المبحث الأول: مدخل الدراسة
المقدمة:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين.. وبعد:
لقد مر المجتمع الذي يعيش على اليابسة بمراحل متعاقبة من الحضارات الفكرية والمادية، وحصل بينها نوع من التأثير والتأثر منذ العصور الأولى للإنسانية، وكان للانحراف عن الفطرة السوية سبب في انتكاستها، ولكن الله أنار الطريق بإرسال الرسل مبشرين ومنذرين، واختتمت برسالة المصطفى ﷺ الذي بعث للعالمين جميعا، فتميزت هذه الأمة المسلمة بما وهبها الله من نعمة الإسلام ونعمة العلم الصحيح، فارتقت هذه الأمة وعلا شأنها وقوى سلطانها بما حفظت وطبقت من شريعة الله.
فجاءت مرحلة الاتصال واللقاء بين المجتمع الإسلامي والمجتمعات الأخرى فتأثر العالم بدين الإسلام، فأعقبتها مرحلة أخرى تأثر فيها المسلمون بحضارة الغرب، فكثر التقليد والاقتباس ومحاولة التوفيق بين القيم الإسلامية والغربية كالديمقراطية والاشتراكية والفلسفة وغير ذلك من محاولات التوفيق والدمج.
وأكثر ما انتشر في الآونة الأخيرة مصطلح الفلسفة الإسلامية، والذي ألفت فيه الكتب التي تحمل عناوين فلسفية، وخاصة في مجال التربية مثل: (فلسفة التربية، فلسفة التربية الإسلامية، الأصول الإسلامية لفلسفة التربية) . وقد اشتمل البعض على أخطاء جوهرية تتعارض مع المبادئ الإسلامية، وما كان ذلك ليحصل لولا التأثر بالمناهج الغربية مما جعل بعض القلوب والأبصار تتوارى عن الحق برؤية بريق الحضارة الغربية فأصبحوا لا يسمعون إلا بآذان الغرب ولا يرون إلا بأعينهم ولا يصحح ولا يخطأ إلا ما صححه وخطأه الغرب. ثم أعقب ذلك صحوة هزت الحنين إلى المبادئ الإسلامية، فأصبح البعض في
стр. 2
حيرة من أمره، فحاول أن يوفق بين القيم الإسلامية والغربية ويسخر علمه لذلك دون إدراك للعواقب والمغبة التي تتوارى خلف ذلك. فظهرت بعض المصطلحات الغربية الممزوجة بالإسلام في العنوان، وبالأخطاء في المضمون.
ومن هنا جاءت هذه المحاولة لجمع بعض المعلومات في هذا الموضوع تبياناً وإيضاحاً لتعارض الفلسفة التربوية مع مبادئ الإسلام الحنيف، لعلي أسهم بشيء يسير في خدمة هذا الدين العظيم، وتصحيح هذا المفهوم التربوي الخطير.
وأسال الله أن يعلمنا ما ينفعنا وينفعنا بما علمنا.
أهمية الدراسة:
لقد انتشر في المجتمعات الإسلامية الكثير من المصطلحات الأجنبية ذات الدلالات المخالفة للمنهج الإسلامي؛ وذلك بسبب عاملي: الترجمة والاقتباس من المجتمعات غير الإسلامية، خاصة التي قطعت شوطاً كبيراً في التقدم التقني.
ومن تلك المصطلحات فلسفة التربية، التي تحاول هذه الدراسة بيان مفهومها ودلالاتها، وعدم توافقها مع المنهج الإسلامي، وكذا موقف بعض علماء المسلمين من هذا المصطلح.
الأمر الذي قد يسهم ـ بإذن الله تعالى ـ في عدم تبني هذا المصطلح، والحيلولة دون استخدامه وربطه بالجوانب التربوية، في ضوء ما سيتضح من هذا البحث.
أهداف الدراسة:
تهدف الدراسة إلى الوقوف على حقيقة مصطلح الفلسفة ومعرفة مدلوله وماهيته، وموقف التربية الإسلامية منه. أسئلة الدراسة:
يمكن تحديد أسئلة الدراسة فيما يلي:
стр. 3
- ما معنى مصطلح فلسفة التربية؟ .
- ما ميدان الفلسفة الذي تبحث فيه؟ .
- أين ظهر مصطلح الفلسفة أولاً؟ وكيف انتقل إلى المجتمعات الإسلامية؟.
- ما هو موقف المنهج الإسلامي من الفلسفة.
منهج الدراسة:
تقوم هذه الدراسة على المنهج الوصفي التحليلي، من خلال وصف هذا المصطلح وتحليل مكوناته ودلالاته، وما يتعلق به من استخدام بعض أبناء المسلمين لهذا المصطلح في كتاباتهم العلمية التربوية.
حدود الدراسة:
تتمحور هذه الدراسة في بيان حقيقة مصطلح فلسفة التربية، الذي ظهر في الكثير من المصنفات والدراسات التربوية مع إيضاح مدلولاته الاصطلاحية ومفاهيمه وميادينه التي يستخدم فيها، وبيان موقف المنهج الإسلامي من ذلك مع عدم الخوض في النظريات الفلسفية، وفي روادها قديماً وحديثاً.
стр. 4
المبحث الثاني: الغزو التربوي
أساليب الغزو التربوي:
يعتبر الغزو التربوي أمضى سلاح تخترق به عقول الأمم وصفوفها؛ وذلك أنه يسير بأبطأ الخطوات، وأقوى المؤثرات، بصور شتى وأساليب متعددة.
والأمة الإسلامية محط الأنظار؛ لأنها محسودة بما أنعم الله تعالى عليها من نعمة الإسلام. قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ ١.
ولما ضعفت الأمة في عصورها المتأخرة، وظهر بريق الحضارة الغربية المادية في الجوانب التقنية، ظهر التأثير والتأثر بخطى سريعة وبأساليب متنوعة، أهمها:
١- مدارس الإرساليات التي انتشرت في مختلف أجزاء العالم الإسلامي بحجة أنها مدارس للنشء الأجنبي. ومن ثم امتدت إلى الجامعات سالكة في ذلك خطين: خط الإرساليات البروتستانتية الأمريكية، وخط الإرساليات الكاثوليكية الفرنسية، وقد بدأت هذه المدارس دينية صرفة، ثم تحولت إلى علمانية نتيجة تحول التعليم الغربي نفسه بعد الثورة الفرنسية من ديني إلى علماني٢.
٢- والأسلوب الثاني ما يقدمه الغرب للمسلمين من نماذج حضارية براقة مشوقة بالإغراء من خلال السينما والمسرح والصحافة والأفلام التلفزيونية والقصص الانحرافية المبتذلة، ومن خلال الأزياء وبيوت عرضها، ومجلات لنشرها. إضافة إلى الاحتكاكات الثقافية التي تتيح الفرص أمام الشباب بل تغريهم بمسايرة حياة المجون الأوربية.
