← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

عِدَّتكم من القِرَدة والخنازير، ولا يَحمِلُني بُغضي لكم وحُبِّي إيَّاه أن لا أَعدِلَ عليكم»، فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض (١). ولم يكن من هديه أخذ الزكاة من الخيل، ولا (٢) الرقيق، ولا البِغال، ولا الحمير، ولا الخضراوات، ولا المباطخ، والمَقَاثي، والفواكه التي لا تُكال وتُدَّخَر (٣) إلا العنب والرُّطَب، فإنه كان يأخذ الزكاة منه جملةً، ولم يفرِّق بين ما يَبِسَ منه وما لم يَيْبَسْ. فصل واختُلِف عنه في العسل، فروى أبو داود (٤) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه قال: جاء هلال أحد بني مُتْعَان إلى رسول الله ﷺ بعُشُور نَحْلٍ له، وكان سأله أن يحمي واديًا يقال له سَلَبَة، فحمى له رسول الله ﷺ ذلك الوادي، فلما ولي عمر بن الخطاب كتب إليه سفيان بن وهب يسأله عن ذلك، فكتب إليه (٥) عمر: «إن أدَّى إليك ما كان يؤدِّي إلى رسول الله ﷺ من عُشُورِ نحله فَاحْمِ له سَلَبة، وإلا فإنما هو ذُبابُ غيثٍ يأكله من يشاء». وفي

стр. 842

رواية (١) في هذا الحديث: «من كل عَشْرِ قِرَبٍ قِربةٌ». وروى ابن ماجه في «سننه» (٢) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه: أنه أخذ من العسلِ العُشرَ. وفي «مسند الإمام أحمد» (٣) عن أبي سيَّارة المُتَعِي قال: قلت: يا رسول الله، إن لي نَحْلًا، قال: «أَدِّ العُشْرَ». قلت: يا رسول الله، احْمِها لي، فحماها لي. وروى عبد الرزاق (٤) عن عبد الله بن محرَّر (٥) عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: كتب رسول الله ﷺ إلى أهل اليمن أن يُؤخذَ من العسل العُشْرُ.

стр. 843

قال الشافعي (١): أخبرنا أنس بن عِياض، عن الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذُباب، عن أبيه، عن سعد بن أبي ذُباب قال: قدمتُ على رسول الله ﷺ فأسلمتُ ثم قلت: يا رسول الله، اجعل لقومي ما أسلموا عليه من أموالهم، قال: ففعل رسول الله ﷺ واستعملني عليهم، ثم استعملني أبو بكر، ثم عمر. قال: وكان يُعدُّ (٢) من أهل السَّراة، قال: فكلَّمتُ قومي في العسل، فقلت لهم: فيه زكاة، فإنه لا خيرَ في ثمرةٍ لا تُزكَّى. فقالوا: كم ترى؟ فقلتُ: العشر. فأخذتُ منهم العُشرَ، فلقيتُ عمر بن الخطاب فأخبرتُه بما كان، قال: فقبضَه عمر ثم جعل ثمنَه في صدقات المسلمين. ورواه الإمام أحمد، ولفظه للشافعي. واختلف أهل العلم في هذه الأحاديث وحكمها، فقال البخاري (٣): ليس في زكاة العسل شيء يصح. وقال الترمذي (٤): لا يصحُّ عن النبي ﷺ في

стр. 844

هذا الباب كبيرُ (١) شيءٍ. وقال ابن المنذر (٢): ليس في وجوب صدقة العسل حديثٌ يثبت عن رسول الله ﷺ ولا إجماعٌ، فلا زكاةَ فيه. وقال الشافعي (٣): الحديث في أنَّ في العسلِ العشرَ ضعيف، وفي أن لا يؤخذ منه العشرُ ضعيف إلا عن عمر بن عبد العزيز (٤). قال هؤلاء: وأحاديث الوجوب كلُّها معلولة: أما حديث ابن عمر (٥)، فهو من رواية صَدَقة بن عبد الله عن (٦) موسى بن يسار عن نافع عنه، وصدقة ضعَّفه الإمام أحمد ويحيى بن معين وغيرهما (٧). وقال البخاري (٨): هو عن نافع عن النبي ﷺ مرسل. وقال

стр. 845

النسائي (١): صدقة ليس بشيء، وهذا حديث منكر. وأما حديث أبي سيَّارة المُتَعي، فهو من رواية سليمان بن موسى عنه، قال البخاري (٢): سليمان بن موسى لم يُدرِك أحدًا من أصحاب النبي ﷺ . وأما حديث عمرو بن شعيب الآخر أن النبي ﷺ أخذ من العسل العُشْرَ، ففيه أسامة بن زيد (٣) يرويه عن عمرو، هو ضعيف عندهم. قال ابن معين (٤): بنو زيد ثلاثتهم ليسوا بشيء. وقال الترمذي (٥): ليس في ولد زيد بن أسلم ثقة. وأما حديث الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة، فما أظهرَ دلالتَه لو سلم من عبد الله بن محرَّر (٦) راويه عن الزهري (٧)! قال البخاري في حديثه هذا (٨): عبد الله بن محرر متروك الحديث، وليس في زكاة العسل شيء يصح.

стр. 846

وأما حديث الشافعي فقال البيهقي (١): رواه الصَّلْت بن محمد عن أنس بن عِياضٍ، عن الحارث بن أبي ذُباب، عن منير بن عبد الله، عن أبيه، عن سعد. وكذلك رواه صفوان بن عيسى عن الحارث بن عبد الرحمن (٢) بن أبي ذُباب. قال البخاري (٣): عبد الله والد منير، عن سعد بن أبي ذباب، لم يصحَّ حديثه. وقال علي بن المديني: منير هذا لا نعرفه إلا في هذا الحديث، كذا قال لي. قال الشافعي (٤): وسعد بن أبي ذُباب يَحكي ما يدلُّ على أن رسول الله ﷺ لم يأمره بأخذ الصدقة من العسل، وإنما هو شيء رآه فتَطوَّع له به أهلُه. قال الشافعي (٥): واختياري أن لا يؤخذَ منه لأن السنن والآثار ثابتة فيما يُؤخَذ منه، وليست فيه ثابتةً، فكأنه عفْوٌ. وقد روى يحيى بن آدم (٦): حدثنا حسين بن زيد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي قال: ليس في العسل زكاة. قال يحيى (٧): وسئل حسن بن صالح عن العسل، فلم يرَ فيه شيئًا.

