← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 198

إصلاح الفقيه فصول في الإصلاح الفقهي

هيثم بن فهد الرومي

Полный текст (227 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُون وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٢ - ٦٨]. ((فالشريعة إذًا شيء خاص بالجماعة التي تطبقها، ولا يمكن أن تمتد منها إلى غيرها إلا إذا امتزجت معها في عقائدها وفي أصول حضارتها وقواعد سلوكها فأصبحت على صورتها... والمهم أن القانون ينبثق من الجماعة ويمتزج بنموذجها النفسي، ولا يمكن أن ينتزع منها انتزاعًا ويفرض عليها قانون أجنبي عنها فترضاه وتتعصب له إلا إذا كانت هي قد فقدت حاسة وجودها الذاتي وإيمانها بمثلها العليا. نعم قد يوجد منها أفراد يتعصبون لأي وضع جديد نظرًا لاستفادتهم منه، أو لأنهم لم يعرفوا غيره، أو لمجرد بلادتهم التي تدفعهم إلى النضال في سبيل قضية غير قضيته)). [دفاع عن الشريعة، علال الفاسي: ٣٣]

стр. 2

شريعة لك فجرت العقول بها... عن زاخرٍ بصنوف العلم ملتطم يلوح حول سنا التوحيد جوهرها... كالحلي للسيف أو كالوشي للعلم غراء حامت عليها أنفس ونهىً... ومن يجد سلسلًا من حكمة يَحُم نور السبيل يساس العالمون بها... تكفلت بشباب الدهر والهرم يجري الزمان وأحكام الزمان على... حكم لها نافذٍ في الخلق مرتسم دع عنك روما وآثينا وما حوتا... كل اليواقيت في بغداد والتُّوَم وخلِّ كسرى وإيوانًا يُدِلُّ به... هوى على أثر النيران والأُيُم واترك رعمسيس إن الملك مظهره... في نهضة العدل لا في نهضة الهرم دار الشرائع روما كلما ذُكرت... دار السلام لها ألقت يد السلم ما ضارعتها بيانًا عند ملتأمٍ... ولا حكتها قضاءً عند مختصم ولا احتوت في طراز من قياصرها... على رشيدٍ ومأمونٍ ومعتصم أمير الشعراء أحمد شوقي [الشوقيات: ١/ ٢٠٤]

стр. 3

المقدمة الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: هناك اتجاه واضح في الدراسات الشرعية والفقهية المعاصرة إلى الحديث عن تجديد الدين وتجديد الفقه، ووسائل ذلك ومعوقاته، وعن مظاهر هذا التجديد ومجالاته والجهود المبذولة في سبيله، والكثير من هذه الدراسات مفيدة نافعة، كما أن منها ما يخطئ في توصيف الواقع أو في معالجته، ويحصل في أحيان كثيرة أن يكون وصف حالة من الحالات العلمية بأنها من مظاهر التجديد أو من مظاهر الجمود راجعًا إلى تحكمات مزاجية أكثر من رجوعه إلى معايير علمية منضبطة ومحددة، وإذا ما تكلمنا عن تجديد الفقه على وجه التحديد فإن الفقه بأصوله وقواعده ونظرياته ليس علمًا جديدًا يفتقر إلى الضبط المنهجي حتى يستحدث له منهج في تجديده، ولفظة: (التجديد) ذاتها تدل على وجود شيء يجدد دون أن يستبدل به سواه، ومن هنا جاءت المقولة

стр. 4

المشهورة: (أول التجديد قتل الماضي بحثًا)، فالفقه له أصوله ومنهجيته التي تتطلب أن يكون من يمارس التجديد عارفًا بها؛ لئلا يستدرك عليها ما هو من صميمها أو ينتقد فيها ما ليس منها أو ينسب إلى متنها ما هو من هوامشها، والتجديد ما لم يكن متلزمًا بالتماسك الداخلي للعلم الذي كان به قيامه فهو تغيير وتبديل وليس تجديدًا، وبقاء الاسم وحده لا يغني شيئًا ما لم تكن أصوله وفلسفته باقية. وبعض من يستعملون اسم التجديد والإصلاح يفترضون أن الفقه بلغ حدًا معينًا من النمو عند زمن معين ثم وقع في مأزق يقتضي تغييرًا في أصوله وآلياته ومناهجه الكبرى، والكثير من هؤلاء تتشكل في أذهانهم رؤية وتصور معين للنهضة والحضارة والتقدم يحاكمون المناهج الفقهية إليها فيما يصح منها وما لا يصح وما ينبغي أن يستمر منها وما يجب أن يتوقف، ويجعلون من واقع الحياة قبلة يجب أن يخضع الفقه لشروطها (١). لقد أنزل الله ﷻ علينا الدين ليكون نجاة لنا في الدنيا والآخرة، وشرع لنا فيه من الأحكام ما يعود علينا بالصلاح التام في شأننا كله، وجعل الأمن والسلام في اتباع دينه وشرعه، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]، وقال جل ثناؤه: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥]، وما من

стр. 5

صلاح يتوخاه البشر في سياساتهم وتدبيراتهم إلا جاءت الشريعة بما هو أتم منه وأكمل؛ لأنها من عند الله تعالى، والله ﷻ عليم يعلم ما هو الأصلح لعباده، وهو خبير بأحوالهم الظاهرة والباطنة، وهو لطيف بهم يسبب لهم الخير من حيث لا يعلمون، وهو حكيم يضع الأشياء في محالِّها بحكمته وعدله ولا يدخل تدبيره خلل ولا زلل، وهو رحيم يرحم خلقه ويبصِّرهم ويعلمهم ما لم يكونوا يعلمون ويمكن لهم أسباب مصالحهم برحمته التي وسعت كل شيء، وهو محيط لا يخفى عليه شيء ولا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وهو جميل يحب الجمال فأفعاله كلها خير ومصلحة وعدل ورحمة، وشريعته شريعة الجمال والجلال، وهو يحب منا أن نتقرب إليه بالجميل من الأقوال والأفعال والأخلاق، وهو رفيق في أحكامه وأمره ونهيه، لا يكلف عباده ما لا يطيقون، ويتدرج بهم من حال إلى حال من رفقه ورأفته بهم، وهو سلام سالم من كل عيب ونقص، وكذلك شرعه ودينه سلام من التناقض والاختلاف والاضطراب وخلاف مصلحة العباد ورحمتهم والإحسان إليهم، وهو قيومٌ قائم على كل نفس بما كسبت وكل مخلوقاته فقيرة إليه ولا غنى لخلقه عنه طرفة عين. والشريعة التي هذا وصفها لا بد أن تشتمل على أسباب الصلاح كلها، وإدراك هذه الأسباب وفهمها وتحقيقها في واقع حياة الناس موكول إلى اجتهاد أهلها الذين جرى تكليفهم بها، وما يحصل من خلل في حياتهم وفساد في شؤونهم فذاك راجع

