وأمثلة ذلك كثيرة جدًا لا تكاد تحصى، وكانوا يعلمون أن من يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير ممن لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم (١)، وأن القاعدة الاجتماعية هي بوابة الإصلاح الشامل، وطالما كان عامة الناس لهم ردءًا وسندًا فيما هم بسبيله من الإصلاح وكانوا عونًا لهم على الصدع بكلمة الحق في مشاهد الظلم والجور.
ومن شواهد هذا: أنه لما بنى الوزير عميد الدولة بن جهير (ت ٤٩٣ هـ) سور بغداد أظهر العوام في الاشتغال ببنائه المنكرات، فكتب أبو الوفاء بن عقيل الحنبلي (ت ٥١٣ هـ) إليه كتابًا مطولًا جاء فيه: (ثم كيف تطالب الأجناد بتقبيل عتبة ولثم ترابها؟ وتقيم الحدّ في دهليز الحريم صباحًا ومساءً على قدح نبيذٍ مختلف فيه، ثم تمرح العوام في المسكر المجمع على تحريمه؟ هذا مضاف إلى الزنى الظاهر بباب بدر، ولبس الحرير على جميع المتعلقين والأصحاب... ثم لا تلمنا على ملازمة البيوت والاختفاء عن العوام لأنهم إن سألونا لم نقل إلا ما يقتضي الإعظام لهذه القبائح والإنكار لها والنياحة على الشريعة) (٢)، فابن عقيل هنا يكاشف الوزير بما يشبه التهديد أنه لن يغش العامة ولن يلبِّس عليهم مراعاة لأحد، بل إن لم تُجْدِ مثل هذه النصيحة فإنه لن يدخر وسعًا في
стр. 142
بيان الحق دون تلبيس، لأن التلبيس نوع من أنواع الكتمان، وقد قرن الله بينهما في قوله ﷻ : ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧١] (١)، والعالم لا يرضى بغش الناس والتدليس عليهم، بل واجبه النصيحة والبيان، وقد قال الإمام الشافعي (ت ٢٠٤ هـ): سمعت سفيان بن عيينة (ت ١٩٨ هـ) يقول: إن العالم لا يماري ولا يداري، ينشر حكمة الله فإن قبلت حمد الله وإن ردت حمد الله (٢).
стр. 143
إن بث العلم في الناس وتثبيتهم على الخير والهدى بعد الصلاح الذاتي للعالم والفقيه لهو من أعظم أسباب الصلاح والإصلاح، ومما تحيله الطبائع أن يصلح الناس في مجموعهم والفساد فاشٍ في أفرادهم، ولكن إذا صلح فقهاؤهم وأهل الرأي فيهم ثم دعوهم إلى الخير فما أقربهم أن يتابعوهم عليه، وقد كان من كلام نبي الله شعيب ﵇: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨]، وقال أبو العتاهية:
لن يصلح الناس وأنت فاسد... هيهات ما أبعد ما تكابد (١)
وقد علم أن من سُنَّة الله تعالى: (أن كل قوم بالغوا في الفساد وغيروا طريقتهم في إظهار عبودية الله تعالى فإن الله يزيل عنهم النعم) (٢)، ومن هنا يتبين لنا أن من الخلل الكبير الطمع في
стр. 144
صلاح الشؤون العامة وحسن تدبيرها مع الغفلة عن الصلاح الذاتي لأفراد المجتمع.
وقد وجد من العلمانيين العرب من يسخر بالفقهاء ويهزأ باشتغالهم بقضايا يسيرة (١)، وهذا جهل منهم بطبيعة الحياة وعلاقة الفقه بها، وهذه الأمور التي يراها أولئك وغيرهم يسيرة لا تستحق العناية والاهتمام تشكل بمجموعها تصورات وأشكالًا وشعائر وأحكامًا فيها إظهار للعبودية لله تعالى والتزام بشرعه وأمره واتباع لدينه، والدين لم يأت للإصلاح السياسي فحسب، بل جاء لصلاح الدنيا والآخرة. وهذا النَّفَس الممقوت من السخرية والاستهزاء ليس أمرًا جديدًا، فقد سخر بعض المشركين مما ورد في الشريعة من تفاصيل آداب قضاء الحاجة، فقال بعض المشركين لسلمان الفارسي ﵁: قد علمكم نبيكم ﷺ كل شيء حتى الخراءة! فقال سلمان ﵁: أجل لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول أو أن نستنجي باليمين أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار أو أن نستنجي برجيع أو بعظم (٢). فدين الإسلام دين شامل لا يتعالى على واقع الناس وحياتهم، وليس صياغة فلسفية نظرية تجريدية للحياة، بل إن أعمال الإيمان والتقوى تعايش
стр. 145
الناس في دقيق الأمور وخطيرها. أما الفصل بين أشكال الحياة المختلفة وتعلق الإيمان بها فهو من آثار العلمانية البغيضة التي تسربت إلى بعض الفهوم الفاسدة، والإسلام الذي جاء بالتصورات والعقائد الكبرى والأخلاق الكاملة والشعائر الإيمانية العظيمة، جاء أيضًا بهذه التفصيلات التي يستهزئ بها من لم يتصور طبيعة دين الإسلام، وإذا انسحبت التصورات الإيمانية عن هذه التفصيلات فإن هذا بداية انسحابها عن الحياة بجملتها.
ووسطية دين الإسلام وشموله وتوازنه تحجز المسلم عن الاشتغال بالجزئيات عن الكليات لكنها لا تتعالى عليها وتُحقِّر من شأنها، وذات الفصل بين الأمرين وإن افترضته التصورات الذهنية إلا أن الممارسات الواقعية تحيله، فإن الإيمان شعب متفاوتة وهي بمجموعها تصبغ حياة المؤمن بالصبغة الإيمانية لتكون صلاته ونسكه ومحياه ومماته لله رب العالمين.
وقد مضت الإشارة إلى أن اهتمام الفقهاء بتفصيلات الأحكام كان نتيجة مباشرة لكثرة سؤال الناس عنها وتعرضهم لها، ومع ذلك فلم تزل عادة الفقهاء توجيه الناس وإرشادهم إلى ما هو خير وأبقى، وكانوا شديدي الملاحظة للتغيرات الاجتماعية من خلال فحص أسئلة الناس.
يروى عن الإمام مالك (ت ١٧٩ هـ) أنه قال: (لم يكن الناس فيما مضى يسألون عن هذه الأمور كما يسأل الناس اليوم، ولم يكن العلماء يقولون: حرام ولا حلال، أدركتهم يقولون: مكروه
стр. 146
ومستحب). قال أبو حامد الغزالي (ت ٥٠٥ هـ): (ومعناه: أنهم كانوا ينظرون في دقائق الكراهة والاستحباب فأما الحرام فكان فحشه ظاهرًا) (١).
