يقولون لي: فيك انقباضٌ وإنما ... رأوا رجلًا عن موقف الذلِّ أحجما
أرى الناس من داناهم هان عندهم ... ومن أكْرَمَتْهُ عزةُ النفسِ أُكْرِما
ولم أقضِ حقَّ العلمِ إن كان كلما ... بدا طمعٌ صَيَّرْتُهُ لي سلَّما
وما كلُّ برقٍ لاح يستفزني ... ولا كلُّ مَنْ لا قيت أرضاه منعما
إذا قيل: هذا منهلٌ قلت قد أَرى ... ولكنَّ نفسَ الحرِّ تحتمل الظما
أُنَهْنِهُهَا عن بعض ما لا يشينها ... مخافةَ أقوالِ العِدا فيمَ أولما
ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي ... لِأخْدِمَ مَنْ لا قيتُ لكن لأُخْدما
أأشقى به غرسًا وأجنيه ذلةً؟ ... ولو عظَّموه في النفوس لَعَظَّما
ولكنْ أهانوه فهانوا ودنسوا ... محياه بالأطماع حتى تَجَهَّما
(١)
стр. 37
١٢ - ولزملائك عليك حق:
فمن حق زملائك عليك أن تَقْدُرهم حق قدرهم، وأن تنصح لهم، وتحب لهم ما تحبه لنفسك، وتكره لهم ما تكره لنفسك.
قال ﵊: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» . (١)
ومن حقهم أن تزيد في الإجلال والتقدير من يكبرك في السن والعلم، خصوصًا ممن لهم فضل عليك في تعليمك وتوجيهك؛ فلهؤلاء حق خاص، وقيامك بهذا الحق دليل على نبلك وكرم أخلاقك.
ومن حقهم عليك أن ترفع من أقدارهم، وألا تذكرهم إلا بخير، وأن تحسن العشرة إذا اجتمعت بهم، وأن تحفظ العهد والغيب إذا فارقتهم.
ومن حقهم أن تدعو لهم، وأن تحرص على مناصحتهم، وعلى ستر عيوبهم، وأن يكون صدرك سليمًا لهم.
ومن حقهم أن تقبل نصيحتهم، وأن تحسن الظن بهم، وأن تحمل كلامهم على أحسن المحامل، وأن تقيل عثراتهم إذا أخطأوا، وأن لا تعجل بمعاتبتهم إذا زلوا.
أقِلْ ذا الودِّ عثرتَه وقِفْهُ ... على سنن الطريق المستقيمهْ
ولا تسرع بِمَعْتَبَةٍ إليه ... فقد يهفو وَنِيَّتُهُ سليمهْ
ومن حقهم أن تبادرهم بالسلام، وأن ترد عليهم إذا حيوك بمثلها أو بأحسن منها.
стр. 38
ومن حقهم أن تحترم تخصصاتهم وعلومهم، وألا تتدخل في شؤونهم الخاصة التي يكرهون أن يطلع عليها أحد غيرهم.
ومن حقهم ألا تنتقد أحدًا منهم أمام الطلاب لا تصريحًا ولا تلميحًا؛ لأن انتقادهم أمام الطلاب مدعاة لزهد الطلاب بكم جميعًا.
بل اللائق بك أن تذكرهم بخير أمام الطلاب، وألا تسمح لأحد من الطلاب أن ينال من أحد من زملائك؛ فذلك أهيب لكم، وأرفع لقدركم.
ومن حقهم أن تحرص على جمع كلمتهم كما سيأتي.
وإن رأيت من أحد زملائك نشاطًا فشجِّعْه، ونافسه في الخير.
وإن رأيت كسلًا وخمولًا فخذ بيده، واحرص على نصحه، ولا تجاره في صنيعه.
стр. 39
١٣ - التعاون على البر والتقوى: فمن أعظم ما يجب على المعلمين أن يتعاونوا على البر والتقوى، وأن يتواصوا بالحق وبالصبر. فحري بالمعلم أن يتعاون مع مسؤوليه، فيحسن علاقته بهم، ويقوم بما يسند إليه على أكمل وجه وأتمه، وأن يحرص على مناصحتهم فيما يراه خللًا، ويبدي رأيه فيما يرى أنه أفضل مما هو معمول به، مع مراعاة ألا ينصح أو يقترح على شرط القبول، فيكبر في نفسه ألا يؤخذ برأيه.
ومن التعاون أن يتعاون مع الموجهين والمشرفين، وأن يستمع لملاحظاتهم وإرشاداتهم.
