مع المعلمين
المقدمة
الحمد لله الذي علَّم بالقلم، علَّم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على النبي الأكرم، الذي دلَّ الأمة على الخير وسلك بها الطريق الأمَمَ الأقوم.
أما بعد
فإن المعلمين هم حُماةُ الثُّغور، ومربو الأجيال، وسُقَاةُ الغرس، وعُمَّارُ المدارس، المستحقون لأجر الجهاد، وشكر العباد، والثواب من الله يوم المعاد.
ثم إن الحديث عن المعلمين ذو شجون؛ فلهم هموم وشؤون، ولهم آمال وآلام، وعليهم واجبات وتبعات.
ولقد يسر الله أن جمعت بعض الخواطر والنقول في هذا الشأن؛ فأحببت نشرها في صفحات؛ عسى أن تعم الفائدة بها.
وقد جاءت تلك الصفحات حاملةً المسمى الآتي:
مع المعلمين
فهي تدور مع المعلمين في شجونهم وشؤونهم، وفي أدبهم في أنفسهم، ومع زملائهم وطلابهم، إلى غير ذلك مما يدور في فلكهم.
فيا معاشر المعلمين سلامٌ من الله عليكم، وتحيات مباركاتٌ تُزجى إليكم، وثناء عليكم يَأْرَج كالمسك من محبٍّ لكم.
ثم إن هذه الصفحات مهداة إليكم فعسى أن تنال رضاكم، وتجد قبولًا عندكم.
فإلى تلك الصفحات، والله المستعان وعليه التكلان.
стр. 2
١ - استحضار فضل العلم والتعليم:
فللعلم شأن جلل، وفضل عظيم، ومكانة سامقة، فيحسن بالمعلمين أن يستحضروا هذا المعنى، ويضعوه نصب أعينهم وفي سويداء قلوبهم؛ فما يقدمونه في سبيل العلم يعلي ذكرهم، ويزكي علومهم، ويعود بالنفع عليهم وعلى أمتهم.
ولهذا فلا غرو أن تتظاهر آثار الشرع، وأقوال السلف، وكلمات الحكماء في بيان فضل العلم ونشره بين الناس.
قال -تعالى -: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (المجادلة: ١١) .
قال ابن عباس ﵄: العلماء فوق المؤمنين مائة درجة، ما بين الدرجتين مائة عام. (١)
قال وهب ابن منبه: يتشعب من العلم الشرفُ وإن كان صاحبه دَنِيًّا، والعز وإن كان صاحبه مهينًا، والقرب وإن كان قصيًّا، والغنى وإن كان فقيرًا، والمهابة وإن كان وضيعًا. (٢)
стр. 3
وقال أبو الوليد الباجي في وصيته لولديه: والعلم لا يفضي بصاحبه إلا إلى السعادة، ولا يقصر عن درجة الرفعة والكرامة، قليله ينفع، وكثيره يعلي ويرفع، كنز يزكو على كل حال، ويكثر مع الإنفاق، ولا يغصبه غاصب، ولا يُخاف عليه سارق ولا محارب؛ فاجتهدا في تحصيله، واستعذبا التعب في حفظه والسهر في درسه، والنصب الطويل في جمعه، وواظبا على تقييده وروايته، ثم انتقلا إلى فهمه ودرايته. (١)
وقال ابن حزم: لو لم يكن من فضل العلم إلا أن الجهال يهابونك، وأن العلماء يجلونك - لكان ذلك سببًا إلى وجوب طلبه، فكيف بسائر فضله في الدنيا والآخرة؟.
ولو لم يكن من نقص الجهل إلا أن صاحبه يحسد العلماء، ويغبط نظراءه من الجهال - لكان ذلك سببًا إلى وجوب الفرار عنه، فكيف بسائر رذائله في الدنيا والآخرة؟ . (٢)
وعن سفيان الثوري والشافعي ﵄: ليس بعد الفرائض أفضل من طلب العلم. (٣)
стр. 4
قال ابن جماعة بعد أن ساق جملة من الآثار عن السلف في فضل العلم: وقد ظهر بما ذكرنا أن الاشتغال بالعلم لله أفضل من نوال العبادات البدنية من صلاة، وصيام، وتسبيح، ودعاء، ونحو ذلك؛ لأن نفعَ العلم يعم صاحبه والناسَ، والنوافل البدنية مقصورةٌ على صاحبها، ولأن العلم مصحح لغيره من العبادات؛ فهي تفتقر إليه، وتتوقف عليه، لا يتوقف هو عليها، ولأن العلماء ورثة الأنبياء -عليهم الصلاة والتسليم - وليس ذلك للمتعبدين، ولأن طاعة العالم واجبة على غيره فيه، ولأن العلم يبقى أثره بعد موت صاحبه، وغيرُهُ من النوافل تنقطع بموت صاحبها، ولأن في بقاء العلم إحياءَ الشريعة، وحفظ معالم الملة. (١)
هذا شيء من فضل العلم، أما فضل نشر العلم وبثه بين الناس فيكفي في ذلك قول المصطفى ": «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقةٍ جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» . (٢)
قال ابن جماعة في هذا الحديث: وأنا أقول: إذا نظرت وجدت معاني الثلاثة موجودة في معلم العلم؛ أما الصدقة فإقراؤه إياه العلم وإفادته إياه؛ ألا ترى إلى قوله في المصلي وحده: «من يتصدق على هذا» .
стр. 5
أي بالصلاة معه؛ لتحصل فضيلة الجماعة، ومعلم العلم يحصل للطالب المنتفع به فضيلة العلم التي هي أفضل من صلاة في جماعة، وينال بها شرف الدنيا والآخرة.
وأما العلم المُنْتَفع به فظاهر؛ لأنه كان سببًا لإيصاله ذلك العلم إلى كل من انتفع به.
وأما الدعاء الصالح له فالمعتاد المستقر على ألسنة أهل العلم والحديث قاطبة من الدعاء لمشايخهم وأئمتهم.
وبعض أهل العلم يدعون لكل من يذكر عنه شيء من العلم، وربما قرأ بعضهم الحديث بسنده، فيدعو لجميع رجال السند؛ فسبحان من اختص من شاء من عباده بما شاء من جزيل عطائه. (١)
قال الشيخ عبد الرحمن ابن سعدي: فالمعلم مأجور على نفس تعليمه، سواء أفهم المتعلم أو لم يفهم؛ فإذا فهم ما علمه، وانتفع به بنفسه أو نفع به غيره - كان الأجر جاريًا للمعلم ما دام النفع متسلسلًا متصلًا.