والعالم الفقيه يسعى بفقهه إلى إصلاح أحوال الناس واهتماماتهم، وتوجيههم إلى معالي الأمور وكبير العزائم، ويصرفهم في أجوبته إلى ما هو أنفع لهم وأليق بهم، ولا يكون متلقيًا سلبيًا في فتاويه وأجوبته، بل يكون فاعلًا إيجابيًا فإن الإسلام يرفض مبدأ سياسة الأمر الواقع بمعناه السلبي (٢)، والفقيه حينما يتعلم العلم فإنه لا يتعلمه ليكون ناطقًا بلسان أحد، وكما أنه لا يسمح للضغوطات السياسية أن تؤثر عليه وتصرفه عن غاية الإصلاح فعليه أن يحذر من الضغوطات الاجتماعية كذلك، فإن الساسة إن كانت لهم ضغوطهم فإن لعامة الناس ضغوطًا قد تحول بين الفقيه وبين تصور حقائق الأمور. وفي الوقت ذاته فإن على الفقيه أن يتفطن لمحاولات إبعاده وعزلته عن عامة الناس الذين هم قاعدة الصلاح والإصلاح تحت أي ذريعة، والكثير ممن هم معزولون عنهم لا يسرهم استئثار الفقيه بالتأثير فيهم وهم غائبون في عوالمهم النظرية التي لا تلامس اهتمامات العامة، وسيأتي مزيد شرح لهذا في موضع لاحق.
стр. 147
٣ - الفقيه والمثقف
((كل مسلم فقيه؛ إذ يطلب من كل مسلم التفقه في الدين على قدر حاجته، حتى لا يأتي أعماله وهو جاهل بأحكامها قوانين وأخلاقًا، فلا تنفعه في عالمه الغيبي فضلًا عن عالمه المرئي))
طه عبد الرحمن [روح الدين: ٤١٨]
((والواقع أن الثقافة الحية لا تقبل بضم خبرات جديدة إلى مخزونها المعرفي أو الخيالي، إلا إذا لم تكن هذه الخبرات تتعارض مع خبرات جديدة إلى مخزونها المعرفي أو الخيالي، إلا إذا لم تكن هذه الخبرات تتعارض مع خبرات سابقة وراسخة تضمن توازناتها الكبرى))
د. برهان غليون [اغتيال العقل: ٣٣٥]
стр. 148
يتحدث كثير من الكتاب عما يدعونه بـ (الأزمة بين الفقيه والمثقف) أو (القطيعة بين الفقيه والمثقف)، غير أنهم لا يحددون مرادهم بكل من (الفقيه) و (المثقف)، وهذا من الإشكالات المزمنة في السجالات العربية المعاصرة، حيث نجد نقاشات مطولة حول موضوعٍ ما دون تحديد مفاهيمه وضبط اصطلاحاته، أو ما يعبر عنه الفقهاء بـ (تحرير محل النزاع)، مع أن افتعال معركة أو أزمة دون تحديد أطرافها أمر لا يليق أبدًا بأي باحث جاد، ويزداد الأمر سوءًا إذا كان هذا الباحث ينطلق من صورة ملازمة لذهنه فيجعل منها حالة عامة. ولا يمكن في هذا السياق إثبات دعوى القطيعة أو الأزمة إلا بعد تحديد مراد المتكلم بالفقيه والمثقف والأزمة التي يقصدها.
وأول ما يتوجب بحثه هنا هو تحديد معنى اسم (المثقف) ومفهوم (الثقافة) الذي يعاني من هلامية كبيرة في المعنى في البيئة التي كانت فيها نشأته، فضلًا عن بيئات استوردته كمفهوم جاهز (١). ونشأة هذا الاسم لا يمكن عزلها عن صراع السلطات في أوروبا في مطلع ما تسميه أوروبا بالعصور الحديثة، يوم كان في الناس سلطتان غالبتان وهما سلطة الملوك والنبلاء من جهة
стр. 149
وسلطة الإكليروس ورجال الدين النصارى من الجهة الأخرى، ثم لما راجت سوق العلم والمعرفة وبدأت بواكير ما عرف لاحقًا بالنهضة فقد ظهرت طبقة واعية لا ترضى بهذا التسلط، وقد صنعت بنفسها آليات الصراع واستطاعت بمرور الزمن التغلب على تلك السلطتين وصناعة مفاهيم وأفكار جديدة أثرت ولا تزال تؤثر في العالم الجديد (١)، وهذه الطبقة لم تتخذ لها اسمًا محددًا منذ البداية بل مرت بعدة أسماء حتى استقر لها اسم المثقف مع بقاء خلاف طويل في تعريفه على وجه التحديد (٢)، ولكن يبقى من سمات المثقف أن لديه من المعرفة العامة والمتخصصة ما يخوله الاعتناء بشؤون الناس العامة ليمارس نوعًا من الضغوط الإصلاحية حسب رؤيته التي يراها.
لكن المؤسف في هذا الصدد أن هذا المصطلح عندما أريد له أن يدخل في نسيج الفكر العربي فقد نقل بخصوصيته الأوروبية دون تنقيح يلائم اللغة العربية التي يشكل الإسلام عنصرها الأول، ومما يؤكد هذا أتم التأكيد ما حصل من المقابلة بين المثقف
стр. 150
والفقيه، مع أن شرط اسم المثقف متحصل في الفقيه، ولكن الربط بين الفقيه ورجل الدين النصراني في أوروبا-مع كون سلطة المثقف نشأت لتكون مناهضة لسلطة رجال الدين-جعل بعض الكتاب يفترضون القطيعة بين المثقف والفقيه، وكل ذلك يؤكد أن مرجعية هذا الصراع المفتعل مرجعية أوروبية، حيث نشأ المثقف ليكون ندًا لرجل الدين ورجل السياسة فأصبح تحديد مفهوم المثقف من قبيل ما يسميه المناطقة التعريف بالضد لا التعريف بالحد أو الرسم، وهذا ما أدى إلى الاختلاف الكبير في تحديد المراد به (١).
وهذه الأزمة المفترضة إنما تكون واقعة بالفعل في حالة اختلاف المرجعية بين كل من الفقيه والمثقف، ويحصل ذلك عندما لا يستورد اسم المثقف فحسب بل تستورد المفاهيم التي أنتجته، والتي سيكون فيها بالتأكيد ما يتعارض مع مرجعية الفقيه التي هي شريعة الإسلام، وستكون غايات الإصلاح ومقاصده لدى المثقف مختلفة عن غايات الإصلاح لدى الفقيه والتي هي رسالة الأمة وهويتها، الأمرَ الذي يُشعر المثقف بالاغتراب والشتات في بلده وبين أهله؛ لأن مرجعيته مرجعية مناهضة للوحي والشرع الذي به قوام الأمة وحياتها، ومشروعه الثقافي لا يقوم على اعتبار أصول الديانة وأحكام الشريعة بل على إقصائها أو معاداتها، ومن
стр. 151
توابع ذلك إقصاء حملة الشريعة ومعاداتهم والإزراء بهم وبمشاريعهم الإصلاحية، بل إن هناك الكثير من الشواهد الواقعية التي تؤكد أن بعض من يسمون بالمثقفين يبادرون بالانحياز إلى الطغاة والظلمة عندما يكون خيار الأمة الرجوع إلى هويتها ودينها، ولا ريب أن مثل هؤلاء عناصر فاسدة لا تستحق اسم المثقف.
أما حينما يكون المثقف منطلقًا في رؤيته ومفاهيمه وأفكاره من دين الإسلام فإنه لا مجال لافتعال هذا الصراع، بل دوره مع الفقهاء حينئذٍ يقوم على التكامل لا على الصراع، بل إن المثقف نفسه-إذا ما اعتبرنا أصحاب التخصصات المختلفة ممن يساهم في الإصلاح العام مثقفًا-كان تكوينه في ظل حضارتنا الإسلامية يتشكل بالقرب من الفقيه، حيث يلتقي الجامع بالجامعة وحيث تشكل مبادئ العلوم الشرعية جزءًا أساسيًا من ثقافته (١).
