاديث في الباب مع بيان مخرّجيها ودرجتها غالبًا، ثم ينفصل إما إلى ذكر الفوائد من الآية أو الحديث، وقد يطيل ويطيب، أو ينفصل إلى ذكر مسألة من مسائل الخلاف في الباب ويذكر المذاهب مبتدئا بأقوال الصحابة والسلف ثم الأئمة الأربعة وغيرهم، ويحتج لكل فريق ويناقش ويدلل ويصحح ويضعّف وينبه إلى القواعد والضوابط والفروق بين المسائل وتحرير حرف المسألة وسرّها، وينبه إلى أسرار الشريعة وحِكَمها ويجعلها من قرائن الترجيح للقول المختار، وهي لفتة نفيسة منه، وقد يسوق في أحيان كثيرة أدلة الفريقين ولا يرجح بل يترك الترجيح للقارئ، وغرضه في كل ذلك هدي النبي ﷺ ليس إلا، كما صرّح به مرارًا.
هذا، وقد تكلم شيخنا العلامة بكر أبو زيد ﵀ في كتابه «ابن القيم الجوزية» (ص ٨٥ - ١٢٨) عن منهجية البحث والتأليف عند ابن القيم في عموم مؤلفاته. وبعد التتبع والاستقراء تحدَّث عن تلك الخصائص والسمات البارزة التي تميزت بها مؤلفاته في اثني عشر جانبًا، وهي: الاعتماد على الأدلة من الكتاب والسنة، وتقديم أقوال الصحابة ﵃ على من سواهم، والسعة والشمول، وحرّية الترجيح والاختيار، والاستطراد التناسبي، والاهتمام بمحاسن الشريعة وحكمة التشريع، والعناية بعلل الأحكام ووجوه الاستدلال، والحيوية والمشاعر الفياضة بأحاسيس مجتمعه، والجاذبية في أسلوبه وبيانه، وحسن الترتيب والسياق، وظاهرة التواضع والضراعة والابتهال، والتكرار.
стр. 31
وإذا نظرنا في «زاد المعاد» نجد هذه الخصائص بارزةً في جميع فصوله، فعند ما يبحث المؤلف أي مسألة يعتمد على الكتاب والسنة ويحشد نصوصهما، ويحرص على ذكر أقوال الصحابة وتعظيم ما قالوه إجماعًا أو اشتهارًا ولم يُعرَف لهم فيه مخالف، واحترام خلافهم وعدم الخروج عليه. وهذا أوضح من أن يُذكَر له المثال والمثالان.
أما الإسهاب والإشباع والشمول فهو ظاهر في كثير من مباحث الكتاب، ومع ذلك فقد يقول إنه ليس هذا موضع بسط هذه المسائل (٥/ ٥٥١). ومن المباحث الفقهية التي أطال فيها في المجلد الثالث: مسألة الجاني اللاجئ إلى الحرم هل يُقام عليه الحدُّ فيه؟ (٣/ ٥٤٤ - ٥٥٣)، ومسألة بيع الحيوان بعضه ببعضٍ نَساءً ومتفاضلًا (٣/ ٦٠٤ - ٦٠٨)، ومسألة المدة التي إذا نوى المسافر إقامتها أتمَّ الصلاة (٣/ ٧٠٥ - ٧١١)، وجواز تصرُّف الملتقط في ضالة الغنم (٣/ ٨٣٢ - ٨٣٤). والأمثلة على ذلك كثيرة في جميع مجلدات الكتاب.
وأما حرية الترجيح والاختيار فهو بين في مواضع، فبعد أن يذكر الأقوال والأدلة والحجاج يترك الاختيار للقارئ، كما في (٥/ ١٤٣، ٢٦٦) و (٦/ ١١٩، ٤٨١)، وقال في (٥/ ٤٤٥): «فهذا تحرير المذاهب في هذه المسألة نقلًا، وتقريرها استدلالًا، ولا يخفى ــ على من آثرَ العلمَ والإنصافَ وجانبَ التَّعصُّبَ ونصرةَ ما ينبني عليه من الأقوال ــ الرَّاجحُ من المرجوح».
