← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

واعتمد على خبرهما، ولم يكلِّفهما لفظ الشَّهادة. فإن كان ذلك إخبارًا فقد اكتفى في رمضان بخبر الواحد، وإن كان شهادةً فلم يكلِّف الشَّاهد لفظَ الشَّهادة. فإن لم تكن رؤيةٌ ولا شهادةٌ أكمل عدَّة شعبان ثلاثين يومًا. وكان إذا حالَ ليلةَ الثَّلاثين دون منظره غيمٌ أو سحابٌ أكمل شعبان (١) ثلاثين يومًا ثمَّ صام. ولم يكن يصوم يوم الإغمام ولا أمر به، بل أمر بأن يكمل عدَّة شعبان ثلاثين إذا غُمَّ، وكان يفعل كذلك. فهذا فعله وأمره، ولا يناقض هذا قولَه: «فإن غُمَّ عليكم فاقدِروا له» (٢)، فإنَّ القدْر هو الحساب المقدَّر، والمراد به الإكمال كما قال: «فأكمِلوا العدَّة» (٣)، والمراد بالإكمال إكمال (٤) عدَّة الشَّهر الذي غُمَّ، كما قال في الحديث الصَّحيح الذي رواه البخاريُّ (٥): «فأكمِلوا عدَّة شعبان». وقال: «لا تصوموا حتَّى تَرَوه، ولا تفطروا حتَّى تروه، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدَّة» (٦). فالذي أمر (٧) بإكمال

стр. 877

عدَّته هو الشَّهر الذي يغمُّ، وهو عند صيامه وعند الفطر منه. وأصرح من هذا قوله: «الشَّهر تسعٌ وعشرون، فلا تصوموا حتَّى تروه، فإن غمَّ عليكم فأكملوا العدَّة» (١). وهذا راجعٌ إلى أوَّل الشَّهر بلفظه وإلى آخره بمعناه، فلا يجوز إلغاء ما دلَّ عليه لفظه، واعتبارُ ما دلَّ عليه من جهة المعنى. وقال: «الشَّهر ثلاثون، والشَّهر تسع وعشرون، فإن غُمَّ عليكم فعدُّوا ثلاثين» (٢). وقال: «لا تصوموا قبل رمضان، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن حالت دونه غَيايةٌ (٣) فأكمِلوا ثلاثين» (٤). وقال: «لا تَقدَّموا الشَّهر حتَّى تروا الهلال أو تُكمِلوا العدَّة، ثمَّ صوموا (٥) حتَّى تروا الهلال أو تكملوا العدَّة» (٦).

стр. 878

وقالت عائشة: «كان رسول الله ﷺ يتحفَّظ من هلال شعبان ما لا يتحفَّظ من غيره، ثمَّ يصوم لرؤيته، فإن غُمَّ عليه عدَّ شعبان ثلاثين يومًا، ثمَّ صام» (١). صحَّحه الدَّارقطنيُّ وابن حبَّان. وقال: «صوموا لرؤيته وأفطِروا لرؤيته، فإن غُمَّ عليكم فاقدِروا ثلاثين» (٢). وقال: «لا تصوموا حتَّى تروه، ولا تُفطِروا حتَّى تروه (٣)، فإن أُغمِيَ (٤) عليكم فاقدُروا له» (٥). وقال: «لا تَقدَّموا رمضان» (٦). وفي لفظٍ: «لا تَقدَّموا بين يدي رمضان بيومٍ أو يومين، إلا رجلٌ (٧) كان يصوم صيامًا فليصُمْه» (٨).

стр. 879

والدَّليل على أنَّ يوم الإغمام داخلٌ في هذا النَّهي حديثُ ابن عبَّاسٍ يرفعه: «لا تصوموا قبلَ رمضان، صُوموا لرؤيته وأفطِروا لرؤيته، فإن حالتْ دونه غَيايةٌ فأكملوا ثلاثين». ذكره ابن حبَّان في «صحيحه» (١). فهذا صريحٌ في أنَّ صوم يوم الإغمام من غير رؤيةٍ ولا إكمالِ ثلاثين صومٌ قبل رمضان. وقال: «لا تَقدَّموا الشَّهر إلا أن تروا الهلالَ أو تُكمِلوا العدَّة، ولا تُفطِروا حتَّى تَروا الهلال أو تُكمِلوا العدَّة» (٢). وقال: «صوموا لرؤيته وأفطِروا لرؤيته، فإن حال بينكم وبينه سحابٌ فكمِّلوا العدَّة ثلاثين، ولا تستقبلوا الشَّهر استقبالًا» (٣). قال الترمذي (٤): حديثٌ صحيحٌ (٥). وفي النَّسائيِّ (٦): من حديث [أبي] يونس، عن سِماك، عن عكرمة، عن ابن عبَّاسٍ يرفعه: «صوموا لرؤيته وأفطِروا لرؤيته (٧)، فإن حالَ (٨) بينكم وبينه

стр. 880

سحابٌ فأكمِلوا العدَّة عدَّة شعبان». وقال سِماك عن عكرمة عن ابن عبَّاسٍ: تَمارى النَّاسُ في رؤية هلال رمضان، فقال بعضهم: اليوم، وقال بعضهم: غدًا، فجاء أعرابيٌّ إلى النَّبيِّ ﷺ فذكر أنَّه رآه، فقال النَّبيُّ ﷺ : «تشهدُ أن لا إله إلا الله وأنَّ محمَّدًا رسول اللَّه؟»، قال: نعم. فأمر النَّبيُّ ﷺ بلالًا فنادى في النَّاس: صوموا. ثمَّ قال: «صوموا لرؤيته وأفطِروا لرؤيته، فإن غُمَّ عليكم فقدِّروا (١) ثلاثين يومًا ثمَّ صوموا، ولا تصوموا قبله يومًا» (٢). وكلُّ هذه الأحاديث صحيحةٌ، فبعضها في «الصَّحيحين»، وبعضها في «صحيح ابن حبَّان» والحاكم وغيرهما، وإن كان قد أُعِلَّ بعضها بما لا يقدح في صحَّة الاستدلال بمجموعها، وتفسيرِ بعضها ببعض، واعتبارِ بعضها ببعضٍ، وكلُّها يصدِّق بعضها بعضًا، والمراد منها متَّفقٌ. فإن قيل (٣): فإذا كان هذا هديه ﷺ فكيف خالفه عمر بن الخطَّاب، وعليُّ بن أبي طالبٍ، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالكٍ، وأبو هريرة، ومعاوية، وعمرو بن العاص، والحكم بن أيوب (٤) الغِفاري، وعائشة

