← Тараджим

Тараджим · id 1994

طبقات علماء الحديث

ابن عبد الهادي

Полный текст (1 781 стр.). Показаны 1751–1781 · переход к 1756.

стр. 1751

أبو علي الحسن بن علي بن أبي بكر بن يونس بن الخَلَّال الدِّمَشْقي، وله ثلاثٌ وسبعون سنة. والإِمام المحدِّث نجم الدِّين موسى بن إبراهيم بن يحيى الشَّقراوي (١) الصَّالحي الحَنْبَلي. وشيخ القُرَّاء الخطيب برهان الدين إبراهيم بن فَلاح بن محمد بن حاتِم الجُذَامي الإِسكندراني الشَّافعي بدمشق. ومسند بلاد المَغْرب أبو محمد عبد الله بن محمد بن هارون الطَّائي القُرْطُبي الأديب، وله تسع وتسعون سنة. ١١٥٠ - ابن الزُّبَير * الإِمام، الحافظ، العَلَّامة، شيخ القُرَّاء، والمحدِّثين بالأندلس، أبو جعفر، أحمد بن إبراهيم بن الزُّبَير بن محمد بن إبراهيم بن الزُّبير بن عاصم، الثَّقَفي، العَاصمي، الغَرْنَاطي، النَّحْوي. ولد سنة سَبْعٍ وعشرين وست مئة (٢). وتلا السَّبْع على أبي الحسن علي بن محمد الشَّارِّي (٣) صاحب ابن عبيد الله الحَجْري، وعلى أبي الوليد إسماعيل بن يحيى الأَزْدِي

стр. 1752

العَطَّار صاحب محمد بن حسنون الحِمْيَري، وسمع في سنة خمس وأربعين وبعدها من سَعْد بن محمد الحَفَّار، وأبي زكريا يحيى بن أبي الغصن، وإسحاق بن إبراهيم بن عامر الطَّوْسي، ومحمد بن عبد الرحمن بن جوبر البَلَنْسي، وأبي إسحاق إبراهيم بن محمد الكماد (١)، وخلق. وسمع "السنن الكبير" للنسائي من أبي الحسن الشَّارِّي بسماعه لجميعه من أبي محمد بن عبيد الله. وعني بهذا الشَّأْن، ونظر في الرِّجَال، وعمل تاريخًا للأندلسيين ذَيَّل به على كتاب "الصِّلَة" لابن بشْكُوال (٢)، وساد النَّاس في القراءات، وأحكمَ العربية، وتصدَّر مُدَّة. أخذ عنه: أبو حَيَّان النَّحْوي، وأبو القاسم محمد بن محمد بن سَهْل، وابن المرابط، وأبو القاسم بن عمران الحَضرَمي السَّبْتي، وآخرون. توفِّيَ سنة ثمانٍ وسبع مئة بغرْنَاطة. وفيها: مات بقيَّةُ المسندِين أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين السُّلَمي ابن المَوَازِيني بدمشق، وله أربع وتسعون سنة. ومسند العراق شيخ المُسْتَنْصرية عماد الدِّين إسماعيل بن علي بن الطَّبَّال الْأزَجي، وله سبع وثمانون سنة ونصف. والإِمام محدِّث القاهرة شمس الدين محمد بن

стр. 1753

عبد الرحمن بن سامة الطَّائي المَقْدسي الحَنْبَلي كهلًا. وشيخ القُرَّاء جمال الدين إبراهيم بن غالي البَدَوي الحِمْيَري بدمشق، وله نحوٌ من ستين سنة، وآخرون. ١١٥١ - ابن فَرَح * الشيخ، الإِمام، العالم، الحافظ، الزَّاهد، شيخ المحدِّثين، شهاب الدِّين، أبو العَبَّاس، أحمد بن فَرَح (١) بن أحمد، اللَّخْمي، الإِشبيلي، الشَّافعي، نزيل دمشق. ولد سنة أربع وعشرين وست مئة. وأسرته الإِفرنج، ثم نجَّاه الله، وحَجَّ، وسمع بمصر من شيخ الشُّيوخ عبد العزيز الأَنْصَاري، والشيخ عِزِّ الدين بن عبد السَّلام وطبقتهما، وبدمشق من ابن عبد الدائم، وفراس العَسْقَلاني، وابن أبي اليُسْر، وخَلْق. وعني بهذا الشأن، ثم أقبل على تقييد الألفاظ، وفهم المتون، ومذاهب العلماء، وكانت له حَلْقة إقراء للحديث، وكان صدوقًا، متعففًا، كتب الكثير، وتخرَّج به جماعة.

стр. 1754

وتوفي بمنزله في تربة أُم الصَّالح مبطونًا في جُمَادى الآخرة سنة تسعٍ و [تسعين] (١) وست مئة، وهي سنة قازان (٢). وفيها: توفي خَلْقٌ عظيم بدمشق، منهم: العلامة شمس الدين محمد بن عبد القوي المَقْدسي الحَنْبَلي النَّحْوي، وله سبعون سنة. ومُفْتي الحنابلة الشيخ تقي الدين عبد الله بن محمد بن جبارة المرداوي بالصَّالحية، وقاضي القُضَاة إمام الدِّين عمر بن عبد الرحمن القَزْويني الشَّافعي بمصر، وقد انجفل إليها (٣). وعُدم بعد الوقعة قاضي القُضَاة حسام الدين الحسن بن أحمد الرَّازي ثم الرُّومي الحَنَفي. ومات مسنِدُ الشَّام شرف الدين أبو الفَضْل أحمد بن هبة الله بن أحمد بن عساكر، وله خمس وثمانون سنة. والمحدِّث مقدَّم الجيوش عَلَم الدِّين سَنْجر التُّرْكي الدواداري بحصن الأكراد (٤)، وهو في عَشْر الثَّمانين. وعماد الدِّين إبراهيم بن القاضي نجم الدين أحمد بن محمد بن خلف الصَّالحي

стр. 1755

الماسح. والعلامة النجم أحمد بن مَلِي (١) البعْلي الشِّيعي. والبدر حسن بن علي بن يوسف بن هود الأَنْدَلُسي الزَّاهد الاتحادي، وهو في عَشْر السبعين. والمُفْتي شمس الدين محمد بن الشيخ الفَخْر البَعْلَبَكِّي. والمفتي جمال الدِّين عبد الرَّحيم (٢) بن عمر بن عثمان الشَّيبَاني الباجُرْبَقي الشَّافعي؛ والد الشَّيخ الضَّال (٣). وكبير العدول بهاء الدين محمد بن يوسف بن الحافظ البِرْزَالي، وله ثلاث وستون سنة. ١١٥٢ - عليُّ بن عبد الكافي * ابن عبد الملك بن عبد الكافي، الفَقِيه، الحافظُ، مفيد الطَّلبة، نجم الدِّين، أبو الحسن بن القاضي الخطيب جمال الدِّين، الرَّبَعي، الدِّمَشْقي، الشَّافعي. عُني بهذا الشَّأْن، وكَتَب الكثير، وخرَّج وعَلَّق، وكان من الأذكياء. سمع من: ابن عبد الدائم، وأصحاب الخُشُوعي، ثم ابن طَبَرْزَد، ثم ابن ملاعب، ثم ابن اللَّتِّي.