وأما الاستطراد فهو واضح من أول الكتاب عند ذكر الاصطفاء والاختيار، وفي عموم الكتاب إذا وجد فرصة استطرد بما يفيد ويطرب، وقد يستطرد أحيانًا أثناء سياق أخبار الغزوات بذكر بعض المسائل الفقهية
стр. 32
وخلاف العلماء فيها، كما فعل في ذكر غزو بني قريظة عند ذكر خلاف الصحابة في العمل بقول النبي ﷺ : «لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة»، فذكر اختلاف الفقهاء في أيهما كان أصوب، وأخذ يرجح بين القولين، ثم عاد بعدُ إلى خبر الغزوة.
وأما الاهتمام بذكر محاسن الشريعة وحِكَمها فهذا كثير في الكتاب، ويذكره المؤلف أحيانًا ابتداء وأحيانًا كثيرة عند ذكر أطراف الخلاف وذكر المرجحات، ويجعل منها أن الحكم الذي اختاره موافق لأسرار الشريعة وحكمها. ويُنظر الفهرس الخاص بأسرار الشريعة وحكمها ضمن الفهارس العلمية.
وأما التكرار فهو ظاهر في مواضع من الكتاب، فقد تتكرر المسألة في المجلد الواحد في مكانين مختلفين، وقد تتكرر مع بعد الفاصل في المجلدات المختلفة، وهذا واضح في المجلد الخامس حين ذكر أقضية النبي ﷺ وأحكامه فيما يتعلق ببعض مسائل الجهاد والغنائم وما إليها، ويكون قد سبق ذكرها بالتفصيل في المجلد الخاص بالمغازي، فنراه يحيل إليه للتوسع. وكذلك مسألة جمع التقديم في السفر والكلام على الحديث الوارد فيه، فقد ذكرها في المجلد الأول (٦٠٥ - ٦٠٨) ثم أعادها في المجلد الثالث ضمن فوائد غزوة تبوك (٦٨٣ - ٦٨٥). ومسألة اشتراط النية في جميع ألفاظ الطلاق والعتاق صريحها وكنايتها، ذكرها في المجلد الثالث (٧٣٥) ثم في المجلد الخامس (٤٥٢). وهناك أمثلة أخرى للتكرار في المسائل والمباحث تُنظر في الفهارس العلمية للكتاب.
стр. 33
أهم موارد المؤلف في كتابه
لا تخفى أهمية البحث في موارد المؤلفين، وما لها من فوائد متعددة تعود على الكتاب موضوع الدراسة بالنفع عند المقابلة والتصحيح (١)، وتعود على المعرفة بالمؤلف وثقافته واطلاعه، وتعود على الحركة العلمية في ذلك العصر، وتعود على المؤلفات المنقول منها في اتجاهات مختلفة، كوجود الكتاب، وبقائه إلى زمن المؤلف، ونقل نصوص منه لأنه ربما كان مفقودًا، بل ربما اعتمد عليه المؤلف في مواضع كثيرة فيكون مجالًا رحبًا للمقارنة والموازنة، في فوائد كثيرة ليس هذا مكان بسطها (٢).
وابن القيم معروف عنه أنه كان صاحب مكتبة واسعة وعناية تامة بتحصيل الكتب، قال صاحبه ابن كثير: واقتنى من الكتب ما لا يتهيّأ لغيره تحصيل عُشرِه من كتب السلف والخلف (٣).