стр. 5
ولقد نجح الغرب في تكوين مجموعة متخصصة من أبناء البلاد الإسلامية تتبنى الأنموذج الغربي بما تحويه من قيم هدامة لقيمنا الإسلامية، كما نجح في غزو الإطار التربوي وتبنى بعض أبناء الإسلام هذا الغزو عن غير وعي لمغبة هذا الأمر١ مثل: ترجمة الكتب التي تحمل نظريات ومبادئ مخالفة للإسلام، ونقل الأفكار وتبادلها بمختلف الأساليب المؤثرة.
٣- والأسلوب الثالث، هو استغلال الشباب المسلم الذي انبهر ببريق الحضارة الغربية باعتبار أنها تمثل المنهج السليم للرقي والتقدم كما تصورها.
فلقد وجدت هذه المرحلة من تاريخ المجتمع الإسلامي إقبالاً على الفلسفات والمذاهب والعقائد التي حملها الغزو الأوربي الاستعماري والحضاري، ووجدت حتى من أبناء المجتمع الإسلامي من يعينها ويعضدها للدخول إلى المجتمع المسلم، بل أوجدت من يكون جندياً في صفوفها ٢.
وفي تتبع أساليبهم التربوية إضلال للفرد والمجتمع، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ ٣.
ولكن ماذا لو أن خطراً تعليمياً أحدق بإحدى المجتمعات الغربية؟ فما هي ردة الفعل؟ .
إن التقرير المقدم من اللجنة الوطنية المكلفة بدراسة وسائل تحقيق التفوق والسبق في التعليم بالولايات المتحدة الأمريكية عام ١٩٨٣، يرى: (أنه لو قامت قوة معادية بفرض أداء تعليمي قليل الجودة على الشعب الأمريكي
стр. 6
لاعتبر ذلك مدعاة للحرب، ولكن ذلك يحدث الآن من خلالنا نحن الذين سمحنا به، لقد بددنا هدر المكاسب التي حصل عليها في رفع مستوى التحصيل التعليمي لطلابنا بعد التحدي الذي واجهناه بإطلاق القمر الصناعي (سبوتنك SPOT NECK) ، ولكن هذا التدني عمل بلا تفكير وعملية نزع لسلاح التعليم) ١.
لهذا شعرت الأمة الأمريكية بخطأ خططها ونظمها التعليمية، واعتبروها حرباً لو أنها فرضت عليهم فرضاً جبرياً من أمة من الأمم.
أما المسلمون فبالرغم من معرفتهم لمنابع الخطر إلا أن جانب التقليد قد أخذ نصيبه، حيث ظهرت المحاكاة لهم في ملبسهم ومأكلهم ومشربهم.
والمشابهة في الظاهر تورث نوع مودة ومحبة وموالاة في الباطن، كما أن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر، وهذا أمر يشهد به الحس والتجربة ٢.
وقد قال رسول الله ﷺ “لتتّبعن سنن من كان قبلكم شبراً شبراً، وذراعاً ذراعاً، حتى لو دخلوا جحر ضبّ تبعتموهم، قلنا يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ ” ٣.
وقال ﷺ : “لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها شبراً بشبر وذراعاً بذراع، فقيل، يا رسول الله كفارس والروم؟ فقال: ومن الناس إلا أولئك” ٤.
стр. 7
قال ابن بطال في معنى ذلك: “أعلم ﷺ أن أمته ستتبع المحدثات من الأمور والبدع والأهواء، كما وقع للأمم قبلهم، وقد أنذر في أحاديث كثيرة بأن الآخر شر، والساعة لا تقوم إلا على شرار الناس، وأن الدين إنما يبقى قائماً عند خاصة من الناس”١.
وفي هذا تحذير وتنبيه للأمة من الاستنان والاقتداء بالأمم في انحرافها وأهوائها.
ولعل أبرز دوافع الاستسلام للغزو التربوي الشعور بالعجز، أو النقص في بعض الجوانب، مما يدفع المرء إلى الاقتداء بمن يرى أنهم متفوقون في ذلك الجانب الذي أخفق فيه، وهذا يحدث على مستوى الأفراد وعلى مستوى المجتمعات ٢.
كما أن ازدواجية الشعور بقدرة المنهج الإسلامي على الارتقاء بالأمة إلى أعلى مستويات التقدم مع الشعور والانبهار بتقدم الغرب وقدراته دون التفرقة بين السقيم والسليم يجعل المرء في فصام تربوي “بين إقرار وعدم تطبيق، واقتباس” فنقر للمنهج الإسلامي بالقدرة والاستطاعة على النهوض بالأمة كما نهض بأسلاف المسلمين عندما نهضوا به في قرونه الأولى مع عدم تطبيقه في مجالات الحياة، إضافة إلى الأخذ عن الغرب دون دراسة واعية مصححة على معايير الإسلام.
مما يجعل الاستفادة من تقنيات الغرب يكترثها شيء من التأثر في الجوانب الأخرى، الأمر الذي يؤكد أهمية إيلاء هذا الجانب عناية من المؤسسات التربوية على مستوى الأمة والأفراد، بما يحصر الاستفادة في الجوانب التقنية دون امتداد تبعاتها على الجوانب الفكرية والعقدية والأخلاقية للأمة.
١ ابن حجر، فتح الباري (١٣/٣٠١) .
٢ خالد بن حامد الحازمي، أصول التربية الإسلامية، ص (٣٨٥) .
стр. 8
استخدام المصطلحات الغربية
الديمقراطية
...
استخدام المصطلحات الغربية:
لقد كثر لدى المجتمعات الإسلامية استخدام المصطلحات الغربية في معظم شؤون الحياة، سواءً في التعليم أو الاقتصاد أو غيرها، بل إن البعض يفاخر باستخدامها ويغمط اللغة العربية حقها في قدرتها وسعتها لكل المجالات، فهي التي وسعت كتاب الله لفظاً وغاية، فلن يعجزها أن تمد البشر بما يحتاجون من المصطلحات.
فتجد البعض يستخدم مضمون المصطلحات ومحاولة تطبيقها والمناداة بها كالديمقراطية والاشتراكية، وفي ذلك يقول أحد الذين دخلوا في الإسلام من الغربيين: “إن من باب التضليل المؤذي إلى أبعد الحدود أن يحاول الناس تطبيق المصطلحات التي لا صلة لها بالإسلام على الأنظمة الإسلامية؛ لأن للإسلام نظاماً اجتماعياً متميزاً خاصاً به وحده، يختلف من عدة وجوه عن الأنظمة السائدة في الغرب، ولا يمكن لهذا النظام أن يدرس ويفهم إلا في حدود مفاهيمه ومصطلحاته الخاصة، وأن أي شذوذ عن هذا المبدأ سوف يؤدي حتماً إلى الغموض والالتباس بدلاً من الوضوح والجلاء ١“.
والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ ٢.
