← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

مع ما في ترك ذلك من الرَّحمة بأمَّته والرَّأفة بهم، فإنَّه لو اعتمر في رمضان لبادرت الأمَّة إلى ذلك، وكان يشقُّ عليها الجمع بين العمرة والصَّوم, وربَّما لا تسمح أكثر النُّفوس بالفطر في هذه العبادة حرصًا على تحصيل العمرة وصوم رمضان، فتحصل المشقَّة، فأخَّرها إلى أشهر الحجِّ. وقد كان يترك كثيرًا من العمل وهو يحبُّ أن يعمله خشيةَ المشقَّة عليهم. ولمَّا دخل البيت خرج منه حزينًا، فقالت له عائشة في ذلك، فقال: «أخاف أن أكون قد شَقَقْتُ على أمَّتي» (١). وهَمَّ أن ينزِل يستقي مع سُقاة زمزم للحاجِّ، فخاف أن يُغلَب أهلُها على سِقايتهم بعده (٢). والله أعلم. فصل ولم يُحفَظ (٣) عنه ﷺ أنَّه اعتمر في السَّنة إلا مرَّةً واحدةً، ولم يعتمر في سنةٍ مرَّتين. وقد ظنَّ بعض النَّاس أنَّه اعتمر في سنةٍ مرَّتين، واحتجَّ بما رواه أبو داود في «سننه» (٤) عن عائشة أنَّ رسول الله ﷺ اعتمر عمرتين: عمرةً في ذي القعدة، وعمرةً في شوَّالٍ. قالوا: وليس المراد بهذا ذكر مجموع ما اعتمره، فإنَّ عائشة وأنسًا وابن عبَّاسٍ وغيرهم قد قالوا: إنَّه اعتمر أربع عمرٍ، فعُلِم أنَّ مرادها به أنَّه اعتمر في سنةٍ مرَّتين: مرَّةً في ذي القعدة، ومرَّةً في شوَّالٍ،

стр. 947

وهذا الحديث وهمٌ إن كان محفوظًا عنها، فإنَّ هذا لم يقع قطُّ، فإنَّه اعتمر أربع عمرٍ بلا ريبٍ: العمرة الأولى كانت في ذي القعدة عمرة الحديبية، ثمَّ لم يعتمر إلى العام القابل، عمرة القضيَّة في ذي القعدة (١)، ثمَّ رجع إلى المدينة ولم يخرج إلى مكَّة حتَّى (٢) فتحها سنة ثمانٍ في رمضان، ولم يعتمر ذلك العام، ثمَّ خرج إلى حنينٍ وهزم الله عدوَّه، فرجع إلى مكَّة وأحرم بعمرةٍ، وكان ذلك في ذي القعدة كما قال أنس وابن عبَّاسٍ، فمتى اعتمر في شوَّالٍ؟ ولكن لقي العدوَّ في شوَّالٍ وخرج فيه من مكَّة، وقضى عمرته لمَّا فرغ من أمر العدوِّ في ذي القعدة ليلًا، ولم يجمع ذلك العام بين عمرتين ولا قبله ولا بعده، ومن له عنايةٌ بأيَّامه وسيرته وأحواله لا يشكُّ ولا يرتاب في ذلك. فإن قيل: فبأيِّ شيءٍ يستحبُّون العمرة في السَّنة مرارًا إذا (٣) لم يُثبِتوا ذلك عن النَّبي ﷺ ؟ قيل (٤): قد اختُلِف في هذه المسألة، فقال مالك: أكره أن يعتمر في السَّنة أكثر من عمرةٍ واحدةٍ، وخالفه مُطرِّف من أصحابه وابن الموَّاز، فقال مطرِّف: لا بأس بالعمرة في السَّنة مرارًا، وقال ابن الموَّاز: أرجو أن لا يكون به بأسٌ، وقد اعتمرت عائشة مرَّتين في شهرٍ، ولا أرى أن يُمنع أحدٌ من التَّقرُّب إلى

стр. 948

الله بشيءٍ من الطَّاعات، ولا من الازدياد من الخير في موضعٍ لم يأتِ بالمنع منه نصٌّ، وهذا قول الجمهور. إلا أنَّ أبا حنيفة استثنى خمسة أيَّامٍ لا يعتمر فيها: يوم عرفة، ويوم النَّحر، وأيَّام التَّشريق. واستثنى أبو يوسف يوم النَّحر وأيَّام التَّشريق خاصَّةً. واستثنت الشَّافعيَّة البائتَ بمنًى لرمي أيَّام التَّشريق (١). واعتمرت عائشة في سنةٍ مرَّتين، فقيل للقاسم: لم ينكِر عليها أحدٌ؟ فقال: أعلى أمِّ المؤمنين (٢)؟ وكان أنس إذا حمَّم (٣) رأسُه خرج فاعتمر (٤). ويُذكر عن علي أنَّه كان يعتمر في السَّنة مرارًا (٥). وقد قال ﷺ : «العمرة إلى العمرة كفَّارةٌ لما بينهما» (٦). ويكفي في هذا أنَّ النَّبيَّ ﷺ أعمرَ عائشة من التَّنعيم سوى عمرتها الَّتي كانت أهلَّت بها، وذلك في عامٍ واحدٍ. ولا يقال: عائشة كانت قد رفضت العمرة، فهذه الَّتي من التَّنعيم قضاء عنها; لأنَّ العمرة لا يصحُّ رفضها. وقد قال لها النَّبيُّ ﷺ : «يَسَعُكِ طوافكِ لحجِّكِ وعمرتكِ» (٧)، وفي لفظٍ: «حللتِ منهما جميعًا» (٨).

стр. 949

فإن قيل: فقد ثبت في «صحيح البخاريِّ» (١) أنَّه ﷺ قال لها: «ارفُضِي عمرتك، وانقُضِي رأسَك وامتشطي»، وفي لفظٍ آخر (٢): «انقُضي رأسك وامتشطي، وأهلِّي بالحجِّ، ودعي العمرة»، وهذا صريحٌ في رفضها من وجهين، أحدهما: قوله ارفُضيها ودعيها، والثَّاني: أمره لها بالامتشاط. قيل: معنى قوله «ارفضيها»: اتركي أفعالها والاقتصارَ عليها، وكوني في حجَّةٍ معها. ويتعيَّن أن يكون هذا المراد لقوله: «حللت منهما جميعًا» لمَّا قضتْ أعمال الحجِّ، وقولِه: «يسَعُكِ طوافُك لحجِّك وعمرتك»، فهذا صريحٌ أنَّ إحرام العمرة لم يَرتفِضْ (٣)، وإنَّما رفضتْ أعمالَها والاقتصارَ عليها، وأنَّها بانقضاء حجِّها (٤) انقضى حجُّها وعمرتها، ثمَّ أعمرَها من التَّنعيم تطييبًا لقلبها، إذ تأتي بعمرةٍ مستقلَّةٍ كصواحباتها. ويُوضح ذلك إيضاحًا بيِّنًا ما روى مسلم في «صحيحه» (٥) من حديث الزُّهريِّ، عن عروة عنها قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في حجَّة الوداع، فحِضتُ، فلم أزل حائضًا حتَّى كان يوم عرفة، ولم أُهِلَّ إلا بعمرةٍ، فأمرني رسول الله ﷺ أن أنقُضَ رأسي وأمتشط، وأُهِلَّ بالحجِّ، وأترك العمرة، قالت: ففعلتُ ذلك، حتَّى إذا قضيتُ حجِّي بعث معي رسول الله ﷺ عبد الرَّحمن بن أبي بكرٍ، وأمرني أن أعتمر من التَّنعيم مكانَ عمرتي الَّتي

стр. 950

أدركني الحجُّ ولم أحِلَّ (١) منها. فهذا حديثٌ في غاية الصِّحَّة والصَّراحة أنَّها لم تكن أَحلَّتْ من عمرتها، وأنَّها بقيتْ محرِمةً بها (٢) حتَّى أدخلت عليها الحجَّ، فهذا خبرها عن نفسها، وذاك قول رسول الله ﷺ لها، كلٌّ منهما يوافق الآخر، وباللَّه التَّوفيق. وفي قوله ﷺ : «العمرة إلى العمرة كفَّارةٌ لما بينهما، والحجُّ المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنَّة» (٣) دليلٌ على التَّفريق بين الحجِّ والعمرة في التَّكرار، وتنبيهٌ على ذلك، إذ لو كانت العمرة كالحجِّ لا تُفعل في السَّنة إلا مرَّةً (٤) لسوَّى بينهما ولم يفرِّق. وروى الشَّافعيُّ (٥) عن علي أنَّه قال: في كلِّ شهرٍ مرَّةً (٦). وروى وكيعٌ عن إسرائيل، عن سُويد بن أبي ناجية، عن أبي جعفر قال: قال علي: اعتمِرْ في الشَّهر إن أطقتَ مرارًا (٧). وذكر سعيد بن منصورٍ عن سفيان عن ابن أبي