стр. 847

وذُكِر عن معاذ أنه لم يأخذ من العسل شيئًا. قال الحميدي (١): ثنا سفيان، ثنا إبراهيم بن مَيْسَرة، عن طاوس، عن معاذ بن جبل أنه أُتِيَ بوَقْصِ البقر والعسل حسبتُه (٢)، فقال معاذ: كلاهما لم يأمرني فيه رسول الله ﷺ بشيء. وقال الشافعي (٣): أخبرنا مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، قال: جاءنا كتاب من عمر بن عبد العزيز إلى أبي وهو بمنًى، أن لا يأخذ من الخيل ولا من العسل صدقةً. وإلى هذا ذهب مالك والشافعي. وذهب أحمد وأبو حنيفة وجماعةٌ إلى أن في العسل زكاةً (٤)، ورأوا أنَّ هذه الآثارَ يقوِّي بعضُها بعضًا، وقد تعددتْ مخارجُها واختلفتْ طرقُها، ومرسَلُها يُعْضَد (٥) بمسندها. وقد سئل أبو حاتم الرازي (٦) عن عبد الله والد منير عن سعد بن أبي ذُباب: يصح حديثه؟ قال: نعم. قال هؤلاء: ولأنه يتولَّد من نَوْرِ الشجر والزَّهر، ويُكَال ويُدَّخر، فوجبتْ فيه الزكاة كالحبوب والثِّمار.

стр. 848

قالوا: والكُلفة في أخْذه دون الكُلفة في الزروع والثِّمار. ثم قال أبو حنيفة: إنما يجب فيه العُشر إذا أُخِذ من أرض العُشْر، فإن أُخِذ من أرض الخراج لم يجب فيه شيء عنده، لأن أرض الخراج قد وجب على مالكها الخراجُ لأجل ثمارها وزرعها، فلم يجب فيها حقٌّ آخر لأجلها، وأرضُ العشر لم يجب في ذمَّتِه حقٌّ عنها، فلذلك وجب الحقُّ فيما يكون منها. وسوَّى الإمام أحمد بين الأرضين في ذلك، وأوجَبه فيما أُخِذ من مِلكه أو موات، عُشْريةً كانت الأرضُ أو (١) خَراجيةً. ثم اختلف الموجبون هل له نِصابٌ أم لا؟ على قولين، أحدهما: أنه يجب في قليله وكثيره، وهذا قول أبي حنيفة. والثاني: أن له نصابًا معينًا. ثم اختُلِف في قَدْره، فقال أبو يوسف: هو عشرةُ أرطالٍ. وقال محمد (٢): هو خمسة أَفْراقٍ، والفَرَقُ ستة وثلاثون رِطلًا بالعراقي. وقال أحمد: نصابه عشرة أَفْرَاقٍ. ثم اختلف أصحابه في الفَرق على ثلاثة أقوال، أحدها: إنه ستون رطلًا. والثاني: إنه ستة وثلاثون. والثالث: ستة عشر رِطلًا، وهو ظاهر كلام أحمد، والله أعلم. فصل وكان إذا جاءه الرجل بالزكاة دعا له، فتارةً يقول: «اللهمَّ بارِكْ فيه وفي

стр. 849

إبلِه» (١)، وتارةً يقول: «اللهمَّ صَلِّ عليه» (٢). ولم يكن من هديه أخْذُ كرائمِ الأموال في الزكاة، بل وسط المال، ولهذا نهى معاذًا عن ذلك (٣). فصل وكان ينهى المتصدِّقَ أن يشتري صدقتَه (٤)، وكان يُبِيح للغنيِّ أن يأكل من الصدقة إذا أهداها إليه الفقير، وأكل ﷺ من لحمٍ تُصدِّقَ به على بَرِيرة وقال: «هو عليها صدقةٌ، ولنا منها هديَّة» (٥). وكان أحيانًا يستدين لمصالح المسلمين على الصدقة، كما جهَّزَ جيشًا فنَفِدَت الإبل، فأمر عبد الله بن عمروٍ أن يأخذ في قِلَاص (٦) الصدقة (٧).

стр. 850

وكان يَسِمُ إبلَ الصدقة بيده، وكان يَسِمُها في آذانها (١). وكان إذا عَراه أمرٌ استسلفَ الصدقةَ من أربابها، كما استسلفَ من العبّاس صدقةَ عامينِ (٢). فصل في هديه في زكاة الفطر فرضَها رسول الله ﷺ على المسلم، وعلى من يَمُونُه من صغيرٍ وكبير، ذكرٍ وأنثى، حرٍّ وعبد، صاعًا من تمرٍ أو شعيرٍ أو أَقِطٍ أو زبيبٍ (٣).

стр. 851

وروي عنه: «صاعٌ (١) من دقيق» (٢). وروي عنه: «نصفُ صَاعٍ من بُرٍّ» (٣). والمعروف أن عمر بن الخطاب جعل نصفَ صاعٍ من بُرٍّ (٤) مكانَ الصاع من هذه الأشياء. ذكره أبو داود (٥). وفي «الصحيحين» (٦) أن معاوية هو الذي قوَّم ذلك. وفيه عن النبي ﷺ آثار مرسلة ومسندة يقوِّي بعضُها بعضًا: فمنها: حديث (٧) ثعلبة بن عبد الله بن أبي صُعَير عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : «صاعٌ من بُرٍّ أو قَمْحٍ على كلِّ اثنين». رواه الإمام أحمد

стр. 852

وأبو داود (١). وقال عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أنّ النبيَّ ﷺ بعث مناديًا في فِجَاجِ مكة: «أَلا إنَّ صدقة الفطر واجبة على كل مسلم، ذكرٍ أو أنثى، حرٍّ أو عبدٍ، صغيرٍ أو كبيرٍ، مُدَّانِ من قمحٍ أو سواه صاعًا (٢) من طعام» (٣). قال الترمذي: حديث حسن غريب. وروى الدارقطني (٤) من حديث ابن عمر أنَّ رسول الله ﷺ أمر عمرو بن حزم في زكاة الفطر بنصف صاعٍ من حنطةٍ. وفيه سليمان بن

стр. 853

موسى، وثَّقه بعضهم، وتكلَّم فيه بعضهم. وقال الحسن البصري: خطب ابن عباس في آخر رمضان على منبر البصرة فقال: «أَخرِجوا صدقةَ صومِكم»، فكأنَّ الناس لم يعلموا، فقال: «مَنْ هاهنا من أهل المدينة؟ قُوموا إلى إخوانكم فعلِّموهم فإنَّهم لا يعلمون. فرضَ رسول الله ﷺ هذه الصدقةَ صاعًا من تمرٍ أو شعيرٍ، أو نصفَ صاعِ قَمحٍ (١)، على كلِّ حُرٍّ أو مملوك، ذكرٍ أو أنثى، صغيرٍ أو كبير». فلما قَدِمَ عليٌّ رأى رخصَ السعر (٢) قال: «قد أوسعَ الله عليكم، فلو جعلتموه صاعًا من كل شيء». رواه أبو داود (٣) ــ وهذا لفظه ــ والنسائي، وعنده (٤): فقال عليٌّ: «أما إذْ أوسعَ الله (٥) فأَوسِعوا، اجْعَلُوها صاعًا من بُرٍّ وغيرِه». وكان شيخنا يُقوِّي هذا المذهبَ، ويقول (٦): هو قياس قول أحمد في الكفّارات، أن الواجب فيها من البرِّ نصفُ الواجب من غيره، والله أعلم.

