قال ابنُ الزُّبير: كان يزاحم فحول الشُّعَراء، ولم يطلق عِنَانه في نُطْقه (١).
توفي ببجاية بعد محنة نالَتْه من قِبَلِ الدَّوْلة في ربيع الآخر سنة إحدى وثمانين وخمس مئة (٢)، ﵀.
١٠٧٩ - ابنُ حُبَيْش *
القاضي، الإمام، الحافظ، أبو القَاسم، عبد الرحمن بن محمد بن عُبيد الله بن يوسف، الْأَنْصَاري، الْأنْدَلسي، المَريِّي، نزيل مُرْسِية، وحُبَيش: هو خاله نُسب إليه.
وُلد بالمَرِيَّة سنة أربع وخمس مئة.
وقرأ بالرِّوايات على أحمد بن عبد الرحمن القَصَبي وغيره، وتفقَّه بأبي القاسم بن وَرْد (٣)، وأبي الحسن بن نَافع، وسمع منهما، ومن عبد الحق بن غالب، وعليِّ بن إبراهيم الْأَنْصَاري، وأبي الحسن بن موهب، ورحل إلى قُرْطُبة فسمع من يونس بن مغيث، وقاضي الجَمَاعة
стр. 1612
محمد بن أَصْبَغ، والقاضي أبي بكر (١) بن العربي، وأخَذَ الأدب عن محمد بن أبي زيد النَّحْوي.
ولما تغلبت الروم على المَرِيَّة سنة اثنتين وأربعين وخمس مئة [خرج إلى مُرْسية، ثم سكن جزيرة شَقْر، وولي القضاء والخطابة بها ثنتي عشرة سنة، ثم نقل إلى مُرْسية، وولي القضاء بها عام خمسة وسبعين وخمس مئة، فحُمدت أحكامه مع ضيق في خُلُقه، وكان من أعلام الحديث بالأندلس، بارعًا في معرفة غريبه، ولم يكن أحد يجاريه في معرفة الرِّجَال] (٢).
حدَّث عنه: أحمد بن محمد الطَّرَسُوسي، وأبو سُليمان بن حَوْط الله، ومحمدُ بن وَهْب الفِهْري، ومحمد بن إبراهيم بن صلتان، وخَلْقٌ كثير.
وروى عنه بالإِجازة الأستاذ أبو علي الشَّلْوْبين.
قال الأبَّار: سمعت أبا سليمان بن حَوْط الله يقول: سمعت أبا القاسم بن حُبَيش يقول إنه مَر عليه وقت يذكر فيه تاريخ أحمد بن أبي خيثمة أو أكثره.
وقال أبو عبد الله بن عيَّاد: كان عالمًا بالقرآن، إمامًا في عِلْم الحديث، عارفًا بعلله، واقفًا على رجاله، لم يكن بالأندلس من يجاريه
стр. 1613
فيه، أقَرَّ له بذلك أَهْلُ عَصْره، مع تقدُّمه في اللُّغة والأدب، واستقلالِهِ بغير ذلك من جميع الفنون.
قال: وكان له حَظٌّ من البلاغةِ والبيان، وكان صارمًا في أحكامه، جزلًا في أُموره، تصدَّرَ للإِقراء والتسميع والعربية، وكانت الرِّحْلة إليه في زمانه، وطال عُمُره، وله كتاب "المغازي" في عِدَّة مجلدات، حَمَلَه عنه النَّاس.
وقال ابن الزبير: هو أعلمُ أهلِ طبقته بصناعة الحديث وأبرعُهُمْ في ذلك؛ مع مشاركته في علوم، وكان من العلماء العاملين، أمْعَنَ النَّاس في الْأخْذِ عنه.
ذكر الأبَّار أنه مات بمُرْسِيَة في رابع عشر صفر سنة أربع وثمانين وخمس مئة، وكادَ يهلك أناسٌ من الزحمة على نَعْشه.
وفيها: مات الأمير الكبير مؤيّدُ الدولة أبو المُظَفَّر أُسامة بن مُرْشد بن علي بن مُقَلَّد بن نَصْر بن مُنْقِذ الكناني الشَّيزَرِيُّ، حامل لواء الأبطال، وشاعر الشام، وله سَبْعٌ وتسعون سنة. والمحدِّث أبو محمد عبد الله بن علي بن سُويدَة التِّكْرِيتي. والمعمَّر أبو القبائل عَشِير بن علي بن أحمد الجَبَلي، ثم المِصْري، وله مئة وسنتان. وشيخ الحَنَفِيَّة ببخارى عماد الدِّين أبو حفص (١) عمر بن بكر (٢) بن محمد الأنْصَاري الزَّرَنْجَرِيّ،
стр. 1614
ولد شمس الأئمة، وله تسعون سنة (١). والإِمام المحدِّث الجَوَّال، تاج الدين محمد بن عبد الرحمن بن محمد المَسْعُودي الخرَاساني الصُّوفي بدمشق، وله اثنتان وستون سنة. وشاعِرُ العِراق أبو الفَتْح محمد بن عُبيد الله بن التَّعَاويذِي. والمسند أبو عبد الله محمدُ بنُ علي بن صَدَقَة الحَرَّاني التَّاجر. والمسند العالم أبو الفرج يحيى بن محمود بن سَعْد الثَّقَفي الْأصْبَهاني.
١٠٨٠ - ابن الفَخَّار *
الإمام، الحافِظ، أبو عبد الله، محمد بن إبراهيم بن خَلَف، الأنْدْلُسي، المالِقي.
ولد سنة إحدى عشرة وخمس مئة.
وسمع أبا بكر بن العَرَبي ولازمه، وأبا جعفر البِطْرَوْجي، وشُرَيح بن محمد، وأبا مرْوان بن مَسرَّة، وطبقتهم.
قال الأبَّار: كان صَدْرًا في الحُفَّاظ، مُقَدَّمًا مَعْروفًا، يَسْرُد (٢) المتون والأسانيد، مع مَعْرِفةٍ بالرِّجال وحِفْظٍ للغريب، سَمِعَ منه جلَّة، وحدَّث عنه أئمة، سمِعْتُ أبا سليمان بن حَوْط الله يقول عن ابن الفَخَّار أنَّه حَفِظَ في شبيبته "سُنَنَ أبي داود"، فأما في مُدَّة لقائي إياه فكان يذكر "صحيح
стр. 1615
مُسْلم"، وكان مَوْصوفًا بالوَرَع والفَضْل، مُسَلَّمًا له في جلالة القَدْر، ومتانة العَدَالة، استُدْعي إلى حضرة السُّلْطان بمَرّاكُش ليسمع عليه بها، فتوفي هناك في شعبان سنة تسعين وخمس مئة (١).
وفيها: توفِّي الإمام أبو الخير أحمد بن إسماعيل الطَّالْقَاني ثم القَزْويني الواعِظ ببغداد، وله ثمانٍ وسَبْعون سنة. والمحدِّث الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله الأنْصَاري البَلَنْسي الزَّاهد، صاحب السِّلفي، كتب شيئًا كثيرًا. وأبو المُظفَّر عبد الخالق بن فيروز الهَمَذَاني الجَوْهري الواعِظ. والمحدِّث المُفيد أبو محمد عبد الوهَّاب بن علي بن الحبَقْبَق القُرَشي الزبيري الدمَشْقي الشُّروطي، والد كريمة (٢). وشيخ القُرَّاء الإِمام أبو محمد القاسم بن فِيرُّة بن خَلَف بن أحمد الرُّعَيني الشاطِبي بمِصْر، وله اثنتان وخمسون سنة. والفقيه أبو عبد الله محمد بن حمد بن عليّ الْأَصْبَهاني، المعروف بالمصلح، من أصحاب الحَدَّاد.
١٠٨١ - الشِّيرَازِيُّ *
الحافظ، الرَّحَّال، أبو يعقوب (٣)، يوسف بن أحمد بن إبراهيم،
стр. 1616
الصُّوفي، مُفِيد بغداد، وشيخ الصُّوفية بالربِّاط الأُرْجُواني (١)، وصاحِبُ "الأربعين البُلْدانية".
