← Общие книги

Общие книги · id 1990

مع المعلمين

-

Полный текст (170 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

٣٥ - لا تنتظر الشكر إلا من خالقك: لا ريب أن شكر الناس من شكر الله، ولا يشكر الله من لا يشكر الناس. ولا ريب -أيضًا - أن شكر المحسن على إحسانه أمر مطلوب، وأنه مما يزيده إقبالًا على عمله. ولكن قد يحصل في بعض الأحيان أن يُقَابَلَ المحسنُ في عمله، المجدُّ فيما أسند إليه بشيء من جحود الفضل، ونكران الجميل؛ مما قد يضعف عزيمته، ويوهن قواه. فيا أيها المعلم المفضال، إذا مرت بك تلك الحال، فلم تُنْصَفْ، ولم تُعْطَ قدرك، ورد فضلك باليمين وبالشمال -فلا يحملْك ذلك على قلة الإخلاص، وتَرْكِ إتقان العمل. بل انتظر الشكر من خالقك؛ فعملك في كتاب عند ربي، لا يضل ربي ولا ينسى. ثم اعلم أن جمال الشيء فيه لا فيما يقال عنه، أيًّا كان القائلون. قال ابن حزم بعد أن تحدث عن مذاهب الناس في طرد الهم: وجدتُ العمل للآخرة سالمًا من كل عيب، خالصًا من كل كدر مُوصلًا إلى طرد الهم على الحقيقة. ووجدت العامل للآخرة إن امتحن بمكروه في تلك السبيل لم يهتم، بل يُسَرُّ؛ إذ رجاؤه في عاقبة ما ينال به عونٌ له على ما يطلب، وزايد في الغرض الذي إياه يقصد.

стр. 107

ووجدته إن عاقه عما هو بسبيله عائقٌ لم يهتم؛ إذ ليس مؤاخذًا بذلك؛ فهو غير مؤثر في ما يطلب. ورأيته إن قصد بالأذى سُرَّ، وإن نكبته نكبةٌ سُرَّ، وإن تعب فيما سلك فيه سُرَّ، فهو في سرور أبدًا، وغيره بخلاف ذلك أبدًا؛ فاعلم أنه مطلوب واحد وهو طرد الهم، وليس له إلا طريق واحد وهو العمل لله -تعالى - فما عدا هذا فضلال وسخف. (١)

стр. 108

٣٦ - لا تكثر الشكوى: فكثيرًا ما يشكو المعلمون أعباء التدريس، وتَنَكُّرَ الناس، ومكابدة الطلاب، ومرأى دفاتر الواجبات، وما إلى ذلك مما يعاني منه المعلمون. وهذا ما عبر عنه بعض الأدباء من المعلمين؛ فهذا الشاعر إبراهيم طوقان يقول معارضًا أمير الشعراء أحمد شوقي في قصيدته التي يقول مطلعها: قم للمعلم وفِّه التبجيلا ... كاد المعلم أن يكون رسولا يقول طوقان معارضًا شوقيًّا، مبينًا حال المعلمين، ومدى ما يعانون: شوقي يقول وما درى بمصيبتي ... (قم للمعلم وفِّه التبجيلا) اقعدْ فديتُك هل يكون مُبَجَّلًا ... من كان للنشء الصغار خليلا ويكاد يقلقني الأمير بقوله ... (كاد المعلم أن يكون رسولا) لو جرب التعليمَ شوقي ساعةً ... لقضى الحياةَ شقاوةً وخمولا حسبُ المعلمِ غمةً وكآبةً ... مرأى الدفاتر بكرةً وأصيلا مائةٌ على مائةٍ إذا هي صُلِّحتْ ... وجد العمى نحو العيون سبيلا ولَو آن في التصليح نفعًا يرتجى ... وأبيك (١) لم أكُ بالعيون بخيلا لكن أصلِّح غلطةً نحويةً ... مثلًا وأتخذ الكتاب دليلا مستشهدًا بالغر من آياته ... أو بالحديث مُفَصلًا تفصيلا وأغوص في الشعر القديم وأنتقي ... ما ليس ملتبسًا ولا مبذولا

стр. 109

وأكاد أبعث سيبويه من البلى ... وذويه من أهل القرون الأولى فأرى حمارا بعد ذلك كله ... رفع المضاف إليه والمفعولا لا تعجبوا إن صِحْتُ يومًا صيحةً ... ووقعت ما بين البنوك قتيلا يا من يريد الانتحار وجدته ... إن المعلم لا يعيش طويلا (١) وهذا أخونا الأديب البارع الأستاذ عبد الله بن سليم الرُّشَيد يقول: أروح وأغدو بالدفاتر مثقلًا ... ويا بؤس من يمسي قرينَ الدفاترِ أريق عليها أعيني كلَّ ليلةٍ ... بهمة وقَّادٍ وعزمة صابر وكم وقفةٍ بين التلاميذ قُمتُها ... بلهجة حَضَّاضٍ على الحرب هادر أمزِّق ساعاتي لترقيع وقتهم ... وأهدر عمري بين جد وذاكر وأحسب أني بالتلاميذ مُبدِلٌ ... شيوخًا كبحر باللآلئ زاخرِ فألقاهمُ من بعد شرِّ عصابةٍ ... وإذ بصياحي كان صفقةَ خاسرِ (زواملُ للأشعار لا علم عندهم ... بجيِّدها إلا كعلم الأباعر) والحقيقة أن طريق المعلمين عسيرة، وأن مهمتهم ليست بيسيرة خصوصًا في هذه الأزمان. وإذا شكوا فما حالهم إلا كما قال الأول: شكوتُ وما الشكوى لمثلي عادةٌ ... ولكنْ تفيضُ الكأسُ عند امتلائها

