← Общие книги

Общие книги · id 1990

مع المعلمين

-

Полный текст (170 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

و - الاطلاع على الجديد والمفيد فيما يخدم التربية والتعليم: فذلك مما ينمي المهارة، ويعين على الارتقاء بالمستوى.

стр. 72

ومما يعين على رحابة الصدر وقوة الاحتمال ما يلي: أ - سعة الأفق: فيحسن بالمعلم أن يكون ذا أفق واسع؛ فذلك من أسباب سعادته، وأدائه لمهمته كما ينبغي؛ ذلك أن الخطأ والقصور ملازم للطالب قلما ينفك عنه، وبخاصة في هذا الوقت، وحين يدرك المعلم ذلك يضع الأخطاء في حجمها الطبيعي. ولا يتسنى للمعلم أن يعمل ذلك إلا إذا كان واسع الأفق. أما ضيقُ الأفق فجبان رعديد، يخاف الأمور الصغيرة، ويشتد فزعه من الحوادث التافهة الحقيرة، ويغضب أشد الغضب للكلمة النابية، ويصل إلى أقصى حد من الغضب للحوادث اليومية التي يكفي لمرورها غض الطرف عنها، ويمكن بقليل من سعة العقل، ورحابة الصدر أن ينظر إليها، ويبتسم من حدوثها. ولكنه يمعن في الألم منها؛ لضيق أفقه، وقلة تحمله. فالذي يؤمل أن يسير الناس كما يشتهي، ويعملوا على وفق ما يريد فخيرٌ له ألا ينتظر طويلًا؛ لأنه قد رام مستحيلًا. ولكن خير من ذلك أن تأخذ الناس كما هم، وأن تتلقى شرورهم، وأعمالهم الصغيرة بصدر رحب، وأفق واسع، ونفس مطمئنة. وبالجملة فمن ضاق صدره، وقلَّ احتماله تنغصت حياته، ولم يصدر عنه خير كثير، أو عمل كبير. (١)

стр. 73

قال الرافعي: إذا استقبلت العالم بالنفس الواسعة رأيت حقائق السرور تزيد وتتسع، وحقائق الهموم تصغر وتضيق، وأدركت أن دنياك إذا ضاقت فأنت الضيِّق لا هي. (١)

стр. 74

ب - التغاضي: فالتغاضي من أخلاق الأكابر والعظماء؛ وهو مما يعين المعلم على قوة التحمل ورحابة الصدر؛ وينأى به عن مواضع الغضب، واستثارة الأعصاب؛ فيحسن بالمعلم أن يتغاضى عن كثير من الأمور، خصوصًا مما يحدث من الطلاب؛ فيجمل به أن يضرب صفحًا عن بعض الأمور التي يسعه فيه التغاضي، كما يجمل به ألا يفسر كل ما يحدث من الطلاب على أنه يصدر من منطلق عدواني. قال السموأل: ربَّ شتمٍ سَمِعْتُهُ فَتَصامَمْـ ... تُ وغيٍّ تركته فكفيت (١) وقال المُثَقِّبُ العبدي: وكلامٍ سيءٍ قد وَقَرَتْ ... أُذُني عنه وما بي من صمم فَتَعَزَّيت؛ خشاةً أن يرى ... جاهلٌ أني كما كان زعم ولَبَعْضُ الصفح والإعراض عن ... ذي الخنا أبقى وإن كان ظلم (٢) ومما ينسب لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب قوله: أُغَمِّضُ عيني عن أمور كثيرة ... وإني على ترك الغموض قدير وما من عمى أغضي ولكن لربما ... تعامى وأغضى المرء وهو بصير وأَسْكُتُ عن أشياءَ لو شئتُ قلتها ... وليس علينا في المقال أمير أصَبِّرُ نفسي باجتهادي وطاقتي ... وإني بأخلاق الجميع خبيرُ (٣)

стр. 75

جـ - التدرب على تحمل الطلاب في المناقشة: وذلك بأن نتلقى مناقشاتهم بصدر رحب، ولا نقتل آراءهم بالكلمات الجارحة، أو نتعسف في ردها، فندافعها بما نعتقد في أنفسنا أنه غير كافٍ لدفاعها. بل يحسن بنا أن نرجع إلى فهم الطالب إذا كان أقرب للصواب؛ فذلك من أدل الأدلة على فضيلة المعلم وعلو مرتبته، وحسن خلقه، وإخلاصه لله . وإذا لم نصل إلى هذه الحال فَلْنُعَوِّدْ أنفسنا على ذلك؛ فإن المزاولاتِ تعطي الملكات، والتمرينات ترقي صاحبها لدرج الكمالات. (١) وإنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، ومن يَتَحَرَّ الخير يُعْطَه، ومن يتوقَّ الشرَّ يوقه. (٢) يقص علينا التاريخ أن في الأساتذة من يحرص على أن يرتقي طلابه في العلم إلى الذروة، ولا يجد في نفسه حرجًا من أن يظهر عليه أحدُهم في بحث أو محاورة. يذكرون أن العلامة أبا عبد الله الشريف التلمساني كان يحمل كلام الطلبة على أحسن وجوهه، ويبرزه في أحسن صوره. ويروى أن أبا عبد الله -هذا - كان قد تجاذب مع أستاذه أبي زيد ابن الإمام الكلامَ في مسألة، وطال البحث اعتراضًا وجوابًا، حتى ظهر أبو عبد الله على أستاذه أبي زيد، فاعترف له الأستاذ بالإصابة، وأنشد مداعبًا:

стр. 76

أعلمه الرماية كل يوم ... فلما اشتد ساعده رماني (١) والذي يقرأ مثل هذه السير تهتز في نفسه عاطفةُ احترام لمن أقر بالخطأ، أو اعترف لخصمه بخصلة حمد، وربما كان إكبارهم لمن أقر بالخطأ فوق إكبارهم لمن خالفه فأصاب. وسبب هذا الإكبار عظمة الإنصاف، وعزة من يأخذ نفسه بها في كل حال.

