وكان للفقهاء في هذا التاريخ الطويل سلطة لم يزعموا قط أنها سلطة إلهية يستمدونها من السماء على النحو الذي يصف به النصارى رهبانهم، بل كانت هذه السلطة سلطة بيان الشريعة التي أمر الله الناس بالرجوع إلى أهل الذكر في السؤال عنها. ولم تكن هذه السلطة مكتسبة بتعيين السياسي أو بإرادته، بل كان لها شروطها العلمية والإيمانية والتربوية التي يكون بها الفقيه إمامًا للناس، ويشهد له بذلك أقرانه من الفقهاء الذين بلغوا درجة عالية كذلك في العلم والتزكية، بسلسلة وراثية يمتد بها العلماء ليكونوا ورثة للأنبياء.
وبعيدًا عن الخوض في مفهوم السلطة (١)، فإن سلطة الفقهاء تعني نفوذ أمرهم وكلمتهم في الناس، وذلك أن الشريعة مشتملة على الأمر والنهي والهداية العامة، والفقهاء هم المختصون ببيان أحكام الشريعة للناس، كما في قول الله ﷻ : ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]. وبما أن أحكام الشريعة شاملة للحياة بشتى مناحيها ومجالاتها، فالنتيجة الطبيعية لهذا أن يكون لبيان الفقهاء واجتهادهم أثر ونفوذ في الحياة العامة.
ولما كان أخص صفات الحكم بعد الخلافة الراشدة أنه (مُلك)، فإن من صفات المُلك كـ (مُلك) أنه عقيم (٢)، وصاحب السلطة السياسية لا يرضى منازعته في هذه السلطة، ولكنه مع ذلك محتاج إلى الفقهاء الذين لا بد له منهم في الوظائف الدينية
стр. 107
والخطط الشرعية، وهو محتاج إليهم كذلك لأنهم من يمنحه المشروعية التي هو بأمس الحاجة إليها في مجتمع مسلم. وبذا كانت العلاقة بين الفقيه والسلطان تتأرجح بين هذين المحددين، سواء من طرف الفقيه أو من طرف السلطان، وكانت طبيعة الموازنة بينهما تؤثر في طبيعة الدولة ذاتها.
وكانت سلطة الفقهاء وتأثيرهم في العامة أمرًا ظاهرًا وملحوظًا للسلطان نفسه، وكان يتفهمهما تارة ويضيق بها ذرعًا تاراتٍ أخرى، مما حدا بعض المعاصرين أن يصف الفقهاء بأنهم: (ممثلو الشعب أو سلطة الشعب) (١)، وبسبب وجاهة الفقيه ومكانته في الناس فإن الحصول على رضاه كان مقدمة للحصول على رضا الناس (٢)، وربما (انتهى السلطان والعامة إلى رأيه) (٣).
ويحكي لنا القاضي عياض (ت ٥٤٤ هـ) في ترجمة الفقيه المالكي أبي إبراهيم إسحاق بن إبراهيم بن مسرة التجيبي (ت ٣٥٢ هـ) أن خبر وفاته أتى الحكم المستنصر وقد فتح له حصن من الحصون في الأندلس فقال: (لا أدري بأي الفرحتين أُسرُّ، بأخذ الحصن أو بموت إسحاق)، ثم عقَّب القاضي عياض بقوله: (لخوفه منه وطوع العامة له) (٤).
стр. 108
وكان الفقهاء يدركون هذه المكانة ويعرفون قدرهم ومكانتهم لدى العامة ولا يسمحون للسلاطين بالمزايدة عليهم فيها من خلال إغرائهم بالمناصب الرسمية أو تهديدهم بفقدها.
يذكر ابن حزم (ت ٤٥٦ هـ) أن الحاجب المنصور (ت ٣٩٢ هـ) أراد أن يتسمى بالخلافة فاعترض عليه القاضي ابن زرب (ت ٣٨١ هـ) فغضب المنصور، فلما قام القاضي للخروج وسلم عليه، قال: اخرجوا بين يدي الفقيه-يشير إلى عزله عن القضاء-فقال ابن زرب: (لا بأس هذا ما لا تقدرون على عزلنا عنه) (١).
وبسبب هذه السلطة والمكانة التي وجدت جذورها المستقلة في المجتمع من خلال الجوامع والمدارس والأوقاف وغيرها من مؤسسات المجتمع المستقلة، فقد كان السلاطين يحاولون التأثير على هذه المكانة بوسائل مختلفة، ومنها ما يأتي (٢):
١ - استقطاب الفقهاء واستمالتهم بالمناصب الرسمية أو الهبات والأعطيات.
٢ - محاولة تقييد وظائف الفقهاء وتحديد أدوارهم والإشراف عليها وردها إلى المساحة التي يتيحها السلطان لهم.
ومن المهم التنبه إلى أن الفقهاء وإن تكلموا عن تقنين القضاء والإشراف على الفتوى، إلا أن من الضروري عند تحقيق
стр. 109
المناطات ألا يتخذ ذلك وسيلة إلى التلاعب بالشريعة وردها إلى أهواء السلاطين وإخضاعها لرغباتهم (١).
٣ - العمل على إحواج الفقهاء إلى السلطان والتضييق على موارد رزقهم من أوقاف أو غيرها، أو إيقاف وخفض حقوقهم المالية من بيت المال، ونحو ذلك. كما جرى من وقف العطاء عن طائفة من فقهاء المدينة التي كانت تُعدُّ من مراكز معارضة الأمويين (٢)، وكتدخل محمد علي باشا (ت ١٢٦٥ هـ) في شؤون الأوقاف وإلغائه لنظام الالتزامات مما أثر سلبًا على مركز العلماء (٣).
٤ - تفريق الفقهاء وبث الخلاف بينهم لإضعاف كلمتهم، وإشغالهم باليسير من الخلاف عن جليله، وتفريق الناس من حولهم وتمزيق أواصرهم؛ لئلا ينتهض كيان له قوة مهددة لكيان السلطان، ولذا فهو يحاول صرف الكافة عن الاشتغال بالأمور العامة التي من شأنها توليد رابطة جامعة (٤). ومن ذلك أن هشام بن عبد الملك صلى بالبقيع على سالم بن عبد الله بن عمر (ت ١٠٦ هـ) وهو أحد فقهاء المدينة السبعة، فلما رأى هشام كثرتهم بالبقيع أمر بأن يضرب على الناس بعثٌ بأربعة آلاف إلى
стр. 110
السواحل (١). ومنه أن أمير الأندلس عبد الرحمن بن الحكم (ت ٢٣٨ هـ) ضاق ذرعًا بيحيى بن يحيى الليثي (ت ٢٣٤ هـ) والفقهاء الضالعين معه في كل ما يشير به ولا يخالفون عن أمره، فكان الأمير عبد الرحمن يكره تألبهم ويقلق منهم ويسميهم سلسلة السوء، فلما ولَّى يخامر بن عثمان القضاء حفظه منهم وسماهم له هذا الاسم، فتجنبهم يخامر وأخذ حذره منهم، فلما عزله عبد الرحمن لاحقًا قال يخامر لرسول الأمير على رؤوس الناس: قل للأمير-أصلحه الله-إذ وليتني أمرتني أن أتحفظ من السلسلة السوء، واليوم تعزلني ببغيها علي! فلما بلغ الرسول قوله إلى الأمير قال: قبحه الله، ذكر أسرارنا على رؤوس الناس (٢).
