توفِّيَ بأَصْبَهان في شَعْبان سنة ثلاث وخمسين وخمس مئة (١).
وفيها: مات مُسْنِدُ زمانه الإمام أبو الوقت عبد الأوَّل بن عيسى السِّجْزي ببغداد، وله خَمْسٌ وتسعون سنة. والمسنِدُ أبو الحسن عليٌّ بن عساكر بن سرور الدِّمَشْقِي الخَشَّاب بدمشق. والعلَّامة أبو حَفْصٍ عمر بن أحمد بن منصور بن الصَّفَّار النَّيسَابوري. ومقرئ واسط أبو الفَتْح المبارك بن أحمد بن زُرَيق الحَدَّاد الواسطي. والمسنِد الأديب أبو المحاسن مسعود بن محمد بن غانم الهَرَوي؛ أجاز له القُشَيري.
١٠٦٨ - السَّمْعَاني *
الحافظ، العلَّامة، تاج الإسلام، أبو سَعْد، عبدُ الكريم ابن الحافظ
стр. 1577
تاج الإسلام معين الدين أبي بكر محمد بن العلامة أبي المُظَفَّر منصور بن محمد بن عبد الجَبَّار بن أحمد بن محمد بن جعفر، التميمي، المَرْوَزي، صاحب المصنَّفات الكثيرة، منها: "تاريخ مَرْو" و"الذيل على تاريخ الخطيب".
ولد في شَعْبان سنة ستٍّ وخمس مئة (١).
وحمَله والده إلى نَيسَابور في آخر سنة تسع فحضر على عبد الغفار بن محمد الشِّيروبي (٢)، وعُبيد بن محمد القُشَيري، وغيرهما، وحضر بمرو على أبي منصور محمد بن علي نافلة الكُرَاعي (٣). ومات أبوه سنة عشر فتربى مع أعمامه وأَهله، وحَفِظَ القرآن والفِقْه، ثم حُبِّبَ إليه هذا الشأن، وعني به، ورحل إلى الآفاق.
стр. 1578
وسمع بنيسابور من أبي عبد الله الفُرَاوي، وزاهر الشَّحَّامي، وبأَصْبَهان من الحسين بن عبد الملك الخَلَّال، وسعيد بن أبي الرَّجاء، وببغداد من أبي بكر محمد بن عبد الباقي الأَنْصَاري، وبالكُوفة من عمر بن إبراهيم العَلَوي، وبدمشق من أبي الفَتْح المِصِّيصي. وسمع ببخارى وسَمَرْقَنْد وبَلْخ وغيرهما.
وزار بيت المَقْدس والنَّصَارى يومئذٍ وُلاته (١)، وعمل "المُعْجم" في عِدَّة مجلدات، وكان ثِقَةً حُجَّة فهمًا، حسنَ الكتابة سريعها، جميل السِّيرة، حَسَنَ الصُّحبة، كثير المحفوظ، وكتب عمن دَبّ ودَرَج.
روى عنه: ابنه عبد الرَّحيم -مفتي مَرْو- وأبو القاسم ابن عساكر؛ وابنه القاسم، وعبد الوهَّاب بن سكينة، وأبو رَوْح عبد المعز الهروي، وخَلْق.
ذكره ابنُ النَّجَّار، وأثنى عليه، ثم سرد أسماء مُصَنَّفاته، وقال: سَمِعْتُ من يذكر أن عدد شيوخه سبعة آلاف شيخ، وهذا شيء لم يبلُغْه أحد، وكان مليح التَّصانيف، كثير النّشوار (٢) والأناشيد، لطيف المِزاج (٣)، ظريفًا، حافظًا، واسع الرِّحلة، ثِقَةً، صدوقًا، دَيِّنًا، سمع منه مشايخُه وأقرانه، وحدَّثنا عنه جماعة.
стр. 1579
مات بمَرْو في ربيع الأول سنةَ اثنتين وستين وخمس مئة (١)، وله ستٌّ وخمسون سنة.
وفيها: مات مُسْنِد هَرَاة أبو محمد عبد الجليل بن أبي سَعْد المُعَدَّل، راوي جُزْء بِيبى عنها. وخطيب دمشق وفقيهُها أبو البركات الخَضِر بن شِبْل بن عبد الحارثي الشافعي، وله ستٌّ وسبعون سنة. ومسندُ سِجِسْتان الإمام أبو عَرُوبة عبد الهادي [بن] (٢) محمد بن عبد الله بن عمر بن مأمون السِّجِسْتاني الَّذي رحل إليه عبد القادر الرُّهاوي. وفقيه دمشق علي بن الحسن بن الحسن بن الماسح الكِلابي، وله أربعٌ وسبعون سنة. ومحدِّث المَشْرق أبو شُجَاع عمر بن محمد بن عبد الله البِسْطامي ثم البَلْخي الفقيه، وله سَبْعٌ وثمانون سنة. والشَّيخ أبو عاصم قيس بن محمد السَّويقي بأصْبَهان، لقي في حَجِّه أبا الحسن بن العَلَّاف. وواعظ مِصْر أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن ثابت الكِيزَاني. ومسند بغداد أبو المعالي محمد بن محمد بن محمد بن الجَبَّان اللَّحَّاس الحَرِيمي العَطَّار، وله سماع في سنة ثمان وسبعين وأربع مئة. والشيخ أبو طالب المُبَارك بن عليَّ بن خُضَيْر الصَّيرَفي ببغداد. والمسند أبو الفضل المبارك بن المبارك بن صَدَقة السِّمْسار سمع من طِرَاد. [والمسند أبو محمد عبد الواحد بن الحسين بن البارِزِي ببغداد، سمع
стр. 1580
النِّعَالي، وعِدَّة] (١). والمسنِدُ أبو الحسن علي بن مَهْدي الهِلالي الطبيب بدمشق. ومسنِدُ العِراق أبو القاسم هِبَةُ الله بن الحسن بن هلال الدَّقَّاق؛ وله إحدى وتسعون سنة. ومسنِدُ الوقت الرئيس أبو الفَرَج مسعود بن الحسن بن القاسم بن الفَضْل الثَّقَفي الأَصْبَهاني في رجب؛ وله مئة عام.
١٠٦٩ - مَعْمَر بن عبد الواحد *
ابن رجاء (٢) بن عبد الواحد بن محمد بن الفاخر، الحافظ، مُفيد أَصْبَهان، أبو أحمد، القُرَشي، العَبْشَمي، السَّمُري، الأَصْبَهاني، المُعَدَّل، الواعظ.
ولد سنة أربع وتسعين وأربع مئة.
وسمع أبا الفتح أحمد بن محمد الحَدَّاد، وأبا المحاسن الرُّوياني الفقيه، وأبا علي الحَدَّاد، وطبقتهم. ورحل إلى بغداد؛ فسَمِعَ أبا القاسم
стр. 1581
ابن الحُصَيْن، وأبا العزّ بن كادش، وقاضي المَرَسْتان (١)، وقد تردد إلى بغداد مَرَّات، وأسمع بها أولادَه.
حدَّث عنه: أبو سَعْد السَّمْعَاني، وابن الجَوْزي، والحافظ عبد المغني، والفقيه أبو محمد المَقْدسي، وابن الأخضر، وأبو الحسن بن المُقَيَّر، وغيرهم.
قال السمعاني: شابٌّ كَيِّس، حَسَنُ العِشْرَة، سخيُّ النَّفْس، متودِّد، قاضٍ للحوائج، أكثر ما سمِعْتُ بأصبهان كان بإفادته، كان يدور معي من بُكْرة إلى الليل، شكر الله سعيه (٢)، ثم كان يُنَفِّذ إليَّ الأجزاء لأكتبها، ويكتب لي وفاةَ الشُّيوخ، وحدَّثني بجزءٍ انتقاه لي عن شيوخه.
وقال ابنُ الجَوْزي: كان من الحُفَّاظ الوعَّاظ، له مَعْرفة حَسَنَةٌ بالحديث، كان يُخرِّج ويُمْلي، سمِعْتُ منه بالمدينة النَّبوية (٣).