стр. 77

د - أن نضع أنفسنا موضع طلابنا: فهذا يدعو لالتماس المعاذير، والكف عن إنفاذ الغضب، والبعد عن إساءة الظن. فإذا وضعنا أنفسنا موضع طلابنا وجدنا ما يسوغ بعض أخطائهم، فَنُقْصِر بذلك عن الجهل، ونحتفظ بهدوئنا؛ فيوم كنا طلابًا ماذا يدور في خلدنا؟ ومن المعلم الذي يغدو في معاملته بألبابنا؟ إنه ذلك الذي يعذرنا، ولا يسيء الظن كثيرًا بنا. قال ابن المقفع: أعدل السير أن تقيس الناس بنفسك؛ فلا تأتي إليهم إلا ما ترضى أن يؤتى إليك. (١) وقال ابن حزم: من أراد الإنصاف فليتوهم نفسه مكان خصمه؛ فإنه يلوح له وجه تعسفه. (٢) قال الخطابي: ارض للناس جميعًا ... مثل ما ترضى لنفسك إنما الناس جميعًا ... كلهم أبناء جنسك فلهم نفسٌ كنفسك ... ولهم حسٌّ كحسك (٣) هذه بعض الأمور المعينة على رحابة الصدر، وقوة الاحتمال؛ فإذا أخذ بها المعلم دل ذلك على علو قدره، ونباوة محله، وصار من الموصوفين بالحلم والعلم، ومن اتصف بهذين الوصفين حاز من العلياء كل مكان. كان عمر بن عبد العزيز يتمثل بهذه الكلمات: الحلم والعلم خَلَّتا كرمٍ ... للمرء زينٌ إذا هما اجتمعا صنوان لا يستتم حُسْنُهما ... إلا بجمعٍ بذا وذاك معا

стр. 78

كم من وضيع سما به الحلمُ والـ ... علم فحاز السناء وارتفعا ومن رفيع البنا أضاعهما ... أخمله ما أضاع فاتضعا (١)

стр. 79

ومما يحسن تنبيه المعلمين عليه في هذا الشأن أن يتجنبوا ما يلي: أ - التأخر عن الدرس بلا مسوغ: فذلك ينتج عنه الإخلال بالأمانة، وترك الطلاب فوضى بلا رقيب ولا حسيب. كما ينتج عنه إضاعة الدرس، وحرمان الطلاب من الفائدة.

стр. 80

ب - الغياب بلا عذر: فلا يجوز أن يغيب بلا عذر؛ لأن في ذلك تفريطًا وإخلالًا، كما أن فيه إحراجًا للزملاء، وإثقالًا عليهم بحمل حصص الانتظار.

стр. 81

جـ -شغل الدرس بما لا ينفع: وذلك كأن يتشعب المعلم في أحاديث لا طائل تحتها، ولا فائدة ترجى من ورائها.

стр. 82

د - قلة الاستفادة من الاجتماعات: فالمعلمون كثيرًا ما يجتمعون، ويلتقي بعضهم ببعض، واللائق بهم أن يكون اجتماعهم غنيمة يتعلم فيها بعضهم من بعض، ويتطارحون المسائل العلمية النافعة، ويتحدثون عن مشكلات الطلاب وحلولها، ومحاولة الارتقاء بالطلاب إلى الأكمل والأمثل، أو ما شاكل ذلك مما ينبغي لهم أن يأخذوا به؛ فهذا هو اللائق بهم، والمؤمل فيهم؛ إذ لا يليق بهم أن تضيع أوقاتهم سدى، فضلًا عن أن تضيع بالقيل والقال، والاشتغال بالناس؛ فذلك مما يَذْهَبُ ببهجة العلم ونوره. بل يجمل بهم أن يترفعوا عن الاسترسال في أمور الحياة العامة، كالإغراق في الحديث عن النساء، وأخبار المتزوجين، أو الحديث عن الأطعمة، وألوانها. قال الأحنف بن قيس: جنبوا مجالسنا ذكر النساء والطعام؛ إني أبغض الرجل يكون وصَّافًا لفرجه وبطنه. (١) وقال الشيخ محمد الخضر حسين: وإنه ليعظم في عينك الرجل بادئ الرأي، حتى تحسبه واحدًا من رجال الأمة؛ فما يروعك إلا وقد أخذ يسوق إليك حديث الأطعمة، ويُشَخِّص لك هيئاتها يحللها تحليلًا كيماويًا، ثم يطبخها بلسانه مرة أخرى. وإن لِفِقْهِ النفس أثرًا عظيمًا في تعديل المخاطبات وتحسين العادات. (٢)

стр. 83

هـ - تأجيل الأعمال عن وقتها الحاضر: إما هروبًا منها، أو تكاسلًا في أدائها، فهذا لا يحسن بالمعلم؛ فالعمل الذي يؤجل قلَّ أن يُعْمل، وإذا عُمِل فقلَّ أن يُعْمل بإتقان كما لو كان في وقته، وإذا عمل في غير وقته ولو بإتقان أثَّر -في الغالب - على أعمال أخرى. فينبغي للمعلم أن يحزم أمره، وأن يؤدي عمله بكل جد، وأن يغتنم كل فرصة ولو قلَّت؛ ليعمل بها ما تيسر ولو كان قليلًا؛ فذلك مما يبعث نشاطه، ويريحه من تراكم الأعمال. قال ابن المقفع: إذا تراكمت عليك الأعمال فلا تلتمس الرَّوْح بالروغان منها؛ فإنه لا راحة لك إلا في إصدارها. وإن الصبر عليها هو الذي يخففها عنك، والضجر هو الذي يراكمها عليك. (١) وقال ابن حزم: لا تحقر شيئًا من عمل غدٍ أن تحققه بأن تعجله اليوم وإن قلَّ؛ فإن قليل الأعمال يجتمع كثيرها، وربما أعجز أمرها عند ذلك فيبطل الكل. (٢) ولقد أحسن من قال: احرص على النفع الأهمْـ ... مِ من الدقيقهْ إن تَنْسَها تنسَ الأهمْـ ... مَ بل الحقيقهْ (٣)