وإذا ما رجعنا لنتأمل طبيعة النخبة العربية الإسلامية في مشارف ما يسمى بعصر النهضة العربية بين ثلاثينات القرن التاسع عشر وثلاثينات القرن العشرين، فإننا نجد أن سوادها الأعظم كان ممن يغلب عليهم سمة الفقه، سواء كان هذا من جهة التكوين العلمي أو الوظيفة أو اللغة المستعملة، كما أن مراكز التكوين
стр. 152
الكبرى التي كانت تتخرج فيها هذه النخب كانت المدارس والمعاهد الشرعية كالأزهر والزيتونة والقرويين (١).
إن المثقف في أي حضارة لا يمكنه الإسهام فيها إسهامًا فاعلًا ما لم تتصالح أهدافه مع أهدافها، وإذا ما قرر إدوارد سعيد مثلًا أن الوحي كارثة إذا ما سعى المثقف إلى التنظير بموجبه (٢)، أو أن المثقف الحقيقي كائن علماني (٣)، فالواجب على المثقف المسلم أن يتعامل مع هذه المقالة على أنها متصالحة مع الحضارة التي ينتمي إليها قائلها وليست قاعدة كلية مطلقة؛ لأن المثقف المسلم لو غدا كائنًا علمانيًا فإنه يفقد جذوره التي تمكنه من أداء وظيفته التي لأجلها وجد مفهوم (المثقف)، وإذا كان المثقف الأوروبي في حالة خصومة مع ما يسميهم رجال الدين فلأنهم كانوا يتحكمون في العقول باسم الدين ويمنحون طائفة من البشر حق التشريع المعصوم (٤)، ويزعمون أن المسيح ﵇ قال لبطرس: ((وأنا أقول لك أيضًا: أنت بطرس، وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها. وأعطيك مفاتيح ملكوت السماوات، فكل ما تربطه على الأرض يكون مربوطًا في
стр. 153
السماوات، وكل ما تحله على الأرض يكون محلولًا في السماوات)) (١)، فكان رهبان النصارى يُشرِّعون لهم في دينهم ما لم يأذن به الله وينسبونه إلى دين الله تعالى وهم يتابعونهم على ذلك، حتى قال الله ﷻ عنهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١]، وكانوا بهذه العصمة المدعاة ينسبون إلى الدين ما ليس منه، حتى إذا كشف علماء الطبيعة والفلك وغيرهم خطأهم امتحنوهم وعذبوهم ونصبوا لهم محاكم التفتيش الظالمة، فصدوا بذلك عن سبيل الله كثيرًا. وكل هذا لم يحصل في دين الإسلام، حيث يأمر الدين بالعلم ويكون الفقيه في أحوال كثيرة عالمًا متفننًا في الكثير من العلوم الشرعية والطبيعية والطبية وغيرها. كما أنهم لم ينسبوا لأنفسهم حق ابتداء التشريع ألبتة، بل هم يؤكدون دومًا أن (لا مساغ للاجتهاد في مورد النص) (٢).
وبالتالي فحالة الخصومة بين رجل الدين والمثقف إن افترضنا أن لها ما يبررها في التاريخ الأوروبي، فإن استصحابها في دين المسلمين وثقافتهم لا يجد له من شواهد التاريخ ما يؤيده ويسانده. حتى الذين ذهبوا لافتعال شواهد تاريخية ما يؤيده ويسانده. حتى الذين ذهبوا لافتعال شواهد تاريخية تتمثل في صراع المعتزلة مع أهل السُّنِّة في مسألة خلق القرآن نسوا أو تناسوا أن المعتزلة لم ينسبوا أنفسهم إلى غير المرجعية الدينية،
стр. 154
وإن كان أهل السُّنِّة يحكمون عليهم بأنهم أخطأوا في مصادر ومناهج الاستدلال لعقائدهم وآرائهم.
وما يقال هنا في شأن المثقف الذي يتنكر لدين الإسلام وشريعته يقال أيضًا في بعض المثقفين الذين لا يتنكرون لهويتهم ودينهم ولكنهم يسلكون مسلكًا توفيقيًا بحيث ينتقون من مقاصد الدين وغاياته ما يرونه متلائمًا مع المرجعيات الأجنبية التي يسمونها: (روح العصر وحضارته) أو (مرجعية الواقع) (١)، ثم يعودون على أحكام الشريعة بالانتقاء والتأويل بالرد إلى هذه المقاصد المنتقاة، مع الإزراء بالفقهاء الذين لا يعتنون بالمقاصد حق العناية وتقتصر عنايتهم على التفاصيل والجزئيات.
إن المقاصد التي يتحدث عنها هؤلاء إنما عرفت باستقراء ما يدعونه بالتفاصيل والجزئيات كما عرف في أبواب طرق كشف مقاصد الشارع، ولكن ما وقعوا فيه من الانتقاء الفروعي أفضى بهم إلى الانتقاء على مستوى المقاصد والأصول، فإن الشريعة كلٌّ واحد في فروعها وأصولها ومقاصدها، وإذا ما اختار إنسان أن ينتقي منها ما يراه متفقًا مع (روح العصر وحضارته) فإن هذا الانتقاء لن يظل على مستوى الفروع فحسب، ونقاش مثل هؤلاء ينبغي ألا يقتصر على الفروع، بل لا بد أن يشمل المقاصد التي يدعون فهمها واحتكارها؛ لأن سلوك سبيل الانتقاء يُخِلُّ بمنهاج
стр. 155
الشريعة وانتظامها، وإذا خرج إنسان بالشريعة عن انتظامها خرج بها إلى الفوضى، والفوضى لا ضابط لها وكل ما يفترضه من الضوابط سينازعه عليه آخرون حتى لا يبقى من الشريعة إلا اسمها.
إن المثقف المسلم لا بد أن يستمد تصوراته ومفاهيمه ومنطلقاته من الدين والشريعة حتى يكون مثقفًا مسلمًا، أما إذا هيمنت عليه عاطفة دينية صادقة مع مبادئ أجنبية غريبة فهو ممن يصدق عليهم وصف أبي الأعلى المودودي (ت ١٣٩٩ هـ) بأن (القلوب مسلمة، ولكن الأذهان غير مسلمة) (١).
والعلاقة بين المثقف والفقيه لا بد أن تكون قائمة على التكامل والتوافق؛ لأن مرجعيتهما واحدة وأصولهما متفقة وإن كانت وظيفتهما مختلفة، فالفقيه معنيٌّ ببيان الأحكام ونسبة الأفعال إلى الحل أو الحرمة بمستوى من المستويات، وأما المثقف فهو معنى بتحليل الظواهر ووصفها ليتمكن الفقيه من أداء وظيفته (٢). أما ما قد يحصل من خلاف بينهما بعد اتفاق الأصول فهو مما قد يقع مثله بين الفقهاء أنفسهم، والتعامل مع هذا الخلاف يتم وفق ما وضحه وبينه العلماء في قواعد وآداب إدارة الخلاف.