стр. 854

فصل وكان من هديه إخراجُ هذه الصدقة قبل صلاة العيد. وفي «السنن» (١) عنه أنه قال: «من أدَّاها قبلَ الصلاة فهي زكاةٌ مقبولة، ومن أدَّاها بعد الصلاة فهي صدقةٌ من الصدقات». وفي «الصحيحين» (٢) عن ابن عمر قال: أمر (٣) رسول الله ﷺ بزكاة الفطر أن تُؤدَّى قبلَ خروج الناس إلى الصلاة. ومقتضى هذين الحديثين أنه لا يجوز تأخيرها عن صلاة العيد، وأنها تفوتُ بالفراغ من الصلاة. وهذا هو الصواب، فإنه لا معارِضَ لهذين الحديثين ولا ناسخَ، ولا إجماع يدفع القول بهما. وكان شيخنا يُقوِّي ذلك وينصره (٤). ونظيره ترتيب الأضحية على صلاة الإمام، لا على وقتها، وأن من ذبحَ قبل صلاة الإمام لم تكن ذبيحته أضحيةً، بل شاة لحم. وهذا أيضًا هو الصواب في المسألة الأخرى، وهو هدي رسول الله ﷺ في الموضعين. والله أعلم.

стр. 855

فصل وكان من هديه تخصيصُ المساكين بهذه الصدقة، ولم يكن يقسمها على الأصناف الثمانية قبضةً قبضةً، ولا أمرَ بذلك، ولا فعلَه أحد من أصحابه ولا مَن بعدهم، بل أحد القولين عندنا: أنه لا يجوز إخراجُها إلا على المساكين خاصَّةً، وهذا القول أرجحُ من القول بوجوب قسمتها على الأصناف الثمانية (١). فصل في هديه في صدقة التطوع كان ﷺ أعظم الناس صدقةً بما ملكتْ يدُه، وكان لا يستكثر شيئًا أعطاه لله ولا يستقِلُّه، وكان لا يُسأَل (٢) شيئًا عنده إلا أعطاه، قليلًا كان أو كثيرًا، وكان عطاؤه عطاءَ من لا يخاف الفقر، وكان العطاء والصدقة أحبَّ شيء إليه، وكان سرورُه وفرحُه بما يعطيه أعظمَ من سرورِ الآخذ بما يأخذه، وكان أجودَ الناس بالخير، يمينُه كالريح المرسلة. وكان إذا عرض له محتاج آثَره على نفسه، تارةً بطعامه، وتارةً بلباسه. وكان يتنوَّع (٣) في أصناف عطائه وصدقته، فتارةً بالهبة، وتارةً بالصدقة (٤)،

стр. 856

وتارةً بالهدية (١)، وتارةً يَشتري (٢) الشيء ثم يعطي البائع الثمنَ والسِّلْعةَ جميعًا، كما فعل بجابر (٣) (٤). وتارةً كان يقترض الشيءَ فيردُّ أكثرَ منه وأفضلَ (٥)، ويشتري الشيءَ فيعطي أكثر من ثمنه. ويقبل الهديةَ ويكافئ عليها بأكثَر منها أو بأضعافها، تلطُّفًا وتنوُّعًا (٦) في ضروب الصدقة والإحسان بكل ممكن. وكانت صدقتُه وإحسانه بما يملكه وبحاله وبقوله، فيُخرِج ما عنده، ويأمر بالصدقة ويحضُّ عليها، ويدعو إليها بحاله وقوله، فإذا رآه البخيل الشَّحيح دعاه حاله إلى البذل والعطاء، وكان من خالطه وصَحِبَه ورأى هديَه لا يملك نفسه عن السماحة والنَّدى. وكان هديه يدعو إلى الإحسان والصدقة والمعروف، ولذلك كان أشرحَ الخَلْق (٧) صدرًا، وأطيبَهم نفسًا، وأنعمَهم قلبًا، فإن للصدقة وفِعْل المعروف تأثيرًا عجيبًا في شرح الصدر، فانضاف (٨) ذلك إلى ما خصَّه الله به من شَرْحِ صدره للنبوة والرسالة وخصائصها وتوابعها، وشَرْحِ صدره حسًّا وإخراجِ حظِّ (٩) الشيطان منه.

стр. 857

فصل في أسباب شرح الصَّدر وحصولها على الكمال له ﷺ - فأعظم أسباب شرح الصدر: التوحيد، وعلى حسب كماله وقوته وزيادته يكون انشراحُ صدر صاحبه. قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢]. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]. فالهدى والتوحيد من أعظم أسباب شرح الصدر، والشرك والضلال من أعظم أسباب ضِيق الصدر وانحراجه. ومنها: النور الذي يَقْذِفه الله في قلب العبد، وهو نور الإيمان، فإنه يَشرح الصدر ويُوسِّعه ويُفرح القلب. فإذا فُقِد هذا النور من القلب (١) ضاقَ وحرِجَ، وصار في أضيقِ سجنٍ وأصعبِه. وقد روى الترمذي في «جامعه» (٢) عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا دخل النور القلبَ انفسحَ وانشرحَ». قالوا: وما علامة ذلك يا رسول الله؟ قال: «الإنابة إلى دار الخلود، والتَّجافِي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله».