ولد سنةَ تسع وعشرين وخمس مئة ببغداد.
وسمَّعَه أبوه من إسماعيل بن السَّمَرْقَنْدي، ويحيى بن الطراح، والحافظ أبي سعد بن البَغْدَادي، وطلب بنفسه، فسمع هن الكَرُوخي، وابن ناصر، وطبقتهما، وسمع بكِرْمان من أبي الوقت، وبهَرَاة من عبد الجليل بن أبي سَعْد (٢)، وببَلْخ من أبي شُجَاع البِسْطامي، وسَمِعَ بالكُوفة وبالبَصْرة وواسط وهمَذَان وأَصْبَهان ونَيسَابور ودمشق وغيرها.
كتب عنه: أبو المواهب الحافظ، ووثَّقَه ابنُ الدُّبَيثي، وله رِحْلة واسعة، وكان صَدُوقًا، حُلْو المُحَاضرة، توصَّل إلى الدّوْلة، وذَهَبَ رسولًا عن الخليفة إلى الأطراف، وارتفعَتْ رُتْبته، وكَثرَ ماله، روى اليسير.
وتوفِّي في رمضان سنةَ خمسٍ وثمانين وخمس مئة.
وفيها: توفِّي مسند أَصْبَهان أبو العَبَّاس أحمد بن أبي منصور أحمد بن محمد بن ينَال، شيخ الصُّوفية، وله أكثر من تسعين سنة، تفرَّد بالرواية عن أبي مطيع الصحاف. ومحدِّث دمشق أبو الحسين أحمد بن حمزة بن أبي الحسن عليِّ بن المَوَازيني السُّلَمي الدِّمَشْقي، وله ثمانون سنة. والفَقِيه أبو الفَضْل أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن منصور الحَضْرَمي الإسكندراني، أخو القاضي محمد. والإِمام قاضي القُضَاة شرف الدِّين أبو سَعْد عبد الله بن محمد بن أبي عَصْرون التَّميمي المَوْصِلي الشافعي بدمشق، رحمهم الله تَعَالى.
стр. 1617
١٠٨٢ - الزَّيدِيُّ *
الحافظ، القُدْوة، العَابد، أبو الحسن، علي بن أحمد بن محمد بن عمر بن سَالم بن عُبيد الله بن الحسن، العَلَوي، الحُسَيني، من ولد زَيد بن علي، البغْدَادي، الشَّافعي، أحدُ الزُّهَّاد.
قطع أوقاته في العِبادة والعِلْم والكِتابة والطَّلَب، وكان متواضعًا، حَسَنَ الخُلُق والخَلْق، حُلْوَ العِبارة، جَوَادًا، سَمعَ الكثير وحَصَّل الْأُصول الكثيرة، وصنَّفَ، ووقَفَ جميع كُتُبِه.
سمع ابنَ ناصر، وابن الزَّاغُوني، وأبا الوَقْت السِّجْزي، وخَلْقًا، حتى كتبَ عن أصحاب ابن الحُصَين، والقاضي أبي بكر، وعن أقرانه، وعَمَّن هو دونه، وروى القليل.
سمع منه: إبراهيم بن الشَّعَّار، وداود بن علي بن المُسْلمة، وطائفة.
قال عبد الواحد بن مَسْعود بن الحُصَين: سمِعْتُ الشَّريفَ الزَّاهدَ عليَّ بنَ أحمد الزَّيدِي يقول: اجعلِ النَّوافل كالفَرَائض، والمعاصي كالكُفْر، والشَّهوات كالسُّمِّ، ومخالطة النَّاس كالنَّار، والغِذاء كالدَّواء.
وقال أبو البركات عمر بن أحمد: وُلد أخي أبو الحسن سنةَ تسعٍ وعشرين وخمس مئة.
стр. 1618
وقال أبو المحاسن عمر بن علي القُرَشي (١): وممن مات في شَوَّال سنةَ خمس وسبعين وخمس مئة في هذا الطاعون الشَّريفُ الزَّاهِدُ وليُّ الله أبو الحسن عليُّ بن أحمد الزَّيدي، وكان عالمًا حافِظًا عارِفًا، له المجاهدات الكثيرة، والمَعْرفة التَّامة، والأحوال والكرامات مما حدَّثني به الثِّقَات، وشاهَدْتُه؛ فلو أثبتُّه لقام من ذلك كراريس، دفن ليلًا بموضع وَقَفَه جِوار مَسْجِده، وكان رفيقي في السَّمَاع سنين كثيرة.
وقال ابن الدُّبَيثي: سمِعْتُ شيخنا ابن الأخضر يعظِّم شأنه، ويُثني عليه، ويصفُ زُهْده ودِينه، ﵀.
١٠٨٣ - أبو المَوَاهب *
الإِمام، الحافِظ، محدِّث دمشق، الحسن بن أبي الغَنَائم هِبَةُ الله بن محفوظ بن حسن بن محمد بن حسن بن أحمد بن الحسين بن صَصْرَى، الرَّبَعي، التَّغْلبي، البَلَدي الأصل، الدِّمَشْقي، المُعَدَّل.
ولد سنة سَبْعٍ وثلاثين وخمس مئة. وكان اسمه نصر الله فغيَّره.
سمع جدَّه أبا البركات، ونَصْرَ الله بن محمد المِصِّيصي، وأبا القاسم بن البُنّ الأسدي، وأبا يَعْلى حمزة بن كَرَوَّس، وصَحِبَ
стр. 1619
الحافظ ابن عساكر وتخرَّج به، وأكثر عنه، وغني بهذا الشأن، وكَتَبَ العالي والنَّازل، وجمع وصنَّفَ ورحل.
فسمع بحلب: من أبي طالب بن العَجَمي، وببغداد من ابن البَطِّي؛ وبهَمَذان من الحافظ أبي العلاء العَطَّار، وبتِبْريز من محمد بن أسعد حَفَدَة، وسَمِعَ بأصْبَهان وغيرها.
حدَّث عنه ولده أمين الدِّين سالم، وطائفة.
وروى القليل لأنه لم يعمّر، وعمل "مُعْجمه" في ستة عشر جُزْءًا، وصنَّف "فضائل الصَّحابة"، و"فَضَائل بيت المَقْدس"، و "عوالي ابن عُيينة"، و "رباعيات التَّابعين". ولما وقع الحريق في الكلاسة (١) احترق له جملة كتب.
وثَّقه أبو عبد الله الدُّبَيثي وغيره، وكان ليِّنَ الجانب، كَرِيمًا، حَسَنَ الخَطِّ، ورحل مَرَّة ثانية إلى بغداد بابنه سالم؛ فأسمعه من ابن شاتيل، وطبقته.
توفِّيَ سنة ستٍّ وثمانين وخمس مئة.
وفيها: مات العلَّامة أبو القاسم عبد الرَّحْمن بن محمد بن غالب الْأَنصَاري القُرْطُبي المُقْرئ بن الشراط، وله خَمْسٌ وسبعون سنة. والإمام المقرئ أبو الطَّيِّب عبد المنْعم بن يحيى بن خَلَف الحِمْيَري الغَرْنَاطي، المَعْروف بابن الخلوف. والمقرئُ أبو عبد الله محمدُ بنُ
стр. 1620
جعفر بن أحمد بن حُمَيد بن مأمون البَلَنْسي. والمسنِدُ الفقيه أبو عبد الله محمد بن سعيد بن أحمد بن سعيد الأنْصَاري، الإشبيلي المالكي، المعروف بابن زرْقون، وله أربع وثمانون سنة. والعَلَّامة أبو بكر محمد بن عبد الله بن يحيى بن الجدّ الفِهْري الإشبيلي المُقْرئ، الفقيه الحافظ، وله تسعون سنة وأشهر. والمحدِّث أبو الفَضْل مسعود بن علي بن النَّادر البَغْدَادي، وله سَبْعون سنة.
١٠٨٤ - الحَازِميُّ *
الإمام، الحافظ البارع، النَّسَّابة، أبو بكر، محمد بن موسى بن عُثْمان بن موسى بن عثمان بن حَازِم، الهَمَذَاني.