стр. 881

وأسماء ابنتا أبي بكر (١)؟ وخالفه سالم بن عبد اللَّه، ومجاهد، وطاوس، وأبو عثمان النَّهديُّ، ومُطرِّف بن الشِّخِّير، وميمون بن مِهْران، وبكر بن عبد الله المزنيُّ (٢)؟ وكيف خالفه إمام أهل الحديث والسُّنة أحمد بن حنبل (٣)؟ ونحن نُوجِدكم أقوال هؤلاء مسندةً. فأمَّا عمر، فقال الوليد بن مسلمٍ: أخبرني ابن (٤) ثوبان، عن أبيه، عن مكحول أنَّ عمر بن الخطَّاب كان يصوم إذا كانت السَّماء في تلك اللَّيلة مغيَّمةً، ويقول: ليس هذا بالتَّقدُّم، ولكنَّه التَّحرِّي (٥). وأمَّا الرِّواية عن علي، فقال الشَّافعيُّ (٦): أخبرنا عبد العزيز بن محمَّدٍ الدَّراورديُّ، عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن أمِّه فاطمة بنت حسين أنَّ عليَّ بن أبي طالبٍ قال: «أصومُ يومًا من شعبان أحبُّ إليَّ من (٧)

стр. 882

أن أفطر يومًا من رمضان». وأمَّا الرِّواية عن ابن عمر، ففي كتاب عبد الرزاق (١): أخبرنا معمر، عن أيوب، عن ابن عمر قال: «كان (٢) إذا كان سحابٌ أصبح صائمًا، وإذا لم يكن سحابٌ أصبح مفطرًا». وفي «الصَّحيحين» (٣) عنه عن النَّبي ﷺ : «إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطِروا، فإن غُمَّ عليكم فاقدِروا له». زاد الإمام أحمد (٤) بإسنادٍ صحيحٍ عن نافع قال: كان عبد الله إذا مضى من شعبان تسعةٌ وعشرون يومًا يبعثُ من ينظر، فإن رأى فذاك، وإن لم يرَ ولم يَحُلْ دون منظره سحابٌ ولا قَتَرٌ أصبح مفطرًا، وإن حال دون منظره سحابٌ أو قترٌ أصبح صائمًا. وأمَّا الرِّواية عن أنس، فقال أحمد: ثنا (٥) إسماعيل بن إبراهيم، ثنا يحيى بن أبي إسحاق قال: رأيتُ الهلال إمَّا الظُّهرَ وإمَّا قريبًا منه، فأفطر ناسٌ من النَّاس، فأتينا أنس بن مالكٍ فأخبرناه برؤية الهلال وبإفطارِ من أفطر، فقال: هذا اليوم يكمل لي أحدٌ وثلاثون يومًا، وذلك أنّ الحكم بن أيوب

стр. 883

أرسل إليَّ قبل صيام النَّاس: إنِّي صائمٌ غدًا، فكرهتُ الخلافَ عليه فصمتُ، وأنا مُتِمٌّ يومي هذا إلى اللَّيل (١). وأمَّا الرِّواية عن معاوية، فقال أحمد: ثنا المغيرة، ثنا سعيد بن عبد العزيز قال: حدَّثني مكحول وابن حَلْبَس (٢) أنَّ معاوية بن أبي سفيان كان يقول: لأن أصوم يومًا من شعبان أحبُّ إليَّ من (٣) أن أُفطِر يومًا من رمضان (٤). وأمَّا الرِّواية عن عمرو بن العاص, فقال أحمد (٥): ثنا زيد بن الحُباب، قال: أخبرني ابن لَهِيعة، عن عبد الله بن هُبَيرة، عن عمرو بن العاص أنَّه كان يصوم اليوم الذي يشكُّ فيه من (٦) رمضان. وأمَّا الرِّواية عن أبي هريرة, فقال أحمد (٧): ثنا عبد الرَّحمن بن مهديٍّ، ثنا معاوية بن صالح، عن أبي مريم (٨)، قال: سمعتُ أبا هريرة يقول: لأن

стр. 884

أتعجَّل في صوم رمضان بيومٍ أحبُّ إليَّ من أن أتأخَّر، لأنِّي إذا تعجَّلتُ لم يفُتْني، وإذا تأخَّرتُ فاتَني (١). وأمَّا الرِّواية عن عائشة، فقال سعيد بن منصورٍ (٢): ثنا أبو عوانة، عن يزيد بن خُمَير، عن الرَّسول الذي أتى عائشة في اليوم الذي يشكُّ فيه من رمضان قال: قالت عائشة: لأن أصوم يومًا من شعبان أحبُّ إليَّ من أن أُفطر يومًا من رمضان. وأمَّا الرِّواية عن أسماء بنت أبي بكر، فقال سعيد أيضًا (٣): ثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر قالت: ما غُمَّ هلال رمضان إلا كانت أسماء تتقدَّمه (٤) بيوم وتأمر بتقدُّمه. وقال أحمد (٥): ثنا رَوْح بن عُبادة (٦)، عن حمَّاد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن فاطمة، عن أسماء أنَّها كانت تصوم اليوم الذي يشكُّ فيه من رمضان. وكلُّ ما ذكرناه عن أحمد فمن مسائل الفضل بن زياد عنه (٧). وقد قال في رواية الأثرم: إذا كان في السَّماء سحابةٌ أو علَّةٌ أصبح صائمًا، وإن لم يكن

стр. 885

في السَّماء علَّةٌ أصبح مفطرًا. وكذلك نقل عنه ابناه صالح وعبد الله، والمرُّوذي (١)، والفضل بن زياد، وغيرهم (٢). فالجواب (٣) من وجوهٍ: أحدها: أن يقال: ليس فيما ذكرتم عن الصَّحابة أثرٌ صريحٌ (٤) في وجوب صومه حتَّى يكون فعلهم مخالفًا لهدي رسول الله ﷺ (٥)، وإنَّما غاية المنقول عنهم صومه احتياطًا، وقد صرَّح أنس بأنَّه إنَّما صامه كراهةً للخلاف على الأمراء، ولهذا قال أحمد في روايةٍ: النَّاس تبعٌ للإمام في صومه وإفطاره (٦). والنُّصوص الَّتي حكيناها عن رسول الله ﷺ من فعله وقوله آنفًا (٧) تدلُّ على أنَّه لا يجب صوم يوم الإغمام، ولا تدلُّ على تحريمه، فمن أفطره فقد أخذ بالجواز، ومن صامه أخذ بالاحتياط. الثَّاني: أنَّ الصَّحابة قد كان بعضهم يصومه كما حكيتم، وكان بعضهم لا يصومه، وأصحُّ وأصرح من رُوي عنه صومه عبد الله بن عمر، قال ابن عبد البرِّ (٨): وإلى قوله ذهب طاوس اليماني (٩) وأحمد بن حنبلٍ، وروي مثل