стр. 951

حسين (١)، عن بعض ولد أنس: أنَّ أنسًا كان إذا كان بمكَّة فحمَّم (٢) رأسُه، خرج إلى التَّنعيم فاعتمر (٣). فصل في سياق هديه ﷺ في حجَّته لا خلاف أنَّه ﷺ لم يحجَّ بعد هجرته إلى المدينة سوى حجَّةٍ واحدةٍ وهي حجَّة الوداع، ولا خلافَ أنَّها كانت سنة عشرٍ. واختُلِف: هل حجَّ قبل الهجرة؟ فروى الترمذي (٤) عن جابر بن عبد الله قال: حجَّ النَّبيُّ ﷺ ثلاثَ حِججٍ: حجَّتين قبل أن يهاجر، وحجَّةً بعدما هاجر معها عمرةٌ. قال الترمذي (٥): هذا حديثٌ غريبٌ من حديث سفيان. قال: وسألتُ محمَّدًا ــ يعني البخاريَّ ــ عن هذا، فلم يعرفه من حديث الثَّوريِّ، وفي روايةٍ: لا يعدُّ هذا الحديث محفوظًا. ولمَّا نزل فرض الحجِّ بادرَ رسول الله ﷺ إلى الحجِّ من غير تأخيرٍ، فإنَّ فرض الحجِّ (٦) تأخَّر إلى سنة تسعٍ أو عشرٍ. وأمَّا قوله تعالى: ﴿(١٩٥) وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فإنَّها وإن نزلت سنة ستٍّ عامَ الحديبية، فليس فيها

стр. 952

فريضة (١) الحجِّ، وإنَّما فيها الأمرُ بإتمامه وإتمامِ العمرة بعد الشُّروع فيهما، وذلك لا يقتضي وجوبَ الابتداء. فإن قيل: فمن أين لكم تأخُّر (٢) نزول فرضه إلى التَّاسعة أو العاشرة؟ قيل: لأنَّ صدْر سورة آل عمران نزل عام الوفود، وفيه قدم وفد نجران على رسول الله ﷺ ، وصالحهم على أداء الجزية، والجزية إنَّما نزلت عام تبوك سنة تسعٍ، وفيها نزل صدر سورة (٣) آل عمران، وناظر أهل الكتاب ودعاهم إلى التَّوحيد والمباهلة. ويدلُّ عليه أنَّ أهل مكَّة وجدوا في نفوسهم بما فاتهم من التِّجارة من المشركين لمَّا أنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]، فأعاضهم الله من ذلك بالجزية. ونزولُ هذه الآيات (٤) والمناداةُ بها إنَّما كان في سنة تسعٍ، وبعث الصِّدِّيق يؤذِّن بذلك في مكَّة في مواسم الحجِّ، وأردفه بعلي. وهذا الذي ذكرناه قد قاله غير واحدٍ من السَّلف. والله أعلم. فصل ولمَّا عزم رسول الله ﷺ على الحجِّ أعلمَ النَّاسَ أنَّه حاجٌّ، فتجهَّزوا للخروج معه، وسمع بذلك مَن حول المدينة، فقدموا يريدون الحجَّ مع رسول الله ﷺ ، ووافاه في الطَّريق خلائقُ لا يُحصَون، فكانوا من بين يديه

стр. 953

ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله مدَّ البصر. وخرج من المدينة نهارًا بعد الظُّهر لستٍّ بقين من ذي القعدة بعد أن صلَّى الظُّهر بها أربعًا، وخطبَهم قبل ذلك خطبةً علَّمهم فيها الإحرامَ وواجباتِه وسننَه. قال ابن حزمٍ (١): وكان خروجه يوم الخميس. قلت: والظَّاهر أنَّ خروجه كان يوم السَّبت، واحتجَّ أبو محمد ابن حزمٍ على قوله بثلاث مقدِّماتٍ، إحداها: أنَّ خروجه كان لستٍّ بقين من ذي القعدة. والثَّانية: أنَّ استهلال ذي الحجَّة كان يوم الخميس. والثَّالثة: أنَّ يوم عرفة كان يوم الجمعة. واحتجَّ على أنَّ خروجه كان لستٍّ بقين من ذي القعدة بما روى البخاريُّ (٢) من حديث ابن عبَّاسٍ: انطلق النَّبيُّ ﷺ من المدينة بعدما ترجَّل وادَّهن، فذكر الحديث. وقال: وذلك لخمسٍ بقين من ذي القعدة (٣). قال ابن حزمٍ (٤): وقد نصَّ عمر (٥) على أنَّ يوم عرفة كان يوم الجمعة، وهو التَّاسع، فاستهلالُ ذي الحجَّة بلا شكٍّ ليلة الخميس، فآخرُ ذي القعدة يوم الأربعاء، فإذا كان خروجه لستِّ ليالٍ بقين من ذي القعدة كان يوم الخميس، إذ الباقي بعده ستُّ ليالٍ سواء. ووجهُ ما اخترناه أنَّ الحديث صريحٌ في أنَّه خرج لخمسٍ بقين، وهي يوم

стр. 954

السَّبت والأحد والاثنين والثُّلاثاء والأربعاء، فهذه خمسٌ، وعلى قوله يكون خروجه لسبعٍ بقين، فإن لم يعدَّ يوم الخروج كان لستٍّ، وأيُّهما كان فهو خلاف الحديث. وإن اعتبر اللَّيالي كان خروجه لستِّ ليالٍ بقين لا لخمسٍ، فلا يصحُّ الجمع بين خروجه يومَ الخميس وبين بقاء خمسٍ من الشَّهر البتَّةَ، بخلاف ما إذا كان الخروج يوم السَّبت، فإنَّ (١) الباقي بيوم الخروج خمسٌ بلا شكٍّ. ويدلُّ عليه أنَّ النَّبيَّ ﷺ ذكر لهم في خطبته شأنَ الإحرام وما يلبس المحرم بالمدينة على منبره، والظَّاهر أنَّ هذا كان يوم الجمعة، لأنَّه لم يُنقل أنَّه جمعهم ونادى فيهم لحضور الخطبة، وقد شهد ابن عمر هذه الخطبة بالمدينة على منبره. وكان عادته ﷺ أن يعلِّمهم في كلِّ وقتٍ ما يحتاجون إليه إذا حضر فعلُه، فأولى الأوقات به الجمعة الَّتي تلي خروجه، والظَّاهر أنَّه لم يكن ليدع الجمعة وبينه وبينها بعضُ يومٍ من غير ضرورةٍ، وقد اجتمع إليه الخلق، وهو أحرص النَّاس على تعليمهم الدِّين، وقد حضر ذلك المجمع العظيم. والجمع بينه وبين الحجِّ (٢) ممكنٌ بلا تفويتٍ. والله أعلم. ولمَّا علم أبو محمد ابن حزم أنَّ قول ابن عبَّاسٍ وعائشة: «خرج لخمسٍ بقين من ذي القعدة» لا يلتئم مع (٣) قوله أوَّلَه بأن قال: معناه أنَّ (٤) اندفاعه من ذي الحليفة كان لخمسٍ= قال: وليس بين ذي الحليفة وبين المدينة إلا أربعة أميالٍ

стр. 955

فقط، فلم تعدَّ هذه المرحلة القريبة لقلَّتها، وبهذا تأتلف جميع الأحاديث (١). قال (٢): ولو كان خروجه من المدينة لخمسٍ بقين لذي القعدة لكان خروجه بلا شكٍّ يوم الجمعة، وهذا خطأٌ؛ لأنَّ الجمعة لا تُصلَّى أربعًا، وقد ذكر أنس (٣) أنَّهم صلَّوا الظُّهر معه بالمدينة أربعًا. قال: ويزيده وضوحًا، ثمَّ ساق من طريق البخاريِّ (٤) حديث كعب بن مالكٍ: لَقلَّ ما (٥) كان رسول الله ﷺ يخرج إذا خرج في سفرٍ إلا يوم الخميس. وفي لفظٍ آخر: «أنَّ رسول الله ﷺ كان يحبُّ أن يخرج يوم الخميس» (٦)، فبطل خروجه يوم الجمعة لِما ذكرنا عن أنس، وبطل خروجه يوم السَّبت؛ لأنَّه يكون حينئذٍ خارجًا من المدينة لأربعٍ بقين من ذي القعدة، وهذا ما لم يقله أحدٌ. قال: وأيضًا فقد صحَّ مبيتُه بذي الحليفة اللَّيلة المستقبلة من يوم خروجه من المدينة، فكان يكون اندفاعُه من ذي الحُليفة يوم الأحد. يعني: لو كان خروجه يوم السَّبت، وصحَّ مبيتُه بذي طوى ليلةَ دخوله مكَّة، وصحَّ أنَّه دخلها صُبْحَ (٧) رابعةٍ (٨) من ذي الحجَّة= فعلى هذا يكون مدَّة سفره من