وهذا يجعل لتتبع مصادر المؤلف قيمة خاصة، لكننا لن نتتبع في هذا الفصل كل المصادر التي نقل منها المؤلف، بحيث نأتي على تلك التي صرح بأسمائها أو تلك التي صرح بمؤلفيها أو تلك التي لم يصرح بها؛ لأن من مصادر المؤلف ما هو مكثر جدًّا من النقل عنه، ككتب الحديث: الصحاح والسنن والمسانيد والمصنفات وغيرها، فهذه عمدته في كل مؤلفاته ومنها
_________
(١) ينظر مقدمتنا لـ «أعلام الموقعين» (١/ ٦١).
(٢) ينظر «ابن قيم الجوزية: حياته وآثاره وموارده» (ص ٣١٦ - ٣١٧) لبكر أبو زيد.
(٣) «البداية والنهاية» (١٨/ ٥٢٤).
стр. 34
هذا الكتاب، بل هو أحظى كتب المؤلف بهذه المصادر لطبيعته الموضوعية التي لا تخفى.
وهناك كتب يعتمد عليها المؤلف كثيرًا في كتابه، و يقلُّ ويكثر اعتماده عليها في غضون الكتاب بحسب موضوع البحث والبسط فيه، ومِن هذه الكتب:
- مسائل الإمام أحمد بروايات مختلفة.
- كتب الشافعي: «الأم»، و «اختلاف الحديث»، وغيرهما.
- كتابا ابن المنذر: «الأوسط»، و «الإشراف».
- كتابا غلام الخلال: «الشافي»، و «زاد المسافر».
- كتاب الخطابي: «معالم السنن».
- كتب ابن حزم الأندلسي: «المحلى»، و «حجة الوداع»، و «جوامع السيرة».
- كتابا ابن عبد البر: «التمهيد»، و «الاستذكار».
- كتب البيهقي: «معرفة السنن والآثار»، و «السنن الكبير»، و «دلائل النبوة».
- كتاب ابن قدامة: «المغني» خاصة.
- شيخه ابن تيمية: نقل في مواضع كثيرة من كتبه أو مما سمعه منه، وحكى اختياراته.
- وربما أحال المؤلف إلى بعض كتبه لاستيفاء مبحث، مثل: «تهذيب
стр. 35
سنن أبي داود وإيضاح علله ومشكلاته» (١/ ١٥٦). و «جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على خير الأنام» (١/ ٧٢، ٨١). و «التحبير بما يحلّ ويحرم من لباس الحرير» (٣/ ٦٠٨، ٤/ ١٠٨). و «مدارج السالكين» (٤/ ٢٥٣). و «مفتاح دار السعادة» (٤/ ٢٢٠). أو وعد بتأليف رسالة في المسألة كما في مواضع من كتابه (٣/ ١٧٥، ٨٠٨).
وباعتبار كل مجلد يمثِّل وحدة موضوعية خاصة، سنمّر بمجلدات الكتاب، ونتكلم على موارد كل منها بما يكشف عن الكتب التي نقل منها المؤلف.
* فمن مصادر المجلد الأول:
- «المختصر الكبير في سيرة الرسول ﷺ » لعز الدين ابن جماعة. وهو من أهم مصادر المؤلف في قسم السيرة في المجلد الأول، ولم يُسمِّ المؤلف الكتاب ولا أشار إليه، غير أنه لما ذكر أفراس النبي ﷺ (١/ ١٢٩ - ١٣٠) قال: «فهذه سبعة متفق عليها، جمعها الإمام أبو عبد الله محمد بن أبي إسحاق بن جماعة الشافعي في بيت فقال». وبعد نقل البيت قال: «أخبرني بذلك عنه ولده الإمام عز الدين عبد العزيز أبو عمر أعزّه الله بطاعته». وقد توفي عزالدين سنة ٧٦٧ وأبوه بدر الدين سنة ٧٣٣. وذكر عز الدين في «مختصره» أن والده أنشده البيت المذكور غير مرة.
- وقد وقف على كتاب الكمال ابن طلحة في ختان النبي ﷺ ، وردّ الكمال ابن العديم عليه، ووصفهما وذكر قول الأخير (١/ ٦٨).