وعلى أية حال فإن السلطان يظل بحاجة إلى الفقهاء ولا يمكنه الاستغناء عنهم في جهاز دولته، وهو مع ذلك يحاول وضعهم تحت سلطته وضبط نفوذهم بحيث يكون امتدادًا لنفوذه.
ولا بد من التنبه في هذا السياق إلى أمر بالغ الأهمية وله أثره الكبير عند محاولة تفسير مثل هذه العلاقة التاريخية، وهو أن التفسيرات التاريخية المعاصرة تكثر فيها بل تغلب عليها التحليلات المادية التي تقصي الغيب والإيمان عن التأثير في حركة التاريخ كما في كتابات الكثير من المثقفين العرب، ولا ريب أن استبعاد البعد الإيماني سيجعل هذه التحليلات بادية الضعف في أمة
стр. 111
مسلمة ذات رسالة غيبية، وفي الوقت ذاته فإن استبعاد التفسيرات المادية الصحيحة قد يفرز في أحوال كثيرة تفسيرات تتسم بالبساطة والسذاجة، ومن المهم تقدير كل حالة بحسب زمانها ومكانها وأحوالها وأشخاصها، ومن الخلط الكبير ههنا أن تستنسخ الآليات التي أفرزتها العقلية الأوروبية المادية لتطبق على بيئات مغايرة تمامًا. ومن أمثلة ذلك التأثر بالنظرة الميكافيلية التي ترى أن القوى المحركة للتاريخ هي المصلحة المادية والصراع حول السلطة فحسب، ولئن نجح هذا النوع من التفسير في تحليل الكثير من أحداث التاريخ الأوروبي، فإن استصحابه لتحليل التاريخ الإسلامي سينطوي على فساد كبير وخطأ واضح.
والحكام والسلاطين في تاريخ المسلمين القديم مع ما قد يصدر عنهم من ظلم وبغي وعسف وقهر وأكل للأموال بالباطل، فيحفظ التاريخ لهم أيضًا-من حيث العموم-أنهم: (حضروا المساجد مع الرعية وفتحوا لهم الأبواب. يكرمون الزائر، ويحترمون العالم، ويجلون الفقيه. يسمعون منهما النصح والإرشاد، ويتقبلون المحاسبة والإنكار. أما الجهاد في سبيل الله فقد كان رائدهم، لم يتخلوا عنه في أحلك الظروف التي مرت بهم) (١)، فهم في هذا كآحاد المسلمين الذين يخلطون عملًا صالحًا وآخر سيئًا، غير أن آثار أعمالهم تعم وتعظم أثرها في الخير والشر (٢).
стр. 112
لابن خلدون (ت ٨٠٨ هـ) كلام يحب العلمانيون العرب الاستشهاد والاحتجاج به، ومفاده أن العلماء من بين البشر أبعد عن السياسة ومذاهبها، فهم متعودون في سائر أنظارهم الأمور الذهنية والأنظار الفكرية لا يعرفون سواها، والسياسة يحتاج صاحبها إلى مراعاة ما في الخارج وما يلحقها من الأحوال ويتبعها (١). والاحتجاج بكلام ابن خلدون على المبدأ العلماني مسألة تجاوزتها الحالة العلمية الحديثة، وإن كانت شغلت الناس في وقت مضى لما طرح علي عبد الرازق (ت ١٣٨٦ هـ) كتابه حول الإسلام وأصول الحكم. وابن خلدون نفسه كان فقيهًا قاضيًا ومارس السياسة طويلًا كما يعرف من سيرته، وقصده بهذا الكلام لا يمت بصلة إلى مرادات من يستشهد بكلامه من العلمانيين (٢).
стр. 113
ومع ذلك فلا تزال كتابات كثيرٍ من المثقفين سواء من العلمانيين أو من غيرهم تتهم الفقهاء بأنهم لم يكن لهم حضور سياسي في مجتمعاتهم، وأن نشاطهم بات ينحصر في الوعظ والإرشاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الصعيد الخاص، وعدم التعرض لواقع الحياة إلا بطريق التورية (١).
ومن أكبر الإشكاليات في هذا النوع من الطرح أنه يستورد مناهج وأدوات بحثية، بل أطرًا ومفاهيم أجنبية لقراءة تاريخ حضارة ذات دين وثقافة مختلفين تمامًا عن سياق تلك الأدوات والمفاهيم. فمفاهيم مثل: (الفقه) و (السياسة) و (الحياة العامة) و (المشاركة) و (المجتمع) و (العلماء) و (السلاطين) في سياقنا الحضاري والثقافي لها معانيها التي تختلف عنها في سياق الحضارة والفكر الغربي الذي تستورد منه هذه الأدوات التحليلية.
وإذا ما تفهمنا وقوع مستشرقين نشأوا في السياق الغربي في أخطاء كبيرة في فهم الحضارة الإسلامية ومكوناتها، فإن من الصعب أن نتفهم وقوع باحثين عرب في مثل هذه الأخطاء، إلا أن يكونوا واقعين تحت سطوة الاستلاب الحضاري الذي لا
стр. 114
يسمح للناقل بنقد الفكرة، بل تقتصر مهمته بالترويج لها والبحث في التراث العريض عن شواهد تؤيدها (١).
وعلى أية حال فإن منطق الشريعة يستلزم مشاركة الفقهاء في أعلى مستويات الدولة؛ لأن شرط إسلامية الدولة قيامها على أساس التزام أحكام الشريعة وسياساتها، والفقهاء هم المتخصصون من الناحية العلمية ببيان أحكام الشريعة، ومشاركتهم لا تحمل معنى الكهنوت عند النصارى، بل هي نتيجة ضرورية لرد الأمر إلى أهله الذين هم أهل التخصص (٢)، فطبيعة (الاجتهاد) في تدبير الأمر في النص التشريعي، واستنباط ما يغطي حاجات المجتمع في وقائعه المتجددة حق مشترك بين من توفرت فيهم مؤهلات علمية معينة ترفعهم إلى مقام التخصص العلمي الدقيق (٣).
والإسلام الذي هو آخر الأديان وأعظمها منهاج حياة ونظام إصلاح، يرقى بالحياة البشرية والمجتمعات الإنسانية إلى أعلى مستوى يمكن أن تصل إليه من الصلاح. وبيان الفقهاء لسبيل الإصلاح ومشاركتهم فيه ليس استغلالًا للدين ولا انتهازية ولا (إسلامًا سياسيًا) ولا (إسلاموية) ولا غير ذلك من المصطلحات
стр. 115
التي يخترعها بعض المستشرقين ثم يرددها بعض المفتونين، من الذين لا يدركون حقيقة الفرق بين الراهب النصراني والفقيه المسلم، ومن الذين تشبعت عقولهم بالتصورات الأوروبية الفاسدة لمفهوم الدين وعلاقته بالحياة.