стр. 6

إلى تقصيرهم في العلم أو في العمل، فإن الشريعة من الأمر الذي يكلف به العباد ويحاسبون عليه، وليست من الخلق المقدر الذي هو مقضي لا محالة، والكثير من الناس يرون ما يتطرق إلى حياة المسلمين من الفساد فينسبونه إلى الشريعة وتقصر فهومهم عن نسبته إلى تقصيرهم في فهمها والعمل بها وإخلالهم بشروطها، وربما أدى بهم ذلك إلى الدعوة إلى تبديل بعض حقائق الشريعة باسم التجديد والإصلاح، حتى إذا سلكوا تلك السبيل باتوا كصخرة زل متنها عن رأس جبل فهي تتحدر منه إلى مكان سحيق. إن تجديد الفقه وإصلاحه إنما يكون بالعودة إلى أصوله والتمسك بها، وتصحيح ما لحقها من سوء التصورات والآراء وفساد الظنون والأوهام، فإن حياة المتقدمين من أهل القرون الأولى كانت صالحة مستقيمة، مما يدل على أن علومهم كانت صالحة مستقيمة. يقول ابن أبي جمرة (ت ٦٩٩ هـ): (عمل المتقدمين أقوى من عمل أهل وقتنا، والعمل هو ثمرة العلم، فإذا كانت ثمرتان ثمر الواحدة خير وأكثر من الأخرى قطع بالجزم أن الذي ثمرها أكثر وأحسن خير من الأخرى بلا خلاف في ذلك عند من له بصيرة وعقل) (١). وهذا الفقه الصالح عند المتقدمين تشكلت به هوية الأمة

стр. 7

وقامت به حياتها، ورسخ بتعاقب القرون في وجدانها ومزاجها، وأصبح من أكبر مكوناتها واتصل بوجودها وجرى به سداد أمورها وصلاح شؤونها. حتى غدت أي محاولة للإصلاح غير مجدية ما لم تكن صادرة عن أصوله ومقاصده وأحكامه وغاياته. وهذه العصور الحديثة حافلة باتجاهات وتيارات تنسب نفسها إلى الإصلاح ولكنها تخاصم هوية الأمة وشريعتها فيؤول أمرها إلى فساد وإفساد، وما يجري على يديها من صلاح فهو صلاح جزئي من وجه دون وجه. إن صلاح أحوال الأمة له ارتباط وثيق بتجديد فقهها الذي هو منهاج حياتها، ومن هنا كانت الحاجة إلى الحديث عن ((إصلاح الفقيه)) الذي يمارس هذا التجديد بوعي وبصيرة، وقد اخترت لفظة الإصلاح لمناسبة المقابلة بين إصلاح الفقه وإصلاح الحياة مما يتطرق هذا البحث إليه، ولأجل بيان حقيقة الإصلاح الذي به نهضة الأمة وتقدمها دون دعاوى الإصلاح التي تعرض عن الشريعة ولا تكترث بها، أو التي تسلك بها مسالك الغلو أو الجفاء. ومهدت بين يدي هذه الدراسة بتمهيد يبين أهمية إصلاح الفقيه وأولويته، ثم عقدت سائرها في فصول أربعة: فأما الفصل الأول ففيه بيان معنى الفقه وحقيقة الصناعة الفقهية وفيه أيضًا بيان دور الفقيه ووظائفه في الحياة، فإنه لا يستقيم الحديث عن إصلاح الفقيه ما لم تكن تلك المعاني متقررة ابتداءً.

стр. 8

وأما الفصل الثاني ففيه بيان موقع الفقه في خطة الإصلاح العامة وفيه نماذج وأمثلة تشرح أثر الفقه في الحياة ودور الفقهاء فيها. وأما الفصل الثالث ففيه بيان علاقات الفقيه في الوسط الذي يمارس فيه وظائفه، وهذه العلاقات تتراوح بين علاقته بالنخبة والعامة، والنخبة نخبتان فنخبة سياسية ونخبة ثقافية، ومن المهم تصور علاقة الفقيه بهذه الأطياف الثلاثة. وأما الفصل الرابع ففيه بيان سبيل تأهيل الفقيه المصلح المشارك في صياغة الحياة وصناعتها، وذلك بإصلاح التعليم الفقهي وإصلاح التآليف الفقهية، مع إشارة إلى طبيعة المذاهب الفقهية والموقف منها ودورها في تأهيل الفقهاء. ثم ختمت بخاتمة لخصت فيه غرض هذا البحث. وليس القصد من هذه الدراسة المختصرة اقتراح خطة للإصلاح، فإن هذه مهمة جليلة بحاجة إلى تضافر كبار فقهاء هذا الزمان، ونعوذ بالله من التكلف لما لا نحسن والتصدي لما لا نطيق، ولكنها إشارة عجلي لبعض الأولويات البحثية والمنهجيات العلمية والعملية المتَّبعة عند الفقهاء رحمهم الله تعالى، تهدف إلى تذكير فاضل أو تنبيه غافل. والله تعالى المسؤول أن يصلح النية والقصد، وأن يصلح العلم والعمل، وأن يهدينا لما فيه رشدنا وصلاحنا. وبعد، فالحمدُ للهِ الذي بيده المواهب كلها، وكل نعمة بنا

стр. 9

فمنه ابتداؤها ودوامها، يجود علينا بفضله، ويثيبنا على طاعة نستعينه عليها، فله الحمد حمدًا لا ينفد، أفضل ما ينبغي أن يحمد. ثم شكري وثنائي بعد ذلك موصول للشيوخ الأفاضل والأصدقاء الكرام الذين أكرموني بقراءة هذا البحث ومراجعته، وأفادوني بكريم نصحهم وتوجيههم، فالله يتولى جزاءهم ويجزل ثوابهم في الدنيا والآخرة، والله يتولانا جميعًا برحمته وتوفيقه فنعم المولى ونعم النصير.

стр. 10

تمهيد هل نعيش نهضة فقهية ؟ ((إن الأزهر البائد على فوضاه المنظمة كان أجدى على الدين وأعود على الثقافة من هذا الخلق المسيخ الذي وقف بين الماضي والحاضر وبين الدين والسياسة موقفًا يُندي الجبين الصلب ويوجع الفؤاد المصمت)). أحمد حسن الزيات [وحي الرسالة: ١/ ١٨٧] ((نحن أقزام محمولون على أكتاف عماليق، وإذا كنا نشاهد أكثر مما شاهدوا ونرى أبعد مما رأوا، فليس ذلك لأن بصرنا أحدّ أو لأن أجسامنا أطول، بل لأنهم يحملوننا على أكتافهم في الهواء ويرفعوننا بكل طول قاماتهم الهائل). برنار دي شارتر [في نقد الحاجة إلى الإصلاح، د. محمد عابد الجابري: ٦٤]

стр. 11

برز في المجال الفقهي منذ قرن من الزمان نوع من التأليف الذي لم يكن معهودًا فيما مضى، وهو تأليف مداخل فقهية تدرس كمقررات جامعية في الغالب، وتتضمن تعريفًا بالفقه وأبرز خصائصه ومدارسه ونشاطات رجاله، وجرت عادة هذه المداخل على تحقيب تاريخ الفقه إلى أدوار ومراحل حسب السمة الغالبة لكل دورة زمنية محددة، وقد تختلف المداخل شيئًا يسيرًا في ضم بعض الأدوار أو فصلها، غير أنها تتفق من حيث العموم على أبرز الملامح الرئيسية، ولمتقدمها أثر ظاهر على متأخرها. ومن الأمر اللافت للانتباه أن طائفة من هذه المداخل درجت على تسمية العصر المتأخر بأسماء توحي بارتفاع رتبته عن الدور السابق له، فتسمي المرحلة السابقة مرحلة الجمود والانحطاط الفقهي ونحو ذلك، ثم تصف هذا الدور الذي نعيشه بأنه عصر (نهضة فقهية)، أو (يقظة فقهية)، أو أنه عصر (تجديد الفقه)، أو (انبعاث الفقه) (١)، وربما غلب التحفظ والاحتراز على بعض المصادر فوصفت المرحلة: بأنها مرحلة (محاولات تجديد الفقه)، أو أنها (تباشير نهضة فقهية) (٢).