стр. 858

فنصيبُ (١) العبد من انشراح صدره بحسب نصيبه من هذا النور، وكذلك النور الحسي والظلمة الحسية، هذا يشرح (٢) الصدر وهذه تُضيِّقه. ومنها: العلم، فإنه (٣) يشرح الصدر، ويُوسِّعه حتى يكون أوسعَ من الدنيا، والجهل يُورِثُه الضِّيقَ والحَصَرَ والحَبْس، فكلَّما اتَّسعَ علم العبد انشرح صدره واتَّسعَ، وليس هذا لكلِّ علمٍ، بل للعلم الموروث عن الرسول ﷺ ، وهو العلم النافع، فأهلُه أشرحُ الناس صدورًا (٤)، وأوسعهم قلوبًا، وأحسنهم أخلاقًا، وأطيبهم عيشًا. ومنها: الإنابة إلى الله، ومحبته بكل القلب، والإقبال عليه، والتنعُّم بعبادته، فلا شيءَ أشرحُ لصدر العبد من ذلك، حتى إنه ليقول أحيانًا: إن كنتُ في الجنة في مثل هذه الحال فإني إذًا في عيشٍ طيِّب. وللمحبة تأثير عجيب في انشراحِ الصدر وطيبِ النفس ونعيمِ القلب، لا يعرفه إلا من له حسٌّ به، وكلَّما كانت المحبة أقوى وأشدَّ كان الصدر أفسحَ وأشرحَ، ولا يضيق إلا عند رؤية البطَّالين الفارغين من هذا الشأن، فرؤيتهم قَذَى عينهِ، ومخالطتُهم حُمَّى روحِه. ومن أعظم أسباب ضيق الصدر: الإعراض عن الله، وتعلُّق القلب بغيره، والغفلة عن ذكره، ومحبةُ سواه؛ فإن من أحبَّ شيئًا غيرَ الله عُذِّب به وسُجِن قلبُه في محبة ذلك الغير، فما في الأرض أشقى منه، ولا أكسفُ بالًا، ولا أنكدُ عيشًا، ولا أتعبُ قلبًا.

стр. 859

فهما محبَّتان: محبةٌ هي جنّة الدنيا، وسرورُ النفس (١)، ولذة القلب، ونعيم الروح وغذاؤها ودواؤها، بل حياتها وقُرَّةُ عينها، وهي محبَّةُ الله وحدَه بكلِّ القلب، وانجذابِ قُوى الميل والإرادة والمحبة كلِّها إليه. ومحبةٌ هي عذاب الروح، وغَمُّ النفس، وسجنُ القلب، وضِيق الصَّدر، وهي سبب الألم والنكد والعناء وهي محبة ما سواه سبحانه. ومن أسباب شَرْح الصدر: دوامُ ذكره على كلِّ حالٍ وفي كلِّ موطنٍ، فللذِّكر تأثيرٌ عجيب في انشراحِ الصدر ونعيمِ القلب، وللغفلة تأثير عجيب في ضِيْقه وحَبْسِه وعذابِه. ومنها: الإحسان إلى الخلق، ونفْعُهم بما يمكنه من المال والجاه، والنفع بالبدن وأنواع الإحسان، فإن الكريم المحسن أشرحُ النَّاس صدرًا وأطيبُهم نفسًا وأنعمُهم قلبًا، والبخيل الذي ليس فيه إحسانٌ أضيقُ الناس صدرًا وأنكدُهم عيشًا وأعظمُهم غمًّا وهمًّا. وقد ضربَ رسول الله ﷺ (٢) مثلَ البخيل والمتصدِّق (٣) كمثل رجلين عليهما جُبَّتانِ (٤) من حديدٍ، كلَّما هَمَّ (٥) المتصدِّق بصدقةٍ اتسعتْ عليه وانبسطتْ، حتى تُجِنَّ بَنَانَه (٦) وتُعفِّيَ أثرَه، وكلَّما هَمَّ البخيل بالصدقة لزِمتْ كلُّ حَلْقةٍ مكانَها، ولم تتَّسعْ عليه.

стр. 860

فهذا مَثَل انشراحِ صدر المؤمن (١) المتصدِّق وانفساحِ قلبه، ومَثَلُ ضيقِ صدر البخيل وانحصارِ قلبه. ومنها: الشَّجاعة، فإن الشُّجاع منشرحُ الصدر واسعُ البِطان متَّسعُ القلب، والجبان أضيقُ الناس صدرًا وأحصرُهم قلبًا، لا فرحةَ له ولا سرور، ولا لذةَ ولا نعيم إلا من جنس ما للحيوان البهيم (٢)، وأما سرور الروح ولذتها ونعيمها وابتهاجُها فمحرَّمٌ على كلِّ جَبان، كما هو محرَّمٌ على كلِّ بخيل، وعلى كل مُعرِضٍ عن الله غافلٍ عن ذكرِه، جاهلٍ به وبأسمائه تعالى وصفاتِه ودينهِ، متعلِّقِ القلب بغيره. وإن هذا النعيم والسرور ليصير في القبر (٣) رياضًا (٤) وجَنَّةً، وذلك الضيق والحَصَر ينقلب في القبر عذابًا وسجنًا. فحال العبد في القبر كحال القلب في الصدر نعيمًا وعذابًا، وسَجْنًا وإطلاقًا (٥)، ولا عبرةَ بانشراح صدر (٦) هذا لعارضٍ (٧) ولا بضيق صدرِ هذا لعارضٍ، فإن العوارض تزول بزوال أسبابها، وإنما المُعوَّل على الصفة التي قامت بالقلب تُوجِب انشراحَه وحَبْسَه، فهي الميزان، والله المستعان.

стр. 861

ومنها بل من أعظمها: إخراج دَغَل القلب من الصِّفات المذمومة، التي تُوجِب ضيقَه وعذابه، وتحول بينه وبين حصول البُرْءِ، فإن العبد إذا أتى بالأسباب (١) التي تَشرح صدره، ولم يُخرِج (٢) تلك الأوصاف المذمومة من قلبه، لم يَحْظَ من انشراحِ صدره بطائلٍ، وغايتُه أن تكون له مادَّتانِ تَعتَوِران على قلبه، وهو للمادة الغالبة عليه منهما. ومنها: تركُ فضولِ النظرِ والكلامِ والاستماعِ والخُلْطةِ (٣) والأكلِ والنومِ، فإن هذه الفضول تستحيل آلامًا وغُمومًا وهمومًا في القلب، تَحْصُره وتَحْبِسه وتُضيِّقه ويتعذَّب بها، بل غالبُ عذاب الدنيا والآخرة منها. فلا إله إلا الله، ما أضيقَ صَدْرَ مَن ضربَ في كل آفةٍ من هذه الآفات بسهمٍ! وما أنكدَ عيشَه، وما أسوأَ حالَه، وما أشدَّ حَصَرَ قلبِه! ولا إله إلا الله، ما أنعمَ عيشَ مَن ضربَ في كل خصلةٍ من تلك الخصال المحمودة بسهْمٍ! وكانت هِمَّتُه دائرةً عليها حائمةً حولَها، فلهذا (٤) نصيبٌ وافرٌ من قوله: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣]، ولذاك نصيبٌ وافرٌ من قوله: ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٤]، وبينهما مراتبُ متفاوتة لا يُحصِيها إلا الله. والمقصود أن رسول الله ﷺ أكملُ الخلق في كل صفة يحصل بها انشراحُ الصدر، واتساعُ القلب، وقُرَّةُ العين، وحياةُ الروح، فهو أكملُ الخلق في هذا الشرح والحياة وقُرَّةِ العين، مع ما خُصَّ به من الشرح الحسِّي. وأكملُ