стр. 956

المدينة إلى مكَّة سبعةَ أيَّامٍ؛ لأنَّه كان يكون خارجًا من المدينة لو كان ذلك لأربعٍ بقين لذي القعدة، واستوى على مكَّة لثلاثٍ خلون من ذي الحجَّة (١) وفي استقبال اللَّيلة الرَّابعة، فتلك سبع ليالٍ لا مزيد، وهذا خطأٌ بإجماعٍ وأمرٌ لم يقله أحدٌ، فصحَّ أنَّ خروجه كان لستٍّ بقين لذي القعدة، وتآلفت الرِّوايات كلُّها، وانتفى التَّعارض عنها بحمد الله. قلت: هي متآلفةٌ متوافقةٌ، والتَّعارض منتفٍ عنها مع خروجه يومَ السَّبت، ويزول عنها الاستكراه الذي أوَّلتَها عليه كما ذكرناه. وأمَّا قول أبي محمد: لو كان خروجه من المدينة لخمسٍ بقين من ذي القعدة لكان خروجه يوم الجمعة، إلى آخره= فغير لازمٍ، بل يصحُّ أن يخرج لخمسٍ، ويكون خروجه يوم السَّبت. والَّذي غَرَّ أبا محمد أنَّه رأى الرَّاوي قد حذف التَّاء من العدد، وهي إنَّما تُحذف مع المؤنَّث، ففهم لخمس ليالٍ بقين، وهذا إنَّما يكون إذا كان الخروج يوم الجمعة، ولو كان يوم السَّبت لكان لأربع ليالٍ بقين. وهذا بعينه ينقلب عليه، فإنَّه لو كان خروجه يوم الخميس لم يكن لخمس ليالٍ بقين، وإنَّما يكون لستِّ ليالٍ بقين، ولهذا اضطُرَّ إلى أن يؤوِّل الخروج المقيَّد بالتَّاريخ المذكور بخمسٍ على الاندفاع من ذي الحليفة، ولا ضرورةَ له إلى ذلك، إذ من الممكن أن يكون شهر ذي القعدة كان ناقصًا، فوقع الإخبار عن تاريخ الخروج بخمسٍ بقين منه بناءً على المعتاد من الشَّهر، وهذه عادة العرب والنَّاس في تواريخهم، أن يؤرِّخوا بما بقي من الشَّهر بناءً على كماله، ثمَّ يقع الإخبار عنه بعد انقضائه وظهور

стр. 957

نقصِه كذلك، لئلَّا يختلف عليهم التَّاريخ، فيصحُّ أن يقول القائل يومَ الخامس والعشرين: «كُتِب لخمسٍ بقين»، ويكون الشَّهر تسعًا وعشرين. وأيضًا فإنَّ الباقي كان خمسة أيَّامٍ بلا شكٍّ بيوم الخروج، والعرب إذا اجتمعت اللَّيالي والأيَّام في التَّاريخ غلَّبت لفظَ اللَّيالي لأنَّها أوَّل الشَّهر، وهي أسبق من اليوم، فتذكر اللَّيالي ومرادها الأيَّام، فيصحُّ أن يقال: «لخمسٍ بقين» باعتبار الأيَّام، ويُذكَّر لفظ العدد باعتبار اللَّيالي، فصحَّ حينئذٍ أن يكون خروجه لخمسٍ بقين ولا يكون يوم الجمعة. وأمَّا حديث كعب فليس فيه أنَّه لم يكن يخرج قطُّ إلا يوم الخميس، وإنَّما فيه أنَّ ذلك كان أكثر خروجه، ولا ريبَ أنَّه لم يكن يتقيَّد في خروجه إلى الغزوات بيوم الخميس. وأمَّا قوله: لو خرج يوم السَّبت لكان خارجًا لأربعٍ، فقد تبيَّن أنَّه لا يلزم، لا (١) باعتبار اللَّيالي ولا باعتبار الأيَّام. وأمَّا قوله: إنَّه بات بذي الحليفة اللَّيلةَ المستقبلة من يوم خروجه من المدينة إلى آخره، وإنه يلزم من خروجه يوم السَّبت أن تكون مدَّة سفره سبعة أيَّامٍ= فهذا عجبٌ منه، فإنَّه إذا خرج يوم السَّبت وقد بقي من الشَّهر خمسة أيَّامٍ ودخل مكَّة لأربعٍ مَضَين من ذي الحجَّة فبين خروجِه من المدينة ودخوله مكَّة تسعةُ أيَّامٍ، وهذا غير مشكلٍ بوجهٍ من الوجوه، فإنَّ الطَّريق الَّتي سلكها إلى مكَّة بين المدينة وبينها هذا المقدار، وسيرُ العرب أسرع من سير

стр. 958

الحضر بكثيرٍ، ولا سيَّما مع عدم المحامل والكَجاوات (١) والزَّوامل الثِّقال. وهذا القول الذي اخترناه أحد القولين في تاريخ خروجه، قاله الواقدي، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (٢). عدنا إلى سياق حَجته، فصلَّى الظُّهر بالمدينة بالمسجد أربعًا، ثمَّ ترجَّل وادَّهن، ولبس إزاره ورداءه (٣)، وخرج بين الظُّهر والعصر، فنزل بذي الحليفة فصلَّى بها العصر ركعتين، ثمَّ بات بها، وصلَّى بها المغرب والعشاء والصُّبح (٤) والظُّهر (٥)، فصلَّى بها خمس صلواتٍ. وكان نساؤه كلُّهنَّ معه (٦)، فطاف عليهنَّ تلك اللَّيلة، فلمَّا أراد الإحرام اغتسل غسلًا ثانيًا لإحرامه غيرَ غسلِ الجماع الأوَّل. ولم يذكر ابن حزمٍ أنَّه اغتسل غير الغسل الأوَّل للجنابة (٧)، فإمَّا أن يكون تركه عمدًا لأنَّه لم يثبت عنده، وإمَّا أن يكون سهوًا منه، وقد قال زيد بن ثابتٍ: إنَّه رأى النَّبيَّ ﷺ تجرَّد لإهلاله واغتسل (٨). قال الترمذي:

стр. 959

حديثٌ حسنٌ غريبٌ. وذكر الدَّارقطنيُّ (١) عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يُحرِم غسلَ رأسه بخِطْميٍّ وأُشنانٍ. ثمَّ طيَّبته عائشة بيدها بذَرِيرةٍ (٢) وبطيبٍ فيه مِسْكٌ في بدنه ورأسه، حتَّى كان وَبيصُ (٣) المسكِ يُرى في مفارِقه ولحيته ﷺ (٤). ثمَّ استدامَه ولم يغسله، ثمَّ لبس إزاره ورداءه، ثمَّ صلَّى الظُّهر ركعتين، ثمَّ أهلَّ بالحجِّ والعمرة في مصلَّاه. ولم يُنقل عنه أنَّه صلَّى للإحرام ركعتين غيرَ فرض الظُّهر. وقلَّد قبل الإحرام بَدَنتَه نعلين، وأشعرها في جانبها الأيمن، فشقَّ صفحةَ سَنامها، وسَلَتَ الدَّم عنها (٥). وإنَّما قلنا: إنَّه أحرم قارنًا لاثنين وعشرين (٦) حديثًا صريحةً صحيحةً في ذلك: أحدها: ما خَرَّجا (٧) في «الصَّحيحين» (٨) عن ابن عمر، قال: تمتَّع

стр. 960

رسول الله ﷺ في حجَّة الوداع بالعمرة إلى الحجِّ، وأهدى، فساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله ﷺ فأهلَّ بالعمرة، ثمَّ أهلَّ بالحجِّ. وذكر الحديث. وثانيها: ما خرَّجا (١) في «الصَّحيحين» (٢) أيضًا عن عروة عن عائشة، أخبرته عن رسول الله ﷺ بمثل حديث ابن عمر سواءً. وثالثها: ما روى مسلم في «صحيحه» (٣) من حديث قتيبة، عن الليث، عن نافع، عن ابن عمر: أنَّه قرن الحجَّ إلى العمرة، وطاف لهما طوافًا واحدًا، ثمَّ قال: هكذا فعل رسول الله ﷺ . ورابعها: ما روى أبو داود (٤) عن النُّفيلي، ثنا زهير بن معاوية (٥)، ثنا أبو إسحاق (٦)، عن مجاهد: سئل ابن عمر: كم اعتمر رسول الله ﷺ ؟ فقال: مرَّتين. فقالت عائشة: لقد علم ابن عمر أنَّ رسول الله ﷺ اعتمر ثلاثًا سوى الَّتي قَرنَ بحجَّته. ولا يناقض هذا قول ابن عمر: «إنَّه ﷺ قرنَ بين الحجِّ والعمرة»؛ لأنَّه أراد العمرة الكاملة المفردة ولا ريب أنَّهما عمرتان: عمرة القضاء وعمرة