стр. 36
- وكان عمدته في فصول ملا بس النبي ﷺ وهديه في الطعام (١/ ١٣٢ - ١٤٩): «القرمانية» لشيخ الإسلام. ولكن ما حكاه عنه في أمر الذؤابة (ص ١٣٣) لم يرد فيها، وكأنها حكاية شفوية. ونقل اختياراته وأقواله في مواضع كثيرة من كتابه.
- ومن مصادره في هذا المجلد: «معالم السنن» للخطابي ولم يسمِّ الكتاب (١/ ٦٤٥)، و «الأحكام الوسطى» لعبد الحق الإشبيلي ولم يشر إليه، و «الشمائل» للترمذي ولم يسمِّ الكتاب.
- قد اعتمد المؤلف في فصل هديه ﷺ في قص الشارب (١/ ١٩١ - ١٩٦) على كتاب «التمهيد»، وذكر ابن عبد البر في أول الكلام. و «التمهيد» و «الاستذكار» من أهم مصادر المؤلف. وفي أثناء الفصل المذكور نقل من «المغني» لأبي محمد يعني ابن قدامة، ونقل منه في موضع آخر أيضًا (١/ ٤٨١).
- ومن مصادره: كتاب «القنوت» للخطيب وقد سمى المؤلف، وكتاب «فضل الضحى» للحاكم وقد سمى الكتاب (١/ ٤١١)، و «شرح صحيح البخاري» لابن بطال وسمى الشارح (١/ ٤٢٦) ونقل كلامه، وهو مصدر آثارٍ كثيرة في صلاة الضحى ساقها الطبري ونقلها المؤلف من كتاب ابن بطال، ومنه نقل كلام الطبري في التغني بالقرآن (١/ ٦٢١ - ٦٢٤) ثم كلام ابن بطال وسماه (١/ ٦٢٥).
- ومن مصادره: كتاب «الضعفاء والمتروكين» لابن الجوزي، ولم يسمِّه. و «صفة الجنة» لابن أبي الدنيا ولأبي نعيم، وقد سماهما (١/ ٤٥٢، ٤٥٥) و «التفريع في فقه الإمام مالك بن أنس» لابن الجلّاب (ت ٣٧٨) وقد سمى الكتاب (١/ ٤٧٢). ومنها: «شرح النووي لصحيح مسلم» ولم يسمِّ
стр. 37
الكتاب. ومنها «التهذيب» للأزهري وسماه (١/ ٥٠٠، ٥٠١) و «الصحاح» للجوهري وسمى المؤلف (١/ ٥٠٠). ومنها كتاب «الرؤية» للدارقطني وقد سماه (١/ ٥٠٩)، و «غريب الحديث» لأبي عبيد ولم يسمِّ الكتاب (١/ ٥١٥)، وكتاب «المنامات» لابن أبي الدنيا وقد سماه (١/ ٥١٨)، و «إنكار البدع والحوادث» لأبي شامة (١/ ٥٤٩ - ٥٥٠) ولم يسمِّه. و «معرفة السنن» للبيهقي وقد سماه في موضع (١/ ٤٦٦)، وذكر اسم المؤلف فقط في مواضع
стр. 38
أخرى، و «السنن والأحكام» للضياء المقدسي ولم يشر إليه. و «معرفة علوم الحديث» للحاكم (١/ ٦٠٦ - ٦٠٧) وذكر المؤلف. ومن مصادره «الجامع» لأبي يعلى، وأحال معه أيضًا على «تجريد الصحاح» لرزين و «نوادر الأصول» للترمذي الحكيم، وقد سماها جميعا (١/ ٦٢٨)
- ومن المصادر التي يظهر أنه نقل منها: «المترجم» للجوزجاني (١/ ٢٢٣)، و «تفسير القرطبي» (١/ ٦٢٩، ٦٣٠).
