← Общие книги

Общие книги · id 1990

مع المعلمين

-

Полный текст (170 стр.). Показаны 141–170 · переход к 146.

стр. 141

هـ - فتح المجال لهم في البحث: فمن مهيئات النبوغ أن ينشأ الذكي في درس أستاذ يطلق له العنان في البحث، ويرده إلى الصواب برفق إذا أخطأ، ويثني عليه إذا ناقش فأصاب المرمى.

стр. 142

و - مراعاة الميول والتوجيه لما يناسب: فهناك من الطلاب من هو شديد الذكاء، كبير الهمة ومع ذلك لا تجده يبدع ولا يتفوق. والسبب في ذلك أنه لم يُراعَ ميوله، ولم يوجه إلى ما يناسبه؛ فعقول الناس تختلف، ومشاربهم لا تألف؛ فكل يميل إلى ما يلائمه، وقد علم كل أناس مشربهم. فإذا وجه الطالب إلى ما يلائمه ويناسب ميوله ورغبته أبدع أيما إبداع، وأصبح عضوًا نافعًا بعد أن كان عضوًا أشل؛ فلا يعني كون الطلاب لا يبدعون في شيء أنهم لا يصلحون لأي شيء. (١) ولكنها الأقدار كلٌّ ميسرٌ ... لما هو مخلوق له ومقربُ فكل يعمل على شاكلته، ولكل وجهة هو موليها. هذا وإن مما يحسن التنبيه عليه في هذه الوقفة أن العناية بالمواهب ورعاية النوابغ -لا تعني أن يُهْمَلَ مَنْ هم أقلُّ ذكاءً ونبوغًا؛ فالعالَم لا يحتاج إلى خارقي الذكاء والنوابغ فحسب، بل يحتاج إلى غيرهم كذلك. فاضْمُمْ أقاصيهم إليك؛ فإنه ... لا يزخر الوادي بغير شعاب ولهذا ينبغي أن يؤخذ بأيدي الطلاب عمومًا؛ كي يستعملوا ذكاءهم خير استعمال ولو كان قليلًا، وأن يُفيدوا من مواهبهم ولو كانت محدودة. نعم إن الإنسان لا يقدر أن يكون في الذكاء مائة إذا خلق ذكاؤه في قوة عشرين.

стр. 143

ولكنه قادر على استعماله خير استعمال حتى يفيد أكثر ممن ذكاؤه مائة إذا هو أهمله ولم يحسن استعماله، كمصباح الكهرباء إذا نُظِّف مما علق به، وكانت قوته عشرين شمعةً كان خيرًا من مصباح قوته مائة إذا عَلَتْهُ الأتربة وأهمل شأنه. (١)

стр. 144

هذا وإن مما يعين على معالجة الانحرافات ، وإصلاح النقائص عمومًا ما يلي: أ - أن نعطي المسيء فرصة لإصلاح نفسه وتصحيح خطئه: لأن من عيوبنا في التربية أَنْ إذا كذب طالب مرة -على سبيل المثال - ناديناه باسم الكذاب، وإذا سرق ناديناه باسم السارق، وإذا تكاسل ناديناه باسم الكسول. وهكذا ينشأ ظانًا أن هذه النقائص ضربة لازب لا تزول عنه ولا تنمحي. والذي تقتضيه الحكمة وأصول التربية أن يعطى فرصة لإصلاح نفسه، وأن يساعد على ذلك.

стр. 145

ب - التربية بالعقوبة: والمراد بالعقوبة ههنا معناها الشامل، لا كما يُظن أنها مقتصرة على العقاب البدني؛ فمن العقوبة أن يُعَرَّض بالطالب، ومنها إظهار السخط عليه، ومنها قطع المديح عنه، ومنها عتابه وتوبيخه، ومنها العقاب البدني إذا أتى ما يوجبه، على أن يكون عقابًا يؤلمه ولا يضره، وعلى ألا يكون ناتجًا عن سورة جهل أو ثورة غضب. ومما يحسن في هذا أن يراعى التدرج بالعقوبة. وإصلاح الأخطاء عن طريق التربية بالعقوبة والتدرجُ في ذلك كان معروفًا عند السلف وقد أشار إلى ذلك بعض من تكلموا على آداب العالم والمتعلم. قال الغزالي: أن يزجر المتعلم بطريق التعريض ما أمكن، ولا يصرح، وبطريق الرحمة لا بطريق التوبيخ. (١) وقال ابن جماعة: ويوقفه مع ذلك على ما صدر منه بنصح وتلطف، لا بتعنيف وتعسف؛ قاصدًا بذلك حسن تربيته، وتحسين خلقه، وصلاح شأنه. فإن عرف لذكائه بالإشارة فلا حاجة إلى صريح العبارة، وإن لم يفهم إلا بصريحها أتى بها، وراعى التدريج بالتلطف. (٢)