والنظرة التي تفصل بين الفقه والسياسة ليست نظرة فاسدة في التحليل الشرعي فحسب، بل هي فاسدة في تصورها الحضاري والتاريخي والاجتماعي للدول والمجتمعات الإسلامية، فإن الفقه أكبر مكونات حضارة المسلمين وعليه تقوم، وقد علم من شواهد التاريخ الحديث أن تفكيك المؤسسات الدينية والفقهية خلال القرن التاسع عشر والعشرين أدى إلى القضاء على سلطة الشرع التي كانت تسود البلدان الإسلامية، مما أدى إلى الإخلال بالعلاقات والموازنات التاريخية التي تستند عليها حياة المسلمين ومعاشهم، ولم يعرف المسلمون في تاريخهم تسلطًا وجبروتًا سياسيًا كالذي عاينوه بعد انهيار الموازنات القديمة ونشأة الديكتاتوريات الحديثة (١).
أما عند التتبع التاريخي لمشاركة الفقهاء السياسية فإن قراءة أي مصدر من المصادر التي تختص بذكر طبقات الفقهاء وتراجمهم وأخبارهم سواء كانت من المصادر المتقدمة أو المتأخرة سوف تطلعنا على مشاركتهم في جميع المناصب السياسية بمستوياتها التنفيذية والتشريعية والقضائية حسب
стр. 116
الاصطلاح والتقسيم المتأخر. ويمكن الرجوع في هذا أيضًا إلى الدراسات المعاصرة التي تعني بدراسة أثر الفقهاء في الحياة السياسية والشؤون العامة، ومن ذلك ما يأتي:
١ - أثر العلماء في الحياة السياسية في الدولة الأموية، د. خالد إسماعيل نايف الحمداني.
٢ - أثر الفقهاء في الحياة العامة في العصر العباسي، د. خالد إسماعيل نايف الحمداني.
٣ - أثر العلماء في الحياة السياسية في العراق القرنين الثالث والرابع الهجريين، عبود الشمري.
٤ - العلماء والسلطة: دراسة عن دور العلماء في الحياة السياسية والاقتصادية في العصر العباسي الأول، عبد الحكيم سيف الدين.
٥ - دور الفقهاء في الحياة السياسية والاجتماعية بالأندلس في عصري الإمارة والخلافة، د. خليل الكبيسي.
٦ - الأثر السياسي للعلماء في عصر المرابطين، محمد بن بيه.
٧ - فقهاء الأندلس والمشروع العامري، فوزي العتيبي.
٨ - دور العلماء في الحياة السياسية والإدارية والاجتماعية في سلطة غرناطة، حسين الدليمي.
٩ - فقهاء المالكية وآثارهم في مجتمع السودان الغربي، سحر مرجان.
стр. 117
١٠ - الحركة الفقهية ورجالها في السودان الغربي من القرن الثامن إلى القرن الثالث عشر، د. عبد الرحمن ميغا.
١١ - علماء الشام في القرن العشرين وجهودهم في إيقاظ الأمة، محمد الناصر.
١٢ - علماء الإسلام تاريخ وبنية المؤسسة الدينية في السعودية بين القرنين الثامن عشر والحادي والعشرين، د. محمد ملين.
كما يمكن الرجوع إلى نوع آخر من المصادر لمعرفة خطأ القول بأن الفقهاء كانوا يتحاشون التصريح بإنكار المظالم العامة، ومعرفة أنهم كانوا هم المتصدين لإنكارها بمراتب الإنكار الثلاث، ومنها ما يأتي:
١ - كتاب المحن، أبو العرب التميمي (ت ٣٠٣ هـ).
٢ - الإسلام بين العلماء والحكام، عبد العزيز البدري (ت ١٣٨٩ هـ).
٣ - الفقهاء والخلفاء، د. سلطان بن حثلين.
٤ - زهر البساتين من مواقف العلماء والربانيين، د. سيد عفاني.
إن الباحث بعد رجوعه لهذه المصادر ونظائرها لن يخامره شك في مدى مشاركة الفقهاء وتأثيرهم في الحياة العامة، وسيدرك أن الفقهاء كانوا خط الدفاع الأول عن حقوق الأمة ومقدراتها، ولذا أحبهم الناس وعظموا مكانتهم واتخذوهم مفزعًا عندما ينزل بهم شيء من المظالم العامة والخاصة.
стр. 118
وهذا لا يعني بكل تأكيد أن الفقهاء كانوا على درجة مثالية من الصلاح والكمال، فهم من الناس ويعتريهم ما يعتري سائر الناس من فساد النفس والحال، لكنهم أقل فئات المجتمع فسادًا والخير فيهم أكثر والشر فيهم أقل، وعندما تذكر كتب التاريخ حالة منكرة لبعضهم فإنما تذكرها لشذوذها وغرابتها؛ فإن السائد والمشهور لا تتوافر الدواعي لنقله كتوافرها لنقل الشاذ الغريب.
والناس إذا رأوا فقيهًا فاسدًا استعظموا ذلك واستهولوه-وحُقَّ لهم ذلك-ولهجت ألسنتهم بذمه والنيل منه، لكنه لا يدل بحال على أن هذه الحالة فاشية، بل تذكر لغرابتها واستنكارها.
стр. 119
لم يتخذ الفقهاء من السلاطين موقفًا واحدًا بل تعددت مواقفهم وطرائق تعاملهم معهم، والواقع أن اختلاف طبائع الناس كفيلة بحصول مثل هذا التنوع، وربما كان وجود مثل هذا الاختلاف الذي يؤدي إليه الاجتهاد الصحيح المنضبط مقصدًا من مقاصد الشريعة من حيث النظر الكلي لما ينتج عنه من إحداث نوع من التوازن في المجتمع، لا سيما مع وجود الإنكار من بعض الأطراف على بعضها مما يقضي باستمرار التقويم والمراجعة لهذه العلاقة والتأكيد على ربطها بالاجتهاد العلمي من جهة وبالتقوى الإيمانية من جهة أخرى (١).
ويمكن القول إنهم انقسموا في ذلك إلى ثلاث اتجاهات ومواقف عريضة:
стр. 120
١ - موقف التقارب والتعاون وتولي المناصب والمشاركة في صياغة القرار السياسي، وهذا كان اختيار طائفة من الفقهاء الذين يرون في المشاركة تأثيرًا إيجابيًا وتعاونًا على البر والتقوى وأداءً للنصيحة إلى أئمة المسلمين وعامتهم، أو سعيًا في تقليل الشر والفساد على أقل الأحوال، فاقتربوا من الخلفاء والسلاطين بالنصيحة والشورى، وتولوا المناصب المختلفة من إمارة ووزارة وقضاء وكتابة وشرطة وولاية على بيت المال وغير ذلك (١).
وعندما ينبه الفقهاء على طاعة السلطان نجدهم يؤكدون على الدوام أن هذه الطاعة إنما تكون في المعروف، وهذا التأكيد منهم تأكيد على ضبط القانون العام الذي يحفظ للناس مصالحهم ويحجزهم عن الفوضى واختلال النظام. يقول الإمام المقَّري (ت ٧٥٨ هـ): (يجب ضبط المصالح العامة، ولا تنضبط إلا بتعظيم الأئمة في نفوس الرعية، ومتى اختلف عليهم أو أهينوا تعذرت المصلحة) (٢).
٢ - موقف الصدام والمواجهة، وهذا كان موقف طائفة من الفقهاء الذين كانوا يبادرون إلى إسقاط شرعية الحاكم ومناجزته متى ما أداهم اجتهادهم إلى ذلك، وأمثلة ذلك كثيرة في التاريخ، فمنها ثورة القراء المشهورة على الحجاج مع ابن الأشعث سنة
стр. 121
(٨١ هـ) (١)، وثورة فقهاء الربض في الأندلس على الحكم بن هشام سنة (٢٠٢ هـ) التي نقل النويري (ت ٧٣٣ هـ) أنه اشترك فيها أربعة آلاف فقيه وطالب (٢)، ومواجهات فقهاء تمبكتو مع السلطان سني علي بير سنة (٨٧٣ هـ) (٣).