стр. 110

ولكن مهما يك من شيء فإنه لا ينبغي الإكثار من الشكوى، ولا بثها لكل أحد؛ لأنها -في الغالب - لا تجدي نفعًا، ولا تطفئ لوعة. ولهذا رأى بعض السلف رجلًا يشكو إلى رجل فاقته وضرورته، فقال: يا هذا، والله ما زدت على أن شكوت من يرحمك إلى من لا يرحمك. (١) وإذا عرتك بليةٌ فاصبر لها ... صبر الكريم فإنه بك أعلم وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما ... تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم (٢) ثم إن كان هناك من حاجة لبث الشكوى لأحد المخلصين، أو لمن يهمهم الأمر؛ طلبًا للنصيحة، أو المشورة، أو إصلاح الوضع وتيسير المهمة -فلا بأس. وإلا فلماذا نثير انتباه الذين لا يعنيهم أمرنا، ولا ننتظر منهم أي فائدة لنا؛ فنفضح بذلك أنفسنا، ونُبِيْن عن ضعفنا وخورنا في سبيل الحصول على شفقة، أو عطف ليس له من نتيجة سوى ازدياد الحسرة، وتفاقم المصيبة. (٣) فيا معاشر المعلمين، أولى لنا ثم أولى أن نَجِدَّ في أمورنا، وأن نأخذ بالأسباب المعينة لنا على أداء أعمالنا؛ فذلك أنفع من الشكوى التي قد تزري بنا، ولا تنفعنا. ثم إنكم -معاشر المعلمين - رجال، ومتى رغب الرجال في راحة البال؟ وإنكم لأسُودٌ، ومتى عاش الأسَد على التدليل، وهو يشعر أن التدليل تذليل؟ (٤)

стр. 111

فالراحة الكبرى، والسعادة العظمى إنما تكون بالجد والاجتهاد؛ فأرْوح الناس أتعب الناس، وأتعب الناس أروح الناس: بصرت بالراحة الكبرى فلم أرها ... تنال إلا على جسر من التعب أما إذا ركنَّا إلى الكسل، وألِفْنا البطالة فلن ندع الشكوى مهما أوتينا من وسائل الراحة؛ ولهذا لا تكاد تجلس إلى أحد من الناس إلا وتسمع منه مُرَّ الشكوى والأنين، وكثرة التوجع من حرقة لاذعة من هذه الحياة. كل من لاقيت يشكو همه ... ليت شعري هذه الدنيا لمن ترى الغنيَّ على ما هو فيه من رفاهية العيش ورغده يشكو كثرة مطالبه، وتعَدُّدَ واجبات الحياة التي تتطلب المزيد؛ فالكماليات عند غيره واجبات عنده، لا مَعْدَى عنها ولا محيص. وترى الفقير يشكو هو الآخر حاله، ويألم لِحَظِّه في الحياة، وقد يشتد به الألم كلما نظر إلى الأغنياء في الدنيا، وقارن بين حاله وحالهم، ونسي أنه لو قنع بما قسم الله له لكان أغنى الناس. (١) وبالجملة فإن حِمل المعلمين ثقيل، وأمانتهم عظيمة، ونردد مع شوقي قوله: إني لأعذركم وأحسب عبئكم ... من بين أعباء الرجال ثقيلا (٢) ونردد معه أيضًا: فَكِلوا إلى الله النجاح وثابروا ... فالله خَيْرٌ كافلًا ووكيلا (٣)

стр. 112

٣٧ - الحذر من اليأس: فكثير من معلمينا يبذل النصح، والعلم والتوجيه للطلاب؛ فإذا رأى منهم إعراضًا أو قلة استجابة لنداءات النصح، أو نظر إلى ما غرق فيه بعض أبنائنا من التشبه بالمخالفين في عادات لا تغني من الرقي شيئًا -عدَّ ذلك قضاءً مبرمًا، وتملكه خاطر اليأس، حتى ينتكث من التعرض لأدوائهم ومحاولة إصلاحها. ولكن الذي يعرف علة هذا التسرع، ويكون قد قرأ التاريخ؛ ليعتبر -يرى الأمر أهون من أن يصل بالنفوس إلى التردد في نجاح الدعوة، بَلْهَ اليأس من إصلاحها. فلا ينبغي -معاشر المعلمين - أن ينطلي على فطنتكم المتيقظة زخرف تلك القضية: فسد الزمان ولا دواء له ... فَتُلْصِقُ بألسنتكم لُكْنَة، وتُطْفِئ من عزائمكم تَوَقُّدًا، فتفقدون منها حِدَّةً ونشاطًا. بل ينبغي لكل واحد منا أن يعمل ما في قدره، وأن يكون ذا نظرة واسعة متفائلة، وألا يتعجل النتائج، أو يسمحَ لليأس أن يتسلل إلى رُوْعه؛ فاليأس من أكبر المعوقات، وأشد المثبطات.

стр. 113

فإذا لم تظهر نتائج التربية عاجلًا ظهرت آجلًا، وإذا لم يذهب الشر كلُّه خفَّ وقعُهُ، ولم يستطر شرره؛ فالتربية الصحيحة الجادة لا تذهب سدى، وما سطع الإيمان في نفس إلا كانت كالبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه؛ فابذر فيها من الحكمة والموعظة الحسنة ما شئت أن تبذر، فلا تُريك إلا نياتٍ صالحةً، وأعمالًا راضيةً ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ (الواقعة: ٦٤) . وكثيرًا ما يستخف الناس بالأمر تلقى له الخطبة، أو تؤلف له المقالة، فإذا تتابع الترغيب فيه أو التحذير منه -ولو مِنَ الناصح الواحد - أخذ الناس يُعْنون بشأنه، ويتداعون إلى العمل به، أو الإقلاع عنه. ولا ندري -معاشر المعلمين - لعل من بين الطلاب مجددًا أو نابغة؛ فالطالب واحد من رجال الأمة، إلا أنه مستتر بثياب الصبا، فلو كشَفَتْ لنا عنه وهو كانٌّ تحتها لربما رأيناه في مصافِّ الرجال القوامين. ولكن جرت سنة الله ألا تتَفَتَّقَ أزرار تلك الأستار إلا بالتربية شيئًا فشيئًا، ولا تؤخذ إلا بالسياسات الجيدة على وجه التدريج. (١) فما علينا إلا أن نبذل الأسباب، وندخل البيوت من الأبواب، ثم بعد ذلك ندع النتائج والتقديرات لرب الأرباب ومسبب الأسباب.