стр. 961

الجعرانة؛ وعائشة أرادت العمرتين المستقلَّتين، وعمرة القِران، والَّتي صُدَّ عنها، ولا ريب أنَّها أربعٌ. وخامسها: ما رواه (١) سفيان الثَّوريُّ، عن جعفر بن محمَّدٍ، عن أبيه (٢)، عن جابر بن عبد اللَّه: أنَّ رسول الله ﷺ حجَّ ثلاث حِجَجٍ: [حجَّتين] (٣) قبل أن يهاجر، وحجَّةً بعدما هاجر، معها عمرةٌ. رواه الترمذي وغيره (٤). وسادسها: ما روى (٥) أبو داود (٦) عن النُّفيلي وقُتيبة قالا: حدَّثنا داود بن عبد الرحمن العطار، عن عمرو بن دينارٍ، عن عكرمة، عن ابن عبَّاسٍ، قال: اعتمر رسول الله ﷺ أربع عمرٍ: عمرة الحديبية، والثَّانية حين تواطأوا على عمرةٍ من قابلٍ، والثَّالثة (٧) من الجِعرانة، والرَّابعة الَّتي قرن مع حجَّته. وسابعها: ما رواه البخاريُّ في «صحيحه» (٨) عن عمر بن الخطَّاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ بوادي العقيق يقول: «أتاني اللَّيلةَ آتٍ من ربِّي ، فقال: صلِّ في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرةٌ في حجَّةٍ».

стр. 962

وثامنها: ما رواه أبو داود (١) عن البراء بن عازبٍ قال: كنت مع علي حين أمَّره رسول الله ﷺ على اليمن، فأصبتُ معه أواقيَّ، فلمَّا قدم عليٌّ من اليمن على رسول الله ﷺ قال: وجدتُ فاطمة قد لبست ثيابًا صَبِيغًا (٢)، وقد نَضَحت البيت بنَضُوحٍ، فقالت: ما لك؟ فإنَّ رسول الله ﷺ قد أمر أصحابه فأَحَلُّوا، قال: قلتُ لها: إنِّي أهللتُ بإهلال النَّبيِّ ﷺ ، قال: فأتيت النَّبيَّ ﷺ فقال لي: «كيف صنعتَ؟» قال: قلت: أهللتُ بإهلال النَّبيِّ ﷺ ، قال: «فإنِّي قد (٣) سقتُ الهدي وقرنتُ»، وذكر الحديث. تاسعها: ما رواه النَّسائيُّ (٤) عن عمران بن يزيد الدمشقي، ثنا عيسى بن (٥) يونس، ثنا الأعمش، عن مسلم البَطِين، عن علي بن الحسين، عن مروان بن الحكم قال: كنتُ جالسًا عند عثمان، فسمع عليًّا يلبِّي بحج وعمرةٍ، فقال: ألم يكن يُنهى عن هذا؟ فقال: بلى، ولكنِّي سمعتُ رسول الله ﷺ يلبِّي بهما جميعًا، فلم أدَعْ قول رسول الله ﷺ لقولك. عاشرها: ما رواه مسلم في «صحيحه» (٦) من حديث شعبة، عن

стр. 963

حميد بن هلالٍ قال: سمعت مطرِّفًا قال: قال عمران بن حُصينٍ: أحدِّثك حديثًا عسى الله أن ينفعك به: إنَّ رسول الله ﷺ جمع بين حج وعمرةٍ، ثمَّ لم يَنْهَ عنه حتَّى مات، ولم ينزل قرآنٌ يُحرِّمه. وحادي عشرها: ما رواه يحيى بن سعيدٍ القطَّان وسفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالدٍ، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه قال: إنَّما جمع رسول الله ﷺ بين الحجِّ والعمرة، لأنَّه علم أنَّه لا يحجُّ بعدها (١). وله طرقٌ صحيحةٌ إليهما. وثاني عشرها: ما رواه الإمام أحمد (٢) من حديث سُراقة بن مالك قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «دخلتِ العمرةُ في الحجِّ إلى يوم القيامة»، قال: وقرن رسول الله ﷺ في حجَّة الوداع. إسناده ثقاتٌ. وثالث عشرها: ما رواه الإمام أحمد وابن ماجه (٣) من حديث أبي طلحة الأنصاريِّ: أنَّ رسول الله ﷺ جمع بين الحجِّ والعمرة. ورواه ابن ماجه (٤)، وفيه الحجَّاج بن أرطاة.

стр. 964

ورابع عشرها: ما رواه الإمام أحمد (١) من حديث الهِرماس بن زيادٍ الباهليِّ أنَّ رسول الله ﷺ قرنَ في حجَّة الوداع بين الحجِّ والعمرة. وخامس عشرها: ما رواه البزّار (٢) بإسنادٍ صحيحٍ إلى ابن أبي أوفى قال: إنَّما جمع رسول الله ﷺ بين الحجِّ والعمرة لأنَّه علمَ أنَّه لا يحجُّ بعد عامه ذلك. وقد قيل: إنَّ يزيد (٣) بن عطاء أخطأ في إسناده (٤)، وقال آخرون: لا سبيلَ إلى تخطئته بغير دليلٍ. وسادس عشرها: ما رواه الإمام أحمد (٥) من حديث جابر بن عبد اللَّه أنَّ رسول الله ﷺ قرن الحجَّ والعمرة، فطاف لهما طوافًا واحدًا. ورواه الترمذي، وفيه الحجَّاج بن أرطاة، وحديثه لا ينزل عن درجة الحسن ما لم ينفرد بشيءٍ أو (٦) يخالف الثِّقات. وسابع عشرها: ما رواه الإمام أحمد (٧) من حديث أم سلمة قالت:

стр. 965

سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «أهِلُّوا يا آلَ محمَّدٍ بعمرةٍ في حجٍّ». وثامن عشرها: ما أخرجاه في «الصَّحيحين» (١) ــ واللَّفظ لمسلم ــ عن حفصة قالت: قلت للنَّبيِّ ﷺ : ما شأن النَّاس حَلُّوا ولم تَحلِلْ من عمرتك؟ قال: «إنِّي قلَّدتُ هَدْيي، ولبَّدتُ رأسي، فلا أحلُّ حتى أحلَّ من الحجِّ». وهذا يدلُّ على أنَّه كان في عمرةٍ معها حجٌّ، وأنَّه لا يحلُّ من العمرة حتَّى يحلَّ من الحجِّ. وهذا على أصل مالك والشَّافعيِّ ألزمُ؛ لأنَّ المعتمر عمرةً مفردةً لا يمنعه عندهما الهديُ من التَّحلُّل، وإنَّما يمنعه عمرة القران، فالحديث على أصلهما نصٌّ. وتاسع عشرها: ما رواه النَّسائيُّ والتِّرمذيُّ (٢) عن محمد بن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، أنَّه سمع سعد بن أبي وقَّاصٍ والضَّحَّاكَ بن قيسٍ عامَ حجَّ معاوية بن أبي سفيان، وهما يذكران التَّمتُّع بالعمرة إلى الحجِّ، فقال الضحاك: لا يصنع ذلك إلا من جهِلَ أمرَ اللَّه، فقال سعد: بئس ما قلت يا ابن أخي! قال الضحاك: فإنَّ (٣) عمر بن الخطَّاب نهى عن ذلك، قال سعد: قد صنعها رسول الله ﷺ وصنعناها معه. قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.

