← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

إحرامه. والصَّواب: أنَّه أحرم بالحجِّ والعمرة معًا من حين أنشأ الإحرام، ولم يحلَّ حتَّى حلَّ منهما جميعًا، وطاف لهما طوافًا واحدًا وسعيًا واحدًا، وساق الهدي، كما دلَّت عليه النُّصوص المستفيضة الَّتي تواترت تواترًا يعلمه أهل الحديث. فصل في أعذار القائلين بهذه الأقوال، وبيان منشأ الوهم والغلط أمَّا عذر من قال: اعتمر في رجبٍ، فحديث عبد الله بن عمر أنَّ النَّبيَّ ﷺ اعتمر في رجبٍ، متَّفقٌ عليه. وقد غلَّطته عائشة وغيرها، كما في «الصَّحيحين» (١) عن مجاهد قال: دخلت أنا وعروة بن الزُّبير المسجد، فإذا عبد الله بن عمر جالسًا إلى حجرة عائشة، وإذا ناسٌ يصلُّون في المسجد صلاة الضُّحى، قال: فسألناه عن صلاتهم. فقال: بدعةٌ. ثمَّ قال (٢) له: كم اعتمر رسول الله ﷺ ؟ قال: أربعًا إحداهنَّ في رجبٍ، فكرهنا أن نردَّ عليه. قال: وسمعنا استنانَ عائشة أم المؤمنين في الحجرة، فقال عروة: يا أمَّه، يا أمَّ المؤمنين، ألا تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمن؟ قالت: ما يقول؟ قال: يقول: إنَّ رسول الله ﷺ اعتمر أربع عُمَرٍ، إحداهنَّ في رجبٍ. قالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن، ما اعتمر عمرةً قطُّ إلا وهو شاهدٌ، وما اعتمر في رجبٍ قطُّ.

стр. 982

وكذلك قال أنس وابن عبَّاسٍ: إنَّ عُمَره كلَّها كانت في ذي القعدة، وهذا هو الصَّواب (١). فصل وأمَّا من قال: اعتمر في شوَّالٍ، فعذره ما رواه مالك في «الموطَّأ» (٢) عن هشام بن عروة عن أبيه أنَّ رسول الله ﷺ لم يعتمر إلا ثلاثًا، إحداهنَّ في شوَّالٍ واثنتين في ذي القعدة. ولكنَّ هذا الحديث مرسلٌ، وهو غلطٌ أيضًا، إمَّا من هشام وإمَّا من عروة، أصابه فيه ما أصاب ابنَ عمر. وقد رواه أبو داود (٣) مرفوعًا عن عائشة، وهو غلطٌ أيضًا لا يصحُّ رفعه. قال ابن عبد البرِّ (٤): وليس روايته مسندًا ممَّا يذكر عن مالك في صحَّة النَّقل. قلت: ويدلُّ على بطلانه عن عائشة أنَّ عائشة وابن عبَّاسٍ وأنس بن مالكٍ قالوا: لم يعتمر رسول الله ﷺ إلا في ذي القعدة. وهذا هو الصَّواب، فإنَّ عمرة الحديبية والقضيَّة كانتا في ذي القعدة، وعمرة القِران إنَّما كانت في ذي القعدة، وعمرة الجِعرانة أيضًا كانت في أوَّل ذي القعدة، وإنَّما وقع

стр. 983

الاشتباه أنَّه خرج من مكَّة في شوَّالٍ للقاء العدوِّ، وفرغ من عدوِّه، وقسَمَ غنائمهم، ودخل مكَّة ليلًا معتمرًا من الجعرانة، وخرج منها ليلًا، فخفيتْ عمرتُه هذه على كثيرٍ من النَّاس، وكذلك قال مُحرِّش الكعبي (١). فصل وأمَّا من ظنَّ أنَّه اعتمر من التَّنعيم بعد الحجِّ، فلا أعلم له عذرًا، فإنَّ هذا خلاف المعلوم المستفيض من حجَّته، ولم ينقله أحدٌ قطُّ، ولا قاله إمامٌ، ولعلَّ ظانَّ هذا سمع أنَّه أفرد الحجَّ، ورأى أنَّ كلَّ من أفرد الحجَّ من أهل الآفاق فلا بدَّ له أن يخرج بعده إلى التَّنعيم، نزَّل حجَّة رسول الله ﷺ على ذلك، وهذا عين الغلط. فصل وأمَّا من قال: إنَّه لم يعتمر في حجَّته أصلًا، فعذره أنَّه لمَّا سمع أنَّه أفرد الحجَّ، وعلم يقينًا أنَّه لم يعتمر بعد حجَّته= قال: إنَّه لم يعتمر في تلك الحجَّة اكتفاءً منه بالعمرة المتقدِّمة. والأحاديث المستفيضة الصَّحيحة تردُّ قوله، كما تقدَّم من أكثر من عشرين وجهًا. وقد قال: «هذه عمرةٌ استمتعنا بها» (٢)، وقالت له حفصة: ما شأن النَّاس حلُّوا ولم تحلَّ أنت من عمرتك؟ وقال سُراقة بن مالك: تمتَّع رسول الله ﷺ . وكذلك قال ابن عمر وعائشة وعمران بن حُصينٍ وابن عبَّاسٍ، وصرَّح أنس وابن عبَّاسٍ (٣) وعائشة أنَّه

стр. 984

اعتمر في حجَّته وهي إحدى عُمَره الأربع. فصل وأمَّا من قال: إنَّه اعتمر عمرةً حلَّ منها، كما قاله القاضي أبو يعلى ومن وافقه، فعذرهم أنه صحَّ عن ابن عمر وعائشة وعمران بن حصينٍ وغيرهم أنَّه ﷺ تمتَّع. وهذا يحتمل أنَّه تمتُّعٌ حلَّ منه، ويحتمل أنَّه لم يحلَّ، فلمَّا أخبر معاوية أنَّه قصَّر عن رأسه بمِشْقَصٍ على المروة، وحديثه في «الصَّحيحين» (١)، دلَّ على أنَّه حلَّ من إحرامه. ولا يمكن أن يكون هذا في غير حجَّة الوداع؛ لأنَّ معاوية إنَّما أسلم بعد الفتح، والنَّبيُّ ﷺ لم يكن زمنَ الفتح محرمًا، ولا يمكن أن يكون في عمرة الجعرانة لوجهين، أحدهما: أنَّ في بعض ألفاظ «الصَّحيح» (٢): «وذلك في حجَّته». الثَّاني: أنَّ في رواية النَّسائي بإسنادٍ صحيحٍ (٣): «وذلك في أيَّام العشر»، وهذا إنَّما كان في حجَّته. وحمل هؤلاء رواية من روى أنَّ المتعة كانت لهم (٤) خاصَّةً (٥) على أنَّ طائفةً منهم خُصُّوا بالتَّحلُّل من الإحرام مع سَوْق الهدي دون من ساق

стр. 985

الهدي (١) من الصَّحابة، وأنكر ذلك عليهم آخرون، منهم شيخنا أبو العباس (٢)، وقالوا: من تأمَّل الأحاديث المستفيضة الصَّحيحة تبيَّن له أنَّ النبيَّ ﷺ لم يحلَّ لا هو ولا أحدٌ ممَّن ساق الهدي. فصل في أعذار الذين وهموا في صفة حجَّته أمَّا من قال: إنَّه حجَّ حجًّا مفردًا لم يعتمر معه، فعذره ما في «الصَّحيحين» (٣) عن عائشة أنَّها قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجَّة الوداع، فمنَّا من أهلَّ بعمرةٍ، ومنَّا من أهلَّ بحجٍّ وعمرةٍ، ومنَّا من أهلَّ بالحجٍّ، وأهلَّ رسول الله ﷺ بالحجِّ. قالوا: فهذا التَّقسيم والتَّنويع صريحٌ في إهلاله بالحجِّ وحده. ولمسلم (٤) عنها أنَّ رسول الله ﷺ أهلَّ بالحجِّ مفردًا. وفي «صحيح البخاريِّ» (٥) عن ابن عمر أنَّ رسول الله ﷺ لبَّى (٦) بالحجِّ وحده. وفي «صحيح مسلم» (٧) عن ابن عبَّاسٍ: أهلَّ رسول الله ﷺ بالحجِّ.