стр. 1756

وكتب العالي والنَّازل، وكان صحيحَ القراءة، حَسَنَ الكتابة سريعها. مات شابًّا في ربيع الآخر سنة اثنتين وسبعين وست مئة، وله ستٌّ وعشرون سنة. وفيها: مات المسنِدُ الإِمام تقي الدِّين إسماعيل بن إبراهيم بن أبي اليُسْر التَّنُوخي الدِّمَشْقي، وله ثلاث وثمانون سنة. وشيخ الاتِّحادية الصَّدْر محمد بن إسحاق بن محمد القُونوي بالرُّوم. والفيلسوف خَوَاجا نصير محمد بن محمد بن حسن الطُّوسي، صاحب الرَّصَد (١). والمسنِدُ نجيب الدِّين عبد اللطيف بن عبد المُنْعم بن الصَّيقَل الحَرَّاني بمصر، وله بضع وثمانون سنة. والقاضي الأُصولي كمال الدين عمر بن بُنْدَار بن عمر التَّفْلِيسي الشَّافعي بمصر، وله سبعون سنة. والشيخ القُدْوة عبد الله بن الشيخ غانم بن علي شيخ الأرض المقدَّسة. وشيخ النُّحاة العلَّامة القُدْوة حُجَّة العرب جمال الدين محمد بن عبد الله بن عبد الله بن مالك الطائي الْأَنْدَلُسي الجَيَّاني الشَّافعي بدمشق، وله نيِّف وسبعون سنة. ١١٥٣ - ابن جَعْوان * الإِمام، الحافظ، المتقِنُ، النَّحْوي، شمس الدين، محمد بن محمد بن عَبَّاس بن أبي بكر بن جَعْوان بن عبد الله، الأَنْصَاري الدِّمَشْقي، الشَّافعي.

стр. 1757

أحد من بَرَع في العربية على ابن مالك، ثم عُني بالحديث. وسمع من: ابن عبد الدَّائم، وابن أبي اليُسْر، وأحمد بن أبي الخير، ويحيى بن الصَّيرَفي، وطبقتهم، وبمصر من العِزِّ بن الصَّيقَل وغيره. وكتَبَ وانتخبَ، وكان ثِقَة ثَبْتًا، تخرَّج به شَيخُنا الحافظ أبو الحَجَّاج. وقد قرأ "المُسْنَد" على أبي الغنائم بن عَلَّان قراءة صحيحة فصيحة لم يؤخذ عليه فيها لحنة. توفي قبيل الكهولة في جُمَادى الأولى سنة اثنتين وثمانين وست مئة. وفيها: توفِّيَ شيخ الإِسلام شمس الدين عبد الرحمن بن أبي عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قُدَامة المَقْدسي الحَنْبَلي، وله خمس وثمانون سنة. والمسنِدُ إسماعيل بن أبي عبد الله بن حماد العَسْقَلاني الصَّالحي. والصَّدْر عماد الدِّين محمد بن القاضي شمس الدين محمد بن هِبَة الله بن محمد بن هِبَة الله بن مَمِيل بن الشِّيرَازي الدِّمَشْقي صاحب الخَطِّ البديع. وجَدِّي عبد الهادي بن عبد الحميد المقدسي، وله بضع وثلاثون سنة (١)، رحمهم الله تعالى.

стр. 1758

١١٥٤ - الحَارِثيُّ * الشيخ الإِمام، الفقيه، الحافظ، المتقِنُ، مفيد الطلبة، قاضي القُضَاة، سَعْدُ الدين، أبو محمد، مسعود بن أحمد بن مسعود بن زيد، الحارثي (١)، العِراقي، ثم المِصْري، الحَنْبلي. ولد سنة اثنتين وخمسين وست مئة. ونشأ في طلب العِلْم، وسمع من: ابن البرهان، والنجيب الحَرَّاني، وخَلْق، وبالثَّغْر من: عثمان بن عَوْف، وابن الفُرَات، وبدمشق من: أحمد بن أبي الخير، وأبي زكريا بن الصَّيرَفي، وطبقتهما. وكتب الكثير، وحصَّل الأُصول، وتقدَّم في هذا الشأن، وخرَّج لجماعة، وتكلم على الحديث ورجاله، وكان ثقة، متقنًا، صَيِّنًا، فصيحَ العبارة، كبيرَ القدر، حَجَّ غير مرة، وشرح بعض السُّنن لأبي داود، ودرَّس بأماكن، وولي القضاء سنتين ونصفًا. وتوفي في ذي الحِجَّة سنة إحدى عشرة وسبع مئة. وفيها: توفي الشيخ القُدْوة شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي نَصْر بن الدباهي بدمشق، وله أربع وسبعون سنة. والشيخ

стр. 1759

الإِمام العارف عماد الدين أحمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن الوَاسِطي ابن شيخ الحَزَّامِيِّين (١). ١١٥٥ - المِزِيُّ * شيخنا الإِمام، الحافظ، الحُجَّة، النَّاقد الْأَوْحد البارع، محدِّث الشَّام، جمال الدين، أبو الحَجَّاج، يوسف بن الزَّكي عبد الرحمن بن يوسف بن عَبْد الملك، القُضَاعي، الكلْبي، الدِّمَشْقي. ولد بظاهر حلب سنةَ أربعٍ وخمسين وست مئة. ونشأ بالمِزَّة ظاهر دمشق، وحفظ القرآن في صغره، وقرأ شيئًا من الفِقْه، وتعلَّم العربية والتصريف واللُّغَة، وشرع في طلب الحديث بنفسه في سنة خمسٍ وسبعين. فسمع من أول شيء "كتاب الحِلْية" كله على ابن أبي الخير، وأكثر عنه، وسمع "مسند الإِمام أحمد"، والكتب الستة، و"معجم الطَّبَراني"، والأجزاء الطَّبَرْزَدِيَّة والكِنْدية، وسمع "صحيح مسلم" من

стр. 1760

الإِرْبِلي، وسمع من خلقٍ كثير منهم: الشيخ شمس الدين بن أبي عمر، وفخر الدين بن البُخاري، وابن علَّان، وابن شَيْبَان، ولم يزل يسمع إلى أن سمع من أصحاب ابن عبد الدَّائم. ورحل سنةَ ثلاثٍ وثمانين؛ فسمع من العز الحَرَّاني، وأبي بكر بن الأَنْمَاطي، وغازي الحَلاوي، وخَلْقٍ، وسمع بمصر والإِسكندرية والحَرَمين وحلب وحماة وحِمْص وبَعْلَبَك والقُدْس ونابلس وغيرها. ونسخ بخَطِّه المليح المتقَن كثيرًا لنفسه ولغيره، وقرأ الكثير وبَرَعَ في اللغة والتَّصْريف، وانتهت إليه الإِمامةُ في علم الحديث مع الصِّدْق والإِتقان وحُسْن الأخلاق، وكثرة السكون، وقِلَّة الكلام، وكثرة التواضع، والحِلْم والصَّبْر، والاقتصاد في المأكل والمَلْبس، وولي مشيخه دار الحديث الأشرفية وغيرها، وصنَّف كتاب "تهذيب الكمال في أسماء الرِّجال" (١) في مئتين وخمسين جُزْءًا، وهو كتاب حافل، عديم النَّظير، و"كتاب الأَطْراف" (٢) في ستة وثمانين جُزْءًا، وأوضح في هذين الكتابين مشكلاتٍ لم يُسْبق إليها، وقد ملكت الكتابين بخَطِّه والحمد لله، وهو شيخي الذي انتفعت به كثيرًا في هذا العِلْم، وكان إمامًا في السُّنَّة، ماشيًا على طريقة سَلَف الأُمة، ممرًّا للآيات والأحاديث كما جاءت من غيرِ تشبيهٍ ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل، وكان صحيحَ الذِّهن،