стр. 966

ومراده هنا بالتَّمتُّع بالعمرة إلى الحجِّ: أحدُ نوعيه، وهو تمتُّع القِران، فإنّ لغة القرآن والصَّحابةِ الذين شهدوا التَّنزيل والتَّأويل تشهد بذلك، ولهذا قال ابن عمر (١): «تمتَّع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحجِّ، فبدأ فأهلَّ بالعمرة، ثمَّ أهلَّ بالحجِّ»، وكذلك قالت عائشة (٢). وأيضًا فالذي صنعه رسول الله ﷺ هو متعة القِران بلا شكٍّ، كما قطع به أحمد، ويدلُّ على ذلك أنَّ عمران بن حُصينٍ قال: تمتَّع رسول الله ﷺ وتمتَّعنا معه. متَّفقٌ عليه (٣). وهو الذي قال لمطرِّف: أُحدِّثك حديثًا عسى الله أن ينفعك به: إنَّ رسول الله ﷺ جمعَ بين حجٍّ وعمرةٍ، ثمَّ لم يَنْهَ عنه حتَّى مات. وهو في «صحيح مسلم» (٤). فأخبر عن قِرانه بقوله: «تمتَّع»، وبقوله: «جمعَ بين حجٍّ وعمرةٍ». ويدلُّ عليه أيضًا ما ثبت في «الصَّحيحين» عن سعيد بن المسيِّب قال: اجتمع علي وعثمان بعُسْفان، فكان عثمان ينهى عن المتعة أو العمرة، فقال علي: ما تريد إلى أمرٍ فعله رسول الله ﷺ تنهى عنه؟ فقال عثمان: دَعْنا منك، فقال: إنِّي لا أستطيع أن أدَعَك. فلمَّا رأى عليٌّ ذلك أهلَّ بهما جميعًا. هذا لفظ مسلم (٥).

стр. 967

ولفظ البخاريِّ (١): «اختلف علي وعثمان وهما بعُسْفان في المتعة، فقال علي: ما تريد إلا أن تنهى عن أمرٍ فعله رسول الله ﷺ ، فلمَّا رأى عليٌّ ذلك أهلَّ بهما جميعًا». وخرَّج البخاريُّ (٢) وحده من حديث مروان بن الحكم قال: شهدتُ عليًّا وعثمان، وعثمانُ ينهى عن المتعة وأن يجمع بينهما، فلمَّا رأى عليٌّ ذلك أهلَّ بهما: لبَّيك بعمرةٍ وحجَّةٍ، وقال: ما كنتُ أَدَعُ سنَّة النبي ﷺ لقول أحدٍ. فهذا يبيِّن أنَّ من جمع بينهما كان متمتِّعًا عندهم، وأنَّ هذا هو الذي فعله النبي ﷺ ، وقد وافقه عثمان على أنَّ رسول الله ﷺ فعل ذلك، فإنَّه لمَّا قال له: ما تريد إلى أمرٍ فعله رسول الله ﷺ تنهى عنه، لم يقل له: لَمْ يفعله رسول الله ﷺ ، ولولا أنَّه وافقه على ذلك لأنكره. ثمَّ قصد عليٌّ موافقةَ النَّبيِّ ﷺ ، والاقتداءَ به في ذلك، وبيانَ أنَّ فعْلَه لم يُنسَخ، فأهلَّ بهما جميعًا، تقريرًا للاقتداء به ومتابعته في القِران، وإظهارًا لسنَّةٍ نهى عنها عثمان متأوِّلًا، وحينئذٍ فهذا دليلٌ مستقلٌّ تمام العشرين. الحادي والعشرون: ما رواه مالك، عن ابن شهابٍ، عن عروة، عن عائشة أنَّها قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجَّة الوداع، فأهللنا بعمرةٍ، ثمَّ قال رسول الله ﷺ : «من كان معه هَدْيٌ فليُهِللْ بالحجِّ مع العمرة، ثمَّ لا يحلُّ حتَّى يحلَّ منهما جميعًا». رواه في «الموطأ» (٣).

стр. 968

ومعلومٌ أنَّه كان معه الهدي، فهو أولى من بادر إلى ما أمر به، وقد دلَّ عليه سائر الأحاديث الَّتي ذكرناها ونذكرها. وقد ذهب جماعةٌ من السَّلف والخلف إلى إيجاب القِران على (١) من ساق الهدي، والتمتُّع بالعمرة المفردة على من لم يَسُقِ الهدي، منهم: عبد الله بن عبَّاسٍ وجماعةٌ، فعندهم لا يجوز العدول عمَّا فعله رسول الله ﷺ وأمر به أصحابه، فإنَّه قرنَ وساق وأمرَ كلَّ من لا هدْيَ معه بالفسخ إلى عمرةٍ مفردةٍ، فالواجب أن يُفعَل كما فعله أو كما أمر. وهذا القول أصحُّ من قول من حرَّم فسخ الحجِّ إلى العمرة، من وجوهٍ كثيرةٍ (٢) سنذكرها إن شاء الله تعالى. الثَّاني والعشرون: ما خرَّجا في «الصَّحيحين» (٣) عن أبي قِلابة، عن أنس بن مالكٍ قال: صلَّى النبي ﷺ ونحن معه بالمدينة الظُّهر أربعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين، فبات بها حتَّى أصبح. ركبَ حتَّى استوت به راحلته على البيداء، حمِدَ الله وسبَّح ثمَّ أهلَّ بحجٍّ وعمرةٍ، وأهلَّ النَّاس بهما. فلمَّا قدِمنا أمر النَّاسَ فحلُّوا، حتَّى إذا كان يوم التَّروية أهلُّوا بالحجِّ. وفي «الصَّحيحين» (٤) أيضًا عن بكر بن عبد الله المزنيِّ، عن أنس قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يلبِّي بالحجِّ والعمرة جميعًا، قال بكر: فحدَّثتُ بذلك ابن عمر فقال: لبَّى بالحجِّ وحده. فلقيتُ أنسًا، فحدَّثته بقول ابن عمر فقال

стр. 969

أنس: ما تعدُّونا إلا صبيانًا، سمعت رسول الله ﷺ يقول: لبَّيك حجًّا وعمرةً. وبين أنس وابن عمر في السِّنِّ سنةٌ أو سنةٌ وشيءٌ. وفي «صحيح مسلم» (١) عن يحيى بن أبي إسحاق وعبد العزيز بن صُهيبٍ وحُميد أنَّهم سمعوا أنسًا قال: سمعتُ رسول الله ﷺ أهلَّ بهما: لبَّيك عمرةً وحجًّا لبيك عمرةً وحجًّا. وروى أبو يوسف القاضي عن يحيى بن سعيدٍ الأنصاريِّ، عن أنس قال: سمعت النَّبي ﷺ يقول: «لبَّيك بحجٍّ وعمرةٍ معًا» (٢). وروى النَّسائيُّ (٣) من حديث أبي أسماء، عن أنس قال: سمعت رسول الله ﷺ يُلبِّي بهما. ورَوى أيضًا (٤) من حديث الحسن البصريِّ عن أنس أنَّ النَّبيَّ ﷺ أهلَّ بالحجِّ والعمرة حين صلَّى الظُّهر. وروى البزّار (٥) من حديث زيد بن أسلم مولى عمر بن الخطَّاب، عن أنس أنَّ النَّبيَّ ﷺ أهلَّ بحجٍّ وعمرةٍ.

стр. 970

ومن حديث سليمان التَّيمي عن أنس كذلك (١)، وعن أبي قُدامة عن أنس مثله (٢). وذكر وكيعٌ: ثنا مصعب بن سُليم قال: سمعت أنسًا مثله (٣). قال: وحدَّثنا ابن أبي ليلى، عن ثابتٍ البنانيِّ، عن أنس مثله (٤). وذكر الخُشني (٥): ثنا محمَّد بن بشَّارٍ، ثنا محمَّد بن جعفرٍ، ثنا شعبة، عن أبي قَزَعة، عن أنس مثله. وفي «صحيح البخاريِّ» (٦) عن قتادة، عن أنس: اعتمر رسول الله ﷺ أربع عمرٍ، فذكرها وقال: وعمرةٌ مع حجَّته. وقد تقدَّم. وذكر عبد الرزاق: ثنا معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة وحُميد بن هلالٍ، عن أنس مثله (٧). فهؤلاء ستَّة عشر نفسًا من الثِّقات، كلُّهم متَّفقون عن أنس (٨) أنَّ لفظ