وجاء في تفسير موالاتهم “أن التولي التام يوجب الانتقال إلى دينهم، والتولي
стр. 9
القليل يدعو إلى الكثير، ثم يتدرج شيئاً فشيئاً حتى يكون العبد منهم” ١.
وكثير من الأنظمة الأجنبية يشكل تهديداً أكيداً لقدراتنا على الارتباط بديننا وتهديداً لما نؤمله من أن نكون أمة تحترم ذاتها، وقد ترتب على هذه الازدواجية آثار بعيدة المدى، أهمها الانشطار والثنائية في الكيان الاجتماعي والفكري ٢. فهناك من يرى اتفاق هذه المصطلحات مع الإسلام، وهناك من يراها على عكس ذلك، ومنهم من يحاول التوفيق بينها، ومن تلك المصطلحات الغربية التي غزت بعض بلداننا الإسلامية وأصبحت شعاراً يستخدم في المجالات المعرفية ما يلي:
الديمقراطية:
إن هذا المصطلح يستعمل في الغرب بالمعنى الذي أعطته إياه الثورة الفرنسية، ويقصد به الدلالة على المساواة في الحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية لجميع المواطنين، ورقابة الأمة على الحكومة عن طريق هيئة نيابية يشترك في انتخاب أعضائها جميع البالغين من أفراد الشعب، ويشمل أيضاً حق الشعب المطلق في أن يشرع لجميع الأمور العامة بأغلبية أصوات نوابه ٣، كما يقوم على إعطاء الحريات في العقيدة والرأي والتملك ٤.
“وتلك صورة تحمل في طياتها بريقاً مذهلاً، غير أنها عند التحليل تبدو خيالية، بعيدة عن الواقع الذي يشهد باصطدام هذا المذهب بمبادئ الإسلام القائم على
стр. 10
أن الله هو المشرع الأول وإن الحكم لله رب العالمين” ١.
ومعاني الديمقراطية: “مخالفة لأحكام الإسلام ومناقضة له، بل ليس لها أي واقع حتى عند الديمقراطيين أنفسهم ٢.
وبالرغم من تعارض أسس الديمقراطية مع الإسلام إلا أنه “كثيراً ما نلاحظ فيما يكتبه بعض المسلمين المعاصرين بأن الإسلام يدعو إلى الديمقراطية”٣. ولكن الذين ينطقون بها ويلهجون بذكرها قل ما يوجد فيهم من درس الإسلام، ونظر في تعاليمه، لمعرفة مقام الديمقراطية في الإسلام”٤. “فخصائص الديمقراطية ليست من الإسلام في شيء، فلا يصح إطلاق كلمة الديمقراطية على نظام الدولة الإسلامية” ٥.
فالله تعالى أنزل الأحكام والتشريعات في كتابه العزيز وفي سنة المصطفي ﷺ ، ولم يترك الأمر هملاً يقدره الناس بينهم. قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ ٦.
أي آمركم أن تقيموا جميع شرائع الدين، أصوله وفروعه، تقيمونه بأنفسكم، وتجتهدون في إقامته على غيركم”٧.
стр. 11
ومن شرائع الدين العلاقة بين الحاكم والمحكوم ١ بينما الديمقراطية هي حكم الشعب.
стр. 12
الاشتراكية:
ومن الكلمات التي غالباً ما يرددها البعض أن الإسلام اشتراكي في اتجاهاته، ولو أمعن النظر في الاشتراكية وأهدافها ومبادئها لأنكر ذلك؛ لأن الاشتراكية نظام لعلاج المشكلات الاقتصادية بمبادئ تتعارض مع الإسلام. فالاشتراكية تقوم على المبادئ التالية ٢:
١- تحقيق مبدأ قاعدة المساواة الفعلية بين الأفراد.
٢- إلغاء الملكية الخاصة ـ الفردية ـ كلياً أو جزئياً.
٣- الفرص الخاصة، والحظ والإرث هي من الأسباب غير المشروعة للتملك والامتياز.
٤- الأرض ملك الأمة لا يجوز توزيعها ولا احتكارها ولا توريثها.
٥- التأميم.
“وبعض الكتاب المسلمين المعاصرين يقولون بأن الإسلام اشتراكي في اتجاهاته؛ ذلك بأنه يرمي إلى إيجاد نوع من النظام، يضمن لجميع المواطنين فرصاً متكافئة في الضمان الاقتصادي، وتوزيعاً منصفاً للثروة القومية.
ولكننا نستطيع أن نقول بنفس الروح أن الإسلام يعارض الاشتراكية التي تعني الهيمنة الجبرية على كل مظاهر الحياة الاجتماعية، وتقديم الاقتصاد على الأخلاق والآداب، والهبوط بقيمة الشخصية الإنسانية حتى يصبح الإنسان مجرد آلة صماء للإنتاج القومي فقط ٣ وتحط من قيمته وحريته في الكسب والتملك
стр. 13
والميراث الذي فرضه الله على عباده لعباده.
والإسلام حقق مبدأ العدل بين الناس وفق ضوابط شرعية وقواعد ربانية تناولتها كتب الفقه والقواعد الفقهية. مثل: لا ضرر ولا ضرار والضرر يزال، والعدل واجب في كل شيء ١.
كما أن الإسلام أسس للأسرة قواعد لتقسيم الميراث بنصوص شرعية واجبة التطبيق، كما بين الحقوق المرعية بين أفراد المجتمع على مستوى الزوجين أو عموم أفراد الأسرة، أو الجوار، ولم يتركها لاجتهادات الأفراد،. قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ ٢.
وهناك العديد من تلك المصطلحات التي تتعارض مع الإسلام إما في الهدف والأسلوب أو بهما معا، مثل التربية القومية، البيروقراطية، العقلانية.
وحيث إن هذا البحث لا يهدف إلى بحث عموم تلك المصطلحات فقد جرت الإشارة إليها تبياناً وإيضاحاً وتمهيداً لموضوع فلسفة التربية.
اعترافات الحاقدين بحقدهم على المسلمين:
لا شك أن للأمة الإسلامية أعداء يتربصون بها الدوائر، يودون لو يفتكون بها بين عشية وضحاها، فتراهم يخططون ويدبرون لذلك من خلف ستار الود الذي يظهرونه للمسلمين أحياناً، إلا أن بعضاً منهم قد صرح بذلك علانية وجهاراً، وقد رصدت الأقلام والكتب أقوالهم، وقد دونها التاريخ وسوف يدونها لتكون شهادة عليهم.
ولقد بيّن الله تعالى حقدهم وكراهيتهم للإسلام والمسلمين. قال تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا
стр. 14
عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ ٢.
ومن المناسب عرض بعض من نصوص تلك الاعترافات كما يلي:
يقول لورنس براون: “إن الإسلام الجدار الوحيد في وجه الاستعمار الأوربي”٣.