стр. 1761

حَسَنَ الفَهْم، سريعَ الإِدراك، يرُدُّ في الإِسناد والمتن ردًّا ينْبَهِرُ له فُضَلاءُ الحاضرين، وربما يكون في أثناء ذلك يطالع وينقل الطِّباق (١). وقد ترافق هو وشيخنا العلامة أبو العَبَّاس (٢) كثيرًا في الطلب وسماع الحديث، وانتفع كلُّ واحدٍ منهما بالآخر. وذكره الحافظ فتح الدين أبو الفتح بن سَيِّد النّاس اليَعْمَري (٣) فقال: ووجدتُ بدمشقَ من أهل هذا العِلْم الإِمام المقدَّم، والحافظ الذي فاق من تأَخَّر من أقرانه وتقدم أبا الحَجَّاج يوسف بن الزَّكي عبد الرحمن المِزِّي، بحر هذا العِلْم الزَّاخر، وحِبْره الذي يقول مَنْ رآه: كم ترك الأول للآخر، احفظ النَّاس للتَّراجم، وأعلمهم بالرُّواة من أعارب وأعاجم، لا يخصُّ معرفته مِصْرًا دون مِصْر، ولا ينفرد عِلْمُه بأهلِ عَصْر دون عَصْر، معتمدًا آثار السَّلف الصَّالح، مجتهدًا فيما نيط به في حِفْظ السُّنَّة من النَّصَائح (٤)، مُعْرضًا عن الدُّنيا وأسبابها، مقبلًا على طريقته التي أربى بها على أَرْبابها، لا يبالي ما ناله من الْأَزْل (٥)، ولا يخلط جِدَّه بشيءٍ من الهَزْل، وضع كتابه "تهذيب الكمال في أسماء الرِّجال" وضعًا استخرج به العِلْمَ من معادنه، واستنبطه من مكامنه، وأثبته

стр. 1762

-كما ينبغي- في أماكنه؛ فاستولى به على أَمَدِ الإِحسان (١)، واحتوى به من السَّبْق ما لم يُدْركه في عَصْره إنسان، ولم يَقَعْ له أبدعِ من هذا التصنيف، ولا أبرع من هذا التأليف، وإن كان بما يضعه بصيرًا، وبالسَّبْق في كل ما يأتيه جديرًا، وهو أيضًا في حِفْظ اللُّغَة إمام، وله بأوزان القريض مَعْرفة وإلمام، فكنت أحرصُ على فوائده لأُحرز منها ما أُحرز، وأستفيد من حديثه الذي إن طال لم يملل، وإن أوجز وددت أنه لم يوجز. وذكره الحافظ شمس الدِّين الذّهبي فقال: هو الإِمام الأوحد، العالم الحُجَّة، المأمون، شرَفُ المحدِّثين، عُمْدة النُّقاد، شيخُنا وصاحبُ مُعْضلاتنا، بارك الله في عُمُره وحَسَناته، ورفع في عِلِّيين درجاتِهِ، شَرَعَ في طلب الحديث وله عشرون سنة؛ فَسَمِعَ ورحل وبَرَعَ في فنون الحديث: معانيه ولُغَاته، وفقهه وعِلله، وصحيحه وسقيمه، ورجاله، فلم نَرَ مِثْلَه في معناه، ولا هو رأى مِثْلَ نَفْسه مع الإِتقان والصِّدْق، وحُسْن الخَطِّ والدِّيانة، وحُسْنِ الأخلاق، والسَّمْت الحسن، والهَدْي الصَّالح والتصون والخير، والاقتصاد في المعيشة واللِّباس، والملازمة للأشغال والسَّمَاع، مع العَقْل التَّام والرَّزَانة والفَهْم، وصِحَّةِ الإِدراك. قال: وأما كتاب "تهذيب الكمال" الذي جمعه في أسماء الرجال فهو كتاب جامع كامل، عديم المِثْل، فارغ المؤنة (٢)، كلما ازداد فيه

стр. 1763

المحدِّث تبحرًا زاد به عجبًا وتحيرًا، وكلما رأى الحافظ فيه وشيًا محبَّرًا زاد بمطالعته إعجابًا وتبخترًا، ومهما رام الناقد له تفتيشًا وتتبعًا أعياه ذلك وانقلب خاسئًا متفكرًا. وقال: عَزَّ والله وجودُ من يعرف مقداره، وعدم نظير مصنِّفه. وذكره الحافظ عَلَمُ الدِّين في "معجم" شيوخه فقال: قرأ الكثير، ولازم ذلك مع معرفته بالعربية واللُّغَة والتَّصْريف، وسمع من جماعة من شيوخنا بالشَّام وديار مِصْر، وروى الكثير، وله سَمْتٌ حسن، واقتصاد، وفيه تواضع وحِلْم وعَدَمُ سرٍّ (١)، وولي مشيخه دار الحديث الأشرفية، وصار أحدَ أئمة الحديث الموصوفين بالحِفْظ والإِتقان، وصحة النَّقْل، وضَبْط الأسماء والأنساب، وتحقيق الألفاظ، ومعرفة التّواريخ، والتثبُّت والثِّقَة والصِّدْق، وكان النَّاس يرجعون إلى قوله، ويعتمدون على ضبطه ونقله، واعترف له بالتقدُّم في الوقتِ حُفَّاظ مِصْر والشَّام (٢). ١١٥٦ - ابن تَيمِيَّة * شيخُنا الإِمام الرَّبَّاني، إمام الأئمة، ومُفتي الأُمة، وبحرُ العلوم،

стр. 1764

سَيِّد الحُفَّاظ، وفارس المعاني والألفاظ، فريدُ العَصْر، وقريع الدَّهْر، شيخ الإِسلام، قُدْوة الأنام، عَلَّامة الزَّمان، وتَرْجُمان القرآن، عَلَمُ الزُّهَّاد، وأَوْحد العُبَّاد، قامعُ المبتدعين، وآخر المُجْتهدين، الشيخ تقي الدين؛ أبو العَبَّاس، أحمد بن الشيخ الإِمام شهاب الدين أبي المحاسن عبد الحليم بن الشيخ الإِمام شيخ الإِسلام مجد الدين أبي البركات عبد السلام (١) بن أبي محمد عبد الله بن أبي القاسم الخَضِر بن [محمد بن الخضر] (٢) بن علي بن عبد الله الحَرَّاني؛ نزيل دمشق، وصاحب التَّصانيف التي لم يُسْبق إلى مثلها. قيل. إن جَدَّه محمد بن الخَضِر حَجَّ -وله امرأة حامل- على درب تَيْماء (٣)، فرأى هناك جاريةً طِفْلة قد خرجت من خِبَاءٍ، فلما رجع إلى حَرَّان وجد امرأته قد ولدت بنتًا، فلما رآها قال: يا تيمية، يا تيمية، فلُقِّب بذلك.