ولد سنة ثمانٍ وأربعين وخمس مئة.
وسمع من أبي الوقت السِّجْزي حُضُورًا، ومن أبي زُرْعة المَقْدسي، والحافظ أبي العلاء الهَمَذاني، ومَعْمَر بن الفاخر، وسمع ببغداد من أبي الحسين عبد الحق بن يوسف وغيره، وبالمَوْصل من الخطيب أبي الفَضْل الطُّوسي، وبأصْبَهان من أبي العَبَّاس التُّرْك،
стр. 1621
والحافظ أبي موسى المَدِيني، وسمع بواسط، والبَصْرة والحرمين والشَّام والجزيرة.
وكتب الكثير، وجمع وصنَّف وأتقن.
روى عنه: الحافظ أبو محمد عبد الخالق النِّشْتبْري، وعبد الله بن الحسن خطيب دِمْياط، وطائفة.
قال الدُّبَيثي: قَدِمَ بغداد وسكنَها، وتفقَّه بها في مَذْهب الشَّافعي، وجالس العُلَماء، وتميَّز، وفَهِمَ، وصار من أَحفظ النَّاس للحديث وأسانيده ورجاله، مع زُهْد وتعبُّد ورياضة وذِكْر، صنَّف في الحديث عِدَّة مصنفات، وأملى عِدَّة مجالس، وكان كثيرَ المحفوظ، حُلْو المُذَاكرة، يَغْلِب عليه معرفة أحاديث الأحكام، أملى طُرُق الأحاديث التي في "المُهَذَّب" وأسندها، ولم يُتمَّه (١).
وقال ابنُ النَّجَّار: كان من الْأئمة الحُفَّاظ العالمين بفقه الحديث ومعانيه ورِجَاله، ألَّف كتاب "النَّاسخ والمَنْسُوخ" (٢)، وكتاب "عُجَالة المبتدي" (٣)، في الأنساب، و "المُؤْتَلف والمُخْتَلف" في أسماء البلدان، وأسْنَدَ أحاديث "المُهَذَّب" لأبي إسحاق، وكان ثِقَةً حُجَّة نبيلًا
стр. 1622
زاهدًا، عابدًا، وَرِعًا، ملازمًا للخَلْوة والتَّصنيف وبثِّ العِلْم، أدركَه أجلُه شابًّا، سمِعْتُ محمد بن محمد بن محمد بن غانم الحافظ يقول: كان شَيخُنا الحافظ أبو موسى يفضِّل أبا بكر الحازمي على عبد الغَني المَقْدِسي (١)، ويقول: ما رأيت شابًّا أحفظَ منه.
قال ابنُ النَّجَّار: وسمِعْتُ بعضَ الأئمة يذكر أنَّ الحازِمي كان يحفظ كتاب "الإِكمال" في المؤتلف والمختلف ومُشْتَبِهِ النِّسبة؛ كان يكرَّرُ عليه.
وقال ابنُ النَّجَّار: سمِعْتُ أبا القاسم المقرئ جارَنا -وكان صالحًا- يقول: كان الحازِميُّ في رِباط البديع، فكان يَدْخُل بيتَه في كلِّ ليلة، ويطالع ويكتب إلى الفجر، فقال البديع للخادم: لا تدفع إليه الليلة بِزْرًا للسِّرَاج، لعله يستريح الليلة. قال: فلما جَنَّ الليل، اعتذر إليه الخادم لانقطاع البِزْر. فدخل بيتَه، وصفّ قدمية، ولم يزل يُصلي ويتلو إلى أنْ طَلَعَ الفجر، وكان الشيخُ خَرَجَ ليعلَم خبره، فوجده في الصَّلاة.
ماتَ في جُمَادى الأولى سنة أربعٍ وثمانين وخمس مئة، ﵀.
١٠٨٥ - أبو المَحَاسن *
القُرَشي، القاضي، الحافِظ، عمرُ بنُ علي بن الخَضِر بن عبد الله بن علي، الزُّبَيري، الدِّمَشْقِي، محدِّث بغداد.
стр. 1623
سمع بدمشق أبا الدُّرّ ياقوت بن عبد الله الرُّومي، وأبا القاسم بن البُنّ، وبحلب أبا طالب عبد الرحمن بن الحسن بن العَجَمي، وببغداد أبا الوقت السِّجْزِي، وأبا المُظَفَّر بن التُّرَيكي، وخَلْقًا، حتى روى عن أصحاب القاضي أبي بكر، وابن السَّمَرْقَنْدي. صَحِبَ الشيخ أبا النجيب السُّهْرَوَرْدي.
وناب في القَضَاء، ونُفِّذ رسولًا إلى صاحب الشام نور الدِّين، وله دون الثَّلاثين.
سمع منه: أبو بكر الباقداري، وأحمد بن أحمد البَنْدَنِيجي، وأبو الفتوح بن الحُصْري، وابنه أبو بكر عبد الله بن عمر.
قال الدُّبَيثي: ثِقَةٌ، حافِظ، عُني بطلب الحديث، وبالسَّمَاع، والكِتابة، وكتَبَ ببلده، وبحلب وحَرَّان والمَوْصل والحَرَمين وبغداد، ورُزق الفَهم في الحديث. أجاز لي مروياته.
مَوْلده بدمشق في سنة ستٍّ وعشرين وخمس مئة.
وتوفِّيَ في ذي الحِجَّة سنة خَمْسٍ وسبعين.
وفيها: مات أمير المؤمنين المُسْتضيئ بأمر الله حسن بن المستنجد بالله يوسف بن المُقْتفي العَبَّاسي. ومسندة بغداد أم عُتْب تَجَنِّي الوهبانيَّة. والمحدِّث أبو الحسين عبد الحقِّ بن عبد الخالق اليُوسُفي. والمسنِد الواعظ أبو المعالي بن خَلْدون بدمشق.
стр. 1624
١٠٨٦ - ابن خَيْر *
الإمام، الحافظ، المقرئ، أبو بكر، محمد بن خَير بن عمر بن خليفة، اللّمتوني، الإشْبيلي.
أتقن القِراءات على شُريح بن محمد، وسادَ أهل بَلَده، وسمع منه، ومن أبي مَرْوان الباجي، والقاضي أبي بكر بن العَرَبي، وبقُرْطُبة من أبي القاسم بن بَقِيّ، وابن مُغِيث، وجماعةٍ.
قال الْأبَّار: كان مُكْثرًا إلى الغاية، بحيث إنه سمع من رفاقه، وشيوخُه أكثر من مئة نَفْس، لا نعلم أحدًا من طبقته مِثْلَه، وتصدَّر بإشبيلية للإِقراء والإِسماع، وحَمَلَ النَّاس عنه كثيرًا، كان مقرئًا مجوِّدًا، ومحدِّثًا متقنًا، أديبًا، نَحْويًّا، لغويًّا، واسعَ المعرفة، رضىً مأمونًا، لما مات بيعت كتبُه بأغلى الأثمان لصحَّتها، ولم يكن له نظير في هذا الشأن، مع الحظ الأوفر [من] (١) علم اللسان.
توفِّيَ في ربيع الأول من سنةِ خمسٍ وسبعين وخمس مئة، وكانت جنازته مشهودة، وعاش ثلاثًا وسبعين سنة.
стр. 1625
١٠٨٧ - أبو عمر بن عَيَّاد *
يوسف بن عبد الله بن سعيد بن أبي زيد، الْأُستاذ، الحافظ، أبو عمر، الْأنْدَلسي، الرَّيي (١)، المُقْرئ.
ذكره الْأَبَّار، وأثنى عليه.
أخذ القِراءات عن: أبي عبد الله بن أبي إسحاق، وقَدِمَ بَلَنْسية سنةَ ثمانٍ وعشرين وخمس مئة، ولقي بها من القُراء أبا مروان بن الصَّيقل (٢)، وأبا الحسن بن هُذَيل، وغيرهما.
وسَمِعَ من: أبي الولد بن الدَّبَّاغ وغيره، وأجاز له أبو القاسم بن ورد (٣)، وأبو محمد بن عَطيَّة.