стр. 886

ذلك عن عائشة وأسماء ابنتي أبي بكر، ولا أعلم أحدًا ذهب مذهب ابن عمر غيرهم (١). قال (٢): وممَّن روي عنه كراهة صوم (٣) يوم الشَّكِّ عمر بن الخطَّاب، وعليُّ بن أبي طالبٍ، وابن مسعودٍ، وحذيفة، وابن عبَّاسٍ، وأبو هريرة، وأنس بن مالكٍ (٤). قلت: المنقول عن عمر وعلي وعمّار وحذيفة وابن مسعودٍ المنعُ من صيام آخر يومٍ من شعبان تطوُّعًا، وهذا الذي قال فيه عمّار: «من صام اليوم الذي يشكُّ فيه فقد عصى أبا القاسم» (٥). فأمَّا صوم يوم الغيم احتياطًا على أنَّه إن كان من رمضان فهو فريضة (٦) وإلَّا فتطوُّعٌ= فالمنقول عن الصَّحابة يقتضي جوازه، وهو الذي كان يفعله ابن عمر وعائشة. هذا مع رواية عائشة

стр. 887

أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا غُمَّ هلال شعبان عدَّ ثلاثين يومًا ثمَّ صام (١). وقد رُدَّ حديثها هذا بأنَّه لو كان صحيحًا لما خالفته، وجعل صيامها علَّةً في الحديث، وليس الأمر كذلك، فإنَّها لم توجب صيامه، وإنَّما صامتْه احتياطًا، وفهمتْ من فعل النَّبيِّ ﷺ وأمره أنَّ الصِّيام لا يجب حتَّى تكمل العدَّة، ولم تفهم هي ولا ابن عمر أنَّه لا يجوز. وهذا أعدل الأقوال في المسألة، وبه تجتمع الأحاديث والآثار، ويدلُّ عليه ما رواه معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لهلال رمضان: «إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غُمَّ عليكم فاقدِروا له ثلاثين يومًا (٢)». ورواه ابن أبي روَّادٍ عن نافع عنه: «فإن غمَّ عليكم فأكملوا العدَّة ثلاثين». وقال مالك وعبيد الله عن نافع عنه: «فاقدِروا له» (٣). فدلَّ على أنَّ ابن عمر لم يفهم من الحديث وجوب إكمال ثلاثين، بل جوازه، وأنه إذا صام يوم الثَّلاثين فقد أخذ بأحد الجائزين احتياطًا. ويدلُّ على ذلك أنَّه ﵁ لو فهم من قوله ﷺ : «اقدِروا له تسعًا وعشرين ثمَّ صوموا» كما يقوله الموجبون لصومه، لكان يأمر بذلك أهله وغيرهم، ولم يكن ليقتصر على صومه في خاصَّة نفسه، ولا يأمر به ولا يبيّن (٤) أنَّ ذلك هو الواجب على النَّاس.

стр. 888

وكان ابن عبَّاسٍ لا يصومه، ويحتجُّ بقوله ﷺ : «لا تصوموا حتَّى تروا الهلال، ولا تُفطِروا حتَّى تروه، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدَّة ثلاثين». وذكر مالك في «موطَّئه» (١) هذا عنه بعد أن ذكر حديث ابن عمر، كأنَّه جعله مفسِّرًا لحديث ابن عمر وقوله: «فاقدروا له». وكان ابن عبَّاسٍ يقول: عجبتُ ممَّن يتقدَّم الشَّهر بيوم أو يومين، وقد قال رسول الله ﷺ : «لا تقدَّموا رمضان بيومٍ ولا يومين» (٢). كأنَّه ينكر على ابن عمر. وكذلك كان هذان الصَّاحبان الإمامان، أحدهما يميل إلى التَّشديد والآخر يميل إلى التَّرخيص، وذلك في غير مسألةٍ. وعبد الله بن عمر كان يأخذ من التَّشديدات بأشياء لا يوافقه عليها الصَّحابة، فكان يغسل داخلَ عينيه في الوضوء حتَّى عَمِي من ذلك (٣)، وكان إذا مسح رأسه أفرد أذنيه بماءٍ جديدٍ (٤)، وكان يمتنع من دخول الحمَّام (٥)، وكان إذا دخله اغتسل منه (٦)،

стр. 889

وابن عبَّاسٍ كان يدخل الحمَّام (١). وكان (٢) يتيمَّم بضربتين، ضربةٍ للوجه وضربةٍ ليديه إلى المرفقين، ولا يقتصر على ضربةٍ واحدةٍ ولا على الكفَّين (٣)، وكان ابن عبَّاسٍ (٤) يخالفه ويقول: التَّيمُّم ضربةٌ (٥) للوجه والكفَّين (٦). وكان ابن عمر يتوضَّأ من قُبلة امرأته ويفتي بذلك (٧)، وكان إذا قبَّل ولده تمضمض ثمَّ صلَّى (٨)، وكان ابن عبَّاسٍ يقول: ما أبالي قبَّلتُها أو شَمِمْتُ ريحانًا (٩). وكان يأمر مَن ذَكر أنَّ عليه صلاةً وهو في أخرى أن يُتِمَّها، ثمَّ يصلِّي الصَّلاة الَّتي ذكرها، ثمَّ يعيد الصَّلاة الَّتي كان فيها (١٠)، وروى أبو يعلى الموصلي في ذلك حديثًا مرفوعًا في «مسنده» (١١)، والصَّواب أنَّه موقوفٌ

стр. 890

على ابن عمر. قال البيهقي (١): وقد روي عن ابن عمر مرفوعًا ولا يصحُّ، قال: وقد روي عن ابن عبَّاسٍ مرفوعًا ولا يصحُّ (٢). والمقصود أنَّ عبد الله بن عمر كان يسلك طريق التَّشديد والاحتياط. وقد روى معمر عن أيوب عن نافع عنه أنَّه كان إذا أدرك مع الإمام ركعةً أضاف إليها أخرى، فإذا فرغ من صلاته سجد سجدتي السَّهو، قال الزُّهريُّ: ولا أعلم أحدًا فعله غيره (٣). قلت: وكأنَّ هذا السُّجود لِمَا حصل له من الجلوس عقيب الرَّكعة، وإنَّما محلُّه عقيب الشَّفع. ويدلُّ على أنَّ الصَّحابة لم يصوموا هذا اليوم على سبيل الوجوب أنَّهم قالوا: لأن نصوم يومًا من شعبان أحبُّ إلينا من أن نفطر يومًا من رمضان، ولو كان هذا اليوم من رمضان حتمًا عندهم لقالوا: هذا يومٌ من رمضان فلا يجوز لنا فطره. والله أعلم.