стр. 862

الخلق متابعةً له أكملُهم انشراحًا ولذةً وقرَّةَ عينٍ، وعلى حسب متابعتِه ينال العبدُ من انشراح صدرِه وقرَّةِ عينهِ ولذة روحه ما ينال. فهو في ذِروة الكمال من شَرْح الصدر ورَفْعِ الذكر ووَضْعِ الوزر، ولأتباعِه من ذلك بحسب نصيبهم من اتّباعِه، والله المستعان. وهكذا لأتباعه نصيبٌ من حفْظِ الله لهم، وعِصْمته إياهم، ودفاعِه عنهم، وإعزازِه لهم، ونصْرِه لهم، بحسب نصيبِهم من المتابعة، فمستقِلٌّ ومستكثِرٌ. فمن وجدَ خيرًا فليحمدِ الله، ومن وجدَ غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسَه. * * * *

стр. 863

فصل في هديه ﷺ في الصِّيام لمَّا (١) كان المقصود من الصِّيام حَبْسَ النَّفس عن الشَّهوات، وفِطامها عن المألوفات، وتعديل قوَّتها الشَّهوانيَّة، لتستعدَّ لطلب ما فيه غاية سعادتها ونعيمها، وقبولِ ما تزكو (٢) به ممَّا فيه حياتها الأبديَّة، ويكسر الجوع والظَّمأ من حدَّتها وسَوْرتها، ويذكِّرها بحال الأكباد الجائعة من المساكين، ويُضيِّق (٣) مجاريَ الشَّيطان من العبد بتضييق مجاري الطَّعام والشَّراب، ويَحْبِس (٤) قوى الأعضاء عن استرسالها بحكم الطَّبيعة فيما يضرُّها في معاشها ومعادها، ويُسكِّن كلَّ عضوٍ منها وكلَّ قوَّةٍ عن جماحه ويلتجم (٥) بلجامه. فهو لِجام المتَّقين، وجُنَّة المحاربين، ورياضة الأبرار والمقرَّبين، وهو لربِّ العالمين من بين سائر الأعمال، فإنَّ الصَّائم لا يفعل شيئًا، وإنَّما يترك شهوته وطعامه وشرابه من أجل معبوده، فهو تركُ محبوبات النَّفس وملذوذاتها (٦) إيثارًا لمحبَّة الله ومرضاته، فهو سرٌّ بين العبد وبين الله لا يطَّلع عليه سواه، والعباد (٧) قد يطَّلعون منه على تركه (٨) المفطراتِ الظَّاهرة، وأمَّا

стр. 864

كونه ترك طعامه وشرابه وشهوته من أجل معبوده فأمرٌ (١) لا يطَّلع عليه بشرٌ، وذلك حقيقة الصَّوم. وللصيام تأثيرٌ عجيبٌ في حفظ الجوارح الظَّاهرة والقوى الباطنة، وحِمْيتها عن التَّخليط الجالب لها الموادَّ الفاسدة الَّتي إذا استولت عليها أفسدتها، واستفراغِ الموادِّ الرَّديئة المانعة لها (٢) من صحَّتها، فالصَّوم يحفظ على القلب (٣) والجوارح صحَّتها، ويعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشَّهوات، فهو من أكبر العونِ على التَّقوى، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]. وقال النَّبيُّ ﷺ : «الصَّوم جُنَّةٌ» (٤). وأمر من اشتدَّت به شهوة النِّكاح ولا قدرةَ له عليه بالصِّيام، وجعلَه وِجاءَ هذه الشَّهوة (٥). والمقصود أنَّ مصالح الصَّوم لمَّا كانت مشهودةً بالعقول السَّليمة والفِطَر المستقيمة، شرعه الله لعباده رحمةً بهم (٦)، وإحسانًا إليهم, وحميةً

стр. 865

لهم وجُنَّةً. وكان هدي رسول الله ﷺ فيه أكملَ هديٍ (١)، وأعظمَه تحصيلًا (٢) للمقصود، وأسهلَه على النُّفوس. ولمَّا كان فَطْم النُّفوس عن مألوفاتها وشهواتها من أشقِّ الأمور وأصعبها عليها، أُخِّر (٣) فرضه إلى وسط الإسلام بعد الهجرة، لمَّا توطَّنت النُّفوس على التَّوحيد والصَّلاة، وأَلِفتْ أوامرَ القرآن، فنُقِلتْ إليه بالتَّدريج. وكان فرضه في السَّنة الثَّانية من الهجرة، فتوفِّي رسول الله ﷺ وقد صام تسع رمضاناتٍ (٤)، وفُرِض أوَّلًا على وجه التَّخيير بينه وبينَ أن يطعمَ كلَّ (٥) يومٍ مسكينًا، ثمَّ نُقل عن (٦) ذلك التَّخيير إلى تحتُّم الصَّوم (٧)، وجُعل الإطعام للشَّيخ الكبير والمرأة إذا لم يطيقا الصِّيام، فإنَّهما يفطران ويطعمان عن كلِّ يومٍ مسكينًا (٨)، ورُخِّص للمريض والمسافر أن يفطرا ويقضيا، وللحامل

стр. 866

والمرضع إذا خافتا على أنفسهما كذلك، وإن خافتا على ولديهما زادتا مع القضاء إطعامَ مسكينٍ لكلِّ يومٍ، فإنَّ فطرهما لم يكن لخوف مرضٍ، وإنَّما كان مع الصِّحَّة، فجُبِر بإطعام المسكين (١) كفطر الصَّحيح في أوَّل الإسلام. وكان للصَّوم رتبٌ ثلاثٌ (٢): إحداها: إيجابه بوصف التَّخيير. والثَّانية: تحتُّمه، لكن كان الصَّائم إذا نام قبل أن يطعم حرم عليه الطَّعام والشَّراب إلى اللَّيلة القابلة، فنسخ ذلك بالرُّتبة الثَّالثة، وهي الَّتي استقرَّ عليها الشَّرع إلى يوم القيامة. فصل وكان من هديه ﷺ في شهر رمضان الإكثارُ من أنواع العبادات، وكان (٣) جبريل يدارسه القرآنَ في رمضان، وكان إذا لقيه جبريل أجودَ بالخير من الرِّيح المرسلة، وكان أجود النَّاس، وأجود ما يكون في رمضان (٤)، يكثر فيه من الصَّدقة والإحسان وتلاوة القرآن والصَّلاة والذِّكر والاعتكاف.