стр. 986

وفي «سنن ابن ماجه» (١) عن جابر أنَّ رسول الله ﷺ أفرد الحجَّ (٢). وفي «صحيح مسلم» (٣) عنه: خرجنا مع رسول الله ﷺ لا ننوي إلا الحجَّ، لسنا نعرف العمرة. وفي «صحيح البخاريِّ» (٤) عن عروة بن الزُّبير قال: حجَّ رسول الله ﷺ فأخبرتني عائشة أنه أوَّل شيءٍ بدأ به حين قدم مكَّة أنَّه توضَّأ، ثمَّ طاف بالبيت [ثمَّ لم تكن عمرةٌ] (٥)، ثمَّ حجَّ أبو بكر، فكان أوَّل شيءٍ بدأ به الطَّواف بالبيت، ثمَّ لم تكن عمرةٌ، ثمَّ عمر مثل ذلك، ثمَّ حجَّ عثمان، فرأيته أوَّل شيءٍ بدأ به الطَّواف بالبيت، ثمَّ لم تكن عمرةٌ، ثمَّ معاوية وعبد الله بن عمر. ثمَّ حججتُ مع أبي الزُّبير (٦) بن العوَّام، فكان أوَّل شيءٍ بدأ به الطَّواف بالبيت، ثمَّ لم تكن عمرةٌ، ثمَّ رأيتُ المهاجرين والأنصار يفعلون ذلك، ثم لم تكن عمرة، ثم آخر من رأيتُ (٧) فعل ذلك ابن عمر، ثمَّ لم ينقضها بعمرة (٨)، [وهذا ابن عمر عندهم، فلا يسألونه] (٩)، ولا أحدٌ ممَّن مضى، ما كانوا

стр. 987

يبدؤون بشيءٍ حين يضعون أقدامهم أوَّلَ من الطَّواف بالبيت ثمَّ لا يحلُّون. وقد رأيت أمِّي (١) وخالتي حين تَقدَمانِ لا تبدآنِ بشيءٍ أوَّلَ من البيت، تطوفان به، ثمَّ لا تَحلَّانِ. وقد أخبرتني أمِّي أنَّها أقبلتْ (٢) هي وأختها والزبير وفلانٌ وفلانٌ بعمرةٍ قط (٣)، فلمَّا مسحوا الرُّكن حلُّوا. وفي «سنن أبي داود» (٤): ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حمَّاد بن سلمة ووُهَيب بن خالدٍ، كلاهما عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ موافين لهلال ذي الحجَّة، فلمَّا كان بذي الحليفة قال: «من شاء أن يُهِلَّ بحجٍّ فليفعلْ (٥)، ومن شاء أن يهلَّ بعمرةٍ فليهلَّ (٦)». ثمَّ انفرد حماد (٧) في حديثه بأن قال عنه ﷺ : «فإنِّي لولا أنِّي أهديتُ لأهللتُ بعمرةٍ». وقال الآخر (٨): «وأمَّا أنا فأهلُّ بالحجِّ». فصحَّ بمجموع الرِّوايتين أنَّه أهلَّ بالحجِّ مفردًا. وأرباب هذا القول عذرهم ظاهرٌ كما ترى، ولكن ما عذرهم في حكمه وخبره الذي حكم به على نفسه، وأخبر عنها بقوله: «سُقتُ الهديَ

стр. 988

وقَرنْتُ» (١)؟ وخبر من هو تحت بطن ناقته، وأقرب إليه حينئذٍ من غيره، وهو من أصدق النَّاس، يسمعه (٢) يقول: «لبَّيك حجًّا وعمرةً» (٣)، وخبر من هو أعلم النَّاس به عنه عليِّ بن أبي طالبٍ، حين يخبر عنه (٤) أنَّه أهلَّ بهما جميعًا، ولبَّى بهما جميعًا (٥)، وخبر زوجته حفصة في تقريرها له (٦) على أنَّه معتمرٌ بعمرةٍ لم يحلَّ منها، فلم ينكر ذلك عليها، بل صدَّقها، وأجابها بأنَّه مع ذلك حاجٌّ (٧)، وهو ﷺ لا يقرُّ على باطلٍ يسمعه أصلًا، بل ينكره. وما عذره (٨) عن خبره عن نفسه بالوحي الذي جاءه من ربِّه، يأمره فيه أن يهلَّ بحجَّةٍ في عمرةٍ؟ وما عذره عن خبر من أخبر عنه من أصحابه أنَّه قرنَ؛ لأنَّه علم أنَّه لا يحجُّ بعدها، وخبر من أخبر عنه أنَّه اعتمر مع حجَّته؟ وليس مع من قال: إنَّه أفرد الحجَّ شيءٌ من ذلك البتَّة، فلم يقل أحدٌ منهم عنه: إنِّي أفردتُ، ولا أتاني آتٍ من ربِّي يأمرني بالإفراد، ولا قال أحدٌ: ما

стр. 989

بال النَّاس حلُّوا، ولم تحلَّ من حجك، كما حلُّوا هم بعمرةٍ، ولا قال أحدٌ: إنه سمعه يقول: لبَّيك بعمرةٍ مفردةٍ البتَّة، ولا بحجٍّ مفردٍ، ولا قال أحدٌ: إنَّه اعتمر أربع عُمَرٍ الرَّابعة بعد حجَّته، وقد شهد عليه أربعةٌ من الصَّحابة أنَّهم (١) سمعوه يخبر عن نفسه بأنَّه قارنٌ، ولا سبيلَ إلى دفع ذلك إلا بأن يقال: لم يسمعوه. ومعلومٌ قطعًا أنَّ تطرُّقَ الوهم والغلط إلى من أخبر عمَّا فهِمَه هو من فعْلِه وظنَّه كذلك أولى من تطرُّقِ التَّكذيب إلى من قال: سمعته يقول كذا وكذا وإنَّه لم يسمعه، فإنَّ هذا لا يتطرَّق إليه إلا التَّكذيب، بخلاف خبر من أخبر عمَّا ظنَّه من فعْلِه وكان واهمًا، فإنَّه لا يُنسب إلى الكذب. ولقد نزَّه الله عليًّا وأنسًا والبراء وحفصة عن أن يقولوا: سمعناه يقول كذا، ولم يسمعوه، ونزَّهه ربُّه ﵎ أن يرسل إليه: أن افعَلْ كذا وكذا، ولم يفعله، هذا من أمحل المحال وأبطل الباطل، فكيف والَّذين ذكروا الإفراد عنه لم يخالفوا هؤلاء في مقصودهم ولا ناقضوهم، وإنَّما أرادوا إفرادَ الأعمال واقتصارَه على عمل المفرِد، فإنَّه ليس في عمله زيادةٌ على عمل (٢) المفرد. ومَن روى عنهم ما يوهم خلاف هذا فإنَّه عبَّر بحسب ما فهمه، كما سمع بكرُ بن عبد الله ابنَ عمر يقول: أفرد الحجَّ، فقال: «لبَّى بالحجِّ وحده»، فحمله على المعنى. وقال سالمٌ ابنه عنه ونافعٌ مولاه: إنَّه تمتَّع، فبدأ فأهلَّ

стр. 990

بالعمرة ثمَّ أهلَّ بالحجِّ. فهذا سالمٌ يخبر بخلاف ما أخبر بكرٌ، ولا يصحُّ تأويل هذا عنه (١) بأنَّه أمر به، فإنَّه فسَّره بقوله: «وبدأ فأهلَّ بالعمرة ثمَّ أهلَّ بالحجِّ». وكذلك الذين رووا الإفراد عن عائشة هما: عروة والقاسم، وروى القِران عنها عروة ومجاهد، وأبو الأسود يروي عن عروة الإفراد، والزُّهريُّ يروي عنه القران. فإن قدَّرنا تساقُطَ الرِّوايتين سلِمتْ رواية مجاهد، وإن حُمِلتْ رواية الإفراد على أنَّه أفرد أعمال الحجِّ تصادقت الرِّوايات وصدَّق بعضها بعضًا. ولا ريبَ أنَّ قول عائشة وابن عمر: «أفردَ الحجَّ»، محتملٌ لثلاثة معانٍ: أحدها: الإهلال به مفردًا. الثَّاني: إفراد أعماله. الثَّالث: أنَّه حجَّ حجَّةً واحدةً لم يحجَّ معها غيرها، بخلاف العمرة فإنَّها كانت أربع مرَّاتٍ. وأمَّا قولهما: «تمتَّع بالعمرة إلى الحجِّ، وبدأ فأهلَّ بالعمرة، ثمَّ أهلَّ بالحجِّ»، وحكيا فعله، فهذا صريحٌ لا يحتمل غير معنًى واحدٍ، فلا يجوز ردُّه بالمجمل. وليس في رواية الأسود وعَمرة عن عائشة أنَّه أهلَّ بالحجِّ ما يناقض روايةَ مجاهد وعروة عنها أنَّه قرنَ، فإنَّ القارن حاجٌّ مُهِلٌّ بالحجِّ قطعًا، وعمرته جزءٌ من حجّه، فمن أخبر عنه أنَّه مهلٌّ بالحجِّ فهو عين