٣ - موقف المعارضة السلمية أو ما يمكن أن يسمى في زماننا بـ (جماعات الضغط) (٤)، وهذا كان موقف طوائف كثيرة من الفقهاء الذين كانوا يرفضون مبدأ المشاركة والمعاونة دون أن يستلزم ذلك إسقاط شرعية الحاكم، ولعلهم كانوا يرون في المعارضة السلمية السلبية ضغوطًا تدفع الحاكم إلى مزيد من الإصلاح، وتنبه عامة الناس إلى أن هذا الحاكم أو ذاك لا يمثل النموذج الراشد للحكم، ولا تنطبق عليه من أحكام الطاعة مثل ما ينطبق على الخليفة الراشد. وكان لهذه المعارضة أشكال، منها انتقاد السلطة والإنكار عليها، وعدم تنفيذ الأوامر والرغبات، والاستعفاء من المناصب والبعد عنها، ومجانبة السلطان واعتزاله.
وهذه الأساليب كان لها أثرها على السلطة، فهي وإن لم تعدم من ينفذ لها ما يرفض الفقهاء تنفيذه، إلا أن رفضهم هذا يحد من تسلطها وفرديتها إذا ما أرادت أن تكون كذلك (٥).
стр. 122
وعند النظر في سيرة الأئمة الأربعة المتبوعين فإنه يمكن ملاحظة أنهم كانوا أقرب إلى هذا الموقف من بقية المواقف (١)، بل إن هذا الموقف كان موقفًا سائدًا عند كثير من الفقهاء الكبار، وقصصهم في ذلك مشهورة جدًا، ولها دلالتها الظاهرة على حرص هؤلاء الأئمة على النصيحة الإيجابية من جهة، وعلى الإنكار من جهة أخرى، وعلى تفطنهم ويقظتهم تجاه أي محاولة لاستغلال مكانتهم أو علمهم من قبل السلطة. ولعل من المناسب ذكر شواهد تدل على هذا المعنى، فمن ذلك ما يأتي:
مرض فقيه مصر يزيد بن أبي حبيب (ت ١٢٨ هـ) فعاده الحوثرة بن سهيل أمير مصر فقال: يا أبا رجاء، ما تقول في الصلاة في الثوب وفيه دم البراغيث؟ فحول يزيد وجهه ولم يكلمه، فلما قام نظر إليه يزيد وقال: تقتل كل يوم خلقًا وتسألني عن دم البراغيث؟! (٢).
وقال أبو جعفر المنصور (ت ١٥٨ هـ) لسفيان الثوري (ت ١٦١ هـ): عظني يا أبا عبد الله، فقال: وما عملت فيما علمت فأعظك فيما جهلت؟ (٣).
стр. 123
ويروى أن الإمام مالكًا (ت ١٧٩ هـ) لم يكن يخضب، فقال له بعض ولاة المدينة: ألا تخضب؟ فقال له: ما بقي عليك من العدل إلا أن أخضب؟ (١).
وعلى كلِّ فإنه لا بد من إدراك أنه إذا كان للفقهاء منطقهم فإن للخلفاء والسلاطين موقفهم ومنطقهم أيضًا، وكان هذا المنطق يعمل على الموازنة بين شرعية الدولة وقيامها بوظائفها الدينية وبين ما تدعو إليه طبيعة الملك من الاستئثار بالقرار ونفوذ الرأي والتسلط على المال والثروة، وهذه الموازنة تتطلب أن تبقى للشريعة هيبة محفوظة ورهبة قائمة، كما أن الموازنات الاجتماعية ذات الطبيعة الراسخة في البيئات الإسلامية كانت تتضمن قيودًا تحجز الحاكم عن إرسال يده كيفما يشاء، وكان الخلفاء والملوك والسلاطين يدركون هذا جيدًا، وإن غاب إدراكه عن كثير من المعاصرين الذين يُخلِّطون جدّاً عندما يقيسون الماضي إلى الحاضر.
ومن الإشارات التي توضح هذا على سبيل المثال العابر، ما اشتهر من قول المأمون (ت ٢١٨ هـ): لولا مكان يزيد بن هارون لأظهرت القرآن مخلوق (٢).
وذكر في ترجمة الإمام عبد الله بن المبارك (ت ١٨١ هـ) أنه قدم مرة إلى الرقة وبها هارون الرشيد، فلما دخلها انجفل الناس
стр. 124
يهرعون إليه وازدحموا حوله، فأشرفت أم ولد للرشيد من قصر هناك، فقالت: ما للناس؟ فقيل لها: قدم رجل من علماء خراسان يقال له: عبد الله بن المبارك، فانجفل الناس إليه. فقالت: هذا هو الملك، لا ملك هارون الرشيد الذي يجمع الناس عليه بالسوط والعصا والرغبة والرهبة (١).
ويقول الحافظ ابن كثير (ت ٧٧٤ هـ) عن الإمام الأوزاعي (ت ١٥٧ هـ): (كان الأوزاعي في الشام معظمًا مكرمًا، أمره أعز عندهم من أمر السلطان، وهمَّ به بعض الولاة، فقال له أصحابه: دعه عنك فوالله لو أمر الشاميين أن يقتلوك لقتلوك. ولما مات جلس عند قبره بعض الولاة فقال: رحمك الله، فوالله لقد كنت أخاف منك أكثر مما أخاف من الذي ولاني) (٢).
ولما مرت جنازة سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام (ت ٦٦٠ هـ) بالظاهر بيبرس وشاهد كثرة الخلق الذين معها، قال لبعض خواصه: اليوم استقر أمري في الملك؛ لأن هذا الشيخ لو كان يقول للناس اخرجوا عليه لانتزع الملك مني (٣).
ومهما يكن من أمر فإن الخلفاء والسلاطين كانوا حريصين بدورهم على الموازنة، وهم ملوك مسلمون مذعنون لأحكام الشرع بالجملة، وكانت الشريعة مرجعيتهم العليا وإن اتفق لهم من
стр. 125
شهوات الملك والرئاسة ما يخرج بهم عن أحكامها. وإذا نقلت كتب التاريخ جملة من مخالفاتهم للشرع فلأن ذلك كان أولى بالتدوين من ذكر إذعانهم له لأنه هو الأصل. وكانوا مع ذلك يعلمون أن الفقهاء أهم الوسائط بينهم وبين عامة الناس لما لهم فيهم من المكانة والكلمة، فهم الذين يعيشون حياتهم ويواسونهم ويلامسون همومهم ويدافعون عن حقوقهم، وكتب الطبقات والتراجم مليئة جدًا بالشواهد التي تؤكد ذلك (١).
стр. 126
عندما نتتبع تاريخ الفقه والقضاء والفتيا في الإسلام، وفي القرون التي كانت فيها الشريعة هي المرجعية العليا للدول والممالك الإسلامية على وجه الخصوص، فإننا لا نجد مسوغًا ولا برهانًا واقعيًا يشير إلى أن السلاطين كانوا يتدخلون في الصناعة الفقهية ذاتها. ومما يدعو إلى العجب أن الكثير ممن يرسلون الأحكام ويقفزون إلى النتائج يرددون هذا الكلام بوعي أو بغير وعي دون أن يقدموا برهانًا يسوغ مثل هذه الأحكام الخطيرة الجائرة.