ولا يمنع ذلك من مناقشتهم حول بعض الأمور في هدوء وسكينة بعيدًا عن الملاحاة والمماراة.
ومن التعاون في هذا الصدد أن يتعاون مع الطلاب -كما سيأتي - ومع أولياء أمورهم في سبيل السعي في رفعة الطلاب.
ومن التعاون أن يقوم بحق الزملاء كما مضى، وأن يحرص على جمع الكلمة كما سيأتي.
стр. 40
هذا وإن مما يعين على اجتماع الكلمة ما يلي:
أ - أن تسود روح التضحية بين المعلمين: فالتضحية من أنبل الأخلاق وأروعها، وهي من أعظم ما يكسب القوة والترابط، والأمة المضحية تأكل غير المضحية بيسر وسهولة؛ لأن الأمة المضحية كتلة واحدة متماسكة، وغير المضحية أفراد متفككة، وشهوات متعددة، تتحارب أجزاؤها، ويأكل النزاع والشهوات والأنانية قواها.
ولا تكون التضحية حتى يتعود القلب لذة العطاء كما يتعود لذة الأخذ.
فالتضحية أفق واسع تنعم فيه النفس بجمال السعة، وبعد المدى.
والأنانية أفق ضيِّق تألم فيه النفس، بضيق المكان، وتنقبض من كثرة السدود والحدود. (١)
стр. 41
ب - إفشاء السلام: فهو مجلبة للمودة، ومدعاة للمحبة.
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ": «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» . (١)
وقال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: إن مما يُصَفِّي لك ودَّ أخيك أن تبدأه بالسلام إذا لقيته، وأن تدعوه بأحب الأسماء إليه، وأن توسع له في المجلس. (٢)
стр. 42
جـ - الشورى: فالشورى تنمي المعارف، وتقوي الأواصر بين المتشاورين؛ لأنهم إذا تشاوروا شعروا بأن أمرهم واحد، ومصلحتهم مشتركة، وإذا شعروا بذلك قويت المحبة، وزالت العداوة.
ثم إن استشارتك لأخيك توحي إليه بمودتك له، وثقتك به، وذلك من أسباب الألفة.
قال -تعالى - في وصف المؤمنين: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: ٣٨) .
وأمر نبيه " أن يشاور أصحابه، مع وفور عقله، وسداد رأيه.
قال -تعالى -: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (آل عمران: ١٥٩) .
ولهذا كان النبي " كثير المشاورة لأصحابه.
стр. 43
د - الدعاء: وذلك بسؤال الله بصدق أن يجمع القلوب على التقوى.
стр. 44
هـ - أن ندرك أن الاختلاف في الرأي لا يوجب اختلاف القلوب:
كما قيل:
واختلاف الرأي لا يفـ ... سد للود قضية
وكما قيل:
في الرأي تضطغن العقو ... ل وليس تضطغن القلوب
стр. 45
١٥ - حسن الخلق:
وحسن الخلق يتمثل في بذل الجميل، وكف القبيح، وأن يكون الإنسان سهل العريكة، ليِّن الجانب، طلْق الوجه، قليل النفور، طيب الكلمة.
وجماع حسن الخلق أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك. (١)
وقد جمع الله ذلك في آية واحدة، وهي قوله -تعالى -:
﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (الأعراف: ١٩٩) .
ولئن كان حسن الخلق جميلًا من كل أحد فهو من المعلم أجمل وأجمل؛ فحري بالمعلم أن يتحلى بمكارم الأخلاق، وجدير به ألا يغفل ذلك من حسابه.
قال الزيات: ولعمري ما يؤتى المعلم إلا من إغفاله هذه الجهة؛ فالادعاء، والتظاهر، والكبرياء، والتفاخر، والبذاءة، والتنادر، والكذب، والتحيز، والكسل، والتدليس -آفات العلم، وبلايا المعلم.
وما استعبد النفس الشابة الحرة كالخلق الكريم، ولا يَسَّر تعليمها وتقويمها كالقدوة الحسنة، ناهيك بما يتبع ذلك من جمال الأحدوثة، واستفاضة الذكر وهما يزيدان في قدرة المعلم واعتباره، ويغنيان الطلاب الجدد عن اختباره. (٢)
стр. 46
هذا وإن من أجمل الأخلاق وأولاها خلق الحلم، فهو من أشرفها وأحقها بذوي الألباب، لما فيه من سلامة العرض، وراحة الجسد، واجتلاب الحمد.
وحد الحلم ضبط النفس عند هيجان الغضب، وليس من شرطه ألا يغضب الحليم.