وكان معنيًّا بصِناعة الحديث، جمَّاعة للأجزاء والدَّواوين، كَتَبَ العالي والنَّازل، وكان يحفَظُ أخبار المشايخ، ويضبِطُ وفاتهمِ، ويدوِّن قصصهم، وكان قد شَرَع في تذييل "صِلَة" ابن بَشْكُوال، وصنَّف كتاب
стр. 1626
"الكفاية في مراتب الرِّواية"، وكتاب "المُرْتَضَى في شَرْح المنْتَقَى لابن الجارود"، و "شَرْح الشِّهَاب" و "الأربعين" في العِبادات، وغير ذلك. وكان من أهل التَّواضع والخير.
روى عنه: ابنُه محمد، وأبو الحَجَّاج بن عَبْدَة، وأبو محمد بن غَلْبون، وغيرهم.
استشهد عند كَبْسة العدو لريَّة يوم العيد سنة خمس وسبعين أيضًا (١)، وله سَبْعون سنة.
١٠٨٨ - القَاسِم *
ابن الحافِظ أبي القاسم، عليُّ بن الحسن بن هِبة الله، الحافِظُ، المحدِّث، بهاء الدِّين، أبو محمد بن عَسَاكر، الدِّمَشْقي، مصنِّف "فَضَائل بيت المَقْدس" (٢).
ولد سنة سَبْع وعشرين وخمس مئة.
стр. 1627
سمع أباه، وعمَّه الصَّائن (١)، وهِبَة الله بن طاوس، وأبا الفَتْح نصر الله بن محمد المِصِّيصي، وخَلْقًا كثيرًا، وأجاز له أبو عبد الله الفُرَاوي، والحسين (٢) بن عبد الملك الخَلَّال، وغيرهما.
روى عنه: أبو المواهب بن صَصْرَى، وأبو الحسن بن المفضَّل وأبو محمد الرُّهَاوي، وابن خليل، والشَّيخ عِزُّ الدِّين بن عبد السَّلام، والحافظ زين الدين خالد، وتقي الدِّين بن أبي اليُسْر، والكمال عبد العزيز بن عَبْدٍ، وخلْق. وأجاز لأحمد بن سَلامة، والمُسْلم بن عَلَّان.
وكان محدِّثًا، متوسِّط المَعْرفة، مُكْرِمًا للغُرَباء، كثيرَ المُزَاح، ردئَ الخَطِّ، وإنما ذُكِرَ في الحُفَّاظ لبقاء الحافظ عليه لَقبًا، وقد قُرئ عليه: حدَّثنا ابن لَهِيعة. فقال: لُهيعة -بالضَّم- فروجع، فلم يَرْجع.
قال ابنُ نُقْطة: هو ثِقَةٌ؛ لكنَّ خَطَّه لا يُشْبه خَطَّ أهل الضَّبْط.
وقال الحافظ المُنْذِري: قلتُ لشيخنا ابنِ المفضل: أقول حدَّثنا القاسم بن علي الحافظِ -بالكسر- صِفَةً لأبيه؟ فقال: قل بالضّم؛ اجتمعت به بالمدينة فأملى عليَّ أحاديثَ منْ حِفْظه، ثم بعث إليَّ أُصوله، فقابلتها، فوجدتها سواء.
وقد نَسَخَ القاسم بخطِّه تاريخ أبيه (٣)، وصنف كتابًا في الجهاد،
стр. 1628
وأملى مجالس، وخرَّج لنفسه الأبدال العالية؛ نقَّاها من مُصَنَّف أبيه، وكان يبالغ في التعصُّب لمقالة الأشعري من غير أن يعرفها، وولي مشيخة النورية (١) بعد أبيه، فلم يأخذ منها شيئًا، بل كان يعطيه لمن يَقْدَم عليه من الطَّلَبة.
ومات في تاسع صَفَر سنة ستِّ مئة.
وفيها: مات الإِمام منتخب (٢) الدِّين أبو الفتوح أسعد بن محمود بن خَلَف العِجْلي الأَصْبَهاني الشَّافعي، وله خَمْس وثمانون سنة. والمسنِد أبو المُعَمَّر بقاء بن عمر بن حُنَّد الْأَزَجي الدَّقَّاق. والمسنِدُ أبو القاسم شُجَاع بن معالي بن شدّقيني (٣) القَصَباني وله بضع وثمانون سنة. والعَلَّامة المسنِدُ أبو سعد عبد الله بن عمر بن أحمد بن الصَّفَّار النَّيسَابوري الشَّافعي، وله اثنتان وتسعون سنة. والعلامة رُكْن الدِّين الطَّاوسي (٤)، صاحِبُ الطَّريقة، واسمه العراقي بن محمد بن العراقي، مات بهَمَذَان، وكان يُضْرب به المَثَل في المُنَاظرة. والمسندة أُم عبد الكريم فاطمة بنت
стр. 1629
سَعْد الخير بن محمد الْأَنْصَارية بمِصْر. وأبو المعالي محمد بن صافي النَّقَّاش، وله اثنتان وثمانون سنة. والمسنِدُ أبو طاهر لاحق بن أبي الفَضْل بن قندَرَة الحَرِيمي الصُّوفي، وله ثمان وثمانون سنة، روى المسند عن ابن الحُصَين.
١٠٨٩ - ابن عبيد الله *
الحافِظُ، المتقِنُ، المقرئ، شيخ المَغْرب، أبو محمد، عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عُبيد الله، الحَجْري؛ حَجْر ذي رُعَين، الْأَنْدَلسي، المَرِيِّي، نزيل سَبْتة.
ولد سنة خمسٍ (١) وخمس مئة.
وسمع من: أبي عبد الله بن زُغَيبة "صحيح مسلم" وسَمِعَ من أبي القاسم بن ورد، وأبي الحسن بن موهب الجُذَامي، ولقي بقُرْطُبة أبا القاسم بن بَقِي، وأبا الحسن بن مُغيث، وأبا جعفر البِطْرَوْجي، وأبا بكر بن العَرَبي. وقرأ "صحيح البُخَاري" على شُرَيح في سنة أربع وثلاثين، فحضره ثلاث مئة نفر، وسَمِعَ أيضًا من محمد بن عبد العزيز الكِلابي، وجعفر بن محمد البُرْجي، ويحيى بن خَلَف بن الخلوف، وغيرهم. وعُني بهذا الشأن وقرأَ بالسَّبْع على شريح، وغيره.
стр. 1630
روى عنه: أبو عمر، ومحمد بن محمد بن عيشون، وأبو الخطاب بن دَحْية (١)، ومحمد بن عبد الله الأَزْدي، وخلْقٌ.
قال الْأبَّار: كان غايةً في الوَرَع، والصَّلاح والعَدَالة، ولي الصَّلاة، والخُطْبة بجامع المَرِيَّة، وكان يعرف القِراءات، ودُعي إلى القَضَاء، فأَبَى، وانتقل بعد تغلُّب العَدُوِّ إلى مُرْسِيَة، ثم تحوَّل إلى فَاس، واستقر بسَبْتَة، يقرئُ بها ويحدِّث حتى بَعُدَ صيته، وعلا ذِكْره، وارتحلوا إليه (٢).
قال: وكان له بَصَرٌ بصِنَاعة الحديث، موصوفًا بجودة الفَهْم، استُدْعِيَ إلى مَرَّاكُش، وسمع منه السُّلْطان، حدَّثنا عنه عالم من الجِلَّة (٣).
ذكر غيره أنه كان صاحب كرامات.
[قال غيره: مات في آخر المحرم سنة إحدى وتسعين وخمس مئة. وفيها] (٤): ماتَ أبو العباس أحمد بن أبي منصور محمد بن محمد بن الزِّبْرِقان الْأَصْبَهاني، وله إحدى وتسعون سنة. والمسند أبو القاسم ذاكر بن كامل بن أبي غالب الخَفَّاف. ومقرئ مصر أبو الحسن شجاع بن محمد ابن سيدهم المُدْلجي. ومقرئ العراق أبو جعفر عبد الله بن أحمد الواسطي، صاحب أبي عبد الله البارع. والمسند أبو المحاسن محمد بن الحسن، الْأصْبَهاني التاجر المعروف بالْأصفَهْبَذ، وقد قارب الثَّمانين. ومقرئ المَغْرب أبو الحسن نَجَبَة بن يحيى الرُّعَيني، الإِشْبيلي؛ صاحب شريح.