وهذه تجارة بمثلها يتنافس المتنافسون؛ فعلى المعلم أن يسعى سعيًا شديدًا في إيجاد هذه التجارة؛ فهي من عمله وآثار عمله.
قال -تعالى -: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ (يس: ١٢) .
стр. 6
فـ ﴿مَا قَدَّمُوا﴾ ما باشروا عمله، ﴿وَآثَارَهُمْ﴾ : ما ترتب على أعمالهم من المصالح والمنافع أو ضدها في حياتهم وبعد مماتهم. (١)
قال ابن جماعة: واعلم أن الطالب الصالح أعودُ على العالِم بخير الدنيا والآخرة من أعز الناس عليه، وأقرب أهله إليه.
ولذلك كان علماء السلف الناصحون لله ودينه يُلْقون شبك الاجتهاد لصيد طالب ينتفع الناس به في حياتهم ومِنْ بعدهم.
ولو لم يكن للعالم إلا طالب واحد ينفع الله بعلمه وهديه لكفاه ذلك الطالب عند الله -تعالى -؛ فإنه لا يتصل شيء من علمه إلى أحد فينتفع به إلا كان له نصيب من الأجر. (٢)
فأكرم بالتعليم من مهنة، وأعظم به من شرف ومهمة.
أعَلِمْتَ أشرفَ أو أجلَّ من الذي ... يبني وينشئ أنفسًا وعقولا
(٣)
هذا وسيأتي مزيد بيان لفضل العلم والتعليم ضمنًا في الفقرات التالية.
стр. 7
٢ - استشعار المسؤولية:
فمسؤولية التعليم عظيمة، والأمانة الملقاة على عواتق أهله كبيرة؛ فما طريق المعلمين بلا حبةٍ، ولا مهمتهم بيسيرة؛ فلقد تحملوا الأمانة وهي ثقيلة، واستحقوا الإرث وهو ذو تبعات، وينتظر منهم ما ينتظره المدلج في الظلام من تباشير الصبح؛ فإن الأمة ترجو أن يبنى بهم جيل قوي الأسر، شديد العزائم، سديد الآراء، متين العلم، متماسك الأجزاء.
ولا يقال هذا الكلام؛ تهويلًا، وإنما يقال؛ ترويضا؛ فمن وطن نفسه على المكروه هانت عليه الشدائد، ووجد كل شيء باسما جميلًا محبوبًا.
ومن تخيل الراحة، وحكم أخيلتها في نفسه، ثم كذبته الآمال -كان بين عذابين، أمضَّهما كذب المخيلَة. (١)
قال ابن حزم: وطن نفسك على ما تكره يَقِلَّ هَمُّك إذا أتاك، ويعظمَ سرورُك ويتضاعف إذا آتاك ما تحب مما لم تكن قدَّرْتَه. (٢)
فيا معاشر المعلمين، إنكم عاملون فمسؤولون عن أعمالكم، فمجزيون عنها من الله، ومن الأمة، ومن التاريخ، ومن الجيل الذي تقومون عليه كيلًا بكيل، ووزنًا بوزن؛ فإن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم ولكم من الله فضل جزيل، ومن التاريخ والأمة ثناء جميل.
стр. 8
وإن قصرتم فقد أسأتم لأنفسكم ولأمتكم، وإن لما يبوء به المقصرون من الندامة والمرارة ما يحلو معه بخع النفوس، وإتلاف المهج.
وتلك هي الحالة التي نعيذ أنفسنا - معاشر المعلمين - بالله من تسبيب أسبابها، وتقريب وسائلها.
كيف وقد نهى ديننا الحنيف عن التقصير في الواجبات، ونعى التفريط في الحقوق، وبين آثاره وعواقبه، وحض على الأعمال في مواقيتها، وقبح الكسل، والتواكل، والإضاعة، فشرع لنا بذلك كل شرائع الحزم والقوة وضبط الوقت والنفس مالم يشرعه قانون، ولم تأت به عقلية.
وما أخَذَنا بذلك إلا ليأخذ بِحُجَزِنا عن التَّهَوّي في الكسل والبطالة، ويقينا تَجَرُّعَ مرارة الندم، وحرارة الحسرة. (١)
قال الله - تعالى -: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (النساء: ٥٨) .
وقال : ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ (الأحزاب: ٧٢) .
وقال النبي ": «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» . (٢)
стр. 9
فيا معاشر المعلمين، إنكم رعاة ومسؤولون عن رعيتكم، وإنكم بناة وإن الباني لمسؤول عما يقع في البناء من زيغ أو انحراف.
وإذا كان في الأنابيب حيف ... وقع الطيش في صدور الصِّعَاد
فالتعليم هو التكوين الأول للناشئة، وعلى أساسها يبنى مستقبلهم في الحياة؛ فإن كان هذا التكوين صالحًا كانوا صالحين لأمتهم ولأنفسهم، وإن كان مختلًا ناقصًا زائغًا بنيت حياة الجيل كله على فساد، وساءت آثاره في الأمة وكانت الأمية أصلح لها، وأسلم عاقبة.
قال الحكيم العربي:
إذا ما الجرح رمَّ على فساد ... تَبَيَّن فيه تفريط الطبيب
وقال شوقي:
وإذا المعلم ساء لحظَ بصيرةٍ ... جاءت على يده البصائرُ حُولا
(١)
إن تبعة ذلك تلقى على المعلمين الكرام؛ فلينظروا أي موقف أوقفتهم الأقدار فيه، وليشدوا الحيازيم لأداء الأمانة على وجهها، وليعلموا أنهم إنما يبنون للأمة من كل جيل ساقًا حتى يعلو البناء ويشمخ، وإن البناء لا يعلو قويًا، صحيحًا، متماسك الأجزاء، متعاصيًا على الهزات والزلازل - إلا إذا كان الأساس قويًا متينًا، متمكنًا ركينًا. (٢)
стр. 10
إذا كان الأمر كذلك فإنه لا يحسن بنا - معاشر المعلمين - أن نتنصل عن المسؤولية، أو أن نلقي بالتبعات على غيرنا، فنلقي بها على البيت، وفساد الزمان، وقلة المعين وما إلى ذلك..
بل نقوم بما هو فرض علينا، ونؤدي الأمانة المنوطة بنا على أكمل وجه وأتمه.
قال العلامة محمد البشير الإبراهيمي في وصيته للمعلمين: إنكم تجلسون من كراسي التعليم على عروش ممالك، رعاياها أطفال الأمة؛ فسُوسُوهُمْ بالرفق والإحسان، وتَدَرَّجوا بهم من مرحلة كاملة في التربية إلى مرحلةٍ أكملَ منها.