стр. 84

٢٤ - حسن المنطق: فحسن المنطق، وروعة البيان من مظاهر المروءة الصادقة، ومن أعظم الأسباب الداعية لقبول الحق. ولهذا قيل: كلما كان اللسان أبين كان أحمد. (١) بل لقد ذكر الله ﵎ جميل بلائه في تعليم البيان، وعظيم نعمته في تقويم اللسان، فقال: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ (الرحمن:١ -٤) . ومدح القرآن بالبيان والإفصاح، وبحسن التفصيل والإيضاح، وبجودة الإفهام وحكمة الإبلاغ، وسمَّاه فرقانًا، كما سمَّاه قرآنًا. (٢) ولهذا يحسن بالمعلم -وأداته الأولى اللسان - أن يهذب ألفاظه، وأن يجمل كلامه؛ ليقع موقعه في القلوب، وليفهم الطلاب عنه ما يريد تبيانه. كل ذلك مشروط بألا يتقصد حوشي الكلام، ولا يتعمد التقعير فيه. وبالجملة فليحرص على تجنب السوقي القريب، والحوشي الغريب؛ حتى يكون كلامه حالًا بين حالين، كما قال بعض الشعراء: عليك بأوساط الأمور؛ فإنها ... نجاةٌ ولا تركب ذلولًا ولا صعبًا (٣)

стр. 85

قال أبو هلال العسكري: وأجود الكلام ما يكون جزلًا سهلًا، لا ينغلق معناه، ولا يستبهم مغزاه، ولا يكون مكدودًا مستكرهًا، ومتوعرًا متقعِّرًا، ويكون بريئًا من الغثاثة، عاريًا من الرثاثة. والكلام إذا كان لفظه غثًّا، ومعرضه رثًّا -كان مردودًا ولو احتوى على أجلِّ معنًى وأنبله، وأرفعه، وأفضله. (١) نظر معاوية إلى ابن عباس ﵄ فأتبعه بصره ثم قال متمثلًا: إذا قال لم يترك مقالًا لقائل ... مصيب ولم يثنِ اللسان على هُجْرِ يُصَرِّفُ بالقول اللسان إذا انتحى ... وينظر في أعطافه نظر الصقر (٢) قال ابن عبد البر: ومن أحسن ما قيل في مدح البلاغة من النظم قول حسان بن ثابت في ابن عباس: صموتٌ إذا ما الصمت زيَّن أهله ... وفتَّاق أبكار الكلام المختَّمِ وعى ما وعى القرآن من كل حكمة ... ونيطت له الآداب باللحم والدمِ (٣)

стр. 86

٢٥ - الإصغاء للمتحدث والإنصات للسائل: فلا يليق بالمعلم أن يترك الإصغاء لمحدثه -خصوصًا الطالب - سواء بمقاطعته، أو منازعته الحديث، أو بالإشاحة بالوجه عنه، أو إجالة النظر يمنة ويسرة. كل ذلك مما ينافي أدب المحادثة؛ فينبغي للمعلم أن يتجافى عنه؛ فإن إقباله على محدثه دليل على ارتياحه له، وأنسه بحديثه. بل إن المتحدث البارع هو المستمع البارع، وبراعة الاستماع تكون بالأذن، وطرف العين، وحضور القلب، وإشراقة الوجه، وبتحريك الرأس ونحو ذلك. قال ابن عباس ﵄: لجليسي عليَّ ثلاث: أن أرميه بطرفي إذا أقبل، وأن أوسع له في المجلس إذا جلس، وأن أصغي إليه إذا تحدث. (١) ومما ينبغي للمعلم في هذا الصدد أن ينصت للسائل إذا سأل، قال ابن جماعة في أدب المعلم: أن يلازم الإنصاف في بحثه وخطابه، ويسمع السؤال من مُورده على وجهه وإن كان صغيرًا، ولا يترفع عن سماعه فيحرم الفائدة. (٢)

стр. 87

ومما يجمل به أن يلاطف العاجز عن الإبانة عن سؤاله، قال ابن جماعة: وإذا عجز السائل عن تقرير ما أورده، أو تحرير العبارة فيه؛ لحياءٍ، أو قصور، ووقع على المعنى -عبر عن مراده، وبين وجه إيراده، ورد على من أورد عليه، ثم يجيب بما عنده، أو يطلب ذلك من غيره، ويتروى فيما يجيب به رده. (١) ومما يجمل به -أيضًا - ألا يجيب إلا بعد أن ينتهي السائل من سؤاله، قال عمر بن عبد العزيز: خصلتان لا تعدمانك من الجاهل: كثرة الالتفات، وسرعة الجواب. (٢) أما إذا خشي المعلم أن يكون في إكمال السؤال منافاة للذوق، أو توقع حصول مفسدة خصوصًا إذا كان الطالب ممن لا يبالي بما يقول -فلا على المعلم أن يقاطعه، ويصرفه عن سؤاله.