وقال ابنُ النَّجَّار: كان سَريعَ الكتابة، موصوفًا بالحِفْظ والمعرفة، والصَّلاح، والثِّقة والوَرَع والمروءة، صنَّف كثيرًا في الحديث والتَّواريخ والمعاجم، وكان مُعَظَّمًا بأَصْبَهان، ذا قبول ووجاهة.
مات ببادية الحِجاز في ذي القَعْدة سنةَ أربع وستين وخمس مئة.
وفيها: مات الواعظ أبو الحسن سعد الله بن نصر بن الدَّجَاجي
стр. 1582
البَغْدادي المقرئ. والمحدِّث الجَوَّال أبو محمد عبد الخالق بن أسد (١) الدِّمَشْقي الحَنَفي؛ صاحب "المُعْجم". ومسنِدُ قُرْطُبة أبو مَرْوان عبد الرحمن بن محمد بن قُزْمان الفَقِيه؛ وله خمس وثمانون سنة. وشيخ القُرَّاء العَلَّامة أبو الحسن علي بنُ محمد بن هُذَيل البلَنْسي، وله ثلاثٌ وتسعون سنة. وقاضي دمشق الإمام ذكي الدين عليُّ بن القاضي المنتخب محمد بن الزكي (٢) يحيى بن علي بن عبد العزيز القُرَشي الشَّافعي ببغداد بعد حَجِّه؛ وله سَبْعٌ وخمسون سنة. ومسنِدُ بغداد أبو الفَتْح محمدُ بنُ عبد الباقي بن أحمد بن البَطِّي الحاجب، وله سَبْعٌ وثمانون سنة. وزاهد العِراق أبو عبد الله محمد بن عَبْد الملك الفَارِقي.
١٠٧٠ - أبو الخَيْر *
الإمام، الحافظ، عَبْدُ الرَّحيم بن محمد بن أحمد بن حَمْدان بن موسى، الأَصْبَهانيُّ.
حدَّث عن: غانم بن محمد البُرْجي، وأبي علي الحَدَّاد، ومحمد بن عبد الواحد الدَّقَّاق، وعبد الواحد بن محمد الدَّشْتج (٣)، وهِبَة الله بن
стр. 1583
الحُصَين، وأبي العز بن كادش (١)، وخلق.
حدَّث عنه: الحافظ عبد المغني، وأبو محمد المَقْدسي، وطائفة.
قال ابنُ النَّجَّار: كان من حُفَّاظ الحديث، سَمِعْتُ جماعةً من أَصْبَهان يقولون: إنه كان يحفظ "الصَّحيحين"، وكانوا يفضِّلونه على الحافظ (٢) أبي موسى بالحِفْظ (٣).
وقال ابنُ النَّجَّار أيضًا: سَمِعَ الكثير، وقرأَ بنفسه وكتَبَ، وكان موصوفًا بالفَضْل ومَعْرفة الحديث، قَدِمَ بغداد في شبابه وفي كِبَرِه، وأملى بجامع القصر باستملاء شيخنا ابنِ الأخضر، وسأَلْته عنه فأثنى عليه، ووصفه بالحِفْظ والمعرفة، وقال: كانوا يفضلونه على معْمَر بن الفاخر.
وذكر الشَّيخ الضِّياء عن بعض شيوخه (٤) أنَّه قال: كان أبو الخير يحفظ البُخَاري، ويقول: مَنْ أراد أن يقرأ الإسناد حتَّى أقرأ المتن، ومَنْ أراد أن يقرأ المتن حتَّى أقرأَ أنا الإسناد.
وقد ذكر ابنُ النَّجَّار أن إسماعيل التيمي وأبا نَصْر الغازي وكُوتاه وغيرهم تكلَّموا في أبي الخير، وكذلك تكلَّم فيه أبو موسى المديني من أجل إجازات الرئيس مسعود بن الحسن الثَّقَفي، فالله أعلم.
ولد في صَفَر سنة خمس مئة.
стр. 1584
ومات في شَوَّال سنةَ ثمانٍ وستين وخمس مئة.
وفيها: مات مُسْنِدُ القُرَّاء أبو الفَضْل أحمد بن محمد بن شُنَيْف الدَّرَقَزِّي (١). وجَعْفر بن عبد الله بن قاضي القُضَاة أبي عبد الله بيع الدَّامَغَاني. وشيخ النُّحاة أبو نزار الحسن بن صافي. ومسنِدُ أَصْبَهان أبو جعفر محمد بن الحسن بن الحسين الصَّيدلاني.
١٠٧١ - أبو العَلاء الهَمَذَاني *
الحافظ، العَلَّامة، المقرئ، شيخ الإسلام، الحسن بن أحمد (٢) بن الحسن بن أحمد بن محمد بن سَهْل، العَطَّار.
ولد سنة ثمانٍ وثمانين وأربع مئة.
стр. 1585
وقرأ بالرِّوايات على: أبي علي الحَدَّاد -وأكثر عنه ولازَمَه- وعلى: مقرئ واسط أبي العِزّ القَلَانسي، وأبي بكر المَزْرَفي، وطائفة.
وسمع بنيسابور من: أبي عبد الله الفُرَاوي وغيره، وببغداد من أبي القاسم بن بَيَان، وأبي علي بن نَبْهان، وابن الحُصَيْن، وخَلْقٌ. ثم رحل مَرَّة ثانية إلى بغداد فأسمع ابنه، ثم قدِمَ بعد الثَّلاثين وخمس مئة فأكثر، ثم بعد سنة أربعين.
قرأ عليه بالرِّوايات: أبو أحمد بن سُكَينة، وأبو الحسن بن الدَّبَّاس.
وحدَّث عنه: أبو المواهب بن صَصْرَى، والحافظ عبد القادر (١)، والحافظ يوسف بن أحمد الشِّيرَازي، وآخرون؛ آخر من روى عنه بالإجازة أبو الحسن بن المُقَيَّر.
قال أبو سَعْد السَّمْعَاني: حافِظٌ، متقِنٌ، مقرئٌ، فاضل، حَسَنُ السِّيرة، مَرْضيُّ الطَّريقة، عزيزُ النَّفْس، سخيٌّ بما يملكه، مُكْرِمٌ للغُرَباء، يعرف القِراءات والحديث والأدب معرفة حسنة، سمِعْتُ منه.
وقال عبد القادر الحافظ: شَيخُنا أبو العلاء أشهرُ مِنْ أَنْ يعرَّف، بل تعذر وجودُ مثْله في أعصارٍ كثيرة على ما بلغنا من السِّير، أربى على أهل زمانه في كثرة السَّمَاعات، مع تحصيل أصول ما سَمِعَ، وجُودة النُّسخ، وإتقان ما كتبه بخَطِّه؛ ما كان يكتب شيئًا إلا منقَّطًا معربًا، وأوَّل سَمَاعه
стр. 1586
من عبد الرَّحمن بن حَمْد (١) الدُّوني في سنة خمس وتسعين وأربع مئة، بَرَعَ على حُفَّاظ عَصْره في حِفْظ ما يتعلَّق بالحديث من الأنساب والتواريخ والأسماء والكُنى والقِصَص والسِّيَر، ولقد كان يَوْمًا في مجلسه فجاءته فتوى في عثمان ﵁، فكتب من حِفْظه -ونحن جلوس- درجًا طويلًا في أخباره.
وله التَّصانيف، منها: "زاد المُسَافر" في خمسين مجلَّدًا، وكان إمامًا في القُرْآن وعلومه، وحَصَّل من القِراءات ما إنه صنَّف فيها العشرة، والمُفْردات، وصنَّف في الوَقْف والابْتِدَاء، وفي التجْويد، والماءات، والعدد، ومعرفة القُرَّاء؛ وهو نحوٌ من عشرين مجلَّدًا (٢)، استُحْسِنَتْ تصانيفه، وكُتِبَتْ ونُقِلَتْ إلى خُوارَزْم وإلى الشَّام، وبَرع عنده جماعةٌ كثيرةٌ في القراءات، وكان إذا جرى ذِكْرُ القُرَّاء يقول: مات فلان عام كذا، ومات فلان في سنة كذا، وفلان يعلو إسناده على فلان بكذا، وكان إمامًا في النحو واللُّغة، سمِعْتُ أنَّ من جُمْلة ما حفظ كتاب "الجَمْهرة"، وخرَّج له تلامذةً في العربية أئمةً يقرؤون بهَمَذَان، وبعض أصحابه رأيته؛ فكان من محفوظاته كتاب "الغريبين" للهَرَوي.