يقول الشيخ محمد البشير الإبراهيمي (ت ١٣٨٥ هـ): (وقد
стр. 156
كانت الحالة قبل أعوام أدهى وأمر مما هي الآن، إذ كان أمر الدين في الأمة موكولًا إلى طائفة من الفقهاء الجامدين، لا يفهمون من حقائق الدين ولا من أسراره شيئًا ولا يعلمون من لغته إلا قشورًا، فكانوا يسيئون الظن بالمثقفين ثقافة أوروبية ويحكمون عليهم بالخروج من الدين ويشوهون سمعتهم عند الأمة. يتولد من ذلك في نفوس جمهور الأمة نفور مستحكم منهم وسوء ظن بأعمالهم، وذهب خيرهم في شرهم وحقهم في باطلهم، فلا يرضون على أعمالهم ولو كانت صالحة لقيام التهمة، ولا يثقون بأقوالهم ولو كانت سديدة لعروض الشبهة. ولكن منذ قامت الحركة الإصلاحية على أيدي رجال مثقفين ثقافة إسلامية حقيقية عالية، عارفين بمقتضيات الحياة في كل عصر قادرين على تطبيق الدين مع الاجتماع مع الحضارة، عارفين بأقدار الرجال وقيم معارفهم، مطلعين على أسباب التقدم والانحطاط، مشاركين في معارف العصر، وناهيكم بإمام النهضة الجزائرية عبد الحميد بن باديس ﵀، فمنذ ذلك الحين خفت تلك النزعة البغيضة بخذلان الداعين إليها، وتولد في الأمة شعور جديد بقيمة المثقفين بالثقافة الأوروبية وبأنهم من أبناء الأمة، وأن الواجب الانتفاع من آرائهم والاستفادة من مواهبهم) (١).
стр. 157
الفصل الرابع
تأهيل الفقيه
١ - إصلاح التعليم.
٢ - إصلاح التأليف.
٣ - المذاهب الفقهية.
стр. 158
١ - إصلاح التعليم
((الدراسة صلاة)).
ابن مسعود
[جامع بيان العلم وفضله، ابن عبد البر، باب تفضيل العلم على العبادة: ٩٤]
((ليكن أول ما تبدأ به من إصلاحك بنيَّ إصلاحك نفسك، فإن أعينهم معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما استحسنت والقبيح عندهم ما استقبحت)).
عتبة بن أبي سفيان [البيان والتبيين، الجاحظ: ٢/ ٧٣]
((يا بنُيَّ اطلب العلم وأنا أكفيك من مغزلي، يا بني إذا كتبت عشرة أحاديث فانظر هل ترى في نفسك زيادة في مشيتك وحلمك ووقارك فإن لم تر ذلك فاعلم أنه يضرك ولا ينفعك)).
من وصية أم سفيان الثوري لولدها [تاريخ جرجان، السهمي: ٤٤٩]
((من هنا يعلم أن إطلاق اسم المدرس على المقتصر على نقل تقاييد الرسالة والمدونة، من غير فتش ولا تنزيل ولا كشف واستظهار بغيرها مجاز لاح قيقة، وهذا الوصف كاد أن يعم أهل الوقت أو عمهم، فنسأل الله العظيم المغفرة من التطفل وتعاطي ما ليس في المقدور)).
[أزهار الرياض، الشهاب المقَّري: ٣/ ٣٥]
((ومذاكرة حاذق في الفن ساعة أنفع من المطالعة والحفظ ساعات بل أيامًا)).
[شرح النووي على صحيح مسلم: ١/ ٤٨]
стр. 159
صلاح الأمة مرهون بما تختزنه من الفضائل الاجتماعية، وسبيل رسوخ هذه الفضائل في الأمم إنما يكون بطريق التربية والتعليم، وإصلاح التعليم مدخل إلى سائر الإصلاحات النافعة والتدابير التي تنهض بالأمة وتقودها إلى سبيل الرشاد، فالتعليم مدخل للاجتهاد وبه تتجدد الأمة وتعيش زمانها وتنبض الحياة في علومها ومعارفها، لتكون في عداد الأمم الحية المؤثرة في العالم. ومن أهم المهمات للأمة التي تتوخى درب النهضة الراشدة والحياة الكريمة أن تنظر في تعليمها وسبل إصلاحه وتطويره، فإن من طبع التعليم أن يكون متجددًا لأن الحياة متجددة ولا بد للتعليم أن يجاري الحياة، فإذا ما تخلف عن مجاراتها انكفأ على الماضي وجعل من الوسائل غايات وأقام لها الحصون ونصب لها الحُرَّاس، وانقلب العلم عائقًا عن التصورات الصحيحة للواقع بدلًا من قيادة تصورات الواقع إلى الصحة والصواب.
стр. 160
إن الأمة متى كانت في حال عزة ومنعة وقوة كان تعليمها بمثابة الوقود لفاعليتها ونهضتها، وكذلك كان حال التعليم الفقهي في الأدوار الأولى للحضارة الإسلامية، يوم أن كان الفقه حيًا والحياة نضاخة بالأسئلة التي تستفز الفقهاء للبحث والاجتهاد والتجدد، فإن العلم ما لم يُستخرج بالسؤال والحاجة له فإنه ينسى، وقد قال عروة بن الزبير (ت ٩٤ هـ) مرةً لابنه هشام: (إني والله ما يسألني الناس عن شيء حتى لقد نسيت) (١)، ولما كانت الحضارة في إقبال والدين في انتشار وامتداد كان الاجتهاد الفقهي في أوجه، وفي تلك الأدوار نهض الأئمة العظام وتأسست المذاهب الكبرى في فهم الشريعة والاجتهاد فيها، وكانت حركة التعليم والتفقه والتفقيه على أحسن أحوالها؛ لأن الفقه كان على أحسن أحواله، ولا يمكن في بدائه التجارب والسنن أن يوجد ذلك النجاح والإبداع في المجال التشريعي ما لم يكن ثمت نجاح وإبداع في المجال التعليمي والتربوي (٢).
أما إذا كانت الأمة في حال ضعف وذلة فلا تكاد تفارقها حالة التخوف والحذر، ومن ذلك خوفها من الإصلاح وتهيبها من دخول الفساد باسم الإصلاح، وقد كان المتعين المبادرة إلى الإصلاح يدافع من الذات فإن الإصلاح أمر لا بد منه ولا محيد عنه، والتخوف من كل مبادرة إصلاحية لا تزيد الداء إلا تجذرًا
стр. 161
وتمكنًا، وهناك شواهد كثيرة تدل على أن مساعي الإصلاح في مجال التعليم الشرعي كثيرًا ما يقابلها العلماء بالتوجس والحذر من أن يكون ذلك ذريعة إلى تبديل الدين والعبث بأحكام الشريعة، ومع أن مثل ذلك قد يحدث إلا أن الحل لا يكون موقفًا سلبيًا، بل بمبادرات العلماء إلى الإصلاح وتبصرهم لفساد التعليم وأسبابه وتقديم المصالح العامة على الخاصة والمتحققة على المظنونة، وهذه النزاعات بين من يسمون دعاة التجديد ودعاة المحافظة تستهلك الكثير من الجهد والوقت والمال والعافية، ولو صرف بعضها في الإصلاح المتفق عليه لأفضى إلى خير كثير، وقد جرت في الأزهر والزيتونة وغيرهما حكايات في ذلك يطول منها العجب (١).
إن إصلاح التعليم الفقهي ضرورة ملحة، والحاجة إليه ماسة وعاجلة، والتساهل في ذلك مجلبة لفساد الأحوال؛ لأن الدين قوة متجذرة في بلاد المسلمين ووجدانهم وطبائعهم وأخلاقهم، والفقه يمثل حركة هذه الأمة وعطاءها، والفقهاء هم الذين يعلمون الناس ويوجهون مسارات التدين فيهم، فإذا لم يكن الفقهاء بالقدر الذي يؤهلهم لتلك الوظائف وقلَّ الفقه فيهم فذلك إيذان بالخراب. وهذا الخراب لن يعود على الفقهاء وحدهم بل إن المجتمع كله سيتجرع مرارته وغصصه، كما أن المجتمع كله مسؤول عن دفع حالة الفساد هذه ورفعها؛ لأن الفقه الحق يحمل
стр. 162
الناس على سنن التوسط والانحراف عنه بالغلو أو بالجفاء يسبغ المشروعية على أشكال مجافية لحقائق الشريعة، ورسوخ مثل هذه المفاهيم له آثاره الوخيمة على المجتمع.