стр. 1631
١٠٩٠ - عبد الغَنِيّ *
ابنُ عبد الواحد بنِ علي بن سرور بن رافع (١) بن حسن بن جعفر، الإمام، الحافظ الكبير، محدِّث الإِسلام، وأَحَدُ الأئمة الأعلام، تقي الدين، أبو محمد، المَقْدسي، الجَمَّاعيلي (٢)، ثم الدِّمَشْقي، الحَنْبَلي، الصَّالحي، صاحبُ التَّصانيف النَّافعة.
ولد سنة إحدى وأربعين وخمس مئة (٣)، هو وابن خاله (٤) الشيخ موفق الدين بجمَّاعيل، واصطحبا مُدَّةً في أوَّل اشتغالهما ورحلتهما.
سمع أبا المكارم بن هلال بدمشق، وهِبَة الله بن هلال، وابن
стр. 1632
البَطِّي، وطبقتهما ببغداد، وأبا طاهر السِّلَفي بالثَّغْر -وأقام عنده ثلاث سنين، ولعلَّه كتبَ عنه أَلف جُزْء- وعليَّ بن هبة الله الكاملي بمِصْر، وأبا الفَضْل الطُّوسي بالموصل (١)، وعبد الرزاق بن إسماعيل القُومَسَاني بهَمَذَان، والحافظ أبا موسى المَدِيني وغيره بأصبهان.
وكَتَبَ ما لا يوصف كثرة، وما زال ينسخ، ويصنِّف، ويحدِّث، ويعلِّم، ويَعْبُد الله، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، لا تأخذه في الله لومةُ لائم؛ حتى انتقل إلى رَبِّه، ﵁.
روى عنه ابناه: أبو الفتح، وأبو موسى، والشيخ موفق الدين، وعبد القادر الرُّهَاوي، والشيخ الضِّياء، وابن خليل، والفقيه اليونيني، وابنُ عبد الدائم، ومحمد بن مهلهل الجِيتي (٢)، وآخرون.
قال ابنُ النَّجَّار: حدَّث بالكثير، وصنَّف في الحديث تَصَانيف حسنة، وكان غزيرَ الحِفْظ مِنْ أهل الإِتقان والتجويد، قيِّمًا بجميع فنون الحديث.
قال: وكان كثيرَ العِبادة، وَرِعًا، متمسكًا بالسُّنَّة على قانون السَّلَف، تكلَّم في الصِّفَات والقرآن بشيءٍ أنكره أهلُ التَّأْويل من الفُقَهاء، وشَنَّعوا عليه، فَعُقِدَ له مجلس بدار السُّلْطان بدمشق؛ فأَصَرَّ، وأباحوا قتله، فَشَفعَ فيه أمراءُ الأكراد على أَنْ يَنْزَحَ من دمشق، فذهب إلى مصر، وأقام بها خاملًا إلى حين وفاته.
стр. 1633
وقد كتب الحافظ أبو موسى المَدِيني: يقول أبو موسى عفا الله عنه: قَلَّ مَنْ قَدِمَ علينا من الأصحاب من يفهم هذا الشأن كفهم الإمام ضياء الدين (١) عبد الغني بن عبد الواحد المَقْدسي زاده الله توفيقًا، وقد وُفِّق لتبيين هذه الغَلَطات؛ يعني التي في كتاب "معرفة الصَّحابة" لأبي نعيم.
قال: ولو كان الدَّارَقطْني في الأحياء وأمثاله لصوَّبوا (٢) فعله، وقَلَّ من تفهَّم في زماننا لما فهمه.
وقال الحافظ ضياء الدين: ثم سافر الحافظُ إلى أَصْبهان، وكان خَرَج وليس معه إلا قليل فلوس، فسهَّل الله من حَمَله، وأنفق عليه؛ فأقام بأَصْبَهان مُدَّة، وحصَّل بها الكتب الجيِّدة، وكان ليس بالأبيض الْأَمْهَق (٣) يميل إلى سُمْرة، حسن الثَّغْر، كثّ اللِّحية، واسع الجبين، عظيم الخلق، تام القامة، كان النُّورَ يخرج من وجهه، ضَعُفَ بَصره من كثرة الكتابة والبكاء، صنَّف "المِصْباح" في ثمانية وأربعين جُزْءًا، مشتمل على أحاديث الصحيحين، وكتاب "نهاية المراد" في السنن نحو مئتي جُزْء لم يبيضه، ثم سَرَدَ أسماء مؤلفاته، وذكر ترجمته في عِدَّة كراريس.
وقال: كان لا يكاد أَحَدٌ يسأله عن حديثٍ إلا ذكره له وبيَّنَه،
стр. 1634
ولا يُسأل عن رجل إلا قال: هو فلان بن فلان، وبيَّن نسبه، فأقول: كان أميرَ المؤمنين في الحديث، سمِعْتُه يقول: نازعني رَجُلٌ في حديث بحضرة أبي موسى. فقال: هو في البُخَاري، وقلت: ليس هو فيه. فكتَبَ الحديث في رُقْعة، ورفعها إلى أبي موسى يسأَلُه، فناولني أبو موسى الرُّقْعة، وقال: ما تقول؟ فقلت: ما هو في البُخَاري. فَخَجِلَ الرجل.
وقال الشيخ موفق الدِّين: كان رفيقي، وما كُنَّا نستبق إلى خيرٍ إلَّا سبقني إليه إلا القليل، وكَمَّلَ الله فضيلته بابتلائه بأذى أهل البِدْعة وقيامهم عليه، ورُزِق العِلْم، وتحصيل الكتب الكثيرة، إلا أنَّه لم يَعْمَرْ حتى يبلغ غرضَه في روايتها ونشرها.
وقال الشيح الضِّياء: سمعت إسماعيل بن ظفر يقول: جاء رجل إلى الحافظ عبد الغني، فقال: رجل حَلَف بالطَّلاق أنك تحفظ مئة ألف حديث. فقال: لو قال أكثر لصَدَق.
وشاهدتُ الحافظ غيرَ مَرَّةٍ بجامع دمشق يسأله بعض الحاضرين -وهو على المِنْبر- اقرأ لنا أحاديثَ من غير الجُزْء. فيقرأ الأحاديث علينا بأسانيدها عن ظهر قَلْبه. وقيل له: لم لا تقرأ دائمًا من غير كتاب؟ قال: أخاف العُجْب.
وسمعْتُ أبا محمد عبد العزيز الشَّيباني يقول: سمعت التَّاج الكِنْدي بقول: لم يكن بعد الدَّارَقُطْني مثل الحافظ عبد الغني المَقْدسي.
وقال الفقيه محمود بن هَمَّام: سمعت الكِنْدي يقول: لم يَرَ الحافظ عبد الغني مِثْلَ نفسه.
стр. 1635
وقال ربيعة اليمنى: قد رأيتُ أبا موسى المَدِيني، وهذا الحافظ عبد الغني أحفظ منه.
قال الشيخ الضِّياء: كل من رأينا من المحدثين يقول: ما رأينا مِثْلَ الحافظ عبد الغني. وهو الذي حرَّضني على السَّفَر إلى مِصْر، وبَعَثَ معنا ابنه عبد الرحمن [وهو] (١) ابن عشر سنين، وهو الذي سفَّر إسماعيل بن ظفر، وأعطاه، فسار إلى أَصْبهان، وإلى خُرَاسان، وحرَّض يوسف بن خليل على الرِّحْلة، وكان يقرأ الحديث ليلة الخميس وبعد الجمعة بجامع دمشق، ويجتمع خَلْقٌ، ويبكي الناس كثيرًا، ثم يطوِّل لهم الدعاء.