стр. 971

النبيِّ ﷺ كان إهلالًا بحجٍّ وعمرةٍ معًا، وهم: الحسن البصريُّ، وأبو قِلابة، وحُميد بن هلالٍ، وحُميد بن عبد الرحمن (١) الطويل، وقتادة، ويحيى بن سعيدٍ الأنصاريُّ، وثابتٌ البُنانيُّ، وبكر بن عبد الله المزنيُّ، وعبد العزيز بن صُهيبٍ، وسليمان التَّيميُّ، ويحيى بن أبي إسحاق، وزيد بن أسلم، ومصعب بن سُليم، وأبو أسماء، وأبو قُدامة عاصم بن حَبْتر (٢)، وأبو قَزَعة وهو سُويد بن حُجَير (٣) الباهلي. فهذا إخبار أنس عن لفظ إهلاله الذي سمعه منه، وهذا علي والبراء يخبران عن إخباره ﷺ عن نفسه بالقران، وهذا عليٌّ أيضًا يخبر أنَّ رسول الله ﷺ فعله، وهذا عمر بن الخطَّاب يخبر عن رسول الله ﷺ أنَّ ربَّه أمره بأن يفعله هو، وعلَّمه اللَّفظ الذي يقوله عند الإحرام. وهذا عليٌّ أيضًا يخبر أنَّه سمع رسول الله ﷺ يلبِّي بهما جميعًا. وهؤلاء بقيَّة من ذكرنا يخبرون عنه بأنَّه فعله، وهذا هو ﷺ يأمر به آله، ويأمر به من ساق الهدي. وهؤلاء الذين رَوَوا القِران بغاية البيان: عائشة أمُّ المؤمنين، وعبد الله بن عمر، وجابر بن عبد اللَّه، وعبد الله بن عبَّاسٍ، وعمر بن الخطَّاب، وعليُّ بن أبي طالبٍ، وعثمان بن عفَّان بإقراره لعليّ وتقريرِ عليّ له، وعمران بن الحصين، والبراء بن عازبٍ، وحفصة أمُّ المؤمنين، وأبو قتادة، وابن أبي

стр. 972

أوفى، وأبو طلحة، والهِرْماس بن زيادٍ، وأم سلمة، وأنس بن مالكٍ، وسعد بن أبي وقَّاصٍ. فهؤلاء سبعة عشر صحابيًّا، منهم من روى فعله، ومنهم من روى لفظ إحرامه، ومنهم من روى خبره عن نفسه، ومنهم من روى أمره به. فإن قيل: كيف تجعلون منهم ابن عمر وجابرًا وعائشة وابن عبَّاسٍ؟ وهذه عائشة تقول: «أهلَّ رسول الله ﷺ بالحجِّ»، وفي لفظٍ: «أفرد الحجَّ»، والأوَّل في «الصَّحيحين» (١) والثَّاني في مسلم (٢). وله لفظان هذا أحدهما، والثَّاني: «أهلَّ بالحجِّ مفردًا»، وهذا ابن عمر يقول: «لبَّى بالحجِّ وحده» ذكره البخاريُّ (٣)، وهذا ابن عبَّاسٍ يقول: «أهلَّ رسول الله ﷺ بالحجِّ» رواه مسلم (٤)، وهذا جابر يقول: «أفرد الحجَّ» رواه ابن ماجه (٥). قيل: إن كانت الأحاديث عن هؤلاء تعارضت وتساقطتْ فإنَّ أحاديث الباقين لم تتعارض (٦)، فهَبْ أنَّ أحاديث من ذكرتم لا حجَّة فيها على القِران ولا على الإفراد لتعارضها، فما الموجب للعدول عن أحاديث الباقين مع صراحتها وصحَّتها؟ فكيف وأحاديثهم يصدِّق بعضها بعضًا ولا تعارُضَ

стр. 973

بينها (١)، وإنَّما ظنَّ من ظنَّ التَّعارض لعدم إحاطته بمراد الصَّحابة من ألفاظهم، وحَمْلِها على الاصطلاح الحادث بعدهم. ورأيت لشيخ الإسلام ابن تيمية قدَّس الله روحه (٢) فصلًا حسنًا في اتِّفاق أحاديثهم أسوقُه بلفظه، قال (٣): والصَّواب أنَّ الأحاديث في هذا الباب متَّفقةٌ ليست بمختلفةٍ إلا اختلافًا يسيرًا، يقع مثله في غير ذلك، فإنَّ الصَّحابة ثبت عنهم أنَّه تمتَّع، والتَّمتُّع عندهم يتناول القِران، والَّذين رُوي عنهم (٤) أنَّه أفرد رُوي عنهم أنَّه تمتَّع. أمَّا الأوَّل: ففي «الصَّحيحين» (٥) عن سعيد بن المسيَّب: «اجتمع عثمان وعلي بعُسْفانَ، وكان (٦) عثمان ينهى عن المتعة أو العمرة، فقال عليٌّ: ما تريد إلى أمرٍ فعله رسول الله ﷺ تنهى عنه؟ فقال عثمان: دَعْنا منك، فقال: إنِّي لا أستطيع أن أدعَك. فلمَّا رأى علي ذلك أهلَّ بهما جميعًا». فهذا يبيِّن أنَّ من جمع بينهما كان متمتِّعًا عندهم، وأنَّ هذا هو الذي فعله رسول الله ﷺ ، ووافقه عثمان على أنَّ النَّبيَّ ﷺ فعل ذلك، لكن كان النِّزاع بينهما: هل ذلك الأفضل في حقِّنا أم لا؟ وهل يُشرَع فسخ الحجِّ إلى العمرة في حقِّنا كما تنازع فيه الفقهاء؟ فقد اتَّفق علي وعثمان على أنَّه تمتَّع، والمراد بالتَّمتُّع عندهم القِران.

стр. 974

وفي «الصَّحيحين» (١) عن مطرِّف قال: قال عمران بن حُصينٍ: إنَّ رسول الله ﷺ جمع بين حجٍّ وعمرةٍ، ثمَّ إنَّه لم ينهَ عنه حتَّى مات، ولم ينزل فيه قرآنٌ يحرِّمه. وفي روايةٍ عنه: «تمتَّع نبيُّ الله ﷺ وتمتَّعنا معه». فهذا عمران وهو من أجلِّ السَّابقين الأوَّلين أخبر أنَّه تمتَّع، وأنَّه جمع بين الحجِّ والعمرة. والقارن عند الصَّحابة متمتِّعٌ، ولهذا أوجبوا عليه الهدي، ودخل في قوله تعالى: ﴿أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وذكر حديث عمر: «أتاني آتٍ من ربِّي فقال: صلِّ في هذا الوادي المبارك، وقلْ: عمرةٌ في حجَّةٍ» (٢). قال (٣): فهؤلاء الخلفاء الرَّاشدون عمر وعثمان وعلي وعمران بن حُصينٍ، رُوي عنهم بأصحِّ الأسانيد أنَّ رسول الله ﷺ قرَنَ بين العمرة والحجِّ، وكانوا يسمُّون ذلك تمتُّعًا، وهذا أنس يذكر أنَّه سمع النَّبيَّ ﷺ يلبِّي بالحجِّ والعمرة جميعًا. وما ذكره بكر بن عبد الله المزنيُّ عن ابن عمر أنَّه «لبَّى بالحجِّ وحده»، فجوابه: أنَّ الثِّقات الذين هم أثبتُ في ابن عمر من بكر مثل سالمٍ ابنه ونافعٍ رووا عنه أنَّه قال: «تمتَّع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحجِّ»، وهؤلاء أثبت عن (٤) ابن عمر من بكر. فتغليطُ بكرٍ عن ابن عمر أولى من تغليط سالم (٥)

стр. 975

عنه، وتغليطِه هو على (١) النَّبيِّ ﷺ . ويُشبِه أنَّ ابن عمر قال له: «أفرد الحجَّ» فظنَّ أنَّه قال: «لبَّى بالحجِّ»، فإنَّ إفراد الحجِّ كانوا يطلقونه ويريدون به إفراد أعمال الحجِّ، وذلك ردٌّ منهم على من قال: إنَّه قرن قرانًا طاف فيه طوافين وسعى فيه سعيين، وعلى من يقول: إنَّه أحلَّ (٢) من إحرامه. فرواية من روى من الصَّحابة أنَّه أفرد الحجَّ تردُّ على هؤلاء. يبيِّن هذا ما رواه مسلم في «صحيحه» (٣) عن نافع عن ابن عمر قال: أهللنا (٤) مع رسول الله ﷺ بالحجِّ مفردًا، وفي روايةٍ «أهلَّ بالحجِّ مفردًا». فهذه الرِّواية إذا قيل: إنَّ مقصودها أنَّ النَّبيَّ ﷺ أهلَّ بحجٍّ مفردٍ (٥)، قيل: فقد ثبت بإسنادٍ أصحَّ من ذلك عن ابن عمر أنَّ النَّبيَّ ﷺ تمتَّع بالعمرة إلى الحجِّ، وأنَّه بدأ فأهلَّ بالعمرة ثمَّ أهلَّ بالحجِّ، وهذا من رواية الزُّهريِّ عن سالم عن ابن عمر. وما عارض هذا عن ابن عمر: إمَّا أن يكون غلطًا (٦) عليه، وإمَّا أن يكون مقصوده موافقًا له، وإمَّا أن يكون ابن عمر لمَّا علم أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يحلَّ ظنَّ أنَّه أفرد، كما وهم في قوله: «إنَّه اعتمر في رجبٍ»، وكان ذلك نسيانًا منه، والنَّبيُّ ﷺ لمَّا لم يحلَّ من إحرامه ــ وكان هذا حالَ المفرد (٧) ــ ظنَّ أنَّه أفرد.