يقول غلاد ستون رئيس وزراء بريطانيا السابق: “مادام هذا القرآن موجود في أيدي المسلمين فلن تستطيع أوربا السيطرة على الشرق” ٤.
ويقول أيضاً في مجلس العموم البريطاني: “لن يهدأ بال أوربا ما بقي القرآن في أيدي المسلمين ومادام المسلمون يرعون اجتماع الجمعة بينهم، ومادام الأزهر معموراً بمدرسيه وطلابه في مصر، وما ظلت وفود الحجاج تهوى أفئدتها إلى البيت الحرام” ٥.
يقول المبشر تاكلي: “يجب أن نستخدم القرآن وهو أمضى سلاح الإسلام ضد الإسلام نفسه، حتى نقضي عليه تماماً، يجب أن نبين للمسلمين أن الصحيح في القرآن ليس جديداً وأن الجديد ليس صحيحاً”٦.
يقول وليم جيفور: “متى توارى القرآن ومدينة مكة عن بلاد العرب يمكننا حينئذٍ أن نرى العربي يتدرج في سبيل الحضارة التي لم يبعده عنها إلا محمد
стр. 15
وكتابه” ١.
يقول القسيس ويتبرتشت: “يجب علينا أن ننشئ جسراً فوق الهاوية التي تفصل بين العناصر، وللتوصل إلى ذلك يجب أن ننتفع من وجود الطلبة المسلمين في إنجلترا” ٢.
يقول المبشر تاكلي: “يجب أن نشجع المدارس على النمط الغربي العلماني؛ لأن كثيراً من المسلمين قد زعزع اعتقادهم بالإسلام والقرآن حينما درسوا الكتب المدرسية الغربية وتعلموا اللغات الأجنبية”٣.
يقولون: “إن المسلمين يدّعون أن في الإسلام ما يلبي كل حاجة اجتماعية للبشر، فعلينا نحن المبشرين أن نقاوم الإسلام بالأسلحة الفكرية والروحية”٤.
وفي موسوعة تاريخ الجنس البشري وتقدمه الثقافي والعلمي الذي أصدرته الأمم المتحدة يقولون ٥.
١- الإسلام ترتيب ملفق من اليهودية والمسيحية والوثنية العربية.
٢- القرآن كتاب ليس فيه بلاغة.
٣- الأحاديث النبوية وضعت من قبل بعض الناس بعد الرسول بفترة طويلة ونسبت إلى الرسول.
٤- وضع الفقهاء المسلمون الفقه الإسلامي مستندين إلى القانون الروماني، والقانون الفارسي، والتوراة، وقوانين الكنيسة.
стр. 16
فهذه بعض من تلك الاعترافات للحاقدين على الإسلام، حيث إنهم يضعون السم في العسل، ويخلطون الضلال بالصواب، والباطل بالحق، حتى يصبح الإنسان في ذهول فكري بين دراساتهم الفلسفية، لا يدري ماذا تعلم؟ وماذا استفاد؟ وكيف السبيل إلى الاستفادة؟ .
وبالتالي يود لو أن ينتصر لأفكاره بأي وسيلة، مما يجعل المتأثِّرين بهم يحاولون أسلمت بعض الأفكار والمصطلحات الغربية دون عرضها على المبادئ الإسلامية، وبالتالي يحصل التخبط وعدم الاتزان.
стр. 17
المبحث الثالث: حقيقة الفلسفة
مفهوم الفلسفة
مدخل
...
المبحث الثالث: حقيقة الفلسفة
مفهوم الفلسفة:
الدلالة اللغوية للفلسفة:
قال ابن منظور: الفلسفة الحكمة، أعجمي، وهو الفيلسوف١. والفيلسوف: يونانية، أي محب الحكمة، أصله (فيلا) وهو المحب و (سوفا) ، وهو الحكمة٢.
وجاء في المعجم الوسيط أن الفلسفة هي “دراسة المبادئ الأولى، وتفسير المعرفة تفسيراً عقلياً” ٣.
الدلالة الاصطلاحية للفلسفة:
هي مجموعة من الأفكار المترابطة في صورة مذاهب فكرية تتسق في بحثها عن الحقيقة الكونية، وظواهر الطبيعة البشرية ٤.
وتعرف بأنها “الوصول عن طريق العقل إلى فهم المجهول، والإجابة عن الأسئلة التي يعجز العلم عن بحثها والفصل فيها”٥.
وحيث إن الفلسفة تتخذ من العقل مرتكزاً لها ومحوراً تدور في حدوده، فإنها “لا تبدأ الفلسفة بمسلمات مهما كان مصدرها، فإذا كان الدين يرتكز على الإيمان، فالفلسفة لا تجعل الإيمان سنداً لما يوصف بأنه حق”٦.
стр. 18
بالإضافة إلى أن الفلسفة تعني الحكمة أو محب الحكمة، الأمر الذي يتطلب إيضاح المعنى الاصطلاحي واللغوي للحكمة، ومن ثم التعرف على الفارق بين مدلول الحكمة عند المسلمين وعند غيرهم.
الحكمة في الدلالة اللغوية:
الحكمة: “بالكسر العدل والعلم والحلم والنبوة والقرآن والإنجيل، وأحكمه أتقنه فاستحكم، ومنعه عن الفساد” ١.
والحكمة “عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم، ويقال لمن يحسن دقائق الصناعات ويتقنها: حكيم”٢.
الحكمة في الدلالة الاصطلاحية:
أولاً: في المفهوم الإسلامي:
ورد في معنى الحكمة أقوال متعددة ٣ تفسيراً لما جاء في الآيات القرآنية
стр. 19
الكريمة التي ذكرت فيها الحكمة، كقوله تعالى ـ إخباراً عن دعوة إبراهيم لأهل الحرم ـ قال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ١. أي “يعلمهم الخير فيفعلوه، والشر فيتقوه”٢. وكقوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ٣.
فالحكمة الإصابة في القول، وقيل العلم والفقه والقرآن. وقال أبو العالية: الحكمة خشية الله، فإن خشية الله رأس كل حكمة. وقال إبراهيم النخعي: الحكمة الفهم. وقال أبو مالك: الحكمة السنة ٤.
ويقسم ابن قيم الجوزية الحكمة إلى قسمين: قولية: وهي قول الحق، وفعلية: وهي فعل الصواب، وكل طائفة لهم حكمة يتقيدون بها، وأصح الحكم من كانت حكمته أقرب إلى حكمة الرسل التي جاءوا بها من الله ٥.
ثانياً: في المفهوم الغربي:
يقول فيليب، هـ. فينكس أحد فلاسفة الغرب عن الحكمة في فلسفتهم “إنّ الفلسفة ليست الحكمة ذاتها، ولكنها حب الحكمة، فالفرد الجاهل عند بحثه
стр. 20
عن الحكمة يكون أقرب إلى الفيلسوف منه إلى العالم القانع بمعرفته” ١.