إلى أَنْ قال: وكان مُهينًا للمال، باع جميعَ ما وَرِثه -وكان من أبناء التُّجَّار- فأنفقه في طلب العِلْم، حتَّى سافر إلى بغداد وأَصْبَهان مَرَّاتٍ ماشيًا يحمل كُتُبَه على ظهره، سمِعْته يقول: كنت أبيت ببغداد في
стр. 1587
المساجد، وآكل خبز الدُّخن (١)، وسمِعْتُ أبا الفَضْل بن بُنَيمان الأديبَ يقول: رأيت أبا العلاء في مسجدٍ من مساجد بغداد يكتب وهو قائم؛ لأنَّ السَّرَاج كان عاليًا.
إلى أن قال: فَعَظُمَ شأنُه في القلوب، حتَّى إن كان يمر في هَمَذَان فلا يبقى أحدٌ رآه إلا قام، ودعا له، حتَّى الصِّبْيان واليهود، وربما كان يمضي إلى بلدة مُشْكان (٢) يصلِّي بها الجُمُعة، فيتلقَّاه أهْلُها خارج البلد: المسلمون على حِدَة، واليهود على حِدَة يدعون له، إلى أن يدخُلَ البلد، وكان يُفتح عليه من الدُّنيا جُمَلٌ، فلم يدَّخِرْها، بل ينفقها على تلامذته، وكان عليه رسومٌ لأقوامٍ، وما كان يبرح عليه ألف دينار هَمَذَانية أو أكثر من الدَّيْن مع كَثْرة ما كان يُفتح عليه.
وكان يطلبُ لأصحابه من النَّاس، ويعِزُّ أصحابَه ومَنْ يلوذُ به، ولا يحضُر دعوةً حتَّى يحضُرَها جماعةُ أصحابه.
وكان لا يأكل من أموالِ الظَّلَمة، ولا قَبِلَ منهم مدرسةً قَطُّ ولا رِباطًا، وإنما كان يقرئُ في داره، ونحن في مسجده سُكَّان، وكان بقرئ نصف نهارِه الحديثَ، ونصفَ القُرْآن والعِلْمَ، وكان لا يغشى السَّلاطين، ولا تأخذه في الله لَوْمةُ لائمٍ، ولا يمكِّن أحدًا أن يعمل في مجلسه (٣) منكرًا ولا سماعًا، وكان ينزل كلّ إنسان منزلتَه، حتَّى تألَّفَتِ
стр. 1588
القلوبُ على محبَّته، وحسن الذِّكْر له في الآفاق البعيدة، حتَّى أهل خوارَزْمَ الذين هم معتزلة مع شِدَّته في الحَنْبَلِيَّة.
وكان حَسَنَ الصَّلاة، لم أر أحدًا من مشايخنا أحسنَ صلاةً منه، وكان متشدِّدًا في أمر الطَّهَارة؛ لا يدع أحدًا يَمَسُّ مَدَاسه، وكانت ثيابه قِصَارًا وأكمامه قِصارًا، وعِمامته نحو سبعة أذرع.
وكانت السُّنَّة شعارَه ودثارَه اعتقادًا وفِعلًا، بحيث إنه كان إذا دخل مجلسه رجلٌ فقدَّم رِجْلَه اليُسرى كلَّفه أن يرجِعَ فيقدِّم اليُمْنى، ولا يَمَسّ الأجزاء الأعلى طهارة، ولا يدْعُ شيئًا قط إلَّا مستقبلَ القبلة تعظيمًا لها.
إلى أن قال: سمعت من أثقُ به يحدث عن عبد الغافر بن إسماعيل الفَارسي أنَّه قال في الحافظ أبي العلاء لَمَّا دخل نَيسَابور: ما دخل نيسابور مِثْلُك. وسمِعْتُ الحافظ أبا القاسم عليَّ بنَ الحسن يقول -وذكر رجلًا من أصحابه رَحَلَ-: إنْ رَجَعَ ولم يلقَ الحافظَ أبا العلاء ضاعتْ رِحْلَتُه.
مات أبو العلاء في جُمَادى الأولى سنةَ تسع وستين وخمس مئة.
وفيها: مات المسنِدُ النَّقيب أبو عبد الله أحمد بن علي بن المعمَّر العَلَوي ببغداد. وأبو الحسن دَهْبل بن علي بن كارة الحَريمي الحنبلي؛ سمع الحسين بن البُسري. وشيخ العربية أبو محمد سعيدُ بن المُبَارك بن الدَّهَّان البَغْدادي. والمسنِدُ أبو محمد عبد الله بن أحمد بن هبَة الله بن محمد بن النَّرْسي. ومسنِد المَغْرب أبو الحسن عليُّ بن أحمد بن
стр. 1589
أبي بكر بن حُنين الكِناني القُرْطُبي، ثم الفاسي؛ وله ثلاث وتسعون سنة. وملك الشام العادل نور الدِّين محمود بن زَنْكي التُّرْكي، رحمهم الله تعالى.
١٠٧٢ - ابن عَسَاكر *
الإمام، الحافظ الكبير، محدِّث الشَّام، فَخْر الْأَئمة، ثِقَةُ الدِّين،
стр. 1590
أبو القاسم، عليُّ بن الحسن بن هِبَة الله بن عبد الله بن الحسين، الدِّمَشْقي، الشَّافعي، صاحب التَّصانيف، و "التاريخ الكبير" (١).
стр. 1591
وُلِدَ في أوَّل سنة تسعٍ وتسعين وأربع مئة.
وسمع في سنة خمس وخمس مئة باعتناء أبيه وأخيه الإمام صائن الدِّين (١) هبة الله، سَمِعَ أبا القاسم النَّسيب، وقوام بن زيد، وسُبَيْع بن قيراط، وأبا طاهر الحِنَّائي، وأبا الحسن بن المَوَازِيني، وطبقتهم بدمشق، ورَحَلَ في سنة عشرين فَسَمِعَ أبا القاسم بن الحُصَين، وأبا الحسن الدِّينوَري، وأبا العِزِّ بن كادش، وأبا غالب بن البَنَّاء، وقاضي المَرَسْتَان (٢) وطبقتهم ببغداد، وعبد الله بن محمد بن الغَزَال (٣) بمكة، وعمر بن إبراهيم الزَّيدي بالكُوفة، وأبا عبد الله الفُرَاوي، وهبة الله بن السَّيِّدي، وعبد المنعم القُشَيري بنيسابور، وسعيد بن أبي الرَّجَاء، والحسين بن عبد الملك الخَلَّال بأَصْبهان، ويوسف بن أيوب الهَمَذَاني الزاهد بمَرْو، وتميم بن أبي سعيد الجُرْجَاني بهَرَاة، وعَمِلَ "الأربعين البُلْدانية" (٤)، وعددُ شيوخه ألف وثلاثُ مئة شيخٍ، ونيِّف وثمانون امرأةً.
سمع منه: أبو العلاء الهَمَذَاني، ومَعْمَر بن الفاخر.
وحدَّث عنه: ابنُه القاسم، وأبو جعفر القُرْطُبي، وزين الأُمناء أبو البركات بن عساكر، وأخوه الشيخ فَخْر الدين، وابن أخيه عز الدين النَّسَّابة، والحافظ عبد القادر الرُّهاوي، وأبو القاسم بن صَصْرَى،
стр. 1592
وأبو نَصْر بن الشِّيرَازي، وأبو إسحاق إبراهيم بن الخُشُوعي، والشيخ بهاء الدين علي بن الجُمَّيزِي، ورشيد الدين بن مسلمة، وسديد الدِّين مكي بن عَلَّان، وخلق كثير.
وقد روى عنه أبو سعد السَّمْعَاني كثيرًا، ومات قبل ابن عَلَّان بتسعين (١) سنة.
