الإصلاح شعار الأنبياء به بعثوا وبه تنزلت الكتب ونصبت الشرائع، وشريعة الإسلام مشتملة على جلب المصالح كلها وعلى درء المفاسد بأسرها، وفيها الخير كله والصلاح كله، وهذه المصالح منها ما يعرفه الذكي والبليد ومنها ما يختص بمعرفته الأذكياء ومنها ما يختص أهل العلم والإيمان بمعرفته كما قال الله ﷻ : ((والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا))، فإن العالم المؤمن يهتم بمعرفة حكم الله وشرعه فيكون بحثه أتم واجتهاده أكمل، كما أن العالم المؤمن يوازن بين المصالح والضروريات فلا يأخذه الالتفات إلى أحدها والانشغال به عن بقية المصالح، فإن من الناس من يلتفت إلى مصالح الدنيا ويهمل مقاصد الآخرة مع أنها مقدمة عليها، ولذا شرع الجهاد مع ما فيه من فوات مصالح الدنيا. وقد فصَّل الفقهاء في مراتب المصالح وأفاضوا في دقائق قواعد الموازنات والمفاضلات، والمصالح في جملتها ترجع إلى خمسة مصالح وهي الدين والنفس والعقل والعرض
стр. 37
والمال، وقد جاءت الشريعة بحفظ هذه المصالح من جهة إقامتها وإنشائها ومن جهة حراستها والحفاظ عليها، وتفاصيل الفقه وفروعه ترجع مآلاتها إلى هذا المعنى (١).
وهذه المصالح لا تنافي قضايا العقول ولا تأتي بما يخالفها، فإن هذه الشريعة الخاتمة شريعة كمال وجمال وما جاء فيها من الشرائع فهي شرائع موافقة لمصلحة البشر وفيها الرحمة والخير والنعمة التامة. قال القرطبي (ت ٦٧١ هـ) في قول الله تعالى: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣]: (أي: بإكمال الشرائع والأحكام) (٢) ولئن شرع الله ﷻ على بعض الأمم شرائع فيها عنت ومشقة على سبيل العقوبة لهم، فإن هذه الأمة أمة مرحومة لم يكلفها الله تعالى فوق طاقتها ولم يحمل عليها إصرًا كما حمله على الذين من قبلها ولم يشرع لها إلا ما فيه مصلحتها ونفعها في الدنيا والآخرة (٣)، وأما ما قد يعرض لبعض العقول من الاعتراض على بعض الشرائع فإن وقوع هذا لا بد منه، فإن الفساد يتطرق إلى العقول كما يتطرق إلى الأبصار والأسماع فيرى الشيء بخلاف ما هو عليه.
قال مسكويه (ت ٤٢١ هـ): (ليس يجوز أن ترد الشريعة من قبل الله تعالى بما يأباه العقل ويخالفه، ولكن الشاك في هذه
стр. 38
المواضع لا يعرف شرائط العقل وما يأباه، فهو أبدًا يخلطه بالعادات ويظن أن تأبِّي الطباع من شيء هو مخالفة العقل. وقد سمعت كثيرًا من الناس يتشككون بهذه الشكوك وحضرت خصوماتهم وجدالهم فلم يتعدوا ما ذكرته) (١).
والفقهاء في ممارساتهم الفقهية المختلفة يتدربون ويتفقهون على إدراك المصالح واعتبارها، وهذه المصالح التي يتطلبونها مصالح بينت الشريعة أصولها وسبل الاهتداء إليها، ولئن اختلفت القوانين الحديثة في المرجعية المعيارية التي تبني عليها القوانين فإن مبنى هذه الشريعة على محكمات الدين وأصوله، وهذا ما يعصم مسار الإصلاح بعمومه من المتاهات التي ضلت فيها عقول الذين لا يؤمنون بالدين ولا يحتكمون إلى شرع الله وأمره، فإن صحة التصورات ومتانة البناء الأخلاقي ورسوخه قاعدة تبتني عليها الأحكام والشرائع، وأهدى العقول هي العقول التي تتصالح مكوناتها الاعتقادية والأخلاقية والقانونية، وشريعة الإسلام أقوم الشرائع في هذا وأعدلها؛ لأنها شريعة الله الذي له الخلق والأمر، والذي فرض أمره ونهيه على مقتضى ما أجرى به خلقه من السنن، وجبل عليه الناس من الطبائع (٢).
إن طبيعة الفقه طبيعة إصلاحية، وهو لا يكتفي بالفعل
стр. 39
السلبي كحال القوانين التي تفصل بين الناس عندما يتنازعون ويتخاصمون، بل يمارس دوره الإيجابي الفعال في الإصلاح، وكذلك الدولة التي تقوم بالشريعة فإنها ليست ذات غاية سلبية بحيث تقتصر مهمتها على حماية الناس من العدوان وحفظ حرياتهم أو الدفاع عن الدولة نفسها، بل غاية الدولة في الإسلام إيجابية تدعو إلى الخير وتنهى عن الشر وتتمثل قول الله ﷻ : ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج: ٤١] (١). وإطلاقات الفقهاء في أن من أغراض الخلافة أو الإمامة أو الدولة حراسة الدين (٢)، ليس مقصودهم منها الجانب السلبي للحراسة والمفهوم السلبي للدولة بقصر وظيفتها على الرعاية والتمكين، بمعنى حماية الحريات الفردية بمفهومها التقليدي وتمكين الأفراد من ممارستها وفق ما تمليه عليهم رغباتهم، فإن مفهوم الدولة ووظائفها في الإسلام يؤخذ من الشريعة ذاتها، ومن ذلك حراسة الدين بحفظه ونشره والدعوة إليه وإنفاذ شرائعه، واستخدام القوة في تحقيق هذه المقاصد العليا، وهذه جوانب إيجابية توضح رسالة الدولة وغايتها الإصلاحية في الإسلام، حيث تقيم المجتمع كله على أسس إسلامية في الحكم والإدارة والسياسة، وفي العلوم والفنون والآداب، وفي الاجتماع والاقتصاد (٣).
стр. 40
إن الإصلاح في الإسلام إصلاح شمولي، ولا يمكن الفصل في منهاج الشريعة بين إصلاح الإنسان وإصلاح الدين وإصلاح العلاقة مع الله ﷻ ، والرؤى التي تحاول الفصل هي رؤى متأثرة بمفاهيم أجنبية للإصلاح لا يتم بها الصلاح الحقيقي، ولذا فإننا نلحظ أن الإصلاح فيها يشتمل على نوع من الفساد يلازمه أو يقتضيه، وتظل فلسفات البشر تلاحق متوالية الفساد هذه في غفلة عن القانون الرباني الذي لا يجري الصلاح التام إلا به.
يشير إدغار موران في كتابه ((هل نسير إلى الهاوية)) إلى أن هناك صلة متينة لا تنفك عراها بين المسلسلات السالبة والمسلسلات الموجبة، فالتوحيد التقني والاقتصادي الذي أحدثه الغرب يؤدي على الصعيد العام إلى تشرذم وعنصرية، والليزر يقتل ويشفي، والتقنيات المتناهية في الصغر تبشر وتنفر، والتقدم العلمي أدى إلى إنتاج السلاح النووي وانتشار أسلحة القتل الجماعي، وعولمة السوق الاقتصادية صنعت جزرًا صغيرة للثراء والرخاء توازيها مناطق للبؤس تتكون في مدن الصفيح حول التجمعات السكنية في أنحاء المعمورة، بالإضافة إلى تفكك أشكال التكافل التقليدية وتفشي الفساد والجريمة والمخدرات، فتزوال أشكال من التعاسة البشرية لتخلفها أشكال أخرى، وتحدث أشكال جديدة من الاحتقار لتخلف أشكالًا قديمة منه (١).