стр. 88

٢٦ - تدريب الطلاب على أساليب الكلام وآدابه وطرائقه: لأن ذلك مما ينمي عقل الطالب، ويزيده رغبة في الكشف عن حقائق الأمور. كما أن ذلك مما يكسبه الثقة في نفسه، ويورثه الجرأة والشجاعة الأدبية، ويشعره بالسعادة والطمأنينة، والقوة والاعتبار. وذلك مما يعده للبناء والعطاء، ويؤهله لأن يعيش كريمًا، شجاعًا، صريحًا في طرح آرائه. أما التقصير في ذلك فيورث آثارًا عكسية، ويجر على الطالب أضرارًا قد تؤثر في مستقبله، ومسيرة حياته؛ فقد يعجز عن الكلام، وقد يصاب ببعض عيوب النطق من فأفأة، وتمتمةٍ وغيرها. وقد يصاب بمرض، وقد يعاني من مشكلات، فيزداد مرضه، وتتضاعف مشكلاته؛ بسبب عجزه عن الإبانة عما أصابه. وقد يظلم، أو توجه له تهمة، فيؤخذ بها وهو بريء منها؛ لعجزه عن الدفاع عن نفسه. وقد تضطره الحال لأن يتحدث أمام زملائه، فيعلوه الخجل، ويرى أن الألفاظ لا تسعفه، فيشعر بالنقص، خصوصًا إذا وجد من يسخر به. ولهذا كان حريًّا بالمعلمين أن يعنوا بهذا الجانب، ويرعوه حق رعايته، فيحسن بهم إذا خاطبهم الطلاب أن يقبلوا عليهم، وأن يصغوا إلى حديثهم، وأن يجيبوا عن أسئلتهم، وأن ينأوا عن كل ما يشعر باحتقار الطلاب وازدرائهم.

стр. 89

٢٧ - الترسل في الكلام، والتوسط في رفع الصوت وخفضه: قال ابن جماعة: ولا يسرد الكلام سردًا، بل يرتله، ويرتبه، ويتمهل فيه؛ ليفكر فيه هو وسامعه. (١) وقال: ألا يرفع صوته زائدًا على قدر الحاجة، ولا يخفضه خفضًا لا يحصل معه كمال الفائدة. (٢) وقال: والأولى ألا يجاوز صوته مجلسه، ولا يقصر عن سماع الحاضرين؛ فإن حضر فيهم ثقيل السمع فلا بأس بعلو صوته بقدر ما يسمعه. (٣)

стр. 90

٢٨ - تجنب تكرار الحديث بلا داع: فتكرار الحديث، أو القصة بلا داع لذلك يعد من عيوب الكلام؛ لأنه مما يورث الملالة، ويولد السآمة، مما يجعل الأذواق تمجه، والآذان تستك من سماعه. كذلك لا يحسن بالمعلم أن يردد بعض العبارات بصورة كثيرة؛ فربما أخذها الطلاب عليه، وسموه بها. قال الحكيم: إذا تحدثت في قوم لتؤنسهم ... من الحديث بما يمضي وما يأتي فلا تكرر حديثًا إن طبعهم ... موكَّلٌ بمعاداة المعادات (١) واستعيد ابن عباس حديثًا فقال: لولا أني أخاف أن أغض من بهائه، وأريق من مائه، وأُخْلِقَ من جِدَّته -لأعَدْتُه. (٢) أما إذا دعت الحاجة لتكرار الحديث فلا بأس في ذلك.

стр. 91

٢٩ - الحذر من إحراج الطالب في السؤال: فسؤال المعلم طلابه عما يعنيهم بعيدًا عما يوقعهم في الحرج - حسن مطلوب، بل هو من مقومات الدرس. ولكن ينبغي للمعلم ألا يحرج الطالب بالأسئلة، كأن يسأله عن أمر خاص، لا يود أن يطلع عليه أحد من الناس، أو أن يسأله عن أمور يُخشى أن تكون الإجابة عنها محرجةً للمعلم؛ فلربما عَرَّض المعلم نفسه لموقف محرج، أو لرد مسكت مُوبِّخ. قال -تعالى -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (المائدة: ١٠١) . قال ابن عبد البر: قال تميم بن نصر بن سيار لأعرابي: هل أصابتك تخمة؟ قال: أما من طعامك فلا. (١) وكان الفرزدق مرة ينشد، والكميت صبي، فأجاد الاستماع إليه. فقال: يا بني، أَيَسُرُّك أني أبوك؟ قال: أما أبي فلا أرى به بدلًا، ولكن يسرني أنك أمي، فأفحمه حتى غص بريقه. (٢) قال الحكيم: ودعِ السؤال عن الأمور وبحثها ... فلربَّ حافرِ حفرةٍ هو يصرع (٣)

стр. 92

٣٠ - صيانة الدرس عن اللغط، وتجنبيه البذيء من الألفاظ: فالمروءة تقتضي أن يصون المعلم درسه من اللغط؛ فإن الغلط تحت اللغط. (١) والمروءة تأمر صاحبها أن ينزه لسانه من الفحش، وأن يطهره من البذاءة، وأن يجله من ذكر العورات؛ فإن من سوء الأدب أن تفلت الألفاظ البذيئة من المرء غير عابئ بمواقعها وآثارها. والمروءة -كذلك - تحفظ لسان صاحبها من أن يلفظ مثلما يلفظ أهل الخلاعة من سفه القول: وحذارِ من سفه يشينك وصفُه ... إن السفاه بذي المروءة زاري وعظماء الرجال يلتزمون في أحوالهم جميعًا ألا تبدر منهم كلمة نابية، ويتحرجون من صنوف الخلق أن يكونوا سفهاء أو متطاولين. (٢) قال الإمام النووي: ومما ينهى عنه الفحشُ، وبذاءةُ اللسان. والأحاديث الصحيحة فيه كثيرة ومعروفة. ومعناه: التعبير عن الأمور المستقبحة بعبارة صريحة، وإن كانت صحيحة، والمتكلم بها صادقًا. وينبغي أن يستعمل في ذلك الكناياتُ، ويعبر عنها بعبارة جميلة يفهم بها الغرض. وبهذا جاء القرآن العزيز، والسنن الصحيحة المكرمة. قال -تعالى -: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ (البقرة: ١٨٧) .