стр. 146

وقال: أن يراقب أحوال الطلبة في آدابهم، وهديهم، وأخلاقهم باطنًا وظاهرًا، فمن صدر منه من ذلك ما لا يليق من ارتكاب محرم أو مكروه، أو ما يؤدي إلى فساد حال، أو ترك اشتغال، أو إساءة أدب في حق الشيخ أو غيره، أو كثرة كلام بغير توجيه ولا فائدة، أو حرص على الكلام، أو معاشرة من لا تليق عشرته أو غير ذلك ... عرَّض الشيخ بالنهي عن ذلك بحضور مَنْ صدر منه غير مُعَرِّض به ولا مُعَيِّن له، فإن لم ينته نهاه عن ذلك جهرًا، ويغلظ القول عليه إن اقتضاه الحال؛ لينزجر هو وغيره، ويتأدبَ به كل سامع، فإن لم ينته فلا بأس حينئذٍ بطرده أو الإعراض عنه لا سيما إذا خاف على بعض رفقائه وأصحابه من الطلبة موافقته. (١)

стр. 147

جـ - حسن التعاهد للطلاب: لأن المربي يتعامل مع النفوس، والنفوس تحتاج إلى صبر ومراوضة. قال ابن حزم: واعلم أن رياضة الأنفس أصعب من رياضة الأسْد؛ لأن الأُسْد إذا سجنت في البيوت التي تتخذها لها الملوك أُمِن شرها، والنفس -وإن سجنت - لم يؤمن شرها. (١)

стр. 148

د - محاولة التعرف على ما يدور في أذهان الطلاب: إما عن طريق صناديق الاقتراحات، أو عن طريق الاستبيانات، أو عن طريق الحوار الهادف الهادئ بين الطلاب والمعلمين، أو عن طريق الأسئلة التي يكتبها الطلاب، أو نحو ذلك من الطرق التي يعرف من خلالها ما يدور في أذهان الطلاب. وبعد ذلك يسعى في العلاج العام أو الخاص.

стр. 149

هـ - تجنيبهم أسباب الانحراف: ومن ذلك منع الطلاب من المبالغة في التجمل داخل المدرسة، وخصوصًا الأحداث، ومحاولة إقناعهم بالتي أحسن، وإلا أخذوا بالحزم. ومن ذلك تفريق الكبار عن الصغار، ومن ذلك التعرف على من تدور حولهم الشبه ومحاولة إصلاحهم ونصحهم، وإعطاؤهم فرصة للتصحيح، وإن أعيت الحيلة، وخشي من تعدي ضررهم -نظر في عقوبات أشد حسبما تقتضيه الحال؛ فلكل مقام مقال.

стр. 150

٤٨ - العدل بين الطلاب: فالعدل قوام الحياة، والسماوات والأرض ما قامت إلا بالعدل. قال -تعالى -: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ (الأنعام: ١٥٢) . وقال: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾ ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ (الرحمن) . قال ابن حزم: وجدت أفضل نعم الله تعالى على المرء أن يطبعه على العدل وحبه، وعلى الحق وإيثاره. (١) وقال: وأما من طبع على الجور واستسهاله، وعلى الظلم واستخفافه -فلييأس من أن يصلح نفسه، أو يقوم طباعه أبدًا، وليعلم أنه لا يفلح في دين ولا في خلق محمود. (٢) وقال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور: والعدل مما تواطأت على حسنه الشرائع الإلهية، والعقول الحكيمة، وتمدَّح بادعاء القيام به عظماءُ الأمم، وسجلوا تمدُّحهم على نقوش الهياكل من كلدانية، ومصرية، وهندية. وحسن العدل بمعزل عن هوى يغلب عليها في قضية خاصة، أو في مبدأ خاص تنتفع فيه بما يخالف العدل بدافع إحدى القوتين: الشاهية والغاضبة. (٣)