стр. 41
ويتساءل هشام جعيط: (القاهرة مدينة يحلو فيها العيش أكثر من نيويورك أو لوس أنجلس. لكن الإشكال الكبير هو التالي: إذا ما نمت بلداننا وصارت في مستوى أوروبا مثلًا، ألا يقع تغيير في تضامن العائلة وتستفحل الفردية كما في أوروبا وأكثر من ذلك في أمريكا؟ ألم تكن الحضارة الغربية قبل حينٍ هي أيضًا متضامنة محترمة للشيوخ والآباء ثم تطورت إلى القسوة والفردانية؟ هذا ما أراه محتملًا فيما يخصنا؛ أي: أن تأخرنا يحمينا في بعض الجوانب، لكن لن يقينا تقدمنا مما جرى في الغرب) (١).
وهذا الإشكال الذي يسميه كبيرًا مشكل جدًا؛ لأنه يتعامل مع الإنسان تعاملًا ميكانيكيًا موغلًا في المادية ويستبعد الفروقات الدينية الإيمانية من التأثير. وربما حصل شيء من هذه النتائج المتشابهة أو كثير منها ولكن علينا أن نتذكر جيدًا أن هذه التأثيرات لا تجري في مجتمعات تحكمها الشريعة بل في مجتمعات أقصيت الشريعة فيها عن الحكم، ومن الطبيعي أن ينتقل الفساد إذا وجدت أسبابه، ولكن هذا لا يعني أن هذه حتمية وصيرورة جبرية لا بد منها، فإن هذه آثار للعلمانية لكنها ليست آثارًا للإسلام.
لقد عبر محمد أسد (ت ١٩٩٢ م) عن مخاوفه من أن يزول الاستقرار والتماسك الروحي الذي شاهده في بلاد العرب عندما تجتاحها المؤثرات الأوروبية (٢)، وقد تحقق بالفعل جزء من تلك المخاوف، ولكن كل هذا يجري في بيئات غرس الاحتلال
стр. 42
الأوروبي فيها الشتات والتمزق والضياع من خلال إحلال أنظمته وقوانينه فيها، أما حين تعود إلى ذاتها وشريعتها فسيعود إليها استقرارها وتوازنها وتكامل مكوناتها.
إن الذين يقيسون مفاهيم الفقه والحضارة الإسلامية ويحاكمونها إلى مفاهيم فلاسفة السياسة الغربيين يتجنون عليها كثيرًا ويخطئون في فهمها ولا يتصورون مدى الفرق بين المنهج الإسلامي والرؤية الغربية للإنسان والدين والحياة، ولا يدركون الأثر الكبير للحقائق والمفاهيم الإسلامية العملية كـ: (الزكاة) و (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) و (النفقات) و (الأوقاف) و (الاحتساب) و (البر) و (الصلة) وغيرها من الأسماء والحقائق الشرعية التي لها بالغ الأثر في حياة المسلمين. ويخطئون أيضًا عندما يتصورون أن للتقدم والتطور والحضارة صيرورة لا تتخلف ولا تختلف، مع أن المسلمين صنعوا حضارة عظيمة وكانوا مؤمنين في الوقت نفسه. لقد نظر هؤلاء إلى التصور الغربي لمفاهيم مثل: (الدولة) و (الحضارة) و (التقدم) فجعلوا منها قيمًا مطلقة عالمية مع أن جزءًا كبيرًا مما تتكون منه هذه المفاهيم مختص بالذين أنتجوها.
إن مفهومًا كمفهوم (النهي عن المنكر) أو (الاحتساب) أو (النصيحة) على سبيل المثال لهو من المفاهيم المؤثرة في تحقيق الصلاح، وثمت فرق كبير بين المجتمع والحضارة التي تشتمل على هذا المعنى والمجتمعات الذي لا تشتمل عليه، وعند النظر في تاريخ المسلمين نلحظ: أن الاحتساب كان شعيرة إصلاحية عامة في شتى المجالات دون أن يقتصر على الشعائر التعبدية أو
стр. 43
منكرات اللباس والمظهر أو أي مجال آخر محدود، فإذا أضيف إلى ذلك الإيمان بما وعد الله به المؤمنين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر من الحياة الطيبة والمعاش الصالح فإننا نعلم شيئًا من الفرق بين بيئة مؤمنة وأخرى كافرة (١).
لقد شرع الله ﷻ لنا من الدين ما فيه الصلاح التام لأحوالنا، وشرط تحقق النتائج بتمامها أن نمتثل لشروطها، فإن الفقه لن يؤتي ثماره التامة ما لم يُفعَّل في بيئته، أما إذا عزلناه عن التأثير وأقمنا له المجامع والمؤتمرات والفعاليات دون تكوين وتوليد وترسيخ آليات لتطبيقه في كافة شؤون الحياة فإننا لن ننعم بآثاره، ولا يعني ذلك أنه لن يجدي نفعًا ألبتة فإنه خير على كل حال، ولكن تمام هذا الخير في امتثال شروطه.
يقول الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ): (فلو أن قومًا غير مسلمين عملوا في سيرتهم وشؤون رعيتهم بمثل ما أمر الله به المسلمين من الصالحات بحيث لم يعوزهم إلا الإيمان بالله ورسوله، لاجتنوا من سيرتهم صورًا تشبه الحقائق التي يجتنيها المسلمون؛ لأن تلك الأعمال صارت أسبابًا وسننًا تترتب عليها آثارها التي جعلها الله سننًا وقوانين عمرانية، سوى أنهم لسوء معاملتهم ربهم بجحوده أو بالإشراك به أو بعدم تصديق رسوله يكونون بمنأى عن كفالته وتأييده إياهم ودفع العوادي عنهم، بل يكلهم إلى أعمالهم وجهودهم على حسب المعتاد) (٢).
стр. 44
لقد كانت سيرة الأئمة الفقهاء مثالًا حيًا ونموذجًا قائمًا على دعاة الإصلاح الذين يتمثلون الإصلاح في أنفسهم ثم يسعون بما حولهم نحو الصلاح، ولم تكن جهودهم الإصلاحية مقتصرة على التعليم والنصح والوعظ والتوجيه، بل كانوا يتولون المهام الإصلاحية المتنوعة على أكمل وجه، ولأجل هذا أحبهم الناس وكانت لهم عندهم تلك المكانة والوجاهة لما عاينوا من آثارهم الحميدة، فقد كانوا رعاة للمحرومين وحماة لهم، وأمناء على أموال الصدقات، وعرفاء على الأعمال العمومية، وكانوا يبذلون جاههم لخدمة الناس والشفاعة لهم عند أصحاب النفوذ، ويشعرون بالمسؤولية نحو الإنسان البسيط، وكانوا مفزعًا للضعيف والمظلوم وذي الحاجة (١).
وعند تتبع سير الفقهاء لا نجد مساعيهم في الإصلاح
стр. 45
مختصة بنوع أو مجال محدد كالمجال الديني على سبيل المثال، بل كانت مساعي متنوعة في السياسة والاجتماع والاقتصاد والثقافة والأخلاق. فجهودهم في إصلاح اعتقادات الناس وتصوراتهم مشهورة ومستفيضة، ومن أمثلتها المشتهرة موقف الإمام أحمد (ت ٢٤١ هـ) في فتنة القول بخلق القرآن ومقامه الكبير فيها، وهذا الموقف وغيره يدل على حرص الفقهاء الشديد على الحفاظ على صلاح التصورات العامة لما يتبني عليها من آثار عميقة في الواقع، فأعمال العاملين تجري على حسب معتقداتهم وأفكارهم، ولذلك كان من أسلوب الإسلام في الأمر بالأعمال الصالحة والنهي عن أضدادها أن يبتدئ بإصلاح العقائد والتصورات (١).