стр. 867

وكان يخصُّ رمضان من العبادة بما (١) لا يخصُّ به غيره من الشُّهور، حتَّى إنَّه كان ليواصل فيه (٢) أحيانًا ليوفِّر ساعاتِ ليله ونهاره على العبادة، وكان ينهى أصحابه عن الوصال، فيقولون له: فإنَّك تواصل، فيقول: «لستُ كهيئتِكم، إنِّي أبيت ـ وفي روايةٍ: إنِّي (٣) أظلُّ ـ عند ربِّي يُطعمني ويَسقيني» (٤). وقد اختلف النَّاس في هذا الطَّعام والشَّراب المذكور (٥) على قولين. أحدهما: أنَّه طعامٌ وشرابٌ حسِّيٌّ للفم، قالوا: وهذا حقيقة اللَّفظ، ولا موجِبَ للعدول عنها. والثَّاني: أنَّ المراد به ما يُغذِّيه الله به من معارفه، وما يفيض على قلبه من لذَّة مناجاته، وقُرَّة عينه بقربه، ونعيمه (٦) بحبِّه، والشَّوق إليه، وتوابع ذلك من الأحوال الَّتي هي غذاء القلوب، ونعيم الأرواح، وقرَّة العين، وبهجة النُّفوس. فللرُّوح والقلب بها (٧) أعظمُ غذاءٍ وأجلُّه وأنفعُه، وقد يَقوى هذا

стр. 868

الغذاءُ حتَّى يُغني عن غذاء الأجسام مدَّةً من الزَّمان، كما قيل (١): لها أحاديثُ من ذكراك تَشْغَلُها ... عن الشَّراب وتُلهِيها عن الزَّادِ لها بوجهك نورٌ تستضيء به ... ومن حديثك في أعقابها حادي إذا شَكَتْ (٢) من كَلالِ السَّير أوعدَها ... روح القدوم فتحيا عند ميعاد ومن له أدنى تجربةٍ وذوق (٣) يعلم استغناء الجسم بغذاء القلب والرُّوح عن كثيرٍ من الغذاء الحيوانيِّ، ولا سيَّما المسرور الفرحان الظَّافر بمطلوبه، الذي قد قرَّت عينُه بمحبوبه، وتنعَّم بقربه، والرِّضى عنه، وألطافُ محبوبه وهداياه وتُحَفُه تصل إليه كلَّ وقتٍ، ومحبوبه حفيٌّ به، معتنٍ بأمره، مُكرِمٌ له غايةَ الإكرام مع المحبَّة التَّامَّة له، أفليس في هذا أعظمُ غذاءٍ لهذا المحبِّ؟ فكيف بالحبيب الذي لا شيء أجلُّ منه ولا أعظم ولا أجمل ولا أكمل ولا أعظم إحسانًا إذا امتلأ قلب المحبِّ بحبِّه، وملكَ حبُّه (٤) جميعَ أجزاء قلبه وجوارحه، وتمكَّن حبُّه منه أعظمَ تمكُّنٍ. وهذا حاله مع حبيبه، أفليس هذا المحبُّ عند حبيبه يُطعمه ويَسقيه ليلًا ونهارًا؟ ولهذا قال: «إنِّي أظلُّ عند ربِّي يُطعمني ويَسقيني». ولو كان ذلك طعامًا وشرابًا للفم لما كان صائمًا فضلًا عن أن يكون مواصلًا.

стр. 869

وأيضًا فلو كان ذلك باللَّيل لم يكن مواصلًا، ولقال للصحابة ــ إذ قالوا له: إنَّك تواصل ــ: لستُ (١) أواصل، ولم يقل: «لستُ كهيئتكم»، فأقرَّهم على نسبة الوصال إليه، وقطعَ الإلحاقَ بينه وبينهم في ذلك بما بيَّنه من الفارق، كما في «صحيح مسلم» (٢) من حديث عبد الله بن عمر أنَّ رسول الله ﷺ واصلَ في رمضان فواصلَ النَّاس، فنهاهم، قيل له: أنت تواصل، قال: «إنِّي لستُ مثلكم، إنِّي أُطعَم وأُسقى». وفي (٣) سياق البخاريِّ (٤) لهذا الحديث: نهى رسول الله ﷺ عن الوصال، قالوا: إنَّك تواصل. قال (٥): «إنِّي لستُ مثلكم، إنِّي أُطعَم وأُسقى». وفي «الصَّحيحين» (٦) من حديث أبي هريرة: نهى رسول الله ﷺ عن الوصال، فقال رجلٌ من المسلمين: فإنَّك يا رسول الله تواصل، قال رسول الله ﷺ : «وأيُّكم مثلي؟ إنِّي أبيتُ يُطعِمني ربِّي ويَسقيني». وفي «الصحيحين» مثله من حديث عائشة وأنس (٧). وفي بعض ألفاظ

стр. 870

حديث أنس (١): «إني أظلُّ يُطعمني ربي ويَسقيني» (٢). وأيضًا فإنَّ النَّبيَّ ﷺ لمَّا نهاهم عن الوصال فأبَوا أن ينتهوا واصلَ بهم يومًا، ثمَّ يومًا (٣)، ثمَّ رأوا الهلال فقال: «لو تأخَّر الهلال لزدتُكم» كالمنكِّل لهم حين أبَوا أن ينتهوا عن الوصال (٤). وفي لفظٍ آخر (٥): «لو مُدَّ لنا الشَّهر لواصَلْنا وِصالًا يَدَعُ المتعمِّقون تعمُّقهم، إنِّي لستُ مثلكم»، أو قال: «إنَّكم لستم مثلي، إنِّي أظلُّ يُطعِمني ربِّي ويسقيني». فأخبر أنَّه يُطعَم ويسقى مع كونه مواصلًا، وقد فعل فعْلَهم منكِّلًا بهم معجِّزًا لهم (٦)، فلو كان يأكل ويشرب لما كان في ذلك تنكيلٌ (٧) ولا تعجيزٌ، بل ولا وصالٌ، وهذا بحمد الله واضحٌ. وقد نهى ﷺ عن الوصال رحمةً بالأمَّة، وأذن فيه إلى السَّحر، ففي «صحيح البخاريِّ» (٨) عن أبي سعيدٍ الخدريِّ أنَّه سمع النَّبيَّ ﷺ يقول: «لا تُواصِلوا، فأيُّكم أراد أن يواصلَ فليواصلْ إلى السَّحر».