إنهم أمانة الله عندكم، وودائع الأمة بين أيديكم، سلمتهم إليكم أطفالًا؛ لتردوها إليها رجالًا، وقدمتهم إليكم هياكل؛ لتنفخوا فيها الروح، وألفاظًا؛ لتعمروها بالمعاني، وأوعية؛ لتملؤها بالفضيلة والمعرفة. (١)
ومما يحسن التنبيه عليه في هذا الصدد أن مسؤولية التربية والتعليم لا تقتصر على معلمي الشريعة أو اللغة أو ما يدور في فلكهما.
стр. 11
بل هي عامة، ومناطة بكل معلم ومرب؛ فالعلم النافع الذي دل عليه الكتاب والسنة هو كل علم أثمر الثمار النافعة، وأوصل إلى المطالب العالية، فكل ما زكى الأعمال، ورقى الأرواح وهدى إلى السبيل - فهو من العلم النافع، لا فرق في ذلك بين ما تعلق بالدنيا أو بالآخرة؛ فشرف الدين لازم لشرف الدنيا، وسعادة المعاش مقترنة بسعادة المعاد.
والشريعة بكمالها وشمولها أمرت بتعلم جميع العلوم النافعة من العلم بالتوحيد وأصول الدين، ومن علوم الفقه والأحكام، ومن العلوم العربية، والاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، والحربية، والطبية، إلى غير ذلك من العلوم التي يكون بها قوام الأمة، وصلاح الأفراد والمجتمعات. (١)
стр. 12
٣ - لزوم التقوى بكل حال:
فالتقوى هي العدة في الشدائد، والعون في الملمات، وهي مهبط الرَّوْح والطمأنينة، ومتنزل الصبر والسكينة، وهي مِرقاة العز، ومعراج السمو إلى السماء، وهي التي تُثبِّتُ الأقدام في المزالق، وتربط على القلوب في الفتن.
فما أحوجك أخي المعلم إلى تقوى الله وما أجدرك بدوام مراقبة ربك في سرك وعلانيتك، وفي أقوالك وأعمالك؛ فإنك أمين على ما أودعك الله من العلوم، وما منحك من الحواس والفهوم.
ومن لزوم التقوى طهارةُ الباطن من الأخلاق الرديئة، والمحافظةُ على شعائر الإسلام كإقامة الصلاة في المساجد، وإفشاء السلام للخواص والعوام، وما يستتبع ذلك مما سيرد ذكره في ما سيأتي -إن شاء الله تعالى -. (١)
стр. 13
٤ - الإقبال على القرآن وقراءته بتدبر وتعقل:
فالقرآن هو الذي ربى الأمة وأدبها، فزكى منها النفوس، وصفى القرائح، وأذكى الفِطَن، وجلا المواهب، وأرهف العزائم، وأعلى الهمم، وصقل الملكات، وقوَّى الإرادات، ومكَّن للخير في النفوس، وغرس الإيمان في الأفئدة، وملأ القلوب بالرحمة، وحفز الأيدي للعمل النافع، والأرجل للسعي المثمر، ثم ساق هذه القوى على ما في الأرض من شر وباطل وفساد فَطهرها منه تطهيرًا، وعمرها بالحق والإصلاح تعميرًا.
والقرآن هو الذي جلا العقول على النور الإلهي فأصبحت كشافة عن الحقائق العليا، وطهر النفوس من أدران السقوط والإسفاف إلى الدنايا فأصبحت نزاعة إلى المعالي، مُقْدِمَةً على العظائم؛ فلم يزل بها هذا القرآن حتى أخرج من رعاة النَّعم رعاة الأمم، وأخرج من خمول الأمية أعلامَ العلمِ والحكمة.
وبهذه الروح القرآنية اندفعت تلك النفوسُ بأصحابها تفتح الآذانَ قبل البلدان، وتمتلك بالعدل والإحسانِ الأرواحَ قبل الأشباح. (١)
فحقيق علينا -معاشر المعلمين - أن نقبل على كتاب ربنا -جل وعلا - قراءةً، وتدبرًا، وفهمًا، وعقلًا، واهتداءً بهديه، وتخلقًا بأخلاقه؛ لنحظى بأجلِّ الخيرة، ونظفر بحميد العاقبة.
стр. 14
٥ - ملازمة ذكر الله -:
فبذكر الله تطمئن القلوب، وتزكو النفوس، وتزول الهموم والغموم.
قال -تعالى -: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: ٢٨) .
ثم إن ذكر الله يهون الصعاب، ويزيد في القوة، قال ابن القيم في معرض حديثه عن فضائل الذكر: إن الذكر يعطي الذاكرة قوة، حتى إنه ليفعل مع الذكر ما لم يظن فعله بدونه.
وقد شاهدت من قوة شيخ الإسلام ابن تيمية في سننه، وكلامه، وإقدامه أمرًا عجيبًا، فكان يكتب في اليوم من التصنيف ما يكتبه الناسخ في جمعة وأكثر.
وقد شاهد العسكر من قوته في الحرب أمرًا عظيمًا. (١)
زيادة على ذلك فإن ملازمة الذكر يعد من أجل الأعمال إن لم يكن أجلها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: مما هو كالإجماع بين العلماء بالله وأمره أن ملازمة ذكر الله دائمًا هو أفضل ما شغل العبد به نفسه في الجملة. (٢)
وأفضل الذكر بعد القرآن تلك الكلمات الأربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.
وكذلك لا حول ولا قوة إلا بالله؛ فهذه الكلمة لها تأثير عجيب في ثبات القلب، ومعاناة الأشغال، وركوب الأهوال. (٣)
стр. 15
٦ - وقل ربي زدني علمًا:
فلا تستنكف من التعلم، ولا تقنع بما لديك من العلم، فالعلم أساس ترفع عليه قواعد السعادة، ولا تنفتح كنوزه إلا بتدقيق النظر ممن تصدى للإفادة والاستفادة.
فيا أيها المعلم المبارك أعيذك بالله من صنيع بعض المعلمين؛ فما أن ينال الشهادة التي تؤهله للتعليم إلا وينبذ العلم وراءه ظهريًا، إما اشتغالًا عن العلم، أو زهدًا به، أو ظنًا منه أنه قد استولى بالشهادة على الأمد، وأدرك بها الغاية القصوى من العلم.
وما هي إلا مدة ثم ينسى كثيرًا مما تلقاه من العلم أيام الطلب، وإذا تمادى به الأمر كاد أن يعدَّ من جملة العوام.