стр. 114

وما اقترن العزم الصحيح بالتوكل على من بيده ملكوت كل شيء إلا كانت العاقبة رشدًا وفلاحًا ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل عمران:١٥٩) . وما جمع قوم بين التوكل على الله والأخذ بالأسباب إلا أحرزوا الكفاية لأن يعيشوا أعزة سعداء. وما بذل أحد جهده، وسعى في الأمور النافعة سعيه، واستعان بالله عليها، وأتاها من أبوابها ومسالكها -إلا وأدرك مقصوده؛ فإن لم يدركه كله أدرك بعضه، وإن لم يدرك منه شيئًا لم يلُم نفسه، ولم يذهب عملُه سدىً خصوصًا إذا ثابر عليه ولم يتضجر. ولا بُعْدَ في خير وفي الله مطمعٌ ... ولا يأسَ مِنْ رَوْحٍ وفي القلب إيمانُ

стр. 115

٣٨ - علو الهمة، وكِبَرُ النفس: فعلو الهمة وكبر النفس خلق عظيم، وغاية نبيلة، تتعشقه النفوس الكريمة، وتهفو إلى التحلي به الفطر القويمة. وعلو الهمة من الأسس الأخلاقية الفاضلة، وإليه يرجع مجموعة من الظواهر الخلقية كالجد في الأمور، والترفع عن الصغائر، وكالطموح إلى المعالي. فمما يحسن بالمعلم أن يكون ذا همة عالية، ونفس كبيرة طَمَّاحة، لا ترضى بالدون، ولا تقنع من الخير بالقليل، ولا تقف في السعي للفضائل عند حد؛ فالقناعة إنما تحصل فيما يقيم الجسم، لا فيما يقيم الأمة، وفي أمور المعاش لا في أمور المعاد. قال يحيى بن معاذ: لو كانت الدنيا تبرًا يفنى، والآخرة خزفًا يبقى -لكان ينبغي للعاقل إيثار الخزف الباقي على التبر الفاني؛ فكيف والدنيا خزف، والآخرة تبرٌ باقٍ؟ . (١) وإن آية الأمة المهيأة للخير ألا تفرغ من مأثرة إلا لتبدأ مأثرة، ولا تنفض أيديها من عمل إلا تضعها في عمل آخر. ثم إن عظيم الهمة لا يشغل باله أمر صغير، ولا يقلق فكره عمل يسير، ولا يضيع وقته في مناقشة السفاسف والمحقرات.

стр. 116

بل يقوم بجلائل الأعمال التي تَتَعَصَّى على أولي القوة من الرجال، ومع ذلك لا يتبرم ولا يقلق، ولا يشكو كثرة الأعباء، والتبعات، له قلب لا يتعب فيبلغ منزلة إلا ابتدأ التعب؛ ليبلغ منزلة أعلى منها، وله فكر كلما جهد فأدرك حقيقة كانت الحقيقة أن يجهد فيدرك غيرها. (١) على قدر أهل العزم تأتي العزائمُ ... وتأتي على قدر الكريم المكارم وتكبر في عين الصغير صغارُها ... وتصغر في عين العظيم العظائم (٢) ولقد جرت سنة الله ألا ينهض بأصر المقاصد الجليلة، ويرمي إلى الغايات البعيدة -غيرُ النفوس التي عظم حجمها، وكبرت هممها، فلم تتعلق بسفاسف الآمال، ولا محقرات الأعمال. وإذا علمت نفسٌ طاب عنصرها، وشرف وجدانها أن مطمح الهمم إنما هي غاية وحياة وراء حياتها الطبيعية -لم تقف بسعيها عند حد غذاء يقوتها، وكساء يسترها، ومسكن تأوي إليه. بل لا تستفيق جهدها، ولا يطمئن بها قرارُها إلا إذا بلغت مجدًا يصعد بها إلى أن تختلط بكواكب الجوزاء. وإلى هذا المعنى الجميل يشير قول نابغة بني جعدة: بلغنا السماء مجدًا وجودًا وسؤددًا ... وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا (٣)

стр. 117

نعم يورد هذا الخلق صاحبه موارد التعب والعناء، ولكن التعب في سبيل الوصول إلى النهاية من معالي الأمور يشبه الدواء المر، فيسيغه المريض كما يسيغ الشراب عذبًا زلالًا. تَلَذُّ له المروءةُ وهي تؤذي ... ومن يعشق يلذ له الغرام (١) فالمكارم منوطة بالمكاره، والسعادة لا يُعبر إليها إلا على جسر من المشقة؛ فلا تقطع مسافاتها إلا في سفينة الجد والاجتهاد. (٢) ولذلك لما كان مجد الآخرة أعظم المجد كان ابتغاؤه أعظم الغايات، وكان هو الهمَّ الأكبر للمؤمنين الصادقين ذوي الهمم العلية، والنفوس الكبير ة الزكية. أما الدنيا فإنها -في نظرهم مهما بلغت أمجادها - قليلة القيمة في جنب الآخرة؛ لذلك فهم يحاولون أن يبتغوا فيما آتاهم الله الدارَ الآخرة مع أنهم لا ينسون نصيبهم من الدنيا. فاستصغار متاع الدنيا، وتحقير لذائذها في نفوس الناس يرفعهم عن الاستغراق فيها، ويُكْبِر بهممهم أن يولوا وجوههم شطرها أينما كانوا؛ فلا يكن طموحك -أيها المعلم المفضال - مقتصرًا على مطعم، أو ملبس، أو ترقية، أو زيادة ثم تقف عند هذه الغاية. قال حاتم الطائي: لحى الله صعلوكًا مناهُ وهمُّه ... من العيش أن يلقى لبوسًا ومطعمًا

стр. 118

يرى الخِمْصَ تعذيبًا وأن يلقَ شبعةً ... يَبِتْ قلبه من قلة الهم مبهما (١) ولا يعني ذلك ترغيب الإنسان ليعيش مجانبًا للزينة، ميت الإرادة عن التعلق بشهواته على الإطلاق. وإنما يقصد من ذلك حكم أخرى، ومنها تعديل الأنفس الشاردة، وانتزاع ما في طبيعتها من الشَّرَهِ والطمع؛ لئلا يخرجا بها عن قصد السبيل، ويَتَطَوُّحا بها في الاكتساب إلى طرق غير لائقة. كما لا يعني ذلك ألا تحرص على الترقي في سلَّم الوظيفة أو المرتبة العلمية، مما يزداد به علمك، وتعلو به مرتبتك وشرفك، فيكثر بذلك الانتفاع بعلمك، والاستفادة من جاهك. لا، بل إن ذلك حسن مطلوب إذا كان الهدف الأسمى والغاية القصوى -نيل رضا الله، والحرص على نشر العلم، وتربية الأجيال على الخير. وإذا اطلعت على أثر يقتضي البعد عن الوجاهة فإنه مصروف إلى الحرص في طلبها، والتصنع لإحراز سمعة في المجامع الحافلة، والبلاد القاصية. وأما إذا اندفعت همة الرجل إلى المكارم بجاذب ابتغاء الفضيلة، وطفق ذكره يتسع على حسب مساعيه الحميدة -فذلك خير له من العزلة، والاختباء في زوايا الخمول.