إن الفرق متباين وواضح وجلي بين مدلول حب الحكمة في المفهوم الإسلامي والمفهوم الغربي كوضوح الشمس في كبد السماء، ومتباين كتباين الحق والباطل، فهي في الإسلام قول وعمل، قول الحق وفعل الصواب، وفي المذهب الغربي هي البحث وليس العلم ونتيجته، وسواء كان هذا البحث صادراً من عالم أو جاهل، وسواء كان موضوع البحث في الحق أو الباطل، وشتان ما بين نتائج بحث الجاهل والعالم. قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ٢.
فالجاهل “قد يمرض قلبه ويشتد مرضه ولا يعرف به صاحبه لاشتغاله وانصرافه عن معرفة صحته وأسبابها، بل قد يموت وصاحبه لا يشعر بموته، وعلاقة ذلك أنه لا تؤلمه جراحات القبائح، ولا يوجعه جهله بالحق وعقائده الباطلة، فإن القلب إذا كان فيه حياة تألم بورود القبيح عليه، وتألم بجهله بالحق بحسب حياته”٣.
ويقول فيليب ?. فينكس: إن الفلسفة عمل أي فرد وكل فرد وليست وقفاً على الأكاديمي أو العبقري، فمن حق كل فرد ومن واجبه أن يسأل أسئلة أساسية، وأن يوضح عن طريق المناقشة والتأمل والفروض التي يقوم عليها السلوك والاعتقاد٤. وهي السير في الحكمة دون الحصول عليها بالفعل، وأنها تشتمل على أسئلة مفتوحة أكثر من اشتمالها على أجوبة منتهية مقفلة كقوانين العلم٥.
стр. 21
وبهذا تكون أدوات البحث عن الحكمة إثارة السؤال والمناقشة والجدل ووضع الفروض بحسب الاعتقاد، ومن أي شخص كان، وهذا مرفوض لعدم اتفاقه مع العلم الصحيح لأسباب عدة، منها ما يلي:
أولاً: أنه لا يفرق بين بحث العالم والجاهل، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ١.
ثانياً: هذا يترك للجاهل المجال في البحث عن الحكمة دون استعداد مسبق بسلاح العلم.
ثالثاً: أنّ هذا مدعاة إلى الجنوح في الخيال والتأمل وإثارة أسئلة لا يمكن لحواسنا أن تدرك أو تتوصل إلى الإجابة عنها مثل: “الأسئلة في الروح” وقد يؤدي ذلك بالإنسان إلى الضياع، ومن الخيال ما يقتل ويهدر الوقت والجهد. قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ ٢.
رابعاً: هذا يترك المجال للجاهل أن يبني أسئلة على الفروض النابعة من اعتقاده، واعتقاد الجاهل إلى الخطأ أقرب، وعن الصواب أبعد.
وبالرغم من هذا الاختلاف إلا أن هناك من يؤيد هذه التعريفات، فيقول أحدهم: “أخذ الناس ينظرون إلى الفلسفة على أنها المنظم المستمر من جانب الرجل العادي، والرجل المتعلم لكي يجعل من الحياة شيئاً له معنى، ويقوم الذكاء بتوجيهه كلما أمكن، وأن هذا المفهوم للفلسفة يحظى باعتراف بين معظم طبقات الشعب، وأن هذا التعريف يوضح ماهية الفلسفة ووظيفتها بصفة عامة من وجهة نظرنا” ٣. ويضيف بأن الفلسفة نشاط عقلي يرمي إلى فحص نقدي
стр. 22
منظم للمعتقدات والمبادئ حتى يجعل لهذه المعتقدات والمبادئ أساساً تقوم عليه، وتقف به في وجه أنواع الصراع المختلفة وأنواع القيم المختلفة، التي قد نواجهها ١.
وبهذا فإن هذا المفهوم يجعل من الفلسفة منظماً للعقيدة، وأنها المحك الذي تعرض عليه المعتقدات، فما يوافقها يقبل: وما ينافرها يجتنب، وكل هذا لسبب واحد كما يقول: حتى يجعل للمعتقدات والمبادئ أساساً تقف به في وجه أنواع الصراع المختلفة، والقيم المختلفة التي نواجهها. وبالتّالي جعلت الفلسفة أكبر وأهم من العقيدة بل إنها مشرعة للعقيدة.
وآخر يعرف الفلسفة بقوله: “هي بحر على خلاف البحور، يجد راكبه الخطر والزيغ في سواحله وشطآنه والأمان والإيمان في لججه وأعماقه” ٢.
وفي هذا التعريف الذي ذكره نديم الجسر، دعوة إلى التعمق في الفلسفة وإحالة كل شيء إليها لمعرفة كنهه، وأنها مصدر الإيمان والأمان؛ وبذلك وضعت في درجة الشريعة.
ويقول: “إن التوسع في الفلسفة غير ممكن وغير ضروري بالنسبة لكافة الطلاب، ولكنه أصبح ضرورياً بالنسبة لعلماء الدين، بل واجباً أصيلاً عليهم، ليستطيعوا القيام بما هو مطلوب منهم من الإرشاد إلى الحق والدعوة إلى الله”٣.
وهذه جرأة طاعنة في الدين، تصفه بالقصور وعدم قدرته الوصول إلى الناس إلا عن طريق الفلسفة، ونبينا محمد ﷺ بلغ الدعوة وأدى الأمانة وجاهد في الله
стр. 23
حق جهاده، وجاء من بعده أصحابه رضوان الله عليهم ثم التابعون فاللاحقون إلى يومنا هذا وهم يقومون بواجبهم تجاه الدعوة خير قيام؛ لأنهم تَحَلّواً بالصبر واليقين، وهما سلاح المؤمن لتبليغ الرسالة، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ ١. بل إن الخطأ والزلل كان من نصيب من اتبع طريق الفلاسفة كابن سينا، وغيره كما يقول ابن تيميّة: “وابن سينا أحدث فلسفة ركبها من كلام سلفه اليوناني، ومما أخذه من كلام المبتدعين الجهمية ونحوهم، وسلك طريق الملاحدة الإسماعيلية في كثير من أمورهم العلمية والعملية”٢.
وهذا أبو المعالي الجويني يقول: “يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي إلى ما بلغ ما اشتغلت به، وقال عند موته: لقد خضت البحر الخضم وخليت أهل الإسلام وعلومهم، ودخلت في الذي نهوني عنه، والآن فإن لم يدركني ربي برحمته فالويل لابن الجويني، وها أنا ذا أموت على عقيدة أمي أو قال: على عقيدة عجائز نيسابور” ٣.
ويقول آخر عن الفلسفة الغربية بأنها: “الوصول عن طريق العقل إلى فهم المجهول والإجابة عن الأسئلة التي يعجز العلم التجريبي عن بحثها والفصل فيها”٤.