- من المصادر الشفوية: ما حكاه عن شيخه شيخ الإسلام، وشيخه أبي الحجاج المزي (١/ ٥٤٤) وصاحبه محمد بن عثمان الخليلي المحدث ببيت المقدس (١/ ٦٦).
* ومن مصادر المجلد الثاني:
- «حجة المصطفى» للمحبّ الطبري (٢/ ٢٠٣، ٢٠٤، ٣٦٦ وسماه هنا حجة الوداع، ٢/ ٣٦٩، ٣٧٠).
- ونقل في هذا المجلد من «حجة الوداع» (١) لابن حزم في مواضع كثيرة نقلَ تقريرٍ أو للرد والمناقشة.
- «درء اللوم والضَّيم عن صوم يوم الغَيم»، لابن الجوزي، اعتمد عليه في مبحث صوم يوم الغيم (٢/ ٥٢ - ٥٦).
- ومن كتب الحديث: نقل عن ابن أيمن الأندلسي في «السنن» (٢/ ٣٩٦). وعن الضياء المقدسي من كتابه «السنن والأحكام» (٢/ ٣٢٧). وعن عبد الحق في «أحكامه» (٢/ ٩٧، ٣٩٢)، وابن القطان الفاسي في «بيان الوهم والإيهام» (٢/ ٩٧، ٣٣٥). ومن شروح الحديث: عن القاضي عياض في «شرح مسلم» (٢/ ٣٦٣). ومن كتب العلل والرجال: عن الترمذي في «العلل الكبير» (٢/ ٤٥٧، ٤٥٨). و «الضعفاء» للذهبي (٢/ ١٦٣)، و «الفائق» للزمخشري (٢/ ٣٩٣).
- ومن كتب الفقه: عن «جامع» سفيان الثوري (٢/ ٣٧٦)، و «مختصر الخرقي» (٢/ ٣٣٠). وكتاب الخلال (٢/ ٣٩٤)، و «الأذكار» للنووي (٢/ ٥١٦). و «الكتاب الكبير» للشافعي (٢/ ٤٩٤)، و «المفيد» لتاج الدين الكردري (٢/ ٢٩٥)، و «جوامع الفقه» لأبي يوسف (٢/ ٢٩٥).
- وساق فصلًا مختصرًا من كلام ابن تيمية في أن النبي ﷺ حجَّ قارنًا: (٢/ ١٤٤ - ١٤٩).
* مصادر المجلد الثالث، وهو الخاص بالسير والمغازي:
كان اعتماد المؤلف في نقل أخبار المغازي على الكتب الآتية:
١ - «دلائل النبوة» للبيهقي، فقد اعتمد عليه المؤلف كثيرًا في الجزء كلِّه، ونقل بواسطته عن مغازي موسى بن عقبة، ومغازي أبي الأسود عن عروة،
_________
(١) ينظر فهرس الكتب والأعلام لهذا المجلد.
стр. 39
ومغازي ابن إسحاق من رواية يونس بن بكير عنه. ولذا نجد أن ما نقله المؤلف من مغازي ابن إسحاق يختلف أحيانًا في لفظه عمَّا في «سيرة ابن هشام»، وذلك أن ابن هشام ينقلها من طريق زياد البكائي عنه، بينما المؤلف اعتمد فيها على رواية يونس بن بكير عنه التي يُسندها البيهقي. انظر على سبيل المثال (٣/ ٣٣٢، ٤٥٣). وهنا يخطئ أصحاب طبعة الرسالة فيستبدلون لفظ ابن هشام بما أثبته المؤلف، ظنًّا منهم أنه وهم من المؤلف أو خطأ، انظر: (٣/ ٣٨٤، ٧٦٠).
ونقل منه المؤلف أيضًا بعض الأخبار من مغازي الواقدي التي أسندها البيهقي عنه. انظر: (٣/ ٣٣٠، ٣٣٤، ٣٨٣) على سبيل المثال. وفي موضعٍ (٣/ ٧٥٦) نقل من مغازي المعتمر بن سليمان بواسطته.