فمن جهة المدارس فإن معظم المدارس في تاريخ المسلمين كانت مدارس خيرية أهلية ليست مرتبطة بإرادة سياسية، خلافًا لما جرى عليه الحال بعد نشأة الدول الحديثة، وكان اختيار المدرسين تأهيلهم وتنظيم أرزاقهم يتم بتنظيم أهلي خيري أو وقفي لا علاقة له بالسياسي. وربما طمح بعض الملوك والوزراء الذين اشتهروا بمحبة العلم أو غيرهم إلى دعم هذه المدارس، غير أنه
стр. 127
لم يكن لهم تأثير على الصناعة العلمية داخلها من حيث العموم، بل إن تاريخ هذه المدارس يشهد أن الساسة كانوا يعانون الأمرَّين إذا ما حاولوا التدخل في الشأن التعليمي وتوجيه مساره، ويواجهون مقاومة عنيفة جدًا من الفقهاء القائمين على تلك المدارس، وبغض النظر عن إطلاق حكم شامل على هذا الموقف مما يسمى أحيانًا بـ (الإصلاحات) إلا أنه يدل دلالة واضحة على استقلال هذه المؤسسات التعليمية وعدم خضوعها لإرادة من خارجها (١).
أما ما يتعلق بالقضاء، فإننا بالرجوع إلى المصادر التي تتناول تراجم القضاة وسيرتهم القضائية، كـ: (أخبار القضاة) لوكيع (ت ٣٠٦ هـ)، و (قضاة قرطبة) لأبي عبد الله الخشني (ت ٣٦١ هـ)، و (المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا) لأبي الحسن النباهي المالقي (ت بعد ٧٩٣ هـ) وغيرها، نلاحظ أن الخلفاء كانوا حريصين بشكل واضح على استقلالية القضاء، كما أن السمة الغالبة للقضاة كانت الصلاح وإن وجد خلاف ذلك، ولا يعني هذا بحال أن الخلفاء والملوك كانوا مبرأين من التدخل لمصلحتهم في أحوال كثيرة، بل إن هذا من السمات التي تمتاز بها طبيعة الملك عن طبيعة الخلافة الراشدة، لكنه لم يكن الأصل، وتحفظ لنا كتب التراجم حالات كثيرة حكم فيها القضاة
стр. 128
على الخلفاء والسلاطين أنفسهم (١). وكان الخلفاء والملوك يعلمون جيدًا أن هيبة القضاء من هيبة الملك، وأن فساد القاضي لن يقتصر ضرره عليه وحده.
يذكر وكيع (٣٠٦ هـ) أن عبد الملك بن مروان بلغه أن قاضيًا له ارتشى، فكتب إليه:
إذا رشوة حلت ببيت تولجت... لتدخل فيه والأمانة فيه
سعت هربا منها وولت كأنها... تولي حليم عن جواب سفيه (٢)
كما أن من المهم الإشارة إلى أن صلاح القاضي وفطنته لا تسمح لأحد أن يجعله وسيلة إلى أغراضه الشخصية، ولا تحصي كتب طبقات القضاة الأمثلة التي عزل فيها القضاة أنفسهم إذا شعروا بتقييد سلطتهم القضائية، بل لقد ذكر في ترجمة الأستاذ أبي حامد الإسفراييني شيخ الشافعية وقاضي بغداد (ت ٤٠٦ هـ) أنه وقع من الخليفة ما أوجب أن كتب إليه الشيخ أبو حامد: اعلم أنك لست بقادر على عزلي عن ولايتي التي ولانيها الله تعالى، وأنا أقدر أن أكتب رقعة إلى خراسان بكلمتين أو ثلاث أعزلك عن خلافتك. وأبو حامد هذا هو الذي قال فيه أبو إسحاق
стр. 129
الشيرازي (ت ٤٧٦ هـ): (وانتهت إليه رئاسة الدنيا والدين ببغداد) (١).
أما ما يذكره بعض الباحثين من وصف ما قام به العباسيون ابتداءً من إجراءات لتنظيم القضاء كاستحداث منصب (قاضي القضاة) وغيره، بأنه تضييق لسلطات الفقهاء وتقييد لها (٢)، فهذا وصف عجيب، فإن تنظيم القضاء وترتيبه لم يزل من شأن الدول؛ لأنه من الوظائف التي تستند إلى السلطان والقوة ليخضع لها الناس في فصل المنازعات، ولو فرط العباسيون فيها لكان ذلك نقصًا يلحقهم، ولا يمكن اعتبار هذه الإجراءات تدخلًا في سلطة القضاة إلا إذا أثر ذلك في تقييد مجالات التقاضي أو في طبيعة الأحكام، وهذا ما يحتاج إلى برهان مستقل. والواقع أن أول من ولاه العباسيون منصب قاضي القضاة هو القاضي أبو يوسف (ت ١٨٢ هـ) الفقيه الكبير وتلميذ أبي حنيفة، والقاضي أبو يوسف من الأئمة الفقهاء الكبار الذين استفاض في الأمة حسن سيرتهم والثناء عليهم، وليس مثله من يكون أداة للسلطان في تنفيذ أغراضه. ولكن هذه الطريقة في التحليل من آثار المغالاة في التحليل المادي مما سبقت الإشارة إليه.
وأما من ناحية المادة الفقهية التعليمية التي تشكل لب المدونات الفقهية في المذاهب المتبوعة فإن آلية الاجتهاد فيها وصياغة أحكامها لم يكن للخلفاء والملوك مدخل فيها ألبتة.
стр. 130
يقول د. وائل حلاق: (لم يكن الفقه الإسلامي قط آلية بيد الدولة-إن جاز استعمال مصطلح الدولة في غير سياقه التاريخي-على خلاف الثقافات التشريعية الأخرى في العالم مهما كان مستوى تعقدها. وبمعنى آخر، لم ينبثق الفقه الإسلامي من آلة السلطة السياسية، وإنما ظهر باعتباره مؤسسة مستقلة أنشأها رجال أتقياء وطوروها، وهم الذين شرعوا في دراسة الفقه وبلورتها باعتباره نشاطًا دينيًا. ولم يكن بإمكان السلطة الإسلامية الحاكمة-أي: الجهاز السياسي-أن يحدد مطلقًا أحكام الشرع. وهذه الحقيقة الهامة تعني بوضوح أن الجهاز الحاكم إذا كان في الثقافات الفقهية الأخرى مصدر السلطة التشريعية ومركز نفوذها، فإن هذا الجهاز كان في الإسلام غائبًا عن الساحة الفقهية غائبًا كبيرًا إن لم يكن تامًا) (١).