стр. 93

وقال -تعالى -: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ (النساء: ٢١) . وقال -تعالى -: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ (البقرة: ٢٣٧) . والآيات والأحاديث الصحيحة في ذلك كثيرة. قال العلماء: فينبغي أن يستعمل في هذا وما أشبهه من العبارات التي يستحيا من ذكرها بصريح اسمها -الكنايات المفهمة، فَيُكَنِّي عن جماع المرأة بالإفضاء، والدخول والمعاشرة، والوقاع، ونحوها. (١) قال: وكذلك يُكَنَّى عن البول، والتغوط بقضاء الحاجة، والذهاب إلى الخلاء، ولا يصرح بالخراءة، والبول، ونحوهما. وكذلك ذكر العيوب كالبرص، والبخر، والصنان، وغيرها -يعبر عنها بعبارات جميلة، يفهم منها الغرض. ويلحق بما ذكر من الأمثلة ما سواه. (٢) قال القاسمي: إياك وما يستقبح من الكلام؛ فإنه يُنَفِّر عنك الكرام، ويؤثب عليك اللئام. وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ": «ليس المؤمن بالطَّعان، ولا اللعان، ولا الفاحش البذيء» (٣) ومما يدخل في ذلك ما كان مستنكر الظاهر، وإن كان معناه سليمًا بعد تدقيق النظر فيه.

стр. 94

قال الماوردي: وما يجري مجرى فحش القول وهُجره، ولزوم تنكبه -ما كان شنيع البديهة، مستنكر الظاهر، وإن كان عقب التأمل سليمًا، وبعد الكشف والرويَّة مستقيمًا. (١) ثم ساق أمثلة لذلك. ومما تجدر الإشارة إليه أنه لا ينبغي التصريح بالعبارات المستكرهة صراحةً ما لم تدع حاجةٌ -كما مر -. أما إذا دعت الحاجة للتصريح بصريح الاسم فلا بأس بذلك، بل هو المتعين. قال النووي بعد أن تحدث عن أنه ينبغي تجنب الفحش وبذاءة اللسان: واعلم أن هذا كله إذا لم تدعُ حاجةٌ إلى التصريح بصريح اسمه؛ فإن دعت الحاجة لغرض البيان والتعليم، وخيف أن المخاطب يفهم المجاز، أو يفهم غير المراد -صرح حينئذٍ باسمه الصريح؛ ليحصل الإفهام الحقيقي. وعلى هذا يحمل ما جاء في الأحاديث من التصريح بمثل هذا؛ فإن ذلك محمول على الحاجة كما ذكرنا؛ فإن تحصيل الإفهام في هذا أولى من مراعاة مجرد الأدب وبالله التوفيق. (٢)

стр. 95

٣١ - لا تتحدث عن نفسك إلا إذا دعت الحاجة: فمن آفات المعلمين أن منهم من يجعل الدرس ميدانًا لسرد سيرته الذاتية بمناسبة أو بغير مناسبة، وربما سايره الطلاب وجاملوه، فظن أن ذلك دليلُ فضله، وآية إعجابهم بشخصه. فلا تحفل -أيها المعلم المفضال - بالحديث عن نفسك، واجعل أعمالك تتحدث عنك؛ فذلك أبلغ وأكرم. ثم إن كان عندك من فضل فثق بأن الله سينشره، ولن تُظلم فتيلًا. يخفي محاسنه والله يظهرها ... إن الجميل إذا أخفيته ظهرا ثم إن الأصل في مدح الإنسان نفسه المنع؛ لقوله : ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (النجم: ٣٢) . وتزكية النفس داخلة في باب الافتخار غالبًا. فإن وجد ما يقتضي الحديث عن النفس أو تزكيتها -إما لتعريف الإنسان بنفسه، وإما لدفع تهمة، أو لتوضيح أمر مبهم، أو كان المرء بين قوم لا يعرفون مقامه؛ فخشي أن تُصْدَع قناة عزته، أو نحو ذلك -فإن الحديث عن النفس أو تزكيتها -والحالة هذه - جائز لا غبار عليه. قال النووي: واعلم أن ذكر محاسن نفسه ضربان: مذموم، ومحبوب. فالمذموم أن يذكر للافتخار، وإظهار الارتفاع، والتميز على الأقران، وشبه ذلك.

стр. 96

والمحبوب أن يكون فيه مصلحة دينية، وذلك بأن يكون آمرًا بالمعروف، أو ناهيًا عن منكرٍ، أو ناصحًا بمصلحة، أو معلمًا أو مؤدبًا، أو واعظًا، أو مذكرًا، أو مصلحًا بين اثنين، أو يدفع عن نفسه شرًّا، أو نحو ذلك، فيذكر محاسنه، ناويًا بذلك أن يكون هذا أقرب إلى قبول قوله، واعتماد ما يذكره، وقد جاء لهذا المعنى ما لا يحصى من النصوص. (١) ثم ساق أمثلة لذلك. (٢) قال ابن المقفع: وإن آنست من نفسك فضلًا فَتحرَّجْ من أن تذكره، أو تبديه، واعلم أن ظهوره منك بذلك الوجه يقرر لك في قلوب الناس من العيب أكثر مما يقرر لك من الفضل. واعلم أنك إن صبرت ولم تعجل ظهر ذلك منك بالوجه الجميل المعروف عند الناس. ولا يخفين عليك أن حرص الرجل على إظهار ما عنده، وقلة وقاره في ذلك -باب من أبواب البخل واللؤم، وأن خير الأعوان على ذلك السخاءُ والتكرم. (٣) قال ابن حزم: إياك والامتداحَ؛ فإن كل من يسمعك لا يصدقك وإن كنت صادقًا، بل يجعل ما سمع منك من ذلك أول معايبك. (٤)