стр. 119

قال -تعالى - فيما قصه من قول إبراهيم ﵇: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ (الشعراء: ٨٤) . وقال في سياق أقوال لقوم صالحين: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (الفرقان: ٧٤) . (١) وبعد أن استبان لنا أن كبر الهمة سجية من سجايا الدين التي تصدر عنها الأعمال العظيمة، وتضم تحت جناحيها فضائل شتى -فَلِمَ لا نأخذ بها في أنفسنا؟ ولم لا نعقل عليها نفوس أبنائنا؟ ونرشحهم بلبانها في أدوار التربية الأولى؛ ليستشعروا بالآداب المضيئة، ويتجلببوا بالقوانين العادلة، ولنا حياة طيبة في العاجل، وعطاءٌ غيرُ مجذوذٍ في الآجل؟ (٢)

стр. 120

وإليك نبذةً من استعمال المداراة في النصيحة . أ - من المداراة في النصيحة أن تثني على الطالب بما فيه إذا قصدت بذلك أن تحمله إلى ما هو أرفع، وأن تقصره عما هو فيه من القبيح. ب - ومن ذلك أن تذكر الطلاب بسالف أمجاد المسلمين؛ حتى تبعثهم إلى اتباعهم، والسير على منوالهم. جـ - ومن ذلك أن تذكر الطالب بسلفه هو، سواء كان أباه، أو جده، إذا كان ذلك السلف ذا فضل وعلم؛ فإن تَرَدُّدَ اسم سلفه الفاضل على سمعه مما يثير همته، ويرهف عزمه لأن يظفر بما ظفر به سلفه من منزلة شامخة، وذكر مجيد. د - ومن المداراة في النصيحة أن تثير في الطلاب نخوتهم وشيمتهم ومروءتهم. هـ - ومن ذلك أن تَعْمَدَ إلى إلقاء النصيحة بين الطلاب؛ فلا تستهل حديثك بمواجهتهم بما يكرهون؛ خشية نفورهم وإعراضهم. وإنما تبتدئ بما يخف عليهم سماعه من المعاني الحائمة حول الغرض، ثم تعبر عن المعنى المراد بلفظ مجمل، ثم تدنو من إيضاحه شيئًا فشيئًا، حتى لا تُفصح عنه إلا وقد ألفته نفوسهم، وهدأت إليه خواطرهم؛ فذلك التدرج من حسن السياسة وجميل المداراة.

стр. 121

و - ومن المداراة بالنصيحة أن تُعَرِّض بالشيء، وأنت تريد غيره، من باب قول العرب في المثل المشهور: إياكِ أعني واسمعي يا جارة. (١) مثال ذلك: أن تتعمد طالبًا بالنصيحة، فتخشى بادرةَ غضبه إن أنت كاشفته بخطئه، فتسلك في نصحه سبلًا أخرى دون أن تثير غضبه، أو تمسَّ كبرياءه، أو أن تخجله؛ لكونك اطلعت على خطئه، فبدلًا من مواجهته مباشرة بإمكانك أن تداريه، وتوصل له ما تريد بعدة طرق لا يشعر معها أنك تريد نصحه. ومن تلك السبل أن تذكر له حالة أخرى مشابهة لحالته، وقد حدثت لشخص آخر وقع فيما وقع فيه صاحبك من خطأ، ثم تخلص إلى ذم ذلك الخطأ، وتقبيحه، والتنفير منه، والتحذير من الوقوع فيه. كأن تقول له: إن أحدًا، أو فلانًا من الناس يتعاطى الدخانَ، والدخان فيه كذا وكذا، ويخشى عليه إن لم يترك الدخان أن يقع له كذا وكذا، ثم تبدأ بذم الدخان، وتقبيحه. ومن تلك السبل أن تستشير الذي وقع في خطأ في كيفية علاج ذلك الخطأ، فتقول له: إن كثيرًا من الطلاب قد وقعوا في بعض الأخطاء، فما رأيكم إن كانوا مجموعة في كيفية علاج ذلك الخطأ، ثم تنفذ من خلال ذلك إلى التحذير من الخطأ.

стр. 122

ومن تلك السبل أن تستحث من وقع في خطأ ما على نصح فلان من الناس سواء كان ذلك زميله، أو أخاه الصغير أو غيرهما، فتقول لذاك: انصح أخاك أو زميلك؛ لعله يتقبل منك، ويقلع عن ذلك الأمر، ثم تبين له وجه ذلك الخطأ وسبل علاجه. إلى غير ذلك من الطرق المناسبة التي لا تريد من خلالها سوى لفت نظر منصوحك، وإشعاره بخطئه من طرف خفي. ز - ومن المداراة في النصيحة أن تثني بحضرة المسيء على من فعل خلاف فعله؛ فهذا داعية إلى الإحسان وترك الإساءة. (١) ح - ومن المداراة في النصيحة أن تعرف أن ناسًا بأعيانهم قد وقعوا في مخالفة ما، فترغب في إرشادهم، ولفت أنظارهم إلى خطئهم، فتتحامى ذكرهم بأعيانهم، خشية نفورهم أو إحراجهم، أو إعراضهم فتلجأ إلى التعريض من باب: ما بال أقوام فتشير إلى أن هناك ملاحظةً حول أمر ما، وهي كذا وكذا، أو تقول: إن ناسًا يعملون كذا وكذا وهم مجانبون للصواب، والدليل كذا وكذا. ويومئ إلى هذا الأسلوب ما كان يفعله النبي " عندما يبلغه أن بعض أصحابه قد وقعوا في خطأ ما، فيسلك ﵊ هذا الأسلوب في علاجهم أحيانًا.