وبذلك فهي تبحث في الأمور النظرية وما وراء الطبيعة محكمة للعقل في ذلك، ويعلّق أنور الجندي على هذا التعريف بقوله: “وقد كانت الفلسفة بمثابة الأسلوب البشري في مواجهة الأديان من السماء، ويقول أيضاً: “إن الأديان قد
стр. 24
عملت منذ نزولها أن توضح للإنسان مفهوماً كاملاً عن مهمته وخلقه، وعن العالم الغائب عن نظره سواء عالم ما وراء الطبيعة، أو بعد الموت، وأن الإنسان أجرى هذه المحاولات للوصول وحده إلى ذلك ١.
ويعرفها آخر بأنها مجموعة من الأفكار المترابطة في صورة مذاهب فكرية تتسق في بحثها عن الحقيقة الكونية، وظواهر الطبيعة البشرية ٢.
ومن تلك التعريفات يتبين: أن الفلسفة أسلوب يعتمد على العقل عند البحث في الكون وما وراء الطبيعة وفي العقائد، من خلال إثارة الأسئلة المتتابعة دون الوقوف عند جواب محدد.
والاعتماد على العقل فقط يؤدي بالإنسان إلى التردي بين أمواج الضلال العاتية، وبالتالي يغرق فلا يعرف كيف السبيل إلى الخروج؛ لأن للعقل حدوداً في الإدراك. وقد أوضح الله تعالى بعض الأمور الغيبية التي يحتاج الإنسان لمعرفتها مثل وجود البعث والحساب. قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ ٤. وقال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ٥.
وعن الحياة الآخرة. قال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ
стр. 25
خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ١. وأن الله خالق كل شيء، قال تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٢.
وأما الساعة فإن علمها عند الله، وهي نهاية الحياة الدنيا، قال تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا. فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا. إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا. كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا.﴾ ٣.
وأن الروح أيضاً علمها عند الله، ولا مجال للبحث فيها قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ ٤.
ولكن أمر الإنسان أن يتفكر ويتأمل في مخلوقات الله جل وعلا: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ. وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ. وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ ٥.
إلا أن البعض عتى عن أمر ربه، وترك لنفسه هواها واستحدثت بذلك الفلسفة، فتعددت اتجاهاتها وتباينت تعريفاتها مع عدم وحدتها، فأصبحت تمخر في أمواج الضلال: أما القرآن الكريم فهو ثابت في مبادئه وتعليماته لا تناقض فيه، قال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراًً﴾ ٦.
وقد أخذ بهذه الفلسفة بعض المسلمين فاستخدموها كمصطلح في مناهجهم
стр. 26
وكتبهم؛ وبذلك يقدم للأجيال فكر ومصطلحات لا تتفق مع المنهج الإسلامي الذي أنار الله به الطريق، وحدد لنا سبل السلام، فمن أخذ من معين الذين أنعم الله عليهم أصاب الطريق وسلك السليم من القول، والعمل، ومن أخذ بأفكار المغضوب عليهم والضالين أساء السبيل وضل الطريق. قال تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ. صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ ١.
стр. 27
الفلسفة عبر العصور:
لقد ظهرت الفلسفة وترعرعت عند قدماء اليونان ثم توارثها الغربيون كعقيدة إلى عصرنا الحاضر؛ وذلك لحاجتهم في إشباع الدافع الديني الروحي الذي لم توفره الكنيسة، ورغبتهم فيما يملأ ذلك الفراغ الذي يحسون به في جميع مراحل حياتهم، وبالتالي امتدت إلى جميع مناهجهم لاعتقادهم بأنها السبيل الأوحد الذي ينير لهم الطريق، وهذا ما سيتضح أثناء العرض المختصر لأطوار الفلسفة التي مرت بها.
ترجع بداية الفلسفة إلى نحو ستة وعشرين قرناً، وأول من تفلسف هو طاليس الذي عاش في القرن السادس قبل الميلاد، والذي يرد العالم إلى الماء كأصل وحيد له، حيث اتجهت في البداية إلى البحث عن المبادئ الأولى للأشياء حتى الانتهاء إلى أوائلها بالإطلاق ٢.
ثم جاءت مذاهب السقراطيين وكلها تبحث في الإنسان والأخلاق مقتدية بأخلاق سقراط نفسه. ثم جاء أفلاطون وهو أكبر تلاميذ سقراط فقال بوجود إله واحد هو الخير الأسمى، واخترع المثل الكلية التي يرجع إليها وجود
стр. 28
الأشخاص الجزئية، وسلمها قيادة الخلق، والإبداع، وجعل من الأشياء ظلالاً تمثلها كجزئيات.
ثم تلاه تلميذه أرسطو وقال بوجود إله، ولكنه جعل وظيفته أن يدفع هيولي العالم وصورته للحركة في أول مرة، وسلم للهيولي مع الصورة زمام الخلق والإبداع والتنويع والتقدير والحركة والصيرورة ١.
فلقد بدأت الفلسفة اليونانية بالبحث في أصل الكون وطبيعته، والمعرفة، ثم أصبح معنى الفلسفة الجمع بين الحكمة الأخلاقية التي تتمثل في الارتفاع فوق أغراض الحياة، ومصالح الأفراد، ودراسة المبادئ التي تقوم عليها دراسة النفس الإنسانية من حيث المعرفة والسلوك، والعقل هو الذي يجمع الإحساسات ويضعها بعضها مع بعض، ويعارض بعضها ببعض، ويدرك العلاقة بينها، ويصدر عليها أحكاماً مغايرة للحس ٢.
ثم بعد ذلك تأتي المرحلة الوسطى من أطوار الفلسفة وتمثلها فترة القرون الوسطى حيث كانت مجرد تقليدٍ محضٍ للفلسفة اليونانية، وأن مهمتها لم تزد على محاولة التوفيق بين أفلاطون وأرسطو، وبين هؤلاء والديانة المسيحية أو اليهودية، أو الإسلامية من ناحية أخرى ٣.
ومن المستحسن هنا أن نلقى الضوء، على كيفية دخول الفلسفة إلى البيئة الإسلامية، لبيان أنها دخيلة على الإسلام والمسلمين، وليس لها أصل في مناهجهم.
فأول من نقل الفكر الفلسفي إلى العالم الإسلامي النصارى واليهود، أمثال:
стр. 29
آل بختيشوع، وآل حنين من نصارى الحيرة، وقسطا بن لوقا البعلبكي من نصارى الشام، وآل مسرجويه من اليهود ١. ويعتبر دخول الفلسفة للمسلمين في العصر العباسي الأول من ١٣٢ـ٢٣٢هـ، حيث نقلت العلوم الأجنبية الشائعة إلى اللغة العربية ٢، وقد اختاروا من كل أمة أحسن ما لديها، ولكنهم اختاروا مع ذلك من اليونان فلسفتهم.