قال ابنُ الحاجب: حدَّثني زين الْأُمناء قال: حدَّثني ابن القَزْويني عن والده مدرس النِّظَامِيَّة أبي الخير قال: حكى لنا الفُرَاوي، قال: قَدِمَ ابنُ عساكر، فقرأ عليَّ ثلاثة أيام، فأكثر وأَضْجرني، وآليت على نفسي أن أُغلِقَ بابي، فلما أصْبحنا قَدِمَ على شخصٌ فقال: أنا رسولُ رسولِ الله ﷺ إليك. قلت: مَرْحبًا بك، فقال: قال لي في النَّوْم: امضِ إلى الفُرَاوي وقُلْ له: قَدِمَ بلدكم رجلٌ شَاميٌّ، أسمَرُ اللَّوْن، يطلبُ حديثي فلا تَمَلّ منه. قال القَزْويني: فوالله ما كان الفرَاوي يقوم حتَّى يقومَ الحافظ.
وقال السَّمْعَاني: أبو القاسم حافِظٌ، ثِقةٌ، متقِنٌ، دَيِّنٌ، خَيِّر، حَسَنُ السِّمْت، جَمَعَ بين معرفة المَتْن والإسناد، وكان كثيرَ العِلْم، غزيرَ الفَضلُ، صحيحَ القِراءة، متثبِّتًا، رَحَل وتَعِبَ وبالغَ في الطَّلب، وجَمَعَ ما لم يجمعْه غيرُه، وأربى على الأقران، دخل نَيسَابور قبلي بشهْر،
стр. 1593
سمعْتُ "معجَميه" (١) والمُجَالسة للدِّينوري، وكان قد شَرَعَ في "التَّاريخ الكبير" لدمشق.
وقال المحدِّث بهاء الدين القَاسم: كان أبي ﵀ مواظِبًا على الجَمَاعة والتِّلاوة، يَخْتِمُ كلَّ جُمُعة، ويختِمُ في رمضان كلَّ يوم، ويعتكِفُ في المَنَارة الشَّرْقية، وكان كثير النَّوافل والأذكار، ويحيي ليلة النِّصف والعيدَين بالصَّلاة والذِّكْر، وكان يحاسِبُ نَفْسَه على لحظةٍ تذهب. قال لي: لما حَمَلَتْ بي أُمي قيل لها في منامها: تلدين غلامًا يكون له شَأن (٢).
وقال سَعْد الخير: ما رأيتُ في سِنِّ الحافظ ابن عساكر مِثْلَه.
وأثنى عليه الحافظ أبو العلاء الهَمَذَاني ثناءً كثيرًا، وقال: ما كان أبو القاسم إلا شُعْلة نارٍ ببغداد من ذكائه وتوقُّده وحُسْنِ إدراكه (٣).
وقال القَاسم بنُ عَسَاكر: سمِعْتُ التَّاج المَسْعُودي يقول: سمعْتُ أبا العلاء الهَمَذَاني يقول لرجلٍ استأذنه في الرِّحْلة: إن عَرَفْتَ أحدًا أعرفَ مني فحينئذٍ آذَنُ لك أَنْ تسافر إليه إلَّا أن تسافِرَ إلى ابنِ عساكر؛ فإنَّه حافِظٌ كما يجب.
وقال أبو المواهب بن صَصْرَى: كُنْتُ أذاكر أبا القاسم الحافظ عن الحُفَّاظ الذين لقيهم فقال: أما ببغداد فأبو عامرٍ العَبْدَري، وأما بأَصْبَهان
стр. 1594
فأبو نَصْرٍ اليُونارتي، لكن إسماعيل بن محمد الحافظ كان أشهر، فقلتُ: فعلى هذا ما رأى سيِّدنا مِثْلَ نَفْسه. قال: لا تقل هذا، قال الله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (١) قلت: فقد قال: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (٢) فقال: لو قال قائل: إنَّ عينيَّ لم تَرَ مِثْلي، لصَدَقَ.
ثم قال أبو المواهب: وأنا أقول: لم أَرَ مِثْلَه، ولا مَنِ اجتمع فيه ما اجتمع فيه من لُزوم طريقةٍ واحدة مُدَّة أربعين سنةً؛ من لزوم الصَّلَوات في الصَّفِّ الْأَوَّل إلَّا من عُذْر، والاعتكاف في رَمضان وعَشْر ذي الحِجَّة، وعدم التطلُّع إلى تحصيل الأملاك وبناء الدُّور، قد أسقط ذلك عن نَفْسه، وأعرضَ عن طَلَبِ المَناصب من الإمامة والخَطَابة، وأباها بَعْدَ أن عُرضَتْ عليه، وأَخْذِ نفسه بالأمر بالمعروف والنَّهْي عن المُنْكر، لا تأخذه في الله لومةُ لائم. قال لي: لما عَزَمْتُ على التحديث والله المطَّلع أنَّه ما حَملَني على ذلك حبُّ الرِّياسة والتقدُّم، بل قلت: متى أروي كلَّ ما سمِعْتُ؟ وأي فائدةٍ في كوني أُخلِّفُه صحائفَ؟ ! فاستخرتُ الله، واستَأذَنْتُ أعيان شيوخي ورؤساء البلد، وطُفْتُ عليهم، فكلُّهم قال: مَنْ أحق بهذا منك؟ فَشَرَعْتُ في ذلك سنة ثلاثٍ وثلاثين وخمس مئة.
وقال الحافظ عبد العظيم المُنْذِري: سألتُ شيخَنَا أبا الحسن علي بنَ المفضَّل الحافظ عن أربعة تعاصروا: أيهم أحفظ؟ فقال: مَنْ؟ قُلْتُ: الحافظ ابن ناصر وابن عساكر؟ فقال: ابن عساكر. فقلت: الحافظ أبو موسى المَدِيني وابن عساكر؟ قال: ابنُ عساكر. فقلت: الحافظ أبو طاهر السِّلَفي وابن عساكر؟ فقال: السِّلَفي شَيخُنا.
стр. 1595
قلت: ابنُ عساكر أَحْفَظُ من السِّلَفي بلا شك، وكان شيخُنا أبو الحَجَّاج القُضَاعي (١) يميل إلى ابنِ عساكر؛ لم يَرَ حافِظًا مِثْلَ نفسه.
وقال الحافظ عبد القادر: ما رأيتُ أحفظَ من ابن عساكر.
وقال ابنُ النَّجَّار: أبو القاسم إمامُ المحدِّثين في وقته، انتهت إليه الرياسة مع الحِفْظ والإتقان والثِّقة والمَعْرفة التَّامَّة، وبه خُتِمَ هذا الشأن.
وقال مَعْمَر بن الفاخر في "مُعْجمه": أنبأنا أبو القاسم الدِّمَشْقي الحافظ بمِنى، وكان أحفظ مَنْ رأيتُ من طلبة الحديث والشُّبَّان، وكان شَيخُنا إسماعيل بن محمد الإمام يفضِّلُه على جميعِ منْ لقيناهم، قدِمَ أَصْبَهان، ونَزَل في داري، وما رأيتُ شابًّا أورعَ، ولا أحفظ، ولا أتقنَ منه، وكان مع ذلك فقيهًا أديبًا سُنِّيًا، جَزَاه الله خيرًا، وكَثَّرَ في الإسلام مثله، أفادني كثيرًا (٢)، سَأَلْتُه عن تأخُّره عن المجيء إلى أَصْبَهان، فقال: لم تأذنْ لي أُمي.
قال القاسم: توفِّيَ أبي في حادي عشر رجب سنة إحدى وسبْعين وخمس مئة، ورأوا له مَنَاماتٍ حَسَنَة، ورُثي بقصائد، وقَبْرُه يُزَار بباب الصَّغير (٣).
وفيها: توفِّي المُسْنِد أبو حنيفة محمدُ بنُ عبيد الله الخَطِيبي
стр. 1596
الْأَصبَهاني؛ وله ثلاثٌ وثمانون سنة. وفقيه واسط أبو جَعْفر هبَةُ الله بن يحيى بن البُوقي الوَاسِطي العَطَّار. والعلَّامة مَجْدُ الدِّين أبو منصور محمد بن أسعد بن محمد بن حَفَدَة الطُّوسي العَطَّاري الشَّافعي الواعِظُ؛ صاحب محيي السُّنَّة (١)، والغَزّالي، ﵏.