стр. 991

الصادق (١). فإذا ضُمَّت رواية مجاهد إلى رواية عمرة والأسود ثمَّ ضُمَّا إلى رواية عروة= تبيَّن من مجموع الرِّوايات أنَّه كان قارنًا، وصدَّق بعضها بعضًا، حتَّى لو لم يحتمل قول عائشة وابن عمر إلا معنى الإهلال به مفردًا حسْبُ (٢)، لوجب قطعًا أن يكون سبيله سبيلَ قولِ ابن عمر: «اعتمر في رجبٍ»، وقولِ عائشة أو عروة: «إنَّه اعتمر في شوَّالٍ»؛ لأنَّ (٣) تلك الأحاديث الصَّحيحة الصَّريحة لا سبيلَ أصلًا إلى تكذيب رواتها، ولا تأويلِها وحملِها على غير ما دلَّت عليه، ولا سبيلَ إلى تقديم هذه الرِّواية المجملة (٤) الَّتي قد اضطُرِب عن (٥) رواتها واختُلِف عنهم، وعارضهم من هو أوثق منهم أو مثلُهم عليها. وأمَّا قول جابر: «إنَّه أفرد الحجَّ»، فالصحيح من حديثه ليس فيه شيءٌ من هذا، وإنَّما فيه إخباره عنهم أنفسهم أنَّهم لا ينوون إلا الحجَّ، فأين في هذا ما يدلُّ على أنَّ رسول الله ﷺ لبَّى بالحجِّ مفردًا؟ وأمَّا حديثه (٦) الآخر الذي رواه ابن ماجه (٧) أنَّ رسول الله ﷺ أفرد الحجَّ، فله ثلاث طرقٍ:

стр. 992

أجودها: طريق الدراوردي عن جعفر بن محمَّدٍ عن أبيه، وهذا يقينًا مختصرٌ من حديثه الطَّويل في حجَّة الوداع ومرويٌّ بالمعنى، والنَّاس خالفوا الدراورديَّ في ذلك، وقالوا: أهلَّ بالحجِّ، وأهلَّ بالتَّوحيد. والطَّريق الثَّاني: فيها مطرف بن مصعب (١) عن عبد العزيز بن أبي حازمٍ عن جعفر. ومطرّف هذا (٢) قال ابن حزمٍ (٣): هو مجهولٌ. قلت: ليس بمجهولٍ، ولكنَّه ابن أخت مالك، روى عنه البخاريُّ وبشر بن موسى وجماعةٌ. قال أبو حاتم: صدوقٌ مضطرب الحديث، هو أحبُّ إليَّ من إسماعيل بن أبي أويسٍ. وقال ابن عديٍّ (٤): يأتي بمناكير. وكأنَّ أبا محمد رأى في النُّسخة مطرِّف بن مصعب فجهَّله، وإنَّما هو مطرف أبو مصعب، وهو مطرف بن عبد الله بن مطرف بن سليمان بن يسار. وممَّن غلط في هذا أيضًا محمد بن عثمان الذهبي في كتابه «الضُّعفاء» (٥)، فقال: مطرِّف بن مصعب المدني عن ابن أبي ذئبٍ، منكر الحديث. قلت: والرَّاوي عن ابن أبي ذئبٍ والدراورديّ ومالكٍ هو مطرِّف أبو مصعب المدني (٦)، وليس بمنكر الحديث، وإنَّما غرَّه قول ابن عديٍّ: «يأتي

стр. 993

بمناكير»، ثمَّ ساق له منها ابن عديٍّ جملةً، لكن هي من رواية أحمد بن داود أبي صالح (١) عنه، كذَّبه الدَّارقطنيُّ، والبلاء فيها منه (٢). والطَّريق الثَّالث (٣) لحديث جابر: فيها محمد بن عبد الوهاب، يُنظر فيه من هو وما حاله؟ عن محمَّد بن مسلمٍ، إن كان الطَّائفيَّ فهو ثقةٌ عند ابن معينٍ، ضعيفٌ عند الإمام أحمد، وقال ابن حزمٍ (٤): ساقطٌ البتَّة. ولم أر هذه العبارة فيه لغيره، وقد استشهد به مسلم. قال ابن حزمٍ (٥): وإن كان غيره فلا أدري من هو. قلت: ليس بغيره، بل هو الطَّائفيُّ يقينًا (٦). وبكلِّ حالٍ فلو صحَّ هذا عن جابر لكان حكمه حكم المرويِّ عن عائشة وابن عمر، وسائرُ الرُّواة الثِّقات إنَّما قالوا: «أهلَّ بالحجِّ»، فلعلَّ هؤلاء حملوه على المعنى، وقالوا: «أفرد الحجَّ». ومعلومٌ أنَّ العمرة إذا دخلت في الحجِّ فمن قال: أهلَّ بالحجِّ، لا يناقض من قال: أهلَّ بهما، بل هذا فصَّل (٧) وذاك أجملَ. ومن قال: «أفرد الحجَّ» يحتمل ما ذكرنا من الوجوه الثَّلاثة.

стр. 994

ولكن هل قال أحدٌ قطُّ عنه: إنَّه سمعه يقول: لبَّيك بحجَّةٍ مفردةٍ؟ هذا ما لا سبيل إليه. حتَّى لو وُجِد ذلك لم يُقدَّم على تلك الأساطين الَّتي ذكرناها، الَّتي لا سبيل إلى دفعها البتَّة، وكان تغليط هذا أو حملُه على أوَّل الإحرام وأنَّه صار قارنًا في أثنائه متعيِّنًا، فكيف ولم يثبت ذلك. وقد قدَّمنا عن سفيان الثَّوريِّ عن جعفر بن محمَّدٍ عن أبيه عن جابر أنَّ رسول الله ﷺ قرنَ في حجّه. رواه زكريا السَّاجيُّ، عن عبد الله بن زياد (١) القَطواني، عن زيد بن الحُباب، عن سفيان. ولا تناقضَ بين هذا وبين قوله: أهلَّ بالحجِّ، وأفرد الحجَّ، ولبَّى بالحجِّ، كما تقدَّم. فصل فحصل التَّرجيح لرواية من روى القران لوجوهٍ (٢) عشرةٍ: أحدها: أنَّهم أكثر كما تقدَّم. الثَّاني: أنَّ طرق الإخبار بذلك تنوَّعت كما بيَّنَّاه. الثَّالث: أنَّ فيهم من أخبر عن سماعِه لفظَه صريحًا، وفيهم من أخبر عن إخباره عن نفسه بأنَّه فعل ذلك، وفيهم من أخبر عن أمر ربِّه له بذلك، ولم يجئ شيءٌ من ذلك في الإفراد. الرَّابع: تصديق روايات من روى أنَّه اعتمر أربعَ عُمَرٍ لها. الخامس: أنَّها صريحةٌ لا تحتمل التَّأويل، بخلاف روايات الإفراد.

стр. 995

السَّادس: أنَّها متضمِّنةٌ زيادةً سكت عنها أهل الإفراد أو نفوها، والذَّاكر الزَّائد مقدَّمٌ على السَّاكت، والمثبت مقدَّمٌ على النَّافي. السَّابع: أنَّ رواة الإفراد أربعةٌ: عائشة، وابن عمر، وجابر، وابن عبَّاسٍ، والأربعة رووا القران، فإن صرنا إلى تساقُطِ رواياتهم سَلِمتْ رواية من عداهم للقِران عن معارضٍ، وإن صرنا إلى التَّرجيح وجب الأخذ برواية من لم تضطرب الرِّواية عنه ولا اختلفت، كالبراء، وأنس، وعمر بن الخطَّاب، وعمران بن حُصينٍ، وحفصة، ومن معهم ممَّن تقدَّم. الثَّامن (١): أنَّه النُّسك الذي أُمِر به من ربِّه، فلم يكن لِيَعدِل عنه. التَّاسع: أنَّه النُّسك الذي أَمر به كلَّ من ساق الهدي، فلم يكن ليأمرهم به إذا ساقوا الهدي ثمَّ يسوق هو الهدي ويخالفه. العاشر: أنَّه النُّسك الذي أَمر به آلَه وأهلَ بيته واختاره لهم، ولم يكن ليختار لهم إلا ما اختار (٢) لنفسه. وثمَّ ترجيحٌ حادي عشر، وهو قوله: «دخلت العمرة في الحجِّ إلى يوم القيامة»، وهذا يقتضي أنَّها قد صارت جزءًا منه أو كالجزء الدَّاخل فيه، بحيث لا يُفصَل (٣) بينها وبينه، وأنها (٤) تكون مع الحجِّ كما يكون الدَّاخل في الشَّيء معه.