стр. 1765

وقال ابنُ النَّجَّار: ذُكر لنا أن محمدًا هذا كانت أمه تسمى تيمية، وكانت واعظة، فنسب إليها، وعُرِفَ بها. ولد شيخنا بحَرَّان يوم الاثنين عاشر -وقيل ثاني عشر- ربيع الأول سنة إحدى وستين وست مئة. وقدم مع والده وأهله إلى دمشق وهو صغير، وكانوا قد خرجوا من حَرَّان مُهَاجِرين بسبب جَوْر التَّتار، فساروا بالليل ومعهم الكتب على عجلة لعدم الدَّواب؛ فكاد العدو يلحقهم، ووقفتِ العجلة، فابتهلوا إلى الله واستغاثوا به فنجوا وسَلِموا، وقدموا دمشق في أثناء سنة سبع وستين؛ فسمعوا من الشيخ زين الدين أحمد بن عبد الدائم بن نعمة المَقْدسي جُزْءَ ابنِ عرفة، وغير ذلك. ثم سمع شيخنا الكثير من: ابن أبي اليُسْر، والكمال بن عبد، والشيخ شمس الدين الحَنْبَلي، والقاضي شمس الدين بن عطاء الحَنَفي، والشيخ جمال الدين بن الصَّيرفي، ومجد الدين بن عَسَاكر، والنَّجيب المِقْداد، وابن أبي الخير، وابن علان، وأبي بكر الهَرَوي، والكمال عبد الرحيم، وفخر الدين بن البُخَاري، وابن شَيْبَان، والشرف بن القَوَّاس، وزينب بنت مكي، وخَلْق كثير. وشيوخه الذين سمع منهم أزيد من مئتي شيخ. وسمع "مسند الإِمام أحمد" مَرَّات، و"معجم الطَّبَراني الكبير"، والكتب الكبار، والأجزاء، وعني بالحديث، وقرأ بنفسه الكثير، ولازم

стр. 1766

السماع مدة سنين، وقرأ الغيلانيات (١) في مجلس، ونسخ وانتقى، كَتَبَ الطِّباق (٢) والأثبات، وتعلَّم الخَطَّ والحساب في المكتب، واشتغل بالعلوم، وحَفِظ القُرْآن، وأقبل على الفِقْه، وقرأ أيامًا في العربية على ابن عبد القوي ثم فهمها، وأخذ يتأمل "كتاب سيبويه" حتى فهِمَه، وبرع في النَّحْو، وأقبل على التفسير إقبالًا كليًّا حتى حاز فيه قصب السَّبْق، وأحكم أُصول الفقه، وغير ذلك، هذا كلُّه وهو بَعْدُ ابن بضع عشرة سنة، فانبهر الفُضَلاء من فَرْط ذكائه، وسيلان ذهنه، وقوة حافظته، وسرعة إدراكه. نشأ في تصوُّنٍ تام، وعفاف وتألُّهٍ، واقتصاد في المَلْبَس والمأكل، ولم يزل على ذلك خلفًا صالحًا سلفيًّا، بَرًّا بوالديه، تقيًّا، ورعًا، عابدًا ناسكًا، صَوَّامًا قوَّامًا، ذاكرًا لله تعالى في كل أمر وعلى كل حال، رجَّاعًا إلى الله تعالى في سائر الأحوال والقضايا، وقَّافًا عند حدود الله تعالى وأوامره ونواهيه، آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر، لا تكاد نَفْسُه تشبع من العِلْم، ولا تُرْوى من المطالعة، ولا تَمَلُّ من الاشتغال، ولا تكِلُّ من البحث، وقلَّ أن يَدْخلَ في علم من العلوم، في باب من أبوابه إلا ويفتح له من ذلك الباب أبواب، ويستدرك أشياء في ذلك العلم على حُذَّاق أهله. وكان يحضر المدارس والمحافل في صِغَرِه، فيتكلَّم ويناظر،

стр. 1767

ويُفْحِمُ الكبار، ويأتي بما يتحيَّر منه أعيانُ البلد في العِلْم، وأفتى وله نحو سبعة عشر سنة، وشَرَع في الجمع والتأليف من ذلك الوقت. ومات والده -وكان من كبار الحنابلة وأئمتهم (١) - فدرَّس بعده بوظائفه؛ وله إحدى وعشرون سنة، واشتُهر أمره، وبَعُدَ صيته في العالم، وأخذ في تفسير الكتاب العزيز أيام الجُمَع على كرسي من حِفْظه، فكان يورد ما يقوله من غير توقُّفٍ ولا تلعثم، وكذا كان يورد الدَّرْس بتُؤَدَةٍ وصوتٍ جَهْوَري فصيح. وحَجَّ سنة إحدى وتسعين وله ثلاثون سنة، ورجع وقد انتهت إليه الإِمامة في العِلْم، والعمل، والزُّهْد، والورع، والشجاعة، والكرم، والتَّواضع، والحِلْم، والأناة، والجلالة، والمهابة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، مع الصِّدْق والأمانة والعِفَّة والصِّيانة، وحُسْن القَصْد والإِخلاص، والابتهال إلى الله، وشِدَّة الخوف منه، ودوام المراقبة له، والتمسُّك بالأثر، والدُّعاء إلى الله، وحُسْن الأخلاق، ونفع الخلق والإِحسان إليهم. وكان ﵀ سيفًا مسلولًا على المخالفين، وشجًا في حُلُوق أهل الأهواء والمبتدعين، وإمامًا قائمًا ببيان الحَقِّ ونُصْرة الدِّين، طَنَّت بذكره الأمصار، وضَنَّت بمثله الأعصار. وقال شيخنا الحافظ أبو الحَجَّاج: ما رأيتُ مِثْلَه، ولا رأى هو مِثْلَ نَفْسِه، وما رأيت أحدًا أعلم بكتاب الله وسُنَّة رسوله، ولا أتبع لهما منه.