١٠٧٣ - أبو مُوسى *
الحافظُ الكبير، شَيخُ الإسلام، محمد بن أبي بكر (٢) عمر بن أبي عيسى أحمد بن عمر، الأصْبَهاني، صاحبُ التَّصانيف النَّافعة.
وُلِدَ في ذي القَعْدة سنة إحدى وخمس مئة.
وحضر عند أبي سَعْدٍ المُطَرِّز؛ وهو ابن سنتين، ثم رَحَلَ وعُني بهذا الشأن.
وسمع من: أبي منصور محمد بن عبد الله بن مَنْدُويه، وغانم البُرْجي، وأبي علي الحَدَّاد، ومحمد بن عبد الله الشَّرابي بَلِّيزة (٣)،
стр. 1597
ومحمد بن طاهر المَقْدسي الحافظ، وأبي زكريا بن مَنْدَه، وهِبَة الله بن الحسن الْأبَرْقُوهي، وهبة الله بن الحُصَين البَغْدَادي، وطبقتهم. وتخرَّج بأبي القاسم التَّيْمي، وغيره.
حدَّث عنه: أبو سَعْد السَّمْعَاني، وأبو بكر محمد بن موسى الحَازِمي، والحافظ عبد المغني المَقْدسي، وعبد القادر الرُّهاوي، ومحمد بن مكِّي الْأَصْبَهاني، والنَّاصح عبد الرَّحمن بن الحَنْبَلي، وآخرون.
وكان كثيرَ العِلْم، واسعَ الرِّواية، انتهى إليه التقدُّم في هذا الشَّأْن مع علوِّ الإسناد، ومِنْ تصانيفه: كتاب "معْرفة الصَّحَابة" الَّذي استدرك به على أبي نُعَيم الحافظ، وكتاب "الطوالات" وهو كتابٌ جليل لم يُسْبَقْ إلى مثله (١)، وكتاب "تتمة الغَرِيبين" (٢)، وكتاب "اللَّطَائف"، وكتاب "عوالي التَّابعين"، وغير ذلك. وقد عَرَض من حِفْظه كتاب "علوم الحديث" (٣) للحاكم على إسماعيل الحافظ.
قال الدُّبَيْثي: عاش أبو موسى حتَّى صار أَوْحَدَ وقته، وشيخَ زمانه إسنادًا وحِفْظًا (٤).
وقال السَّمْعَاني: سمِعْتُ منه، وكتَب عني، وهو ثِقَةٌ صَدُوق (٥).
стр. 1598
وقال عبد القادر الرُّهَاوي: حَصَّل من المسموعات بأصْبَهان ما لم يحصلْ لأحدٍ في زمانه؛ وانضمَّ إلى ذلك الحِفْظُ والإِتقان، وله التَّصَانيف التي أَرْبى فيها على المتقدِّمين مع الثِّقَة والعِفَّة، له شيءٌ يسير يتربَّح به (١)، وينفق منه، ولا يقبل من أحدٍ شيئًا قط، أوصى إليه غيرُ واحدٍ بمالٍ؛ فيرُدُّه، فيقال له: فرِّقْه على مَنْ ترى. فيمتنع، وكان فيه من التَّوَاضع بحيث إنه يقرئ الصَّغير والكبير، ويرشِدُ المبتدئ، رأَيته يُحَفظ الصِّبْيان القُرْآنَ في الألواح، وكان يمنع مَنْ يمشي معه، فعلتُ ذلك مَرَّةً فَزَجَرَني، وتردَّدْت إليه نحوًا من سَنَة ونصف فما رأيتُ منه ولا سَمِعْتُ عنه سَقْطة تُعَاب عليه.
وكان أبو مسعود كُوتاه (٢) يقول: أبو موسى كنز مخفيٌّ.
توفِّيَ في تاسع جُمَادى الأُولى سنةَ إحدى وثمانين وخمس مئة، ولما ماتَ لم يكادوا أن يَفْرُغوا حتَّى جاء مَطَرٌ عظيمٌ في الحَرِّ الشَّديد؛ وكان الماءُ قليلًا بأَصْبَهان.
وفيها: ماتَ الحافظ أبو سَعْد محمد بن عبد الواحد الْأَصْبَهاني الصَّائغ، وله أربع وثمانون سنة. والإمام أبو الطَّاهر إسماعيل بن مكِّي بن إسماعيل بن عيسى بن عَوْف الزُّهْري العَوْفي الإِسْكنْدَرَاني المالكي، وله ستُّ وتسعون سنة. والقُدْوة الزَّاهد شيخ أهل حَرَّان الشيخ حياة بن قيس بن رَجَّال (٣) الأَنْصَاري. والمسنِدُ أبو القاسم عبد الرحمن بن
стр. 1599
محمد بن الحسين السِّبْيي ثم المِصْري الجَيَّار، ويعْرف بابن نخيسةَ بمِصْر. والمسنِد أبو محمدٍ عبد الرَّزَّاق بن نَصْر بن المسلم الدِّمَشْقي النَّجَّار، وله أربعٌ وثمانون سنة. ومسند العِراق أبو الفَتْح عبيد الله بن عبد الله بن [محمد بن نَجَا] (١) بن شاتيل البَغْدَادي الدَّبَّاس، وله اثنتان وتسعون سنة. ومقرئُ مِصْر أبو الجيوش عساكرُ بنُ علي بن إسماعيل الشَّافعيُّ النَّحْويُّ. والمحدِّث الإِمام أبو حَفْص عُمر بنُ عبد المجيد القُرَشي المَيَّانِشي المُجَاور. ومسنِدُ دمشق أبو المَجْد الفَضْل بن الحسين بن إبراهيم الحِمْيَري المَعْروف بالبانِياسي، وله ستٌّ وثمانون سنة. والشيخ الزَّاهد أبو الفَتْح محمود بن أحمد بن علي المحمودي بن الصَّابوني بمِصْر.
١٠٧٤ - الزَّاغُولي *
الحافظ، أبو عبد الله، محمدُ بنُ الحسين، المَرْوَزي الأَرُزِّي.
стр. 1600
حدَّث عن: أبي الفتح نَصْرِ بن إبراهيم الحَنَفي، ومحيي السُّنَّة البَغَوي، وعيسى بن شعيب السِّجْزي، وغيرهم.
حدَّث عنه: أبو سَعْد السَّمْعَاني، وابنه أبو المُظَفَّر.
وذكر أبو سعد أنه تَفَقَّه على والده (١)، وعلى الموفق بن عبد الكريم الهَرَوي، وقال: كان صَالحًا، خَشِنَ العيش، قانِعًا باليسير، عارفًا بالحديث وطُرُقه، اشتغل بطلبه وجَمْعِهِ طول عمره، وجَمَع وصنَّف، وكان عارفًا باللُّغة، كتب الكثير، ورحل إلى هَرَاة، سمِعْتُ منه وبقراءته، وجَمَعَ كتابًا كبيرًا أكثر من أربع مئة مجلَّد يشتمل على التَّفْسير والحديث والفِقْه، واللُّغة، سَمَّاه "قَيد الْأَوَابد" (٢).
ولد سنة اثنتين وسبعين وأربع مئة.
ومات في ثاني عشر جُمادى الْأُولى سنةَ تسعٍ وخمسين وخمس مئة (٣).
١٠٧٥ - ابن بَشْكُوال *
الإِمام، الحافظ، المتقِن، أبو القاسم، خَلَف بن عبد المَلك بن
стр. 1601
مسعود بن موسى بن بَشْكُوال بن يوسف بن داخة (١)، الْأَنْصَاري، الأندلسي، القُرْطُبي، محدِّث الأندلس ومؤرِّخُها.
ولد سنة أربع وتسعين وأربع مئة.