لقد كانت البيئة التي نشأ فيها الفقه في أدواره الأولى بيئة ولادة تعين المتفقه وتدعم الفقيه، بحيث تنبعث في الناس النُّهمة لطلب العلم والحرص على الفقه في الدين، وما أكثر ما نجد في تراجم أئمة الفقهاء الدعم النفسي والمادي الذي يتلقونه من أبويهم لأجل الانشغال بالتعلم والتفقه (١)، كما أن البيئة الاجتماعية برمتها كانت مشجعة على ذلك ومحفزة له، فسوق العلم رائجة، وللفقه رونقه وبهاؤه، والأوقاف تتكفل بدعم المدارس والمعلمين والطلبة (٢). وفي حالة ضعف الدعم المادي فإن النفوس يقوم بها من الدافع الذاتي ومحبة العلم ما يحملها على التعلم مع ضيق الحال، ويعبر عن هذا ابن سعيد المغربي (ت ٦٨٥ هـ) فيما ينقله عنه الشهاب المقري (ت ١٠٤١ هـ) فيقول: (وأما حال أهل الأندلس في فنون العلوم فتحقيق الإنصاف في شأنهم في هذا الباب أنهم أحرص الناس على التميز، فالجاهل الذي لم يوفقه الله للعلم يجهد أن يتميز بصنعة، ويربأ بنفسه أن يرى فارغًا عالةً على الناس؛ لأن هذا عندهم في نهاية القبح، والعالم عندهم معظّم من الخاصة والعامة، يشار إليه ويحال عليه، وينبه قدره وذكره عند
стр. 163
الناس، ويكرم في جوار أو ابتياع حاجة وما أشبه ذلك. ومع هذا فليس لأهل الأندلس مدارس تعينهم على طلب العلم، بل يقرؤون جميع العلوم في المساجد بأجرة، فهم يقرؤون لأن يعلموا لا لأن يأخذوا جاريًا، فالعالم منهم بارع لأنّه يطلب ذلك العلم بباعث من نفسه يحمله على أن يترك الشغل الذي يستفيد منه، وينفق من عنده حتى يعلم، وكل العلوم لها عندهم حظ واعتناء) (١)، بل لقد كان بعض فقهاء المغاربة يرى أن بناء المدارس فيه إفساد للتعليم؛ لأنه قد يتصدر فيها غير الأكفاء بالتوارث والرئاسات والحرص على الجرايات والأوقاف لا على العلم والتعليم (٢).
وقد كان الفقيه في تلك البيئة الحية في أدوار الفقه الأولى تثبت أهليتُه من خلال تميزه وجدارته لا من خلال تعيين رسمي أو وراثة لمنصب علمي، وربما حاز شهادة تميزه من شيوخه في العلم والفقه فأحالوا إليه وأرشدوا إلى الأخذ عنه.
كان أبو هريرة ﵁ يقول: تسألوني وفيكم عمرو بن أوس؟ (٣).
وقدم ابن عمر ﵁ مكة فسألوه فقال: تسألوني وفيكم ابن أبي رباح؟ (٤).
وكان ابن عباس ﵁ يقول لأهل البصرة: تسألوني وفيكم
стр. 164
جابر بن زيد؟ (١)، وسأله رجل مصري عن مسألة فقال ﵁: تسألوني وفيكم ابن حجيرة؟ يعني: عبد الرحمن بن حجيرة الخولاني (٢)، وكان ﵁ بعدما عمي إذا أتاه أهل الكوفة يسألونه قال: تسألوني وفيكم ابن أم دهماء؟ يعني: سعيد بن جبير (٣).
وسأل سائل عطاء بن أبي رباح عن مسألة فقال: ممن أنت؟
فقال: من أهل البصرة، فقال عطاء: تسألوني وفيكم قتادة (٤).
واستفتى رجل سعيد بن جبير فقال: أتستفتوني وفيكم إبراهيم؟ يعني: النخعي (٥).
وهذه العناية الظاهرة بالعلم والفقه نتيجة لمعرفة أثر الفقه في المجتمع والحياة واستحضار ما يترتب على كفاءة الفقيه وعدم كفاءته من الأحوال الصالحة والفاسدة، ولذا فقد كان أهل العلم يشددون في شرط الأستاذ والطالب على حدٍّ سواء، ويؤكدون على أهمية التزام منهجية منضبطة في التفقه والتعلم يتلقاها المتفقه عن الشيوخ الأكابر الذين يتعاهدون ملكة الفقه في نفوس طلابهم ويرعونها حتى تنضج وتعود كالخلق الراسخ فتمتد بذلك أسباب الوراثة العلمية الراشدة (٦).
стр. 165
لقد كان العلماء يشددون في شرط المدرس ويشترطون له الشروط والصفات والمؤهلات الصعبة ويعقدون له امتحانات التدريس (١)؛ وذلك لعلمهم بخطورة هذه الوظيفة ومدى ما يترتب عليها من النفع والضرر العام (٢). وجاء في سيرة سحنون (ت ٢٤٠ هـ): أنه كان يعزل الصفرية والإباضية المغيرية أن يكونوا أئمة للناس أو معلمين لصبيانهم (٣).
ومن أعظم شروط المعلم حسن خلقه وموافقة عمله لعلمه، فإن قوام الأمة بأخلاقها وإذا ضعفت الفضيلة في معلميها أسرع الداء إلى عامتها، وإذا ذهب وقت التعليم عن الطلبة ولم يتلقوا فيه فضائل الأخلاق فمن العسير أو المتعذر تلقينها لهم من بعد (٤). وهذه الأخلاق الزاكية متى اجتمعت مع العلوم الراسخة أثمر ذلك معنى البركة في العلم والتعلم، وامتد أثر ذلك إلى ملاقاة التعليم لغاياته ومقاصده، وقد ذكر في ترجمة الفقيه الحنبلي
стр. 166
ابن سطور البرزبيني (ت ٤٨٦ هـ): أنه كان (مبارك التعليم، لم يدرس عليه أحد إلا أفلح وصار فقيهًا) (١). والفقهاء الربانيون لا يتخذون من تعليم الفقه حرفة أو مهنة أو مصدرًا للكسب، بل هي لديهم رسالة وأمانة وعهد وميثاق متصل بالنبي الأعظم ﷺ ، ولذا فهمتهم مجتمعة على أن يفقه الناس عنهم ويتلقوا ما لديهم من العلم فيعملوا به فتصلح به أحوالهم، وقد كان الإمام الشافعي (ت ٢٠٤ هـ) يقول لتلميذه الربيع بن سليمان: (يا ربيع لو قدرت أن أطعمك العلم لأطعمتك إياه) (٢)، وكان القاضي أبو يوسف يقول لأصحابه: (لو استطعت أن أشاطركم ما في قلبي لفعلت) (٣).