стр. 891

ويدلُّ على أنَّهم إنَّما صاموه استحبابًا وتحرِّيًا ما روي عنهم من فطره بيانًا للجواز، فهذا ابن عمر قد قال حنبل في «مسائله» (١): حدَّثنا أحمد بن حنبلٍ، حدَّثنا وكيعٌ، عن سفيان، عن عبد العزيز بن حكيم الحضرمي قال: سمعت ابن عمر يقول: لو صمتُ السَّنة كلَّها لأفطرتُ اليوم الذي يُشَكُّ فيه (٢). قال حنبل: وحدَّثنا أحمد بن حنبلٍ، ثنا عَبِيدة بن حُميدٍ قال: أخبرني عبد العزيز بن حكيم قال: سألوا ابن عمر، قالوا: نسبق قبل رمضان حتَّى لا يفوتنا منه شيءٌ؟ فقال: أفٍّ أفٍّ، صوموا مع الجماعة (٣). وقد صحَّ عن عمر (٤) أنَّه قال: «لا يتقدَّمنَّ الشَّهرَ منكم أحدٌ». وصحَّ عنه (٥) أنَّه قال: «صوموا لرؤية الهلال (٦)، وأفطروا لرؤيته، فإن غُمَّ عليكم فعدُّوا ثلاثين يومًا» (٧). وكذلك قال عليُّ بن أبي طالبٍ: «إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غُمَّ عليكم فأكمِلوا العدَّة» (٨).

стр. 892

وقال ابن مسعودٍ: «فإن غُمَّ عليكم فعدُّوا ثلاثين» (١). فهذه الآثار إن قُدِّر أنَّها معارضةٌ لتلك الآثار الَّتي رُوِيت (٢) عنهم في الصَّوم فهذه أولى لموافقتها النُّصوصَ المرفوعة لفظًا ومعنًى، وإن قُدِّر أنَّها لا تعارضَ بينها فهاهنا طريقان في (٣) الجمع: أحدهما: حملها على غير صورة الإغمام أو على الإغمام في آخر الشَّهر، كما فعله الموجبون للصيام. والثاني: حمل آثار الصَّوم عنهم على التَّحرِّي والاحتياط استحبابًا لا وجوبًا، وهذه الآثار صريحةٌ في نفي الوجوب. وهذه الطريق أقرب إلى موافقة النُّصوص وقواعد الشَّرع، وفيها السَّلامة من التَّفريق بين يومين متساويين في الشَّكِّ، فيجعل أحدهما يوم شكٍّ، والثَّاني يوم يقينٍ، مع حصول الشَّكِّ فيه قطعًا، وتكليفِ (٤) العبد اعتقادَ كونه من رمضان قطعًا، مع شكِّه هل هو منه أم لا؟ ولا (٥) تكليفَ بما لا يُطاق، وتفريقَ بين متماثلينِ. فصل وكان من هديه أمرُ النَّاس بالصَّوم بشهادة الرَّجل الواحد المسلم، وخروجهم منه بشهادة اثنين.

стр. 893

وكان من هديه إذا شهد الشَّاهدان برؤية الهلال بعد خروج وقت العيد أن يفطر ويأمرهم بالفطر، ويُصلِّي العيد من الغد في وقتها (١). وكان يعجِّل الفطر ويحضُّ عليه (٢)، ويتسحَّر ويحثُّ على السُّحور (٣)، ويؤخِّره (٤) ويرغِّب في تأخيره (٥). وكان يحضُّ على الفطر على التمر، فإن لم يجد فعلى الماء، وهذا من كمال شفقته على أمَّته ونصحهم، فإنَّ إعطاء الطَّبيعة الشَّيءَ الحلوَ مع خلوِّ المعدة أدعى إلى قبوله وانتفاع القوى به، ولا سيَّما القوَّة الباصرة، فإنَّها تقوى به (٦)، وحلاوة المدينة التَّمر، ومَرباهم عليه، وهو عندهم قُوتٌ وأُدْمٌ، ورُطَبه فاكهةٌ. وأمَّا الماء فإنَّ الكبد يحصل لها بالصَّوم نوعُ يبسٍ، فإذا رُطِّبت بالماء

стр. 894

كمل انتفاعها بالغذاء بعده. ولهذا كان الأولى بالظَّمآن الجائع أن يبدأ قبل الأكل بشرب قليلٍ من الماء، ثمَّ يأكل بعده. هذا إلى ما (١) في التَّمر والماء من الخاصيَّة الَّتي لها تأثيرٌ في صلاح القلب لا يعلمها إلا أطبَّاء القلوب. فصل وكان يفطر قبل أن يصلِّي، وكان فطره على رُطَباتٍ إن وجدها، فإن لم يجد فعلى تمراتٍ، فإن لم يجد فعلى حَسَواتٍ من ماءٍ (٢). ويُذكر عنه ﷺ أنَّه كان يقول عند فطره: «اللَّهمَّ لك صمنا، وعلى رزقك أفطرنا، فتقبَّل منَّا، إنَّك أنت السَّميع العليم» (٣). ولا يثبت. وروي عنه أنَّه كان يقول: «اللَّهمَّ لك صمتُ، وعلى رزقك أفطرتُ». ذكره أبو داود (٤) عن معاذ بن زهرة أنَّه بلغه أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يقول ذلك.

стр. 895

ورُوي عنه أنَّه كان يقول إذا أفطر: «ذهبَ الظَّمأُ، وابتلَّتِ العروقُ، وثبتَ الأجر إن شاء الله». ذكره أبو داود (١) من حديث الحسين بن واقدٍ، عن مروان بن سالم المقفَّع، عن ابن عمر. ويُذكر عنه: «إنَّ للصَّائم عند فطْرِه دعوةً ما تُردُّ». رواه ابن ماجه (٢). وصحَّ عنه: «إذا أقبل اللَّيلُ من هاهنا، وأدبر النَّهار من هاهنا، فقد أفطر الصَّائم» (٣). وفُسِّر بأنَّه قد أفطر حكمًا وإن لم يَنْوِ، وبأنَّه قد دخل وقت فطرِه كأصبح وأمسى.