стр. 1768

وقال العَلَّامة كمال الدين بن الزَّمْلَكاني: كان إذا سُئل عن فنٍّ من العِلْم ظَنَّ الرَّائي والسَّامع أنه لا يعرف غيرَ ذلك الفن، وحَكَمَ أن أحدًا لا يعرفه مِثْله، وكان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جلسوا معه استفادوا في مذاهبهم منه ما لم يكونوا عرفوه قبل ذلك، ولا يُعرف أنه ناظر أحدًا فانقطع معه، ولا تكلَّم في عِلْم من العلوم -سواء كان من علوم الشرع أو غيرها- إلا فاق فيه أهلَه والمنسوبين إليه، وكانت له اليد الطُّولى في حُسْن التصنيف، وجودة العبارة، والترتيب والتقسيم والتبيين، ووقعت مسألة فرعية في قسمةٍ جرف فيها اختلافٌ بين المُفتين في العَصْر؛ فكتب فيها مجلَّدة كبيرة، وكذلك وقعت مسألة في حدٍّ من الحدود؛ فكتب فيها أيضًا مُجَلَّدة كبيرة، ولم يخرجْ في كلِّ واحدةٍ عن المسألة، ولا طوَّلَ بتخليط الكلام والدخول في شيءٍ والخروج من شيء، وأتى في كل واحدةٍ بما لم يكن يجري في الأوهام والخواطر، واجتمعت فيه شروطُ الاجتهاد على وجهها. وقرأت بخطِّ الشيخ كمال الدين أيضًا على كتاب "رفع الملام عن الأئمة الأعلام" لشيخنا: تأليف الشيخ الإِمام العالم، العلامة الْأَوْحد، الحافظ المُجْتهد، الزَّاهد العابد، القُدْوة، إمام الأئمة، قدْوة الأمة، علامة العلماء، وارث الأنبياء، آخر المجتهدين، أوحد علماء الدِّين، بركة الإِسلام، حُجَّة الأعلام، بُرْهان المتكلمين، قامع المبتدعين، محيي السُّنَّة، ومَنْ عَظُمَتْ به لله علينا المِنَّة، وقامت به على (١) أعدائه الحُجَّة، واستبانت ببركته وهديه المَحَجَّة، تقي الدين أبي العَبَّاس

стр. 1769

أحمد بن عبد الحليم بن عبد السَّلام بن تيميَّة الحَرَّاني، أعلى الله مناره، وشَيَّد به من الدين أركانه. ماذا يقولُ الواصفونَ له ... وصِفاته جلَّتْ عن الحَصْرِ هو حُجَّة لله قاهرةٌ ... هُو بيننا أُعجوبة الدَّهْرِ هو آية في الخَلْق ظاهِرَةٌ ... أنوارها أرْبَتْ على الفَجْر وهذا الثَّناء عليه وكان عمره نحو الثَّلاثين سنة، وقد أثنى عليه خلْقٌ من شيوخه، ومن كبار علماء عَصْره كالشيخ شمس الدين بن أبي عمر، والشيخ تاج الدين الفَزَاري، وابن مُنَجَّى، وابن عبد القوي، والقاضي الخُوَيِّي، وابن دقيق العيد، وابن النَّحَّاس، وغيرهم. وقال الشيخ عماد الدين الواسطي -وكان من الصلحاء العارفين- وقد ذكره: هو شيخنا السيِّد الإِمام، الأُمة الهمام، محيي السُّنَّة، وقامع البِدْعة، ناصر الحديث، مُفْتي الفِرَق، الفاتق عن الحقائق وموصلها بالأُصول الشرعية للطالب الذائق، الجامع بين الظَّاهر والباطن، فهو يقضي بالحق ظاهرًا وقلبه في العُلَى قاطن، أُنموذج الخلفاء الرَّاشدين، والأئمة المهديين، الشيخ الإِمام تقي الدين أبو العَبَّاس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السَّلام بن تيميَّة أعاد الله بركته، ورفع إلى مدارج العُلى درجتَه. ثم قال في أثناء كلامه: واللهِ ثم واللهِ ثم والله لم أَرَ تحت أديم السَّماء مِثْلَه عِلْمًا وعملًا وحالًا وخُلُقًا واتِّباعًا وكرمًا وحِلْمًا في حقِّ نَفْسه، وقيامًا في حَقِّ الله عند انتهاك حرماته. ثم أطال في الثناء عليه.

стр. 1770

وقال الشيخ عَلَم الدين في "معجم" شيوخه: أحمد بن عبد الحليم بن عبد السَّلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد بن تيميَّة الحَرّاني الشيخ تقي الدين أبو العَبَّاس، الإِمام المُجْمَع على فَضْله ونُبْله ودينه، قرأ الفِقْه وبَرَعَ فيه، والعربية والأُصول، ومَهَرَ في عِلْمَي التفسير والحديث، وكان إمامًا لا يلحق غُبَاره في كلِّ شيء، وبَلَغ رُتْبة الاجتهاد، واجتمعت فيه شروط المجتهدين. وكان إذا ذكر التفسير أبهت النَّاس من كثرة محفوظه، وحُسْن إيراده، وإعطائه كلَّ قولٍ ما يستحقُّه من التَّرْجيح والتَّضْعيف والإِبطال، وخَوْضه في كل عِلْم، كان الحاضرون يقضون منه العَجَب، هذا مع انقطاعه إلى الزُّهد والعِبادة، والاشتغال بالله تعالى، والتجرُّد من أسباب الدُّنيا، ودعاء الخلق إلى الله تعالى، وكان يجلس في صبيحة كلِّ جُمُعة على النَّاس يفسِّر القُرْآن العظيم، فانتفع بمجلسه وبركة دعائه، وطهارة أنفاسه، وصِدْق نيته، وصفاء ظاهره وباطنه، وموافقة قوله لعمله، وأناب إلى الله خَلْقٌ كثير، وجَرَى على طريقة واحدة من اختيار الفقر، والتقلُّل من الدُّنيا، وردِّ ما يفتح به عليه. وقال علم الدِّين في موضع آخر: رأيتُ في إجازة لابن الشَّهْرُزُوري المَوْصِلي خَطَّ الشيخ تقي الدِّين، وقد كَتَبَ تحته الشيخُ شمس الدين الذَّهَبي: هذا خَطُّ شيخنا الإِمام، شيخ الإِسلام، فَرْد الزَّمان، بحر العلوم، تقيِّ الدين. مولده عاشر ربيع الأول سنة إحدى وستين وست مئة، وقرأ القُرْآن والفِقْه، وناظر واستدلَّ وهو دون البلوغ، وبَرَعَ في العلم والتفسير، وأفتى ودرَّس وله نحو العشرين، وصنَّف التصانيف، وصار من أكابر العلماء في حياة شيوخه، وله المُصَنَّفات الكبار التي سارت بها الركبان، ولعلَّ تصانيفَه في هذا الوقت تكون أربعة آلاف كُرَّاس وأكثر،

стр. 1771

وفَسَّر كتاب الله تعالى مدة سنين من صَدْره أيام الجُمَع، وكان يتوقَّد ذكاءً، وسماعاتُه من الحديث كثيرة، وشيوخه أكثر من مئتي شيخ، ومعرفته بالتفسير إليها المُنْتَهى، وحِفْظُه للحديث ورجاله وصِحَّته وسَقمِه فما يُلْحق فيه، وأما نَقْلُه للفِقه ومذاهب الصَّحابة والتابعين -فضلًا عن المذاهب الأربعة- فليس له فيه نظير، وأما معرفته بالملل والنِّحَل والأصول والكلام فلا أعلم له فيه نظيرًا، ويدري جُمْلَةً صالحة من اللُّغة، وعربيته قويةٌ جِدًّا، ومعرفته بالتَّاريخ والسِّيَر فَعَحَبٌ عجيب، وأما شجاعتُه وجهادُه وإقدامه فأمر يتجاوز الوصفَ ويفوق النَّعتَ، وهو أحد الأجواد الأسخياء الذين يُضْرب بهم المَثَل، وفيه زُهْد وقَنَاعةٌ باليسير في المأكل والمَلْبَس. وقال الذَّهبي في موضع آخر: كان آيةً في الذكاء وسُرْعة الإِدراك، رأسًا في مَعْرفة الكتاب والسُّنَّة والاختلاف، بحرًا في النَّقليات، هو في زمانه فريد عَصْره عِلْمًا وزُهْدًا وشجاعةً وسخاءً، وأمرًا بالمعروف، ونهيًا عن المنكر، وكثرة تصانيف. إلى أن قال: فإن ذُكر التفسير فهو حامل لوائه، وإن عُدَّ الفقهاء، فهو مجتهدهم المُطْلق، وإن حَضَر الحُفَّاظ نَطَقَ وخَرِسُوا، وسَرَد وأبلسوا، واستغنى وأفلسوا، وإن سمِّي المتكلِّمون فهو فَرْدُهم، وإليه مَرْجعهم، وإن لاح ابنُ سينا يَقْدُم الفلاسفة فلسهم (١) وتيَّسَهُم (٢)، وهَتَك أستارهم،