ومن أمثلة ذلك أن الفقيه المالكي أبا عبد الله الحفار (ت ٨١١ هـ) سئل عن قراءة كتب الوعظ في المساجد فقال: (يشترط في ذلك أن يكون الواعظ من الكتاب أو مما يلقيه الواعظ من حفظه أن يكون صحيحًا لا ترده القواعد العلمية؛ لأن الكتب الموضوعة في الوعظ قد اشتملت على باطل كثير وعلى أمور شنيعة ومناكر فاحشة تضاف إلى الرسل والأنبياء، وعلى قصص باطل ترده القواعد العلمية، فمن أخذ في هذه الطريقة فليتخير ما يحفظ إن كان يعظ من كتاب، وهذا يحتاج إلى حظ وافر من الطلب) (٢)، واهتمام الفقهاء بهذا تغني شهرته عن الإفاضة فيه،
стр. 46
فقد كانوا موجهين للجماهير بمختلف شرائحهم الاجتماعية؛ لأن الفقه هو مادة التدين وهو شديد الحضور في المجال التربوي للأمة المؤمنة، وهذا ما يجعل من مركزهم شديد الخطر في الموقف الإصلاحي (١).
وكان للفقهاء كذلك الدور الأكبر في الإصلاح الاجتماعي على مستوى الأسرة أو ما هو فوقها من الروابط الاجتماعية المختلفة، وفي إصلاح العادات والأخلاق الاجتماعية وتهذيبها، وكان هذا الإصلاح بالمخالطة والوعظ والتأديب والتربية والنصيحة المباشرة لا بمجرد التصنيف في الآداب والأخلاق
стр. 47
النظرية فحسب كشأن الفلاسفة، بل هم مخالطون للناس ومتصلون بكافة الشرائح الاجتماعية، مما يجعل لكلمتهم عميم النفع وكبير الأثر (١).
وأما دور الفقهاء في الإصلاح السياسي فقد تقدم بيانه وأمثلته أكثر من أن تحصى، سواء كان دورًا بالمعنى الإيجابي أو بالمعنى السلبي، وقد تقدم ذكر مثل هذا، وكان دورهم في إصلاح السياسة يتراوح- كما سيأتي بيانه-بين المشاركة فيها أو المعارضة لها أو ممارسة الضغوط الإصلاحية دون مشاركة، وكان لهذه المواقف أثر كبير على الأمراء والسلاطين، وفي التاريخ شواهد جمة تدل على ذلك، والكثير من هذه المواقف لا تدل على مشاركة الفقيه فحسب، بل تدل على اشتهار طائفة الفقهاء بهذا بحيث إنهم غدوا ملجأً للناس عندما تضيق بهم الحال، ومن أمثلة ذلك أن السلطان عبد الحق المريني (ت ٨٦٩ هـ) ولَّى حاكمين يهوديين على فاس على وجه العقوبة، فشرع اليهوديان في أخذ أهل فاس بالضرب والمصادرة على الأموال واعتز اليهود بالمدينة، فاجتمع الناس عند خطيب القرويين الفقيه أبي فارس عبد العزيز بن موسى الورياكلي (ت ٨٨٠ هـ)، وكانت له صلابة في الحق وجلادة عليه بحيث
стр. 48
يلقي نفسه في العظائم ولا يبالي، وقالوا له: ألا ترى إلى ما نحن فيه من الذلة والصغار وتحكم اليهود في المسلمين والعبث بهم حتى بلغ حالهم إلى ما سمعت؟ فنجع كلامهم فيه، وللحين أغراهم بالفتك باليهود وخلع طاعة السلطان عبد الحق وبيعة الشريف أبي عبد الله الحفيد فأجابوه إلى ذلك واستدعوا الشريف المذكور فبايعوه والتفت عليه خاصتهم وعامتهم، فقلب الورياكلي بذلك سلطان المرينيين رأسًا على عقب (١). وليس الشأن في هذه الحكاية وأمثالها في فعل الفقيه، بل في مسارعة العامة إليه لما نابهم ما نابهم، والناس لا يفزعون في مثل ذلك إلا لمن يرونهم من أهل الأمانة والقوة، وفي هذا دلالة ظاهرة على قدرة الفقهاء على الإصلاح العام إذا ما وقفوا أنفسهم له وكان الناس في ذلك لهم سندًا وردءًا.
كما تحفظ شواهد التاريخ للفقهاء مواقفهم المشهودة في درء فتن الانقسام والاحتراب داخل المجتمعات الإسلامية، وإسهامهم في إصلاح ذات البين بين الملوك والقبائل والعشائر والأسر، وفي وقف القلاقل والحروب بين الطوائف المتنازعة، ومن الأمثلة المشهورة في ذلك مساعي الفقيه المالكي أبي الوليد الباجي (ت ٤٧٤ هـ) في الإصلاح بين ملوك الطوائف في الأندلس
стр. 49
ومحاولاته الحثيثة لرأب الصدع وجمع كلمة المسلمين في تلك الأزمنة الحرجة (١).
فالفقيه الحق ليس بالذي يعتزل الناس في مجلسه ومحرابه، بل هو الذي يتصدى لجعل الفقه واقعًا حيًا يعيشه الناس ويعاينون آثاره المباركة، وهو الذي يحرس الثغر ويأمر بالمعروف وينكر المنكر ويتصدى لنصرة المستضعفين وينشر العلم ويعين على نوائب الحق وينفع الناس على كل أحواله (٢).
صاغ شيخ الإسلام في الدولة العثمانية أبو السعود أفندي (ت ٩٨٢ هـ) تقنينات جنائية شرعية لتطبيقها في البلاد المفتوحة من شرق أوروبا فانخفضت معدلات ارتكاب الجريمة في تلك الأقاليم (٣)، وكذلك الفقه حينما ينهض به الفقهاء ويفعلونه في واقع الحياة يؤتي أكله وتظهر آثاره، أما حين ينزوي الفقيه للبحث والتأليف في مسائل الأقدمين ويتخذ الحياة ظهريًا فستتخذه الحياة ظهريًا كذلك.
стр. 50
الإصلاح وظيفة للأمة كلها لا تختص بها منهم طائفة دون أخرى بل الجميع فيها مساهم مشارك، وهذا من مقتضى خيرية هذه الأمة التي تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، ومع أن تدبير الشؤون العامة ورعاية المصالح العامة من قبيل فروض الكفايات إلا أنها بحاجة إلى أن يقوم كلٌّ بوظيفته في سبيل الإصلاح، وربما اختص إنسان بشيء من فروض الكفايات حتى انتهى فرض عين عليه بتخصصه فيه (١)، وتبقى فروض الأعيان الأصلية التي افترضها الله ﷻ على عباده من أكبر أسباب الصلاح بمفهومه الإيماني الشامل، ومتى قام كل إنسان بما هو واجب على مثله كان الصلاح عامًا في الناس، فالفقه الحي هو الفقه الذي يوقد في القلوب جذوة التدين والارتباط برب السماء لا الوقوف عند الرسوم والوسائط، وقد جاء في الحديث المتفق
стр. 51
عليه من حديث عبد الله بن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راعٍ ومسؤول عن رعيته، الإمام راعٍ ومسؤول عن رعيته، والرجل راعٍ في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راعٍ في مال سيده ومسؤول عن رعيته)) قال: وحسبت أن قد قال: ((والرجل راعٍ في مال أبيه ومسؤول عن رعيته، وكلكم راعٍ ومسؤول عن رعيته)) (١).