وإنما إذا ثار به الغضب عند هجوم دواعيه كف سورته بحزمه، وأطفأ ثائرته بحلمه.
هذا وسيأتي مزيد بيان لحسن الخلق فيما يأتي من فقرات بإذن الله تعالى.
стр. 47
* ومن صور التواضع التي يجمل بالمعلم أن يرعاها ما يلي:
أ - إلقاء السلام على طلابه: فذلك مما يشعرهم بقيمتهم، وبتواضع معلميهم لهم.
стр. 48
ب - الإصغاء للطالب عند المناقشة: وذلك بحسن الاستماع إليه، وإجابته عما سأل في رفق، وتلقي ما يبديه من الفهم بإنصاف، فإن أخطأ نبهه لوجه الخطأ، وإن قال صوابًا تقبله منه بارتياحٍ، وارتياحُ المعلم لآثار نجابة الطلاب مما يزيدهم جِدًَّا في الطلب، ويشعرهم باستعدادهم لأن يكونوا من النوابغ.
وإنما ينبغ الطالب متى سطع في نفسه مثل هذا الشعور.
стр. 49
جـ - ألا يحتقر الفائدة من طلابه: قال ابن جماعة في الأدب الحادي عشر من آداب العالم: ألا يستنكف أن يستفيد مما لا يعلمه ممن هو دونه منصبًا، أو نسبًا، أو سنًا.
بل يكون حريصًا على الفائدة حيث كانت، والحكمة ضالة المؤمن يلتقطها حيث وجدها. (١)
قال: وكان جماعة من السلف يستفيدون من طلبتهم ما ليس عندهم. (٢)
قال الحميدي -وهو تلميذ الشافعي -: صحبت الشافعي من مكة إلى مصر، فكنت أستفيد منه المسائل، وكان يستفيد مني الحديث. (٣)
قال أحمد بن حنبل: قال الشافعي: أنتم أعلم بالحديث مني؛ فإذا صح عندكم الحديث فقولوا لنا حتى آخذ به.
стр. 50
د - ألا يزدري أحدًا من الطلاب: حتى الكسالى منهم، بل يحسن به أن ينزل إليهم، وأن يأخذ بأيديهم؛ كي يرفعوا من شأنهم؛ فما يدريه لعل في ثياب ذلك المُحْتَقَرِ أسدًا هصورًا.
ومما ينبغي التنبيه عليه أن التواضع -كما أنه تنزه عن الكبر - لا يعني التذلل ولا الضعة، فالكبر مذموم، والضعة والتذلل داخلان في المذموم، أما التواضع فكان بين ذلك قوامًا.
فالضعة ترجع إلى أن يغمط الإنسان نفسه حقها، ويضعها في مواضع أدنى مما تستحق أن يضعها.
والمتواضع من يعرف قدره، ولا يأبى أن يرسل نفسه في وجوه الخير، وما يقتضيه حسن المعاشرة.
وإذا كان من يحتفظ بالعزة، ولا يصرف وجهه عن التواضع هو الرجل الذي يرجى لنفع الأمة، ويستطيع أن يخوض في كل مجتمع ضافي الكرامة، أنيس الملتقى، شديد الثقة بنفسه -كان حقًا على من يتولى تربية الناشئ أن يتفقده في كل طور، حتى إذا رأى فيه خمولًا، وقلة احتراس من مواقع المهانة أيقظ فيه الشعور بالعزة، والطموح إلى المقامات العلا.
وإذا رأى فيه كبرًا عاتيًا، وتيهًا مسرفًا خفَّفَ من غلوائه، وساسه بالحكمة، حتى يتعلم أن المجد المؤثل لا يقوم إلا على دعائم العزة والتواضع. (١)
стр. 51
فمما يجمل بالمعلم أن يتصف به من وجوه السخاء ما يلي:
أ - السخاء بالعلم: وهو من أعلى مراتب السخاء، وهو أفضل من السخاء بالمال؛ لأن العلم أشرف من المال.
والناس في السخاء بالعلم مراتب متفاوتة، وقد اقتضت حكمة الله وتقديره النافذ ألا ينفع به بخيلًا.
ومن السخاء بالعلم أن تستقصي للسائل جوابًا شافيًا؛ فلا يكون جوابك بقدر ما تدفع به الضرورة.
ومن السخاء بالعلم أن لا تقتصر على مسألة السائل، بل تذكر له نظائرها، ومتعلقاتها، ومآخذها بحيث تكفيه وتشفيه.
ومن السخاء بالعلم أن تطرحه لطلابك طرحًا، وألا تبخل عليهم بما تستطيع بذله لهم من العلم؛ فإن العلم يزيد بكثرة إنفاقه وبذله، والبخيل به ألأم من البخيل بالمال.