стр. 896

ونهى الصَّائم عن الرَّفَث والصَّخَب والسِّباب وجواب السِّباب، وأمره أن يقول لمن سابَّه: «إنِّي صائمٌ» (١). فقيل: يقوله بلسانه وهو أظهر، وقيل: بقلبه تذكيرًا لنفسه بالصَّوم، وقيل: يقوله في الفرض بلسانه، وفي التَّطوِّع في نفسه، لأنَّه أبعد عن الرِّياء. فصل وسافر في رمضان، فصام وأفطر (٢)، وخيَّر أصحابَه بين الأمرين (٣). وكان يأمرهم بالفطر إذا دَنَوا من عدوِّهم، ليتقوَّوا على لقائه (٤). فلو اتَّفق مثل هذا في الحضر وكان في الفطر قوَّةٌ لهم على لقاء عدوِّهم فهل لهم الفطر؟ فيه قولان، أصحُّهما دليلًا: أنَّ لهم ذلك، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٥)، وبه أفتى العساكرَ الإسلاميَّة لمَّا لَقُوا العدوَّ بظاهر دمشق (٦). ولا ريبَ أنَّ الفطر بذلك أولى من الفطر بمجرَّد السَّفر، بل إباحة الفطر للمسافر تنبيهٌ على إباحته في هذه الحال، وأنها أحقُّ بجوازه، لأنَّ القوَّة هناك تختصُّ بالمسافر، والقوَّة هنا له وللمسلمين، ولأنَّ مشقَّة الجهاد أعظم

стр. 897

من مشقَّة السَّفر، ولأنَّ المصلحة الحاصلة بالفطر للمجاهد أعظم من المصلحة بفطر المسافر، ولأنَّ الله تعالى قال: ﴿يُعْجِزُونَ (٥٩) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]. والفطر عند اللِّقاء من أعظم أسباب القوَّة، والنَّبيُّ ﷺ فسَّر القوَّة بالرَّمي (١)، وهو لا يتمُّ ولا يحصل به مقصوده إلا بما يقوِّي ويُعِين عليه من الفطر والغذاء. ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ قال للصَّحابة لمَّا دَنَوا من عدوِّهم: «إنَّكم قد دنوتم من عدوِّكم، والفطر أقوى لكم»، وكانت رخصةً، ثمَّ نزلوا منزلًا آخر فقال: «إنَّكم مُصبِّحو عدوِّكم، والفطر أقوى لكم فأفطِروا» وكانت عزيمةً (٢). فعلَّل بدنوِّهم من عدوِّهم واحتياجهم إلى القوَّة الَّتي يَلقَون بها العدوَّ. وهذا سببٌ آخر غير السَّفر، والسَّفر مستقلٌّ بنفسه، ولم يذكره في تعليله ولا أشار إليه، فالتَّعليل به اعتبارٌ لما ألغاه الشَّارع في هذا الفطر الخاصِّ، وإلغاء وصف القوَّة الَّتي يقاوم بها العدوُّ، واعتبار السَّفر المجرَّد إلغاءٌ لما اعتبره الشَّارع وعلَّل به. وبالجملة فتنبيه الشَّارع وحكمته يقتضي أنَّ الفطر لأجل الجهاد أولى منه لمجرَّد السَّفر، فكيف وقد أشار إلى العلَّة ونبَّه عليها وصرَّح بحكمها، وعزم عليهم بأن يفطروا لأجلها. ويدلُّ عليه ما رواه عيسى بن يونس، عن شعبة، عن عمرو بن دينارٍ، قال: سمعت ابن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ لأصحابه يوم فتح مكَّة: «إنَّه يوم قتالٍ فأفْطِروا» تابعه سعيد بن الرَّبيع، عن شعبة (٣). فعلَّل بالقتال ورتَّب عليه الأمر بالفطر بحرف الفاء، وكلُّ أحدٍ يفهم

стр. 898

من هذا اللَّفظ أنَّ الفطر لأجل القتال. وأمَّا إذا تجرَّد السَّفر عن الجهاد فكان ﷺ يقول في الفطر: «إنه رخصةٌ من اللَّه، فمن أخذ بها فحسنٌ، ومن أحبَّ أن يصوم فلا جُناحَ عليه» (١). فصل وسافر رسول الله ﷺ في رمضان في أعظم الغزوات وأجلِّها في غزاة بدرٍ وفي غزاة الفتح. قال عمر بن الخطَّاب: «غزونا مع رسول الله ﷺ في رمضان غزوتين: يوم بدرٍ والفتح، فأفطرنا فيهما» (٢). وأمَّا ما رواه الدَّارقطني وغيره (٣) عن عائشة قالت: «خرجتُ مع رسول الله ﷺ في عمرةٍ في رمضان ... » الحديث= فغلطٌ (٤) إمَّا عليها وهو الأظهر، أو منها وأصابها فيه (٥) ما أصاب ابنَ عمر في قوله: اعتمر رسول الله ﷺ في رجبٍ، فقالت: «يرحم الله أبا عبد الرحمن، ما اعتمر رسول الله ﷺ إلا وهو

стр. 899

معه، وما اعتمر في رجبٍ قطُّ» (١). وكذلك أيضًا عُمَرُه كلُّها في ذي القعدة، وما اعتمر في رمضان قطُّ (٢). فصل ولم يكن من هديه تقديرُ المسافة الَّتي يفطر فيها الصَّائم بحدٍّ، ولا صحَّ عنه في ذلك شيءٌ. وقد أفطر دِحية بن خليفة الكلبيُّ في سفر ثلاثة أميالٍ، فأفطرَ وقال لمن صام: «قد رَغِبوا عن هدي رسول الله ﷺ » (٣). وكان الصَّحابة حين يُنشِئون السَّفر يفطرون من غير اعتبار مجاوزة البيوت، ويخبرون أنَّ ذلك سنَّته وهديه ﷺ ، كما قال عبيد بن جَبْر (٤): ركبتُ مع أبي بَصْرة الغِفاري صاحب رسول الله ﷺ في سفينةٍ من الفُسطاط في رمضان، فلم يجاوز البيوت حتَّى دعا بالسُّفرة. قال: «اقترِبْ». قلت: ألستَ ترى البيوت؟ قال أبو بصرة: «أترغب عن سنَّة رسول الله ﷺ ؟». رواه أبو داود وأحمد (٥).