فالعبء الإصلاحي واقع على الأمة بمجموعها ولكلِّ دوره فيه، فأما التصدي لما هو من قبيل الشأن العام الذي لا يختص بأحد دون أحد فهو من الكفايات التي إذا قام بها البعض ارتفع الإثم عن البقية، وإذا قصر الجميع نزل الإثم بهم، ولا تختص هذه الكفايات بالفقهاء بل الفقهاء لهم دورهم المحدد الذي هو من وظيفة الفقيه كالاجتهاد والبيان والنصيحة والتعليم والإرشاد، فأما ضروب الكفايات المختلفة فهي واجبة على من هو قادر عليها ومتخصص فيها في أي مجال كان، ومما تمتاز به حضارة المسلمين أنها قد تلاقت فيها جميع التخصصات، واستغرق العمل الفقهي خلال القرون الأولى طاقات الأمة الفكرية إلى حد لا نظير له، وأسهم في مناقشة القضايا التشريعية الفقهاء والمحدثون واللغويون والمؤرخون والأدباء وعلماء الأصول وأهل الحساب
стр. 52
وسواهم، وامتزج الفقه بعلوم الأمة وصنائعها ووظائفها ومؤسساتها، على نحو يمكن تقريبه بامتداد الإدارات القانونية في المؤسسات الحديثة بحيث تختص كل إدارة بطبيعة عمل الدائرة التي هي فيها، ونحن إذا قلنا بوجوب تحكيم الشريعة في كافة أعال الدولة فمن ضرورة ذلك مشاركة الفقيه وقربه من هذه الأعمال بالآليات والإجراءات التي يقتضيها الحال والزمان (١).
لقد كان الفقهاء في السابق يطالبون الفقيه أن يكون له اطلاع ومشاركة ذات تنوع في المعارف والفنون المختلفة، ومما يعيب الفقيه لديهم أن يكون منقطعًا إلى الفقه عن تحقيقه في واقع الحياة باطلاعه على معاشات الناس وأحوالهم وعلومهم التي بها قيام أمرهم، ولئن كان في العصور المتأخرة من يطالب الفقيه بشيء قريب من ذلك (٢)، إلا أن تنوع العلوم والمعارف ودقة التخصصات في هذا الزمان بلغت مبلغًا تجهد متابعته المتخصص نفسه فضلًا عن سواه، ومع ذلك فلا أقل من أن يقف الفقيه على أرض صلبة من المعرفة الإنسانية والطبيعية والطبية ولو بالقدر الذي يكفل له فهمًا عامًا لأحوال الاجتماع والحياة، ثم بالقدر الذي يتعلق بالحالات والوقائع التي يتصدى لبيان الحكم الشرعي لها (٣)، وعليه أن يكون دائم الاستحضار للواقع وما يقتضيه من
стр. 53
وجوب جريان الأحكام على وفقه، وأن يكون عالمًا بأحوال زمانه وأحوال أهله، وجوالب المضار والمنافع، وأن يعلم درجات المضار والمنافع الموجودة في مواطن فتواه (١)، لا سيما في فتاوى النوازل العامة وقضايا الأمة الكبرى التي يتوخى فيها أن تكون رافعة حضارية وعملية بحثية تقود الرأي وتستبصر مآلات الأمة والمخاطر المحدقة بها (٢).
لقد كان من أبرز سمات حضارتنا التي علتها تذوق طعم الانسجام الداخلي وتآلف المكونات ما جرى من التكامل بين فرقاء المعرفة، بحيث كان العلماء بكافة تخصصاتهم يهتدون ببصائر الوحي ويسعون لغاية واحدة، وكان الناس جميعًا- بما فيهم العلماء المتخصصون في المعارف الطبيعية والطبية والفلكية وغيرها-يفزعون إلى أهل الذكر لسؤالهم فيما يشكل عليهم، ومن طالع كتب العلماء المسلمين بشتى تخصصاتهم لم تغب عنه فيها النبرة الإيمانية المستهدية بهدايات الشريعة (٣).
كما أن كتب الفقهاء ومدوناتهم حافلة بهذا التكامل في تحقيق المصالح والذرائع والمناطات وغير ذلك، وكثيرًا ما يحيل
стр. 54
الفقهاء إلى أهل الخبرة بوصفهم المختصين بكشف الحكم النهائي بعد بيان قاعدته وكيفية تطبيقه من قبل الفقهاء أنفسهم.
يقول ابن مودود الموصلي (ت ٦٨٣ هـ) في بيان ضابط تعلم الكلب ونحوه في الصيد: (ويرجع في معرفة التعليم إلى أهل الخبرة بذلك ولا تأقيت فيه) (١).
وقال الكمال بن الهمام (ت ٨٦١ هـ): (والمرجع في كونه عيبًا أو لا لأهل الخبرة بذلك، وهم التجار أو أرباب الصنائع إن كان المبيع من المصنوعات، وبهذا قالت الأئمة الثلاثة) (٢).
وقال القرافي (ت ٦٨٤ هـ) في بعض أمثلة كتاب الوثائق: (وذلك بعد أن ثبت عند سيدنا قاضي القضاة فلانٍ شهادةُ من يضع خطه آخره من العدول والمهندسين المندوبين لتقويم الأملاك وهم أهل الخبرة بذلك، أن قيمة الدار المذكورة جميع الثمن المذكور وأن ذلك قيمة المثل يومئذٍ، لا حيف فيها ولا شطط ولا غبينة ولا فرط، وأن الحظ والمصلحة في البيع بذلك. وتؤرخ ثم يكتب شهود القيمة والمهندسون خطوطهم بأن الثمن المذكور قيمة يومئذٍ) (٣).
وقال النووي (ت ٦٧٦ هـ): (يعرف كون المريض مأيوسًا منه بقول مسلمين عدلين من أهل الخبرة) (٤).
стр. 55
ويقول الزركشي (ت ٧٩٤ هـ): (ظهور الحمل يعرف بقول أهل الخبرة في الآدمي وغيره) (١).
وقال الموفق بن قدامة (ت ٦٢٠ هـ): (وإن اختلفا في التعدي وعدمه فالقول قول الراعي؛ لأنه أمين. وإن فعل فعلًا اختلفا في كونه تعديًا رجع إلى أهل الخبرة) (٢).
وقال المجد بن تيمية (ت ٦٥٢ هـ): (ولا يقتص لما فيه القود منه إذا رجى عوده في مدة يقولها أهل الخبرة) (٣).
والمقصود ههنا تأكيد ما جرى ذكره مرارًا من أن طبيعة الفقه في الإسلام ممتزجة بالحياة إلى أبعد مدى، وأهل الفقه ببيانهم وعامة الناس بسؤالهم وخبرتهم الجزئية وتفقههم فيما هم بصدد ممارسته، كلهم يسهمون في جعل الحياة مصبوغة بصبغة الشريعة روحًا وأخلاقًا وهداية؛ لتكون سائر معارف الأمة ذات وحدة روحية غائية لأن (المعرفة دونما هدف أخلاقي لا يمكن أن تؤدي إلا إلى الفوضى والغموض) (٤). وإذا كان العلماء في التخصصات الطبيعية والتجريبية يقولون: (إن المعرفة المعزولة التي تحصلها طائفة من المتخصصين في حقل ضيق لا قيمة لها ألبتة إلا إذا أدمجت في سائر حقول المعرفة) (٥)، فكيف إذًا حال
стр. 56
العلوم والمعارف المؤثرة في طبيعة حياة أمة تسعى أن تكون صلاتها ونسكها ومحياها ومماتها لله رب العالمين؟
إن ما عرف بـ (المصارف الإسلامية) في واقعنا الراهن على سبيل المثال ليس منتجًا تفرد به الفقهاء وحدهم، بل لقد شاركهم القانونيون والخبراء الماليون الذين درسوا مسائل المعاملات والشركات والموجبات والعقود في الفقه وبنوا عليها (١).