قال: وكان الحافظ لا يضيِّع شيئًا من زمانه، كان يصلِّي الفجر، ويلقن القرآن، وربما لقَّن الحديث، ثم يقوم فيتوضأ، ويصلي ثلاث مئة رَكْعة بالفاتحة والمعوِّذتين (٢) إلى قُبَيل الظهر، فينام نومة، ثم يصلي الظهر، ويشتغل بالتسميع أو النسخ إلى المغرب، فيفطر إن كان صائمًا، ويصلِّي العِشاء، ثم ينام إلى نصف الليل وبعده، ثم يتوضأ ويصلي، ثم يتوضأ ويصلي إلى قريب الفجر، وربما توضأ سبع مَرَّاتٍ أو أكثر، ويقول: تطيب لي الصلاة ما دامت أعضائي رَطْبة. ثم ينام نومة خفيفة قبل الفجر، وهذا دأبه.
قال: وكان جَوَادًا، كريمًا، لا يدَّخر شيئًا ولا دِرْهمًا. وقيل: كان يخرج في اللَّيل بقِفَاف الدَّقيق، فإذا فتحوا له ترك ما معه ومضى؛
стр. 1636
لئلا يُعْرف، وربما كان عليه ثوب مرقع. سمعت بدر بن محمد الجَزَريَّ (١) يقول: ما رأيت أحدًا أكرم من الحافظ؛ لقد أوفى عني غير مَرَّة. وسمعتُ سليمان الإسْعِرْدي (٢) يقول: بعث الأفضل (٣) إلى الحافظ بنفقة وقمح كثير ففرَّق الجميع.
وحكى رَجُلٌ أنه شاهد الحافظ في الغلاء (٤) بمصر ثلاث ليال [يؤثر بعشائه ويطوي] (٥).
وكان ﵀ لا يرى مُنْكرًا إلا غَيَّره بيده أو بلسانه، وكان لا تأخذه في الله لومةُ لائم، رأيتُه مَرَّة يريق خمرًا، فسل صاحبُه السيف فلم يَخَفْ، وكان قويًّا؛ فأخذ السيف من الرجل، وكان يكسِّر الشبابات والطَّنابير، وشاهدتُ بخطِّه يقول: والملك العادل (٦) ما رأيتُ منه
стр. 1637
إلا الجميل، أقبل عليَّ وقام لي، والتزمني، ودَعَوْتُ له، وقلتُ: عندنا قصور يوجب التقصير فقال: ما عندك تقصير ولا قصور. وذكر أمر السُّنَّة فقال: ما عندك شيء يُعاب في أمر الدِّين ولا الدُّنيا، ولا بدَّ للناس من حاسدين. وبلغني عنه بعد ذلك أنه ذُكر عنده العلماء فقال: ما رأيتُ مثل فلان، دخل عليَّ فَخُيِّلَ إليَّ أنَّه أسدٌ قد دخل علي.
قال الشيخ الضِّياء: وكان المبتدعة قد وَغِروا صَدْرَ العادل على الحافظ، وتكلَّموا فيه عنده، وكان بعضُهم يقول: ربما يقتله إذا دخل عليه. وسمِعْتُ أن بعضهم بذل في قتل الحافظ خمسة آلاف دينار. قال: وسمعت أبا بكر بن أحمد الطَّحان يقول: جعلوا الملاهي عند درج جيرون (١)، فجاء الحافظ فكسر كثيرًا منها، وصَعِدَ المنبر، فجاءه رسول القاضي يطلبه ليناظره في الدَّفِّ والشّبَّابة، فقال: ذاك حرام، ولا أمشي إليه، إن كان له حاجة يجيء هو. قال: فعاد الرسول يقول: لا بد من مجيئك، قد بطلت (٢) هذه الأشياء على السلطان. فقال: ضرب الله رقبته ورقبة السُّلْطان. فمضى الرسول وخفنا من فتنة، فما أتى أحد بعد.
سمعتُ محمود بن سلامة الحَرَّاني بأَصْبَهان يقول: كان الحافظ بأَصْبَهان يخرج فيصطفُّ الناس في السوق ينظرون إليه، ولو قام بأصبهان مُدَّة، وأراد أن يملكها لملكها؛ يعني من حبِّهم له ورغبتهم [فيه] (٣).
стр. 1638
قال الضِّياء: وكنا بمِصْر نخرج معه إلى الجمعة فلا نقدر نمشي معه من زحمة النَّاس يتبركون به، ويجتمعون حوله، سمعت الرضى عبد الرحمن بن محمد أنه سمع الحافظ يقول: سألت الله أن يَرْزُقَني حال الإمام أحمد، فقد رزقني صلاته.
قال: ثم ابْتُلي بعد ذلك، وامتحن، سمعت الإمام عبد الله بن أبي الحسن الجُبَّائي (١) يقول: أخذ الحافظ عبد الغني على أبي نُعَيم في مئتين وتسعين موضعًا، فطلبه الصَّدْر بن الخُجَنْدِي (٢) وأراد هلاكه، فاختفى الحافظ، وسمعت محمود بن سلامة يقول: ما أخرجناه إلا في إزار.
وسمعت الحافظ يقول: كنا بالمَوْصل نسمع كتاب "الضُّعفاء" للعُقَيلِي، فأخذني أهل المَوْصل وحبسوني، وأرادوا قتلي من أجل ذكر رجل فيه (٣)، فجاءني رجل طويل بسيفٍ فقلت: لعله يقتلني وأستريح. قال: فلم يصنع شيئًا، ثم أُطلقت. وكان يسمعه معه ابن البَرْني فأخذ الكُرَّاس الذي فيه ذِكر الرجل، ففتشوا الكتاب فلم يجدوا شيئًا، فأُطلق.
قال الضِّياء: وكان الحافظ يقرأ الحديث بدمشق، ويجتمع الخَلْق عليه، فَحُسِدَ، ثم ذكر أنهم عملوا عليه، ورفعوا منبره، واجتمعوا
стр. 1639
وناظروه، وأمروه أن يكتب خطه بما يوافقهم فلم يفعل، ثم ذكر محنته، وما جرى له مع الكامل والعادل والأفضل، وذكر خروجه إلى بَعْلَبَك، ثم توجهه إلى مِصْر، وأطال في ذلك، وقال: بلغني أن الحافظ أمر أن يكتب اعتقاده، فكتب: أقول كذا لقول الله تعالى كذا، وأقولَ كذا لقول النبي ﷺ كذا حتى فرغ من المسائل، فلما وقف عليها الكامل قال: أيش أقول في هذا؛ يقول بقول الله ورسوله. فخلَّى عنه.
وسمعت أحمد بن محمد بن عبد الغني يقول لي: رأيت أخاك الكمال عبد الرحيم في النَّوْم. فقلت: أين أنت؟ قال: في جنَّة عَدْن. فقلت: أيما أفضل الحافظ عبد الغني أو الشيخ أبو عمر؟ فقال: ما أدري، وأما الحافظ فكلُّ ليلة جُمُعة يُنصب له كرسي تحت العَرْش يقرأُ عليه الحديث، وينثر عليه الدُّرُّ، وهذا نصيبي منه. فأشار إلى كُمِّه.
سمعت أبا موسى (١) يقول: مَرِضَ والدي أيامًا، ووضأته وقت الصُّبْح، فقال: يا عبد الله، صلِّ بنا وخفِّف. فصلَّيتُ بالجماعة، وصلَّى معنا جالسًا، ثم قال: اقرأ عند رأسي ﴿يس﴾، فقرأتُها، وقلت: هنا دواء تشربه؟ فقال: ما بقي إلا الموت. فقلت: ما تشتهي شيئًا؟ قال: أشتهي النَّظر إلى وجه الله. فقلت: ما أنت عني راض؟ قال: بلى. وجاؤوا يعودونه، وجعلوا يتحدثون؛ ففتح عينيه وقال: ما هذا؟ ! اذكروا الله، قولوا: لا إله إلا الله. ثم دخل رجل؛ فقمتُ لأناوله كتابًا من جانب المسجد؛ فرجعت وقد توفِّي يوم الاثنين الثالث والعشرين من ربيع الأول سنة ست مئة، ﵀.