стр. 167
من عجائب هذا الزمان أن الكثير من أهله يشكون فشوَّ الضعف في الذين يتولون الوظائف والخطط الدينية من إفتاء وقضاء وتعليم ووعظ وسوى ذلك، ويتذمرون من فساد التصورات والأحوال الذي ينشأ من ذلك الضعف، ومع ذلك فتنتشر في الناس قناعة مفادها أن الكليات والمعاهد الشرعية والإنسانية بوجه عام هي كليات من لا كلية له، وأن الدراسة فيها ميسَّرة وسهلة أو يجب أن تكون كذلك على أقل تقدير، واجتماع هاتين الحالتين المتناقضتين من العجائب، فإننا إذا تيقنا الأثر الكبير لكفاءة الفقيه وأهليته في صلاح الحياة العامة فإن من اللازم الشرعي والعقلي أن يشدد في شرط الذين يهيأون لهذه الوظائف، وإذا كان الناس يشددون في شرط الطبيب الذي يعالج الأبدان فإن التشديد في شرط الفقيه الذي يسهم في تشكيل التصورات العامة للمجتمع أولى وأحرى. وما طول شكوى الناس من بعض الوعاظ والأئمة والمفتين غير المؤهلين لهذه الوظائف إلا ثمرة من ثمرات التساهل في هذا الشرط أول مرة.
стр. 168
لقد كان شرط الفقيه عند العلماء فيما مضى صعبًا لعلمهم بعظم مسؤوليته، والواقع يشهد أنه كلما جرى التشديد في شرط الفقيه كانت الأحوال العامة أصلح وأسد، ومتى جرى التساهل فيه ساءة الحال تبعًا. ومن صور هذا التشديد ما حكاه الونشريسي (ت ٩١٤ هـ) في فتاوى بعض علماء المغرب أن الدارس إذا سكن في المدرسة عشرة أعوام ولم تظهر نجابته أخرج منها جبرًا لأنه يعطل الحبس (١).
فالتعلم والتفقه عندهم لم يكن أمرًا شكليًا خاضعًا لإجراءات ورسوم محضة، بل كان تعليمًا مصحوبًا بالتدريب الفقهي الذي يتأكد من فهم المتفقه واستيعابه، كما ينمي الملكة في نفس التلميذ ويتعاهدها ويختبرها. قال حماد بن أبي سليمان (ت ١٢٠ هـ): (كنت أسأل إبراهيم عن الشيء فيعلم أني لم أفهمه فيقيس لي حتى أفهم) قال الخطيب (ت ٤٦٣ هـ) معلقًا: (وأحسب أن إبراهيم أخذ هذه الطريقة عن علقمة بن قيس)، وذكر بعده: أن علقمة بن قيس (ت ٦٢ هـ) كان يقول لإبراهيم النخعي (ت ٩٦ هـ): (إذا أردت أن تعلم الفرائض فأمت جيرانك) (٢). وكان لهم تمييز بين المتفقهين وسواهم من حملة العلم، قال أنس بن سيرين (ت ١٢٠ هـ): (أتيت الكوفة فرأيت فيها أربعة آلاف يطلبون الحديث وأربعمائة قد فقهوا) (٣).
стр. 169
ومن أمثلة التدريب الفقهي ما كان يفعله أبو حنيفة (ت ١٥٠ هـ) مع أصحابه في مدارسة المسائل، حيث يذكر في المسألة احتمالًا ويؤيده بالأدلة ثم يسألهم معارضته، فإذا سلموا له نقضه بنفسه حتى يقنعهم بصواب الثاني، ثم يطلب المعارضة فإذا سلموا له نقضه بثالث ثم رجح بينها بأدلة ناهضة (١). وكان أصحابه يتناظرون بينهم ويتطارحون الفقه حتى تعلو أصواتهم. قال سفيان بن عيينة (ت ١٩٨ هـ): (مررت بأبي حنيفة في المسجد وإذا أصحابه حوله قد ارتفعت أصواتهم، فقلت: ألا تنهاهم عن رفع الصوت في المسجد؟ قال: دعهم فإنهم لا يتفقهون إلا بهذا) (٢).
وكان له عناية بالغة بأصحابه، حتى قال الموفق المكي (ت ٥٦٨ هـ): (فوضع أبو حنيفة ﵀ مذهبه شورى بينهم لم يستبد فيه بنفسه دونهم اجتهادًا منه في الدين ومبالغة في النصيحة لله ورسوله والمؤمنين، فكان يلقي المسائل مسألة مسألة يقلبهم ويسمع ما عندهم ويقول ما عنده، ويناظرهم شهرًا أو أكثر حتى يستقر أحد الأقوال فيها، ثم يثبتها القاضي أبو يوسف في الأصول حتى أثبت الأصول كلها) (٣). وكان من ثمرة هذه العناية والاهتمام أن كان هؤلاء الأصحاب محل ثقته حتى قال لهم مرةً: (أنتم مسارُّ قلبي وجلاء حزني، وأسرجت لكم الفقه ألجمته، وقد تركت الناس يطؤون أعقابكم ويلتمسون ألفاظكم، ما منكم واحد
стр. 170
إلا وهو يصلح للقضاء. فسألتكم بالله وبقدر ما وهب الله لكم من جلالة العلم لما صنتموه عن ذل الاستئجار، وإن بلي أحد منكم بالقضاء فعلم من نفسه خربة سترها الله عن العباد لم يجز قضاؤه ولم يطب له رزقه، فإن دفعته ضرورة إلى الدخول فيه فلا يحتجبن عن الناس، وليصل الخمس في مسجده وينادي عند كل صلاة: من له حاجة؟ فإذا صلى العشاء نادى ثلاثة أصوات: من له حاجة؟ ثم دخل إلى منزله، فإن مرض مرضًا لا يستطيع الجلوس معه أسقط من رزقه بقدر مرضه، وأيما إمام غلَّ فيئًا أو جار في حكم بطلت إمامته ولم يجز حكمه) (١). وهذا التعاهد للتلاميذ والحرص عليهم والاهتمام بهم من أعظم أسباب رسوخ الفقه وانتقاله من الأكابر إلى الأصاغر بطريقة منهجية معتبرة، وكانت قدرة الفقيه على تربية طلابه وتعليمهم سببًا في بقاء فقهه وانتشاره.
مرَّ الشعبي (ت ١٠٥ هـ) يومًا بإبراهيم النخعي (ت ٩٦ هـ) فقام له إبراهيم عن مجلسه، فقال له الشعبي: أما إني أفقه منك حيًا وأنت أفقه مني ميتًا، وذاك أن لك أصحابًا يلزمونك فيحيون علمك (٢).
وقد ورث تلامذة أبي حنيفة شيئًا من طريقته في التعليم وصبره على الطلاب، فقد حكى الحسن بن زياد (ت ٢٠٤ هـ) فقال: كنت أختلف إلى زفر (ت ١٥٨ هـ) وإلى أبي يوسف (ت ١٨٢ هـ) في الفقه، وكان أبو يوسف أوسع صدرًا بالتعليم من
стр. 171
زفر، فكنت أبدأ بزفر فأسأله عن المسألة التي تشكل على فيفسرها لي فلا أفهمها، فإذا أعييته قال: ويحك! ما لك صناعة؟ ما لك ضيعة؟ ما أحسبك تفلح أبدًا. قال: فأخرج من عنده وقد فترت واغتممت، فآتي أبا يوسف فيفسرها لي، فإذا لم أفهمها قال لي: ارفق، ثم يقول لي: أنت الساعة مثلك حين بدأت؟ فأقول له: لا، قد وقفت منها على أشياء وإن كنت لم أستتم ما أريد، فيقول لي: فليس من شيء ينقص إلا يوشك أن يبلغ غايته، اصبر فإني أرجو أن تبلغ ما تريد. قال: فكنت أعجب من صبره (١).