وسمع أباه، وأبا محمد عبد الرَّحمن بن محمد بن عَتَّاب، وأبا بحر بن العاص، وأبا الوليد بن رُشْد الفَقِيه، وأبا الوليد بن طريف، وأبا القاسم بن بَقِيّ، وشُرَيح بن محمد، والقاضي أبا بكر بن العَرَبي، وطبقتهم.
وأجاز له أبو علي بن سُكَّرة الصَّدّفي، ومن بغداد هِبَةُ الله بن أحمد الشِّبْلي، وصنَّف "مُعْجمًا" لنَفْسه، وله تصانيف كثيرة منها "صِلَةُ تاريخ ابن الفَرَضي" (٢) في مجلَّدين.
روى عنه جماعةٌ ماتوا قَبْلَه كأبي بكر بن خَير، وأبي القاسم القَنْطَري، وأبي الحسن بن الضَّحَّاك.
وحدَّث عنه: أبو القاسم [أحمد] (٣) بن يزيد بن بقي، وأحمد بن عبد المجيد المالِقي، وموسى بن عبد الرحمن الغَرْناطي، وأبو الخَطَّاب بن دِحْية، وآخرون.
وممن روى عنه بالإِجازة: أبو القاسم سِبْط السِّلَفي.
стр. 1602
قال أبو عبد الله الْأبَّار: كان متَّسِعَ الرواية، شديد العِنَاية بها، عارفًا بوجوهها، حُجَّة، مُقدَّمًا على أهل وقته، حافِظًا، حافلًا، أخباريًّا، تاريخيًّا، ذاكرًا لأخبار الْأَندلس. سَمِعَ العالي والنَّازل، وأسند عن شيوخه أزيدَ من أربع مئة كتاب بين صَغِيرٍ وكبير، ورَحَل إليه النَّاس، وأخذوا عنه، حدَّثنا عنه جماعة، ووصفوه بصلاح الدِّخْلة، وسلامة الباطن، وصحة التَّواضع، وصِدْق الصَّبر للطَّلَبة، وطول الاحتمال، ألّفَ خمسين تأليفًا في أنواع العِلْم، وولي بإشبيلية قَضَاءَ بعضِ جِهَاتها نيابةً لابن العَرَبي، وعقد الشُّروط، ثُمَّ اقتصر على إسماع العِلْم، وعلى هذه الصِّناعة وهي كانت بضاعته، والرُّواة عنه لا يُحصون (١).
وذكره ابن الزبير فاستوعب ترجمته وأثنى عليه، وقال: كان يُؤْثر الخمول، والقُنُوع بالدُّون من العَيش.
توفِّيَ في ثامن رمضان سنةَ ثمانٍ وسبعين وخمس مئة، وله أربع وثمانون سنة، ودُفِنَ بمقبرة الإِمام يحيى بن يحيى اللَّيثي.
وفيها: مات زاهِدُ العِراق الشيخُ أحمد بن علي الرِّفَاعي بالبطائح (٢)، وله تسع وسَبْعون سنة. والشَّيخُ أبو طالب الخَضِر بن هِبَة الله بن أحمد بن طاوس بدمَشْق. ومسنِدُ الوقت خَطِيبُ المَوْصل أبو الفَضل عبد الله بن أحمد بن محمد الطُّوسيُّ في رمضان، وله اثنتان وتسعون سنة. وعالم دمشق قطْبُ الدِّين مسعود بن محمد بن مسعود النَّيسَابوري الشَّافعي.
стр. 1603
١٠٧٦ - ابنُ الجَوْزِي *
العلَّامة، الإِمام، الحافِظ، عالِمُ العراق، وواعِظُ الآفاق، جمال الدِّين، أبو الفَرَج، عبد الرَّحْمن بن علي بن محمد بن علي بن عُبيد الله بن عبد الله بن حُمَّادَى بن أحمد بن محمد بن جَعْفر بن عبد الله بن القاسم بن النَّضْر بن القاسم بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصِّدِّيق، القُرَشي، التَّيمي، البكري، البَغْدَادي، الحَنْبَلي، صاحب التَّصانيف الكثيرة في فنون العِلْم (١)، وعُرِفَ جَدُّهم بالجَوْزي بجَوْزةٍ كانت في داره بواسط لم يكن بواسط جَوْزةٌ غَيرُها (٢).
ولد سنةَ عشرٍ وخمس مئة -أو قَبْلها- ومات أبوه وله ثلاثة أعوام؛
стр. 1604
فَرَبَّتْه عمَّتُه، ولما ترَعْرَعَ حَمَلَتْه إلى الحافظ محمد بنِ ناصر فاعْتَنَى به، وسمَّعه الكثير، وأوَّل سماعِهِ في سنة ست عشرة.
سمع أبا القاسم بن الحُصَين، وعليَّ بن عبد الواحد الدِّينَوري، وأبا عبد الله الحسينَ بن محمد البَارع، وأبا السَّعادات أحمد بن أحمد المُتَوكِّلي، وإسماعيل بن أبي صالح المُؤَذِّن، والفَقِيه أبا الحسن بن الزَّاغُوني، وأبا غالب بن البَنَّاء، وأبا بكر محمد بن الحسين المَزْرَفي، وأبا غالب محمد بن الحسن الماوَرْدي، وأبا القاسم عبد الله بن محمد بن عبد الله الْأَصْبَهاني، وأبا القاسم بن السَّمَرْقَنْدي، وأبا الوقت السِّجْزي، وابن ناصر، وجماعة. وعِدُّة شيوخه سبعة وثمانون.
حدَّث عنه: ابنُه الصَّاحب محيي الدِّين، وسِبْطة الواعظ شمس الدين يوسُف بن قُزُغلي، والحافظ عبد الغني المَقْدسي، وابن الدُّبَيثي، وابن النَّجَّار، وابن خليل، وابن عبد الدَّائم، والنَّجيب عَبْدُ اللطيف، وخَلْقٌ سواهم.
وبالإِجازة الشيخ شمس الدين بن أبي عمر، وفخر الدِّين بن البخاري، وأحمد بن سلامة الحَدَّاد، وغيرهم.
وكتب بخَطِّه ما لا يوصف كَثْرة، ووعظ في حدود سنة عشرين وخمس مئة وإلى أن مات، وحَصَلَ له من الحُظْوة في الوعظ ما لم تحصل لأحدٍ قط، وحَضَرَ مجالسه ملوكٌ ووزراء وخلفاء من وراء السِّتْر، ويقال: إنَّه كان يَحْضُر مجلِسَه مئةُ ألف.
قال سِبْطُه: سمِعْتُ جَدِّي يقول على المِنْبر: كتبتُ بأُصْبعي ألفَي
стр. 1605
مجلَّدة، وتاب على يديَّ مئة ألف، وأسلم على يديَّ عشرون (١) ألفًا، قال: وكان يَخْتِمُ في كلِّ أُسبوع خَتمة، ولا يخرج من بيته إلا إلى الجمعة أو المجلس (٢).
ثم سَرَدَ سِبْطُه مصنَّفاته إلى أن قال: فمجموع تصانيفه مئتان ونيِّفٌ وخمسون كتابًا (٣).
قلت: لا أعلم أحدًا صنَّف أكثر من ابن الجَوْزي إلّا شيخَنا الإمام الرَّبَّاني أبا العَبَّاس أحمد بن عبد الحليم الحَرَّاني ﵁ (٤).
وقال الموفق عبد اللطيف: كان ابنُ الجَوْزي لطيفَ الصُّورة، حُلْوَ الشَّمائل، رخيم النَّعْمة، موزون الحركات والنَّغمات، لذيذ المُفَاكَهة، يحضُر مجلِسَه مئِةً ألف أو يزيدون، لا يضيِّع من زمانه شيئًا، يكتب في اليوم أربع كراريس، وله في كل عِلْم مشاركة؛ لكنه كان في التَّفْسير من الأعيان، وفي الحديث من الحُفَّاظ، وفي التاريخ من المتوسِّعين، ولديه فِقْهٌ كافٍ، وأما السَّجْع الوعظي فله فيه مَلَكَةٌ قوية، وله في الطِّبِّ كتاب "اللقط" مجلَّدان، وكان يراعي حْفِظ صحته وتلطيفَ مزاجه، وما يُفيد عقلَه قوَّة وذِهْنَهُ حِدَّة، جُلُّ غذائه الفراريج والمزاوير، ويعتاض عن الفاكهة بالْأَشربة والمعجونات، ولباسُه أفضلُ لباسٍ: الأبيضُ النَّاعم المطيَّب، وله ذِهْن وقَّاد، وجوابٌ حاضر، وعنده مجون ومُدَاعبة حُلْوة، ولا ينفكُّ من جاريةٍ حَسْناء.