стр. 871

فإن قيل: فما حكم هذه المسألة، وهل الوصال جائزٌ أو محرَّمٌ أو مكروهٌ؟ قيل: قد اختلف النَّاس في هذه المسألة على ثلاثة أقوالٍ: أحدها: أنَّه جائزٌ لمن (١) قدر عليه، وهذا يُروى عن عبد الله بن الزبير (٢) وغيره من السَّلف (٣)، وكان ابن الزبير يواصل الأيَّام. ومن حجَّة أرباب هذا القول أنَّ النَّبيَّ ﷺ واصل بالصَّحابة مع نهيه لهم عن الوصال، كما في «الصَّحيحين» (٤) من حديث أبي هريرة: أنَّه نهى عن الوصال وقال: «إنِّي لستُ كهيئتكم»، فلمَّا أبوا أن ينتهوا واصلَ بهم يومًا ثمَّ يومًا (٥). فهذا فيه وصاله بهم بعد نهيه عن الوصال، فلو كان النَّهي للتَّحريم لما أبوا أن ينتهوا، ولَمَا أقرَّهم عليه بعد ذلك. قالوا: فلمَّا فعلوه بعد نهيه وهو يعلم ويُقِرُّهم، عُلِم أنَّه أراد الرَّحمة بهم والتَّخفيف عنهم، وقد قالت عائشة: «نهى رسول الله ﷺ عن الوصال رحمةً لهم». متَّفقٌ عليه (٦). وقالت طائفةٌ أخرى: لا يجوز الوصال، منهم مالك وأبو حنيفة

стр. 872

والشَّافعيُّ والثَّوريُّ. قال ابن عبد البرِّ (١) ــ وقد حكاه عنهم ــ: إنَّهم لم يجيزوه لأحدٍ (٢). قلت: الشَّافعيُّ نصَّ على كراهته (٣)، واختلف أصحابه هل هي كراهة تحريمٍ أو تنزيهٍ؟ على وجهين، واحتجَّ المحرِّمون بنهي النَّبيِّ ﷺ ، قالوا: والنَّهي يقتضي التَّحريم. قالوا: وقول عائشة: «رحمةً لهم» لا يمنع أن يكون للتَّحريم، بل يؤكِّده، فإنَّ من رحمته لهم أن حرَّمه عليهم، بل سائر مناهيه للأمَّة رحمةٌ وحميةٌ (٤) وصيانةٌ. قالوا: وأمَّا مواصلته بهم بعد نهيه فلم يكن تقريرًا لهم، كيف وقد نهاهم، ولكن تقريعًا وتنكيلًا، فاحتمل منهم الوصال بعد نهيه لأجل مصلحة النَّهي في تأكيد زجرهم، وبيانِ الحكمة في نهيهم عنه بظهور المفسدة الَّتي نهاهم لأجلها لهم، فإذا ظهرت لهم مفسدة الوصال وظهرت حكمة النَّهي عنه كان ذلك أدعى إلى قبولهم وتركهم له، فإنَّهم إذا ظهر لهم ما في (٥) الوصال وأحسُّوا منه بالملل في العبادة والتَّقصير فيما هو أهمُّ وأرجح من وظائف الدِّين: من القوَّة في أمر اللَّه، والخشوع في فرائضه، والإتيان بحقوقها الظَّاهرة والباطنة، والجوع الشَّديد ينافي ذلك ويحول بين العبد وبينه= تبيَّن لهم

стр. 873

حكمة النَّهي عن الوصال، والمفسدة الَّتي فيه لهم دونه ﷺ . قالوا: وليس إقراره لهم على الوصال لهذه المصلحة الرَّاجحة بأعظم من إقرار (١) الأعرابيِّ على البول في مسجده (٢) لمصلحة التَّأليف، ولئلَّا ينفِر عن الإسلام، ولا بأعظم من إقراره المسيء في صلاته على الصَّلاة الَّتي أخبر ﷺ أنَّها ليست صلاةً (٣)، وأنَّ فاعلها غير مصلٍّ، بل هي صلاةٌ باطلةٌ في دينه، فأقرَّه عليها لمصلحة تعليمه وقبوله بعد الفراغ، فإنَّه أبلغ في التَّعليم والتَّعلُّم. قالوا: وقد قال ﷺ : «إذا أمرتُكم بشيء فأْتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتُكم عن شيءٍ فاجتنبوه» (٤). قالوا: وقد ذكر في الحديث ما يدلُّ على أنَّ الوصال من خصائصه، فقال: «إنِّي لست كهيئتكم»، ولو كان مباحًا لم يكن من خصائصه. قالوا: وفي «الصَّحيحين» (٥) من حديث عمر بن الخطَّاب قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أقبل اللَّيلُ من هاهنا، وأدبر النَّهار من هاهنا (٦)، وغَرَبتِ الشَّمس، فقد أفطر الصَّائم». وفي «الصَّحيحين» نحوه (٧) من حديث

стр. 874

عبد الله بن أبي أوفى (١). قالوا: فجعله مفطرًا حكمًا بدخول وقت الفطر وإن لم يفطر، وذلك يحيل الوصال شرعًا. قالوا: وقد قال ﷺ : «لا تزال أمَّتي على الفطرة، ولا تزال أمَّتي بخيرٍ ما عجَّلوا الفطر» (٢). وفي «السُّنن» (٣) عنه: «لا يزال الدِّين ظاهرًا ما عجَّل النَّاس الفطر، لأنَّ (٤) اليهود والنَّصارى يؤخِّرون». وفي «السُّنن» (٥) عنه قال: «قال الله : أحبُّ عبادي إليَّ أعجلُهم فطرًا».

стр. 875

وهذا يقتضي كراهة تأخير الفطور (١)، فكيف تركه، وإذا كان مكروهًا لم يكن عبادةً، فإنَّ أقلَّ درجات العبادة أن تكون مستحبَّةً. والقول الثَّالث وهو أعدل الأقوال: إنَّ الوصال يجوز من سَحرٍ إلى سَحرٍ، وهذا هو المحفوظ عن أحمد وإسحاق، لحديث أبي سعيدٍ الخدريِّ عن النَّبيِّ ﷺ : «لا تُواصِلوا، فأيُّكم أراد أن يواصلَ فليواصلْ إلى السَّحَر». رواه البخاريُّ (٢). وهذا أعدل الوصال وأسهله على الصَّائم، وهو في الحقيقة بمنزلة عشائه إلا أنَّه تأخَّر، فالصَّائم له في اليوم واللَّيلة أكلةٌ، فإذا أكلها في السَّحر كان قد نقلها من أوَّل اللَّيل إلى آخره. والله أعلم. فصل وكان من هديه أنه لا يدخل في صوم رمضان إلا برؤيةٍ محقَّقةٍ، أو شهادة شاهدٍ واحدٍ، كما صام بشهادة ابن عمر (٣)، وصام مرَّةً بشهادة أعرابيٍّ (٤)،