стр. 97

هذا وإن مما يعين على السرور والسعادة، وتحمل الهموم زيادة على ما مضى ما يلي: أ - التدرب على البشر والطلاقة وتجنب العبوس والتقطيب: فعن سعيد بن عبد الطائي قال: كان عمر بن عبد العزيز يتمثل بهذه الأبيات: القَ بالبشر من لقيت من النا ... س جميعًا ولاقِهِمْ بالطلاقهْ تَجْنِ منهم به جناءَ ثمارٍ ... طيِّبًا طعمه لذيذ المذاقهْ ودعِ التِّيْهَ والعبوسَ عن النا ... س فإن العبوس رأس الحماقهْ كلما شئتَ أن تعادي عاديـ ... ـت صديقًا وقد تعز الصداقهْ (١) وقال أبو جعفر المنصور: إن أحببت أن يكثر الثناء الجميل عليك من الناس بغير نائل -فالقهم ببشر حسن. (٢) وقيل للعتابي: إنك تلقى الناس كلهم بالبشر! قال: دفع ضغينة بأيسر مؤونة، واكتساب إخوان بأيسر مبذول. (٣) وقال محمد بن حازم: وما اكتسب المحامد حامدوها ... بمثل البشر والوجه الطليق (٤) وقال آخر: البشر يكسب أهله ... صدق المودة والمحبهْ والتيه يستدعي لصا ... حبه المذمة والمسبهْ (٥) قال ابن عقيل الحنبلي: البشر مؤنس للعقول، ومن دواعي القبول، والعبوس ضده. (٦)

стр. 98

ب - استحضار الأجر المترتب على التبسم: فالإنسان إذ تبسم أدخل السرور على إخوانه، وبذلك ينال الأجر من الله . قال النبي ": «تبسمك في وجه أخيك صدقة» . (١) وقال: لا تحقرنَّ من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق. (٢)

стр. 99

ج - أن تستحضر أن التبسم للحياة دليل على الحزم وقوة العزيمة: ولهذا إذا أراد الأدباء أن يبالغوا في الثناء على الممدوح، ويبينوا عظم همته واستسهاله للصعاب -وصفوه بأنه يتبسم في أحلك المواقف وأشدها خطرًا. قال أبو الطيب المتنبي يمدح سيف الدولة: تمر بك الأبطال كلمى هزيمةً ... ووجهك وضاح وثغرك باسم (١)

стр. 100

د - طرد الهم ومحاربة الكآبة: فالاستسلام للحزن، والاسترسال مع الهم، والخوف الشديد من توقع المكروه، والإفراط في تقدير الآلام -مما يضعف القلب، ويقلل الإنتاج، ويضاعف الآلام؛ فحارب الكآبة من نفسك، وادرأ الهم ما استطعت إلى ذلك سبيلًا، وابتسم للحياة، وابتهج بها من غير إسراف تزدد حياتك قوة، وتشعر بالسرور والسعادة.

стр. 101

هـ - ألا نزهد بالسعادة الحاضرة في سبيل السعادة المنتظرة: فنحن -معاشر المعلمين - إذا كنا في أيام الدراسة أمَّلنا بمجيء الإجازة؛ لنسعد بها، وإذا حلت الإجازة تذكرنا الدراسة، وقلنا ستأتي ومعها الهم والنصب. وهكذا نُفَرِّط بالسعادة دائمًا، وربما ينطبق علينا قول القائل: أشدُّ الغمِّ عندي في سرور ... تَيَقَّنَ عنه صاحبه انتقالًا (١) وقول الآخر: أُحِبُّ ليالي الهجر لا فرحًا بها ... عسى الدهرُ يأتي بعدها بوصال وأكره أيامَ الوصال؛ لأنني ... أرى كلَّ وصلٍ محكمًا بزوال وكان حريًا بنا بدلًا من ذلك أن نسعد ما دامت أسباب السعادة موجودة، وأن نسعى في إيجادها إذا لم توجد، فنسعد في يومنا وفي غدنا، وبعد غدنا بإذن الله. قال المنفلوطي: السبب في شقاء الإنسان أنه دائمًا يزهد في سعادة يومه، ويلهو عنها بما يتطلع إليه من سعادة غده، فإذا جاء غدُه اعتقد أن أمْسَهُ كان خيرًا من يومه؛ فهو لا ينفك شقيًا في حاضره وماضيه. (٢)

стр. 102

٣٣ - لا تُجارِ السفهاء: فقد يوجد من الطلاب من يؤذي بلحن منطقه، ولا يعينه الدرس بقليل ولا كثير؛ فلربما استثار المعلم، وآذاه بسفالته وسفاهته. ولهذا كان من الحكمة أن يُعرض المعلم عن هؤلاء وأمثالهم، فلا يجاريهم ولا يمازحهم، ولا يتحدث معهم إلا بقدر ما تدعو إليه الحاجة من سلام، أو رده، أو إجابة لسؤال أو نحو ذلك. وبهذا يحفظ المعلم على نفسه عزتها؛ إذ يرفعها عن الطائفة التي تلذ المهاترة والإقذاع. والعرب تقول: إن من ابتغاء الخير اتقاء الشر. (١) وقال بعض الحكماء: لا ترجعنَّ إلى السفيه خطابة ... إلا جوابَ تحيةٍ حَيَّاكها فمتى تحرِّكْه تحركْ جيفةً ... تزداد نَتْنًا إن أردت حراكها (٢) ثم إذا ابتليت بسفيه يبتدرك بالسفه فلا تجارهِ في سفه، بل أعرض عنه، وترفع عن سبابه؛ فذلك من شرف النفس، ومما يقطع دابر السفه. قال بعض الشعراء: إني لاُعْرضُ عن أشياءَ أسمعها ... حتى يقولَ أناسُ إن بي حُمُقَا أخشى جوابَ سفيهٍ لا خلاق له ... فَسْلٍ وظنَّ أناسٍ أنه صدقا (٣) قال ابن المقفع: واعلم أنك ستبتلى من أقوام بسفهٍ سيطلع منك حقدًا، فإن عارضته أو كافأته بالسفه فكأنك رضيت ما أتى به، فأحببت أن تحتذي على أمثاله.