بل، وينقل المؤلف أحاديث «الصحيحين» وغيرهما من «دلائل النبوة» باللفظ الذي رواها به البيهقي، ويعزوها إلى تلك الكتب لا إلى البيهقي. انظر على سبيل المثال: (٣/ ٣٣٩، ٣٥٣، ٣٧٩، ٣٨٠، ٤٤٨ - ٤٤٩). وهنا أيضًا يخطئ أصحاب طبعة الرسالة فيستبدلون بها ألفاظ الصحيحين ظنًّا منهم أن المؤلف أوردها من حفظه فوهم. انظر: (٣/ ٤٢٧، ٦٧٥، ٧٧١).
والمؤلف لم يُسمِّ كتاب «الدلائل» عند نقل المغازي منه إلا في موضعين (٣/ ٦٨٠، ٧٥٩)، والغالب أن يعزوها إلى أصحاب المغازي مباشرة كأن يقول: «قال ابن إسحاق» وقال: «موسى بن عقبة» وهكذا. وأحيانًا يقول: «قال البيهقي» إذا كان نقل عنه كلامًا في الحكم على الرواية أو نحوه.
٢ - «جوامع السيرة» لابن حزم، نقل منه في مواضع يسيرة في النصف الأول من الجزء دون أن يسميه (٣/ ٥٤، ١٩٦، ٢٢٩)، وفي مواضع يقول:
стр. 40
«قال ابن حزم» دون أن يصرِّح باسم الكتاب (٣/ ٢٩٠، ٣١١، ٤٠٨). وقد يعرِّض بذكره ولا يسميه (٣/ ١٥٤).
٣ - «السيرة النبوية» للدمياطي، استقى منه المؤلف في مواضع في الثلث الأول من هذا الجزء. وسمَّاه في ستة مواضع بـ «عبد المؤمن بن خلف الحافظ» (انظر فهرس الأعلام). ونقل منه في مواضع دون التصريح بذكره (٣/ ٢٨، ٣١، ٦١، ٦٥، ١٩٠ - ١٩٥، وغيرها). وكثير من النقول عن ابن سعد نقلها المؤلف بواسطة كتاب الدمياطي. وإنما يسمِّيه إذا أراد التعقب عليه أو لينسب إليه ما تفرَّد به مما لم يجده عند غيره. وفي موضع تبعه المؤلف في وهمٍ وقع فيه، حيث قال: «قال الزهري»، والصواب: «قال الواقدي» (٣/ ٢٥).
٤ - «عيون الأثر» لابن سيد الناس، اعتمد عليه المؤلف كثيرًا في النصف الثاني من هذا الجزء، وقد سمَّاه في أوائل ما بدأ يستقي منه فقال في (٣/ ٤٧١): «أنبأنا به الحافظ أبو الفتح محمد بن سيِّد الناس في كتاب (عيون الأثر) له». ثم إلى آخر الجزء أكثر من النقل عنه، من أخبار الغزوات والسرايا والوفود وكتابات النبي ﷺ ؛ وفي تضاعيف ذلك مرويات ابن إسحاق وابن سعد، وثلاثة مواضع من مغازي ابن عائذ، كلها نقلها بواسطته. اللهم إلا في موضعٍ واحد (٣/ ٧٣٢) حيث نقل خبرًا يوافق سياق ابن سعد، ولكنه ليس عند ابن سيد الناس بنفس السياق؛ فيحتمل أن يكون نقله من «الطبقات» مباشرة، أو بواسطة مصدر آخر لم نهتدِ إليه.
وفي موضع (٣/ ٨٢٤) نقل من كتاب «الاكتفاء» لأبي الربيع بن سالم الكلاعي (ت ٦٣٤)، وهو أيضًا بواسطة كتاب ابن سيد الناس، كما يظهر بالمقارنة والمقابلة.
следующие страницы →