قال الإلبيري في العلم:
يزيد بكثرة الإنفاق منه ... وينقص إن به كفًّا شددتا
(١)
وقال ابن حزم: الباخل بالعلم ألأم من الباخل بالمال؛ لأن الباخل بالمال أشفق من فناء ما بيده، والباخل بالعلم بخل بما لا يَفْنى على النفقة، ولا يفارقه مع البذل. (٢)
стр. 52
ب - السخاء بالنصح: قال الشيخ عبد الرحمن ابن سعدي: ومن آداب العالم والمتعلم النصح، وبث العلوم النافعة بحسب الإمكان، حتى لو تعلم مسألة واحدة ثم بثها كان من بركة علمه، ولأن ثمرات العلم أن يأخذه الناس عنك؛ فمن شح بعلمه مات علمه بموته، وربما نسيه وهو حي، كما أن من بث علمه كان حياة ثانية، وحفظًا لما عَلِمه، وجازاه الله من جنس عمله. (١)
стр. 53
جـ - السخاء بالمال: فيسخو المعلم بماله في نحو الهدية، وإكرام المجدين، ورفد الضعفاء من الطلاب خصوصًا إذا كان المعلم موسرًا، أو كان ما يجود به لا يضره.
стр. 54
د - السخاء بالوقت ، وبالجاه: وذلك في سبيل نفع الطلاب أو الزملاء فيما ينوبهم وفيما يعود بالنفع عليهم.
стр. 55
هـ - السخاء في قضاء الحوائج وتفريج الكربات، وتخفيف الآلام.
стр. 56
و - السخاء بالعرض: وذلك بأن يسخو بعرضه لمن نال منه، فذلك مما يحسن بالمعلم؛ لأنه قد لا يسلم من قدح الطلاب، أو أولياء أمورهم؛ فحري به أن يسخو عليهم بذلك فيبيحهم، ويتصدق عليهم بعرضه.
قال النبي ": «أيعجز أحدكم أن يكون مثل أبي ضيغم أو ضمضم -شك ابن عبيد - (١) كان إذا أصبح قال: اللهم إني قد تصدقت بعرضي على عبادك» . (٢)
قيل للشعبي: فلان ينتقصك، ويشتِمُك، فتمثل الشعبي بقول كثير عزة:
هنيئًا مريئًا غير داءٍ مخامر ... لعزة من أعراضنا ما استحلت
أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ... علينا ولا مقليةً إن تَقَلَّتِ
(٣)
وفي هذا السخاء من سلامة الصدر، وراحة القلب، والتخلص من معاداة الخلق -ما فيه.
стр. 57
ز - السخاء بالصبر والاحتمال والإغضاء: وهذه مرتبة شريفة من مراتب السخاء؛ وهي أنفع لصاحبها من الجود بالمال، وأعزُّ له، وأنصر، وأملك لنفسه، وأشرف لها، ولا يقدر عليها إلا النفوس الكبار، وسيأتي مزيد بيان لهذا عند الحديث عن رحابة الصدر، وقوة الاحتمال.
стр. 58
ح - السخاء بالبشر والتبسم ، والبشاشة والبسطة، ومقابلة الناس بالطلاقة: فذلك فوق السخاء بالصبر، والاحتمال، والعفو، وهو الذي بلغ بصاحبه درجة الصائم القائم، وهو أثقل ما يوضع في الميزان، وفيه من المنافع والمسارِّ وأنواع المصالح ما فيه. (١)
وسيأتي مزيد بيان له -إن شاء الله -.
هذه بعض صور السخاء؛ فما أحرانا -معاشر المعلمين - أن نأخذ أنفسنا بالسخاء في كافة صوره، وألا ننتظر المقابل لما نقدمه ونسخو به.
قال الرافعي: إن السعادة الإنسانية الصحيحة في العطاء دون الأخذ، وإن الزائفة هي الأخذ دون العطاء، وذلك آخر ما انتهت إليه فلسفة الأخلاق. (٢) .
وكما يحسن بنا أن نأخذ أنفسنا بالسخاء فإنه حقيق علينا أن نربي نشأنا على هذا الخلق، وأن نلقنهم أن السخاء مرقاة السيادة والفلاح.
كما كان فرضًا علينا أن ننذرهم سوء المنقلب الذي ينقلب إليه البخلاء والمبذرون.
стр. 59
١٨ - التنزه عن الحسد:
فمن جميل أخلاق المعلمين أن يتنزهوا عن الحسد، وأن يؤثروا على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة؛ لأن الحسد اعتراض على حكمة الله، وشح بالخير على عباد الله.