стр. 12

وعند تتبع هذه التسمية فإننا نلاحظ أن أول من صنف في (تاريخ الفقه) هما الشيخان محمد الخضري (ت ١٣٤٥ هـ) في كتابه ((تاريخ التشريع الإسلامي)) الذي صدر عام (١٣٣٩ هـ/ ١٩٢٠ م)، والشيخ محمد بن الحسن الحجوي (ت ١٣٧٦ هـ) في كتابه ((الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي)) الذي صدر عام (١٣٤٠ هـ/ ١٩٢١ م). وبالرجوع إلى هذين الكتابين وبالرغم من عظيم أثرهما على من جاء بعدهما فإننا لا نجد أنهما جعلا هذا الدور دورًا مستقلًا ومتميزًا عن الدور السابق عليه، بل جعلاه امتدادًا لعصور الجمود والانحطاط (١). ولا بد أن نضع في اعتبارنا أن هذين الكتابين صدرا قبل ما يقرب من القرن من الزمان. وهنا يبرز تساؤل: هل جدَّ خلال هذا القرن من الزمان ما جعل المداخل الفقهية التي ألفت فيه تصفه بأنه عصر نهضة وتجديد؟ أم أن الخضري والحجوي أدركا بداية الأنشطة الفقهية المستجدة ولم يعتبراها مع ذلك نهضة فقهية حقيقية تستحق أن تفرد بدور مستقل واسم جديد؟ والسؤال الذي هو أهم من هذا وذاك: هل نعيش بالفعل نهضة فقهية حقيقية وتجديدًا فقهيًا يجعلنا نسم عصرنا بأنه عصر اليقظة والانبعاث؟ أم أن هذه أوهام وتطلعات صنعها حب الإنسان ورغبته الدفينة في أن يفتح لنفسه آفاق الأمل؟

стр. 13

وأهمية هذا السؤال تكمن في أن أولى خطوات الإصلاح هي تقويم الحال الراهنة، ورصد المزايا والمآخذ، والإيجابيات والسلبيات، والمنجزات والإخفاقات، رصدًا كاشفًا لما عليه الحال حقيقة دون مبالغة في الوصف مدحًا أو قدحًا، ولكل من هاتين المبالغتين ما يدفع لها من الناحية النفسية غير أن الإنصاف يقتضي مراغمة النفس وحملها على تصوير الحقائق دون مغالطة ولا تشويه. وبالرجوع إلى المصادر التي تصف هذا الدور بأنه دور تجديد فإننا نجدها تستدل على ذلك بجملة من الأنشطة الفقهية التي استجدت فيه لتكون شاهدًا يؤكد صحة هذه الأسماء المفترضة، ومن هذه الأنشطة ما يأتي: الدعوة إلى الاجتهاد الجماعي، ونشوء المجامع الفقهية. انعقاد المؤتمرات والملتقيات الفقهية وما يحصل بسببها من نقاشات فقهية ومن التقاء الفقهاء وتعارفهم وتواصلهم. إنشاء الجامعات والكليات والمعاهد الشرعية والفقهية. التجديد في أسلوب تدريس الفقه والإفادة من المناهج التعليمية الحديثة في تطوير التعليم الفقهي وتحديث أدواته ووسائله. التجديد في أسلوب التأليف الفقهي من خلال المناهج التي تؤلف لدراسي الفقه في المعاهد والجامعات، ومن خلال البحوث الأكاديمية والرسائل العلمية، واستحداث أنواع جديدة في

стр. 14

الكتابة الفقهية كالموسوعات والفهارس الفقهية والكتابة في النظريات الفقهية، والإخراج الجديد لكتب الفقه ومخطوطاته وتعميم نشرها والاستفادة منها. التحرر من أسر التعصب المذهبي والانفتاح بين المذاهب الفقهية والاهتمام بالفقه المقارن، ويتبع ذلك أيضًا الاهتمام بدراسة القانون والمقارنة بينه وبين الفقه. قيام مؤسسات ومراكز بحثية تهتم بالدراسات الفقهية المعاصرة، وتسعى إلى تقريب الأحكام الفقهية إلى المؤسسات التشريعية وغيرها، ونرى تأثير مثل هذه المحاولات في مجالي الاقتصاد والطب كمثال واضح. استمداد القوانين من الفقه وتنظيمها في تقنينات عصرية. هذه أبرز العوامل التي تذكر كأسباب تجعل من هذا العصر عصر نهضة وتجديد من حيث الجملة (١). فهل هذه الأسباب متحققة الوقوع على وجهٍ صالحٍ بالفعل؟ هذا من جهة، ومن جهة أخرى فهل هذه الأسباب ترتفع بهذا العصر عن العصر السابق لتصح تسميته بأنه عصر يقظة وانبعاث؟

стр. 15

عندما نتأمل مليًا في هذه المظاهر التي تذكر فإن من الممكن أن نجعلها على ثلاثة أقسام: القسم الأول: مظاهر متحققة ونافعة بالفعل، ولها أثرها الواضح في النهوض بحالة الفقه المعاصر. ومن أمثلة ذلك تيسر سبل التقاء الفقهاء وتواصلهم باختلاف بلدانهم ومذاهبهم، من خلال المجامع الفقهية والملتقيات الفقهية المختلفة من ندوات ومؤتمرات ونحوها، وما يترتب على ذلك من اجتهاد جماعي ومن تفهم للآراء وقربٍ لزوال اللبس الذي ينشأ عن بعد الشقة وتسلسل الوسائط. القسم الثاني: مظاهر متحققة من جهة الوجود إلا أن سبب وجودها لم يكن منبعثًا من بنية الفقه ذاته، بل هو إفادة من مظاهر النهضة الحديثة وأدوات الحداثة المعاصرة على وجهٍ قد يكون فيه نفع غير مكتمل، أو على وجهٍ يترتب عليه نوع آخر من الفساد. ومثال الأول: ما سبق ذكره من نشأة الجامعات والكليات والمعاهد الشرعية والفقهية، فإنها بالرغم مما ترتب عليه من الخير الكثير إلا أن هذا النفع قل أن تترتب عليه نهضة في بنية الفقه ذاته بتحسين وظائفه ومقاصده العليا، فالتآليف وطرائق التدريس والبحث لم يتناسب تقدمها تناسبًا طرديًا مع تقدم الوسائل والأدوات الحديثة، بل ظلت من حيث العموم على ذات المنوال الذي كانت عليه فيما يسمى بعصور الانحطاط، بل إنها في أحوال كثيرة تكون أقل كفاءة من حيث جودة المخرجات وسِداد