وهذا التقرير يشمل الفتوى أيضًا، فإنها كانت بمعزل عن السلطة السياسية، بل إن تقنين الفتوى مسألة مستحدثة، ومنصب المفتي لم يكن معروفًا قبل الدولة العثمانية، وإن كان ربما حصل إشراف عام يمنع من التلاعب بالفتوى من قبل الجهال وغير المتأهلين مما بينه الفقهاء وشرحوه (٢)، غير أن الحال الغالبة أن الدولة لم تكن تتدخل في شأن الفتيا ولم يكن لها منصب
стр. 131
رسمي (١). بل إن من العلماء من فسَّر ترك طائفة من أكابر الفقهاء التصريح باعتبار دليل المصلحة مع اعتبارهم كلهم له بأنه كان (خوفًا من اتخاذ أئمة الجور إياه حجة لاتباع أهوائهم وإرضاء استبدادهم في أموال الناس ودمائهم، فرأوا أن يتقوا ذلك بإرجاع جميع الأحكام إلى النصوص ولو بضرب من الأقيسة الخفية، فجعلوا مسألة المصالح المرسلة من أدق مسالك العلة في القياس ولم ينوطوها باجتهاد الأمراء والحكام) (٢).
وهذا الذي تقدم بيانه لا يعني بطبيعة الحال أنه لم يجر استغلال لبعض الفقهاء وفتاويهم وأقضيتهم من قبل بعض الخلفاء أو السلاطين والملوك، بل إن حصول مثل هذا مستفيض مشهور، بل ربما غلب على بعض الملوك والدول، لكنه لم يكن غالبًا في تاريخ المسلمين بمجموع دولهم وممالكهم التي كانت تتخذ من الشريعة مرجعيتها العليا ومصدر مشروعيتها، حتى تبدل الحال في العصور الحديثة عندما أخذت المبادئ العلمانية والقوانين الوضعية بالتسلل إلى بلاد المسلمين فآل الحال إلى ما قد عُلم (٣).
стр. 132
٢ - الفقيه والمجتمع
((قدمت دمشق وما أنا بشيء من العلم أعلم مني بكذا-لبابٍ ذكره من أبواب العلم-قال: فأمسك أهلها عن مسألتي حتى ذهب)).
مكحول [جامع بيان العلم وفضله، ابن عبد البر: ٥٣٣]
((الناس في العادة إنما يعتمدون قول من اشتهر بالعلم وقلما يعتمدون غيرهم، وربما يستخفُّ بعضهم بما يسمعه ممن لم يشتهر بالعلم)).
قاضي بغداد محمد بن سماعة
[الاكتساب في الرزق المستطاب لمحمد بتلخيص ابن سماعة: ٤٤]
((وله من الطرف الآخر محبون من العلماء والصلحاء، ومن الجند والأمراء، ومن التجار والكبراء، وسائر العامة تحبه؛ لأنه منتصب لنفعهم ليلًا ونهارًا بلسانه وقلمه)).
قالها الحافظ الذهبي في شيخ الإسلام ابن تيمية
[الذيل على طبقات الحنابلة، ابن رجب: ٤/ ٥٠٦]
((وأما قواعد أهل الأندلس في ديانتهم فإنها تختلف بحسب الأوقات والنظر إلى السلاطين، ولكن الأغلب عندهم إقامة الحدود وإنكار التهاون بتعطيلها، وقيام العامة في ذلك وإنكاره إن تهاون فيه أصحاب السلطان، وقد يلج السلطان في شيء من ذلك ولا ينكره، فيدخلون عليه قصره المشيد ولا يعبأون بخيله ورجله حتى يخرجوه من بلدهم، وهذا كثير في أخبارهم. وأمّا الرجم بالحجر للقضاة والولاة للأعمال إذا لم يعدلوا فكلّ يوم)).
[نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، المقري: ١/ ٢١٩]
стр. 133
علم الفقه علم يحتم على الفقيه أن يكون مخالطًا لمجتمعه ومشاركًا له، فهو ليس من العلوم التجريدية البحتة التي يمكن للمتخصص إحكامها من طريق النظر العقلي المحض، بل هو علم يقوم على مباشرة الفقيه لأسباب الحياة ومعرفته بأحوال الناس، ولولا ذاك ما صح أن يؤمر الناس بالرجوع إليه في معرفة أحكام الشريعة. والناظر في أدلة الفقه الأصلية يجدها ذات صلة بواقع الناس ومعاشهم؛ كدليل (المصلحة) ودليل (العرف) ودليل (سد الذرائع) ودليل (الاستحسان)، فضلًا عن العملية الاجتهادية التي يسميها الأصوليون (تحقيق المناط) والتي تعني تطبيق القاعدة التشريعية على الواقع العملي الذي يتمكن الفقيه من معرفته بالمخالطة لا بالعزلة (١).
ولذلك فإن الفقهاء كانوا ينبهون على ضرورة معرفة الناس
стр. 134
وعوائدهم، ويؤكدون أن معرفة واقعهم شرط من شروط الإفتاء.
ويمكن شرح ذلك والتمثيل له من خلال كلام فقيه من فقهاء المالكية أفاض في بيان أهمية دخول الفقهاء للأسواق وممارستهم لها ومعرفتهم بما يدور فيها؛ لان إصلاح أحوال الناس لا يتأتى إلا بالمخالطة. فنجد الفقيه المالكي أبا عبد الله ابن الحاج (ت ٧٣٧ هـ) ينبه في كتابه ((المدخل)) أنه لا ينبغي للفقيه الذي يبحث في مسائل البيوع والأحكام في الربويات وغير ذلك في الدروس ويستدل ويجيز ويمنع ويكره، أن يخرج من درسه ليستعمل في قضاء حاجته من السوق صبيًا صغيرًا أو غيره ممن لا علم له بالأحكام الشرعية، مع ما قد عُلم من جهل أكثر البياعين بالأحكام الشرعية، ومن اشتمال السوق على مفاسد وأشياء لا يجوز شراؤها جملة، وسبب وجود هذه المفاسد ترك السؤال من العامة من جهة، وترك تفقد العلماء بالتنبيه على هذه المفاسد عند مبدأ أمرها من الجهة الأخرى، فاستحكمت المفاسد ومضت عليها العوائد الرديئة (١). ثم يقول بعد ذكر أمثلة لتفقد العلماء وسؤالهم: (فانظر رحمنا الله تعالى وإياك إلى بركة تفقد العلماء للحوادث التي تحدث في زمانهم كيف يتلقونها بهذا التلقي الحسن الجميل، فلو بقي العلماء على طرف من ذلك لكانت هذه المواد تنحسم أو يقل فاعلها، ولكن السكوت من العلماء وعدم السؤال من العامة لهم أوجب ذلك وصار متزايدًا وفقنا الله لمرضاته...
стр. 135
فإذا كان ذلك كذلك فيتعين على العالم أن يتصرف بنفسه في قضاء مآربه إن قدر خيفة من المفاسد أن تدخل عليه ولوجوه أخرى نذكر بعضها، وإن كانت بينة جلية لغير العالم فكيف العالم؟ فمنها: إذا خرج من بيته لشيء مما ذكر فينوي بذلك اتباع السُّنِّة في الخروج إلى السوق واتباع السُّنِّة في قضاء حاجته بيده لأن النبي ﷺ كان يباشر ذلك بنفسه الكريمة، ثم يضيف إلى ذلك نية التواضع مع إخوانه المسلمين ونية الاقتداء بهم وإرشادهم وتعليمهم وتهذيبهم ودفع المضار عنهم وسلامتهم من دخول الربا عليهم... فإذا كان العالم يباشرهم في ذلك انحسمت مادة المفاسد وقلَّ وقوعها ببركة العلم الذي يدور بينهم... والخروج إلى السوق من شعار الصلحاء والأولياء والعلماء المتقدمين رحمة الله عليهم أجمعين. قال مالك رحمه الله تعالى: كان ذلك من شأن الناس يخرجون إلى السوق ويقعدون فيه. انتهى. وما سمي السوق سوقًا إلا لنفاق السلع فيه في الغالب، وأكبر سلع المؤمن التي يطلب ربحها تعلمه وتعليمه وإرشاده لنفسه ولغيره، وذلك في الغالب موجود في الأسواق لكثرة وجود إخوانه فيها، وفيهم العالم بما يحاوله والجاهل بذلك، ألا ترى أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا في الأسواق يتَّجِرون وفي حوائطهم يعملون؟ وعلى هذا استمر علماء الأمة وسلفها.