فما ذلك المسلك بسديد ولا رشيد؛ فلم يقض حق العلم، بل لم يدر ما شرف العلم ذلك الذي يطلبه لينال به رزقًا، أو ينافس به قرينًا، حتى إذا أدرك وظيفة، أو أنس من نفسه الفوز على القرين -أمسك عنانه ثانية، وتنحى عن الطلب جانبًا.
стр. 16
وإنما ترفع الأوطان رأسها، وتبرز في مظاهر عزتها بهمم أولئك الذين يقبلون على العلم بجد وثبات، ولا ينقطعون عنه إلا أن ينقطعوا عن الحياة، لا تحول بينهم وبين نفائس العلوم وعورةُ المسلك، ولا طول مسافة الطريق، بعزم يبلى الجديدان وهو صارم صقيل، وحرص لا يشفي غليله إلا أن يغترفوا من العلوم بأكواب طافحة. (١)
فالاشتغال بالعلم، والتزود منه -يثبته، ويزيده، ويفتح أبوابه.
ولو لم يأت من ذلك كله إلا أن الاشتغال بالعلم يقطع عن الرذائل، ويوصل إلى الفضائل.
قال ابن حزم: لو لم يكن من فائدة العلم والاشتغال به إلا أن يقطع المشتغل به عن الوساوس المضنية، ومطارح الآمال التي لا تفيد غير الهم، وكفاية الأفكار المؤلمة للنفس -لكان ذلك أعظمَ داعٍ إليه، فكيف وله من الفضائل ما يطول ذكره؟ . (٢)
قال سعيد بن جبير: لا يزال الرجل عالمًا ما تَعَلَّم، فإذا ترك العلم وظن أنه قد استغنى واكتفى بما عنده -فهو أجهل ما يكون. (٣)
كيف لا وهذا رسول الله " وهو المعلَّم والمزكَّى من الله يأمره الله أن يقول: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (طه: ١١٤) .
قال الإمام الشافعي:
стр. 17
إذا هجع النُّوَّام أسبلت عبرتي ... وَرَدَّدْتُ بيتًا وهو من ألطف الشعر
أليس من الخسران أن لياليًا ... تَمُرُّ بلا علمٍ وتحسب من عمري
(١) .
قال أبو إسحاق الإلبيري في فضل العلم والمواظبة على طلبه:
أبا بكرٍ دعوتُك لو أَجَبْتَا ... إلى ما فيه حَظُّك إنْ عقلتا
إلى علم تكون به إِمامًا ... مطاعًا إن نهيت وإن أمرتا
وتجلو ما بعينك من عَشَاها ... وتهديك السبيلَ إذا ضللتا
وتحمل منه في ناديك تاجًا ... ويكسوك الجمالَ إذا اغْتَرَبْتَا
ينالك نَفْعُهُ ما دمت حَيًّا ... ويبقى ذُخْرُه لك إن ذهبتا
هو العَضْبُ المُهَنَّدُ ليس ينبو ... تصيب به مقاتل من ضربتا
وكنز لا تخاف عليه لِصًّا ... خفيف الحمل يوجد حيث كنتا
فلو قد ذقت من حلواه طعمًا ... لآثرت التعلم واجتهدتا
ولم يشغلك عنه هوىً مطاعٌ ... ولا دنيا بزخرفها فُتنتا
ولا ألهاك عنه أنيقُ روضٍ ... ولا خِدْرٌ بِرَبْرَبِهِ (٢) كَلِفتا
فَقُوتُ الروح أرواحُ المعاني ... وليس بأن طعمت وأن شربتا
فواظبْه وخذ بالجد فيه ... فإن أعطاكه الله أخذتا
(٣)
стр. 18
٧ - الإخلاصَ الإخلاصَ: (١)
فالإخلاص يرفع شأن الأعمال حتى تكون مراقي للفلاح، والإخلاص هو الذي يحمل على مواصلة عمل الخير، وهو الذي يجعل في عزم الرجل متانة، ويربط على قلبه إلى أن يبلغ الغاية.
وكثير من العقبات لا يساعدك على العمل لتذليلها إلا الإخلاص.
ولولا الإخلاص يضعه الله في قلوب زاكيات لحرم الناس من خيرات كثيرة تقف دونها عقبات.
ومدار الإخلاص على أن يكون الباعث على العمل أولًا امتثال أمر الله، وابتغاء وجهه .
ولا حرج على من يطمح بعد ذلك إلى شيء آخر كالفوز بنعيم الآخرة، والنجاة من أليم عذابها.
بل لا يذهب بالإخلاص بعد ابتغاء وجه الله أن يخطر ببال الإنسان أن للعمل الصالح آثارًا طيبة في هذه الحياة الدنيا، كطمأنينة النفس، وأمنها من المخاوف، وصيانتها من مواقف الهون، إلى غير ذلك من الخيرات التي تعقب العمل الصالح، ويزداد بها إقبال النفوس على الطاعات قوة إلى قوة.
стр. 19
والذي يرفع الشخص إلى أقصى درجات الفضل إنما هو الإخلاص الذي يجعله الإنسان حليف سيرته، فلا يقدم على عمل إلا وهو مستمسك بعروته الوثقى، ولا تبالغُ إذا قلت: إن النفس التي تتحرر من رق الأهواء ولا تسير إلا على ما يمليه عليها الإخلاص هي النفس المطمئنة بالإيمان، المؤدبة بحكمة الدين ومواعظه الحسنة؛ فذلك الإخلاص هو الذي يسمو سلطانهُ على كل سلطان، ويبلغ أن يكون مبدأً راسخًا تصدر عنه الأعمال بانتظام.
ثم إن العمل المثمر هو الذي ينبني على عقيدة؛ لئلا يتناقض، وما تدفعه إرادة؛ لئلا يتراجع، وما يحثه جهاد؛ لئلا يقف، وما يصحبه تجرد؛ لئلا يتهم، وما ينتشر؛ لئلا يضيق فيضيع، وما تكون غايته الخير؛ لئلا يكون فسادًا في الأرض.
وذلك إنما يكون بالإخلاص؛ فإن للإخلاص تأثيرًا عظيمًا في هذا الشأن؛ فمن تَعَكَّسَتْ عليه أمورُه، وتضايقت عليه مقاصده فليعلم أن بذنبه أصيب، وبقلة إخلاصه عوقب.
فإذا كان الإخلاص بهذه المثابة، وإذا كان له تلك المآثر فحقيق علينا -معاشر المعلمين - أن نضعه نصب أعيننا، وأن نجاهد أنفسنا على التحلي به، وأن نربي من تحت أيدينا عليه؛ لكي يتخرجوا رجالًا يقوم كل منهم بالعمل الذي يتولاه بحزم وإتقان.