стр. 1606
وذكر المُوقَاني أنَّه شَرِبَ البلاذُر (١) فَسَقَطَتْ لِحْيَتُه، فكانت قصيرةً جدًّا، وكان يخضِبُها بالسَّواد إلى أن مات.
قال: وكان كثير الغَلَط فيما يصنِّفه؛ فإنَّه كان يَفْرُغ من الكتاب ولا يعتبره.
وقد امتحن الشيح أبو الفرج في آخر عُمُره، وخُتِمَ على داره، وأُخذ في سفينةٍ إلى واسط، فحُبِسَ بها في بيتٍ خمس سنين لم يدخُلْ فيها حَمَّامًا، وكان يَطْبُخُ وَيغْسِلُ ثوبه وَيخْدُم نَفْسه، وكان السبب في خلاصه أن ابنه يوسف نشأ (٢) واشتغل ووعظ وتوصل إلى أُم الخليفة (٣) فشفعت فيه فأُطلق.
وكانت وَفَاته في شهرِ رمضان سنةَ سَبْعٍ وتسعين وخمس مئة، وقد قارب التِّسْعين، ودُفِن بمقبرة باب حَرْب، وكانت جنازته مشهودة.
وفيها: مات مسنِدُ أَصْبَهان القاضي المعَمَّر أبو المكارم أحمد بن أبي عيسى محمد بن محمد بن اللَّبَان الأَصْبَهاني، وقد نيَّف على التِّسْعين.
ومُفيد بغداد المحدِّث أبو القاسم تميم بن أحمد بن أحمد بن كرم البَنْدَنِيجي، ثم الْأَزَجي، وله اثنتان وخمسون سنة، سمع [من] (٤)
стр. 1607
أبي الوقت. والمسنِدُ أبو عبد الله بن المُبَارك بن هِبَة الله بن الطويلة الدَّارَقَزِّي. والمسنِدُ عبد الرَّحمن بن أبي الكرم محمد بن مَلَّاح الشَّط، وله بضع وتسعون سنة. والمسند الواعظ عمر بن عليّ بن عمر أبو علي الحَرْبي، وله أربع وثمانون سنة. والمسند الكبير أبو عبد الله محمد بن أبي زيد بن حَمْد الكَرَّاني الْأَصْبَهاني الخَبَّاز، وله مئة سنة. والعلَّامة الوزير البليغ عماد الدِّين محمد بن محمد بن حامد الكاتب بدمشق، وله ثمانٍ وسبعون سنة. وشيخ القُرَّاء أبو عبد الله محمد بن محمد بن هارون الحِلِّي، ويعرف بابن الكال، وله بضع وثمانون سنة. ومقرئ العِراق أبو شُجَاع محمد بن أبي محمد بن أبي المعالي بن المقرون، وقد نيَّف على الثَّمانين، رحمهم الله تعالى.
١٠٧٧ - السُّهَيلي *
الحافظ، العلَّامة البارع، أبو القاسم، عبد الرَّحمن بن عبد الله (١) بن أحمد بن أصْبَغ بن حُسين بن سَعْدون، الخَثْعَمِيُّ، الأنْدَلسي، المالقي،
стр. 1608
الضَّرير، صاحبُ التَّصانيف، ويُكْنَى أيضًا أبا الحسن، وأبا زيد، وسُهَيل المنسوب إليها: قرية قريبة من بلد مالقة، سُمِّيت بالكَوْكب سُهَيل، لأَنَّه لا يُرَى في جميع بلاد الأندلس إلّا من جبل مُطِلٍّ على هذه القَرْية يرتفع نحو دَرَجتين ويغيب (١).
ولد بإشبيلية سنة ثمانٍ وخمس مئة.
وأخذ القِراءات عن أبي داود الصَّغير سليمان بن يحيى وغيره، والنَّحْو عن أبي الحسين بن الطَّرَاوة، وسمع منه كثيرًا من كتب الْأدَب، وسمع أبا عبد الله بن معمر، والقاضي أبا بكر بن العَرَبي، وشُريح بن محمد، وأبا عبد الله بن مكِّي، وطائفة. وأجاز له أبو عبد الله ابن أُخت غانم.
عَمِيَ وهو ابن سبع عشرة سنة، وصنَّف كتاب "الرَّوْض الْأُنُف" (٢) على "السِّيرة"، وذكر أنَّه استخرجه من مئةٍ وعشرين مصنَّفًا، وكان من الأذكياء، وقد استُدْعِيَ من مالِقة إلى مَرَّاكُش ليأخذوا عنه.
روى عنه: الحافظ أبو محمد القُرْطبي، وأبو محمد غَلْبون، وأبو عمرو بن عيشون، وأبو الحسين بن السَّرَّاج، وأبو محمد بن عَطِيَّة، وأبو الخَطَّاب بن دِحْية، وآخرون.
وقيل: إنه ولي قَضاء الجماعة فَحُمِدَتْ سِيرَتُه.
стр. 1609
قال ابن دِحْية: كان يتسوَّغ بالعَفَاف ويتبلَّغ بالكفَاف، حتى نُمِيَ خَبَرُه إلى صاحب مَرَّاكُش، فطلبه، وأحسن إليه، وأقبل عليه، فأقام بها نحوًا من ثلاثة أعوام (١).
وقال أبو جعفر بن الزبير: كان واسعَ المَعْرفة، غزير العِلْم، نَحْويًّا، متقدَّمًا، لغويًّا، عالمًا بالتَّفْسير وصناعة الحديث، عارفًا بالرجال والأنساب، عارفًا بعِلْم الكلام وأصول الفِقْه، حافظًا للتاريخ القديم والحديث، ذكيًّا نبيهًا، صاحبَ اختراعات واستنباطات مستغربة، وله شِعْرٌ كثير (٢).
توفي بمَرَّاكُش في شعْبان سنةَ إحدى وثمانين وخمس مئة.
١٠٧٨ - عَبْدُ الحَقّ *
ابن عبد الرَّحمن بن عبد الله بن حُسين بن سعيد، العلَّامة، الحافظ، الحُجَّة، أبو محمد، الْأَزْدي، الإِشْبيلي.
стр. 1610
ولد سنة عشر وخمس مئة، وقيل: سنة أربع عشرة (١).
وروى عن: شُرَيح بن محمد، وأبي الحكم بن بَرَّجان، وأبي بكر بن مُدير، وطاهر بن عَطِيَّة، وجماعة.
وكتب إليه بالإِجازة الحافظ ابنُ عساكر وغيره، وسكنَ بِجَاية (٢) وقت الفتْنة، وولي الخَطَابة بها، وصنَّف التَّصانيف المفيدة.
روى عنه: خطيب القُدْس أبو الحسن عليُّ بن محمد المَعَافِري، وأبو الحَجَّاج بن الشَّيخ، وطائفة.
قال الحافظ أبو عبد الله الأبَّار: كان فقيهًا حافِظًا، عالِمًا بالحديث وعِلله، عارِفًا بالرِّجَال، موصوفًا بالخَير والصَّلاح والزُّهْد والورع، ولزوم السُّنَّة، والتقلُّل من الدُّنيا، مشارِكًا في الأدب وقَوْلِ الشِّعْر، قد صنَّف في الأحكام نسختين: كُبْرى وصغرى، سبقه إلى مثل ذلك أبو العَبَّاس بن أبي مَرْوان الشَّهيد بِلَبْلَة (٣) فحَظِيَ عبدُ الحقِّ دونه، وله في الجَمْع بين الصحيحين مصنَّف كبير، جمع فيه بين الكُتُب السّتَّة، وله كتاب "المُعْتَل من الحديث"، وكتاب في "الرَّقائق" ومصنَّفات أُخَرُ.