وكان الفقهاء في الماضي يلزمون التجار وأهل السوق أن يتعلموا من الفقه ما يحترزون به من مقارفة المال الحرام، وربما أقاموا من السوق من لا يفقه أحكام المعاملات. وقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يطوف في الأسواق يضرب بعض التجار بالدرة ويقول: ((لا يبيع في سوقنا إلا من تفقه، وإلا أكل الربا شاء او أبى))، قال قوام السُّنِّة الأصبهاني (ت ٥٣٥ هـ) معقبًا: (قالوا: وليجعل بكوره إلى العالم قبل غدوه إلى السوق فيسأله عن وجوه المعاملة، ثم ينصرف فيدخل فيما هو فيه من تجارة أو صناعة) (٢)، وذكر عن الإمام مالك (ت ١٧٩ هـ): أنه كان يأمر الأمراء فيجمعون التجار والسوقة ويعرضونهم عليه، فإذا وجد أحدًا منهم لا يفقه أحكام المعاملات ولا يعرف الحلال من
стр. 57
الحرام أقامه من السوق وقال له: تعلم أحكام البيع والشراء ثم اجلس في السوق فإن من لم يكن فقيهًا أكل الربا شاء أم أبى (١).
إن من الواجب على المسلم أن يخدم دينه في المجال الذي يعمل فيه أو حيثما أفضت به أسباب الحياة؛ لأن في هذه الخدمة إكمالًا لتعيده وإتمامًا لتقربه، وقد تؤهله درايته الواسعة بمجال عمله أن يكون أقدر على توسيع آفاق دينه، وهو في ذلك ردء للفقيه الذي يتعذر عليه الإحاطة بأحكام أكثر المجالات (٢).
ويبقى الفقه بالاصطلاح الخاص بناءً محكمًا مشيدًا رفع الفقهاء مناراته باختلاف مذاهبهم وتعاقب أزمنتهم، وهو ليس مجرد فروع منثورة يحفظها الفقهاء أو يتدربون على التخريج عليها، بل هو ملكة ترسخ في فؤاد المتفقه مع طول ممارسته للنصوص والأحكام الشرعية وفتاوى الأئمة واستنباطاتهم، ليتوصل من خلالها إلى فهم الشريعة بأصولها ومقاصدها وقواعدها ونظرياتها وبنيتها التشريعية، وهذه درجة عالية لا تتأتى للمتخصصين في أي علم آخر. وأهل الخبرة وإن كان لهم دورهم الكبير في الوصول إلى النتائج النهائية للعملية الفقهية إلا أن الفقيه يبقى بمثابة البوصلة التي ترشد إلى درب السداد. ومتى وقع الخلط بين وظائف الفقيه ووظائف أهل الخبرة أفضى ذلك إلى
стр. 58
غلط كبير في فهم حقائق الشريعة أو في تنزيلها على وقائع الحياة (١).
وبهذا التلاحم والانسجام بين الفقه والحياة تتجلى جماليات الشريعة والطبيعة على حدِّ سواء، فالشريعة باتساقها وانتظامها، والطبيعة بإحكامها وخلقها البديع، كلتاهما من أكبر دلائل توحيد الله ﷻ ، والله سبحانه جميل يحب الجمال، فأنزل شريعة الجمال والكمال بما فيها من إتقان وصلاح تام للحياة وما حوته من آداب ومكارم ومندوبات وارتفاقات لا يوجد لها مثال في القوانين البشرية، كما خلق الخلق على مقتضى النظام والإحكام وأودع فيه من أسرار الجمال ما هو زائد عن مجرد حد الضرورة الذي تحصل به الحياة، وهذا ما لا تفسره النظريات المادية الملحدة (٢).
وهذه الأمة أمة التوحيد، وحدت الله تعالى في خلقه وأمره: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤ - ٥٦] وبهذا التوحيد تهيأ لها الانسجام الذي مكنها من أن تبلغ أعمالها من الرشد والفعالية ما تجاوز نفعه خاصة دائرتها إلى محيط البشرية كلها، وشارة التوحيد ماثلة في كل عمل منها، سواء كان علمًا نظريًا أو أدبًا وفنًا، أو إنجازًا صناعيًا أو فنًا معماريًا. أما
стр. 59
الذين حصروا حضارتهم بحدود المادة فمع ما قدموه من نافع الأعمال إلا أنهم لم يتهيأ لهم ذلك الانسجام، بل فشت فيهم روح التنافر والخصام والصدام، صراع بين الإنسان والطبيعة، وبين الدين والعلم، وبين الذكر والأنثى، وبين الأحياء والأموات، هذا الصراع الذي أدى إلى حالة الضياع والشعور بالعدمية والعبث الذي يغرق فيه إنسان المادة المعاصر (١).
لقد كان قوم شعيب ﵇ يقولون له: ﴿مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ [هود: ٩١]، ولا يزال ذلك موقف المتنكبين عن هدى الأنبياء، لا يفقهون حقائق الدين ولا يقبلونها ويستكبرون عنها، والإصرار على مثل هذا الموقف لا يؤدي إلا إلى المعيشة الضنك التي لا يعصم منها إلا الإيمان بالله ﷻ . وهذا ما يحتم على الفقيه المسلم أن ينظر إلى المعرفة الفقهية الممتزجة بمعالم الإيمان والتقوى والخلق الكامل على أنها قيمة علمية عامة؛ لأنها مؤيدة بالوحي المطلق ومسندة بالبراهين والحجج والمنهج السليم، وعليه فأحكام الفقه ذات طبيعة عالمية وهي خلاص للعالم بأسره من مشاكله وشفاء له من آلامه، وعلى الفقيه والمتفقه الالتفات إلى هذه الحقيقة وعدم الذهول عنها (٢).
стр. 60
الفصل الثاني
صناعة الفقه ووظائف الفقيه
((وما نحن لولا كلمات الفقهاء)).
أبو الدرداء [الفقيه والمتفقه، الخطيب البغدادي: ١٤١]
((باب الرخصة في الجمع بين المغرب والعشاء في السفر، بذكر خبر غلط في معناه بعض من لم يحسن صناعة الفقه، فتأول هذا الخبر على ظاهره وزعم أن الجمع غير جائز إلا أن يجدّ بالمسافر السفر)).
ابن خزيمة [الصحيح: ٢/ ٨١]
((فإذا حدث بعد ذلك قوم يتأمّلون ما تشتمل عليه الملّة، وكان فيهم من يأخذ ما صرّح به في الملّة واضعُها من الأشياء العملية الجزئية مسلَّمة، ويلتمس أن يستنبط عنها ما لم يتفق أن يصرح به، محتذيًا بما يستنبط من ذلك حذو غرضه بما صرّح به، حدثت من ذلك صناعة الفقه)).