فأعيذك بالله -أيها المعلم المبارك - من الحسد؛ لأن الحاسد لا تعلو به رتبة، ولا يهدأ له بال؛ فهو دنيء مهين النفس، ولأنه بحسده اشتغل بما لا يعنيه، فأضاع ما يعنيه، وما يعود عليه بالخير والنفع، فتراه يزري بفلان، وينتقص فلانًا؛ محاولًا بذلك تهديم أقدارهم، والنهوض على أكتافهم، وغاب عنه أن الرافع الخافض هو الله .
فمما يدل على نزاهة النفس وطهارة الطوية -أن يترفع المرء عن الحسد، وأن يحب لإخوانه ما يحب لنفسه، فيفتح المجالات أمامهم، ويعطيهم فرصة للإبداع والحديث ونحو ذلك بعيدًا عن الأثرة وحب التفرد بالخير.
ومما يجمل به في هذا الصدد أن يفرح لنجاحهم، ويحزن لإخفاقهم، فذلك مما يدل على رسوخ القدم في الفضيلة.
وبدلًا من الحسد خيرًا للحاسد أن يرتقي بنفسه، وأن يسعى للسير في المعالي سعيه.
стр. 60
قال ابن المقفع: ليكن ما تصرف به الأذى عن نفسك ألا تكون حسودًا؛ فإن الحسد خلق لئيم، ومن لؤمه أنه موكل بالأدنى فالأدنى من الأقارب، والأكفاء، والمعارف، والخلطاء؛ فليكن ما تعامل به الحسد أن تعلم أن خير ما تكون حين تكون مع من هو خير منك، وأنَّ غُنْمًا حسنًا لك أن يكون عشيرك وخليطك أفضل منك في العلم فتقتبس من علمه، وأفضل منك في القوة فيدفع عنك بقوته، وأفضل منك في المال فتفيد من ماله، وأفضل منك في الجاه فتصيب حاجتك بجاهه، وأفضل منك في الدين فتزداد صلاحًا بصلاحه. الأدب الصغير والأدب الكبير ص٤٤ -١٤٥.
стр. 61
١٩ - الاعتدال في الملبس:
فالمعلم قدوة، ومثال يُحتذى -كما مر - آنفًا -ومما يحسن به أن يعتدل في ملبسه؛ لأن الملبس عنوان على انتماء الشخص، بل تحديدٌ له، وهل اللباس إلا وسيلة من وسائل التعبير عن الذات؟ فكن حذرًا في لباسك؛ لأنه يُعبِّر لغيرك عن تقويمك في الانتماء، والتكوين والذوق.
ولهذا قيل: الحلية في الظاهر تدل على ميل الباطن.
والناس يُصَنِّفونك من لباسك، بل إن كيفية اللبس تعطي الناظر تصنيف اللابس من الرصانة، والتَّعَقُّل، أو التمشيخ والرهبنة، أو التصابي وحب الظهور؛ فخذ من اللباس ما يزينك ولا يشينك، ولا يجعل فيك مقالًا لقائل، ولا لمزًا للامز (١)
فالإسلام - وإن عني بتزكية الأرواح، وترقيتها في مراقي الفلاح - لم يبخس الحواس حقها، بل قضى للأجسام لبانتها من الزينة والتجمل بالقسطاس المستقيم.
فالتجمل والعناية بالمظهر - في حد ذاته - أمر حسن؛ فالله جميل يحب الجمال، ويحب أن يُرى أثر نعمته على عبده.
وإنما المحذور هو المبالغة في التجمل، وصرف الهمة للتأنُّق، واشتداد الكلف بحسن البزة والمظهر؛ فهذا الصنيع يقطع عن الاهتمام بإصلاح النفس، ويومئ إلى نقص متأصل.
стр. 62
قال عمر بن الخطاب: إياكم لبستين: لبسةً مشهورة، ولبسة محقورة. (١)
وقال بعض الحكماء: البس من الثياب ما لا يزدريك فيه العظماء، ولا يعيبك الحكماء. (٢)
وقيل:
أما الطعام فكل لنفسك ما اشتهت ... والبس لباسًا يشتهيه الناس
(٣)
قال الماوردي: واعلم أن المروءة أن يكون الإنسان معتدل الحال في مراعاة لباسه من غير إكثار أو اطراح؛ فإن اطراح مراعاتها، وترك تفقُّدها مهانة وذلة، وكثرة مراعاتها، وصرف الهمة إلى العناية لها دناءة ونقص.