стр. 151

ومن جميل ما يأخذ به المعلم نفسه خلق العدل مع الطلاب؛ فمن العدل معهم ألا تأخذ فكرة عن طالب ثم تحصره بها، فلا تقبل بعد ذلك منه عدلًا ولا صرفًا. ومن العدل معهم ألا تسمع كلامًا عن طالب ثم تأخذه بالقبول دونما تمحيص. ومن العدل بينهم العدل في الدرجات، وفي إعطاء الفرصة للإجابة، وفي توزيع النظر بينهم وما إلى ذلك مع مراعاة الفروق الفردية. قال ابن جماعة: أن لا يظهر للطلبة تفضيل بعضهم على بعض عنده في مودة، أو اعتناء مع تساويهم في الصفات من سن أو فضيلة، أو تحصيل، أو ديانة؛ فإن ذلك ربما يوحش منه الصدر، وينفر منه القلب. فإن كان بعضهم أكثر تحصيلًا، أو أشد اجتهادًا، أو أبلغ اجتهادًا، أو أحسن أدبًا، فأظهر إكرامه وتفضيله، وبيَّن أن زيادة إكرامه لتلك الأسباب -فلا بأس بذلك؛ لأنه ينشط ويبعث على الاتصاف بتلك الصفات. (١) قال شوقي: وإذا المعلم لم يكن عدلًا مشى ... روحُ العدالة في الشباب ضئيلا (٢)

стр. 152

هذا ومما يرسخ المحبة وينميها بين المعلم وطلابه -زيادة على ما مضى - ما يلي: أ - العناية بمصالح الطلاب وأحوالهم: قال ابن جماعة: وينبغي أن يعنى بمصالح الطالب. (١) وقال: ويؤنسهم بسؤالهم عن أحوالهم وأحوال من يتعلق بهم. (٢)

стр. 153

ب - الصبر على بعض ما يصدر من الطلاب: فإن لذلك أثرًا في محبة الطلاب لمعلمهم؛ إذ يدركون أن ذلك نابع من محبته لهم، وشفقته عليهم. قال الإمام النووي: ويجريه مجرى ولده في الشفقة عليه، والصبر على جفائه، وسوء أدبه، ويعذره في سوء أدب وجفوة تعرض منه في بعض الأحيان؛ فإن الإنسان معرض للنقائص. (١)

стр. 154

جـ - احترام الطلاب ومراعاة مشاعرهم: فالمعلم النبيل ذو المروءة والأدب -هو من يحترم طلابه، ويراعي مشاعرهم، فلا يؤذيهم بكلمة، أو إشارة، بل يحفظ عليهم عزتهم وكرامتهم طالما أنهم يسيرون على حد الأدب. قال ابن عباس ﵄: أعز الناس عليَّ جليسي الذي يتخطى الناس إليَّ، أما والله إن الذباب يقع عليه فيشق عليَّ. (١) وقال الأحنف بن قيس: لو جلست إلى مائة لأحببت أن ألتمس رضا كل واحد منهم. (٢) وقال بعضهم: صحبت الربيع بن خثيم عشرين عامًا ما سمعت منه كلمة تعاب. (٣) ولقد كان رسول الله " أكرم الناس لجلسائه، فقد كان يعطي كل واحد منهم نصيبه، ولا يحسب جليسُه أن أحدًا أكرم عليه منه. (٤)

стр. 155

د - التعرف على أسماء الطلاب: لأن ذلك يشعرهم بقيمتهم واعتبارهم. قال ابن جماعة: وينبغي أن يستعلم أسماءهم وأنسابهم ومواطنهم، وأحوالهم. (١)

стр. 156

هـ - مخاطبتهم بكناهم وأحب الأسماء إليهم: وفي هذا مزيد احترام وتقدير لهم. قال ابن جماعة: وينبغي أن يخاطب كُلًا منهم ولا سيما الفاضل المتميز بكنيته ونحوها من أحب الأسماء إليه، وما فيه له تعظيم وتوقير؛ فعن عائشة ﵂ كان رسول الله " يكني أصحابه؛ إكرامًا لهم. (١) (٢)

стр. 157

و - استشارتهم ببعض الأمور: فذلك مما يزرع الثقة في نفوس الطلاب، ومما ينمي الألفة والمحبة بينهم وبين معلمهم.