стр. 123

جاء في صحيح البخاري أن النبي " قال: «ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة» (١) وقال: «ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله» . (٢) وقال: «ما بال دعوى الجاهلية» (٣) وقال: «ما بال العامل نبعثه، فيأتي فيقول: هذا لك وهذا» ... . (٤) وبالجملة فالمدارة خصلة شريفة، يُحْكِمُها الأذكياء، ولا يتعدى حدودَها الفضلاء؛ فهي ترجع إلى ذكاء الشخص وحكمته؛ فهو الذي يراعي في مقدارها وطريقتها ما ينبغي أن يكون.

стр. 124

٤٠ - الحزم من غير عسف: فمما ينبغي للمعلم أن يتصف به، ومما يدل على نجاحه في أداء مهمته -أن يكون حازمًا جادًا؛ لأن في الحزم ضبطًا للطلاب، وكبحًا لما عندهم من جماح، كما أن فيه حفظًا للوقت، وإبقاءً لهيبة المعلم والعلم. ومما يعين المعلم على الحزم أن يكون حازمًا مع نفسه. ومن حزمه مع نفسه أن يعد الدرس جيدًا، وأن يلقيه كما ينبغي. فإذا أعد الدرس جيدًا، وألَمَّ بكل شاردة وواردة فيه -كان من أثر ذلك عليه وثوقُ الطلاب بما يقول، وظهور التجديد فيما يعمل، وتنويع الدرس على ما يحب. وإذا ألقى الدرس كما ينبغي -كأن يربطه بالدروس السابقة، ويسيرَ فيه خطوةً خطوة، ثم يلخصه بطريقة الأسئلة -ملأ الوقت على الطلاب، فلم يَعُدْ فيه فراغٌ لعبث عابث، ولا تجني سفيه. وإذا حرك أذهانهم بالتشويق، والتطبيق، والسؤال -لم يصبهم سأم ولا ضيق. ومن هنا يُشغل المعلمُ طلابَه عن أنفسهم وعن نفسه، فلا يفرغون لاصطياد نكتة، ولا لالتماس غميزة؛ إذ ليس أعون للمعلم على حفظ نظام الفصل من ملء الوقت بالمفيد الممتع، ولا أضمن لجودة شرحه، وحسن استماع التلاميذ من فهم الموضوع وجودة إلقائه.

стр. 125

ومما يعينه على الحزم ألا يسمح لطالب بأن يسيء للفصل أو لأحد من زملائه. ومن ذلك أن يتابعهم في واجباتهم، وأن ينجز الوعد إذا وعد أحدًا من تلاميذه. وبالجملة فالحزم مطلوب، وهو من علامات النجاح، ومن مقومات المروءة، بشرط ألا يصل إلى التسلط والاستبداد، والشدة المفرطة، والصرامة المتعدية لأطوارها؛ لأن تلك الطريقة تفسد الجيل، وتغرس فيه رذائل مهلكة؛ إذ تسلب من الطالب جميع عزائمه وسائر إرادته، وتحمله على الكذب والنفاق، وتغرس فيه الجبن والخور، وتُبَغِّض إليه العلم والقراءة، كما أنها تحول بينه وبين عزة النفس، وما يتبعها من قوة الجأش، وأصالة الرأي، وإرسال كلمة الحق عندما يقتضيها المقام؛ فيكون ألعوبة بين معاشريه كالكرة المطروحة يتلقفونه رجلًا رجلًا، وآلة يستعملونها فيما يشتهون. ولئن كانت الشدة مطلوبةً مع بعض النفوس التي لا يَرُدُّ جماحَها غيرُ الشدة -فإن من النفوس ما لا يأسرها إلا الجميل من القول، ولا يُرَدُّ جماحها إلا بزمام الرفق والملاطفة، وهذا ما سيتبين في الفقرة التالية. (١)

стр. 126

٤١ - الرفق من غير ضعف: وكما يحسن الحزم، فكذلك يحسن الرفق واللين، قال النبي ﵊: «إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله» . (١) وقال: إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه. (٢) فيجمل بالمعلم أن يكون رفيقًا بطلابه، رحيمًا بهم، مشفقًا عليهم، محسنًا إليهم، صابرًا على بعض ما يصدر من جفائهم وسوء أدبهم. ولا يعني ذلك ترك الحبل على الغارب للطالب، فلا يؤمر ولا ينهى، ولا يؤدب ولا يعاقب؛ بحجة رحمته، والرفق به. لا، ليس الأمر كذلك؛ فترك تأديبه وتوجيهه خطل وخلل، وخرق وجهل، وتفريط وإضرار. وذلك مما ينمي فيه الميوعة، ويقتل منه الرجولة. والحكمة تقتضي أن يكون المعلم حازمًا من غير عسف، ليِّنًا رفيقًا من غير ضعف؛ فالحزم والرفق رضيعا لبان، يجتمعان ولا يتنافيان. وبالجملة فالتربية النافعة ما كانت أثرًا لمحبة يطفئ البأس شيئًا من حرارتها، وصرامة تلطف الشفقة نبذة من شدتها. (٣)

стр. 127

٤٢ - تربية الطلاب على الكمالات: فمن أهم ما تؤدى به رسالة التعليم أن يحرص المعلمون على تربية طلابهم على كريم الخلال وحميد الخصال، مع الحرص الشديد على تجنيبهم ما ينافي ذلك من مساوئ الأخلاق ومرذول الأعمال؛ فإن لذلك الصنيع أبلغ الأثر في نفوس الطلاب؛ فبسببه ينشؤون محبين للفضيلة، متعشقين للبطولة، متصفين بمعالي الأمور ومكارم الأخلاق، مبغضين لسفساف الأمور، نافرين من مساوئ الأخلاق. قال الشيخ محمد البشير الإبراهيمي في وصاياه للمعلمين: أنتم حراس هذا الجيل، والمؤتمنون عليه، والقوَّامون على بنائه، وأنتم بناةُ عقوله ونفوسه؛ فابنوا عقوله على أساس من الحقيقة، وابنوا نفوسه على صخرة من الفضائل الإنسانية، وأشربوه عرفان قيمتها؛ فإن من لم يعرف قيمة الثمين أضاعه، وقد غُبِنَتْ هذه القيمُ في عصركم فكان ما ترون من فوضى واختلاط. ربوهم على ما ينفعهم، وينفع الوطن بهم؛ فهم أمانة الوطن عندكم، وودائع الأمة بين أيديكم. ربوهم على التحاب في الخير، والتآخي في الحق، والتعاون على الإحسان، والصبر إلا على الضيم، والإقدام إلا على الشر، والإيثار إلا بالشرف، والتسامح إلا بالكرامة. (١)