إن الفهم ورسوخ العلم في قلب المتعلم هو الثمرة المرجوة بالتعليم لا مجرد حفظ المسائل وعدها، وترتُّبُ الآثار النافعة للفقه موقوف على تشبع الدارس بروح الفقه وفهمه لمسائله لا على مجرد التلقين، وقيام أحوال الناس على قواعد الشريعة المستقرة مفتقر إلى فقهاء مقتدرين متضلعين بروح الشريعة وغاياتها، لا إلى حفظة نصوص فقهية يجمعونها ثم لا يحسنون تنزيلها ويقصرون الفقه عليها وينزعون اسم الفقه عمن خالفها، فيفضي بهم ذلك إلى فساد الدين والدنيا. وإن من أهم ما ينبغي إصلاحه في تعليم الفقه ألا يكون معيار التقويم كميًا فحسب، فيقاس نجاح الدارس بعدد الساعات التي اجتازها أو المقررات التي درسها، بل ينبغي أن تضاف إلى ذلك العناصر التدريبية كالتخريج الفقهي والقياس والترجيح المستند إلى القواعد الأصولية
стр. 172
المعتبرة والتمثيل والاستنتاج والربط والتحليل والجمع والفرق والمناظرة وغيرها من الملكات الفقهية التي من خلالها يعلم مدى فقه الدارس وفهمه وقدرته على الانتفاع بعلمه (١). وهذه الملكات وأشباهها لا تتلقى بالتلقين المحض، بل هي مفتقرة إلى فقهاء يدربون المتفقهين ويربونهم عليها، ولذا قد كان من عادة المتفقهين في الماضي ملازمة الشيوخ وطول صحبتهم متى آنسوا الفائدة من ذلك بالتزود من علومهم وهديهم. قال الإمام مالك (ت ١٧٩ هـ): (كان الرجل يختلف إلى الرجل ثلاثين سنة يتعلم منه) (٢)، وهذا الاختلاف وطول الملازمة لا تغني عنه مطالعة الكتب فإن الملكة قلما تنتقل بذلك، وإذا قال أصحاب التراجم في ترجمة أحد الفقهاء (تفقه بفلان) فإنهم لا يعنون مجرد الدراسة عنده فحسب، بل هم يشيرون بذلك إلى اكتساب الملكة والمهارة، وهذا معنى قول القائل: (كان العلم في صدور الرجال، ثم انتقل إلى الكتب ومفاتحه بأيدي الرجال) (٣). وقد ذكر في ترجمة ابن أبي الخيار العبدري القرطبي (ت ٥٢٩ هـ) أن أبا القاسم بن الحاج قرأ عليه المدونة تفقهًا وعرضًا أعوامًا (٤)، وقال المازري (ت ٥٣٦ هـ) في إشارة إلى تجربة شخصية له في التدريب:
стр. 173
(ورأيت أن أملي تلخيصًا في الفرائض يستقل به الفقيه إذا اقتصر عليه وتدرب في التصرف فيه أغناه عن جميع مسائل الفرائض المستفتي عنها، وقد حفظته لجماعة ودربتهم عليه بإلقاء المسائل فاكتفوا به عن مطالعة الفرائض) (١)، كما يذكر أيضًا أنه كان من الطريقة المتبعة عند الفقهاء أن تقرأ عليهم كتب الحديث لأجل التدريب على كيفية الاستنباط منها، فيقول: (وكثيرًا ما يعول فقهاء الزمان على قراءة من يقرأ كتبهم بين أيديهم، ولكن أكثر فقهاء الزمان كثيرًا ما تقرأ عليهم بعض كتب الحديث ليستمع كلامهم على فقهها، ويتعلم منهم كيفية الاستنباط من أحاديثها) (٢).
ويقول القرافي (ت ٦٨٤ هـ) في تأكيد هذا المعنى وبيان أهميته والتحذير من التساهل فيه: (فإن القواعد ليست مستوعبة في أصول الفقه، بل للشريعة قواعد كثيرة جدًا عند أئمة الفتوى والفقهاء لا توجد في كتب أصول الفقه أصلًا، وذلك هو الباعث على وضع هذا الكتاب لأضبط تلك القواعد بحسب طاقتي، ولاعتبار هذا الشرط يحرم على أكثر الناس الفتوى فتأمل ذلك فهو أمر لازم، وكذلك كان السلف ﵁ متوقفين في الفتيا توقفًا شديدًا. وقال مالك ﵀: لا ينبغي للعالم أن يفتي حتى يراه الناس أهلًا لذلك، ويرى هو نفسه أهلًا لذلك. يريد: تثبت أهليته عند العلماء ويكون هو بيقين مطلعًا على ما قاله العلماء في حقه
стр. 174
من الأهلية؛ لأنه قد يظهر من الإنسان أمر على خلاف ما هو عليه، فإذا كان مطلعًا على ما وصفه به الناس حصل اليقين في ذلك. وما أفتى مالك حتى أجازه أربعون محنكًا؛ لأن التحنك وهو اللثام بالعمائم تحت الحنك شعار العلماء، حتى إن مالكًا سئل عن الصلاة بغير تحنك فقال: لا بأس بذلك، وهو إشارة إلى تأكد التحنيك، وهذا هو شأن الفتيا في الزمن القديم. وأما اليوم فقد انخرق هذا السياج، وسهل على الناس أمر دينهم فتحدثوا فيه بما يصلح وما لا يصلح، وعسر عليهم اعترافهم بجهلهم وأن يقول أحدهم: لا أدري، فلا جرم آل الحال للناس إلى هذه الغاية بالاقتداء بالجهال) (١).
واستحضار مثل هذه المعاني يشعرنا بعلو مرتبة الاجتهاد والفتيا وأنها ليست مخولة لكل أحد ولو درس الفقه بأكمله، فإن الفقه ليس معرفة مجردة بل هو ملكة يزكيها العلم وينميها ويشرف الفقهاء الأكابر على رعايتها ونضجها، والعلماء إذا ذكروا أن الاجتهاد في العصور المتأخرة بات أيسر منه فيما مضى من العصور الأولى (٢)، فإنهم لا يقصدون بذلك أنه صار يسيرًا بإطلاق بل هو بالمحل الأعلى، وقصدهم في ذلك أن الجهود العلمية التي قام بها علماء القرون الأولى من جمع السُّنِّة وتمحيصها واستقراء الأصول والقواعد ذللت الكثير من المصاعب
стр. 175
التي كانت تواجه المجتهدين، ولكن فهم هذه القواعد والأصول بحد ذاتها لا يتم إلا باستفراغ الوسع كما يقول الأصوليون في تعريف الاجتهاد، والاجتهاد نفسه ليس بالسهل الهين الذي يبلغه الإنسان بدراسة كتاب أو كتب، بل هو قلة شامخة تبقى العين دونها حسرى، والكثير من الناس في ذلك بين مفْرط ومفرِّط، والوسط هو الحسنة بين السيئتين (١).
стр. 176
٢ - إصلاح التأليف
((وقد تجد الرجل يطلب الآثار وتأويل القرآن ويجالس الفقهاء خمسين عامًا وهو لا يعد فقيهًا ولا يجعل قاضيًا، فما هو إلا أن ينظر في كتب أبي حنيفة وأشباه أبي حنيفة، ويحفظ كتب الشروط في مقدار سنة أو سنتين، حتى تمر ببابه فتظن أنه من بعض العمال، وبالحرَا ألا يمر عليه من الأيام إلا اليسير حتى يصير حاكمًا على مصر من الأمصار أو بلد من البلدان)).