стр. 158

ز - معرفة الطبائع وفهم العقليات: فبذلك تعامل الطالب بما يوائمه، وتعالجه بالدواء الذي يلائمه.

стр. 159

ح - صفاء السريرة للطلاب: فقد جرت سُنَّةُ الله أن من صفت سريرته، وغَزُرَتْ صالحاته -أحدقت إليه الضمائر الحرة، وأوْلَتْهُ ودًَّا وانعطافًا. (١) فإذا كان المعلم صافي السريرة سليم الصدر للطلاب أحبه الطلاب، وعلموا منه الإخلاص لهم، والرحمة بهم، ولو كان يؤدبهم ويعاقبهم على أخطائهم. فلا ينبغي أن يستهان بإضمار المحبة للطلاب والشفقة عليهم؛ بحجة أنهم لا يدركون ذلك. لا؛ بل إنهم يدركون ويميزون، ويلحظون ذلك من نظرات العيون. وصدق من قال: والعين تنطق والأفواه صامتة ... حتى ترى من ضمير القلب تبيانا العين تبدي الذي في نفس صاحبها ... من العداوة أو ودٍّ إذا كانا (٢) ومن قال: إن العيونَ على القلوب شواهد ... فَبَغِيْضُها لك بَيِّنٌ وحبيبُها وإذا تلاحظت العيونُ تفاوضت ... وَتَحَدَّثَتْ عَمَّا تُجِنُّ قلوبها يَنْطِقْنَ والأفواهُ صامتةٌ فما ... يخفى عليك بريئُها ومريبها (٣) ومن قال: لا تسألنَّ المرء عما عنده ... واسْتمْلِ ما في قلبه من قلبكا إن كان بغضًا كان عندك مثلُهُ ... أو كان حبًا فاز منك بِحُبِّكا (٤) هذه بعض الأمور التي تحبب المعلم لطلابه، وتحببهم به.

стр. 160

فإذا أحببت الطلاب وأحبوك وجدت سعادتك بينهم أكثر مما تجدها في البيت وبين الأصحاب.

стр. 161

وهذا وإن مما يحسن بالمعلم مراعاته حال غربته ما يلي: أ - أن يستحضر فوائد الغربة، وأن يحرص على الاستفادة منها: فللغربة فوائد كثيرة، ومن أنفس ما يكتسبه الرجل في غربته أن يعلم أشياء لم يكن يعلمها من قبل؛ فكم من عالم لم يبلغ المقام الذي يشار إليه بالبنان إلا بالرحلة. كما أن في الغربة عونًا على التمكن من بعض الأخلاق السامية، مثل خلق الصبر؛ لكثرة ما يلاقيه الراحل من متاعب بدنية وآلام نفسية. ومثل خلق المداراة؛ فإن البعيد عن وطنه أشد شعورًا بالحاجة إلى الأدب ممن يعيش بين قوم يعرفون من حَسَبه ومكانة بيته ما يجعل صراحته خفيفة على أسماعهم. كما أن الراحل لا يخلو من أن يلاقي في رحلته رجالًا صاروا مُثُلًا عالية في مكارم الأخلاق، فيزداد بالاقتداء بهم كمالًا على كمال.

стр. 162

ب - أن يكون ذا فطنة مستيقظة: فمما ينبغي التنبيه عليه أن السفر لا يذكي هِمَّة صاحبه، ولا يربي له مَلَكَةَ الأدب إلا إذا قارنته فطنة مستيقظة، تبحث عن أسرار الاجتماع، وتدقق النظر في تمييز الحسن من المعيب؛ لأن من الناس من لا يزيدهم الاغتراب إلا خورًا في طباعهم، وانحلالًا في عقدة إيمانهم. بل إن منهم من غمسوا وجوهم في الشرور حتى نضب منها ماء الحياء، وانسدل عليها من السماجة قناع كثيفٌ. فالسفر النافع إذًا ليس مبارحة الأوطان كيفما اتفق، ولا بالجولان بالبلدان كيفما كان الحال. (١)