стр. 128

وقال في موضع آخر: ربوهم على الفضائل، ربوهم على الرجولة وبعد الهمة، وعلى الشجاعة والصبر، وعلى الإنصاف والإيثار، وعلى البساطة واليسر، وعلى العفة والأمانة، وعلى الاستقلال والاعتداد بالنفس، وعلى العزة والكرامة، وعلى التحابب والتسامح. (١) هذا وقد مضى شيء من ذكر تلك الكمالات، وسيأتي مزيد بيان لذلك فيما يلي من وقفات.

стр. 129

٤٣ - تربيتهم على الاعتزاز بالدين: فأجل ما يربى عليه الطلاب أن يربوا على الدين القويم، والعقيدة الصحيحة؛ حتى ينشأوا معتزين بالإسلام لا يرضون به بدلًا، ولا يبغون عنه حِولًا. وإن مما لا يقبل جدلًا ولا حوارًا أن من اتفق له في كِنِّ الصبا، وخِدر الغرارة أن يربى على أدب الشريعة البيضاء، حتى يتعود وتصبح تلك الآداب له ملكة وسليقة -كان هو السعيد الكامل، وما عليه إلا أن يكثر من حمد الله على تلك الموهبة العظيمة، والمنة الجليلة. وإن من تربيتهم على الاعتزاز بالدين أن يقادوا بزمام التربية إلى مواقع العبر من تاريخهم، وإلى مواطن القدوة الصالحة من سلفهم، وإلى منابت العز والمجد من مآثر أجدادهم الأولين. قال الشيخ محمد البشير الإبراهيمي: ربوهم على أن يعيشوا بالروح في ذلك الجو المشرق بالإسلام وآدابه وتاريخه ورجاله، ذلك الجو الذي يستوي ماضيه ومستقبله في أنهما طرفا حقٍّ لا يشوبه الباطل، وحاشيتا جديدٍ لا يبليه الزمن.

стр. 130

وعلى أن يعيشوا بالبدن في الزمن الذي يدين بالقوة، ويُدِلُّ بالبأس، وعلى أن يعيشوا بالروح في ذلك الزمن المشرق العامر بالحق والخير والفضيلة، وعلى أن يلبسوا لبوس عصرهم الذي يبني الحياة على قاعدتين: إن لم تكن آكلًا كنت مأكولًا؛ وكن قويًا تحترم. (١) وإذا وصلت التربية الدينية إلى النفوس من طريقها الصحيح، وقام على التربية معلمون ربانيون مخلصون -رسخت الفضائل في نفوس الطلاب، وقرَّت بها قرار ذات الصدع تحت ذات الرجع، فلا ترى من جرَّاء تلك التربية إلا حياء وعفافًا، وأمانة وصدقًا، واستصغارًا للعظائم، وغيرة على الحقائق والمصالح، وما شئت بعدُ من عزة النفس وكبر الهمة. تلك الخصال التي لا تنبت أصولها، ولا تعلو فروعها إلا أن يتفيأ عليها ظلال الهداية ذات اليمين وذات الشمال.

стр. 131

وكم أخرجت مدارس الإسلام، ومجالس القوامين على هدايته من رجال يلاقون الأسود فيصرعونها، ويجارون الرياح فيسبقونها، يخفضون أجنحتهم؛ تواضعًا للمستضعفين، ويرفعون رؤوسهم؛ عزة على الجبارين، تعترضهم الأخطار فيخوضون غمارها، وتعتل عقول أو قلوب فيضعون الدواء موضع عللها، عدل كأنه القسطاس المستقيم، وسخاء كأنه الغيث النافع العميم، وحرص في طلب العلم وإن كان بمناط الثريا، وطموح إلى المعالي وإن انتبذت وراء الفلك الدَّوَّار مكانًا قصيًّا. (١)

стр. 132

٤٤ - تربيتهم على نبذ التقليد الأعمى: لأن من الطلاب من يَكْلَفُ بذلك، وأقبح ما في هذا تقليد الكفار في توافه الأمور، ومساوئ الأخلاق، كتقليدهم في الملبس، وتصفيف الطُّرَرِ، وقص الشعور؛ ظنًا منهم أن هذا الصنيع رقي وتطور. وهذه حقيقة تغيب عن أذهان فئة من الشعوب الآخذة بالنهوض؛ فإذا رأوا أمة ذات معارف وسطوة تهافتوا على محاكاتها من غير تدبر واحتراس. وربما سبقوا إلى ما يعد من سقط متاعها، ومستهجن عاداتها -فصبوا هممهم في تقليدها فيه، فزادوا شعبهم وهنًا على وهن، وكانوا كالعثرات تعترضه فتعوقه عن السير، أو تجعل سيره في الأقل بطيئًا. ومتى كثر في الشعب أمثال هؤلاء الذين لا يميزون في محاكاتهم السيئةَ من الحسنة -فقد الشعب هدايته، وتجرد من أصالته وتميزه. ولا يفلح شعب نكث يده من الدين الحق، ولا يعتز شعب نظر إلى تاريخه وأصالته بازدراء. ولا يقدم على هذه التبعية إلا أمة تدثرت الذلة، وسهل على أفرادها الهوان. وإلا فالأمة العزيزة هي التي تعرف مقدار ما تعطي، ومقدار ما تأخذ، ونوع ما تعطي، ونوع ما تأخذ، فتفرق بين محاكاة الأجنبي المحمودة، ومحاكاته المنبوذة، سالكة طريقًا وسطًا يكفل سعادة الأولى والآخرة. (١)