فإن قال قائل: كيف يمكن تعليم العلم في الأسواق؟ وذلك امتهان لحق العلم ونقص لحرمة العالم واستهانة بقدرهما! وأهل الأسواق مع ذلك لا يسألون في الغالب، وبذل العلم إنما يجب
стр. 136
إذا سئل عنه لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].
فالجواب أن يقال: إن العالم يتعين عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا خفاء في أن ترك السؤال وترك التعليم المنكر البين، فيتعين على العالم أن ينهى عن ذلك وأن ينصح إخوانه المسلمين مع التلطف لهم وامتثال أمر الله تعالى فيهم، ومن جملة ذلك: تعليم جاهلهم والتعليم في الأسواق أكثر بيانًا من غيرها لوجود العلم والعمل معًا؛ لأن العلم الذي يتعلمه البائع إنما هو في الغالب في السلع التي في دكانه والغالب أنه لا ينساه) (١).
وعلى كلٍّ فالفقهاء يؤكدون دومًا على أهمية مراعاة العوائد والأعراف عند تنزيل الأحكام، وعلى عدم الاكتفاء بما هو مدون في كتب الفقه دون اعتبار واقع الناس وحالهم (٢)، ولا بد في هذا السياق من التنبه إلى الفرق بين مدونات الفقه التجريدية وبين مدوناته التطبيقية التي تتمثل في كتب الفتاوى والنوازل والمسائل والأجوبة (٣)، فإن كتب الفتاوى لا تكتفي بذكر الحكم أو القاعدة
стр. 137
التجريدية بل تراعي الجانب الواقعي عند التنزيل من خلال الالتفات إلى الأصول والمعاني الشرعية التي من شأنها أن تختلف، كاعتبار الحاجة والضرورة والعرف وعموم البلوى ونحوها، ولذا فإن كتب الفتاوى والنوازل أصبحت تعتبر في الكثير من الأحيان من ضمن المصادر التاريخية التي يكشف بها الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للحقبة التي كتبت فيها (١).
والفقهاء عندما يعايشون الناس ويخالطونهم ويفتونهم ويوجهونهم فهم يعدون ذلك من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمفهوم يقتضي تعليم الناس وإرشادهم وتفقيههم في دينهم وحثهم على البر والإحسان وقضاء الحوائج والمشاركة الإيجابية الفاعلة في الحياة بوجه عام، أما النهي عن المنكر فيقتضي منهم تنبيههم إلى ما يقعون فيه من خطأ أو ظلم على الصعيد الشخصي أو على الصعيد العام، فكانوا بذلك يمارسون شيئًا أشبه بالتصحيح والنقد الذاتي لحركة المجتمع وإصلاح أحواله، وبذلك أحبهم الناس ونالوا لديهم مكانة كبرى ووجاهة عظمى (٢).
стр. 138
قال الحافظ ابن رجب (ت ٧٩٥ هـ) في ترجمة الحافظ عبد الغني المقدسي (ت ٦٠٠ هـ): (سمعت أبا الثناء محمود بن سلامة الحراني بأصبهان قال: كان الحافظ بأصبهان يصطف الناس في السوق فينظرون إليه، وسمعته يقول: لو أقام الحافظ بأصبهان مدة وأراد أن يملكها لملكها؛ يعني: من حبهم له ورغبتهم فيه) (١).
فالفقهاء شديدو الحرص على تحصيل مصالح الناس العامة وحفظها وتقديمها على المصالح الخاصة والشخصية، ولا نكاد نحصي من يذكر في ترجمته أنه كان متصديًا لنفع الناس بعلمه ونصحه وماله وجاهه ووقته، ولأن الفقهاء من الناس فهم موجودن في كافة الطبقات الاجتماعية (٢)، واهتماماتهم متفاوتة وهم مع ذلك يسعون في نفع الناس بما يستطيعون، ولهم مجالس مفتوحة في جوامعهم ومدارسهم وبيوتهم يقصدها الناس في كافة شؤونهم، ومن يستعرض كتب النوازل يجد أن الفقهاء كانوا على وعي بمسؤوليتهم الاجتماعية (٣)، ولذا كان للفقه عند عامة الناس
стр. 139
رونق ووجاهة، وكانت (سمة الفقيه عندهم جليلة) كما يصف الشهاب المقَّري أهل الأندلس (١).
فمن ذلك ما ذكر في ترجمة الفقيه الشافعي بهاء الدين محمد الحواري (ت ٨٨٩ هـ): من أنه كان دائم البشر حسن المعاشرة، متصديًا لنفع المسلمين إفتاءً وتدريسًا وإصلاح ذات البين (٢).
ومنه ما ذكر في ترجمة قاضي مالقة محمد بن عسكر الغساني (ت ٦٣٦ هـ): من أنه كان معظمًا عند الخاصة والعامة، حسن الخلق جميل العشرة رحيب الصدر، مسارعًا إلى قضاء الحوائج، محسنًا إلى من أساء إليه، نفاعًا بجاهه سمحًا بذات يده (٣).
كما وُصف الفقيه ابن أبي زمنين (ت ٣٩٨ هـ) بأنه كان أمةً في الخير معينًا على النائبة، مواسيًا بجاهه وماله (٤).
ووصف أبو الوليد بن رشد الجد (ت ٥٢٠ هـ): بأن الناس كانوا يلجؤون إليه ويعولون في مهماتهم عليه، وكان حسن الخلق سهل اللقاء، كثير النفع لخاصته وأصحابه جميل العشرة لهم حافظًا لعهدهم كثيرًا لبرهم (٥).
стр. 140
وذكر الحافظ أبو حفص البزار (ت ٧٤٩ هـ) في ترجمة شيخ الإسلام بن تيمية (ت ٧٢٨ هـ): أنه كان إذا رآه أرباب المعايش يتخبطون من حوانيتهم للسلام عليه، وهو مع هذا يعطي كلًا منهم نصيبًا وافرًا من السلام وغيره، وإذا رأى منكرًا في طريقه أزاله أو سمع بجنازة سارع إلى الصلاة عليها أو تأسف على فواتها، وربما ذهب إلى قبر صاحبها بعد فراغه من سماع الحديث فصلى عليه، ثم يعود إلى مسجده فلا يزال تارة في إفتاء الناس وتارة في قضاء حوائجهم، حتى يصلي الظهر مع الجماعة ثم كذلك بقية يومه، وكان مجلسه عامًا للكبير والصغير والجليل والحقير والحر والعبد والذكر والأنثى، قد وسع على كل من يرد عليه من الناس، يرى كل منهم في نفسه أن لم يكرم أحدًا بقدره، كما كان يعود المرضى كل أسبوع خصوصًا الذين بالمارستان، وكان هذا دأبه على الدوام (١).