стр. 996

وترجيحٌ ثاني عشر: وهو قول عمر بن الخطَّاب للصُّبَي بن مَعبد وقد أهلَّ بحجٍّ وعمرةٍ، فأنكر عليه زيد بن صُوحان أو سلمان بن ربيعة، فقال له عمر: هُدِيْتَ لسنَّة نبيِّك (١). وهذا يوافق رواية عمر عنه أنَّ الوحي جاءه من الله بالإهلال بهما جميعًا، فدلَّ على أنَّ القِران سنَّته الَّتي فعلَها، وامتثلَ أمر الله له بها. وترجيحٌ ثالث عشر: أنَّ القارن تقع أعماله عن كلٍّ من النُّسكين، فيقع إحرامه وطوافه وسعيه عنهما معًا، وذلك أكمل من وقوعِه عن أحدهما وعملِ كلِّ فعلٍ على حدةٍ. وترجيحٌ رابع عشر: وهو أنَّ النُّسك الذي اشتمل على سَوق الهدي أفضل بلا ريبٍ من نسكٍ خلا عن الهدي. فإذا قرنَ كان (٢) هديه عن كلِّ واحدٍ من النُّسكين، فلم يخلُ نسكٌ منهما عن هديٍ. ولهذا ــ والله أعلم ــ أمر رسول الله ﷺ من ساق الهدي أن يُهِلَّ بالحجِّ والعمرة معًا، وأشار إلى ذلك في المتَّفق عليه من حديث البراء بقوله: «إنِّي سقتُ الهديَ وقَرنتُ». وترجيحٌ خامس عشر: وهو أنَّه قد ثبت أنَّ التَّمتُّع أفضل من الإفراد لوجوهٍ كثيرةٍ (٣):

стр. 997

منها: أنَّه ﷺ أمرهم بفسخ الحجِّ إليه (١)، ومحالٌ أن ينقلهم من الفاضل إلى المفضول الذي هو دونه. ومنها: أنَّه تأسَّف على كونه لم يفعله بقوله: «لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لما سقتُ الهدي ولجعلتُها متعةً». ومنها: أنَّه أمر به كلَّ من لم يَسُقِ الهدي. ومنها: أنَّ الحجَّ الذي استقرَّ عليه فعله وفعل أصحابه: القرانُ لمن ساق، والتَّمتُّع لمن لم يسق. ولوجوهٍ كثيرةٍ غير هذه، والمتمتِّع إذا ساق الهدي فهو أفضل من متمتِّعٍ اشتراه من مكَّة، بل في أحد القولين: لا هدْيَ إلا ما جمع فيه بين الحلِّ والحرم. وإذا ثبت هذا فالقارن السَّائق أفضل من متمتِّعٍ لم يسقْ ومن متمتِّعٍ ساق، لأنَّه قد ساق الهدي من حين أحرم، والمتمتِّع إنَّما يسوق الهدي من أدنى الحلِّ، فكيف يُجعل مفردٌ (٢) لم يسق هديًا أفضلَ من متمتِّعٍ ساقه من أدنى الحلِّ؟ فكيف إذا جُعِل أفضلَ من قارنٍ ساقه (٣) من الميقات؟ وهذا بحمد الله واضحٌ. فصل وأمَّا من قال: إنَّه حجَّ متمتِّعًا تمتُّعًا حلَّ فيه من إحرامه، ثمَّ أحرم يوم التَّروية بالحجِّ مع سوق الهدي= فعذره ما (٤) تقدَّم من حديث معاوية أنَّه قصَّر عن

стр. 998

رسول الله ﷺ بمِشْقَصٍ في العشر، وفي لفظٍ: «وذلك في حجَّته». وهذا ممَّا أنكره النَّاس على معاوية وغلَّطوه فيه، وأصابه فيه ما أصاب ابنَ عمر في قوله: إنَّه اعتمر في رجبٍ، فإنَّ سائر الأحاديث الصَّحيحة المستفيضة من الوجوه المتعدِّدة كلَّها تدلُّ على أنَّه ﷺ لم يحلَّ من إحرامه إلى يوم النَّحر، وبذلك أخبر عن نفسه بقوله: «لولا أنَّ معي الهديَ لأحللتُ»، وقوله: «إنِّي سقتُ الهديَ وقرنتُ فلا أحلُّ حتَّى أنحر». وهذا خبرٌ عن نفسه، فلا يدخله الوهم ولا الغلط، بخلاف خبر غيره عنه، لا سيَّما خبر يخالف ما أخبر به عن نفسه، وأخبر عنه به (١) الجمُّ الغفير: أنَّه لم يأخذ من شعره شيئًا، لا بتقصيرٍ ولا حلقٍ، وأنَّه بقي على إحرامه حتَّى حلق يوم النَّحر. ولعلَّ معاوية قصَّر عن رأسه في عمرة الجِعرانة، فإنَّه كان حينئذٍ قد أسلم، ثمَّ نسي وظنَّ أنَّ ذلك كان في العشر، كما نسي ابن عمر أنَّ عمرته كانت في ذي القعدة، وقال: كانت في رجبٍ، وقد كان معه فيها. والوهم جائزٌ على من سوى الرَّسول، فإذا قام الدَّليل عليه صار واجبًا. وقد قيل: إنَّ معاوية لعلَّه قصَّر عن رأسه بقيَّة شعرٍ لم يكن استوفاه الحلَّاق يوم النَّحر، فأخذه معاوية على المروة، ذكره أبو محمَّد بن حزمٍ (٢). وهذا أيضًا من وهمه، فإنَّ الحلَّاق لا يُبقِي غلطًا شعرًا يُقصِّر منه، ثمَّ يبقي منه بعد التَّقصير بقيَّةً، وقد قسم شعر رأسه بين الصَّحابة، فأصاب أبا طلحة أحدُ الشِّقَّين، وبقيَّة الصَّحابة اقتسموا الشِّقَّ الآخر (٣) الشَّعرة والشَّعرتين والشَّعرات (٤). وأيضًا فإنَّه

стр. 999

لم يَسْعَ بين الصَّفا والمروة إلا سعيًا واحدًا وهو سعيه الأوَّل، لم يَسْعَ عقيب طواف الإفاضة، ولا اعتمر بعد الحجِّ قطعًا، فهذا وهمٌ محضٌ. وقيل (١): هذا الإسناد إلى معاوية وقع فيه غلطٌ وخطأٌ، أخطأ فيه الحسن بن علي، فجعله عن معمر عن ابن طاوس (٢)، وإنَّما هو عن هشام بن حُجَير عن ابن طاوس، وهشام ضعيفٌ. قلت: والحديث الذي في البخاريِّ (٣) عن معاوية: «قصَّرتُ عن رسول الله ﷺ بمِشْقَصٍ» لم يزد على هذا، والَّذي عند مسلم (٤): «قصَّرتُ من رأس رسول الله ﷺ عند المروة بمِشْقَصٍ». وليس في «الصَّحيحين» غير ذلك. وأمَّا رواية من روى «في أيَّام العشر» (٥) فليست في «الصَّحيح»، وهي معلولةٌ أو وهمٌ من معاوية. قال قيس بن سعدٍ راويها عن عطاء عن ابن عبَّاسٍ عنه: والنَّاس ينكرون هذا على معاوية. وصدق قيس، فنحن نحلف باللَّه أنَّ هذا ما كان في العشر قطُّ. ويشبه هذا وهمُ معاوية ﵁ في الحديث الذي رواه أبو داود (٦) عن

стр. 1000

قتادة (١)، عن أبي شيخ الهُنَائي، أنَّ معاوية قال لأصحاب النَّبيِّ ﷺ : هل تعلمون أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن كذا، وعن ركوب جلود النُّمور؟ قالوا (٢): نعم. قال: فتعلمون أنَّه نهى أن يُقرَن بين الحجِّ والعمرة؟ قالوا: أمَّا هذا (٣) فلا. فقال: أمَا إنَّها معها، ولكنَّكم نسيتم. ونحن نشهد بالله أنَّ هذا وهمٌ من معاوية أو كذبٌ عليه، فلم ينهَ رسول الله ﷺ عن ذلك قطُّ، وأبو شيخ شيخٌ لا يحتجُّ به، فضلًا عن أن يُقدَّم على الثِّقات الحفَّاظ الأعلام، وإن روى عنه قتادة ويحيى بن أبي كثيرٍ. واسمه خَيْوان بن خالد بالخاء المعجمة، وهو مجهولٌ (٤). فصل فأمَّا من قال: حجَّ متمتِّعًا تمتُّعًا لم يحلَّ فيه لأجل سَوْق الهدي كما قاله صاحب «المغني» وطائفةٌ، فعذرهم قول عائشة وابن عمر: تمتَّع رسول الله ﷺ ، وقول حفصة: ما شأن النَّاس حلُّوا ولم تحلَّ من عمرتك؟ وقول سعد في المتعة: قد صنعها رسول الله ﷺ وصنعناها معه، وقول ابن عمر لمن سأله عن متعة