أما الذين اشتغلوا بنقل العلم والفلسفة في العصر العباسي الأول كان معظمهم من أدباء أهل الكتاب من غير المسلمين، وكان أسبق المسلمين إلى هذا المجال يعقوب بن إسحاق الكندي، وفي العصر العباسي الثالث ظهر ابن سينا، وإخوان الصفا، وفي العصر العباسي الرابع ظهر ابن باجه وابن الطفيل وابن رشد وغيرهم من الفلاسفة ٣. وفي ذلك العصر تحدد الاتجاه الفلسفي كوسيلة من وسائل الوصول إلى الحقيقة واليقين العقلي، وقد رأى فلاسفة هذا العصر أن الغاية من الدين والفلسفة متشابهة، كما رأى هؤلاء أن الشريعة قد دنست بالجهالات واختلطت بالضلالات ولا سبيل إلى غسلها وتطهيرها إلا بالفلسفة وذلك لأنها حاوية للحكمة الاعتقادية والمصلحة الاجتهادية ٤.
فنتيجة الضلال الذي كانوا فيه يعمهون جعلت الفلسفة المنقح والمصحح للعقيدة وتبعاً لذلك تم الاعتماد على العقل دون النقل الثابت، فكانوا شيعاً وأحزاباً، قال تعالى: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ ٥.
стр. 30
وهناك من يرى أن المحاورات والمناظرات والمناقشات في المذاهب هي نوع من الفلسفة، حيث يشير أحدهم إلى ذلك بقوله: أما الدين من حيث هو علم تتناوله المناظرة والجدل وتؤلف فيه الكتب والأسفار، فتعددت الفرق الإسلامية وقامت بينها جميعاً مناقشات وردود ومناظرات ومحاورات حوتها مؤلفات ذلك العصر، وتحولت المعرفة حينئذٍ إلى نظريات فلسفية وجدل كلامي، فما من فكرة أو قول إلا وقد أصبح مركزاً تدور حوله الدوائر من الخلاف والجدل المذهبي١. وهذا الذي يخشى منه عند من ينسبون الفلسفة للإسلام. فيظهر لهم أن المناظرات والمناقشات هي من قبيل الفلسفة.
وأما الموضوعات التي كان يدور حولها النقاش في القرن الرابع الهجري فكانت موضوعات فلسفية في النفس والعقل والزمان والمكان والعالمين العلوي والسفلي والخليقة والمادة والخير والشر والفضيلة والرذيلة والصداقة والصديق ٢.
وقد يقول قائل مادام أنها في الفضيلة والرذيلة والصداقة فلماذا الاعتراض عليها خاصة وأن مثل هذه الأمور مهمة في التربية الأخلاقية، والجواب نعم، أنها مهمة ومطلوب تعلمها والتحلي بالصفات الحسنة منها، والابتعاد عن أضدادها، ولكن من منظور إسلامي لا من منظور فلسفي يخرج المرء من النور إلى الظلمات، ومن الصحيح إلى الخطأ، ومن السوي إلى المعوج، ومن السليم إلى السقيم فيجعلهم شيعاً وأحزاباً.
стр. 31
أثر الفلسفة في المجتمع
أوالا: جماعة إخوان الصفا
...
ؤدي الفلسفة إلى تقسيم المجتمع شيعاً وأحزاباً، ومما يدل على ذلك كثرة الفرق والأحزاب التي أفرزتها حركة الفلسفة في المتمع، ومن النماذج الدالة
стр. 32
على ذلك ما يلي:
أولاً: جماعة إخوان الصفا:
من أبرز غايات إخوان الصفا مزج الدين بالفلسفة، فالعلوم الحكمية والفلسفة والشريعة عندهم أمران إلهيان يتفقان في الغرض المقصود منها، الذي هو الأصل، ويختلفان في الفروع، وذلك أن الغرض من الفلسفة عندهم هو التشبه بالإله بحسب طاقة البشر. وإخوان الصفا خلطوا الدين بالفلسفة وأساطيرها، ولم يتعد أبو حيان التوحيدي الصواب حين حكم على وسائلهم بأنها خرافات وكتابات وتلفيقات وتلزيقات، واتخذ إخوان الصفا الفلسفة أداة لدعوتهم في تشكيك الناس في دينهم وعقيدتهم، فيهدمون الدين ويرفعون بدلا منه أطلال فلسفة الأوثان المهدومة ١.
стр. 33
ثانياً: جماعة المعتزلة:
وجماعة المعتزلة يعزون إدراك ومعرفة كل شيء إلى الحس والنظر العقلي، فهم لا يرون شيئاً إلا ويمكن معرفته بالحس أو النظر العقلي، وأن ما يوجبه العقل فهو واجب، وما يحسنه فهو حسن، وما يقبحه فهو قبيح، فهم يعتبرون العقل المقياس الوحيد لمعرفة الحقيقة، فإذا كانت الأخبار المتواترة لا تخالف العقل قبلت على أنها أخبار صادقة، وفي حالة عجز العقل عن الوصول إلى معرفة جازمة يلجأ إلى التقليد ليكون ظناً صادقاً، وأخيراً الاعتقاد يتبع النتائج التي يصل إليها العقل، إما بواسطة قوته وحدها وإما معتمداً على التقليد ٢.
стр. 34
والاعتماد على العقل دون النقل مزلة الأفراد والجماعات والأمم، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ﴾ ١.
قال ابن كثير: يذكر تعالى أنه أخذ العهود والمواثيق على بني إسرائيل على السمع والطاعة لله ولرسوله، فنقضوا تلك العهود والمواثيق، واتبعوا آراءهم وأهواءهم، وقدموه على الشرائع، فما وافقهم منها قبلوه، وما خالفهم ردوه ٢.
قال ابن القيم: وكل من له مسكة من عقل يعلم أن فساد العالم وخرابه إنما نشأ من تقديم الرأي على الوحي، والهوى على العقل وما استحكم هذان الأصلان الفاسدان في قلب إلا استحكم هلاكه ٣.
стр. 35
الفلسفة الحديثة:
في العصور الوسطى المسيحية أخذت الفلسفة طابعاً دينياً ممزوجاً بالفكر اليوناني، وفي القرن السادس عشر استقلت العلوم الطبيعية بنفسها، ونتيجة لذلك ظهرت مدارس فلسفية قصرت مصدر المعرفة على المشاهدة والتجربة، ومن هذه المدارس: المدرسة التجريبية في الفلسفة على يد (لوك) وفي القرن السابع على يد (هيوم) ١.
أما الفلسفة الحديثة فقد بدأت على أيدي (بيكون، وديكارت، وإسبينوزا) . وأخص ما تتميز به هذه الفلسفة الحديثة هو تحرير التفكير الإنساني من كل سلطة. وفصل الفلسفة عن الدين أو العقل والعاطفة وتحديد سلطة كل منها:
стр. 36
وانتهت الفلسفة الحديثة في تناقضها وتهافتها إلى مذهبين رئيسيين متعارضين، التسليم بواحد منهما يقتضي التكذيب للمذهب الآخر، بل ينقضه من أساسه.