стр. 133

قال الشيخ محمد البشير الإبراهيمي: هناك أمم تقدمتكم في العلم والمعرفة والنظام؛ فخذوا من مباديها العبرة، وخذوا من مصايرها العِظَة. وإن عِبْرَةَ العبر لكم فيها أن العلم -وإن تشعَّبَتْ عندها أغصانُه، وتفرعت أفنانه، وأسْلَسَ لها عَصِيُّهُ حتى فتحت به مغلقات الكون -لم يُغْنِ عنها فتيلًا مما تغني الأخلاق والفضائل. (١) إن العلم لم يَنْهَ مفسدًا عن الإفساد، ولم يَزَعْ مجرمًا عن الإجرام، ولم يُمِتْ في نفوس الأقوياء غرائز العدوان والبغي على الضعفاء. بل ما زاد المتجردين من الفضيلة إلا ضراوةً بالبشر، وتفننًا في الإثم؛ فاجعلوا الفضيلة رأس مال نفوس تلامذتكم، واجعلوا العلم ربحًا. (٢)

стр. 134

٤٥ - تربيتهم على صحة التفكير والحكم على الأشياء: فصحة التفكير والحكمِ على الأشياء، وجودةُ التصورِ والتصديقِ ليست منوطة بموهبة الذكاء. بل هي منوطة بتربية النفس منذ الصغر على حب الخير والحق، والتجرد من الشرور والأهواء، والاهتمام بإدراك الأمور من جميع وجوهها، وإدراك الفروق بين المشتبهات عند التباسها. وإذا تربى الفكر منذ الصغر على صحة التفكير نشأ صاحبه جيد التصور، سديد الحكم، محبًا للحق سواء كان له أو عليه. وإذا كانت الثانية بات الرجل وليس فيه من الرجولية إلا اسمها. (١) قال الشيخ الإبراهيمي في وصيته للمعلمين: بينوا لهم الحقائق، واقرنوا الأشباه بالأشباه، واجمعوا النظائر إلى النظائر، وبينوا لهم العلل والأسباب؛ حتى تنبت في نفوسهم من الصغر مَلَكَةُ التعليل؛ فإن الغفلة عن الأسباب هي إحدى المهلكات لأمتكم، وهي التي جَرَّتْ لها هذه الحيرة المستولية على شواعرها، وهذا التردد الضارب على عزائمها، وهذا الالتباس بين المتضادات في نظرها. امزجوا لهم العلم بالحياة، والحياة بالعلم يأتِ التركيب بعجيبه، ولا تعمروا أوقاتهم كلها بالقواعد ... وإنما القواعد أساس، وإذا أنفقت الأعمار في القواعد فمتى يتم البناء. (٢)

стр. 135

وقال: ربوهم على استخدام المواهب الفطرية من عقل وفكر وذهن، وعلى صدق التصور، وصحة الإدراك، ودقة الملاحظة، والوقوف عند حدود الواقع. (١)

стр. 136

وإن مما يهيئ الطلاب ذوي المواهب لأن يكونوا من العباقرة النابغين ما يلي: أ - إذكاء همم النوابغ ومَنْ تُتَوَسَّمُ فيهم العبقرية: ذلك أن العبقرية تقوم على الذكاء والجد في طلب العلم، ثم على كبر الهمة؛ فمن لم يكن ذكيًا لم يكن حظه من العلم إلا أن يحفظ ما أنتجته قرائح العلماء من قبله، ومن لم يَجِدَّ في طلب العلم، ولم يُغَذَّ بثمرات القرائح المبدعة بقي ذكاؤه مقصورًا محصورًا في دائرة ضيقة، قلا يقوى على أن يحلق في سماء العلوم؛ ليبلغ الغاية السامية. ومن لم تكن همته في العلم كبيرة لم يكفه ذكاؤه، ولا جده في الطلب لأن يكون عبقريًا؛ فقد يكون الرجل ذكيًا مجدًا في التحصيل، وصِغَرُ همته يحجم به أن يوجه ذكاءه على نقد بعض الآراء، أو ابتكار آراء جديدة؛ فإذا تَوَسَّمْتَ في أحد طلابك النبوغ فأكبر بهمته، عسى أن يكون عبقريًا ينفع الأمة، ويكون لك الأجر.

стр. 137

روى الذين دونوا ترجمة الإمام الفاتح أسد بن الفرات -أنه لما كان يأخذ العلم عن الإمام محمد بن الحسن الشيباني تلميذ الإمام أبي حنيفة كان إذا رأى تلميذه أسد بن الفرات غلب عليه النوم وهو يسهر في تلقي العلم عنه نضح على وجهه رشاشًا من الماء؛ ليجدد نشاطه؛ شفقة عليه، ورغبة منه في أن ينهض إلى مستوى الإمامة في العلم. (١)

стр. 138

ب - تقدير النوابغ: فمن مهيئات النبوغ أن يَشِبَّ الألمعيُّ بين قوم يقدرون النوابغ قدرهم؛ فإذا نظر القوم إلى النابغة بعين التَّجِلَّة، وأقبلوا عليه باحتفاء -هفت نفسه لكل فضيلة، ورنت عينه إلى كل بطولة، وزاد قوة على الجد في الطلب، والسعي إلى أقصى درجات الكمال. ولا عجب أن يظهر النابغون ببلاد الأندلس؛ فقد كان أهلها يعظمون من عَظَّمه عِلْمُه، ويرفعون من رفعه أدبه، وكذلك سيرتهم في رجال الحروب يقدمون من قدَّمته شجاعته، وعظمت في الحروب مكايده.