стр. 1772

وكشف عُوَارهم، وله يدٌ طُولى في معرفة العربية والصَّرْف واللُّغة، وهو أعظم من أن تَصِفَه كَلِمي، وينبِّه على شَأْوه قلمي، فإن سيرتَه وعلومَه ومعارفَه ومِحَنَه وتنقلاتِه يحتمل أن ترصَّع في مجلَّدتين. وقال في مكان آخر: وله خِبْرَة تامَّة بالرِّجال، وجَرْحهم وتَعْديلهم وطبقاتهم، ومعرفةٍ بفنون الحديث، وبالعالي والنَّازل، وبالصَّحيح والسَّقيم، مع حفظه لمتونه الذي انفرد به، فلا يبلغ أحد في العصر رتبته ولا يقارِبُه، وهو عَجَبٌ في استحضاره، واستخراج الحجج منه، وإليه المنتهى في عزوه إلى الكتب الستة والمُسْنَد بحيث يَصْدُق عليه أن [يقال] (١): "كلُّ حديثٍ لا يعرفه ابنُ تيميَّة فليس بحديث"؛ ولكن الإِحاطة لله؛ غير أنه يغترف فيه من بحر، وغيره من الأئمة يغترفون من السَّواقي، وأما التفسير فمسلَّم إليه، وله في استحضار الآيات من القُرْآن -وقت إقامة الدَّليل بها على المسألة- قوة عجيبة، وإذا رآه المقرئ تحيَّر فيه، ولفرط إمامته في التفسير وعَظَمة اطِّلاعه يبيِّنُ خطأ كثيرٍ من أقوال المُفَسِّرين، ويُوهي أقوالًا عديدة، وينصُرُ قولًا واحدًا موافقًا لما دَلَّ عليه القُرْآن والحديث، ويكتب في اليوم والليلة من التفسير، أو من الفِقْه، أو من الأصلين، أو من الرَّد على الفلاسفة والأوائل نحوًا من أربعة كراريس أو أزيد، وما أُبْعِدُ أن تصانيفه إلى الآن تبلُغُ خمس مئة مجلَّدة، وله في غير مسألةٍ مصنَّفٌ مفرد في مجلَّد. ثم ذكر بعض مصنفاته وقال: ومنها كتاب في الموافقة بين المعقول والمنقول في مجلَّدتين.

стр. 1773

قلتُ: هذا الكتاب -وهو كتاب "درء تعارض العقل والنقل"- في أربع مجلدات كبار، وبعض النسخ به في أكثر. ومن مصنَّفاته: كتاب "بيان تلْبيس الجَهْمية في تأسيس بِدَعهم الكلامية" في ستِّ مجلدات، وبعض النُّسخ به في أكثر، وكتاب "جواب الاعتراضات المِصْرية على الفُتْيا الحَمَوية" في مجلَّدات، وكذلك كتاب "مِنْهاج السُّنَّة النَّبوية في نَقْض كلام التشيع والقدرية"، وكتاب في الردِّ على النَّصَارى سماه "الجواب الصَّحيح لمن بدَّل دين المسيح"، ومن مصنَّفاته أيضًا كتاب "الاستقامة" في مجلَّدين، وكتاب في محنته بمصر في مجلَّدين، وكتاب "الإِيمان" في مجلَّد، وكتاب "تنبيه الرجل العاقل على تمويه المجادل في الجدل الباطل" في مجلَّد، وكتاب "الرد على أهل كسروان الرَّافضة" في مجلَّدين، وكتاب في الردِّ على المَنْطق، وكتاب في الوسيلة، وكتاب في الاستعانة، وكتاب "بيان الدليل على بطلان التحليل"، وكتاب "الصارم المسلول على شاتم الرسول"، وكتاب "اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم"، وكتاب "التحرير في مسألة حفير"، وكتاب "رفع الملام عن الأئمة الأعلام"، وكتاب "السِّياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية"، وكتاب "تفضيل صالح الناس على سائر الأجناس"، وكتاب "التحفة العراقية في الأعمال القلبية"، وكتاب "الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان"، وكتاب "المسائل الإِسكندرية في الرد على الملاحدة والاتحادية"، وتُعْرَف بالسَّبْعِينيَّة (١).

стр. 1774

وعدد أسماء مصنَّفاته تحتاج إلى أوراق كثيرة، ولذكرها موضع آخر، وله من المؤلَّفات والفتاوى والقواعد والأجوبة والرسائل والتَّعالِيق ما لا ينحصر ولا ينضبط، ولا أعلم أحدًا من المتقدِّمين ولا من المتَأخِّرين جَمَعَ مثل ما جمع، ولا صنَّف نحو ما صنف، ولا قريبًا من ذلك؛ مع أن تصانيفه كان يكْتُبها من حِفْظه، وكتب كثيرًا منها في الحَبْس وليس عنده ما يحتاج إليه، ويراجعه من الكتب (١). وقال الشيخ فتح الدِّين بن سَيِّد النَّاس بعد أن ذكر ترجمة شيخنا الحافظ أبي الحَجَّاج التي تقدَّم ذكرها (٢): وهو الذي حداني على رُؤية الشَّيخ الإِمام شيخ الإِسلام تقي الدين أبي العَبَّاس أحمد بن عبد الحليم بن تيميَّة؛ فألفَيتُه ممن أدرك من العلوم حَظًّا، وكاد يستوعب السُّنَن والآثار حِفْظًا، إنْ تكلَّم في التفسير [فهو حامل رايته، أو أفتى في الفِقْه فهو مدرك غايته، أو ذاكر بالحديث فهو صاحب عَلَمِهِ وذو رايته، أو حاضر بالنِّحَل والملل لم يُر أوسع من نحلته في ذلك، ولا أرفع من درايته، برز في كل فن على أبناء جنسه، ولم تر عين من رآه مثله، ولا رأت عينه مِثْلَ نفسه، كان يتكلَّم في التفسير] (٣) فيحضر مجلِسَه الجمُّ الغفير، ويردون من بحر عِلْمه العَذْب النَّمير، ويرتعون من ربيع فَضْله في رَوْضة وغدير، إلى أن دبَّ إليه مِنْ أهل بلاده داء الحسد، وأكبَّ أهلُ النَّظر منهم على ما يُنْقد عليه من أمور المعتقد، فحفِظُوا عنه في ذلك كلامًا، أوسعوه بسببه ملامًا، وفوَّقُوا لتبديعه سِهامًا، وزعموا أنه خالف