стр. 163

جـ - الحرص على إفادة الآخرين: فتجد من المعلمين من إذا تغربوا أو اضطروا إلى الغربة -لا يأبهون بمسألة إفادة الناس، ونشر الخير بينهم. بل إن من آفاتهم أنهم إذا تغربوا كثرت بطالتهم، ونفد صبرهم، وقل أو عدم في الناس أثرهم. وما ذلك إلا لضعف هممهم، وركونهم إلى الملذات العاجلة. وإلا لو استشعروا المسؤولية، وشمروا عن ساعد الجد لسعدوا وأسعدوا؛ فهذا الشيخ الداعية عبد الله القرعاوي لما رحل إلى جنوب المملكة العربية السعودية -دعا إلى الله، وحرص على نشر العلم ورفع الغشاوة، والجهل، فنفع الله به نفعًا عظيمًا تُرى آثارُه إلى يومنا هذا. (١)

стр. 164

د - الإحسان إلى الزملاء في الغربة: فإذا كنت في غربتك، ولم تصطحب معك أهلك، وكنت تسكن مع مجموعة من زملائك -فأحسن صحبة مَنْ معك، وقم على خدمتهم، ولا تنتظر شكرهم، واحذر أن تمنَّ عليهم بما تقوم به من عمل. ثم إن خدموك في أمر، وأحسنوا عشرتك فاشكر لهم صنيعهم. بل يحسن بك أن تصبر على بعض ما تلقاه منهم من جفاء. بل يحسن بك أن تكون لهم نعم الأنيس والسمير؛ يجدون عندك من حسن العشرة، وتَحَمُّل الجفاء، وكرم النفس -ما ينسيهم أهليهم؛ فذلك مما يدل على رسوخ القدم في الفضيلة.

стр. 165

هـ - التودد للناس: فمما يحسن بك حال غربتك أن تتودد للناس، وأن تنزل أهل البلد الذين حللت بينهم منازلهم؛ فذلك مما يُعَطِّف القلوب إليك، ويصيخ الأسماع لقولك؛ فمراعاة عقول الناس ونزعاتهم فيما لا يقعد حقًا ولا يقيم باطلًا -مظهر من مظاهر الإنسانية المهذبة. كما أنه دليل على جودة النظر في سياسة الأمور، وعلى حسن التصرف في تقدير وسائل الخير؛ فالرجل العاقل الحكيم الحازم يحكم هذا الأمر، وينتفع به عند لقائه بالطبقات المختلفة، فتراه يَزِنُ عقول مَنْ يلاقونه، ويحسن ما تُكِنُّ صدورهم، وتنزع إليهم نفوسهم، فيصاحبهم وهو على بصيرة مما وراء ألسنتهم من عقولٍ وسرائر وعواطف، فيتيسر له أن يسايرهم إلا أن ينحرفوا عن الرشد، ويتحامى ما يؤلمهم إلا أن يتألموا من صوت الحق. وكما أن هذا الأمر عائد إلى الألمعية التي هي في أصلها موهبة إلهية -فهو كذلك يأتي بالدربة والممارسة، وتدبر سير أعاظم الرجال، والنظر في مجاري الحوادث باعتبار؛ فهذا مما يقوي هذه الخصلة ويرفع من شأنها. (١)

стр. 166

و - لا تخالف الناس فيما لا يضرك في دنياك ولا أخراك: فمن جميل المعاشرة أن ترميك الغربة في بلدٍ ما، فتجد أن خلائق أهلها وعاداتهم على غير ما تعرف، فتترك كثيرًا مما كنت تعرف، وتأخذ بما يأخذون به؛ فإن ذلك من جميل المعاشرة، ومن حسن المداراة. فدارهم ما دمت في دارهم ... وأرضهم ما دمت في أرضهم (١) وكل هذا مشروط بألا يكون فيما تأتي أو تذر محذور شرعي؛ فإن كان ثم محذور شرعي تَعَيَّن تقديمُ الأمر الشرعي على كل عادة وعُرف. قال ابن حزم: إياك ومرافقةَ الجليس السيء، ومساعدة أهل زمانك فيما يضرك في أخراك أو في دنياك، وإن قل؛ فإنك لا تستفيد بذلك إلا الندامة حيث لا ينفعك الندم، ولن يحمدك مَنْ ساعدته، بل يشمت بك، وأقل ما في ذلك -وهو المضمون - أنه لا يبالي بسوء عاقبتك، وفساد مغبتك. وإياك ومخالفةَ الجليس، ومعارضةَ أهل زمانك فيما لا يضرك في دنياك ولا في أخراك وإن قل؛ فإنك تستفيد بذلك الأذى والمنافرة والعداوة. وربما أدى ذلك إلى المطالبة والضرر العظيم دون منفعة أصلًا. (٢) قال أحد الحكماء: إن جئت أرضًا أهلها كلهم ... عُورٌ فَغَمِّضْ عينك الواحده (٣)