أبو نصر الفارابي [كتاب الحروف: ١٥٢]
стр. 61
أخص معاني الفقه في اللغة هو الفهم (١)، أما الفقه في الاصطلاح فللفقهاء في تعريفه طرائق، حيث يلتفت بعضهم للجانب المعرفي الذي ينصرف إليه الذهن عند الإطلاق فيعرفه بأنه: (العلم بأحكام الشريعة) (٢)، أو أنه: (العلم بأحكام أفعال المكلفين الشرعية التي يتوصل إليها بالنظر دون العقلية) (٣)، أو أنه: (العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية) (٤)، وهناك من يلتفت إلى الجانب المهاري الذي هو ملكة الاستنباط ومعرفة العلل والقدرة على القياس على ما تعلمه من الأحكام، فيعرف الفقه بأنه: (استنباط حكم المشكل من
стр. 62
الواضح) (١)، أو أنه: (الإصابة والوقوف على المعنى الخفي الذي يتعلق به الحكم) (٢)، ومنهم من يجمع بين الأمرين كمن عرفه بأنه: (معرفة الأحكام الشرعية الفرعية بالفعل أو بالقوة القريبة) (٣).
ومن الواضح لمن يتتبع استعمال كلمة (الفقه) أنها مرت بمراحل، ففي استعمالها الأول الذي جاء في النصوص ودرج عليه الفقهاء الأوائل كانت تعني فهم الدين والشريعة بوجه عام دون تخصيص ذلك بعلم الحلال والحرام (٤)، ثم اصطلح أهل العلم فيما اصطلحوا على استعمالها في علم الحلال والحرام وفشا هذا الاستعمال في كتاباتهم مع التأكيد على دخول معنى الفهم والاستنباط فيها لما لاحظوه من انتساب طوائف إلى الفقهاء بمجرد حفظ الفروع بلا ملكة تمكنهم من تحقيق الثمرة المرجوة من الفقه وهي الاجتهاد (٥).
ولقد كانت عناية علماء الشريعة بالتأكيد على هذه المعنى عناية بالغة، بل إن أصل هذا المعنى وارد في كلام صاحب الشرع ﷺ حيث يقول: (نضر الله امرأً سمع منا حديثًا فحفظه حتى يبلغه، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ورب حامل فقه
стр. 63
ليس بفقيه) (١)، قال ابن السمعاني (ت ٤٨٩ هـ): (أي: غير مستنبط، ومعناه أنه يحمل الرواية من غير أن يكون له استدلال واستنباط فيها) (٢). فنبي الهدى ﷺ فرق هنا بين حملة الفقه وبين الفقهاء، فحامل الفقه لا يلزم أن يكون فقيهًا بالضرورة، وبناء على هذا فلا بد من التمييز بين الرجلين وألا يجعل مقدار العلم الذي يحمله المرء معيارًا في وصفه بالفقه، فإن حامل الفقه لا يكون فقيهًا حتى (يكون عنده سجية وقوة يقتدر بها على التصرف بالجمع والتفريق والترتيب، والتصحيح والإفساد؛ فإن ذلك ملاك صناعة الفقه) (٣).
وحدَّث عبد الله بن وهب (ت ١٩٧ هـ): أنه سمع مالكًا (ت ١٧٩ هـ) يقول: (ليس الفقه بكثرة المسائل، ولكن الفقه يؤتيه الله من يشاء من خلقه) (٤)، وذكر النووي (ت ٦٧٦ هـ) في ترجمة الإمام الشافعي (ت ٢٠٤ هـ) في ((تهذيب الأسماء واللغات)): أن محمد بن عبد الحكم (ت ٢٦٨ هـ) قال: ليس فلان عندنا بفقيه؛ لأنه يجمع أقوال الناس ويختار بعضها، قيل: فمن الفقيه؟ قال: الذي يستنبط أصلًا من كتاب أو سنة لم يُسبق إليه، ثم يشعب في ذلك الأصل مائة شعب، قيل: فمن يقوى على هذا؟ قال: محمد بن
стр. 64
إدريس (١)، وقريب من هذا قول أبي حامد الغزالي (ت ٥٠٥ هـ): (إذا لم يتكلم الفقيه في مسألة لم يسمعها ككلامه في مسألة سمعها فليس بفقيه) (٢).
وقال بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ): (عُلم من تعريفهم الفقه باستنباط الأحكام أن المسائل المدونة في كتب الفقه ليست بفقه اصطلاحًا، وأن حافظها ليس بفقيه، وبه صرح العبدري في باب الإجماع من شرح المستصفى. قال: وإنما هي نتائج الفقه، والعارف بها فروعي، وإنما الفقيه هو المجتهد الذي ينتج تلك الفروع عن أدلة صحيحة، فيتلقاها منه الفروعي تقليدًا ويدونها ويحفظها. ونحوه قول ابن عبد السلام: هم نقلة فقه لا فقهاء) (٣).
وقال ابن رشد الحفيد (ت ٥٩٥ هـ): (فإن هذا الكتاب إنما وضعناه ليبلغ به المجتهد في هذه الصناعة رتبة الاجتهاد إذا حصَّل ما يجب له أن يحصل قبله من القدر الكافي له في علم النحو واللغة وصناعة أصول الفقه، ويكفي من ذلك ما هو مساوٍ لجرم هذا الكتاب أو أقل، وبهذه الرتبة يسمى فقيهًا لا بحفظ مسائل الفقه، ولو بلغت في العدد أقصى ما يمكن أن يحفظه إنسان، كما نجد متفقهة زماننا يظنون أن الأفقه هو الذي حفظ مسائل أكثر،
стр. 65
وهؤلاء عرض لهم شبيه ما يعرض لمن ظن أن الخَفَّاف هو الذي عنده خِفافٌ كثيرة لا الذي يقدر على عملها، وهو بيِّنٌ أن الذي عنده خفاف كثيرة سيأتيه إنسان بقدم لا يجد في خفافه ما يصلح لقدمه، فيلجأ إلى صانع الخفاف ضرورة، وهو الذي يصنع لكل قدم خفًا يوافقه، فهذا هو مثال أكثر المتفقهة في هذا الوقت) (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ): (لكن هؤلاء ليسوا في الحقيقة فقهاء في الدين، بل هم نقلة لكلام بعض العلماء ومذهبه. والفقه لا يكون إلا بفهم الأدلة الشرعية بأدلتها السمعية الثبوتية من الكتاب والسُّنَّة والإجماع نصًا واستنباطًا) (٢)، ويقول في بيان بعض الضرر الذي نجم من الخلط بين الفقهاء وحملة الفقه: (إذ الرجل قد يكون يرى مذهب بعض الأئمة، وصار ينقل أقواله في تلك المسائل، وربما قرَّبها بدليل ضعيف من قياس أو ظاهر، هذا إن كان فاضلًا وإلا كفاه مجرد نقل المذهب عن قائله إن كان حسن التصور فهمًا صادقًا، وإلا لم يكن عنده إلا حفظ حروفه إن كان حافظًا، وإلا كان كاذبًا أو مدعيًا أو مخطئًا. ولا ريب أن الحاصل عند هؤلاء ليس بعلم كما أن العامة المقلدين للعلماء فيما يفتونهم فإن الحاصل عندهم ليس علمًا بذلك عن دليل يفيدهم القطع، وإن كان العالم عنده دليل يفيد القطع. وهذا الأصل الذي ذكرته أصل عظيم فلا يصد المؤمن العليم عنه صاد فإنه لكثرة التقليد والجهل والظنون في
стр. 66
المنتسبين إلى الفقه والفتوى والقضاء استطال عليهم أولئك المتكلمون حتى أخرجوا الفقه الذي نجد فيه كل العلوم من أصل العلم لما رأوه من تقليد أصحابه وظنهم) (١)، وهذا الكلام من هذا الإمام كلام جِدَّ متين، وفيه تحليل عميق لبعض أهم أسباب تطرق الفساد إلى علم الفقه، ولأجل ذلك فإن الإفاضة في شرح هذه القضية وبيانها ليست من التطويل الذي يغني قليله عن كثيره، بل إنها أصل من أصول إصلاح علم الفقه، وتدبرها وتقليب وجوه النظر فيها يفضي إلى خير عظيم ونفع عميم، فإن من أكبر أسباب فساد العلوم دخول من ليس من أهلها فيها.