стр. 20
وإن مما يعين على التحلي بالإخلاص أن تعلم أخي المعلم أن الإخلاص يثمر لك أن تتمتع بما يتمتع به غيرك من مزايا مادية، وإجازات وترقيات، وتزيد عليهم أن تتذوق عملك، وتعشق مهمتك، وتقبل عليها بكل ارتياح وسرور، وأن جميع ساعاتك التي تقضيها في إعداد دروسك، وفي ذهابك إلى المدرسة وإيابك منها مدخرة لك عند الله .
أما الآخرة -وهي المقصود الأعظم، والمطلب الأسمى -فهناك أي ثواب ستناله، وأي أجر ينتظرك؟ هذه أمور علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى، والله يضاعف لمن يشاء.
стр. 21
٨ - القدوة القدوة:
فالمعلم كبير في عيون طلابه، والطلاب مولعون بمحاكاته والاقتداء به؛ لذلك كان لزامًا على المعلمين أن يتصفوا بما يدعو إليه العلمُ من الأخلاق والأعمال؛ فهم أحق الناس بذلك وأهلُه؛ لما تميزوا به من العلوم التي لم تحصل لغيرهم، ولأنهم قدوة للناس.
فإذا كانوا كذلك أثَّروا على طلابهم، وانطبع من تحت أيديهم على أخلاق متينة، وعزائم قوية، ودين صحيح.
وإن المعلم لا يستطيع أن يربي تلاميذه على الفضائل إلا إذا كان هو فاضلًا، ولا يستطيع إصلاحهم إلا إذا كان بنفسه صالحًا؛ لأنهم يأخذون عنه بالقدوة أكثر مما يأخذون عنه بالتلقين.
ولقد كان السلف الصالح ﵃ يستعينون بالعمل على العلم؛ لأن العلم إذا عُمِل به نما، واستقر، وكثرت بركته.
وإذا ترك العمل به ذهبت بركته، وربما صار وبالًا على صاحبه؛ فروح العلم، وحياته، وقوامه إنما هو بالقيام به عملًا، وتخلقًا، وتعليمًا، ونصحًا؛ فالشرف للعلم لا يثبت إلا إذا أنبت المحامد، وجلب السعادة، وأثمر عملًا نافعًا.
стр. 22
ومما يحقق ذلك قوله -تعالى -: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ (الجمعة: ٥) .
فانظر كيف ذم الله الذين درسوا التوراة، وأتوا عليها تلاوةً، ثم أحجموا عن العمل بموجبها -في أسلوب بليغ؛ فضرب في وصفهم مَثَلَ الحمار يحمل الأسفار؛ من حيث خلوهم عن المزية، وعدم استحقاقهم للحاق بزمرة العلماء؛ إذ لا ميزة بين من يحمل كتب الحكمة على غاربه وبين من يضعها داخل صدره أو دماغه إذا صدَّ وجهه عن العمل بها.
وتنسحب هذه المذمة على كل من حفظ علمًا طاشت به أهواؤه عن اقتفائه بصورة من العمل تطابقه. (١)
قال الإلبيري في العلم:
وإن أوتيت فيه طويلَ باعٍ ... وقال الناس إنك قد سبقت
فلا تأمنْ سؤالَ الله عنه ... بتوبيخٍ علمت فهل عملتا
فرأسُ العلم تقوى الله حقًّا ... وليس بأن يقال: لقد رأستا
إذا ما لم يُفِدْك العلم خيرًا ... فخيرٌ منه أنْ لَوْ قَدْ جهلتا
وإن ألقاك فَهْمُكَ في مهاوٍ ... فليتك ثم ليتك ما فهمتا
(٢)
قال الخطيب البغدادي: فإن العلم شجرة، والعمل ثمرة، وليس يعد عالمًا من لم يكن بعلمه عاملًا. (٣)
стр. 23
وقال: فلا تأنس بالعمل ما دمت مستوحشًا من العلم، ولا تأنس بالعلم ما كنت مقصرًا في العمل، ولكن اجمع بينهما وإن قلَّ نصيبُك منهما. (١)
قال الشيخ محمد البشير الإبراهيمي في وصيته للمعلمين: ثم احرصوا على أن ما تلقونه لتلامذتكم من الأقوال منطبقًا على ما يرونه ويشهدونه منكم من الأعمال؛ فإن الناشئ الصغير مرهفُ الحس، طُلَعَةٌ إلى مثل هذه الدقائق التي تغفلون عنها، ولا ينالها اهتمامكم، وإنه قوي الإدراك للمعايب والكمالات؛ فإذا زينتم له الصدق فكونوا صادقين، وإذا حسَّنتم له الصبر فكونوا من الصابرين.
واعلموا أن كل نقشٍ تنقشونه في نفوس تلامذتكم من غير أن يكون منقوشًا في نفوسكم فهو زائل، وأن كل صبغ تنفضونه على أرواحهم من قبل أن يكون متغلغلًا في أرواحكم - فهو لا محالة ناصل حائل، وأن كل سحر تنفثونه؛ لاستنزالهم غير الصدق -فهو باطل.
ألا إن رأس مال التلميذ هو ما يأخذه عنكم من الأخلاق الصالحة بالقدوة، وأما ما يأخذه عنكم بالتلقين من العلم والمعرفة فهو ربح وفائدة. (٢)
стр. 24
وقال في موطن آخر: وأعيذكم بالله يا أبنائي أن تجعلوا اعتمادكم في تربية الصغار للرجولة على البرامج والكتب؛ فإن النظم الآلية لا تبني عالمًا، ولا تكوُّن أمة، ولا تجدد حياة.
وإنما هي ضوابط وأعلام ترشد إلى الغاية، وتعين على الوصول إليها من طريق قاصد، وعلى نهج سويٍّ.
أما العمدة الحقيقية في الوصول إلى الغاية من التربية -فهي ما يفيض من نفوسكم على نفوس تلاميذكم الناشئين من أخلاق طاهرة قويمة يحتذونكم فيها، ويقتبسونها منكم، وما تبثونه في أرواحهم من قوة عزم، وفي أفكارهم من إصابة وتسديد، وفي نزعاتهم من إصلاح وتقويم، وفي ألسنتهم من إفصاح وإبانة.
وكل هذا مما لا تغني فيه البرامج غناء. (١)
وقال: كونوا لتلاميذكم قدوة صالحة في الأعمال، والأحوال، والأقوال، لا يرون منكم إلا الصالح من الأعمال والأحوال، ولا يسمعون منكم إلا الصادق من الأقوال.