стр. 16

الوظائف، فما يؤلفه فقيه من فقهاء ما يسمى بعصر الانحطاط يعكف عليه الجماعة من الباحثين السنوات ذوات العدد ليخرجوه في النهاية إخراجًا هزيلًا. ثم يوصف إخراج التراث الفقهي بأنه مظهر من مظاهر النهضة، فأي العصرين أولى باسم النهضة بهذا الوجه من النظر؟ ومثال الثاني: ما ذكر في المظاهر من التحرر من أسر التعصب المذهبي، فإن التعصب أمر مقيت وترتبت عليه فتن ومفاسد لا تزيغ عنها عين متصفح لكتب طبقات الفقهاء. وقد خف هذا التعصب كثيرًا في العصر الحديث حتى بات الفقيه يتعجب من بعض الحكايات المنقولة وينسبها إلى المبالغة. غير أن هذا التحرر أفرز ظاهرة أخرى مقيتة تمثلت في ازدراء فقه المذاهب والنظر إليه على أنه مبتوت الصلة بالأدلة الشرعية المعتبرة، وأن كلام الفقهاء يغلب عليه الحشو والتكلف والافتراض والتعقيد والعزلة عن الحياة الخارجية التي يعيشها الناس، إلى مزاعم أخرى نتجت عن هجران المدونات الفقهية وعدم تصور ما تضمنته من أحكام ومسائل واستدلالات واستنباطات وامتداد منهجي، وهذه النظرة تمثل في حقيقتها كسرًا للعمود الفقري الذي به تقوم كافة علوم الشريعة، ولذا فإن كثيرًا من المتفقهة الذين يسلكون هذه السبيل يخرجون من النظام إلى الفوضى من حيث أرادوا الخروج من الفوضى إلى النظام. وبهذا نلاحظ أن بعض هذه المظاهر كان من المفترض أن تؤدي لنهضة فقهية لو كان لها من يرشِّدها لئلا تضطرب في وجوه الفساد من طرف إلى طرف.

стр. 17

القسم الثالث: مظاهر ليست متحققة، بل هي آمال وأمنيات نتجت من ملاحظة أمثلة يسيرة ثم ارتكاب مغالطة التعميم على الصعيد الفقهي العام، مع أنها استثناء من الأصل وليست قاعدة يمكن جعلها مظهرًا للنهضة والتجديد. ومن الأمثلة الظاهرة لذلك ما ذكر من استمداد التقنينات من الفقه، فإن هذه التقنينات في مجملها لم تجد سبيلها إلى التطبيق إلا في نطاق محدود، بل إن من أبرز سمات هذا العصر الذي نعيشه إقصاء الشريعة عن الحكم، وتظل هذه التقنينات حبيسة الأدراج ما لم توجد عزيمة صادقة على تطبيقها. ومن أمثلة هذا القسم أيضًا ما تقدم ذكره من تجديد في أسلوب تدريس الفقه والإفادة من المناهج التعليمية الحديثة في تطوير التعليم الفقهي وتحديث أدواته ووسائله، فإن واقع التعليم الفقهي لا يساعد على إدراج ذلك ضمن مظاهر التجديد، بل إن كثيرًا من المراقبين يتحدثون عما يسمى بأزمة التعليم الديني، وأنه لم يكن محل جدل ونقاش كما هو عليه اليوم (١)، وهذا الكلام لا يخلو من مصداقية على الرغم من اختلاف زاوية الرؤية من مراقب لآخر. عند التأمل في جميع ما مضى فإننا لا نجد المسببات الكافية التي تحملنا على اعتبار هذا الدور دورًا متميزًا على سابقه إلى النحو الذي يغدو به عصر نهضة وتجديد وانبعاث بل هو

стр. 18

امتداد له، وعنده الموازنة بين هذين الدورين فإننا لن نعدم نقاط قوة وضعف في كل منهما، ولن نعدم تقدمًا في بعض الأنشطة الفقهية وتراجعًا في بعضها. ومن الدلائل على الأزمة التي نعيشها في هذا الدور أننا لا نجد للحركة الفقهية مخرجات ذات كفاءة عالية تستقيم بها الخطط الفقهية من تعليم وقضاء ودعوة وإفتاء وخطابة وصلاة، بل إن أصوات المصلحين تعالت ولم تزل تتعالى بالدلالة على أشكال من أشكال الفساد وتتبرم من آثارها ونتائجها. يقول الشيخ بدر الدين الحلبي (ت ١٣٦٢ هـ): (فإذا استفتيت اليوم عشرة من الفقهاء في حادثة شرعية ليست من مسائل المتون التي هي من فتاوى الأئمة وتدوينهم أجابك كل واحد من العشرة بجواب غير جواب الآخر، وربما ذكر لك كل واحد منهم نصًا من الكتاب الذي اعتمد عليه وأفتاك بما رأى فيه. وانضم إلى هذا فساد التطبيق في بعض المحاكم الشرعية، فكان حال القانون الشرعي كحال القانون الوضعي سواء بسواء لا يختلف عنه بشيء غير أن القائمين بأحدهما منسوبون إلى الشرع، والقائمون بالآخر غير منسوبين إليه. وما قد يوجد في القانون الشرعي من الفروع التي توافق مذاهب الأئمة فلعله لا يخلو منها القانون الوضعي وإن لم يذكر على أنه من القوانين السماوية، وإنما وضع لظن واضعه أن المصلحة فيه، وأصبحت مصالح العباد مهجورة، والحقوق مهددة، والمستجير بأحدهما كالمستجير من الرمضاء بالنار. وشرح الحالة الحاضرة بأزيد مما أشرنا إليه مشكل جدًا، والبصير

стр. 19

إذا التفت عن يمينه مرة وعن شماله أخرى عرف مقدار الشر والفساد الواقعين على رؤوس العباد) (١). ويقول الأستاذ محمد كرد علي (ت ١٣٧٢ هـ): (وهناك كثيرون تولوا الأعمال العلمية العظيمة كالقضاء والإفتاء، وكانوا على جانب من الجهل المخيف. أدركت منهم مفتيًا سخيفًا كان يدعي له مريدوه أنه عفيف لا يرتشي، وأنا أعرف أن أحد أقربائي قد رشاه بمقدار من الأرز والسكر والسمن فحكم له بما أراد، وكان إلى هذا جاهلًا لا يعرف إلا ما تعلمه من فقه المحاكم... وهذا الشيخ كان ممن يتقرب إلى العوام بلعن رجال الإصلاح وتكفيرهم وتبديعهم؛ لأنهم هم الذين يظهرون حقائق أمثاله للملأ ويعرفونهم أنهم طبول فارغة) (٢). والواقع أنه لا يمكن النظر إلى هذا النوع من الفساد بمعزل عن الفساد العام، فإن الفقه في حقيقته وطبيعته واقع وحياة لا مجرد فكر وتنظير. والفساد الذي يتطرق إلى الحياة العامة ستمتد آثاره إلى الممارسات والنتائج الفقهية بطبيعة الحال، فإن الشريعة إذا استبعدت من الحكم تطرق إلى الحركة الفقهية الركود والجمود، وإن السياسي إذا فسد اختار الفاسد من حملة الفقه فإن (السلطان

стр. 20

سوق، وإنما يجلب إلى كل سوق ما ينفق فيها) (١)، ولا تسل عن ضيعة الأمر يومئذٍ، والأمر كما قال ابن المبارك (ت ١٨١ هـ): وهل بدَّل الدين إلا الملوك... وأحبار سوء ورهبانها وباعوا النفوس فلم يربحوا... ولم تغل في البيع أثمانها (٢) وبالإضافة إلى ذلك فإنه لا يتصور في طبائع الأشياء أن يحصل تطور تشريعي في وضع اقتصادي واجتماعي ساكن وراكد، أما إذا دبت الحياة والحركة في المجتمع فإن القانون يبدأ حينئذٍ في التشريع لها، فالركود القانوني والتشريعي مردود في حقيقة الأمر إلى ركود المجتمع وسكون الحياة (٣). وهذا أمر ملاحظ لمن سبر أحوال الدول، فإن الحركة العلمية تضعف بضعف الدولة، ومن أمثلة ذلك سكون حركة العلم في مصر بعد سقوط دولة المماليك وتحول مصر من دولة متبوعة إلى ولاية تابعة للدولة العثمانية في إسلامبول (إسطنبول)، فانحطت مكانتها بزوال دولتها ولم يظهر فيها من العلماء كالذين ظهروا في فترة المماليك، لا سيما بعد أن صارت اللغة التركية لغة الدواوين، فضعفت العربية ضعفًا شديدًا، وضعفت علومها وآدابها وطغت العامية عليها (٤).