стр. 1775

طريقهم، وفرَّق فريقَهم، فنازعهم ونازعوه، وقاطع بعضَهم وقاطعوه، ثم نازع طائفة أخرى ينتسبون من الفقر إلى طريقة، ويزعمون أنهم على أدقِّ باطنٍ منها وأجلى حقيقة، فكشف تلك الطرائق، وذكر لها -على ما زعم- بوائق، فآضَتْ إلى الطَّائفة الأولى من منازعيه، واستعانت بذوي الضِّغْن عليه من مقاطعيه، فوصلوا بالأمراء أمرَه، وأعمل منهم في كُفْره فِكْره، فرتَّبوا محاضر، وألَّبوا الرُّويبِضَة (١) للسَّعي بها بين الأكابر، وسعوا في نقله إلى حَضْرة المملكة بالدِّيار المِصْرية، فَنُقِلَ وأُودع السِّجْن ساعةَ حُضُوره واعْتُقل، وعقدوا لإِراقة دمه مجالس، وحشدوا لذلك قَوْمًا من عُمَّار الزَّوايا وسكان المدارس، من مُجَامل في المُنَازعة مخاتِلٍ في المخادعَة، ومن مُجاهر بالتَّكْفير مبارزٍ بالمقاطعة، يسومونه رَيبَ المَنُون، ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ (٢)، وليس المجاهر بكفره بأسوأ حالًا من المخاتل، وقد دبَّتْ إليه عقارب مكره، فَرَدَّ الله كيد كلٍّ في نحره، ونجاه على يد من اصْطَفَاه، والله غالب على أمره، ثم لم يَخْلُ بعد ذلك من فتنة بعد فتنة، ولم ينتقل طول عمره من محنة إلا إلى محنة، إلى أن فُوِّض أمره لبعض القُضَاة فتقلَّد ما تقلد من اعتقاله، ولم يزلْ بمحبسه ذلك إلى حين ذهابه إلى رحمة الله تعالى وانتقاله، وإلى الله ترجع الأمور، وهو المطَّلع على خائنة الأعين وما تخفي الصُّدور، وكان يومه مشهودًا، ضاقت بجنازته الطريق، وانتابها المسلمون من كل فَجٍّ عميق، يتبركون بمشهده يوم يقوم الأشهاد، ويتمسكون بشَرْجَعِهِ (٣) حتى كسروا تلك الأعواد.

стр. 1776

ثم ذكر يوم وفاته ومَوْلده، ثم قال: وقرأتُ على الشيخ الإِمام حامل راية العلوم، ومُدْرك غاية المفهوم، تقي الدين أبي العَبَّاس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السَّلام بن تيميَّة ﵀ بالقاهرة، قدم علينا. ثم ذكر حديثًا هن جُزْء ابنِ عَرَفة. قلتُ: أملى شيخنا المسألة المعروفة بالحَمَوية سنةَ ثمانٍ وتسعين في قعدَةٍ بين الظُّهر والعَصْر، وهي جواب سؤال ورد من حماة في الصِّفات، وجرى له بسبب ذلك محنة، ونصره الله وأذلَّ أعداءه، وما حصل له بعد ذلك إلى حين وفاته من الأمور والمِحَن والتنقلات تحتاج إلى عِدَّة مجلَّدات، وذلك كقيامه في نوبة غازان (١) سنة تسع، والتقائه أعباء الأمر بنفسه، واجتماعه بالملك وبنائبه خطلوشاه وببُولايَ، وإقدامِه وجُرْأته على المغول، وعظيمِ جهاده، وفَعْلِهِ الخيرَ، من إنفاق الأموال، وإطعام الطَّعام، ودفن المَوْتى، ثم توجهه بعد ذلك بعام إلى الدِّيار المِصْرية، وسوقه على البريد إليها في جُمُعةٍ لما قَدِمَ التَّتار إلى أطراف البلاد (٢)، واشتدَّ الأمر بالبلاد الشَّامية، واجتماعه بأركان الدَّوْلة، واستصراخه بهم، وحضِّهم على الجهاد، وإخباره لهم بما أَعدَّ الله للمجاهدين من الثواب، وإبدائهم له العذر في رجوعهم، وتعظيمهم له، وتردد الأعيان إلى زيارته، واجتماع ابن دقيق العيد (٣) به، وسماعه كلامه، وثنائه عليه الثَّنَاء العظيم، ثم توجهه بعد أيام إلى دمشق واشتغاله بالاهتمام لجهاد التَّتار، وتحريض الأمراء على ذلك، إلى ورود الخبر

стр. 1777

بانصرافهم، ثم قيامه في وقعة شَقْحب (١) المشهورة سنة اثنتين وسَبْع مئة، واجتماعه بالخليفة والسُّلْطان، وأرباب الحَلِّ والعقد، وأعيان الأمراء، وتحريضه لهم على الجهاد (٢)، ومَوْعظته لهم، وما ظهر في هذه الوقعة من كراماته وإجابة دُعَائه، وعظيمِ جهاده، وقوَّة إيمانه، وشدَّة نُصْحه للإِسلام، وفرط شجاعته، ثم توجهه بعد ذلك في آخر سنة أربع لقتال الكِسْروانيين وجهادهم، واستئصال شأفتهم، ثم مناظرته للمخالفين سنةَ خمسٍ في المجالس التي عُقِدَتْ له بحضرة نائب السلطنة الأفرم (٣)، وظهوره عليهم بالحُجَّة والبيان، ورجوعهم إلى قوله طائعين ومكرهين، ثم توجهه بعد ذلك في السَّنَة المذكورة إلى الدِّيار المِصْرية صحبة قاضي الشَّافعية، وعَقْد مجلس له حين وصوله بحضور القُضَاة وأكابر الدَّوْلة، ثم حبسه في الجُبِّ بقلعة الجبل، ومعه أخواه سنةً ونصفًا (٤)، ثم خروجه بعد ذلك، وعقد مجالس له ولخصومه وظهوره عليهم، ثم إقرائه للعِلْم وبَثِّه ونَشْره، ثم عقد مجلس له في شَوَّال من سنة سبع لكلامه في الاتِّحادية وطعنه عليهم، ثم الأمر بتسفيره إلى الشام على البريد، ثم رَدِّه من مرحلةٍ وسجنه بحَبْس القُضَاة سنةً ونصفًا، وتعليمه أهلَ الحَبْس ما يحتاجون إليه من أمور الدِّين (٥)، ثم إخراجه