стр. 976

ثمَّ ساق (١) حديث الزُّهريِّ عن سالم عن أبيه: تمتَّع رسول الله ﷺ ، الحديث. وقول الزُّهريِّ: وحدَّثني عروة عن عائشة بمثل حديث سالم عن أبيه (٢). قال (٣): فهذا من أصحِّ حديثٍ على وجه الأرض، وهو من حديث الزُّهريِّ ــ أعلمِ أهل زمانه بالسُّنَّة ــ عن سالم عن أبيه، وهو من أصحِّ حديث ابن عمر وعائشة. وقد ثبت عن عائشة في «الصَّحيحين» (٤) أنَّ النَّبيَّ ﷺ اعتمر أربع عُمَرٍ، الرَّابعة مع حجَّته. ولم يعتمر بعد الحجِّ باتِّفاق العلماء، فتعيَّن أن يكون متمتِّعًا تمتُّعَ قرانٍ أو التَّمتُّع الخاصَّ. وقد صحَّ عن ابن عمر أنَّه قرَنَ بين الحجِّ والعمرة وقال: هكذا فعل رسول الله ﷺ . رواه البخاريُّ في «الصَّحيح» (٥). قال (٦): وأمَّا الذين نُقل عنهم إفراد الحجِّ فهم ثلاثةٌ: عائشة، وابن عمر، وجابر، والثَّلاثة نُقل عنهم التَّمتُّع، وحديث عائشة وابن عمر أنَّه تمتَّع بالعمرة إلى الحجِّ أصحُّ من حديثهما أنه أفرد الحج (٧)، وما صحَّ من ذلك عنهما

стр. 977

فمعناه إفراد أعمال الحجِّ، أو أن يكون وقع فيه (١) غلطٌ (٢) كنظائره، فإنَّ أحاديث التَّمتُّع متواترةٌ، رواها أكابر الصَّحابة كعمر وعلي وعثمان وعمران بن حُصينٍ، ورواها أيضًا عائشة وابن عمر وجابر، بل رواها عن النَّبيِّ ﷺ بضعة عشر من الصَّحابة. قلت: وقد اتَّفق أنس وعائشة وابن عمر وابن عبَّاسٍ على أنَّ النَّبيَّ ﷺ اعتمر أربع عمرٍ، وإنَّما وهِمَ ابن عمر في كون إحداهنَّ في رجبٍ، وكلُّهم قالوا: وعمرةٌ مع حجَّته، وهُم سوى ابن عبَّاسٍ قالوا: إنَّه أفرد الحجَّ، وهم سوى أنس قالوا: تمتَّع. فقالوا هذا وهذا وهذا، ولا تناقضَ بين أقوالهم، فإنَّه تمتَّع تمتُّع قرانٍ، وأفرد أعمال الحجِّ، وقرنَ بين النُّسكين، فكان قارنًا باعتبار جمعه بين النُّسكين، ومفرِدًا باعتبار اقتصاره على أحد الطَّوافين والسَّعيين، ومتمتِّعًا باعتبار (٣) ترفُّهه بترك أحد السَّفرين. ومن تأمَّل ألفاظ الصَّحابة، وجمعَ الأحاديث بعضها إلى بعضٍ، واعتبر بعضَها ببعضٍ، وفهم لغة الصَّحابة= أسفر له صبحُ الصَّواب، وانقشعتْ عنه ظلمةُ الاختلاف والاضطراب، والله الهادي لسبيل الرَّشاد الموفِّق لطريق السَّداد. فمن قال: «إنَّه أفرد الحجَّ»، وأراد به أنَّه أتى (٤) بالحجِّ مفردًا، ثمَّ فرغ منه

стр. 978

وأتى بالعمرة بعده من التَّنعيم أو غيره، كما يظنُّ كثيرٌ من النَّاس= فهذا غلطٌ لم يقله أحدٌ من الصَّحابة، ولا التَّابعين، ولا الأئمَّة الأربعة، ولا أحدٌ من أهل الحديث. وإن أراد به أنَّه حجَّ حجًّا مفردًا لم يعتمر معه، كما قاله طائفةٌ من السَّلف والخلف= فوهم أيضًا، والأحاديث الصَّحيحة الصَّريحة تردُّه كما تبيَّن. وإن أراد به أنَّه اقتصر على أعمال الحجِّ وحده، ولم يُفرِد للعمرة أعمالًا، فقد أصاب، وعلى قوله تدلُّ جميع الأحاديث. ومن قال: «إنَّه قرَنَ»، فإن أراد به أنَّه طاف للحجِّ طوافًا على حدةٍ، وللعمرة طوافًا على حدةٍ، وسعى للحجِّ سعيًا، وللعمرة سعيًا، فالأحاديث الثَّابتة تردُّ قوله. وإن أراد أنَّه قرنَ بين النُّسكين، وطاف لهما طوافًا واحدًا وسعيًا واحدًا، فالأحاديث الصَّحيحة تشهد لقوله، وقوله هو الصَّواب. ومن قال: «تمتَّع»، فإن أراد أنَّه (١) تمتَّع تمتُّعًا حلَّ منه، ثمَّ أحرم بالحجِّ إحرامًا مستأنفًا، فالأحاديث تردُّ قوله، وهو غلطٌ. وإن أراد أنَّه (٢) تمتَّع تمتُّعًا لم يحلَّ منه، بل (٣) بقي على إحرامه لأجل سَوْق الهدي، فالأحاديث الكثيرة تردُّ قوله أيضًا، وهو أقلُّ غلطًا. وإن أراد تمتُّع القران فهو الصَّواب الذي تدلُّ عليه جميع الأحاديث الثَّابتة، ويأتلف به شَمْلُها، ويزول عنها (٤) الإشكال والاختلاف.

стр. 979

فصل غَلِط في عُمَر النَّبيِّ ﷺ خمس طوائف: إحداها: من قال: إنَّه اعتمر في رجبٍ. وهذا غلطٌ، فإنَّ عُمَره مضبوطةٌ محفوظةٌ، لم يخرج في رجبٍ إلى شيءٍ منها البتَّة. الثَّانية: من قال: إنَّه اعتمر في شوَّالٍ. وهذا أيضًا وهمٌ (١)، والظَّاهر ــ والله أعلم ــ أنَّ بعض الرُّواة غَلِط في هذا، وأنَّه اعتكف في شوَّالٍ فقال: «اعتمر في شوَّالٍ»، لكنَّ سياق الحديث وقوله: «اعتمر ثلاثَ عُمَرٍ: عمرةً في شوَّالٍ، وعمرتين في ذي القعدة» = يدلُّ على أنَّ عائشة أو من دونها إنَّما قصد العمرة. الثَّالثة: من قال: إنَّه اعتمر من التَّنعيم بعد حجِّه. وهذا لم يقلْه أحدٌ من أهل العلم، وإنَّما يظنُّه العوامُّ ومن لا خبرةَ له بالسُّنَّة. الرَّابعة: من قال: إنَّه لم (٢) يعتمر في حجَّته أصلًا. والسُّنَّة الصَّحيحة المستفيضة الَّتي لا يمكن ردُّها تُبطِل هذا القول. الخامسة: من قال: إنَّه اعتمر عمرةً حلَّ منها، ثمَّ أحرم بعدها بالحجِّ من مكَّة. والأحاديث الصَّحيحة تُبطِل هذا القول وتردُّه. فصل ووهم في حجِّه خمس طوائف: الطَّائفة الأولى: الَّتي قالت: حجَّ حجًّا مفردًا لم يعتمر معه.