стр. 900

ولفظ أحمد (١): «ركبتُ مع أبي بصرة من الفُسطاط إلى الإسكندرية في سفينةٍ، فلمَّا دفعنا (٢) من مرساها أمر بسُفْرته فقُرِّبت، ثمَّ دعاني إلى الغداء، وذلك في رمضان. فقلت: يا أبا بَصْرة، والله ما تغيَّبتْ عنَّا منازلُنا بعد! قال: أترغبُ عن سنَّة رسول الله ﷺ ؟ قلت: لا. قال: فكُلْ. فلم نزَلْ مفطرين حتَّى بلغنا». وقال محمَّد بن كعبٍ: أتيتُ أنس بن مالكٍ في رمضان وهو يريد سفرًا، وقد رُحِّلت له راحلته، ولبس ثياب السَّفر، فدعا بطعامٍ فأكل، فقلتُ له: سنَّةٌ؟ قال: سنَّةٌ، ثمَّ ركب (٣). قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ، وقال الدَّارقطنيُّ فيه: «فأكل وقد تقاربَ غروب الشَّمس». وهذه الآثار صريحةٌ في أنَّ من أنشأ السَّفر في أثناء يومٍ من رمضان فله الفطر فيه. فصل وكان ﷺ يدركُه الفجرُ وهو جنبٌ من أهله، فيغتسل بعد الفجر

стр. 901

ويصوم (١). وكان يُقبِّل بعض أزواجه وهو صائمٌ في رمضان (٢). وشبَّه قُبلة الصَّائم بالمضمضة بالماء (٣). وأمَّا ما رواه أبو داود (٤) عن مِصْدَع بن يحيى عن عائشة أنَّ النَّبيّ ﷺ كان يُقبِّلها وهو صائمٌ، ويَمُصُّ لسانها= فهذا حديث قد اختُلِف فيه، فضعَّفتْه (٥) طائفةٌ بمِصْدَع هذا، وهو مختلفٌ فيه، قال السعدي: زائغٌ جائرٌ عن الطَّريق. وحسَّنته طائفةٌ فقالوا: هو ثقةٌ صدوقٌ، روى له مسلم في «صحيحه» (٦). وفي إسناده محمد بن دينار الطاحي البصري، مختلفٌ فيه أيضًا، فقال يحيى: ضعيفٌ، وفي روايةٍ عنه: ليس به بأسٌ، وقال غيره: صدوقٌ، وقال ابن عديٍّ: قوله: «ويمصُّ لسانها» لا يقوله إلا محمَّد بن دينارٍ،

стр. 902

وهو الذي رواه (١). وفي إسناده أيضًا سعد بن أوس مختلفٌ فيه أيضًا، قال يحيى: بصريٌّ ضعيفٌ، وقال غيره: ثقةٌ، وذكره ابن حبَّان في «الثِّقات» (٢). وأمَّا الحديث الذي رواه الإمام أحمد وابن ماجه (٣) عن ميمونة (٤) مولاة النبي ﷺ قالت: سئل النَّبيُّ ﷺ عن رجلٍ قبَّل امرأته وهما صائمان، فقال: «قد أفطرا (٥)» = فلا يصحُّ عن رسول الله ﷺ ، وفيه أبو يزيد (٦) الضِّني (٧) راويه عن ميمونة، وهي بنت سعد، قال الدَّارقطنيُّ: ليس بمعروف، ولا يثبت هذا. وقال البخاريُّ: هذا لا أحدِّث به، هذا حديثٌ منكرٌ، وأبو يزيد رجلٌ مجهولٌ (٨). ولا يصحُّ عنه ﷺ التَّفريق بين الشَّابِّ والشَّيخ، ولم يجئ من وجهٍ يثبت، وأجود ما فيه حديث أبي داود (٩) عن نصر بن علي، عن أبي أحمد الزُّبيريِّ،

стр. 903

أخبرنا إسرائيل، [عن أبي العَنْبس] (١)، عن الأغرّ، عن أبي هريرة أنَّ رجلًا سأل النَّبيَّ ﷺ عن المباشرة للصَّائم، فرخَّص له، وأتاه آخر فسأله فنهاه، فإذا الذي رخَّص له شيخٌ، والذي نهاه شابٌّ. وإسرائيل وإن كان البخاريُّ ومسلم قد احتجَّا به وبقيَّة الستة، فعلَّة هذا الحديث أنَّ بينه وبين الأغرِّ فيه أبا العَنْبس العَدَوي الكوفي، واسمه الحارث بن عُبيد، سكتوا عنه (٢). فصل وكان من هديه إسقاط القضاء عمَّن أكل أو شرب ناسيًا، وأنَّ الله هو الذي أطعمه وسقاه (٣)، فليس هذا الأكل والشُّرب يضاف إليه فيفطر به، فإنه إنما يفطر بما فعله، وهذا بمنزلة أكله وشربه في نومه، إذ لا تكليفَ بفعل النَّائم ولا النَّاسي. فصل والَّذي صحَّ عنه [أن] يفطر الصائم به (٤): الأكل والشُّرب والحجامة (٥) والقيء (٦)، والقرآن دالٌّ على أنَّ الجماع مفطِّرٌ كالأكل والشُّرب، ولا يعرف

стр. 904

فيه خلافٌ، ولا يصحُّ عنه في الكحل شيءٌ (١). وصحَّ عنه أنَّه كان يستاك وهو صائمٌ (٢). وذكر الإمام أحمد (٣) عنه أنَّه كان يَصُبُّ الماء على رأسه وهو صائمٌ. وكان يتمضمض ويستنشق وهو صائمٌ، ومنع الصَّائم من المبالغة في الاستنشاق (٤). ولا يصحُّ عنه أنَّه احتجم وهو صائمٌ، قاله الإمام أحمد. وقد رواه البخاريُّ في «صحيحه» (٥). قال أحمد (٦): حدَّثنا يحيى بن سعيدٍ (٧) قال: قال

стр. 905

شعبة (١): لم يسمع الحكم حديث مِقْسم في الحجامة والصِّيام، يعني حديث شعبة (٢)، عن الحكم، عن مِقْسم، عن ابن عبَّاسٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ احتجم وهو صائمٌ محرمٌ. قال مهنَّا (٣): وسألت أحمد عن حديث حبيب بن الشَّهيد، عن ميمون بن مهران، عن ابن عبَّاسٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ احتجم وهو صائمٌ محرمٌ (٤). فقال: ليس بصحيحٍ، قد أنكره يحيى بن سعيدٍ على الأنصاري (٥)، إنَّما كانت أحاديث ميمون بن مهران عن ابن عبَّاسٍ نحو خمسة عشر حديثًا. وقال الأثرم (٦): سمعت أبا عبد الله ذكر هذا الحديث فضعَّفه. وقال مهنَّا (٧): سألت أحمد عن حديث قَبِيصة، عن سفيان، عن حماد، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبَّاسٍ: احتجم النبي ﷺ صائمًا محرمًا (٨).