وإن الكذب في الأحوال أضر على صاحبه وعلى الأمة من الكذب في الأقوال؛ فالأقوال الكاذبة قد يُحترز منها، أما الأحوال الكاذبة فلا يمكن منها الاحتراز. (٢)
стр. 25
وبعد هذا قد تقول -أيها المعلم الكريم -: أنَّى لي أن أكون قدوةً وأنا مقصر في نفسي؟ وكيف وأنا أعاني من بعض النقائص ونفسي تميل بطبعها إلى بعض الأخلاق المرذولة؟
وكيف أنصح للطلاب وأنا لم أُكمِّلْ نفسي بعد؟ ألا أخشى أن أدخل في وعيد الله بقوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (الصف: ٢ -٣) .
أليس الحكيم العربي يقول:
يا أيها الرجلُ المعلم غيرَه ... هلا لنفسك كان ذا التعليمُ
تصف الدواء وأنت أولى بالدوا ... وتعالج المرضى وأنت سقيم
ابدأ بنفسك فانهها عن غيها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
فهناك تعدل إن وعظت ويقتدى ... بالقول منك ويُقبل التعليم
(١)
والجواب عن ذلك أن يقال لك: ليس من شرط القدوةِ العصمةُ؛ فالعصمة إنما هي للأنبياء ﵈ فيما يبلغون به عن ربهم.
ولا يضيرك تقصيرك ما دمت مخلصًا في نصحك، حريصًا على تكميل نفسك وغيرك؛ فالسعي في التكميل كمال، ومن الذي يخلو من النقائص؟ فأي الرجال المهذب؟
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها ... كفى المرء نبلًا أن تعد معايبه
(٢)
стр. 26
ولو ترك الناس النصح بحجة التقصير لما بقي ناصح على وجه الأرض، ولو كان من شرط القدرة العصمة لما بقي للناس قدوة بعد الأنبياء ﵈.
إذا لم يعِظْ في الناس من هو مذنب ... فمن يعظ العاصين بعد محمد
قال ابن حزم فَرْضٌ على الناس تَعَلُّمُ الخير والعمل به؛ فمن جمع الأمرين فقد استوفى الفضيلتين معًا، ومن عَلِمَهُ ولم يعمل به فقد أحسن في التعليم وأساء في ترك العمل به، فخلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا. (١)
وقال: ولو لم يَنْهَ عن الشر إلا من ليس فيه منه شيء، ولا أمر بالخير إلا من استوعبه -لما نهى أحدٌ عن شر، ولا أمر بخير بعد النبي " وحسبك بمن أدَّى رأيه إلى هذا فسادًا، وسوءَ طبعٍ، وذمَّ حال. (٢)
وقال: وقد صح عن الحسن أنه سمع إنسانًا يقول: لا يجب أن ينهى عن الشر إلا من لا يفعله.
فقال الحسن: ودَّ إبليس لو ظفر منا بهذه؛ حتى لا ينهى أحد عن منكر، ولا يأمر بمعروف. (٣)
ثم إن ميل الإنسان بطبعه إلى بعض النقائص لا ينافي التقوى إذا كان لا يغشى تلك النقائص، وكان يجاهد نفسه على بغضها.
قال ابن حزم: لا عيب على من مال بطبعه إلى بعض القبائح ولو أنه أشد العيوب، وأعظم الرذائل ما لم يظهره بقول أو فعل.
стр. 27
بل يكاد يكون أحمد ممن أعانه طبعه على الفضائل.
ولا تكون مغالبة الطبع الفاسد إلا عن قوة عقل فاضل. (١)
ومع ذلك فكلما اقتربت من الكمال، وحرصت على التخلص من النقائص -عظم الاقتداء بك، وزاد الانتفاع بحكمتك؛ فلا يعني ما سبق أن تبقى على عيوبك دون سعي لعلاجها، ودون مجاهدة للترقي في مدارج الكمال.
стр. 28
هذا وإن في توقف الإنسان عما لا يعلم، ورجوعِه إلى الحق إذا تبين -فوائد كثيرة منها: (١)
أ - أن هذا هو الواجب عليه: قال الله -تعالى -: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء: ٣٦) .
ولهذا كانت الأمانة العلمية هي التي تحمل كبار أهل العلم على أن يعلنوا في الناس رجوعهم عن كثير من الاجتهادات إذا تبينوا أنهم لم يقولوا فيها قولًا سديدًا.
وكذلك فإن العالم ذا الخُلُقِ العظيم يُسأل عما لا يعلم فلا يجد في صدره حرجًا أن يقول: لا أدري.
وهذه سيرة علمائنا الأجلاء؛ يلقى على الواحد منهم السؤالُ في العلم الذي علا فيه كعبه، فإن لم يحضره الجواب أطلق لسانه بكلمة لا أدري غير متسنكف ولا مبالٍ بما يكون لها من أثر في نفوس السامعين.
وذلك كمال لا تحرص عليه إلا نفوس زكية، قد ذللت لها سبل المكارم تذليلًا.
стр. 29
ب - أن ذلك يفتح له باب العلم: فإذا توقف في المسألة أسرع إليه الجواب، إما مِنْ مُرَاجَعته هو، أو من مراجعة غيره؛ فإن المتعلم إذا رأى معلمه قد توقف في مسألة ما -جدَّ واجتهد في تحصيل علمها؛ لإتحاف معلمه بها، وما أحسن هذا الأثر.
стр. 30
جـ - أن في ذلك رفعةً للقدر: فإذا توقف عما لا يعلمه، أو رجع إلى الحق بعد أن تبين له -كان ذلك دليلًا على ثقته وأمانته فيما يجزم به من المسائل.
كما أن من عرف منه الإقدامُ على الكلام فيما لا يعلم كان ذلك داعيًا للرَّيب في كل ما يتكلم به حتى في الأمور الواضحة.
وبتوقف المعلم عما لا يعلم يعلو قدره، وتزيد ثقة الناس به.
ولأنْ يقال: سُئِل فقال: لا أدري خير من أن يقال: سئل فقال خطلًا، أو روى ما لم يكن واقعًا.
عن ابن عباس ﵄: إذا أخطأ العالم (لا أدري) أصيبت مقاتله. (١)
ونظمها بعضهم بقوله:
ومن كان يهوى أن يُرَى متصدرًا ... ويكره (لا أدري) أصيبت مقاتله
قال ابن جماعة: اعلم أن قول المسؤول (لا أدري) لا يضع من قدره كما يظن بعض الجهلة، بل يرفعه؛ لأنه دليل عظيم على عظم محله، وقوة دينه، وتقوى ربه، وطهارة قلبه، وكمال معرفته، وحسن تثبته، وقد روينا ذلك عن جماعة من السلف.