стр. 139

جـ - إعطاء النوابغ فرصة للإبداع وإظهار المواهب: فذلك مما يكسب الاعتبار، والثقة في النفس؛ فهذا الشيخ ابن التلمساني أحد كبار علماء شمال أفريقيا سأله السلطان عن مسألة، فقال: إن تلميذي فلانًا يحسن الجواب عنها، فوجه السلطان السؤال إلى تلميذ ابن التلمساني، فأحسن الجواب، فأجازه، وأحسن منزلته. وكان ابن التلمساني أعلم من تلميذه فيما سأله عنه السلطان، ولكنه؛ لاعتباره تلميذه بمنزلة ولده أراد أن يُنَوِّه به في حضرة السلطان كما لو كان ولده حقًا. (١)

стр. 140

د - مراعاة التوازن في المديح والإطراء: لأن من الطلاب من يزيده المديح إقبالًا وجدًَّا، ومنهم من يبعث فيه المديح تعاليًا وغرورًا وتيهًا، وهذا راجع لحكمة المعلم ومعرفته بطبائع النفوس. قال الشيخ الإبراهيمي في وصاياه للمعلمين: هناك حدود مشتركة بين الضار والنافع في أعمالكم، فتبينوها، ثم اعملوا على قَدْرها، ولا تجاوزا حدًَّا إلى حد، فتضروا من حيث قصدتم النفع؛ فمدح المجتهد من تلامذتكم مُذكٍ للنشاط كما هو مدعاة للغرور. والفصل بينهما رهينُ لفظة مدح مقدرة أو مبالغٍ فيها منكم. ولأنْ تخمدوا نشاطًا خيرٌ من أن تشعلوا غرورًا في نفس التلميذ؛ إن النشاط قد يعاود، ولكن الغرور لا يزايل، وإن الغرور لأعضل داء في عصركم، وإن صنفكم لأكثر الأصناف قابلية لهذا الداء؛ لما فيه من إيهام بالكمال في موضع النقص، وتمويه للتخلف بالتقدم، وتغطية للسيئ بالحسن، وهذه مَحَسَّات الغرور في نفوس المغرورين. والغرائز ضارية، والتجارب فضَّاحةٌ، والصراع بينهما كان وما زال ولا يزال؛ فاحذروا الزلة في هذا المزلق، وحذِّروا تلامذتكم منها بالقول والعمل. (١)

стр. 141

هـ - فتح المجال لهم في البحث: فمن مهيئات النبوغ أن ينشأ الذكي في درس أستاذ يطلق له العنان في البحث، ويرده إلى الصواب برفق إذا أخطأ، ويثني عليه إذا ناقش فأصاب المرمى.

стр. 142

و - مراعاة الميول والتوجيه لما يناسب: فهناك من الطلاب من هو شديد الذكاء، كبير الهمة ومع ذلك لا تجده يبدع ولا يتفوق. والسبب في ذلك أنه لم يُراعَ ميوله، ولم يوجه إلى ما يناسبه؛ فعقول الناس تختلف، ومشاربهم لا تألف؛ فكل يميل إلى ما يلائمه، وقد علم كل أناس مشربهم. فإذا وجه الطالب إلى ما يلائمه ويناسب ميوله ورغبته أبدع أيما إبداع، وأصبح عضوًا نافعًا بعد أن كان عضوًا أشل؛ فلا يعني كون الطلاب لا يبدعون في شيء أنهم لا يصلحون لأي شيء. (١) ولكنها الأقدار كلٌّ ميسرٌ ... لما هو مخلوق له ومقربُ فكل يعمل على شاكلته، ولكل وجهة هو موليها. هذا وإن مما يحسن التنبيه عليه في هذه الوقفة أن العناية بالمواهب ورعاية النوابغ -لا تعني أن يُهْمَلَ مَنْ هم أقلُّ ذكاءً ونبوغًا؛ فالعالَم لا يحتاج إلى خارقي الذكاء والنوابغ فحسب، بل يحتاج إلى غيرهم كذلك. فاضْمُمْ أقاصيهم إليك؛ فإنه ... لا يزخر الوادي بغير شعاب ولهذا ينبغي أن يؤخذ بأيدي الطلاب عمومًا؛ كي يستعملوا ذكاءهم خير استعمال ولو كان قليلًا، وأن يُفيدوا من مواهبهم ولو كانت محدودة. نعم إن الإنسان لا يقدر أن يكون في الذكاء مائة إذا خلق ذكاؤه في قوة عشرين.

стр. 143

ولكنه قادر على استعماله خير استعمال حتى يفيد أكثر ممن ذكاؤه مائة إذا هو أهمله ولم يحسن استعماله، كمصباح الكهرباء إذا نُظِّف مما علق به، وكانت قوته عشرين شمعةً كان خيرًا من مصباح قوته مائة إذا عَلَتْهُ الأتربة وأهمل شأنه. (١)

стр. 144

هذا وإن مما يعين على معالجة الانحرافات ، وإصلاح النقائص عمومًا ما يلي: أ - أن نعطي المسيء فرصة لإصلاح نفسه وتصحيح خطئه: لأن من عيوبنا في التربية أَنْ إذا كذب طالب مرة -على سبيل المثال - ناديناه باسم الكذاب، وإذا سرق ناديناه باسم السارق، وإذا تكاسل ناديناه باسم الكسول. وهكذا ينشأ ظانًا أن هذه النقائص ضربة لازب لا تزول عنه ولا تنمحي. والذي تقتضيه الحكمة وأصول التربية أن يعطى فرصة لإصلاح نفسه، وأن يساعد على ذلك.

стр. 145

ب - التربية بالعقوبة: والمراد بالعقوبة ههنا معناها الشامل، لا كما يُظن أنها مقتصرة على العقاب البدني؛ فمن العقوبة أن يُعَرَّض بالطالب، ومنها إظهار السخط عليه، ومنها قطع المديح عنه، ومنها عتابه وتوبيخه، ومنها العقاب البدني إذا أتى ما يوجبه، على أن يكون عقابًا يؤلمه ولا يضره، وعلى ألا يكون ناتجًا عن سورة جهل أو ثورة غضب. ومما يحسن في هذا أن يراعى التدرج بالعقوبة. وإصلاح الأخطاء عن طريق التربية بالعقوبة والتدرجُ في ذلك كان معروفًا عند السلف وقد أشار إلى ذلك بعض من تكلموا على آداب العالم والمتعلم. قال الغزالي: أن يزجر المتعلم بطريق التعريض ما أمكن، ولا يصرح، وبطريق الرحمة لا بطريق التوبيخ. (١) وقال ابن جماعة: ويوقفه مع ذلك على ما صدر منه بنصح وتلطف، لا بتعنيف وتعسف؛ قاصدًا بذلك حسن تربيته، وتحسين خلقه، وصلاح شأنه. فإن عرف لذكائه بالإشارة فلا حاجة إلى صريح العبارة، وإن لم يفهم إلا بصريحها أتى بها، وراعى التدريج بالتلطف. (٢)
следующие страницы →