وربما توهم من خلا من فضل، وعري من تمييز أن ذلك هو المروءة الكاملة، والسيرة الفاضلة؛ لما يرى من تَمَيُّزه عن الأكثرين، وخروجه عن جملة العوام المسترذلين.
وخفي عليه أنه إذا تعدى طوره، وتجاوز قدره كان أقبح لذكره، وأبعث على ذمه. (٤)
قال المتنبي:
لا يعجبن مضيمًا حسنُ بزته ... وهل يروق دفينًا جودةُ الكفن
(٥)
стр. 63
وخلاصة القول أن الشارع قد فوض في أمر اللباس إلى حكم العادة، وما يليق بحال الإنسان؛ فإذا جرت العادة بلبس نوع من الثياب، وكان مستطيعًا له، فعدل عنه إلى صنفٍ أسفلَ منه أو أبلى -قَبُح به الحال، وكره له؛ لأن بذاذة اللباس ورِثَّته مما تقذفها العيون، وتنشز عنها الطباع، فتلقي بصاحبها إلى الهوان، والالتفات إليه بألحاظ الازدراء.
وأما الخروج عن المعتاد، والتطلع إلى ما هو أنفس وأغلى -فمرفوض كما مر.
قال المعري:
وإن كان في لبس الفتى شرف له ... فما السيف إلا غمدُه والحمائل
(١)
بل تجد أكثر الناس يَسْتَخفُّون بمن يتعدى طور أمثاله في ملبسه، ويعدونه سفهًا في العقل، وطيشًا مع الهوى. (٢)
هذا وقد عُلم بالتَّتَبُّع والاستقراء أن كل عرف خالف الشرع فإنه ناقص مختل.
وهذه قاعدة مُطَّرِدة لا تنتقض. (٣)
стр. 64
٢٠ - الاعتدال في المزاح:
فالطلاب ينتابهم الكسل، ويغلب عليهم السآمة والملل؛ فإذا لَطَّف المعلم حرارة الدرس، وكسر حدة الجد بشيء من المزاح -كان ذلك باعثًا على النشاط، مجددًا للهمة.
ولكن يراعي في ذلك ما يلي:
أ - ألا يكون المزاح كثيرًا: لأن كثرة المزاح تسقط الهيبة، وتُخلُّ بالمروءة، وتجرئ الأنذال.
قال ابن جماعة في أدب المعلم: ويتقي المزاح، وكثرةَ الضحك؛ فإنه يقلل الهيبة، ويسقط الحشمة كما قيل: من مزح استخف به، ومن أكثر من شيء عُرِف به. (١)
وقال أحد الشعراء:
فإياك إياك المزاحَ؛ فإنه ... يُجَرِّي عليك الطفل والدَّنِس النذلا
ويذهب ماء الوجه بعد بهائه ... ويورثه من بعد عزته ذلا
(٢)
ب - أن يكون المزاح منضبطًا في حدود الأدب واللياقة: فلا يسمح للطلاب أن يَسِفُّوا بالمزاح، أو أن يتجاوزوا حدود الأدب.
لا تَمزَحَنْ وإذا مزحت فلا يكن ... مزحًا تضاف به إلى سوء الأدب
واحذر ممازحةً تعود عداوةً ... إن المزاح على مقدمة الغضب
(٣)
стр. 65
جـ - أن يتجنب المزاح مع من لا يَرْغَب فيه: فقد يمازح المعلم طالبًا لا يتحمل المزاح، كأنْ يكون شديد الحياء، أو ذا نفس متوترة قلقة، أو نحو ذلك فإذا مازحه المعلم نفر من الدرس، وثقل على الحاضرين، وثقلوا عليه.
د - ألا يمازح السفهاء: لأنه قد يسمع منهم ما لا يرضيه كما سيأتي بعد قليل عند الحديث عن مجاراة السفهاء.
هـ -تجنب الإحراج: فلا يوقع نفسه في حرج، ولا يوقع الطلاب في حرج؛ بحيث يكون المزاح في أمور واضحة لا يترتب عليها ما يوقع الحرج.
و ألا يسمح بالفوضى تعم الفصل.
ز - ألا يكون المزاح على حساب وقت الدرس.
وبالجملة فالمزاح في الكلام كالملح في الطعام؛ إن عدم أو زاد عن الحد فهو مذموم.