стр. 21

ولا ريب أن أزمنة الضعف هذه تورث فتورًا عامًا تتسرب أدواؤه إلى كافة مجالات الحياة، بما في ذلك حركة العلم والفقه ذاته. وقد بعث الشيخ محمود شكري الآلوسي (ت ١٣٤٢ هـ) إلى صديقه الشيخ جمال الدين القاسمي (ت ١٣٣٢ هـ) رسالة جاء فيها: (والعبد الفقير يعتذر إليكم من قلة المخابرة تلك المدة المديدة، لما هو فيه من الغوائل والمشاغل الظاهرة والباطنة، فإن القلب قد اعتل لما عرى المسلمين وبلادهم من البلاء، وما صحَّ جسمٌ إذا اعتل قلب، حتى لم يبق لي ميل لمطالعة كتاب ولا سماع مسألة علمية ولا مكالمة مع أحد، فالبلاء قد أحيط بالمسلمين وبلادهم، والخطر أحاط بنا، لا سيما العراق، ونرى الأوغاد هم الذين يسلطون عدوهم، وما ندري ما الله صانع) (١). فإذا كانت الشريعة مستبعدة عن الحكم والقضاء، وكان التعليم الديني في أزمة، وكانت الفتوى تستعمل في أحيان كثيرة سلاحًا لإدارة الخصومات الفكرية والسياسية مما دفعنا إلى حالة من الفوضى الإفتائية (٢)، وكانت الدعوة تعاني من نقص وخلل في فقه الأولويات والموازنات، فما الذي يدفعنا إلى الجزم بأننا نعيش عصر (التجديد الفقهي)؟ ولا بد من التنبيه هنا إلى أن هذه المقدمة لا تتضمن موقفًا جبريًا ولا تقريرًا لواقع فاسد، لكنها وصف لما عليه الحال، وكما

стр. 22

أن الواقع له تأثيره على الفقه فإن للفقه تأثيره الكبير على الواقع، والفقيه مأمور ببيان الحق والنصيحة للأمة على كل حال، لكن أول خطوة في طريق الإصلاح أن نعلم أننا بحاجة حقيقية إليه، وأن نملك العزيمة على القيام بأعبائه، وأن نفقه حقيقة الإصلاحٍ المنشود وأن يصدر عن وعي حقيقي بالذات، وأن يكون إصلاحًا شاملًا بمفهومه الأصلي لا بمفهومه المستعار، حتى إذا خطونا في الإصلاح خطوة عرفناها وحمدناها ودفعتنا للمضي في السبيل ذاته. وقد مر آنفًا في التقسيم المذكور أن من مظاهر التجديد ما هو تجديد فعلي لنا أن نستبشر بمثله، وإن كان لنا أن نختصر الحال في عبارة موجزة فلتكن في قول الشيخ عمر الأشقر (ت ١٤٣٣ هـ): (والمتأمل في هذا العصر يحزن أحيانًا للحال التي وصل إليها الفقه الإسلامي، ويسر أحيانًا لوجود أمور جيدة تبشر بنهضة الفقه، وعودة الحياة إليه) (١). وتقرير مثل هذه المقدمة أمر له ضرورته بين يدي الحديث عن إصلاح الفقيه؛ لأن التشخيص أول خطوات العلاج، ووصفُ بعض الفساد الذي نعيشه باسم الإصلاح فيه غش وتضييع للأمانة، وهذا ما دفع الشيخ وهبة الزحيلي أن يصف هذه المرحلة بأنها: (مرحلة العبث بالفقه الإسلامي تحت مظلة التجديد والمعاصرة) (٢). فإن من الناس من ظن أن الإصلاح إنما يتأتى

стр. 23

بهدم القديم والإعراض عنه، مع أن أولى خطوات التجديد هي قتل القديم بحثًا كما يقال. والمعهود في بابة التجديد أن يضيف إليه الفرد بعد الفرد بامتداد الزمان، غير أن هذا العصر الذي يشهد ضعفًا علميًا واضحًا شهد ظاهرة غريبة، تتمثل في تسلط أناس من غير المتخصصين في الشريعة على علوم الشريعة واعتدائهم عليها بالتبديل والتحريف وإسقاط مفاهيم ونظريات غريبة مستوردة من منظومة معرفية مختلفة في غير مجالها، ليخرجوا بعد ذلك بآراء شديدة الغرابة يستهجنها المتفقه المبتدئ فضلًا عن الفقيه المنتهي، ثم ليصفوا هذه الآراء بأنها تجديد وإصلاح (١). وهذا ما يدعو إلى الحذر في التعامل مع دعاوى الإصلاح، وألا تقبل دعوى إلا بشهادة الفقهاء العدول الأثبات الذين يشهدون لها بأنها خطوة مسددة في سبيل إصلاح فقهي شامل.

стр. 24

الفصل الأول موقع الفقه في خطة الإصلاح ((وكيف يستقيم أن يكون الإسلام شريعة ثم لا يكون له حكومة تنفذ تلك الشريعة؟)) الطاهر بن عاشور [نقد علمي لكتاب الإسلام وأصول الحكم: ٢٥] ((قلما تغلغل الشرع في حياة أمة وفي فكرها هذا التغلغل العميق مثلما فعل في الأدوار الأولى من المدنية الإسلامية)). هملتون جب [دراسات في حضارة الإسلام: ٢٦٣] ((إننا نكاد نجزم بأن الجبر العربي يدين في وجوده للفقه والفقهاء)). د. محمد عابد الجابري [تكوين العقل العربي: ٩٩] ((ولا يمكن أن يكتب تاريخ الموسيقى بعيدًا عن تاريخ الكنيسة في الغرب)). عصام الزفتاوي [رؤية للموسيقى من منطلق حضاري إسلامي، مجلة المسلم المعاصر: ٩٥: ٩٥] ((عناصر الحضارة مظهر خارجي لروح الأمة)). غوستاف لوبون [السنن النفسية لتطور الأمم: ٧٣]