يقول أبو محمد ابن حزم (ت ٤٥٦ هـ): (لا آفة على العلوم وأهلها أضر من الدخلاء فيها وهم من غير أهلها، فإنهم يجهلون ويظنون أنهم يعلمون، ويفسدون ويقدرون أنهم يصلحون) (٢).
وللمتقدمين عناية بتقرير هذا المعنى، وكلماتهم مشهورة في التأكيد على أن الفقه إنما يؤخذ عن الفقهاء، الذين هم أهل الفهم والنظر في معاني النصوص والقدرة على الاستنباط منها والقياس عليها وإلحاق أشباهها بها.
стр. 67
قال أبو الزناد (ت ١٣٠ هـ): (أدركت بالمدينة مائة أو قريبًا من مائة كلهم مأمون، ما يؤخذ عن رجل منهم حرف من الفقه، يقال: إنه ليس من أهله) (١).
وقال سفيان بن عيينة (ت ١٩٨ هـ): (الحديث مضلة إلا للفقهاء) (٢).
قال ابن أبي زيد القيرواني (ت ٣٨٦ هـ): (يريد أن غيرهم قد يحمل شيئًا على ظاهره وله تأويل من حديث غيره، أو دليل يخفى عليه، أو متروك أوجب تركَه غيرُ شيء مما لا يقوم به إلا من استبحر وتفقه) (٣).
وقال ابن وهب (ت ١٩٧ هـ): (لولا أن الله أنقذني بمالك والليث لضللت. فقيل له: كيف ذلك؟ قال: أكثرت من الحديث فحيرني. فكنت أعرض ذلك على مالك والليث، فيقولان لي: خذ هذا ودع هذا) (٤).
стр. 68
وقال المزني (٢٦٤ هـ): (واطلبوا العلم عند أهل الفقه تكونوا فقهاء إن شاء الله) (١).
وقال الإمام الترمذي (ت ٢٩٧ هـ) في باب ما جاء في غسل الميت من كتاب الجنائز بعد أن ذكر كلام مالك والشافعي: (وكذلك قال الفقهاء وهم أعلم بمعاني الحديث) (٢).
فمما تقدم يستبين لنا أن الفقه لا يتأتى بالمعرفة المجردة مهما بلغ حِمل المرء منها، بل لا بد أن ينضم إلى ذلك الملكة العقلية التي تمكنه من الاستنباط والتنزيل ونحوها من الملكات التي كان يجمعها في إطلاقات المتقدمين اسم الرأي، والأئمة الفقهاء المتبوعون ما منهم من أحد إلا وقد استعمل الرأي، فإنا متى علمنا ختم النبوة وانقطاع الوحي، مع بقاء التكليف بالشريعة وتجدد الحوادث، فإن من لازم ذلك استعمال الرأي في فهم النصوص وفي معرفة حكم ما يستجد من النوازل، فأما ما روي من ذم الرأي فإنما قصد به نوع ذميم من الرأي.
قال أبو الحسين البصري (ت ٤٣٦ هـ): (إذا كان الذين ذموا الرأي هم الذين قالوا به وجب صرف ذمهم إلى الرأي مع وجود النص أو من ترك الطلب للنص، كما يجب مثله لو حُكي الرأي وذمه عن رسول الله ﷺ (٣).
стр. 69
والفقيه الذي يقوم به هذا المعنى وإن قلت محفوظاته أولى باسم الفقه ممن يتكثر من المسائل دون تفقه فيها ولا علم بمداخلها ومخارجها، فإن الفقيه كل الفقيه إنما هو فقيه النفس الذي يملك القدرة على استخراج أحكام الفقه من أدلتها، ثم لا يزال به التفقه حتى يغدو له كالسجية التي لا يتكلف لها (١).
ومن كان بهذه المثابة كان على استخراج المعاني من النصوص أقدر من غيره، فإن النصوص فيها من المعاني ما الناس متفاوتون في استخراجه، وقد يهتدي المتأخر إلى ما لم يتنبه له المتقدم.
قال الزركشي (ت ٧٩٤ هـ): (على فقيه النفس ذي الملكة الصحيحة تتبع ألفاظ الوحيين الكتاب والسُّنِّة واستخراج المعاني منهما. ومن جعل ذلك دأبه وجدها مملوءة، وورد البحر الذي لا ينزف، وكلما ظفر بآية طلب ما هو أعلى منها، واستمد من الوهاب) (٢).
وفقه النفس هذا ليس معرفةً تُنقل، بل هي ملكة ودربة، وأصلها موهبة وفضل من الله يختص به من يشاء من عباده. قال أبو المعالي الجويني (ت ٤٧٨ هـ): (ولكن ينبغي أن يكون الناقل موثوقًا به فقيهَ النفس؛ لأن الفقه لا يمكن نقله) (٣)، وقال أبوّ
стр. 70
حامد الغزالي (ت ٥٠٥ هـ) عند ذكره لصفات المجتهدين: (وفقه النفس لا بد منه، وهو غريزة لا تتعلق بالاكتساب) (١).
وقد جاء رجل إلى ابن شبرمة (ت ١٤٤ هـ) فسأله عن مسألة ففسَّرها له، فقال: لم أفهم، فأعاد، فقال: لم أفهم، فأعاد، فقال: لم أفهم، فقال له: إن كنت لم تفهم لأنك لم تفهم فستفهم بالإعادة، وإن كنت لم تفهم لأنك لا تفهم فهذا داء لا دواء له (٢).
وقال الإمام الشافعي (ت ٢٠٤ هـ): (الطبع أرض، والعلم بذرة، ولا يكون العلم إلا بالطلب، فإذا كان الطبع قابلًا زكا ريعٍ العلم وتفرعت معانيه)، قال الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ) معلقًا على ذلك: (قلت: والبلادة داء عسير برؤه، عظيم ضره) (٣).
стр. 71
متى علم ما تقدم بيانه من معنى الفقه، فإن هذا الفقه الذي هو ملكة راسخة في نفس صاحبها متى تهيأت له فإن من شأنها ألا تقف به عند علم الحلال والحرام فحسب، فإن الشريعة كل لا يتجزأ، ومهما اضطرت العلماءَ ظروفُ التعليم والاصطلاح المتأخر إلى قسمة العلوم الشرعية وممايزتها، فإنها تبقى في حقيقتها كالشيء الواحد الذي لا يمكن فهم بعضه على وجه التمام إلا بفهم جميعه، ومهما كان الترجيح في مسألة تجزؤ الاجتهاد فإن من المتحقق أن أئمة الدين الذين هم محل القدوة والأسوة لم يكونوا من أهل التخصص المحض بلسان المتأخرين، ولم يكونوا أهل معرفة مجردة، بل كانوا أهل علم وعمل وعبادة وتأله وصبر وجهاد، وبمثل ذلك بورك في علمهم وتبوؤوا في الأمة مبوأ صدق وقبول.