стр. 906

فقال: هو خطأٌ من قبل قَبِيصة، وسألت يحيى عن قبيصة بن عقبة، فقال: رجلُ صدقٍ (١)، والحديث الذي يحدِّث به عن سفيان عن سعيد بن جبيرٍ خطأ من قبله. قال أحمد: هو في كتاب الأشجعي عن سعيد بن جبيرٍ مرسلًا: أنَّ النَّبيَّ ﷺ احتجم وهو محرمٌ، لا يذكر فيه «صائمًا». قال مهنَّا (٢): وسألت أحمد عن حديث ابن عبَّاسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ احتجم وهو صائمٌ محرمٌ، فقال: ليس فيه صائمٌ، إنَّما هو محرمٌ، ذكره سفيان، عن عمرو بن دينارٍ، عن طاوسٍ (٣)، عن ابن عبَّاسٍ: احتجم النبي ﷺ على رأسه وهو محرمٌ (٤). وعبد الرزاق (٥)، عن معمر، عن ابن خُثَيم، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبَّاسٍ: احتجم النَّبيُّ ﷺ وهو محرمٌ. ورَوْح، عن زكريَّا بن إسحاق، عن

стр. 907

عمرو بن دينارٍ، عن عطاء وطاوس، عن ابن عبَّاسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ احتجم وهو محرمٌ (١). وهؤلاء أصحاب ابن عبَّاسٍ لا يذكرون صائمًا. وقال حنبل (٢): حدَّثنا أبو عبد الله، حدَّثنا وكيعٌ، عن ياسين الزيّات، عن رجلٍ، عن أنس بن مالك أنَّ رسول الله ﷺ احتجم في رمضان بعد ما قال: «أفطرَ الحاجم والمحجوم». قال أبو عبد الله: الرَّجل أُراه أبان بن أبي عيّاش (٣)، يعني: ولا يُحتجُّ به (٤). وقال الأثرم (٥): قلت لأبي عبد الله: روى محمد بن معاوية النيسابوري، عن أبي عوانة، عن السُّدِّيِّ، عن أنس أنَّ النَّبيَّ ﷺ احتجم وهو صائمٌ. فأنكر هذا، ثمَّ قال: السُّدِّيُّ عن أنس؟ قلت: نعم، فعجِبَ من هذا. قال أحمد: وفي قوله: «أفطر الحاجم والمحجوم» غير حديث ثابت.

стр. 908

وقال إسحاق: قد ثبت هذا من خمسة أوجهٍ عن النَّبيِّ ﷺ (١). والمقصود أنَّه لم يصحَّ عنه ﷺ أنَّه احتجم وهو صائمٌ، ولا صحَّ عنه نهيُ الصَّائم عن السِّواك أوَّلَ النَّهار ولا آخرَه (٢)، بل قد روي عنه خلافه (٣). ويُذكَر عنه: «من خير خصالِ الصَّائم السِّواكُ»، رواه ابن ماجه (٤) من حديث مجالد، وفيه ضعفٌ. فصل وروي عنه أنَّه اكتحل وهو صائمٌ (٥)، وروي عنه أنَّه خرج عليهم في

стр. 909

رمضان وعيناه مملوءتانِ من الإثمد (١)، ولا يصحُّ، وروي عنه أنَّه قال في الإثمد: «ليتَّقِه الصَّائمُ» (٢)، ولا يصحُّ (٣). قال أبو داود (٤): قال لي يحيى بن مَعين: هو حديثٌ منكرٌ. فصل في هديه في صيام التطوع كان يصوم حتَّى يقال: لا يفطر، ويفطر حتَّى يقال: لا يصوم، وما استكمل صيام شهرٍ غير رمضان، وما كان يصوم في شهرٍ أكثرَ ممَّا يصوم في شعبان (٥). ولم يكن يخرج عنه شهرٌ حتَّى يصوم منه.

стр. 910

ولم يصم الثَّلاثة الأشهر (١) سردًا كما يفعله بعض النَّاس، ولا صام رجبًا قطُّ، ولا استحبَّ صيامه، بل روي عنه النَّهي عن صيامه، ذكره ابن ماجه (٢). وكان يتحرَّى صيام يوم الاثنين والخميس (٣). وقال ابن عبَّاسٍ: كان رسول الله ﷺ لا يفطر أيَّام البيض في حَضَرٍ ولا سفرٍ (٤). ذكره النَّسائيُّ (٥). وكان يحضُّ على صيامها (٦). وقال ابن مسعودٍ: كان رسول الله ﷺ يصوم من غُرَّة كلِّ شهرٍ ثلاثةَ أيَّامٍ. ذكره أبو داود والنَّسائي (٧).

стр. 911

وقالت عائشة: لم يكن يُبالي من أيِّ الشَّهر يصومها. ذكره مسلم (١)، ولا تناقضَ بين هذه الآثار. وأمَّا صيام عشر ذي الحجَّة فقد اختُلِف عنه فيه ﷺ ، فقالت عائشة: ما رأيتُه صائمًا في العشر قطُّ. ذكره مسلم (٢). وقالت حفصة: أربعٌ لم يكن يدَعُهنَّ رسول الله ﷺ : صيام عاشوراء، والعشْرِ، وثلاثةِ أيَّامٍ من كلِّ شهرٍ، وركعتا الفجر. ذكره الإمام أحمد (٣). وذكر أحمد (٤) أيضًا عن بعض أزواج النَّبيّ ﷺ أنَّه كان يصوم تسع ذي الحجَّة، ويومَ (٥) عاشوراء، وثلاثة أيَّامٍ من الشهر (٦): أولَ اثنين من الشَّهر والخميس. وفي لفظٍ: «وخميسين». والمثبِت مقدَّمٌ على النَّافي إن صحَّ.