وذكر في ترجمة الفقيه والقاضي الحنفي كمال الدين بن الحمراوي (ت ٩٧٦ هـ): أنه كان من رؤساء دمشق وأعيانها المعدودين، وكان جوادًا له في كل يوم أول النهار وآخره مائدة توضع بألوان الأطعمة، وكان ذا مهابة وحشمة ووجاهة لا ترد شفاعته في قليل ولا كثير، وكان ينفع الناس بجاهه، وكان يكرم القادمين إلى دمشق من أعيان أهل البلاد ويقربهم ويحتفل لضيافتهم، وكان يتردد إليه الفضلاء والأعيان (٢).
стр. 141
وأمثلة ذلك كثيرة جدًا لا تكاد تحصى، وكانوا يعلمون أن من يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير ممن لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم (١)، وأن القاعدة الاجتماعية هي بوابة الإصلاح الشامل، وطالما كان عامة الناس لهم ردءًا وسندًا فيما هم بسبيله من الإصلاح وكانوا عونًا لهم على الصدع بكلمة الحق في مشاهد الظلم والجور.
ومن شواهد هذا: أنه لما بنى الوزير عميد الدولة بن جهير (ت ٤٩٣ هـ) سور بغداد أظهر العوام في الاشتغال ببنائه المنكرات، فكتب أبو الوفاء بن عقيل الحنبلي (ت ٥١٣ هـ) إليه كتابًا مطولًا جاء فيه: (ثم كيف تطالب الأجناد بتقبيل عتبة ولثم ترابها؟ وتقيم الحدّ في دهليز الحريم صباحًا ومساءً على قدح نبيذٍ مختلف فيه، ثم تمرح العوام في المسكر المجمع على تحريمه؟ هذا مضاف إلى الزنى الظاهر بباب بدر، ولبس الحرير على جميع المتعلقين والأصحاب... ثم لا تلمنا على ملازمة البيوت والاختفاء عن العوام لأنهم إن سألونا لم نقل إلا ما يقتضي الإعظام لهذه القبائح والإنكار لها والنياحة على الشريعة) (٢)، فابن عقيل هنا يكاشف الوزير بما يشبه التهديد أنه لن يغش العامة ولن يلبِّس عليهم مراعاة لأحد، بل إن لم تُجْدِ مثل هذه النصيحة فإنه لن يدخر وسعًا في
стр. 142
بيان الحق دون تلبيس، لأن التلبيس نوع من أنواع الكتمان، وقد قرن الله بينهما في قوله ﷻ : ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧١] (١)، والعالم لا يرضى بغش الناس والتدليس عليهم، بل واجبه النصيحة والبيان، وقد قال الإمام الشافعي (ت ٢٠٤ هـ): سمعت سفيان بن عيينة (ت ١٩٨ هـ) يقول: إن العالم لا يماري ولا يداري، ينشر حكمة الله فإن قبلت حمد الله وإن ردت حمد الله (٢).
стр. 143
إن بث العلم في الناس وتثبيتهم على الخير والهدى بعد الصلاح الذاتي للعالم والفقيه لهو من أعظم أسباب الصلاح والإصلاح، ومما تحيله الطبائع أن يصلح الناس في مجموعهم والفساد فاشٍ في أفرادهم، ولكن إذا صلح فقهاؤهم وأهل الرأي فيهم ثم دعوهم إلى الخير فما أقربهم أن يتابعوهم عليه، وقد كان من كلام نبي الله شعيب ﵇: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨]، وقال أبو العتاهية:
لن يصلح الناس وأنت فاسد... هيهات ما أبعد ما تكابد (١)
وقد علم أن من سُنَّة الله تعالى: (أن كل قوم بالغوا في الفساد وغيروا طريقتهم في إظهار عبودية الله تعالى فإن الله يزيل عنهم النعم) (٢)، ومن هنا يتبين لنا أن من الخلل الكبير الطمع في
стр. 144
صلاح الشؤون العامة وحسن تدبيرها مع الغفلة عن الصلاح الذاتي لأفراد المجتمع.
وقد وجد من العلمانيين العرب من يسخر بالفقهاء ويهزأ باشتغالهم بقضايا يسيرة (١)، وهذا جهل منهم بطبيعة الحياة وعلاقة الفقه بها، وهذه الأمور التي يراها أولئك وغيرهم يسيرة لا تستحق العناية والاهتمام تشكل بمجموعها تصورات وأشكالًا وشعائر وأحكامًا فيها إظهار للعبودية لله تعالى والتزام بشرعه وأمره واتباع لدينه، والدين لم يأت للإصلاح السياسي فحسب، بل جاء لصلاح الدنيا والآخرة. وهذا النَّفَس الممقوت من السخرية والاستهزاء ليس أمرًا جديدًا، فقد سخر بعض المشركين مما ورد في الشريعة من تفاصيل آداب قضاء الحاجة، فقال بعض المشركين لسلمان الفارسي ﵁: قد علمكم نبيكم ﷺ كل شيء حتى الخراءة! فقال سلمان ﵁: أجل لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول أو أن نستنجي باليمين أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار أو أن نستنجي برجيع أو بعظم (٢). فدين الإسلام دين شامل لا يتعالى على واقع الناس وحياتهم، وليس صياغة فلسفية نظرية تجريدية للحياة، بل إن أعمال الإيمان والتقوى تعايش
стр. 145
الناس في دقيق الأمور وخطيرها. أما الفصل بين أشكال الحياة المختلفة وتعلق الإيمان بها فهو من آثار العلمانية البغيضة التي تسربت إلى بعض الفهوم الفاسدة، والإسلام الذي جاء بالتصورات والعقائد الكبرى والأخلاق الكاملة والشعائر الإيمانية العظيمة، جاء أيضًا بهذه التفصيلات التي يستهزئ بها من لم يتصور طبيعة دين الإسلام، وإذا انسحبت التصورات الإيمانية عن هذه التفصيلات فإن هذا بداية انسحابها عن الحياة بجملتها.
ووسطية دين الإسلام وشموله وتوازنه تحجز المسلم عن الاشتغال بالجزئيات عن الكليات لكنها لا تتعالى عليها وتُحقِّر من شأنها، وذات الفصل بين الأمرين وإن افترضته التصورات الذهنية إلا أن الممارسات الواقعية تحيله، فإن الإيمان شعب متفاوتة وهي بمجموعها تصبغ حياة المؤمن بالصبغة الإيمانية لتكون صلاته ونسكه ومحياه ومماته لله رب العالمين.
وقد مضت الإشارة إلى أن اهتمام الفقهاء بتفصيلات الأحكام كان نتيجة مباشرة لكثرة سؤال الناس عنها وتعرضهم لها، ومع ذلك فلم تزل عادة الفقهاء توجيه الناس وإرشادهم إلى ما هو خير وأبقى، وكانوا شديدي الملاحظة للتغيرات الاجتماعية من خلال فحص أسئلة الناس.
يروى عن الإمام مالك (ت ١٧٩ هـ) أنه قال: (لم يكن الناس فيما مضى يسألون عن هذه الأمور كما يسأل الناس اليوم، ولم يكن العلماء يقولون: حرام ولا حلال، أدركتهم يقولون: مكروه