стр. 1001

الحجِّ: هي حلالٌ، فقال له السَّائل: إنَّ أباك قد نهى عنها، فقال: أرأيتَ إن كان أبي نهى عنها وصنعها رسول الله ﷺ ، أأمرُ أبي يُتَّبع أم أمرُ رسول الله ﷺ ؟ فقال الرَّجل: بل أمر رسول الله ﷺ ، فقال: لقد صنعها رسول الله ﷺ (١). قال هؤلاء: ولولا الهدي لحلَّ كما يحلُّ المتمتِّع الذي لا هديَ معه، ولهذا قال: «لولا أنَّ معي الهديَ لأحللتُ»، فأخبر أنَّ المانع له من الحلِّ سوق الهدي، والقارن إنَّما يمنعه من الحلِّ القران لا الهدي. وأرباب هذا القول قد يسمُّون هذا المتمتِّع قارنًا، لكونه أحرم بالحجِّ قبل التَّحلُّل من العمرة، ولكنَّ القِران المعروف أن يُحرِم بهما جميعًا، أو يحرم بالعمرة ويُدخل عليها الحجَّ قبل الطَّواف. والفرق بين القارن والمتمتِّع السَّائق من وجهين: أحدهما: من الإحرام، فإنَّ القارن هو الذي يُحرِم بالحجِّ قبل الطَّواف إمَّا في ابتداء الإحرام أو في أثنائه. والثَّاني: أنَّ القارن ليس عليه إلا سعيٌ واحدٌ، فإن أتى به أوَّلًا، وإلَّا سعى عقيبَ طواف الإفاضة، والمتمتِّع عليه سعيٌ ثانٍ عند الجمهور. وعن أحمد روايةٌ أخرى: أنَّه يكفيه سعيٌ واحدٌ كالقارن. والنَّبيُّ ﷺ لم يَسْعَ سعيًا ثانيًا عقيبَ طواف الإفاضة، فكيف يكون متمتِّعًا على هذا القول؟ فإن قيل: فعلى الرِّواية الأخرى يكون متمتِّعًا، ولا يتوجَّه الإلزام، ولها وجهٌ قويٌّ من الحديث الصَّحيح، وهو ما رواه مسلم في «صحيحه» (٢) عن

стр. 1002

جابر قال: «لم يَطُفِ النَّبيُّ ﷺ ولا أصحابه بين الصَّفا والمروة إلا طوافًا واحدًا طوافه الأوَّل هذا»، مع أنَّ أكثرهم كانوا متمتِّعين. وقد روى سفيان الثَّوريُّ (١) عن سلمة بن كُهيلٍ قال: حلف طاوسٌ: ما طاف أحدٌ من أصحاب النبي ﷺ لحجِّه وعمرته إلا طوافًا واحدًا. قيل: الذين نصروا (٢) أنَّه كان متمتِّعًا تمتُّعًا خاصًّا لا يقولون بهذا القول، بل يوجبون عليه سعيينِ، والمعلوم من سنَّته ﷺ أنَّه لم يسعَ إلا سعيًا واحدًا، كما ثبت في «الصَّحيح» (٣) عن ابن عمر: أنَّه قرنَ، وقدم مكَّة، فطاف بالبيت وبالصَّفا والمروة، ولم يزد على ذلك، ولم يحلِقْ ولا قصَّر، ولا حلَّ من شيءٍ حرم منه حتَّى كان يوم النَّحر، فنحر وحلق رأسه، ورأى أنَّه (٤) قد قضى طواف الحجِّ والعمرة بطوافه الأوَّل، وقال: هكذا فعل رسول الله ﷺ . ومراده بطوافه الأوَّل الذي قضى به حجَّه وعمرته: الطَّواف بين الصَّفا والمروة بلا ريبٍ. وذكر الدَّارقطنيُّ (٥) عن عطاء ونافع، عن ابن عمر وجابر: أنَّ النَّبيَّ ﷺ إنَّما طاف لحجِّه وعمرته طوافًا واحدًا وسعيًا واحدًا، ثمَّ قدم مكَّة، فلم يسْعَ بينهما بعد الصَّدر. فهذا يدلُّ على أحد أمرينِ ولا بدَّ: إمَّا أن يكون قارنًا،

стр. 1003

وهو (١) الذي لا يمكن من أوجب على المتمتِّع سعيينِ أن يقول غيرَه، وإمَّا أنَّ المتمتِّع يكفيه سعيٌ واحدٌ، لكنَّ الأحاديث الَّتي تقدَّمت في بيان أنَّه كان قارنًا صريحةٌ في ذلك، فلا يُعدَل عنها. فإن قيل: فقد روى شعبة عن حُميد بن هلالٍ عن مطرِّف عن عمران بن حُصينٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ طاف طوافين وسعى سعيين. رواه الدَّارقطنيُّ (٢) عن ابن صاعد (٣): ثنا محمد بن يحيى الأزدي، ثنا عبد الله بن داود، عن شعبة. قيل: هذا خبرٌ معلولٌ، وهو غلطٌ. قال الدَّارقطنيُّ: يقال: إنَّ محمَّد بن يحيى حدَّث بهذا من حفظه، ووهم في متنه، والصَّواب بهذا الإسناد: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ قرنَ بين الحجِّ والعمرة»، والله أعلم. وسيأتي إن شاء الله ما يدلُّ على أنَّ هذا الحديث غلطٌ. وأظنُّ أنَّ الشَّيخ أبا محمد قدَّس الله روحه إنَّما ذهب إلى أنَّ رسول الله ﷺ كان متمتِّعًا، لأنَّه رأى الإمام أحمد قد نصَّ على أنَّ التَّمتُّع أفضل من القِران، ورأى أنَّ الله سبحانه لم يكن ليختار لرسوله إلا الأفضل، ورأى الأحاديث قد جاءت بأنَّه تمتَّع، ورأى أنَّها صريحةٌ في أنَّه لم يحلَّ، فأخذ من هذه المقدِّمات الأربع أنَّه تمتَّع (٤) تمتُّعًا خاصًّا لم يحلَّ منه، ولكنَّ أحمد لم يرجِّح التَّمتُّع لكون النَّبيِّ ﷺ حجَّ متمتِّعًا، كيف وهو القائل: لا أشكُّ أنَّ

стр. 1004

رسول الله ﷺ كان قارنًا، وإنَّما اختار التَّمتُّع لكونه آخرَ الأمرينِ من رسول الله ﷺ ، وهو الذي أمر به أصحابه أن يفسخوا حجَّهم إليه وتأسَّف على فوته. ولكن نقل عنه المروذي (١) أنَّه إذا ساق الهدي فالقران أفضل. فمن أصحابه من جعل هذا روايةً ثانيةً، ومنهم من جعل المسألة روايةً واحدةً، وأنَّه إن ساق الهدي فالقران أفضل، وإن لم يَسُقْ فالتَّمتُّع أفضل. وهذه طريقة شيخنا (٢)، وهي الَّتي تليق بأصول أحمد، والنَّبيُّ ﷺ لم يتمنَّ أنَّه كان (٣) جعلها عمرةً مع سَوقه الهديَ، بل ودَّ أنَّه كان جعلها عمرةً ولم يسق الهدي. يبقى أن يقال: فأيُّ الأمرين أفضل: أن يسوق ويقرِن، أو يترك السَّوق ويتمتَّع كما ودَّ النَّبيُّ ﷺ أنَّه فعله؟ قيل: قد تعارض في هذه المسألة أمران: أحدهما: أنَّه ﷺ قرن وساق الهدي، ولم يكن الله ليختار له إلا أفضلَ الأمور (٤)، ولا سيَّما وقد جاءه الوحي به من ربِّه تعالى، وخير الهدي هديه ﷺ . والثَّاني قوله: «لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لما سقتُ الهدي ولجعلتُها عمرةً». فهذا يقتضي أنَّه لو كان هذا الوقت الذي تكلَّم فيه هو وقت

стр. 1005

إحرامه لكان أحرم بعمرةٍ ولم يَسُقِ الهدي، لأنَّ الذي استدبره هو الذي فعلَه ومضى فصار خلفه، والَّذي استقبله هو الذي لم يفعله بعدُ، بل هو أمامه، فبيَّن أنَّه لو كان مستقبلًا لما استدبره ــ وهو الإحرام ــ لأحرم (١) بالعمرة دون هديٍ، ومعلومٌ أنَّه لا يختار أن ينتقل عن الأفضل إلى المفضول، بل إنَّما يختار الأفضل، وهذا يدلُّ على أنَّ آخر الأمرينِ منه ترجيح التَّمتُّع. ولمن رجَّح القِران مع السَّوق أن يقول: هو ﷺ لم يقل هذا لأجل أنَّ الذي فعله مفضولٌ مرجوحٌ، بل لأنَّ أصحابه شقَّ عليهم أن يحلُّوا من إحرامهم مع بقائه هو محرمًا، فكان يختار موافقتهم ليفعلوا ما أُمِروا به مع انشراحٍ ومحبَّةٍ وقبولٍ. وقد ينتقل عن الأفضل إلى المفضول لما فيه من الموافقة وائتلاف القلوب، كما قال لعائشة: «لولا أنَّ قومكِ حديثو عهدٍ بجاهليَّةٍ لنقضتُ الكعبة وجعلتُ لها بابين» (٢)، فهنا (٣) ترك ما هو الأولى لأجل الموافقة والتَّأليف، فصار هذا هو الأولى في هذه الحال، فكذلك اختياره للمتعة بلا هديٍ. وفي هذا جمعٌ بين ما فعله وبين ما ودَّه وتمنَّاه، ويكون الله سبحانه قد جمع له بين الأمرين: أحدهما بفعله له، والآخر بتمنِّيه ووِداده له، فأعطاه أجر ما فعله، وأجرَ ما نواه من الموافقة وتمنَّاه. وكيف يكون نسكٌ يتخلَّله التَّحلُّل لم يَسُقْ فيه الهدي أفضلَ من نسكٍ (٤) لم يتخلَّله تحلُّلٌ، وقد ساق فيه مائة بدنةٍ؟ وكيف يكون نسكٌ أفضلَ في حقِّه من نسكٍ