стр. 25

الإصلاح يعني: استقامة الأشياء وإقامتها وفق المصلحة ومقاومة الفساد والإفساد، ويدخل في ذلك إصلاح الأديان والأبدان والعقول والأعراض والأموال، فهذه أمور أصلحها الله ﷻ ببعث الرسل وإنزال الكتب ونهى عن إفسادها ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦] (١). والنظرة إلى معنى الإصلاح لا بد أن تكون نظرة عامة شاملة لا تلتفت إلى جانب من الإصلاح فتقصر اسمه عليه، ولا تسمي الإفساد إصلاحًا، فإن اسم الإصلاح اسم حسن والجميع يدعونه لأنفسهم، حتى الذين يمارسون الفساد بأبشع صوره ينسبون أنفسه إلى الإصلاح. يقول الله ﷻ : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١١، ١٢]، وقال جل جلال: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى

стр. 26

وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر: ٢٦]. وهذه المنازعة في اسم الإصلاح تُحتِّم علينا أن نرجع إلى تحقيق اسم الصلاح والإصلاح في القرآن الكريم، وأن نعتمده أصلًا تبنى عليه خطة الإصلاح الشاملة والمتكاملة، وأن نرفض أي مفهوم آخر لاسم الإصلاح؛ لأنه لن يكون إصلاحًا شاملًا، بل إنه مهما اشتمل عليه من حقائق الإصلاح فإنه يبقى إصلاحًا ناقصًا غير تام. فإن الصلاح كل الصلاح لا يكون إلا في اتباع أمر الله تعالى وشرعه، وهذا الصلاح صلاح حقيقي في الأنفس والحياة والسياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة والأخلاق والبر والبحر، وهذا المعنى من المعاني القطعية في كتاب الله، كما في قول الله ﷻ : ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٦]، وقوله ﷻ : ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٥٦، ٦٦]، وقوله ﷻ : ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١]. وأما الذي يتنكب سبيل القرآن في بيان حقيقة الإصلاح ويضع لاسم الإصلاح شروطًا مدنية دنيوية لا تضع أمر الدين والآخرة في حسبانها فلا يمكن أن يوصف بالاسم المطلق

стр. 27

للإصلاح، وينبغي لفقهاء الشريعة أن يبينوا هذا الأمر ويوضحوه فإنه من محكمات الدين ولا يأخذهم عنه الحديث الملجلج. إن من أعظم الفساد الذي دخل على حياة المسلمين في عصورهم الحديثة ما اجترحته يد المحتل الأوروبي من جريمة إقصاء الشريعة عن الحكم والإدارة في بلدان المسلمين وإحلال القوانين الوضعية مكانها، ومن حل المؤسسات القديمة وإبطال الأوقاف أو تجميدها، ومن فرض الأنظمة الأوروبية في السياسة والتعليم والقضاء والإدارة. لقد دمر المحتلون الغزاة البنية التحتية التي قامت عليها حضارة المسلمين ومعاشهم على نحو انتقلت فيه الحياة العامة من فوضى منظمة إلى تنظيم فوضوي لم يجن منه المسلمون إلا لمزيد من الفساد والظلم والأمية والتبعية، وأصبحت أرضهم الثرية منجمًا للمحتل ينهب خيراتها ثم يجعل منها سوقًا لمنتجاته، ويفرض عليها من قوانينه وأنظمته وعملائه ما يكبلها به عن الحركة ويعيقها عن النهوض، وإذا ما ارادت النهضة فإنه يلزمها بنموذجه في النهضة، وهو ذات النموذج الذي به تمكن من إعاقتها وأسرها، فليس من مصلحة المحتل ولا من أهدافه أن يدعم التنمية الاقتصادية والحياة الكريمة في البلاد التي احتلها، بل ذلك يتعارض تعارضًا مباشرًا مع أهدافه ومصالحه (١).

стр. 28

إن الشريعة لهي روح الأمة وحياتها وبها تكون نهضتها وحضارتها، والذين ينادون أمتهم للعودة إلى شريعتها هم المصلحون حقًا، وهم الذين يريدون لها أن تتصالح مع ذاتها لتنسجم أجزاؤها وتهتدي في ظلمات التيه الذي أوردها موارد الفرقة والشتات. وما لم يصدر نظام الأمة وقانونها من دينها وشريعتها فستظل محاولات الإصلاح فيها محاولات ترقيعية شكلية جزئية ليس لها روح جامعة (١). ومن أمثلة الفساد الناتج عن فرض قانون لا يلائم مزاج الأمة وطبيعتها ما جرى من استبدال القانون الفرنسي بالشريعة الإسلامية في مصر وغيرها، ومما جاء فيه في قانون العقوبات على سبيل المثال تعريف جريمة الزنى بأنها خيانة العلاقة الزوجية، وما يجري من زنى خارج هذا الإطار فإنه لا يكون جريمة إلا إذا كان أحد الطرفين قاصرًا أو وقع الزنى بغير رضاه، وهذا التعريف للزنى في القانون الفرنسي يخالف تعريف الزنى لدى المسلمين وهو الوطء في غير حلال مطلقًا، ولا شك أن التعريف الفرنسي بالإضافة إلى مخالفته للتعريف الفقهي فإنه مصادم لمزاج المسلمين وقميهم وفطرتهم وطبيعتهم الراسخة، وما لم يوجد سبيل صحيح لتطبيق الحكم الشرعي الملائم لمزاجهم الراسخ فسيفضي ذلك إلى فساد عريض، ومن ذلك ما يسمى في

стр. 29

بعض البلدان العربية بـ (جرائم الشرف)، وهي جريمة أخرى نتجت من العبث بهوية الأمة وأخلاقها الراسخة (١). وما هذا المثال إلا صورة مصغرة لما يؤول إليه الوضع العام عندما تهجر الشريعة التي لا يستقيم نظام الأمة إلا بها، ويستورد قانون نشأ وترعرع في بيئة مخالفة في الدين واللغة التاريخ والقيم. إن شرائع الإسلام روح وحياة وأحكام ذات شعب متفاوتة، امتزجت بتصورات المسلمين ووجدانهم وأنظمة دولتهم وأشكال حضارتهم، ولا يمكن في بدائه العقول وطبائع الأشياء أن تنجح فيهم دعوة إصلاح لا تكون صادرة عن هذه الشرائع، وحتى تكون محاولات الإصلاح هذه إسلامية فعليها أن تحافظ على ثوابت الشريعة وتنطلق من قواعدها الأساسية ونظامها الشامل (٢). ونحن في هذا الزمان بأشد الحاجة إلى حركة اجتهادية نشطة تواكب المد الحضاري الكبير الذي تنهال أشكاله على الأمة من كل اتجاه؛ لأن استعمال هذه الأشكال دون فحص عن روحها التي أنتجتها من أسباب طروء الخلل على روح الأمة المستورِدة. وأما ظن بعض الناس أن الحضارة مادة مشتركة لا روح لها فهذا من الخلل الكبير، بل بين الحضارة وبين دين الأمة وثقافتها ارتباط وثيق، ويمكن التمثيل لهذا بفن العمارة في الحضارة