стр. 103

فإن كان ذلك عندك مذمومًا فَحقِّقْ ذمك إياه بترك معارضته. فأما أن تذمه، وتمتثله فليس في ذلك سداد. (١) وقال: غير أني قد علمت موطنا واحدا إن قدرت أن تتقبل فيه الجد بالهزل أصبت الرأي، وظهرت على الأقران. وذلك أن يتوردك (٢) مَتَوَرَّدٌ بالسفه والغضب، وسوء اللفظ - تجيبه إجابة الهازل المداعب برحب (٣) الذرع، وطلاقة من الوجه، وثبات من المنطق. (٤) ولا يعني ذلك أن تدع الطالب دون علاج أو عقوبة، وإنما تحرص على ألا يتسفه عليك أمام الطلاب. وإلا فإنه يعالج ويعاقب، إما بالمناصحة الفردية، وإما باستدعائه خارج الفصل، وإما بالتفاهم في شأنه مع الإدارة أو المشرفين، وإما مع ولي أمره، أو ماشاكل ذلك من أنواع العلاج. بل لقد تقتضي الحكمة أن تجازيه في الفصل أمام زملائه إن ظننت أن ذلك سيردعه، ولم تخش مفسدة كبرى تحصل من جراء ذلك. قال الخطابي: أنشدني ابن مالك، قال: أنشدني الدغولي في سياسة العامة: إذا أمن الجهالُ جهلَك مرة ... فعِرضك للجهال غُنْمٌ من الغُنم وإن أنت نازيت السفيه إذا نزا ... فأنت سفيهٌ مثله غيرُ ذي حِلم ولا تتعرضْ للسفيه ودارِه ... بمنزلة بين العداوة والسِّلم فيخشاك تاراتٍ ويرجوك مرةً ... وتأخذ فيما بين ذلك بالحزم

стр. 104

стр. 105

٣٤ - لا تكثر العتاب والانتقاد: فلا يحسن بالمعلم أن يكون كثير العتاب، مبالغًا في تقريع الطلاب، خصوصًا عند الأخطاء اليسيرة أو غير المقصودة؛ لأن الناس يكرهون من يؤنب في غير مواطن التأنيب، وينفرون ممن يبالغ في التوبيخ دون تروٍّ وتؤدة؛ فلربما استبان له بعدُ أن ثمة اجتهادًا صحيحًا، أو أنه مخطئ في عتابه وتأنيبه. ثم إن كثرة التأنيب قد تحرج الطالب، وربما أصيب بخيبة أمل، وفقدٍ للثقة بنفسه، وربما قاده ذلك إلى ترك الدراسة إلى غير رجعة. فعلى المعلم أن يعتدل في توبيخه وعتابه، وألا يوبخ إلا عند الحاجة لذلك. كذلك يحسن بالمعلم ألا يكون كثير الانتقاد، لا ينظر إلا الأخطاء وحدها، دونما نظر إلى الصواب؛ فمن المعلمين من إذا أخطأ زميله أو مسئولة في تصرف ما، أو في علاج مشكلة معينة -أكثر من انتقاده وذمه. وهذا لا يحسن بالمعلم، بل اللائق به أن يلتمس العذر لإخوانه، وأن يضع نفسه موضعهم؛ فماذا سيصنع لو وقع فيما وقعوا فيه؟ ولا يعني ذلك ألا يبدي الملاحظات، أو أن يسعى في إصلاح الأخطاء. وإنما يعني أن يكون ذا نظرة متوازنة، وأن يكون واقعيًا في علاجه، ونظرته للآخرين، وأن يكون منصفًا؛ فما أجمل الإنصاف!

стр. 106

٣٥ - لا تنتظر الشكر إلا من خالقك: لا ريب أن شكر الناس من شكر الله، ولا يشكر الله من لا يشكر الناس. ولا ريب -أيضًا - أن شكر المحسن على إحسانه أمر مطلوب، وأنه مما يزيده إقبالًا على عمله. ولكن قد يحصل في بعض الأحيان أن يُقَابَلَ المحسنُ في عمله، المجدُّ فيما أسند إليه بشيء من جحود الفضل، ونكران الجميل؛ مما قد يضعف عزيمته، ويوهن قواه. فيا أيها المعلم المفضال، إذا مرت بك تلك الحال، فلم تُنْصَفْ، ولم تُعْطَ قدرك، ورد فضلك باليمين وبالشمال -فلا يحملْك ذلك على قلة الإخلاص، وتَرْكِ إتقان العمل. بل انتظر الشكر من خالقك؛ فعملك في كتاب عند ربي، لا يضل ربي ولا ينسى. ثم اعلم أن جمال الشيء فيه لا فيما يقال عنه، أيًّا كان القائلون. قال ابن حزم بعد أن تحدث عن مذاهب الناس في طرد الهم: وجدتُ العمل للآخرة سالمًا من كل عيب، خالصًا من كل كدر مُوصلًا إلى طرد الهم على الحقيقة. ووجدت العامل للآخرة إن امتحن بمكروه في تلك السبيل لم يهتم، بل يُسَرُّ؛ إذ رجاؤه في عاقبة ما ينال به عونٌ له على ما يطلب، وزايد في الغرض الذي إياه يقصد.