стр. 912

وأمَّا صيام ستَّة أيَّامٍ من شوَّالٍ فصحَّ عنه أنَّ صيامها مع رمضان يَعدِل صيامَ الدَّهر (١). وأمَّا صيام (٢) يوم عاشوراء فإنَّه كان يتحرَّى صومه على سائر الأيَّام، ولمَّا قدم المدينة وجد اليهود تصومه وتعظِّمه، فقال: «نحنُ أحقُّ بموسى منكم». فصامه وأمر بصيامه (٣)، وذلك قبل فرض رمضان، فلمَّا فُرِض رمضان قال: «من شاء صامه، ومن شاء تركه» (٤). وقد استشكل بعض النَّاس (٥) هذا وقال: رسولُ الله ﷺ إنَّما قدِمَ المدينةَ في شهر ربيعٍ الأوَّل، فكيف يقول ابن عبَّاسٍ: إنَّه قدم المدينة فوجد اليهود صيامًا يوم عاشوراء؟ وفيه إشكالٌ آخر، وهو أنَّه قد ثبت في «الصَّحيحين» (٦) عن عائشة أنَّها قالت: كانت قريشٌ تصوم عاشوراء في الجاهليَّة، وكان رسول الله ﷺ يصومه، فلمَّا هاجر إلى المدينة صامه وأمر بصيامه (٧)، فلمَّا فُرِض شهر رمضان قال: «من شاء صامه ومن شاء تركه».

стр. 913

وإشكالٌ آخر، وهو ما ثبت في «الصَّحيحين» (١) أنَّ الأشعث بن قيسٍ دخل على عبد الله بن مسعودٍ وهو يتغدَّى، فقال: أبا محمد، ادنُ إلى الغداء. قال: أوليس اليوم يوم عاشوراء؟ قال: وهل تدري ما يوم عاشوراء؟ قال: وما هو؟ قال: إنَّما هو يومٌ كان رسول الله ﷺ يصومه قبل أن ينزل شهر رمضان، فلمَّا نزل رمضان تركه. وقد روى مسلم في «صحيحه» (٢) عن ابن عبَّاسٍ أنَّ رسول الله ﷺ حين صام يوم عاشوراء أو أمر بصيامه قالوا: يا رسول الله، إنَّه يومٌ تعظِّمه اليهود والنَّصارى، قال رسول الله ﷺ : «إذا كان العامُ المقبلُ إن شاء الله صمنا اليوم التَّاسع». فلم يأتِ العام المقبل حتَّى توفِّي رسول الله ﷺ . فهذا فيه أنَّ صومه والأمر بصيامه قبل وفاته بعامٍ، وحديثه المتقدِّم فيه أنَّ ذلك كان عند مقدمه المدينة. ثمَّ ابن مسعودٍ أخبر أنَّ يوم عاشوراء تُرِك برمضان، وهذا يخالفه حديث ابن عبَّاسٍ المذكور، ولا يمكن أن يقال: تُرِك فرضه، لأنَّه لم يفرض، لما قد ثبت في «الصَّحيحين» (٣) عن معاوية بن أبي سفيان سمعت رسول الله ﷺ يقول: «هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب الله عليكم صيامه، وأنا صائمٌ، فمن شاء فليصم (٤)، ومن شاء فليُفطِر». ومعاوية إنَّما سمع هذا بعد الفتح قطعًا.

стр. 914

وإشكالٌ آخر، وهو أنَّ مسلمًا روى في «صحيحه» (١) عن عبد الله بن عبَّاسٍ أنَّه لمَّا قيل لرسول الله ﷺ : إنَّ هذا اليوم تُعظِّمه اليهود والنَّصارى، قال: «إن (٢) بقيتُ إلى قابلٍ لأصومنَّ التّاسع»، فلم يأتِ العام القابل حتَّى توفِّي رسول الله ﷺ . ثمَّ روى مسلم في «صحيحه» (٣) عن الحكم [بن] (٤) الأعرج قال: انتهيتُ إلى ابن عبَّاسٍ وهو متوسِّدٌ رداءه في زمزم، فقلت له: أخبِرْني عن صوم عاشوراء، فقال: إذا رأيتَ هلال المحرَّم فاعدُدْ، وأصبِحِ التّاسعَ صائمًا. قلت: هكذا كان يصومه محمد ﷺ ؟ قال: نعم. وإشكالٌ آخر، وهو أنَّ صومه إن كان مفروضًا في أوَّل الإسلام فلم يأمرهم بقضائه، وقد فات تبييتُ النية له من اللَّيل، وإن لم يكن فرضًا فكيف أمر بإتمام الإمساك من كان أكل؟ كما في «المسند» و «السُّنن» (٥) من وجوهٍ متعدِّدةٍ أن النبي ﷺ أمر من كان طعِمَ فيه أن يُتِمَّ بقيَّة يومه. وهذا إنَّما يكون في الواجب، وكيف يصحُّ قول ابن مسعودٍ: فلمَّا فُرِض رمضان تُرِك عاشوراء، واستحبابه لم يُترك؟ وإشكالٌ آخر، وهو أنَّ ابن عبَّاسٍ جعل عاشوراء يوم التَّاسع، وأخبر أنَّ هكذا كان يصومه ﷺ ، وهو الذي روى عن النَّبيِّ ﷺ : «صوموا يوم

стр. 915

عاشوراء، وخالِفوا اليهودَ، صوموا يومًا قبله ويومًا بعده». ذكره أحمد (١). وهو الذي روى (٢): «أمرنا رسول الله ﷺ بصوم عاشوراء يوم العاشر». ذكره الترمذي (٣). والجواب عن هذه الإشكالات بعون الله وتوفيقه وتأييده: أمَّا الإشكال الأوَّل، وهو أنَّه لمَّا قدم المدينة وجدهم يصومون عاشوراء، فليس فيه أنَّ يوم قدومه وجدهم يصومونه، فإنَّه إنَّما قدم يوم الاثنين في ربيعٍ الأوَّل ثاني عشره، ولكنَّ أوَّل علمه بذلك ووقوع القصَّة في اليوم كان بعد قدومه المدينة، لم يكن وهو بمكَّة، هذا إن كان حساب أهل الكتاب في صومه بالأشهر الهلاليَّة، وإن كان بالشَّمسيَّة كما هو دينهم المعروف (٤) زال الإشكال بالكلِّيَّة، ويكون اليوم الذي نجَّى الله فيه موسى هو يوم عاشوراء من أوَّل المحرَّم، فضبطه أهل الكتاب بالشُّهور الشَّمسيَّة، فوافق ذلك مقدمَ النَّبيِّ ﷺ المدينةَ في ربيعٍ الأوَّل (٥)، وصوم أهل الكتاب
следующие страницы →