وهذان المذهبان هما:
المذهب الواقعي: وهو الفلسفة القائلة بوجود الأشياء الخارجية فقط، وأن لا شيء وراءها من عقل أو روح أو إله.
المذهب المثالي: الذي يقول بأن علة وجود الأشياء هو مجرد تفكيرنا في أنها موجودة، فإن لم يوجد الفكر فيها فلا وجود للأشياء ١.
وقد بلغت المادية منتهاها على يد (فوغت، وبوخنز، وزولي، وكومت، ومولشات) ومن سار على منهجهم من الفلاسفة، حيث يبطلون وجود كل شيء ما خلا المادة وخصائصها، وقام (مل) بإشاعة المذهب التجريبي النفعي في الأخلاق، وعرض سبنسر بكل قوة النظرية القائلة بحدوث هذا الكون بدون خالق، وبظهور هذه الحياة من تلقاء نفسها ٢.
تلك نبذة عن مراحل الفلسفة وعصورها بشيء من الاختصار، حيث يظهر الاتجاه المادي التجريبي البحت، والخيال المجنح لدى فلاسفة الغرب في تفسيراتهم دون قيود دينية تحكمهم وتوجههم، بل فصلوا الدين عن العلم، وتركوا تفسيراتهم تنصب على أمرين، هما: العقل بلا قيود والمادة بالتجربة.
ولقد نتج عنها التفرقة والضلال لدى من اعتنقها من المسلمين، فجعلتهم أشتاتاً وأحزاباً، وتسبب ذلك في الضياع النفسي والديني لمن خاضها واعتنقها باعترافهم. مثل: شمس الدين الخسروا شاهي “وكان من أجلّ تلاميذه فخر الدين الرازي، حيث يقول لبعض الفضلاء، وقد دخل عليه يوماً، ما تعتقده؟
стр. 37
قال ما يعتقده المسلمون، فقال: وأنت منشرح الصدر؛ لذلك مستيقن به فقال: نعم، فقال أشكر الله على هذه النعمة، لكني والله ما أدري ما أعتقد، والله ما أدري ما أعتقد، والله ما أدري ما أعتقد، وبكى حتى أخضلت لحيته “١.
وقد أتى في هذا العصر بعض الدعاة لهذه المذاهب بقصد التوفيق بين الدين والفلسفة، ولإثبات أن في الإسلام فلسفة، وذلك من خلال العبارات الفلسفية في ثنايا أو في عناوين المصنفات.
стр. 38
ميدان الفلسفة:
هناك تساؤل يطرح نفسه تحت هذا العنوان، وهو: ما هدف الفلسفة وما ميدانها الذي تبحث فيه، هل هو الإنسان؟ أم الكون؟ أم ما وراء الطبيعة؟ أم أنها تدرس العلاقة بينها؟ وبأي وسيلة تدرس ذلك؟ .
إن الإجابة عن هذه الأسئلة تنير أمامنا الطريق لمعرفة هل نحن في حاجة لها؟ وهل توجد فلسفة إسلامية؟ أم أنه من الضروري وجودها؟ .
“إن الفلسفة تريد أن تعرف كل شيء وكنهه وأصله وغايته، ولا تكتفي بالظواهر، بل تريد النفوذ إلى البواطن، ولا تكتفي بهذا العالم المحسوس، بل تريد أن تعرف ما وراءه، وما كان قبله، ومن خلقه، ومن أي شيء خلقه، وتريد أن تعرف من هو هذا الخالق؟ وما كنه ذاته؟ وما حقيقة صفاته؟ وما هو هذا الإنسان؟ وما حقيقته؟ وما هو عقله؟ وكيف يتم إدراكه؟ وما مبلغ هذا الإدراك من الصحة؟ وما هو الخير؟
وما الجمال؟ ولم كان الخير خيراً والجميل جميلاً؟ .. إلى غير ذلك من الأسئلة التي لا تنتهي، سعياً وراء معرفة المبادئ الأولى لكل شي”١.
стр. 39
ويقول آخر: إنها تبحث في أصول الأشياء وقيمها وعلل وجودها ١. ويذكر آخر: أن الفلسفة كانت ولازالت تبحث في ماهية الأشياء وأصولها وعلاقة بعضها مع بعض، ومع الإنسان، ومع الوجود الإنساني، إنها في تطلع دائب إلى الآفاق البعيدة والأسس العامة ٢. ويقول لطفي بركات أحمد: إنه من الضروري تمركز التفلسف التربوي حول الإنسان بالإضافة إلى مشكلات أخرى كونية وخلقية ومنطقية ٣.
ويمكن تقسيم الفلسفة حسب ترتيب (قولف) إلى ما يلي٤:
١- الإنتلوجيا، وموضوعها الوجود ولواحقه وأحكامه.
٢- الكزمولوجيا العقلية، وموضوعها العالم ونشأته (وهذا ما يقابل نظرية الصدور عند ابن سينا) .
٣- السيكولوجيا العقلية، وموضوعها النفس وإثباتها وخلودها.
٤- الأثولوجيا الطبيعية، وموضوعها المباحث العقلية.
٥- الفلسفة النقدية، وموضوعها كيف نعرف ومدى المعرفة، وقيمتها، وتزعمها "كانط".
٦- فلسفة المعرفة، وموضوعها المعرفة.
٧- فلسفة العلوم، وموضوعها العلوم العامة، وهي أنشط موضوعات الفلسفة اليوم.
٨- علم القيم، وهي البحث في قيم الحق والخير والجمال.
стр. 40
٩- الوجودية، وموضوعها، يرتكز على أنه لا يمكن معرفة الحياة إلا بقوة عارفة تستطيع أن تسوق الفرد وتتغلغل فيه وتتحد به، وهذه القوة هي (الحدس) وزعيمها هو (هنري برجسون) .
ومما سبق يتضح: أن أهداف الفلسفة متعددة، وميادينها متنوعة، فهي تبحث عن حقيقة كل شيء، لمعرفة بواطن الأشياء، وأصولها المحسوسة، وغير المحسوسة التي ندركها والتي لا ندركها، وحتى في صفات الخالق جل شأنه. ووسيلة فلاسفتها في ذلك العقل والظن والجدل. قال تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ ١.
فالذي: “يظهر أن الفلسفة منطقاً أو جدلاً تسير بمقتضاه الفلسفات، فكل فيلسوف يقف من موقف المجاور والمجادل من زاويته الخاصة، فيرفض من هذه الزاوية التي يقف عليها ما لا يراه من خلالها، ويثبت ما يراه هو في نفس المسائل ٢؛ لذا يصدق عليهم قوله تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ٣.
لكن الإسلام أوضح لنا علاقة الإنسان بخالقه، وبالكون وبمجتمعه في الكتاب والسنة النبوية المطهرة، ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ٤. وقال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