قال: وله في اللُّغة كتاب حافِل ضاهى به كتاب "الغريبين" للهَرَوي، حدَّثنا عنه جماعة من شيوخنا.
стр. 1611
قال ابنُ الزُّبير: كان يزاحم فحول الشُّعَراء، ولم يطلق عِنَانه في نُطْقه (١).
توفي ببجاية بعد محنة نالَتْه من قِبَلِ الدَّوْلة في ربيع الآخر سنة إحدى وثمانين وخمس مئة (٢)، ﵀.
١٠٧٩ - ابنُ حُبَيْش *
القاضي، الإمام، الحافظ، أبو القَاسم، عبد الرحمن بن محمد بن عُبيد الله بن يوسف، الْأَنْصَاري، الْأنْدَلسي، المَريِّي، نزيل مُرْسِية، وحُبَيش: هو خاله نُسب إليه.
وُلد بالمَرِيَّة سنة أربع وخمس مئة.
وقرأ بالرِّوايات على أحمد بن عبد الرحمن القَصَبي وغيره، وتفقَّه بأبي القاسم بن وَرْد (٣)، وأبي الحسن بن نَافع، وسمع منهما، ومن عبد الحق بن غالب، وعليِّ بن إبراهيم الْأَنْصَاري، وأبي الحسن بن موهب، ورحل إلى قُرْطُبة فسمع من يونس بن مغيث، وقاضي الجَمَاعة
стр. 1612
محمد بن أَصْبَغ، والقاضي أبي بكر (١) بن العربي، وأخَذَ الأدب عن محمد بن أبي زيد النَّحْوي.
ولما تغلبت الروم على المَرِيَّة سنة اثنتين وأربعين وخمس مئة [خرج إلى مُرْسية، ثم سكن جزيرة شَقْر، وولي القضاء والخطابة بها ثنتي عشرة سنة، ثم نقل إلى مُرْسية، وولي القضاء بها عام خمسة وسبعين وخمس مئة، فحُمدت أحكامه مع ضيق في خُلُقه، وكان من أعلام الحديث بالأندلس، بارعًا في معرفة غريبه، ولم يكن أحد يجاريه في معرفة الرِّجَال] (٢).
حدَّث عنه: أحمد بن محمد الطَّرَسُوسي، وأبو سُليمان بن حَوْط الله، ومحمدُ بن وَهْب الفِهْري، ومحمد بن إبراهيم بن صلتان، وخَلْقٌ كثير.
وروى عنه بالإِجازة الأستاذ أبو علي الشَّلْوْبين.
قال الأبَّار: سمعت أبا سليمان بن حَوْط الله يقول: سمعت أبا القاسم بن حُبَيش يقول إنه مَر عليه وقت يذكر فيه تاريخ أحمد بن أبي خيثمة أو أكثره.
وقال أبو عبد الله بن عيَّاد: كان عالمًا بالقرآن، إمامًا في عِلْم الحديث، عارفًا بعلله، واقفًا على رجاله، لم يكن بالأندلس من يجاريه
стр. 1613
فيه، أقَرَّ له بذلك أَهْلُ عَصْره، مع تقدُّمه في اللُّغة والأدب، واستقلالِهِ بغير ذلك من جميع الفنون.
قال: وكان له حَظٌّ من البلاغةِ والبيان، وكان صارمًا في أحكامه، جزلًا في أُموره، تصدَّرَ للإِقراء والتسميع والعربية، وكانت الرِّحْلة إليه في زمانه، وطال عُمُره، وله كتاب "المغازي" في عِدَّة مجلدات، حَمَلَه عنه النَّاس.
وقال ابن الزبير: هو أعلمُ أهلِ طبقته بصناعة الحديث وأبرعُهُمْ في ذلك؛ مع مشاركته في علوم، وكان من العلماء العاملين، أمْعَنَ النَّاس في الْأخْذِ عنه.
ذكر الأبَّار أنه مات بمُرْسِيَة في رابع عشر صفر سنة أربع وثمانين وخمس مئة، وكادَ يهلك أناسٌ من الزحمة على نَعْشه.
وفيها: مات الأمير الكبير مؤيّدُ الدولة أبو المُظَفَّر أُسامة بن مُرْشد بن علي بن مُقَلَّد بن نَصْر بن مُنْقِذ الكناني الشَّيزَرِيُّ، حامل لواء الأبطال، وشاعر الشام، وله سَبْعٌ وتسعون سنة. والمحدِّث أبو محمد عبد الله بن علي بن سُويدَة التِّكْرِيتي. والمعمَّر أبو القبائل عَشِير بن علي بن أحمد الجَبَلي، ثم المِصْري، وله مئة وسنتان. وشيخ الحَنَفِيَّة ببخارى عماد الدِّين أبو حفص (١) عمر بن بكر (٢) بن محمد الأنْصَاري الزَّرَنْجَرِيّ،
стр. 1614
ولد شمس الأئمة، وله تسعون سنة (١). والإِمام المحدِّث الجَوَّال، تاج الدين محمد بن عبد الرحمن بن محمد المَسْعُودي الخرَاساني الصُّوفي بدمشق، وله اثنتان وستون سنة. وشاعِرُ العِراق أبو الفَتْح محمد بن عُبيد الله بن التَّعَاويذِي. والمسند أبو عبد الله محمدُ بنُ علي بن صَدَقَة الحَرَّاني التَّاجر. والمسند العالم أبو الفرج يحيى بن محمود بن سَعْد الثَّقَفي الْأصْبَهاني.
١٠٨٠ - ابن الفَخَّار *
الإمام، الحافِظ، أبو عبد الله، محمد بن إبراهيم بن خَلَف، الأنْدْلُسي، المالِقي.
ولد سنة إحدى عشرة وخمس مئة.
وسمع أبا بكر بن العَرَبي ولازمه، وأبا جعفر البِطْرَوْجي، وشُرَيح بن محمد، وأبا مرْوان بن مَسرَّة، وطبقتهم.
قال الأبَّار: كان صَدْرًا في الحُفَّاظ، مُقَدَّمًا مَعْروفًا، يَسْرُد (٢) المتون والأسانيد، مع مَعْرِفةٍ بالرِّجال وحِفْظٍ للغريب، سَمِعَ منه جلَّة، وحدَّث عنه أئمة، سمِعْتُ أبا سليمان بن حَوْط الله يقول عن ابن الفَخَّار أنَّه حَفِظَ في شبيبته "سُنَنَ أبي داود"، فأما في مُدَّة لقائي إياه فكان يذكر "صحيح
стр. 1615
مُسْلم"، وكان مَوْصوفًا بالوَرَع والفَضْل، مُسَلَّمًا له في جلالة القَدْر، ومتانة العَدَالة، استُدْعي إلى حضرة السُّلْطان بمَرّاكُش ليسمع عليه بها، فتوفي هناك في شعبان سنة تسعين وخمس مئة (١).
وفيها: توفِّي الإمام أبو الخير أحمد بن إسماعيل الطَّالْقَاني ثم القَزْويني الواعِظ ببغداد، وله ثمانٍ وسَبْعون سنة. والمحدِّث الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله الأنْصَاري البَلَنْسي الزَّاهد، صاحب السِّلفي، كتب شيئًا كثيرًا. وأبو المُظفَّر عبد الخالق بن فيروز الهَمَذَاني الجَوْهري الواعِظ. والمحدِّث المُفيد أبو محمد عبد الوهَّاب بن علي بن الحبَقْبَق القُرَشي الزبيري الدمَشْقي الشُّروطي، والد كريمة (٢). وشيخ القُرَّاء الإِمام أبو محمد القاسم بن فِيرُّة بن خَلَف بن أحمد الرُّعَيني الشاطِبي بمِصْر، وله اثنتان وخمسون سنة. والفقيه أبو عبد الله محمد بن حمد بن عليّ الْأَصْبَهاني، المعروف بالمصلح، من أصحاب الحَدَّاد.
١٠٨١ - الشِّيرَازِيُّ *
الحافظ، الرَّحَّال، أبو يعقوب (٣)، يوسف بن أحمد بن إبراهيم،