стр. 980

الثَّانية: من قال: حجَّ متمتِّعًا تمتُّعًا حلَّ فيه، ثمَّ أحرم بعده بالحجِّ، كما قاله القاضي أبو يعلى (١) وغيره. الثَّالثة: من قال: حجَّ متمتِّعًا تمتُّعًا لم يحلَّ فيه لأجل سَوْق الهدي ولم يكن قارنًا، كما قاله أبو محمد (٢) وغيره. الرَّابعة: من قال: حجَّ قارنًا قرانًا طاف له طوافين، وسعى له سعيين. الخامسة: من قال: حجَّ حجًّا مفردًا، اعتمر بعده من التَّنعيم. فصل وغلِطَ في إحرامه خمس طوائف: إحداها: من قال: لبَّى بالعمرة وحدها، واستمرَّ عليها. الثَّانية: من قال: لبَّى بالحجِّ وحده، واستمرَّ عليه. الثَّالثة: من قال: لبَّى بالحجِّ (٣) مفردًا، ثمَّ أدخل عليه العمرة، وزعم أنَّ ذلك خاصٌّ به. الرَّابعة: من قال: لبَّى بالعمرة وحدها، ثمَّ أدخل عليها الحجَّ في ثاني الحال. الخامسة: من قال: أحرم إحرامًا مطلقًا لم يعيِّن فيه نسكًا، ثمَّ عيَّنه بعد

стр. 981

إحرامه. والصَّواب: أنَّه أحرم بالحجِّ والعمرة معًا من حين أنشأ الإحرام، ولم يحلَّ حتَّى حلَّ منهما جميعًا، وطاف لهما طوافًا واحدًا وسعيًا واحدًا، وساق الهدي، كما دلَّت عليه النُّصوص المستفيضة الَّتي تواترت تواترًا يعلمه أهل الحديث. فصل في أعذار القائلين بهذه الأقوال، وبيان منشأ الوهم والغلط أمَّا عذر من قال: اعتمر في رجبٍ، فحديث عبد الله بن عمر أنَّ النَّبيَّ ﷺ اعتمر في رجبٍ، متَّفقٌ عليه. وقد غلَّطته عائشة وغيرها، كما في «الصَّحيحين» (١) عن مجاهد قال: دخلت أنا وعروة بن الزُّبير المسجد، فإذا عبد الله بن عمر جالسًا إلى حجرة عائشة، وإذا ناسٌ يصلُّون في المسجد صلاة الضُّحى، قال: فسألناه عن صلاتهم. فقال: بدعةٌ. ثمَّ قال (٢) له: كم اعتمر رسول الله ﷺ ؟ قال: أربعًا إحداهنَّ في رجبٍ، فكرهنا أن نردَّ عليه. قال: وسمعنا استنانَ عائشة أم المؤمنين في الحجرة، فقال عروة: يا أمَّه، يا أمَّ المؤمنين، ألا تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمن؟ قالت: ما يقول؟ قال: يقول: إنَّ رسول الله ﷺ اعتمر أربع عُمَرٍ، إحداهنَّ في رجبٍ. قالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن، ما اعتمر عمرةً قطُّ إلا وهو شاهدٌ، وما اعتمر في رجبٍ قطُّ.

стр. 982

وكذلك قال أنس وابن عبَّاسٍ: إنَّ عُمَره كلَّها كانت في ذي القعدة، وهذا هو الصَّواب (١). فصل وأمَّا من قال: اعتمر في شوَّالٍ، فعذره ما رواه مالك في «الموطَّأ» (٢) عن هشام بن عروة عن أبيه أنَّ رسول الله ﷺ لم يعتمر إلا ثلاثًا، إحداهنَّ في شوَّالٍ واثنتين في ذي القعدة. ولكنَّ هذا الحديث مرسلٌ، وهو غلطٌ أيضًا، إمَّا من هشام وإمَّا من عروة، أصابه فيه ما أصاب ابنَ عمر. وقد رواه أبو داود (٣) مرفوعًا عن عائشة، وهو غلطٌ أيضًا لا يصحُّ رفعه. قال ابن عبد البرِّ (٤): وليس روايته مسندًا ممَّا يذكر عن مالك في صحَّة النَّقل. قلت: ويدلُّ على بطلانه عن عائشة أنَّ عائشة وابن عبَّاسٍ وأنس بن مالكٍ قالوا: لم يعتمر رسول الله ﷺ إلا في ذي القعدة. وهذا هو الصَّواب، فإنَّ عمرة الحديبية والقضيَّة كانتا في ذي القعدة، وعمرة القِران إنَّما كانت في ذي القعدة، وعمرة الجِعرانة أيضًا كانت في أوَّل ذي القعدة، وإنَّما وقع

стр. 983

الاشتباه أنَّه خرج من مكَّة في شوَّالٍ للقاء العدوِّ، وفرغ من عدوِّه، وقسَمَ غنائمهم، ودخل مكَّة ليلًا معتمرًا من الجعرانة، وخرج منها ليلًا، فخفيتْ عمرتُه هذه على كثيرٍ من النَّاس، وكذلك قال مُحرِّش الكعبي (١). فصل وأمَّا من ظنَّ أنَّه اعتمر من التَّنعيم بعد الحجِّ، فلا أعلم له عذرًا، فإنَّ هذا خلاف المعلوم المستفيض من حجَّته، ولم ينقله أحدٌ قطُّ، ولا قاله إمامٌ، ولعلَّ ظانَّ هذا سمع أنَّه أفرد الحجَّ، ورأى أنَّ كلَّ من أفرد الحجَّ من أهل الآفاق فلا بدَّ له أن يخرج بعده إلى التَّنعيم، نزَّل حجَّة رسول الله ﷺ على ذلك، وهذا عين الغلط. فصل وأمَّا من قال: إنَّه لم يعتمر في حجَّته أصلًا، فعذره أنَّه لمَّا سمع أنَّه أفرد الحجَّ، وعلم يقينًا أنَّه لم يعتمر بعد حجَّته= قال: إنَّه لم يعتمر في تلك الحجَّة اكتفاءً منه بالعمرة المتقدِّمة. والأحاديث المستفيضة الصَّحيحة تردُّ قوله، كما تقدَّم من أكثر من عشرين وجهًا. وقد قال: «هذه عمرةٌ استمتعنا بها» (٢)، وقالت له حفصة: ما شأن النَّاس حلُّوا ولم تحلَّ أنت من عمرتك؟ وقال سُراقة بن مالك: تمتَّع رسول الله ﷺ . وكذلك قال ابن عمر وعائشة وعمران بن حُصينٍ وابن عبَّاسٍ، وصرَّح أنس وابن عبَّاسٍ (٣) وعائشة أنَّه

стр. 984

اعتمر في حجَّته وهي إحدى عُمَره الأربع. فصل وأمَّا من قال: إنَّه اعتمر عمرةً حلَّ منها، كما قاله القاضي أبو يعلى ومن وافقه، فعذرهم أنه صحَّ عن ابن عمر وعائشة وعمران بن حصينٍ وغيرهم أنَّه ﷺ تمتَّع. وهذا يحتمل أنَّه تمتُّعٌ حلَّ منه، ويحتمل أنَّه لم يحلَّ، فلمَّا أخبر معاوية أنَّه قصَّر عن رأسه بمِشْقَصٍ على المروة، وحديثه في «الصَّحيحين» (١)، دلَّ على أنَّه حلَّ من إحرامه. ولا يمكن أن يكون هذا في غير حجَّة الوداع؛ لأنَّ معاوية إنَّما أسلم بعد الفتح، والنَّبيُّ ﷺ لم يكن زمنَ الفتح محرمًا، ولا يمكن أن يكون في عمرة الجعرانة لوجهين، أحدهما: أنَّ في بعض ألفاظ «الصَّحيح» (٢): «وذلك في حجَّته». الثَّاني: أنَّ في رواية النَّسائي بإسنادٍ صحيحٍ (٣): «وذلك في أيَّام العشر»، وهذا إنَّما كان في حجَّته. وحمل هؤلاء رواية من روى أنَّ المتعة كانت لهم (٤) خاصَّةً (٥) على أنَّ طائفةً منهم خُصُّوا بالتَّحلُّل من الإحرام مع سَوْق الهدي دون من ساق

стр. 985

الهدي (١) من الصَّحابة، وأنكر ذلك عليهم آخرون، منهم شيخنا أبو العباس (٢)، وقالوا: من تأمَّل الأحاديث المستفيضة الصَّحيحة تبيَّن له أنَّ النبيَّ ﷺ لم يحلَّ لا هو ولا أحدٌ ممَّن ساق الهدي. فصل في أعذار الذين وهموا في صفة حجَّته أمَّا من قال: إنَّه حجَّ حجًّا مفردًا لم يعتمر معه، فعذره ما في «الصَّحيحين» (٣) عن عائشة أنَّها قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجَّة الوداع، فمنَّا من أهلَّ بعمرةٍ، ومنَّا من أهلَّ بحجٍّ وعمرةٍ، ومنَّا من أهلَّ بالحجٍّ، وأهلَّ رسول الله ﷺ بالحجِّ. قالوا: فهذا التَّقسيم والتَّنويع صريحٌ في إهلاله بالحجِّ وحده. ولمسلم (٤) عنها أنَّ رسول الله ﷺ أهلَّ بالحجِّ مفردًا. وفي «صحيح البخاريِّ» (٥) عن ابن عمر أنَّ رسول الله ﷺ لبَّى (٦) بالحجِّ وحده. وفي «صحيح مسلم» (٧) عن ابن عبَّاسٍ: أهلَّ رسول الله ﷺ بالحجِّ.
следующие страницы →