وإنما يأنف من قول (لا أدري) من ضعفت ديانته، وقلَّت معرفته؛ لأنه يخاف سقوطه من أعين الحاضرين.
وهذه جهالة ورقة دين، وربما يشهر خطؤه بين الناس، فيقع فيما فرَّ منه، ويتصف عندهم بما احترز عنه. (٢)
стр. 31
د - أن في ذلك إرشادًا للمتعلمين ، وتربيةً لهم: فإذا رأى المتعلمون من المعلم التوقف فيما لا يعلم -كان ذلك تعليمًا، وإرشادًا لهم؛ كي يسلكوا هذه الطريقة بلا تحرج.
والاقتداء بالأحوال والأعمال أبلغ من الاقتداء بالأقوال؛ فإذا فات المعلم أن يجيب طالبَ العلم عما سأله لم يَفُتْهُ أن يعلمه خلقًا شريفًا وهو ألا يتحدث في العلم إلا عن علم وبصيرة؛ فيسلم بذلك من الإثم، ويرفع مقامه من أن يرمى بضعف الرأي وقلة الأمانة.
قال ابن جماعة: وقيل: ينبغي للعالم أن يورث أصحابه (لا أدري) ؛ لكثرة ما يقولها. (١)
ولهذا فإن المسائل التي قال فيها كبار العلماء (لا أدري) بالغةٌ في الكثرة ما لا يحيط به حساب.
سأل رجل مالك بن أنس عن مسألة وذكر أنه أُرْسِل فيها مسيرة أشهر من المغرب.
فقال: أخبر الذي أرسلك أنه لا علم لي بها، قال: ومن يعلمها؟ قال: من علمه الله.
وسأله آخر عن مسألة استودعه إياها أهل المغرب، فقال: ما أدري ما هي.
فقال الرجل: يا أبا عبد الله، تركت خلفي من يقول: ليس على وجه الأرض أعلم منك.
فقال مالك غير مستوحش: إذا رجعت فأخبرهم أني لا أحسن!.
وقال الكاتبون في سيرته: لو شاء رجل أن يملأ صحيفته من قول مالك: لا أدري لفعل.
стр. 32
ومن شواهد أمانة محمد بن الأعرابي أن محمد بن حبيب سأله في مجلس واحد عن بضع عشرة مسألة من شعر الطِّرِمَّاح، فكان يقول: لا أدري، ولم أسمع، أفأحدس لك برأيي. (١)
فإذا كانت الأمانة في العلم منبع حياة الأمم، وأساس عظمتها -زيادة على أنها الخصلة التي تكسب صاحبها وقارًا وجلالة -كان حقًا علينا أن نربي نشأنا من طلاب العلم على الأمانة، وأن نتخذ كل وسيلة إلى أن نخرجهم أمناء فيما يروون أو يصفون، وذلك بأن نتحرى الأمانة فيما نروي، ولا نجيب سؤالهم إلا بما ندري أو بقولنا: لا ندري.
وإذا أوردنا رأيًا اسْتَبَنَّا بعدُ أنه مأخوذ من غير أصل قلنا لهم في صراحة: قد أخطأنا في الفهم، أو خرجنا على ما تقتضيه أصول العلم.
ثم علينا بعد أن نقوم بحق الأمانة -ملاحظةُ سير الطلاب، فإذا وقعوا فيما يدل على أنهم غافلون عن رفعة شأن الأمانة، وغزارة فوائدها -أرشدناهم إلى أن العلم بغير أمانة شر من الجهل، وأن ذكاءً لا يصاحبه صدق اللهجة نكبة في العقل.
قال شوقي:
ربوا على الإنصافِ فتيانَ الحمى ... تَجِدُوهم كَهْفَ الحقوقِ كهولا
فهو الذي يبني الطباعَ قويمةً ... وهو الذي يبني النفوس عدولًا
стр. 33
ويقيم منطقَ كلِّ أعوجِ منطقٍ ... ويريه رأيًا في الأمور أصيلا (١)
стр. 34
١٠ - احترام العلماء:
فَيَرِدُ في الدرس كثيرًا مناقشةٌ لآراء العلماء، واجتهاداتهم على اختلاف مآخذهم واستنباطاتهم؛ فجدير بالمعلم أن يحترم آراء العلماء؛ ليتربى الطلاب على محبة العلم والعلماء، ولكي يعرفوا للرجال أقدارهم.
ولا يعني احترام آراء العلماء أخذها بالقبول والتسليم على أي حال، وإنما يراد بذلك عرضها بتثبت على ميزان البحث العلمي الصحيح، ثم الفصل فيها من غير تطاول عليها، ولا انحراف عن سبيل الأدب في تفنيدها.
فالفطر السليمة والنفوس الزاكية لا تجد من الإقبال على حديث من يستخفه الغرور بما عنده مثل ما تجد من الإقبال على حديثِ مَنْ أحسن الدرس أدبه، وهذب الأدب منطقه.
وإذا كان الأستاذ كمدرسة يتخرج في مجالس درسه خلق كثير -فحقيق عليه أن يكون المثال الذي يشهد فيه الطلاب كيف تناقش آراء العلماء مع صيانة اللسان من هُجْر القول الذي هو أثر الإعجابِ بالنفس، والإعجابُ بالنفس أثر ضعف لم تتناولْه التربية بتهذيب. (١)
стр. 35
١١ - البعد عن مواطن الرّيب:
فأحرِ بالمعلم أن يعز نفسه، وأن يصون علمه، وأن يجانب مواطن الرّيب، وأن يرتفع عن مواطن المهانة، فلا يغشى مجالس السفل، ولا يرتادَ منتدياتِ الخنا والزور، ولا يسير إلا على وفق ما تمليه عليه المروءة والحكمة.
قال الشيخ محمد البشير الإبراهيمي في وصاياه للمعلمين: وأوصيكم باتقاء مواطن الشبه، واجتناب مصارع الفضيلة، وبإجرار الألسنة عن مراتع الغيبة والنميمة، وفطمها عن مراضع اللغو واللجاج؛ فهي مفتاح باب الشر، وثقاب نار العداوة والبغضاء. (١)
وقال: إن العامة التي ائتمنتكم على أبنائها تنظر إلى أعمالكم بالمرآة المكبرة؛ فالصغيرة من أعمالكم كبيرة، والخافتة من أقوالكم تسمعها جهيرة؛ فاحذروا ثم احذروا. (٢)
ولئن كانت عزة النفس جميلة رائعة من كل أحد فَلَهِيَ من أهل العلم أجمل وأروع.