стр. 1006

اختاره الله له، وأتاه الوحي من ربِّه به؟ فإن قيل: والتَّمتُّع وإن تخلَّله تحلُّلٌ لكن قد تكرَّر فيه الإحرام، وإنشاؤه عبادةٌ محبوبةٌ للرَّبِّ، والقِران لا يتكرَّر فيه الإحرام. قيل: في تعظيم شعائر الله بسوقِ الهدي والتَّقرُّبِ إليه بذلك من الفضل ما ليس في مجرَّد تكرُّر (١) الإحرام، ثمَّ إنَّ استدامته قائمةٌ مقام تكرُّره، وسَوق الهدي لا مقابلَ له يقوم مقامه. فإن قيل: فأيُّما أفضل: إفرادٌ يأتي عقيبَه بالعمرة، أو تمتُّعٌ يحلُّ منه ثمَّ يحرم بالحجِّ عقيبه؟ قيل: معاذَ الله أن نظنَّ أنَّ نسكًا قطُّ أفضل من النُّسك الذي اختاره الله (٢) لأفضل الخلق وساداتِ الأمَّة، وأن نقول في نسكٍ لم يفعله رسول الله ﷺ ولا أحدٌ من أصحابه الذين حجُّوا معه، بل ولا غيرهم من الصحابة: إنَّه أفضل ممَّا فعلوه معه بأمره، فكيف يكون حجٌّ على وجه الأرض أفضل من الحجِّ الذي حجَّه صلوات الله وسلامه عليه، أو أمر به أفضلُ الخلق واختاره لهم، وأمرهم بفسخ ما عداه من الأنساك إليه، وودَّ أنَّه كان فعله؟ فلا حجَّ قطُّ أكمل من هذا. وهذا وإن صحَّ عنه الأمر لمن ساق الهدي بالقران، ولمن لم يسق بالتَّمتُّع، ففي جواز خلافه نظرٌ. ولا يُوحِشنَّك قلَّةُ القائلين بوجوب ذلك، فإنَّ فيهم (٣) البحرَ الذي لا يُنزَف عبد الله بن عبَّاسٍ وجماعةً من أهل الظَّاهر،

стр. 1007

والسُّنَّة هي الحَكَم بين النَّاس، والله المستعان. فصل وأمَّا من قال: إنَّه حجَّ قارنًا قرانًا طاف له طوافين وسعى له سعيين، كما قاله كثيرٌ من فقهاء الكوفة، فعذره ما رواه الدَّارقطنيُّ (١) من حديث مجاهد عن ابن عمر أنَّه جمع بين حجٍّ وعمرةٍ معًا، وقال: سبيلهما واحدٌ، قال: وطاف لهما طوافين، وسعى لهما سعيين. وقال: هكذا رأيتُ رسول الله ﷺ صنع كما صنعتُ. وعن عليٍّ أنَّه جمع بينهما، وطاف لهما طوافين، وسعى سعيين، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ صنع كما صنعتُ (٢). وعن علي بن أبي طالب أيضًا أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان قارنًا، فطاف طوافين، وسعى سعيين (٣). وعن علقمة عن عبد الله (٤) قال: طاف رسول الله ﷺ لحجَّته وعمرته طوافين، وسعى سعيين، وأبو بكر وعمر وعلي وابن مسعودٍ (٥). وعن عمران بن حُصينٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ طاف طوافين، وسعى سعيين (٦).

стр. 1008

وما أحسنَ هذا العذرَ لو كانت هذه (١) الأحاديث صحيحةً، بل لا يصحُّ منها حرفٌ واحدٌ. أمَّا حديث ابن عمر ففيه الحسن بن عُمارة، قال الدَّارقطنيُّ (٢): لم يروِه عن الحكم غير الحسن بن عمارة، وهو متروك الحديث. وأمَّا حديث علي الأوَّل، فيرويه حفص بن أبي داود. قال أحمد ومسلم: حفص متروك الحديث. وقال ابن خِراشٍ: هو كذَّابٌ يضع الحديث (٣). وفيه محمَّد بن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى، ضعيفٌ (٤). وأمَّا حديثه الثَّاني، فيرويه عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي، حدَّثني أبي عن أبيه عن جدِّه. قال الدَّارقطنيُّ (٥): عيسى بن عبد الله يقال له مباركٌ، وهو متروك الحديث. وأمَّا حديث علقمة عن عبد الله، فيرويه أبو بُردة عمرو بن يزيد عن حماد عن إبراهيم عن علقمة. قال الدَّارقطنيُّ (٦): وأبو بردة ضعيفٌ، ومن دونه في الإسناد ضعفاء، انتهى. وفيه عبد العزيز بن أبان، قال يحيى: هو كذَّابٌ خبيثٌ. وقال الرازي والنَّسائيُّ: متروك الحديث (٧).

стр. 1009

وأمَّا حديث عمران بن حُصينٍ، فهو ممَّا غلط فيه محمد بن يحيى الأزدي، وحدَّث به من حفظه فوهم فيه، وقد حدَّث به على الصَّواب مرارًا، ويقال: إنَّه رجع عن ذكر الطَّواف والسَّعي (١). وقد روى الإمام أحمد والتِّرمذيُّ وابن حبَّان (٢) في «صحيحه» من حديث الدراوردي عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «من قَرنَ بين حجَّته وعمرته أجزأه لهما طوافٌ واحدٌ». ولفظ الترمذي: «من أحرم بالحجِّ والعمرة أجزأه طوافٌ وسعيٌ واحدٌ منهما (٣)، حتَّى يحلَّ منهما جميعًا» (٤). وفي «الصَّحيحين» (٥) عن عائشة: خرجنا مع رسول الله ﷺ في حجَّة الوداع، فأهللنا بعمرةٍ، ثمَّ قال: «من كان معه هديٌ فليهلَّ بالحجِّ والعمرة، ثمَّ لا يحلَّ حتَّى يحلَّ منهما»، فطاف الذين أهلُّوا بالعمرة، ثمَّ حلُّوا، ثمَّ طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منًى، وأمَّا الذين جمعوا بين الحجِّ والعمرة فإنَّما طافوا طوافًا واحدًا. وصحَّ (٦) أنَّ رسول الله ﷺ قال لعائشة: «إنَّ طوافك بالبيت وبالصَّفا

стр. 1010

والمروة يكفيك لحجَّك وعمرتك». وروى عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن ابن عبَّاسٍ: أنَّ رسول الله ﷺ طاف طوافًا واحدًا لحجِّه وعمرته (١). وعبد الملك أحد (٢) الثِّقات المشهورين، احتجَّ به مسلم وأصحاب السُّنن. وكان يقال له: الميزان، ولم يُتكلَّم فيه بضعفٍ ولا جرحٍ، وإنَّما أُنكر عليه حديث الشُّفعة (٣). وتلك شَكاةٌ ظاهرٌ عنه عارُها (٤) وقد روى الترمذي (٥) عن جابر أنَّ النَّبيَّ ﷺ قرنَ بين الحجِّ والعمرة، فطاف لهما طوافًا واحدًا. وهو (٦) وإن كان فيه الحجَّاج بن أرطاة، فقد روى عنه سفيان وشعبة وابن نُميرٍ وعبد الرزاق والخلق. قال الثَّوريُّ: ما بقي أحدٌ أعرف بما يخرج من رأسه منه وعِيبَ عليه التَّدليس، وقلَّ من سَلِم منه. وقال

стр. 1011

أحمد: كان من الحفَّاظ. وقال ابن معينٍ: ليس بالقويِّ، وهو صدوقٌ يدلِّس. وقال أبو حاتم: إذا قال حدَّثنا فهو صالح، لا يُرتاب في صدقه وحفظه (١). وقد روى الدَّارقطنيُّ (٢) من حديث ليث بن أبي سُليمٍ قال: حدَّثني عطاء وطاوس ومجاهد، عن جابر وعن ابن عمر وعن ابن عبَّاسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يطف هو وأصحابه بين الصَّفا والمروة إلا طوافًا واحدًا لعمرتهم وحجِّهم. وليث بن أبي سليمٍ احتجَّ به أهل السُّنن الأربعة، واستشهد به مسلم، وقال ابن معينٍ: لا بأس به، وقال الدَّارقطنيُّ: كان صاحب سنَّةٍ، وإنَّما أنكروا عليه الجمع بين عطاء وطاوس ومجاهد حسب، وقال عبد الوارث: كان من أوعية العلم، وقال أحمد: مضطرب الحديث، ولكن حدَّث عنه النَّاس. وضعَّفه النَّسائيُّ ويحيى في روايةٍ (٣). ومثل هذا حديثه حسنٌ وإن لم يبلغ رتبة الصِّحَّة. وفي «الصَّحيحين» (٤) عن جابر قال: دخل رسول الله ﷺ على عائشة، ثمَّ وجدها تبكي، [فقال: ما شأنُكِ؟] (٥)، فقالت: قد حِضتُ، وقد حلَّ النَّاس ولم أحلَّ، ولم أطف بالبيت، فقال: «اغتسلي ثمَّ أهلِّي بالحج». ففعلتْ ووقفتِ المواقف، حتَّى إذا طهرتْ طافت بالكعبة وبالصَّفا والمروة، ثمَّ قال:

стр. 1012

«قد (١) حللتِ من حجِّك وعمرتك جميعًا». وهذا يدلُّ على ثلاثة أمورٍ، أحدها: أنَّها كانت قارنةً، والثَّاني: أنَّ القارن يكفيه طوافٌ واحدٌ وسعيٌ واحدٌ. والثَّالث: أنَّه (٢) لا يجب عليها قضاء تلك العمرة الَّتي حاضت فيها ثمَّ أدخلت عليها الحجَّ، وأنَّها لم ترفُضْ إحرام العمرة بحيضها، وإنَّما رفضت أعمالها والاقتصار عليها. وعائشة لم تطف أوَّلًا طوافَ قدومٍ، بل لم تطفْ إلا بعد التَّعريف، وسَعَتْ مع ذلك، فإذا كان طواف الإفاضة والسَّعي بعده يكفي القارنَ، فلَأَن (٣) يكفيه طواف القدوم مع طواف الإفاضة وسعيٌ واحدٌ مع أحدهما بطريق الأولى، لكنَّ عائشة تعذَّر عليها الطَّواف الأوَّل، فصارت قِصَّتها حُجَّةً في أن المُراهِق الذي (٤) يتعذّر عليه الطَّواف الأوَّل يفعل كما فعلت عائشة، يُدخل الحجَّ على العمرة، ويصير قارنًا، ويكفيه لهما طواف الإفاضة والسَّعي عقيبه. قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة قدَّس الله روحه (٥): وممَّا يبيِّن أنَّه ﷺ لم

стр. 1013

يطفْ طوافين ولا سعى سعيين قولُ عائشة: «وأمَّا الذين جمعوا الحجَّ والعمرة فإنَّما طافوا طوافًا واحدًا»، متَّفقٌ عليه (١). وقول جابر: «لم يطف النَّبيُّ ﷺ وأصحابه بين الصَّفا والمروة إلا طوافًا واحدًا، طوافه الأوَّل»، رواه مسلم (٢). وقوله لعائشة: «يُجزِئ عنكِ طوافُك بالصَّفا والمروة عن حجِّك وعمرتك»، رواه مسلم (٣). وقوله لها في رواية أبي داود (٤): «طوافك بالبيت وبين الصَّفا والمروة يكفيك لحجِّك وعمرتك». وقوله لها (٥) في الحديث المتَّفق عليه (٦) لمَّا طافت بالكعبة وبالصَّفا والمروة: «قد حللتِ من حجِّك وعمرتك جميعًا». قال (٧): والصَّحابة الذين نقلوا حجَّة رسول الله ﷺ كلُّهم نقلوا أنَّهم لمَّا طافوا بالبيت وبين الصَّفا والمروة أمرهم بالتَّحلُّل إلا من ساق الهدي، فإنَّه لا (٨) يحلُّ إلى (٩) يوم النَّحر، ولم ينقل أحدٌ منهم أنَّ أحدًا منهم طاف وسعى ثمَّ طاف وسعى. ومن المعلوم أنَّ مثل هذا ممَّا تتوفَّر الهِمم والدَّواعي على نقله، فلمَّا لم ينقله أحدٌ من الصَّحابة عُلِم أنَّه لم يكن.

стр. 1014

وعمدة من قال بالطَّوافين والسَّعيين أثرٌ يرويه الكوفيُّون عن علي، وآخر عن ابن مسعودٍ. وقد روى جعفر بن محمَّدٍ عن أبيه، عن علي: أنَّ القارن يكفيه طوافٌ واحدٌ وسعيٌ واحدٌ، خلاف ما رواه أهل الكوفة (١)، وما رواه العراقيُّون: منه ما هو منقطعٌ، ومنه ما رجاله مجهولون أو مجروحون، ولهذا طعن علماء النَّقل في ذلك، حتَّى قال ابن حزمٍ (٢): كلُّ ما روي في ذلك عن الصَّحابة لا يصحُّ منه ولا كلمةٌ واحدةٌ. وقد نُقِل في ذلك عن النَّبيِّ ﷺ ما هو موضوعٌ بلا ريبٍ. وقد حلف طاوسٌ: ما طاف أحدٌ من أصحاب رسول الله ﷺ لحجَّته (٣) وعمرته إلا طوافًا واحدًا (٤). وقد ثبت مثل هذا عن ابن عمر وابن عبَّاسٍ وجابر وغيرهم، وهم أعلم النَّاس بحجَّة رسول الله ﷺ ، فلا يخالفونها، بل هذه الآثار صريحةٌ في أنَّهم لم يطوفوا بالصَّفا والمروة إلا مرَّةً واحدةً. وقد تنازع النَّاس في القارن والمتمتِّع هل عليهما سعيان أو سعيٌ واحدٌ؟ على ثلاثة أقوالٍ في مذهب أحمد وغيره: أحدها (٥): ليس على واحدٍ منهما إلا سعيٌ واحدٌ، كما نصَّ عليه أحمد

стр. 1015

في رواية ابنه عبد الله. قال عبد الله (١): قلت لأبي: المتمتِّع كم يسعى بين الصَّفا والمروة؟ قال: إن طاف طوافين فهو أجود، وإن طاف طوافًا واحدًا فلا بأسَ. قال شيخنا: وهذا منقولٌ عن غير واحدٍ من السَّلف. الثَّاني: أنّ المتمتِّع عليه سعيان، والقارن عليه سعيٌ واحدٌ، وهذا هو القول الثَّاني في مذهبه، وقول من يقول من أصحاب مالك والشَّافعيِّ. والثَّالث: أنَّ على كلِّ واحدٍ منهما سعيين، كمذهب أبي حنيفة، ويُذكر قولًا في مذهب أحمد، والله أعلم. والَّذي تقدَّم هو بَسْط قول شيخنا (٢) وشَرْحه، وبالله التوفيق (٣). فصل وأمَّا الذين قالوا: إنَّه حجَّ حجًّا مفردًا اعتمر عقيبه من التَّنعيم، فلا نعلم لهم عذرًا (٤) البتَّة إلا ما تقدَّم من أنَّهم سمعوا أنَّه أفرد الحجَّ، وأنَّ عادة المفرِدين أن يعتمروا من التَّنعيم، فتوهَّموا أنَّه فعل كذلك (٥). فصل وأمَّا الذين غَلِطوا في إهلاله، فمن قال: إنَّه لبَّى بالعمرة وحدها واستمرَّ

стр. 1016

عليها، فعذره أنَّه سمع أنه ﷺ تمتَّع، والمتمتِّع عنده مَن أهلَّ بعمرةٍ مفردةٍ بشروطها، وقد قالت له حفصة: ما شأن النَّاس حلُّوا ولم تحلَّ من عمرتك؟ وكلُّ هذا لا يدلُّ على أنَّه قال: لبَّيك بعمرةٍ مفردةٍ، ولم ينقل هذا أحدٌ عنه البتَّة، فهو وهمٌ محضٌ، والأحاديث الصَّحيحة المستفيضة في لفظه (١) في إهلاله تُبطِل هذا. فصل وأمَّا من قال: إنَّه لبَّى بالحجِّ وحده واستمرَّ عليه، فعذره ما ذكرنا عمَّن قال: أفرد الحجَّ ولبَّى بالحجِّ، وقد تقدَّم الكلام على ذلك وأنَّه لم ينقل أحدٌ قطُّ أنه قال: لبَّيك بحجَّةٍ مفردةٍ، وأنّ الذين نقلوا لفظه صرَّحوا بخلاف ذلك. فصل وأمَّا من قال: لبَّى بالحجِّ وحده، ثمَّ أدخل عليه العمرة، وظنَّ أنَّه بذلك تجتمع الأحاديث، فعذره أنَّه رأى أحاديث إفراده الحجَّ صحيحةً، فحملها على ابتداء إحرامه، ثمَّ إنَّه أتاه آتٍ من ربِّه تعالى فقال: قل: عمرةٌ في حجَّةٍ، فأدخل العمرة حينئذٍ على الحجِّ، وصار قارنًا. ولهذا قال للبراء بن عازبٍ: «إنِّي سقتُ الهدي وقرنْتُ»، وكان مفرِدًا في ابتداء إحرامه، قارنًا في أثنائه. وأيضًا فإنَّ أحدًا لم يقل (٢): إنَّه أهلَّ بالعمرة، ولا لبَّى بالعمرة، ولا أفرد العمرة، ولا قال: خرجنا لا ننوي إلا العمرة، وقالوا: أهلَّ بالحجِّ، ولبَّى