стр. 1778

منه، وتوجهه إلى الإِسكندرية، وجَعْلِهِ في برج حَسَنٍ (١) منها ثمانية أشهُرٍ يدخل إليه مَنْ شاء، ثم توجهه إلى مِصْر، واجتماعه بالسُّلْطان في مجلس حفل فيه القضاة وأعيان الأمراء، وإكرامه له إكرامًا عظيمًا، ومشاورتِه له في قَتْل بعض أعدائه، وامتناع الشيخ من ذلك، وجَعْله كل من آذاه في حِلٍّ (٢) ثم سُكْناه بالقاهرة، وعودِهِ إلى نَشْر العِلْم ونفع الخَلْق، وما جرى بعد ذلك من قضيةِ البكري وغيرها، ثم توجهه بعد ذلك إلى الشَّام صحبة الجيش المِصْري قاصدًا للغَزَاة بعد غيبته عن دمشق سَبْع سنين وسبع جُمَع، وتوجهه في طريقه إلى بيت المقدس، ثم ملازمته بعد ذلك بدمشق لنشر العلم، وتصنيف الكتب، إفتاء الخَلْق، إلى أن تكلَّم في مسألة الحَلِف بالطَّلاق، فأشار عليه بعض القُضَاة بتَرْك الإِفتاء بها في سنة ثمان عشرة؛ فقبل إشارته، ثم ورد كتاب السُّلْطان بعد أيام بالمَنْع من الفتوى عليها، ثم عاد الشيخ إلى الإِفتاء بها وقال: لا يَسَعُني كِتْمان العِلْم. وبقي كذلك مُدَّةً إلى أن حبسوه بالقلعة خمسة أشهر وثمانية عشر يومًا، ثم أُخرج، ورجع إلى عادته من الأشغال وتعليم العِلْم، ولم يزل كذلك إلى أن ظفروا له بجواب يتعلَّق بمسألة شَدِّ الرِّحال إلى قبور الأنبياء والصَّالحين، كان قد أجاب به من نحو عشرين سنة؛ فشنَّعوا عليه بسبب ذلك، وكَبُرَتِ القضية، وورد مرسوم السُّلْطان في شعبان من سنة ستٍّ وعشرين بجَعْلِهِ في القَلْعة؛ فأُخليت له قاعة حسنة، وأجري إليها الماء، وأقام فيها ومعه أخوه يخدمه، وأقبل في هذه المُدَّة على العِبادة والتِّلاوة وتصنيف الكتب، والردِّ على المخالفين، وكَتَبَ على تفسير القرآن

стр. 1779

العظيم جملةً كبيرة تَشْتَمِلُ على نفائسَ جليلة، ونُكَتٍ دقيقة، ومعانٍ لطيفة، وأوضح مواضع كثيرة أشكلت على خَلْقٍ من المفسِّرين، وكَتَب في المسألة التي حبس بسببها مجلَّدات عِدَّة، وظهر بعض ما كتبه واشتهر، وآل الأمر إلى أن مُنِعَ من الكتابة والمطالعة، وأخرجوا ما عنده من الكُتُب، ولم يتركوا عنده دواةً ولا قلمًا ولا ورقة، وكتب عقيب ذلك بفحمٍ يقول إن إخراج الكتب من عنده من أعظم النِّعَم. وبقي أشهرًا على ذلك، وأقبل على التِّلاوة والعِبادة والتهجُّد حتى أتاه اليقين، فلم يفجأ الناسَ إلا نعيُهُ، وما علموا بمرضه، وكان قد مَرِضَ عشرين يومًا (١)، فتأسَّف الخَلْقُ عليه، وحضر جَمْعٌ كبير، فأُذِنَ لهم في الدخول، وجلس جماعةٌ عِنْدَه قبل الغُسْل، وقرؤوا القرآن، وتبركوا برؤيته وتقبيله، ثم انصرفوا، وحضر جماعةٌ من النِّساء ففعلن مثل ذلك، ثم انصرفن (٢)، واقْتُصِرَ على من يغسله ويعين عليه في غُسْله، فلما فُرِغَ من ذلك أُخرج وقد اجتمع الناس بالقَلْعة والطريق إلى جامع دمشق، وامتلأ الجامعُ وصحنه والكلَّاسة وباب البريد وباب السّاعات إلى اللَّبَّادين والفوَّارة، وحضرتِ الجِنازةُ في السَّاعة الرابعة من النَّهار أو نحو ذلك، ووُضِعَتْ في الجامع، والجُنْد يحفظونَها من الناس من شِدَّة الزِّحام، وصُلِّي عليه أولًا بالقلعة، تقدَّم في الصَّلاة عليه الشيخ محمد بن تَمَّام، ثم صُلِّيَ عليه بجامع دمشق عقب صلاة الظُّهر، وحُمِلَ من باب البريد، واشتد الزِّحام، وألقى النَّاس على نعشه مناديلَهم وعمائمهم للتبرُّك، وصار

стр. 1780

النَّعش على الرؤوس، تارة يتقدَّم وتارة يتأخَّر، وخرج النَّاس من الجامع من أبوابه كلِّها من شِدَّة الزِّحام، وكل باب أعظم زحمةً من الآخر، ثم خرج الناس من أبواب البلد جميعها من شدة الزِّحام، لكن كان المعظم من الأبواب الأربعة باب الفَرَج الذي أُخرجت منه الجِنازة، ومن باب الفراديس وباب النَّصْر وباب الجابية، وعَظُمَ الأمر بسوق الخيل، وتقدَّم في الصَّلاة عليه هناك أخوه زين الدِّين، وحُمِلَ إلى مقبرة الصُّوفية (١)؛ فدفن إلى جانب أخيه الإِمام شرف الدِّين رحمهما الله، وكان دَفْنُه وقتَ العَصْر أو قبلها بيسير، وغلَّق الناس حوانيتَهم، ولم يتخلَّف عن الحضور، إلا نَفَرٌ قليل، أو مَنْ عَجَز للزِّحام، وحضرها من الرِّجال والنِّساء أكثر من مئتي ألف، وشرب جماعةٌ الماء الذي فَضَل من غُسْله، واقتسم جماعة بقية السِّدْر الذي غُسل به، وقيل إن الطَّاقية التي كانت على رأسه دفع فيها خمس مئة دِرْهم، وقيل إن الخيط الذي فيه الزئبق الذي في عنقه لأجل القَمْل دُفع فيه مئة وخمسون دِرْهمًا، وحصل في الجِنازة ضجيجٌ وبكاء عظيم، وتضرع كثير، وكان وقتًا مشهودًا، وخُتِمَتْ له ختم كثيرةٌ بالصَّالحية والبلد، وتردد النَّاس إلى قبره أيامًا كثيرة ليلًا ونهارًا، ورؤيت له مناماتٌ كثيرة حَسَنَةٌ، ورثاه جماعةٌ بقصائدَ جَمّةٍ. وكانت وفاته ليلةَ الاثنين العشرين من ذي القَعْدة سنة ثمانٍ وعشرين وسَبْعِ مئة، ﵀، ورضي عنه، وأثابه الجَنَّة برحمته.

стр. 1781

تَمَّ الكِتَابُ والحمد لله ربِّ العالمين، وصَلَّى الله على سيِّدنا محمدٍ خاتَمِ النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين، صلاةً دائمةً إلى يوم الدِّين، وسلِّم تسليمًا كثيرًا، وحَسْبُنا الله ونِعْمَ الوكيل، ولا حول ولا قُوَّة إلا بالله العزيز الحكيم. علَّقه بيده الفَانية فقيرُ عفو الله محمدُ بن محمدِ بنِ محمد، الأَنْصَاري، الحَنَفي، الحِمْصي، عفا الله عنه، وعن جميع المُسْلمين، آمين.