ولئن كانت مرغوبةً مطلوبةً من كل أحد -فلهي من أهل العلم أولى وأحرى.
فأكرم بمن رفعه العلمُ، فرفع العلمَ، وأجدر بذي العلم أن يكون ذا نفس زكية، وساحة طاهرة نقية؛ حتى لا يكون الخلل حائلًا بينه وبين هداية الناس.
ورحم الله القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني إذ يقول في عزة أهل العلم:
стр. 36
يقولون لي: فيك انقباضٌ وإنما ... رأوا رجلًا عن موقف الذلِّ أحجما
أرى الناس من داناهم هان عندهم ... ومن أكْرَمَتْهُ عزةُ النفسِ أُكْرِما
ولم أقضِ حقَّ العلمِ إن كان كلما ... بدا طمعٌ صَيَّرْتُهُ لي سلَّما
وما كلُّ برقٍ لاح يستفزني ... ولا كلُّ مَنْ لا قيت أرضاه منعما
إذا قيل: هذا منهلٌ قلت قد أَرى ... ولكنَّ نفسَ الحرِّ تحتمل الظما
أُنَهْنِهُهَا عن بعض ما لا يشينها ... مخافةَ أقوالِ العِدا فيمَ أولما
ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي ... لِأخْدِمَ مَنْ لا قيتُ لكن لأُخْدما
أأشقى به غرسًا وأجنيه ذلةً؟ ... ولو عظَّموه في النفوس لَعَظَّما
ولكنْ أهانوه فهانوا ودنسوا ... محياه بالأطماع حتى تَجَهَّما
(١)
стр. 37
١٢ - ولزملائك عليك حق:
فمن حق زملائك عليك أن تَقْدُرهم حق قدرهم، وأن تنصح لهم، وتحب لهم ما تحبه لنفسك، وتكره لهم ما تكره لنفسك.
قال ﵊: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» . (١)
ومن حقهم أن تزيد في الإجلال والتقدير من يكبرك في السن والعلم، خصوصًا ممن لهم فضل عليك في تعليمك وتوجيهك؛ فلهؤلاء حق خاص، وقيامك بهذا الحق دليل على نبلك وكرم أخلاقك.
ومن حقهم عليك أن ترفع من أقدارهم، وألا تذكرهم إلا بخير، وأن تحسن العشرة إذا اجتمعت بهم، وأن تحفظ العهد والغيب إذا فارقتهم.
ومن حقهم أن تدعو لهم، وأن تحرص على مناصحتهم، وعلى ستر عيوبهم، وأن يكون صدرك سليمًا لهم.
ومن حقهم أن تقبل نصيحتهم، وأن تحسن الظن بهم، وأن تحمل كلامهم على أحسن المحامل، وأن تقيل عثراتهم إذا أخطأوا، وأن لا تعجل بمعاتبتهم إذا زلوا.
أقِلْ ذا الودِّ عثرتَه وقِفْهُ ... على سنن الطريق المستقيمهْ
ولا تسرع بِمَعْتَبَةٍ إليه ... فقد يهفو وَنِيَّتُهُ سليمهْ
ومن حقهم أن تبادرهم بالسلام، وأن ترد عليهم إذا حيوك بمثلها أو بأحسن منها.
стр. 38
ومن حقهم أن تحترم تخصصاتهم وعلومهم، وألا تتدخل في شؤونهم الخاصة التي يكرهون أن يطلع عليها أحد غيرهم.
ومن حقهم ألا تنتقد أحدًا منهم أمام الطلاب لا تصريحًا ولا تلميحًا؛ لأن انتقادهم أمام الطلاب مدعاة لزهد الطلاب بكم جميعًا.
بل اللائق بك أن تذكرهم بخير أمام الطلاب، وألا تسمح لأحد من الطلاب أن ينال من أحد من زملائك؛ فذلك أهيب لكم، وأرفع لقدركم.
ومن حقهم أن تحرص على جمع كلمتهم كما سيأتي.
وإن رأيت من أحد زملائك نشاطًا فشجِّعْه، ونافسه في الخير.
وإن رأيت كسلًا وخمولًا فخذ بيده، واحرص على نصحه، ولا تجاره في صنيعه.
стр. 39
١٣ - التعاون على البر والتقوى: فمن أعظم ما يجب على المعلمين أن يتعاونوا على البر والتقوى، وأن يتواصوا بالحق وبالصبر. فحري بالمعلم أن يتعاون مع مسؤوليه، فيحسن علاقته بهم، ويقوم بما يسند إليه على أكمل وجه وأتمه، وأن يحرص على مناصحتهم فيما يراه خللًا، ويبدي رأيه فيما يرى أنه أفضل مما هو معمول به، مع مراعاة ألا ينصح أو يقترح على شرط القبول، فيكبر في نفسه ألا يؤخذ برأيه.
ومن التعاون أن يتعاون مع الموجهين والمشرفين، وأن يستمع لملاحظاتهم وإرشاداتهم.
ولا يمنع ذلك من مناقشتهم حول بعض الأمور في هدوء وسكينة بعيدًا عن الملاحاة والمماراة.
ومن التعاون في هذا الصدد أن يتعاون مع الطلاب -كما سيأتي - ومع أولياء أمورهم في سبيل السعي في رفعة الطلاب.
ومن التعاون أن يقوم بحق الزملاء كما مضى، وأن يحرص على جمع الكلمة كما سيأتي.
стр. 40
هذا وإن مما يعين على اجتماع الكلمة ما يلي:
أ - أن تسود روح التضحية بين المعلمين: فالتضحية من أنبل الأخلاق وأروعها، وهي من أعظم ما يكسب القوة والترابط، والأمة المضحية تأكل غير المضحية بيسر وسهولة؛ لأن الأمة المضحية كتلة واحدة متماسكة، وغير المضحية أفراد متفككة، وشهوات متعددة، تتحارب أجزاؤها، ويأكل النزاع والشهوات والأنانية قواها.
ولا تكون التضحية حتى يتعود القلب لذة العطاء كما يتعود لذة الأخذ.
فالتضحية أفق واسع تنعم فيه النفس بجمال السعة، وبعد المدى.
والأنانية أفق ضيِّق تألم فيه النفس، بضيق المكان، وتنقبض من كثرة السدود والحدود. (١)