وقد عقد الحافظ ابن عبد البر (ت ٤٦٣ هـ) في كتابه ((جامع بيان العلم وفضله)) بابًا سماه: (باب من يستحق أن يسمى فقيهًا أو
стр. 72
عالمًا حقيقة لا مجازًا، ومن يجوز له الفتيا عند العلماء)، وساق فيه من النصوص والآثار ما يؤكد المعنى آنف الذكر. وقد قال مجاهد (ت ١٠٤ هـ): (الفقيه من خاف الله (١)، وقال مطر الوراق (ت ١٢٩ هـ): سألت الحسن (ت ١١٠ هـ) عن مسألة فقال فيها، فقلت: يا أبا سعيد، يأبى عليك الفقهاء ويخالفونك، فقال: (ثكلتك أمك مطر! وهل رأيت فقيهًا قط؟ وهل تدري ما الفقيه؟ الفقيه الورع الزاهد الذي لا يسخر بمن أسفل منه، ولا يهمز من فوقه، ولا يأخذ على علم علمه الله حطامًا) (٢).
وهذه الإشارات من هؤلاء السادة لها دلالتها التي لا ينبغي أن تغفل، فإن استقامة الفقيه وخشيته لله تعالى سبب من أسباب توفيقه وسداده، وهذا أمر لا ينبغي إغفاله في منظومة المعرفة في الإسلام، وقد أشار الإمام أحمد (ت ٢٤١ هـ) إلى هذا لما سأله سائل: من نسأل بعدك؟ فقال: سلوا عبد الوهاب- يعني: الوراق- مثله يوفق لإصابة الحق (٣).
وقد أفاض أبو حامد الغزالي (ت ٥٠٥ هـ) في هذا المعنى ضمن حديثه عن تبديل ألفاظ العلوم فقال: (اللفظ الأول الفقه، فقد تصرفوا فيه بالتخصيص لا بالنقل والتحويل، إذ خصصوه بمعرفة الفروع الغريبة في الفتاوى، والوقوف على دقائق عللها،
стр. 73
واستكثار الكلام فيها، وحفظ المقالات المتعلقة بها، فمن كان أشد تعمقًا فيها وأكثر اشتغالًا بها يقال هو الأفقه.
ولقد كان اسم الفقه في العصر الأول مطلقًا على علم طريق الآخرة، ومعرفة دقائق آفات النفوس ومفسدات الأعمال، وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا، وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة، واستيلاء الخوف على القلب. ويدلك عليه قوله تعالى: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٢]. وما يحصل به الإنذار والتخويف هو هذا الفقه، دون تفريعات الطلاق والعتاق واللعان والسلم والإجارة، فذلك لا يحصل به إنذار ولا تخويف، بل التجرد له على الدوام يقسِّي القلب وينزع الخشية منه كما يُشاهد الآن من المتجردين له)، ثم قال: (ولست أقول إن اسم الفقه لم يكن متناولًا للفتاوى في الأحكام الظاهرة، ولكن كان بطريق العموم والشمول، أو بطريق الاستتباع، وكان إطلاقهم له على علم الآخرة أكثر، فثار من هذا التخصيص تلبيس بعث الناس على التجرد له، والإعراض عن علم الآخرة وأحكام القلب، ووجدوا على ذلك معينًا من الطبع، فإن علم الباطن غامض، والعمل به عسير، والتوصل به إلى طلب الولاية والقضاء والجاه والمال متعذر، فوجد الشيطان مجالًا لتحسين ذلك في القلوب بواسطة تخصيص اسم الفقه الذي هو اسم محمود في الشرع) (١).
فالفقه في أصل استعماله إنما هو فهم الدين كله، بأصوله
стр. 74
واعتقاداته وتشريعاته وآدابه وفضائله ومكارمه، وكل ذلك مفتقر في تحصيله وتطبيقه والهداية به وإليه إلى فهم عميق لا يتأتى بمجرد المعرفة، ولا يرفع ذلك الاصطلاح المتأخر الذي يخصه بعلم الحلال والحرام، ولكن القصد أن يعلم حقيقة ما يتنزل عليه اسم الفقه؛ لأننا متى شئنا الحديث عن إصلاح الفقه ووظائفه فلا بد أن يعلم امتداد هذا الاسم الشريف وما يترتب على هذا الامتداد من المعاني المؤثرة. ولأجل مزيد بيان لذلك أسوق كلامًا جليلًا للإمام الحليمي (ت ٤٠٣ هـ) حيث يقول: (ومن نظر وتبين علم أن الفقه إن كان يستوجب الثناء ويستحق المدح والإطراء؛ لأنه علم أصله وحي، فما وصفناه من أضراب علم الشريعة وحي أصله تنزيل كله، وإن كان ذلك لما يحتاج إليه فيه من الفهم والفطنة، فما علم من العلوم إلا ومنه جلي وخفي، ولا وجه لإدراك الخفي إلا الاستدلال بالجلي عليه، ولا سبيل إلى الاستدلال بالجلي على الخفي إلا بعد إدراك المعاني وتبيّنها، وفي ذلك ما يبين أن اسم الفقه علم العلوم الشريعة كلها [كذا]، أعلاها الذي يتوصل بها إلى معرفة الله تعالى جده ووحدانيته وقدسه وعامة صفاته، ومعرفة أنبياء الله ورسله، والفرق بينهم وبين من يدَّعي مثلَ ما ادَّعوا، ولا يأتي من البينات بمثل ما أتوا. وما بعد ذلك من علم العبادات، وأحكام الاكتساب والمعاملات، والحدود والجنايات، والفصل بين المتنازعين، وإيصال الحقوق إلى المستحقين، ومن علم الأحوال والأخلاق والآداب والسيرة الحميدة والعشرة الجميلة، والمروءة التي هي قرينة العدالة، وإبقاء معاني العبودية
стр. 75
على تصرف الأحوال في الجملة. وعلم مع ذلك أن التذكير مما أمر الله تعالى جدُّه في كتابه، والله لا يأمر بالهزل ولا بما يهزأ به، ولا بما يضع امتثاله من تمثيله، ويحطُّ استعماله من قدر مستعمله، قال الله : ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥]، وقال: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: ٢٩]. فيسمي الله تعالى جدُّه نبيَّه ﷺ مذكرًا وسمى تبليغه وتعليمه تذكيرًا، وأمْرَه به إرشادًا وتبصيرًا. فكيف يعرض لأسباب الضعة ما جعله الله تعالى من أسباب الرفعة؟ وكيف يجري في عداد أهل النقص طائفة قائدها نبيها وإمامها رسولها؟ أو كيف يخرج علم التذكير من جملة الفقه وهو لا يقع إلا من أولي الفطنة والتمييز والخبرة بما يوجبه الحال، ويرجى أن ينجع فيمن يذكره المقدار الذي لا يستكثر فيمل منه أو يتضجر، وبالوقت الذي يكون التذكير فيه أنفع، ومن قلوب السامعين أوقع، وينبوع الذكر الذي يكون إلى القلوب أسرع، وفي القلوب أنجع. وإذا تُؤُمِّلَ هذا المقام وما جرى فيه من الكلام، وُجد أشبهَ المقامات بالقضاء بين المتخاصمين والحكم بين المتنازعين التذكيرُ؛ لأن المذكر يفصل بين دواعي النفس، فيميز المردية منها عن المنجية، ويخلص الموبقة من المعتقة، ويرجح دواعي العقل على دواعي الهوى والطبع، ويلزم السامعين أن يقفوا عند الحدود المحدودة لهم ولا يتعدوها، ويلزموا المثل الممثلة لهم ولا يتخطوها. كما أن القاضي يفصل بين المحق في دعواه والمبطل الراكب لهواه، ويميز البينات عن دواحض الشبهات، ويرجح من