стр. 1640
١٠٩١ - عبد الله بن أحمد *
ابن محمد بن قُدَامة بن مقدامة (١) بن نَصْر، الإمام، الحافظ، الفقيه، شيخ الإِسلام، موفق الدِّين، أبو محمد، المَقْدسي، الجَمَّاعِيلي (٢)، ثم [الدِّمَشْقي، الصَّالحي، الحَنْبلي، صاحب "المغني"] (٣).
ولد بجَمَّاعيل في شعبان سنة إحدى وأربعين وخمس مئة، وهاجر مع أقاربه وله عَشْر سنين، وحَفِظ القرْآن، ولزم الاشتغال من صِغَره، إلى أن صَار من بحور العِلْم.
ورحل في أول سنة إحدى وستين في طلب العِلْم إلى بغداد؛
стр. 1641
فأدرك نحو أربعين يومًا من حياة الشيخ عبد القادر (١)، ونزل عنده بالمدرسة، واشتغل عليه تلك الأيام، وسمِعَ منه، ومن هبة الله بن الحسن الدَّقَّاق، وأبي الفتح بن البَطِّي، ومَعْمر بن الفاخر، وشُهْدَة الكاتبة، ويحيى بن ثابت، وجماعة. وسَمِعَ بدمشق من أبي المكارم بن هِلال وغيره، وبالمَوْصل من خطيبها أبي الفَضْل الطُّوسي، وبمكة من المبارك بن الطَّبَّاخ.
وتلا بحرف نافع على أبي الحسن البطَائحي، وبحرف أبي عمرو على أبي الفتح بن المَنِّي.
حدَّث عنه: البهاء عبد الرحمن، والحافظ ضياء الدين، وابن نُقْطة، وابن خليل، وابن النَّجَّار، وأبو شامة، وابن عبد الدائم، وإسماعيل بن الفَرَّاء، وخَلْق.
قال ابن النجار: كان إمامَ الحنابلة بجامع دمشق، وكان ثِقَةً حُجَّة نبيلًا، غزير الفَضْل، نَزِهًا، ورعًا، عابدًا على قانون السَّلَف، عليه النُّور والوَقار، وينتفع الرجل برؤيته قبل أن يسمعَ كلامه.
وقال ابنُ الحاجب: هو إمام الْأَئمة، ومفتي الْأُمة، خصَّه الله بالفَضْل الوافر، والخاطر الماطر، والعِلْم الكامل، طنَّتْ بذكره الأمصار، وضنَّتْ بمثله الأعصار، وأخذ بمجامع الحقائق النَّقلية والعقلية.
стр. 1642
قال: وله المؤلفات الغزيرة، وما أظن الزمان يسمح بمثلِه، كان متواضعًا، حَسَنَ الاعتقاد، ذا أناةٍ وحِلْم ووَقَار، وكان مجلسه معمورًا بالفُقهاء والمحدِّثين، وكان كثير العِبادة، دائم التهجد، لم ترَ مثلَه، ولم ير مثل نَفْسه.
وذكر الحافظ ضياء الدِّين سيرته في جُزْأين، وقال: كان تام القَامة، أبيضَ، مشرق الوجه، أَدْعَجَ (١)، كانَّ النُّور يخرج من وجهه لحُسْنِه، واسعَ الجبين، طويل اللِّحية، قائمَ الأنف، مقرون الحاجبين، صغيرَ الرأس، لطيف اليدين والقَدَمين، نحيفَ الجسم، ممتَّعًا بحواسه، أقام هو والحافظ (٢) ببغداد أربع سنين؛ فأتقنا الفِقْه والحديث والخلاف، أقاما عند الشيخ عبد القادر، ثم عند ابن الجوزي، ثم انتقلا إلى رباط النَّعَّال، واشتغلا على ابن المَنِّي، ثم سافر في سنة سبع وستين ومعه الشيخ العِماد (٣)، وأقاما سنة.
قال الحافظ ضياء الدين: رأيتُ أحمدَ بن حنبل في النَّوْم؛ فألقى علي مسألةً، فقلت: هذه في الخِرَقي (٤). فقال: ما قصَّر صاحِبُكم الموفَّق في شرح الخِرَقي.
стр. 1643
وقال أيضًا: وكان ﵀ إمامًا في التفسير، وفي الحديث ومشكلاته، إمامًا في الفِقْه، بل أوحد زمانه فيه، إمامًا في علم الخلاف، أوحد في الفرائض، إمامًا في أصول الفِقْه، إمامًا في النحو والحساب والأنجم السَّيَّارة والمنازل. سمِعْت الحافظ أبا عبد الله اليُونيني (١) يقول: أما ما علمته من أحوال شيخِنا وسيدنا موفق الدين فإني إلى الآن ما أعتقد أن شخصًا ممن رأيتُه حَصَل له من الكمال في العلوم والصِّفَات الحميدة التي يحصل بها الكمال سواه؛ فإنه كان كاملًا في صورته ومعناه من حيث الحُسْن والإِحسان، والحِلْم والسُّؤدُد، والعلوم المختلفة والأخلاق الجميلة؛ رأيت منه ما يعْجِزُ عنه كبارُ الأولياء.
وقال الشيخ الضِّياء: كان لا يناظر أحدًا إلا وهو يبتسم، وبقي يجلس زمانًا بعد الجُمعة للمناظرة، ويجتمع إليه الفقهاء، وكان يُشْغل (٢) إلى ارتفاع النهار، ومن بعد الظهر إلى المغرب، ولا يضجر، ويسمعون عليه، وكان يقرئ في النحو، وكان لا يكاد يراه أحد إلا أحبَّه، وما عَلِمْتُ أنه أوجعَ قلبَ طالبٍ، وكانت له جارِيَة تؤذيه بخلُقِها فما يَقول لها شيئًا، وكان أولاده يتضاربون وهو لا يتكلم، وكان حَسَنَ الأخلاق لا يكاد يراه أحد إلا مبتسمًا، يحكي الحكايات ويمزح، وسمعت البهاء يقول: ما رأيت أكثر احتمالًا منه، وسمِعْتهُ يصفه بالشجاعة، وقال: كان
стр. 1644
يَتقدَّم إلى العدو وجُرح في كَفِّه، وكان يرامي العدو، وكان لا ينافس أهل الدُّنيا، ولا يكاد يشكو، وربما كان أكثر حاجةً من غيره، وكان يُؤثر.
وقال الضِّياء: وكان يصلي بخشوعٍ، ولا يكاد يصلي سُنَّة الفجر والعشاءين إلا في بيته، وكان يصلي بين العشاءين أربعًا "بالسجدة"، و"يس"، و"الدخان"، و"تبارك"، لا يكاد يَخُلُّ بهن، ويقوم السَّحَر بسُبُعٍ، وربما رفع صوته، وكان حَسَنَ الصَّوْت.
قال: وجاءه من بنت عمته مريم المَجْدُ عيسى، ومحمد، ويحيى، وصفية، وفاطمة، وله عَقبٌ من المجد، ثم تسرَّى بجارية ثم بأخرى، ثم تزوَّج عِزّية (١) فماتت قبله، وانتقل إلى رحمة الله يوم السبت يوم الفِطْر، ودُفن من الغد سنة عشرين وست مئة، وكان الخَلْق لا يحصون.
١٠٩٢ - البَاقِدَاري *
العالم، الحافظ، أبو بكر، محمد بن أبي غالب بن أحمد بن مَرْزوق، البَغْدَادي، الضَّرير.
قدم من باقِدَارَى (٢)، وسمع من أبي محمد سِبْط الخيَّاط، وأبي بكر بن الزَّاغُوني، وابن ناصر، وطبقتهم.
стр. 1645
قال أبو الفتوح بن الحُصْري: كان آخرَ مَنْ بقي من حُفَّاظ الحديث الأئمة.
وقال ابن الدُّبَيثي: انتهى إليه مَعْرفة رِجال الحديث وحفظه، وعليه كان المعتمد فيه، سمِعْت غيرَ واحدٍ من شيوخنا يذكرون أبا بكر الباقِدَاري، ويصفونه بالحِفْظ ومعرفة الرِّجال والمتون مع كونه ضريرًا مقصورًا إلا أنه كان حُفَظَةً حَسنَ الفَهْم، بلغني أن ابن ناصر كان يراجِعُه في أشياء ويصير إلى قوله.