стр. 107

ووجدته إن عاقه عما هو بسبيله عائقٌ لم يهتم؛ إذ ليس مؤاخذًا بذلك؛ فهو غير مؤثر في ما يطلب. ورأيته إن قصد بالأذى سُرَّ، وإن نكبته نكبةٌ سُرَّ، وإن تعب فيما سلك فيه سُرَّ، فهو في سرور أبدًا، وغيره بخلاف ذلك أبدًا؛ فاعلم أنه مطلوب واحد وهو طرد الهم، وليس له إلا طريق واحد وهو العمل لله -تعالى - فما عدا هذا فضلال وسخف. (١)

стр. 108

٣٦ - لا تكثر الشكوى: فكثيرًا ما يشكو المعلمون أعباء التدريس، وتَنَكُّرَ الناس، ومكابدة الطلاب، ومرأى دفاتر الواجبات، وما إلى ذلك مما يعاني منه المعلمون. وهذا ما عبر عنه بعض الأدباء من المعلمين؛ فهذا الشاعر إبراهيم طوقان يقول معارضًا أمير الشعراء أحمد شوقي في قصيدته التي يقول مطلعها: قم للمعلم وفِّه التبجيلا ... كاد المعلم أن يكون رسولا يقول طوقان معارضًا شوقيًّا، مبينًا حال المعلمين، ومدى ما يعانون: شوقي يقول وما درى بمصيبتي ... (قم للمعلم وفِّه التبجيلا) اقعدْ فديتُك هل يكون مُبَجَّلًا ... من كان للنشء الصغار خليلا ويكاد يقلقني الأمير بقوله ... (كاد المعلم أن يكون رسولا) لو جرب التعليمَ شوقي ساعةً ... لقضى الحياةَ شقاوةً وخمولا حسبُ المعلمِ غمةً وكآبةً ... مرأى الدفاتر بكرةً وأصيلا مائةٌ على مائةٍ إذا هي صُلِّحتْ ... وجد العمى نحو العيون سبيلا ولَو آن في التصليح نفعًا يرتجى ... وأبيك (١) لم أكُ بالعيون بخيلا لكن أصلِّح غلطةً نحويةً ... مثلًا وأتخذ الكتاب دليلا مستشهدًا بالغر من آياته ... أو بالحديث مُفَصلًا تفصيلا وأغوص في الشعر القديم وأنتقي ... ما ليس ملتبسًا ولا مبذولا

стр. 109

وأكاد أبعث سيبويه من البلى ... وذويه من أهل القرون الأولى فأرى حمارا بعد ذلك كله ... رفع المضاف إليه والمفعولا لا تعجبوا إن صِحْتُ يومًا صيحةً ... ووقعت ما بين البنوك قتيلا يا من يريد الانتحار وجدته ... إن المعلم لا يعيش طويلا (١) وهذا أخونا الأديب البارع الأستاذ عبد الله بن سليم الرُّشَيد يقول: أروح وأغدو بالدفاتر مثقلًا ... ويا بؤس من يمسي قرينَ الدفاترِ أريق عليها أعيني كلَّ ليلةٍ ... بهمة وقَّادٍ وعزمة صابر وكم وقفةٍ بين التلاميذ قُمتُها ... بلهجة حَضَّاضٍ على الحرب هادر أمزِّق ساعاتي لترقيع وقتهم ... وأهدر عمري بين جد وذاكر وأحسب أني بالتلاميذ مُبدِلٌ ... شيوخًا كبحر باللآلئ زاخرِ فألقاهمُ من بعد شرِّ عصابةٍ ... وإذ بصياحي كان صفقةَ خاسرِ (زواملُ للأشعار لا علم عندهم ... بجيِّدها إلا كعلم الأباعر) والحقيقة أن طريق المعلمين عسيرة، وأن مهمتهم ليست بيسيرة خصوصًا في هذه الأزمان. وإذا شكوا فما حالهم إلا كما قال الأول: شكوتُ وما الشكوى لمثلي عادةٌ ... ولكنْ تفيضُ الكأسُ عند امتلائها

стр. 110

ولكن مهما يك من شيء فإنه لا ينبغي الإكثار من الشكوى، ولا بثها لكل أحد؛ لأنها -في الغالب - لا تجدي نفعًا، ولا تطفئ لوعة. ولهذا رأى بعض السلف رجلًا يشكو إلى رجل فاقته وضرورته، فقال: يا هذا، والله ما زدت على أن شكوت من يرحمك إلى من لا يرحمك. (١) وإذا عرتك بليةٌ فاصبر لها ... صبر الكريم فإنه بك أعلم وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما ... تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم (٢) ثم إن كان هناك من حاجة لبث الشكوى لأحد المخلصين، أو لمن يهمهم الأمر؛ طلبًا للنصيحة، أو المشورة، أو إصلاح الوضع وتيسير المهمة -فلا بأس. وإلا فلماذا نثير انتباه الذين لا يعنيهم أمرنا، ولا ننتظر منهم أي فائدة لنا؛ فنفضح بذلك أنفسنا، ونُبِيْن عن ضعفنا وخورنا في سبيل الحصول على شفقة، أو عطف ليس له من نتيجة سوى ازدياد الحسرة، وتفاقم المصيبة. (٣) فيا معاشر المعلمين، أولى لنا ثم أولى أن نَجِدَّ في أمورنا، وأن نأخذ بالأسباب المعينة لنا على أداء أعمالنا؛ فذلك أنفع من الشكوى التي قد تزري بنا، ولا تنفعنا. ثم إنكم -معاشر المعلمين - رجال، ومتى رغب الرجال في راحة البال؟ وإنكم لأسُودٌ، ومتى عاش الأسَد على التدليل، وهو يشعر أن التدليل تذليل؟ (٤)
следующие страницы →