стр. 30

الإسلامية وغيرها من الحضارات، فالعمارة سياق فكري لا يشذ عن مجمل السياقات الفكرية، وهي منبثقة من قيم الحضارة وتراثها وخصوصيتها وبيئتها، ونقلها إلى حضارة أخرى؛ يعني: نقل شيء من روحية تلك الحضارة (١). وإذا ما تأملنا في بناء المدن الإسلامية القديمة وجدنا الأثر الكبير للتصورات الشرعية والأحكام الفقهية في إنشائها وتصميمها، كمركزية المسجد الجامع وتنظيم عرض الطرقات واشتمالها على المرافق والمنشآت الضرورية كالمدارس والأسواق والحمامات، بالإضافة إلى دور الأوقاف في إدارة الحياة الاجتماعية فيها، بل ربما كان الوقف سببًا في إنشاء المدينة ذاتها، مثل ما حصل في إنشاء مدينة سراييفو وتيرانا وغيرهما (٢). كما أن هناك الكثير من الأحكام الفقهية التي تنظم العمران وتلائم روح الدين وطبيعة المجتمع في الوقت نفسه، كإقرار حق الشفعة الذي يعطي الجار أولوية في شراء حصة شريكه من العقار بمثل ثمنها (٣)، مما يضفي نوعًا من الانسجام الاجتماعي في الجوار (٤)، وكطائفة من الأحكام الفقهية

стр. 31

التي تنظم عملية البناء ذاتها كضابط تعدد الطوابق وسعة الطرق وتدبير مجاري المياه وإصلاح المراحيض وتدبير الضوء والهواء واحترام الخصوصيات والحفاظ على الحرمات وغير ذلك من الأحكام (١). والمقصد هنا بيان أثر الفقه في صناعة الحياة الاجتماعية واستقرارها، ودوره في صياغة الهوية الذاتية للأمة وتعزيزها، بل لقد كان الفقهاء حريصين على عدم الإخلال بالموازنات الاجتماعية حتى على مستوى المذاهب الفقهية المستقرة في البلدان، وقد اشتهر عن الإمام مالك (ت ١٧٩ هـ) قوله للمنصور (ت ١٥٨ هـ) لما هم بحمل الناس على كتاب واحد: (يا أمير المؤمنين لا تفعل، فإن الناس قد سبقت لهم أقاويل وسمعوا أحاديث ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم وعملوا به ودانوا له من اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ وغيرهم، وإن ردهم عما اعتقدوه شديد، فدع الناس وما هم عليه وما اختار أهل كل

стр. 32

بلد لأنفسهم) (١). وقد ورث فقهاء المالكية هذا الفقه عن إمامهم وظهر أثره في فتاويهم وأقضيتهم والتزم به ملوكهم وأمراؤهم فمنعوا الناس في بلادهم من الخروج عن مذهب مالك لأجل الاستقرار الاجتماعي (٢)، وقد ظهر مؤخرًا حرص وتأكيد سياسي على الهوية المالكية لبعض بلدان المغرب لأسباب لا تخفى على متابع (٣). كما كان لفقهاء المالكية دور في مكافحة المد الشيعي والإباضي الذي عصف ببلاد الغرب زمنًا واستطاعوا الحفاظ على المذهب السني بالرغم من الاضطهاد الشديد الذي عانوه من العبيديين وغيرهم (٤)، وقد ظهر أثر ذلك في مدونات الفقه وكتب النوازل، كما ظهر في نوع من الصرامة في الجدل الفقهي عندما

стр. 33

يتعلق الخلاف الفروعي بطائفة مخالفة في الأصول، وربما زالت هذه الصرامة وخفَّت حدتها بعد زوال الهيمنة السياسة للطائفة المخالفة (١). ويشرح الشيخ عبد الله كنون (ت ١٤٠٩ هـ) في كتابه ((النبوغ المغربي)) كيف أسهم الفقهاء قبل ذلك في تثبيت الإسلام ونشره في بلاد المغرب أول مرة، وأن المغاربة لم يعادوا الإسلام في أول الأمر ولم يقاوموه تلك المقاومة العنيفة، إلا لجهلهم بحقيقته وعدم إحاطة علمهم بمحاسنه ومزاياه. وقد فطن لذلك الولاة العرب بعد حين، فرتبوا لهم الفقهاء والقراء يلقنونهم العربية ويبصرونهم بالدين، فأنزل عمر بن عبد العزيز (ت ١٠١ هـ) فإفريقية والمغرب عشرة من الفقهاء يعلمون الناس القرآن ويفقهونهم في الدين، وكذلك فعل موسى بن نصير (ت ٩٧ هـ) فرتب عددًا من القراء والفقهاء للغرض نفسه، فلما اكتنهوا كنه الإسلام وعرفوا حقيقته وتمرسوا بتعاليمه السامية وآدابه العالية، أصبحوا من أكبر دعاته وأحمى أنصاره، فجاهدوا في سبيله الجهاد الأكبر وبذلوا النفس والنفيس لإبلاغ دعوته إلى أقاصي البلاد، فهم الذين فتحوا الأندلس وسهلوا طريقها للعرب، ومازالوا بعد ذلك حاميتها وذادتها إلى آخر العهد بها، وهم الذين اقتحموا مجاهل إفريقية وحملوا إليها الهداية الإسلامية والثقافة العربية (٢).

стр. 34

فالفقه له دوره الكبير في صناعة الحياة الاجتماعية وتنظيمها على هيئة تصبح بمرور الزمن من الأحوال الراسخة التي يصعب نقلها، ولما حاول العثمانيون تغليب المذهب الحنفي في تونس على المذهب المالكي السائد فيها، وإدخال اللغة التركية في الزيتونة نجم من ذلك فوضى واختلال (١). وإذا كان هذا الرسوخ والاستقرار الاجتماعي يمكن أن يصيبه نوع من الخلل في حالة فرض مذهب فقهي على بلاد يغلب فيها مذهب آخر مع أنها مذاهب فقهية شرعية معتبرة، فكيف إذًا هي الحال عندما يفرض قانون أجنبي (غريب الوجه واليد واللسان) على بلاد وبيئة تختلف تمامًا عن بيئة القانون وبلاده؟ إن المجتمعات الإسلامية مجتمعات مؤمنة، وللدين والأخلاق وأصول الاعتقاد الأثر الأكبر في صياغة تصوراتها ووجدانها، وليست سلطة القانون الإلزامية وحدها هي من يحملها على الخير والصلاح، بل إن حالة التدين الجماعي وواعظ الله في قلب كل مؤمن والاحتساب والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتربية الوالدين وحقوق النصيحة، كل أولئك من المؤثرات الكبيرة في استقامة المجتمع وصلاحه، وإذا عزلت هذه المؤثرات عن دورها وجرى استيراد قانون أجنبي لا يتلاءم معها فهذا من أسباب الفساد المشرعة مهما وصفت تلك القوانين باسم الإصلاح.

стр. 35

إن الفقه لا يعمل وحده دون منظومة من التدين والأخلاق والوازع النفسي والجماعي، ولو أخذت فرنسا أو سويسرا بأحكام الشريعة فإنها لن تحقق ذات الآثار التي تحققها في مجتمع مسلم مؤمن (١)، وبهذا ندرك جيدًا أن تطبيق شرع الله ﷻ ليس مجرد مسألة فقهية أو قانونية، بل هو حل نفسي واضح وعودة إلى الذات، وهو حجر الزاوية للخروج من حالة التيه والشتات واستعادة الهوية التي عبث بها المحتل ووكلاؤه (٢).