وقال أبو محمد المُنْذِري: كان أحدَ حُفاظ الحديث المشهورين بمعرفة الرِّجال والتقدُّم مع ضرره.
مات في آخر سنة خمس وسبعين وخمس مئة كهلًا، وانتهى علوُّ الرواية إلى ابنته عجيبة (١) في وقتها.
١٠٩٣ - ابن الحُصْري *
الإمام، الحافظ، شيخ القراء، برهان الدِّين، أبو الفتوح، نَصْرُ بن أبي الفَرَج محمد بن علي، البَغْدَادي، الحَنْبلي، نزيل مكَّة، وإمام الحَطِيم.
стр. 1646
تلا بالرِّوايات على ابن الشَّهْرُزوري (١)، وسمع من أبي الوقت، وابن الزَّاغُوني، وأبي طالب العَلَوي، وأبي محمد بن المادح، وابن البطِّي، وأبي زُرْعة المَقْدسي، وخَلْق.
وعني بهذا الشأن، وكتب الكثير.
روى عنه: الحافظ ضياء الدِّين، وابن خليل، وتاج الدين علي بن القَسْطلاني، وجماعة آخرهم المقداد القيسي.
قال ابنُ النَّجَّار: قرأ بالرِّوايات على جماعةٍ -وسمَّاهم- وكان حافظًا حُجَّة نبيلًا، من أعلام الدِّين، جمَّ العِلْم، كثير المحفوظ، كثير التعبد والتهجد.
وقال المُنْذِري: حَصَّل مِن الأدب طَرَفًا حسنًا، وكان يسمع ويقرأ، ويفيد الغرباء وغيرهم، جَاور عشرين سنة (٢).
وقال الدُّبَيثي: كان ذا مَعْرفةٍ بهذا الشَّأْن، ونعْمَ الشيخُ كان عبادةً وثقةً.
وقال ابن نُقْطة: كان حافِظًا ثِقَةً مكثرًا متقنًا.
وقال ابن مَسْدِي: كان أحدَ الأئمة الأثبات، مشارًا إليه بالحِفْظ، قَصَد اليمن؛ فأدْركه الأجل بالمَهْجم (٣) في ربيع الآخر.
стр. 1647
وقال الحافظ ضياء الدين: توفِّيَ شيخُنا الحافظ الإمام إمام الحرم أبو الفتوح بالمَهْجَم في المحرَّم سنةَ تسع عشرة وست مئة (١).
١٠٩٤ - ابن الْأَخْضر *
الإِمام، الحافظ، المُسْنِد، محدِّث العراق، أبو محمد، عبد العزيز بن محمود بن المبارَك، الجُنابِذي (٢)، ثم البَغْدادي.
ولد سنةَ أربعٍ وعشرين وخمس مئة (٣).
وسمع باعتناء أبيه من القاضي أبي بكر الْأَنْصَاري، وأبي القاسم بن السَّمَرْقَنْدي، ويحيى بن الطّرَّاح، وعبد الوَّهاب الْأَنْمَاطي.
ثم طلب بنفسه، وسمع من الْأُرْمَوي، وابن ناصر، وأبي الوَقْت، وابن البَطِّي؛ ومن بعدهم.
стр. 1648
ونسخ وحصَّل الْأُصول، وجمع وصنَّف، وأفاد، وحدَّث نحوًا من ستين سنة، وكان ثِقَةً حُجَّة، عارفًا دَينًا، عفيفًا.
حدث عنه: ابن الدُّبَيثي، وابن نُقْطَة، وابن النَّجَّار، والضِّيَاء، والبِرْزَالي، وابن خليل، والفقيه يحيى بن الصَّيرفي، والنجيب عبد اللطيف، والنجيب مقداد القَيسي، وخَلْقٌ سواهم.
قال الدُّبَيثي: لم أَرَ في شيوخِنا أوفر شيوخًا منه، ولا أغزر سماعًا، حدَّث بجامع القَصْر دَهْرًا.
وقال ابنُ النَّجَّار: بالغ شَيخُنا أبو محمد حتى قرأ على شيوخنا، وصنَّف في كلِّ فن، وكانت له حَلْقَةٌ بجامع القَصْر يقرأ بها كلَّ جُمُعة بعد الصَّلاة، وكان أول سماعه في سنة ثلاثين بإفادة أبيه، وأبي الحسن بن بكروس (١)، كتَبَ لنفسه، وتوريقًا للنَّاس في شبابه، وكان له حانوت للبَزِّ بخان الخليفة، كنت أقرأ عليه به، حدَّث بجميع مروياته، سمع منه عُمر بنُ علي القُرَشي، وكَتَبَ عنه في "معجمه"، وكان ثِقَةً حُجَّةً نبيلًا، ما رأيت في شيوخنا سَفَرًا ولا حَضَرًا مِثْلَه في كَثْرة مسموعاته، ومعرفته بمشايخه، وحُسْنِ أُصوله وحِفْظه وإتقانه، وكان أمينًا، ثخين السِّتْر، متديِّنًا عفيفًا، أُريد على أن يشهدَ عند القُضَاة؛ فامتنع، وكان من أَحْسَنِ الناس خُلُقًا، وألطفهم طبعًا، من محاسن البغداديين وَظِرَافهم، ما يَمَلّ جليسه منه.
стр. 1649
وقال ابنُ نُقْطة: كان ثِقَةً ثَبْتًا، مأمونًا، كثيرَ السَّمَاع، واسِعَ الرِّواية، صحيحَ الْأُصول، منه تعلَّمْنَا واستفَدْنا، ما رأينا مثله.
توفِّي في شَوَّال سنةَ إحدى عشرة وست مئة.
١٠٩٥ - عبد الرَّزَّاق *
ابن الشيخ القُدْوة أبي محمد عبد القادر بن أبي صالح (١)، الجِيلي، الإمام، الحافظ، الزَّاهد، أبو بكر، الحَنْبَلي، محدِّث بَغْدَاد.
ولد سنةَ ثمانٍ وعشرين وخمس مئة.
وسمع الكثير بإفادة أبيه، ثم طَلَب بنفسه، وعُني بهذا الشأن، وحَصَّل الْأُصول.
سمع من محمد بن صِرْما، وأبي الفَضْل الْأُرْمَوي، وأبي القاسم بن البَنَّا، وأبي الفَضْل بن ناصر، وأبي بكر بن الزَّاغُوني، وأبي الكرم الشَّهْرُزُوري، وطبقتهم.
حدَّث عنه: أبو عبد الله الدُّبَيثي -وأثنى عليه- وابن النَّجَّار، والنَّجيب عبد اللطيف، وابنُه قاضي القضاة أبو صالح نَصْر بن عبد الرَّزَّاق، وآخرون.
стр. 1650
وأجاز للشيخ شمس الدِّين بن أبي عمر، وفخر الدين بن البُخَاري، وابنِ شَيبَان، وطائفة.
وروى عنه: الحافظ ضياء الدِّين وقال: لم أَرَ ببغداد أحدًا في تيقُّظِه وتحرِّيه مِثْله.
وقال أبو شامة: كان زاهِدًا عابدًا ثِقَةً، مقتنعًا باليسير (١).
مات في شوال سنةَ ثلاثٍ وست مئة.
وفيها: مات المسند أبو إسماعيل داود بن محمد بن ماشاذه الأَصْبَهاني. والمسنِدُ أبو القاسم سعيد بن محمد بن محمد بن محمد بن عَطَّاف المؤدِّب ببغداد. ومسنِدُ الوقت أبو جعفر محمدُ بنُ أحمد بن نَصْر الصَّيدلاني بأَصْبَهان، وله أربعٌ وتسعون سنة. والمسنِد مخلص الدين محمد بن مَعْمَر بن الفاخر القُرَشي بأَصْبَهان.
١٠٩٦ - عبد القادر بن عبد الله *
الإمام، الحافظ، الرَّحَّال، أبو محمد، الرُّهاوي، الحَنْبَلي، محدِّث الجزيرة.