стр. 167

ز - لا تَذْكُرْ بلد غربتك إلا بخير: فذلك دالٌّ على وفائك، وكرم معدنك، وحسن عشرتك، وإشراقة نفسك؛ لأن من الناس من إذا تغرب أساء إلى نفسه وإلى أهل بلده بقلة نفعه، وبسوء عشرته، وأساء إلى من يتغرب عندهم بذمهم وذكر معايبهم، والتأوه من البقاء بين ظهرانيهم. وما ذلك المسلك برشيد؛ إذ هو دال على ضيق العطن، وقلة الوفاء، وسوء العشرة. فاللائق بك -أيها المعلم القدير - أن تذكر من تَغَرَّبْتَ عندهم بخير، وإن كان ثَمَّ داع لذكر شيء من أخطائهم فليكن لأجل الإصلاح والتصحيح، لا لأجل الغمز واللمز والتجريح. وإنك لتعجب حين تسأل زميلين يُدَرِّسان في بلدٍ ما عن ذلك البلد، فتجد أن أحدهما يمدح والآخر يقدح، مع أن البلد هو هو، وأن الناس هُمُ هُمُ، ولكن اختلفت النظرة؛ لاختلاف الأنفس والطبائع.

стр. 168

٥١ - لا تنس طلابك بعد تخرجهم: فمما يجمل بك أن إذا تخرج طلابك ألا تنساهم، وذلك بأن تفتح صدرك لهم، وأن تحسن استقبالهم إذا هم زاروك، وأن تعاملهم وكأنهم أبناء لك قد كبروا وشبوا عن الطوق؛ فذلك من كرم النفس، ومن حسن الوفاء. بل يحسن أن تبادر إلى السؤال عنهم، وبذل الشفاعة لهم، بل والتكرم في زيارتهم؛ فذلك دليل التواضع وآية السماحة.

стр. 169

٥٢ - وماذا بعد التقاعد ؟ فإذا كبرت بك السن، أو رغبت في ترك العمل في سلك التعليم، فتقاعدت عن العمل -فلا يحسن بك أن تركن إلى الكسل والبطالة، فتعيش على هامش الحياة، خلوًا من كل مسؤولية، وكأنك همل مضاع أو لقىً مزدرى. بل يحسن بك أن تجد وتجتهد في مجالات أخرى تنفع بها نفسك والمسلمين، كأن تُعنى بتربية أولادك أكثر وأكثر، وكأن تقبل على الله بالعمل الصالح أكثر من ذي قبل ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ (الشرح) . ومما يجمل بك أن تشارك في بعض الأعمال والمجالات الخيرية، ومما يجمل بك ألا تبخل على إخوانك المعلمين بنصح، أو توجيه، أو إفادة من خبرة سابقة. ومما يجمل -أيضًا - أن تقبل على البحث والقراءة والاطلاع؛ لتستفيد من وقت الفراغ الذي حصل لك.

стр. 170

الخاتمة هذا ما يسَّر الله جمعه، وأعان على إتمامه، فله الحمد وله الشكر، كما أشكر كل من أعان على هذا العمل، وأسأل الله أن يجعله في ميزان حسناتِهِ يوم يلقاه. وأخيرًا ألتمس العذر من إخواني المعلمين إن كان هناك من إثقالٍ، أو إملالٍ، أو عتاب؛ فما أنا إلا واحد منهم، وأكره شديدًا أن أسُلَّ يدي من رابطتهم. كما آمل منهم أن يمدوا أخاهم بملحوظاتهم واستدراكاتهم، ولهم الدعاء والشكر. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وسلام على المرسلين. والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. محمد بن إبراهيم الحمد ٢٧ / ١٢ / ١٤١٧هـ الزلفي ١١٩٣٢ ص. ب ٤٦٠