стр. 36

الإصلاح شعار الأنبياء به بعثوا وبه تنزلت الكتب ونصبت الشرائع، وشريعة الإسلام مشتملة على جلب المصالح كلها وعلى درء المفاسد بأسرها، وفيها الخير كله والصلاح كله، وهذه المصالح منها ما يعرفه الذكي والبليد ومنها ما يختص بمعرفته الأذكياء ومنها ما يختص أهل العلم والإيمان بمعرفته كما قال الله ﷻ : ((والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا))، فإن العالم المؤمن يهتم بمعرفة حكم الله وشرعه فيكون بحثه أتم واجتهاده أكمل، كما أن العالم المؤمن يوازن بين المصالح والضروريات فلا يأخذه الالتفات إلى أحدها والانشغال به عن بقية المصالح، فإن من الناس من يلتفت إلى مصالح الدنيا ويهمل مقاصد الآخرة مع أنها مقدمة عليها، ولذا شرع الجهاد مع ما فيه من فوات مصالح الدنيا. وقد فصَّل الفقهاء في مراتب المصالح وأفاضوا في دقائق قواعد الموازنات والمفاضلات، والمصالح في جملتها ترجع إلى خمسة مصالح وهي الدين والنفس والعقل والعرض

стр. 37

والمال، وقد جاءت الشريعة بحفظ هذه المصالح من جهة إقامتها وإنشائها ومن جهة حراستها والحفاظ عليها، وتفاصيل الفقه وفروعه ترجع مآلاتها إلى هذا المعنى (١). وهذه المصالح لا تنافي قضايا العقول ولا تأتي بما يخالفها، فإن هذه الشريعة الخاتمة شريعة كمال وجمال وما جاء فيها من الشرائع فهي شرائع موافقة لمصلحة البشر وفيها الرحمة والخير والنعمة التامة. قال القرطبي (ت ٦٧١ هـ) في قول الله تعالى: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣]: (أي: بإكمال الشرائع والأحكام) (٢) ولئن شرع الله ﷻ على بعض الأمم شرائع فيها عنت ومشقة على سبيل العقوبة لهم، فإن هذه الأمة أمة مرحومة لم يكلفها الله تعالى فوق طاقتها ولم يحمل عليها إصرًا كما حمله على الذين من قبلها ولم يشرع لها إلا ما فيه مصلحتها ونفعها في الدنيا والآخرة (٣)، وأما ما قد يعرض لبعض العقول من الاعتراض على بعض الشرائع فإن وقوع هذا لا بد منه، فإن الفساد يتطرق إلى العقول كما يتطرق إلى الأبصار والأسماع فيرى الشيء بخلاف ما هو عليه. قال مسكويه (ت ٤٢١ هـ): (ليس يجوز أن ترد الشريعة من قبل الله تعالى بما يأباه العقل ويخالفه، ولكن الشاك في هذه

стр. 38

المواضع لا يعرف شرائط العقل وما يأباه، فهو أبدًا يخلطه بالعادات ويظن أن تأبِّي الطباع من شيء هو مخالفة العقل. وقد سمعت كثيرًا من الناس يتشككون بهذه الشكوك وحضرت خصوماتهم وجدالهم فلم يتعدوا ما ذكرته) (١). والفقهاء في ممارساتهم الفقهية المختلفة يتدربون ويتفقهون على إدراك المصالح واعتبارها، وهذه المصالح التي يتطلبونها مصالح بينت الشريعة أصولها وسبل الاهتداء إليها، ولئن اختلفت القوانين الحديثة في المرجعية المعيارية التي تبني عليها القوانين فإن مبنى هذه الشريعة على محكمات الدين وأصوله، وهذا ما يعصم مسار الإصلاح بعمومه من المتاهات التي ضلت فيها عقول الذين لا يؤمنون بالدين ولا يحتكمون إلى شرع الله وأمره، فإن صحة التصورات ومتانة البناء الأخلاقي ورسوخه قاعدة تبتني عليها الأحكام والشرائع، وأهدى العقول هي العقول التي تتصالح مكوناتها الاعتقادية والأخلاقية والقانونية، وشريعة الإسلام أقوم الشرائع في هذا وأعدلها؛ لأنها شريعة الله الذي له الخلق والأمر، والذي فرض أمره ونهيه على مقتضى ما أجرى به خلقه من السنن، وجبل عليه الناس من الطبائع (٢). إن طبيعة الفقه طبيعة إصلاحية، وهو لا يكتفي بالفعل

стр. 39

السلبي كحال القوانين التي تفصل بين الناس عندما يتنازعون ويتخاصمون، بل يمارس دوره الإيجابي الفعال في الإصلاح، وكذلك الدولة التي تقوم بالشريعة فإنها ليست ذات غاية سلبية بحيث تقتصر مهمتها على حماية الناس من العدوان وحفظ حرياتهم أو الدفاع عن الدولة نفسها، بل غاية الدولة في الإسلام إيجابية تدعو إلى الخير وتنهى عن الشر وتتمثل قول الله ﷻ : ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج: ٤١] (١). وإطلاقات الفقهاء في أن من أغراض الخلافة أو الإمامة أو الدولة حراسة الدين (٢)، ليس مقصودهم منها الجانب السلبي للحراسة والمفهوم السلبي للدولة بقصر وظيفتها على الرعاية والتمكين، بمعنى حماية الحريات الفردية بمفهومها التقليدي وتمكين الأفراد من ممارستها وفق ما تمليه عليهم رغباتهم، فإن مفهوم الدولة ووظائفها في الإسلام يؤخذ من الشريعة ذاتها، ومن ذلك حراسة الدين بحفظه ونشره والدعوة إليه وإنفاذ شرائعه، واستخدام القوة في تحقيق هذه المقاصد العليا، وهذه جوانب إيجابية توضح رسالة الدولة وغايتها الإصلاحية في الإسلام، حيث تقيم المجتمع كله على أسس إسلامية في الحكم والإدارة والسياسة، وفي العلوم والفنون والآداب، وفي الاجتماع والاقتصاد (٣).

стр. 40

إن الإصلاح في الإسلام إصلاح شمولي، ولا يمكن الفصل في منهاج الشريعة بين إصلاح الإنسان وإصلاح الدين وإصلاح العلاقة مع الله ﷻ ، والرؤى التي تحاول الفصل هي رؤى متأثرة بمفاهيم أجنبية للإصلاح لا يتم بها الصلاح الحقيقي، ولذا فإننا نلحظ أن الإصلاح فيها يشتمل على نوع من الفساد يلازمه أو يقتضيه، وتظل فلسفات البشر تلاحق متوالية الفساد هذه في غفلة عن القانون الرباني الذي لا يجري الصلاح التام إلا به. يشير إدغار موران في كتابه ((هل نسير إلى الهاوية)) إلى أن هناك صلة متينة لا تنفك عراها بين المسلسلات السالبة والمسلسلات الموجبة، فالتوحيد التقني والاقتصادي الذي أحدثه الغرب يؤدي على الصعيد العام إلى تشرذم وعنصرية، والليزر يقتل ويشفي، والتقنيات المتناهية في الصغر تبشر وتنفر، والتقدم العلمي أدى إلى إنتاج السلاح النووي وانتشار أسلحة القتل الجماعي، وعولمة السوق الاقتصادية صنعت جزرًا صغيرة للثراء والرخاء توازيها مناطق للبؤس تتكون في مدن الصفيح حول التجمعات السكنية في أنحاء المعمورة، بالإضافة إلى تفكك أشكال التكافل التقليدية وتفشي الفساد والجريمة والمخدرات، فتزوال أشكال من التعاسة البشرية لتخلفها أشكال أخرى، وتحدث أشكال جديدة من الاحتقار لتخلف أشكالًا قديمة منه (١).
следующие страницы →