أفِدْ طبعَك المكدودَ بالجدِّ راحةً ... يَجِمَّ وعَلِّلْهُ بشيء من المزح
ولكن إذا أعطيته المزح فليكن ... بمقدار ما تعطي الطعام من الملح
(١) والعرب تقول في أمثالها: الانقباض عن الناس مكسبة للعداوة، والإفراط في الأنس مكسبة لقرناء السوء. (٢)
стр. 66
هذا ومما يعين على محاسبة النفس وتلافي العيوب ما يلي:
أ - الإقرار بالنقص: قال ابن حزم: لو علم الناقص نقصه لكان كاملًا. (١)
وقال: لا يخلو مخلوق من عيب، فالسعيد من قلَّت عيوبه ودقَّت. (٢)
стр. 67
ب - أن نعرف عيوبنا: فمعرفة الداء تعين على وصف الدواء، قال ابن المقفع: من أشد عيوب الإنسان خفاءُ عيوبه عليه؛ فإن من خفي عليه عيبُه خفيت عليه محاسن غيره.
ومن خفي عليه عيبُ نفسه، ومحاسنُ غيره -فلن يقلع عن عيبه الذي لا يعرف، ولن ينال محاسن غيره التي لا يبصر أبدًا. (١)
وقال محمود الوراق:
أتم الناس أعرفُهم بنقصه ... وأقمعهم لشهوته وحرصه
(٢)
وقال ابن حزم: واعلم يقينًا أنه لا يسلم إنسيٌّ من نقص حاشا الأنبياء -صلوات الله عليهم - فمن خفيت عليه عيوبُ نفسه فقد سقط، وصار من السخف، والرذالة، والخسة، وضعف التمييز والعقل، وقلة الفهم بحيث لا يتخلف عنه متخلف من الأراذل، وبحيث ليس تحته منزلة من الدناءة؛ فليتدارك نفسه بالبحث عن عيوبه، والاشتغال بذلك عن الإعجاب بها، وعن عيوب غيره التي لا تضره لا في الدنيا ولا في الآخرة. (٣)
стр. 68
جـ - أن نسعى في الخلاص من العيوب: فلا يكفي مجرد معرفة العيوب، بل لا بد من السعي في الخلاص منها.
قال -تعالى -: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ (الأعلى: ١٤) .
وقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ (الشمس: ٩) .
قال ابن حزم: العاقل من مَيَّزَ عيوب نفسه، فغالبها، وسعى في قمعها، والأحمق هو الذي يجهل عيوب نفسه إما لقلة علمه وتمييزه، وضعف فكرته؛ وإما لأنه يُقَدِّر أن عيوبه خصال، وهذا أشد عيب في الأرض. (١)
стр. 69
د - حسن التعاهد للنفس: قال ابن المقفع: ليحسن تعاهدُك نَفْسَك بما تكون به للخير أهلًا؛ فإنك إن فعلت ذلك أتاك الخير يطلبك كما يطلب الماء السيل إلى الحدورة. (١)(٢)
وقال ابن حزم: إهمال ساعة يفسد رياضة سنة. (٣)
стр. 70
هـ - ألا نجعل إساءة الأمس مسوغةً لإساءة اليوم ، ولا إساءة فلان من الناس مسوغة لإساءتنا: قال ابن حزم: لم أرَ لإبليس أصْيَدَ، ولا أقبح، ولا أحمق من كلمتين ألقاها على ألسنة دعاته، إحداهما: اعتذار من أساء بأن فلانًا أساء قبله.
والثانية: استسهال الإنسان أن يسيء اليوم؛ لأنه قد أساء أمس، أو أن يسيء في وجه ما؛ لأنه قد أساء في غيره.
فقد صارت هاتان الكلمتان عذرًا مسهلتين للشر، ومُدْخِلَتين له في حد ما يعرف، ويحمل، (١) ولا ينكر. (٢)
стр. 71
و - الاطلاع على الجديد والمفيد فيما يخدم التربية والتعليم: فذلك مما ينمي المهارة، ويعين على الارتقاء بالمستوى.
стр. 72
ومما يعين على رحابة الصدر وقوة الاحتمال ما يلي:
أ - سعة الأفق: فيحسن بالمعلم أن يكون ذا أفق واسع؛ فذلك من أسباب سعادته، وأدائه لمهمته كما ينبغي؛ ذلك أن الخطأ والقصور ملازم للطالب قلما ينفك عنه، وبخاصة في هذا الوقت، وحين يدرك المعلم ذلك يضع الأخطاء في حجمها الطبيعي.
ولا يتسنى للمعلم أن يعمل ذلك إلا إذا كان واسع الأفق.