стр. 876

واعتمد على خبرهما، ولم يكلِّفهما لفظ الشَّهادة. فإن كان ذلك إخبارًا فقد اكتفى في رمضان بخبر الواحد، وإن كان شهادةً فلم يكلِّف الشَّاهد لفظَ الشَّهادة. فإن لم تكن رؤيةٌ ولا شهادةٌ أكمل عدَّة شعبان ثلاثين يومًا. وكان إذا حالَ ليلةَ الثَّلاثين دون منظره غيمٌ أو سحابٌ أكمل شعبان (١) ثلاثين يومًا ثمَّ صام. ولم يكن يصوم يوم الإغمام ولا أمر به، بل أمر بأن يكمل عدَّة شعبان ثلاثين إذا غُمَّ، وكان يفعل كذلك. فهذا فعله وأمره، ولا يناقض هذا قولَه: «فإن غُمَّ عليكم فاقدِروا له» (٢)، فإنَّ القدْر هو الحساب المقدَّر، والمراد به الإكمال كما قال: «فأكمِلوا العدَّة» (٣)، والمراد بالإكمال إكمال (٤) عدَّة الشَّهر الذي غُمَّ، كما قال في الحديث الصَّحيح الذي رواه البخاريُّ (٥): «فأكمِلوا عدَّة شعبان». وقال: «لا تصوموا حتَّى تَرَوه، ولا تفطروا حتَّى تروه، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدَّة» (٦). فالذي أمر (٧) بإكمال

стр. 877

عدَّته هو الشَّهر الذي يغمُّ، وهو عند صيامه وعند الفطر منه. وأصرح من هذا قوله: «الشَّهر تسعٌ وعشرون، فلا تصوموا حتَّى تروه، فإن غمَّ عليكم فأكملوا العدَّة» (١). وهذا راجعٌ إلى أوَّل الشَّهر بلفظه وإلى آخره بمعناه، فلا يجوز إلغاء ما دلَّ عليه لفظه، واعتبارُ ما دلَّ عليه من جهة المعنى. وقال: «الشَّهر ثلاثون، والشَّهر تسع وعشرون، فإن غُمَّ عليكم فعدُّوا ثلاثين» (٢). وقال: «لا تصوموا قبل رمضان، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن حالت دونه غَيايةٌ (٣) فأكمِلوا ثلاثين» (٤). وقال: «لا تَقدَّموا الشَّهر حتَّى تروا الهلال أو تُكمِلوا العدَّة، ثمَّ صوموا (٥) حتَّى تروا الهلال أو تكملوا العدَّة» (٦).

стр. 878

وقالت عائشة: «كان رسول الله ﷺ يتحفَّظ من هلال شعبان ما لا يتحفَّظ من غيره، ثمَّ يصوم لرؤيته، فإن غُمَّ عليه عدَّ شعبان ثلاثين يومًا، ثمَّ صام» (١). صحَّحه الدَّارقطنيُّ وابن حبَّان. وقال: «صوموا لرؤيته وأفطِروا لرؤيته، فإن غُمَّ عليكم فاقدِروا ثلاثين» (٢). وقال: «لا تصوموا حتَّى تروه، ولا تُفطِروا حتَّى تروه (٣)، فإن أُغمِيَ (٤) عليكم فاقدُروا له» (٥). وقال: «لا تَقدَّموا رمضان» (٦). وفي لفظٍ: «لا تَقدَّموا بين يدي رمضان بيومٍ أو يومين، إلا رجلٌ (٧) كان يصوم صيامًا فليصُمْه» (٨).

стр. 879

والدَّليل على أنَّ يوم الإغمام داخلٌ في هذا النَّهي حديثُ ابن عبَّاسٍ يرفعه: «لا تصوموا قبلَ رمضان، صُوموا لرؤيته وأفطِروا لرؤيته، فإن حالتْ دونه غَيايةٌ فأكملوا ثلاثين». ذكره ابن حبَّان في «صحيحه» (١). فهذا صريحٌ في أنَّ صوم يوم الإغمام من غير رؤيةٍ ولا إكمالِ ثلاثين صومٌ قبل رمضان. وقال: «لا تَقدَّموا الشَّهر إلا أن تروا الهلالَ أو تُكمِلوا العدَّة، ولا تُفطِروا حتَّى تَروا الهلال أو تُكمِلوا العدَّة» (٢). وقال: «صوموا لرؤيته وأفطِروا لرؤيته، فإن حال بينكم وبينه سحابٌ فكمِّلوا العدَّة ثلاثين، ولا تستقبلوا الشَّهر استقبالًا» (٣). قال الترمذي (٤): حديثٌ صحيحٌ (٥). وفي النَّسائيِّ (٦): من حديث [أبي] يونس، عن سِماك، عن عكرمة، عن ابن عبَّاسٍ يرفعه: «صوموا لرؤيته وأفطِروا لرؤيته (٧)، فإن حالَ (٨) بينكم وبينه

стр. 880

سحابٌ فأكمِلوا العدَّة عدَّة شعبان». وقال سِماك عن عكرمة عن ابن عبَّاسٍ: تَمارى النَّاسُ في رؤية هلال رمضان، فقال بعضهم: اليوم، وقال بعضهم: غدًا، فجاء أعرابيٌّ إلى النَّبيِّ ﷺ فذكر أنَّه رآه، فقال النَّبيُّ ﷺ : «تشهدُ أن لا إله إلا الله وأنَّ محمَّدًا رسول اللَّه؟»، قال: نعم. فأمر النَّبيُّ ﷺ بلالًا فنادى في النَّاس: صوموا. ثمَّ قال: «صوموا لرؤيته وأفطِروا لرؤيته، فإن غُمَّ عليكم فقدِّروا (١) ثلاثين يومًا ثمَّ صوموا، ولا تصوموا قبله يومًا» (٢). وكلُّ هذه الأحاديث صحيحةٌ، فبعضها في «الصَّحيحين»، وبعضها في «صحيح ابن حبَّان» والحاكم وغيرهما، وإن كان قد أُعِلَّ بعضها بما لا يقدح في صحَّة الاستدلال بمجموعها، وتفسيرِ بعضها ببعض، واعتبارِ بعضها ببعضٍ، وكلُّها يصدِّق بعضها بعضًا، والمراد منها متَّفقٌ. فإن قيل (٣): فإذا كان هذا هديه ﷺ فكيف خالفه عمر بن الخطَّاب، وعليُّ بن أبي طالبٍ، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالكٍ، وأبو هريرة، ومعاوية، وعمرو بن العاص، والحكم بن أيوب (٤) الغِفاري، وعائشة
следующие страницы →