стр. 1017

بالحجِّ، وأفرد الحجَّ، وخرجنا لا ننوي إلا الحجَّ، وهذا يدلُّ على أنَّ الإحرام وقع أوَّلًا بالحجِّ، ثمَّ جاءه الوحي من ربِّه بالقران، فلبَّى بهما، فسمعه أنس يلبِّي بهما وصدَق، وسمعته عائشة وابن عمر وجابر يلبِّي بالحجِّ وحده أوَّلًا وصدقوا. قالوا: وبهذا تتَّفق الأحاديث، ويزول عنها الاضطراب. هذا، وأرباب هذه المقالة لا يجيزون إدخال العمرة على الحجِّ، ويرونه لغوًا، ويقولون: إنَّ ذلك خاصٌّ بالنَّبيِّ ﷺ دون غيره. قالوا: وممَّا يدلُّ على ذلك أنَّ ابن عمر قال: لبَّى بالحجِّ وحده، وأنس قال: أهلَّ بهما جميعًا، وكلاهما صادقانِ، فلا يمكن أن يكون إهلاله بالقران سابقًا على إهلاله بالحجِّ وحده؛ لأنَّه إذا أحرم قارنًا لم يمكن أن يحرِم بعد ذلك بحجٍّ مفردٍ، وينقلَ الإحرام إلى الإفراد، فتعيَّن أنَّه أحرم بالحجِّ مفردًا، فسمعه ابن عمر وعائشة وجابر، فنقلوا ما سمعوه، ثمَّ أدخل عليه العمرة، فأهلَّ بهما جميعًا لمَّا جاءه الوحي من ربِّه، فسمعه أنس يُهِلُّ بهما، فنقل ما سمعه، ثمَّ أخبر عن نفسه بأنَّه قرن، وأخبر عنه من تقدَّم ذِكُره من الصَّحابة بالقران، فاتَّفقت أحاديثهم، وزال عنها الاضطراب والتَّناقض. قالوا: ويدلُّ عليه قول عائشة: خرجنا مع رسول الله ﷺ فقال: «من أراد منكم أن يُهِلَّ بحجٍّ وعمرةٍ فليفعل، ومن أراد أن يهلَّ بحجٍّ فليهلَّ، ومن أراد أن يهلَّ بعمرةٍ فليهلَّ». قالت عائشة: فأهلَّ رسول الله ﷺ بحجٍّ، وأهلَّ به ناسٌ معه. فهذا يدلُّ على أنَّه كان مفردًا في ابتداء إحرامه، فعلم أنَّ قِرانه كان بعد ذلك.

стр. 1018

ولا ريبَ (١) أنَّ في هذا القول من مخالفة الأحاديث المتقدِّمة ودعوى التَّخصيص للنَّبيِّ ﷺ بإحرامٍ لا يصحُّ في حقِّ الأمَّة ما يردُّه ويُبطِله. وممَّا يردُّه أنَّ أنسًا قال: صلَّى رسول الله ﷺ الظُّهر بالبيداء، ثمَّ ركب، وصعدَ جبلَ البيداء، وأهلَّ بالحجِّ والعمرة حين صلَّى الظُّهر. وفي حديث عمر أنَّ الذي جاءه من ربِّه قال له: «صَلِّ في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرةٌ في حجَّةٍ»، وكذلك فعل ﷺ . فالَّذي روى عمر أنَّه أمر به وروى أنس أنَّه فعله سواءٌ، فصلَّى الظُّهر بوادي الحليفة (٢)، ثمَّ قال: لبَّيك عمرةً وحجًّا. واختلف النَّاس في جواز إدخال العمرة على الحجِّ على قولين، وهما روايتان عن أحمد، أشهرهما: أنه لا يصحُّ، والَّذين قالوا بالصِّحَّة ــ كأبي حنيفة وأصحابه ــ بنوه على أصولهم، وأنَّ القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين، فإذا أدخل العمرة على الحجِّ فقد التزم زيادة عملٍ على الإحرام بالحجِّ وحده. ومن قال: يكفيه طوافٌ واحدٌ وسعيٌ واحدٌ، قال: لم يستفد بهذا الإدخال إلا سقوطَ أحد السَّفرين، ولم يلتزم (٣) به زيادة عملٍ بل نقصانه، فلا يجوز، وهذا مذهب الجمهور. فصل وأمَّا القائلون بأنه أحرم بعمرةٍ ثمَّ أدخل عليها الحجَّ، فعذرهم قول ابن عمر: تمتَّع رسول الله ﷺ في حجَّة الوداع بالعمرة إلى الحجِّ، وأهدى، فساق

стр. 1019

معه الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله ﷺ فأهلَّ بالعمرة ثمَّ أهلَّ بالحجِّ. متَّفقٌ عليه (١). وهذا ظاهرٌ في أنَّه أحرم أوَّلًا بالعمرة، ثمَّ أدخل عليها الحجَّ. ويبيِّن ذلك أيضًا أنَّ ابن عمر لمَّا حجَّ زمنَ ابن الزبير أهلَّ بعمرةٍ ثمَّ قال: أُشهِدكم أنِّي قد أوجبتُ حجًّا مع عمرتي، وأهدى هديًا اشتراه بقُدَيدٍ، ثمَّ انطلق يُهِلُّ بهما حتَّى قدم مكَّة، فطاف بالبيت وبالصَّفا والمروة، ولم يزد على ذلك، ولم ينحر، ولم يحلق ولم يقصِّر، ولم يحلِلْ من شيءٍ حرم منه حتَّى كان يوم النَّحر، فنحر وحلق، ورأى أنَّ ذلك قد قضى طواف الحجِّ والعمرة بطوافه الأوَّل. وقال: هكذا فعل رسول الله ﷺ (٢). فعند هؤلاء أنَّه كان متمتِّعًا في ابتداء إحرامه، قارنًا في أثنائه. وهؤلاء أعذَرُ من الذين قبلهم. وإدخال الحجِّ على العمرة جائزٌ بلا نزاعٍ يُعرف، وقد أمر النَّبيُّ ﷺ عائشة بإدخال الحجِّ على العمرة، فصارت قارنةً، ولكن سياق الأحاديث الصَّحيحة يردُّ (٣) على أرباب هذه المقالة، فإنَّ أنسًا أخبر أنَّه حين صلَّى الظُّهر أهلَّ بهما جميعًا. وفي «الصَّحيح» عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في حجَّة الوداع مُوافِينَ لهلال ذي الحجَّة، فقال رسول الله ﷺ : «من أراد منكم أن يهلَّ بعمرةٍ فليهلَّ، فلولا أنِّي أهديتُ لأهللتُ بعمرةٍ»، قالت: وكان من القوم من أهلَّ بعمرةٍ، ومنهم من أهلَّ بالحجِّ، قالت: فكنتُ

стр. 1020

أنا ممَّن أهلَّ بعمرةٍ. وذكرَتِ (١) الحديثَ. رواه مسلم (٢). فهذا صريحٌ في أنَّه لم يهلَّ إذ ذاك بعمرةٍ، وإذا جمعتَ بين قول عائشة هذا وبين قولها في «الصَّحيح»: «تمتَّع رسول الله ﷺ في حجَّة الوداع»، وبين قولها: «وأهلَّ رسول الله ﷺ بالحجِّ»، والكلُّ في «الصَّحيح» = علمتَ أنَّها إنَّما نفَتْ عمرةً مفردةً، وأنَّها لم تنْفِ عمرةَ قِرانٍ كانوا يسمُّونها تمتُّعًا كما تقدَّم، وأنَّ ذلك لا يناقض إهلالَه بالحجِّ، فإنَّ عمرة القران في ضِمنه وجزءٌ منه، ولا ينافي قولها: أفرد الحجَّ، فإنَّ أعمال العمرة لمَّا دخلتْ في أعمال الحجِّ وأُفرِدتْ أعماله= كان ذلك إفرادًا بالفعل, وأمَّا التَّلبية بالحجِّ مفردًا فهو إفرادٌ بالقول. وقد قيل: إنَّ حديث ابن عمر أنَّ رسول الله ﷺ تمتَّع في حجَّة الوداع بالعمرة إلى الحجِّ، وبدأ رسول الله ﷺ فأهلَّ بالعمرة، ثمَّ أهلَّ بالحجِّ= مرويٌّ بالمعنى من حديثه الآخر، وإنَّ ابن عمر هو الذي فعل ذلك عامَ حجَّ في فتنة ابن الزبير، وإنَّه بدأ فأهلَّ بالعمرة، ثمَّ قال: ما شأنُهما إلا واحدًا، أُشهِدكم أنِّي قد أوجبتُ حجًّا مع عمرتي، فأهلَّ بهما جميعًا. ثمَّ قال في آخر الحديث: هكذا فعل رسول الله ﷺ . وإنَّما أراد اقتصاره على طوافٍ واحدٍ وسعيٍ واحدٍ، فحمل على المعنى وروى به، وأن رسول الله ﷺ بدأ فأهلَّ بالعمرة، ثمَّ أهلَّ بالحجِّ. وإنَّما الذي فعل ذلك ابن عمر. وهذا (٣) ليس ببعيدٍ بل متعيَّنٌ، فإنَّ عائشة قالت عنه: «لولا أنَّ معي
следующие страницы →