[الحيوان، الجاحظ: ١/ ٨٧]
((ولا يتمكن من التصنيف من لم يدرك غور ذلك الذي صنَّف فيه)).
الوزير ابن هبيرة
[الذيل على طبقات الحنابلة، ابن رجب: ٢/ ١٥٧]
((فإنك لتنظر الرجل وهو ابن القرن الرابع عشر فتحسه في معارفه وعلمه وتفكيره من أهل القرن التاسع أو العاشر، مما هو معلول لوقوف تقدم التآليف عند الحد الذي تركه الواقفون)).
[أليس الصبح بقريب، الطاهر بن عاشور: ١٤٠]
стр. 177
إصلاح التعليم منوط بأمرين اثنين، أحدهما إعداد المعلم، والثاني تأليف الكتاب، وربما لا يكون من المبالغة القول بأن جودة التآليف وقوتها وفصاحتها وبيانها قد تتدارك من ضعف المعلم ما لا يتداركه المعلم الجيد من ضعف التآليف. فإن قوة الكتاب تجبر المعلم على الارتقاء إلى مستواه، بينما يؤدي ضعف الكتاب إلى ضياع جزء من وقت المعلم الجيد في تصحيحه وتدارك أغلاطه (١).
ومن المفترض أن يقدم بين يدي كل عمل في الإصلاح أن تستبدل مناهج تعليمية جيدة ومناسبة في مضمونها وشكلها بالمناهج التعليمية الرديئة التي يكثر اعتمادها في الكثير من الجامعات والمعاهد الشرعية، فإن الكثير من المناهج التي باتت تعتمد في التدريس في العصور الأخيرة يذهب أكثر وقت الأستاذ والطالب في حل ألفاظها وإدراك محترزاتها، ولو كان هذا الوقت الذاهب يفني في تنمية الملكة الفقهية لهان الخطب، ولكن هذه المؤلفات المنتقدة ضعيفة البيان ركيكة اللغة مختلة التركيب والأساليب، فذهاب الوقت فيها ليس من قبيل ممارسة كتب الفقه المحكمة التي تربي على الاحتراز في العبارة ودقة الصياغة، بل
стр. 178
هو من قبيل تصحيح أخطاء المؤلف وتقويمها، مع أن في كتب المتقدمين ما هو أفصح بيانًا وأغزر علمًا وأكثر بركة وأقل خطأً وأعظم استخراجًا لملكة التفقه في دارسيها (١). يقول الشاطبي (ت ٧٩٠ هـ): (فلذلك صارت كتب المتقدمين وكلامهم وسيرهم أنفع لمن أراد الأخذ بالاحتياط في العلم على أي نوع كان وخصوصًا علم الشريعة الذي هو العروة الوثقى والوزر الأحمى) (٢).
والقصد أن إصلاح التآليف الفقهية من الأهمية بالذروة العالية، حتى إن بعض من تكلم في إصلاح الأزهر ذكر أنه يكاد ينحصر في إصلاح هذه الكتب التي تدرس فيه (٣). مما يجعل من إعداد المناهج الفقهية التي تدرس في المعاهد والكليات الشرعية أمرًا بالغ الأهمية وبالغ الصعوبة في الوقت نفسه؛ لما يترتب عليها من الأثر الذي يتعدى المتفقه إلى المجتمع الذي سيتولى وظائفه الدينية بعد تخرجه، وإذا كانت المناهج التي تلقاها فاسدة لا تلاقي الغاية من التعليم ولا تؤهله لتلك الوظائف ولا تستخرج منه المهارة والملكة فكيف يرجى الصلاح من بعد؟
ولذا فإن أهل العلم ينبهون إلى خطورة التأليف وصعوبته وأنه ليس يحسنه كل أحد، وربما كان العالم حسن الفقه وحسن التعليم وممن يشار إليهم بالبنان غير أنه لا يحسن التأليف، فإن
стр. 179
التأليف صناعة أخرى لها مهاراتها وأدواتها، ولذا قال الشهاب المقَّري (ت ١٠٤١ هـ): (احذر أيها الناظر شرح الله صدري وصدرك أن يقع في نفسك أن عجز هؤلاء السادات عن صناعة التأليف والحذق في التصنيف وعدم الاقتدار على الترجيح والاختيار وعدم القيام بمواد مدارك المحققين والنظار يوجب قدحًا في مناصبهم أو وصمًا في مراتبهم) (١).
وعند التأمل في طرق تدوين الكتب الأولى في مذهب أبي حنيفة نعلم شدة العناية ودقة التحرير في كتابتها، وربما أقاموا في المسألة ثلاثة أيام من المباحثة والنظر قبل تدوينها (٢). وهذه العناية البالغة كانت طريقة معهودة عند الفقهاء، حتى ذكر أن نهاية المحتاج للرملي (ت ١٠٠٤ هـ) قرئت على صاحبها إلى آخرها في أربعمائة من العلماء فنقدوها وصححوها (٣). ومن هنا يعلم أن تأليف المدونات الفقهية من كمالات العلم الذي يصل إليه المنتهي، فهي ثمرة لإعداد الفقيه النابه الذي يعرف كيف يؤلف الكتاب وكيف يدرسه (٤).
ولأجل هذه الدقة في التصنيف فإن العلماء كانوا يحذرون من التسرع في نسبة الأقوال إلى الكتب دون استيعاب مرادات
стр. 180
مؤلفيها، يقول ابن حمدان الحراني الحنبلي (ت ٦٩٥ هت): (اعلم أن أعظم المحاذير في التأليف النقلي إهمال نقل الألفاظ بأعيانها والاكتفاء بنقل المعاني، مع قصور التأمل عن استيعاب مراد المتكلم الأول بلفظه وربما كانت بقية الأسباب متفرعة عنه؛ لأن القطع بحصول مراد المتكلم بكلامه أو الكاتب بكتابته مع ثقة الراوي، يتوقف عليه انتفاء الإضمار والتخصيص والنسخ والتقديم والتأخير والاشتراك والتجوز والتقدير والنقل والمعارض العقلي.
فكل نقل لا نأمن معه حصول بعض الأسباب ولا نقطع بانتفائها نحن ولا الناقل ولا نظن عدمها ولا قرينة تنفيها، فلا نجزم فيه بمراد المتكلم بل ربما ظنناه أو توهمناه، ولو نقل لفظه بعينه وقرائنه وتاريخه وأسبابه انتفى هذا المحظور أو أكثره) (١).
وبإزاء تلك الجهود التأليفية الكبيرة فإننا لا نجد في أكثر الكتب المتأخرة هذه الدرجة من العناية والاهتمام، وهذا ما يدعو الكثيرين إلى المناداة بهجرها والرجوع إلى ينابيع الفقه الأولى وما جرى مجراها مما يجمع بين عمق فقه الأوائل وفصاحتهم وحسن ترتيب المتأخرين واحترازهم، مع وجوب الالتفات إلى أمرين اثنين، أولهما موافقة أغراض المؤلفين في مصنفاتهم وعدم ابتغاء الغرض التعليمي فيما لم يؤلف لأجل التعليم، وثانيهما أن الفقه من شأنه التجدد في مسائله وظروفه، والوقوف عند نتاج عصر معين يقعد بالأفهام عن الأزمنة التي تعيشها، والرجوع إلى كتب