أما ضيقُ الأفق فجبان رعديد، يخاف الأمور الصغيرة، ويشتد فزعه من الحوادث التافهة الحقيرة، ويغضب أشد الغضب للكلمة النابية، ويصل إلى أقصى حد من الغضب للحوادث اليومية التي يكفي لمرورها غض الطرف عنها، ويمكن بقليل من سعة العقل، ورحابة الصدر أن ينظر إليها، ويبتسم من حدوثها.
ولكنه يمعن في الألم منها؛ لضيق أفقه، وقلة تحمله.
فالذي يؤمل أن يسير الناس كما يشتهي، ويعملوا على وفق ما يريد فخيرٌ له ألا ينتظر طويلًا؛ لأنه قد رام مستحيلًا.
ولكن خير من ذلك أن تأخذ الناس كما هم، وأن تتلقى شرورهم، وأعمالهم الصغيرة بصدر رحب، وأفق واسع، ونفس مطمئنة.
وبالجملة فمن ضاق صدره، وقلَّ احتماله تنغصت حياته، ولم يصدر عنه خير كثير، أو عمل كبير. (١)
стр. 73
قال الرافعي: إذا استقبلت العالم بالنفس الواسعة رأيت حقائق السرور تزيد وتتسع، وحقائق الهموم تصغر وتضيق، وأدركت أن دنياك إذا ضاقت فأنت الضيِّق لا هي. (١)
стр. 74
ب - التغاضي: فالتغاضي من أخلاق الأكابر والعظماء؛ وهو مما يعين المعلم على قوة التحمل ورحابة الصدر؛ وينأى به عن مواضع الغضب، واستثارة الأعصاب؛ فيحسن بالمعلم أن يتغاضى عن كثير من الأمور، خصوصًا مما يحدث من الطلاب؛ فيجمل به أن يضرب صفحًا عن بعض الأمور التي يسعه فيه التغاضي، كما يجمل به ألا يفسر كل ما يحدث من الطلاب على أنه يصدر من منطلق عدواني.
قال السموأل:
ربَّ شتمٍ سَمِعْتُهُ فَتَصامَمْـ ... تُ وغيٍّ تركته فكفيت
(١)
وقال المُثَقِّبُ العبدي:
وكلامٍ سيءٍ قد وَقَرَتْ ... أُذُني عنه وما بي من صمم
فَتَعَزَّيت؛ خشاةً أن يرى ... جاهلٌ أني كما كان زعم
ولَبَعْضُ الصفح والإعراض عن ... ذي الخنا أبقى وإن كان ظلم
(٢)
ومما ينسب لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب قوله:
أُغَمِّضُ عيني عن أمور كثيرة ... وإني على ترك الغموض قدير
وما من عمى أغضي ولكن لربما ... تعامى وأغضى المرء وهو بصير
وأَسْكُتُ عن أشياءَ لو شئتُ قلتها ... وليس علينا في المقال أمير
أصَبِّرُ نفسي باجتهادي وطاقتي ... وإني بأخلاق الجميع خبيرُ
(٣)
стр. 75
جـ - التدرب على تحمل الطلاب في المناقشة: وذلك بأن نتلقى مناقشاتهم بصدر رحب، ولا نقتل آراءهم بالكلمات الجارحة، أو نتعسف في ردها، فندافعها بما نعتقد في أنفسنا أنه غير كافٍ لدفاعها.
بل يحسن بنا أن نرجع إلى فهم الطالب إذا كان أقرب للصواب؛ فذلك من أدل الأدلة على فضيلة المعلم وعلو مرتبته، وحسن خلقه، وإخلاصه لله .
وإذا لم نصل إلى هذه الحال فَلْنُعَوِّدْ أنفسنا على ذلك؛ فإن المزاولاتِ تعطي الملكات، والتمرينات ترقي صاحبها لدرج الكمالات. (١)
وإنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، ومن يَتَحَرَّ الخير يُعْطَه، ومن يتوقَّ الشرَّ يوقه. (٢)
يقص علينا التاريخ أن في الأساتذة من يحرص على أن يرتقي طلابه في العلم إلى الذروة، ولا يجد في نفسه حرجًا من أن يظهر عليه أحدُهم في بحث أو محاورة.
يذكرون أن العلامة أبا عبد الله الشريف التلمساني كان يحمل كلام الطلبة على أحسن وجوهه، ويبرزه في أحسن صوره.
ويروى أن أبا عبد الله -هذا - كان قد تجاذب مع أستاذه أبي زيد ابن الإمام الكلامَ في مسألة، وطال البحث اعتراضًا وجوابًا، حتى ظهر أبو عبد الله على أستاذه أبي زيد، فاعترف له الأستاذ بالإصابة، وأنشد مداعبًا: