طبقات علماء الحديث
تأليف
الإمام أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي الدمشقي الصالحي (المتوفى سنة ٧٤٤ هـ)
تحقيق
أكرم البوشي
إبراهيم الزيبق
مؤسسة الرسالة
стр. 2
جَمِيع الْحُقُوق مَحْفُوظَة للناشر
الطَّبعَة الثَّانِيَة
١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ م
مؤسَّسَة الرسَالة للطباعةِ والنشر والتوزيع
مؤسَّسَة الرسَالة - بيروت - وطى المصيطبة - مبْنى عبد الله سليت
تلفاكس: ٨١٥١١٢ - ٣١٩٠٣٩
فاكس: ٦٠٣٢٤٣ - ص. ب: ١١٧٤٦٠ - برقيًا - بيوشران
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 4
بين يدي الكتاب
للعملِ في المخطوطات متعةٌ لا يعرفها إلا من ذاقها، إنها في أيسر حالاتها تنميةٌ لحسِّ الزمن في أعماقنا، وإرهافٌ لرعشة الماضي في وجداننا، تعيشه كأنه الحاضر .. رؤيةً ورؤيا .. هذه المخطوطة بخط الإِمام الغزالي .. وتلك بخط الإمام الذَّهبي .. وهذه سمعها صلاحُ الدِّين .. وتلك كان يملكها الملك المعظَّم .. وتتلاحقُ الأزمنة أمامك، وأنت تقف في زمنك، وتعيش الفكر والوجدان معًا، ها هم أولاء أعلامنا .. وأكاد أحيانًا أمدُّ يدي لأصافحهم من خلال خطوطهم ...
وتقرأ لاهثًا .. وأنت ملاحقٌ بهذا الإِحساس، لتَرْدِمَ خَنْدقًا حفره الزمن خلال قرونٍ عديدة، وتحاول أن تلملم صورةً بعثرتها النكبات والأحداث ومزقتها .. ولكي تلملمَ بقايا الصورة؛ عليك أن تعاني مشقَّة السؤال والحرمان .. فلكي تكتب عن دمشق مثلًا، عليك أن تبحث عنها في مكتبات ليدن، أو لندن، أو برلين ... تراثنا ما زال أسيرًا في ديار الغُرْبة .. وثمة من يطالبنا بالابتعاد عنه! ..
وتمضي السَّاعات .. وأنت تسعى بين الكتب وراء فتحةٍ أو ضمة تتوِّجُ بها كلمة .. أو تكشفُ عن معنى .. أو تعيدُ الحياةَ إلى كلمة عَدَتْ
стр. 5
عليها عوادي الرُّطوبة .. وتشعر بلذَّةٍ غريبة حين يشعُّ في ذهنك معنى .. أو تستسلم لك كلمة .. وتحس أنك تعيد اكتشاف التراث من جديد، أنك تردِمُ فجوةً بين الماضي والحاضر ..
وهذا الكتاب يبيِّن جانبًا من جوانب ثقافتنا، هو تأريخ لهذه الفئة من العلماء الذين أخلصوا في خدمة الحديث النَّبوي الشَّريف، ومنحوه قلبهم وعقلهم وجهدهم، هذه الفئة التي كان من أهمِّ أهدافها ألا نبتعدَ عن اليَنْبُوع الثَّاني في ديننا الحنيف، عن المصدر الثاني -بعد القرآن الكريم- في تكوين نظرتنا إلى الحياة والكون، ويدهشنا حقًّا هذا الإِيمان الكبير الذي سَكَنَ قلوبهم، وهذا الدَّأْبُ على العِلْم مع الفاقة في كثيرٍ من الأحيان، فكان منهم في كل عصر ثوابت مبصرة، تبعدنا عن الانحراف وراء يونان أو فُرْس .. تذكِّرنا دائمًا بكلماتِ المصطفى ﷺ ، وهي مضمخة بعبق الإِيمان، وبعزيمة الحياة ...
وهو يعرِّفنا بمؤلفاتٍ لم نسمع بها من قبل .. مؤلفاتٍ شاملةٍ لأكثر المعارف، من حديثٍ .. وتاريخ، وأدب ونحو وتصوُّف.
وقد قدَّمْتُه بمقدِّمة تعرِّف بالمؤلف وعصره، وأتبعتها بدراسةٍ عن ثقافته ونقده ومؤلفاته، واستقصيت -ما أمكن- التآليف التي من بابته، وأجريتُ مقارنةً بينه وبين تذكرة الحفَّاظ لوحدة موضوعِهما .. وعصرِهِما ..
وقد قمتُ بتحقيقه مع الأخ الصَّديق الأستاذ أكرم البوشي، فجزأنا الكتاب، فكان من نصيبه الجزء الأول والثاني، وكان من نصيبي الجزء الثالث والرابع .. وقد اتفقنا على منهجٍ في التحقيق بيَّنْتُه في آخر هذه المقدِّمة.
стр. 6
وبعد ..
هل تكفي كلمةُ شكرٍ أُزْجيها لأُستاذي وشيخي شعيب الأرنؤوط؟ وهل تجزئُ عني كلمةُ ثناء أكتبها له بحروف المحبَّة والصِّدْق؟ .. إن ما بعنقي له أوسع من الشكر، وأجزل من الثناء، إنَّ ما فتح عليه عيني من أمور الحياة، وأنا أَتَلمَّس طريقي بعقل غضٍّ وقلب مُرْهف جعل أيامي معه سنين في عُمْقها وغِنَاها، ثمّ أخذ بيدي في عالم التحقيق، فمنحني ثِقَته وما أغلاها، وأنار دَرْبي بعلْمِهِ وما أغزره، فلَكَ يا أستادي شكرٌ أوسعُ من الشُّكر، وثناء أعظمُ من الثَّناء، والله يتولَّى عني حُسْن جزائك.
وليس لي وراءَ الله مَرْمى ..
دمشق: ١٧ جمادى الآخرة ١٤٠٦ هـ
٢٧ شباط ١٩٨٦ م
إبراهيم الزيبق
стр. 7
محمَّد بن أحمد بن عبد الهادي
(٧٠٥ - ٧٤٤ هـ)
حياته، ثقافته، مؤلفاته
بقلم
إبراهيم الزيبق
стр. 8
"لو عاش كان عجبًا"
صلاح الدين الصفدي
стр. 9
١ - دمشق
عاشتْ دمشق في النِّصف الأوَّل من القرن الثامن الهجري أجمل أيامها، فقد أَمِنَتْ من التَّتار بعد هزيمتهم في شَقْحب سنة (٧٠٢ هـ) (١)، وعاد إلى السلطة الملكُ الناصر محمد بن قَلاوون للمرة الثالثة سنة (٧٠٩ هـ) (٢)، وتولى أمر نيابتها أمير ذوهمة عالية هو تنكز، وذلك سنة (٧١٢ هـ) (٣)، وقد بَسَطَ الملك الناصر سلطتَه على مِصْر والشَّام بحزمٍ وقوة؛ مما مكَّن تنكز في دمشق أن يقوم بحملة إصلاح واسعة شَمِلَتْ مناحي الحياة كافَّة، ابتداءً من كفِّ ظلم الولاة عن الناس، ومنع الأمراء من تسخير الفلاحين والمزارعين في أعمالهم، وانتهاءً بإحياء ما اندثر من الأوقاف بإعادة عمارة المدارس والمساجد، وقد أَنْصَفَ العامة والتجار بخلاص حقوقهم من الأمراء على ما يقتضي الشرع الحنيف، وأصلحَ تقاسيم المياه بعدما كانت فاسدة، ونظَّف مجاريها،
стр. 10
ووضَّحَ طُرُقَها، وهدم الأملاك التي استجدَّها الناس، وضيَّقوا بها الشوارع والطرق المسلوكة، وأزال الفواحش والخمارات، وشدد العقوبة على السكير حتى القتل، فتعذَّر في أيامه وجود الخمر، واستجد ديوانًا للزكاة، وصرفها للفقراء والمساكين (١)، فأَمِنَ الناس، وعاشوا في غاية الرُّخص والصِّيانة (٢)، وعمت المَدَنية قرى دمشق، فَبُنِيَ فيها الحمامات والمساجد الجامعة والأسواق، وصار سكانُها كأهل الحاضرة (٣)، وقد حقَّقَتْ خُطَّة تنكز في إحياء الأوقاف عدالةً اجتماعية لم تشهدها دمشق من قبل ومن بعد، ويأخذنا العجب والدهشة والانبهار ونحن نقرأ مصارف الأوقاف وأنواعها، مما خطَّه ابنُ بطوطة في رحلته، وتتجلى بين السطور روعةُ المدنية التي كان يعيشها أسلافنا، فمن أوقاف للعاجزين عن الحج، إلى أوقاف لتجهيز البنات إلى أزواجهن، إلى فَكَاك الأسرى، وتعديل الطرق ورَصْفها. ومما يثير إعجابنا حقًّا وقف الأواني، وهو سموٌّ إلى الخير لم نر مثيلًا له عند الأمم الأخرى، وقد روى لنا ابن بطوطة حادثة تتعلَّق به، قال: "مررت يومًا ببعض أزقَّة دمشق، فرأيت مملوكًا صغيرًا قد سقطت من يده صَحْفَة من الفخار الصَّيني -وهم يسمونها الصحن- فتكسرت، واجتمع الناس عليه، فقال بعضهم: اجمع شققها، واحملها معك لصاحب أوقاف الأواني. فجَمَعَها، وذهب الرجل معه إليه، فأراه إياها، فدفع له ما اشترى به مثل ذلك الصحن، وهذا من أحسن الأعمال؛ فإن سيد الغلام لا بدَّ له أن يضربه على كسر الصحن أو ينهره، وهو أيضًا
стр. 11
ينكسر قلبه ويتغير لأجل ذلك، فكان هذا الوقف جبرًا للقلوب، جزى الله خيرًا من تسامت هِمَّتُه في الخير إلى مثل هذا" (١).
في ظل هذا الأمن والرخاء قامت نهضة عُمْرانية رائعة، تنافس فيها أهل دمشق في عمارة المساجد والزوايا والمدارس والمشاهد (٢)، وعاش الناس في بُحْبُوحة، فكلُّ إنسان -حتى الغرباء- يتأتَّى له وَجْهٌ من المعاش (٣).
هذه الصُّورة المشرقة سرعان ما كَسَفَتْ، ولاحَتْ بوادر الانهيار، فقد قُتِلَ الأمير تنكز سنة (٧٤١ هـ) (٤)، ومات قاتلُهُ الملك النَّاصر بعده بأشهر (٥)، وانتشر مرض الطَّاعون في العالم القديم كلِّه، فراح يحصُدُ الآلاف، وعدم الخبز، وقلَّ القوت، وعَلَتْ وجوه الناس صفرةٌ ظاهرة (٦)، وبلغ عدد الموتى كل يوم في دمشق ألفين وأربع مئة (٧)، وغرقت البلاد في فوضى، فما يتولى سُلْطان حتى يقتل، ولا يتولَّى نائب حتى يعزل، فما بين سنة (٧٤١ هـ) وسنة (٧٨٤ هـ)، تولى السلطنة أثنا عشر سُلْطانًا، أغلبهم تتراوح أعمارهم بين السادسة والحادية عشرة، ثمانية منهم من أولاد الناصر، وأربعة من حَفَدَته، وتولى نيابة دمشق في الفترة نفسها أربعة وعشرون نائبًا بين تعيين وإعادة، ابتداءً من الطنبغا الناصري الذي تولاها
стр. 12
سنة (٧٤١ هـ)، بعد مقتل تنكز، وانتهاءً ببيدمر الذي دخلها للمرة السَّادسة سنة (٧٨٣ هـ).
ورغم تولي السلطنة سنة (٧٨٤ هـ) الملك الظاهر برقوق، وهو ممن أوتي حُنْكة ومِرَاسًا في الحكم، فقد ظل الاضطراب مستشريًا في جسم الدولة، حتى إن ثورة أطاحت به بعد سبع سنوات من توليه السلطنة، ولكنه سرعان ما عاد، واستطاع بحنكته أن يعيد إليها بعض الاستقرار.
وكانت وفاته سنة (٨٠١ هـ)، وتولي ابنه الناصر فرج وله من العمر عشر سنوات بدايةَ النهاية، إذ استفحل عبثُ المماليك واقتتالهم على السُّلْطة، حتى انتهى بهم الأمر إلى الانسحاب من أمام جيش تيمور، وهو يحاصر دمشق، لتقع تحت سيفه غنيمة سهلة، ويقع الشعب قتيلًا وأسيرًا بعد أن خُدِعَ أبشع خديعة، وحلَّ بدمشق من البلاء ما لا يوصف، وجرى على أهل دمشق من العذاب ما جَعَلَ المعاقَب يحسد رفيقه الذي هلك تحت العقوبة (١)، واستمر هذا البلاء والعذاب بأهل دمشق تسعة عشر يومًا (٢)، ثم طُرِحَتِ النار، فعمَّ الحريق جميع البلد، حتى صار لهيب النار يكاد يرتفع إلى السَّحاب، وعملت النار في البلد ثلاثة أيام بلياليها (٣)، وذهبت مساجدُ دمشق ودُورها وقياسرها وحماماتها، وصارت أطلالًا بالية ورسومًا خالية، ولم يبق بها دابَّة تدبُّ إلا أطفالٌ يتجاوز عددهم الآلاف فيهم من مات، وفيهم من سيموت من الجوع (٤)، وكان
стр. 13
أمرًا بلغ مبالغه في الشَّناعة والقبح على حدِّ تعبير ابن خلدون، شاهد هذه المأساة (١).
بهذه الصُّورة القاتمة يختتم قَرْن، ويبدأ قرن، وتتباين صورتا دمشق بين أوَّل القرن وآخره، في أوله خرجت منتصرة على جيوش التتار في شقحب سنة (٧٠٢ هـ)، وفي آخره (٨٠٣ هـ)، سقطت منهزمة، مخذولة، مدمَّرة.
٢ - الصَّالحية
كانت الصالحية يوم انتقل إليها المقادسة سنة (٥٥٥ هـ) جبلًا أجردَ، في ناحيته الغربية يقوم دير أبي العَبَّاس الكهفي، وبجانبه دار فيها اربعة من العلماء الزُّهاد، وفي ناحيته الشرقية دير رهبان مهجور، سكنه أولاد معبد بن مستفاد، وما بين الناحيتين عُزْلة موحشة، وصمت رهيب، ومقابر ..
وكان أول نزول المقادسة -بعد هجرتهم من جَمَّاعيل قريتهم في نابلس- في مسجد أبي صالح بالباب الشَّرْقي، وذلك سنة (٥٥١ هـ)، وقد أنزلهم به بنو الحنبلي؛ وهم القيِّمون على وَقْفه وإمامته، ونُمِيَ خبرهم إلى السُّلْطان نور الدين بن زنكي، فكتب لهم كتابًا بتسليم الوقف والمسجد إليهم، ولكن أحمد بن محمد بن قدامة وهو العالِمُ الخطيب، ما كان ليرضى أن يتخلَّص من ظُلْم الصليبيين ليقع في ظلم أشد، فقال: "أنا هاجرت حتى أنافس الناس على دنياهم؟ ! ما بقيت أريد أسكن ها هنا" (٢).
стр. 14
فاختار راضيًا أن يسكن في بقعةٍ مهجورةٍ، على أن يكون سببًا في إيذاء مسلم.
بهذه الرُّوح الإِسلامية عمرت الصالحية، ونزعت الأشواك من أرضها، وقلع قصبها، وكان أول ما بني بيت أحمد بن محمد بن قدامة، وبيت ابنه أبي عمر، ثم بني بعد ذلك بيت ابنه الموفق (١).
وبات السكان الجدد يحرُسُون بيوتهم ليلًا، خوفًا من اللصوص، وخوفًا من أهل وادي التيم الذين يأخذون الناس ويبيعونهم في بلاد الفرنج .. وخوفًا من الذئاب والسباع (٢).
ثم بنى الشيح أبو عمر مدرسته المعروفة "بالعمرية"، وكان موضعها آنذاك مقصبة .. وكان ثَمَّ ضفادع تنق ولا تسكت (٣). بنيت المدرسة لَبِنَة لبنة، وكانت همة أبي عمر وعزيمته لا تفتر؛ فبنى مع المدرسة مصنعَ ماءٍ جعله تحتها (٤).
وتوفي الشيح أحمد سنة (٥٥٨ هـ)، أي بعد هجرته بسبع سنوات، وله سبع وستون سنة (٥)، وقد خلَّف عِدَّة أولاد أشهرهم أبو عمر محمد، وعبد الله الموفق.
والذي يقرأ سيرة أبي عمر يأخذه العجب بهذه الشخصية الفذَّة التي تحلت بأخلاق الإِسلام، علمًا وورعًا وحِلْمًا وشجاعة وزُهْدًا، وتفانيًا
стр. 15
في خدمة المسلمين ورعاية لمصالحهم، وبُعْدًا عن التزلف لأصحاب السلطة، كان يحضر الغزوات مع صلاح الدين (١)، ويجمع الشّيح من الجبل، ويحمله إلى بيوت الأرامل واليتامى، ويحمل إليهم في الليل الدراهم والدقيق ولا يعرفونه، ومتى أتاه شيء من الدنيا آثر به أقاربه وغيرهم، وتصدَّق بثيابه، وربما خرج الشتاء وعلى جسده جُبَّة بغير ثوب، ويبقى مدة طويلة بغير سراويل، وعِمَامته قطعة من بطانة، فإن احتاج أحد إلى خِرْقة، أو مات صغير يحتاج إلى كفن قَطَعَ له منها قطعة. وكان ينام على الحصير، ويأكل خبز الشعير، وثوبه خام إلى أنصاف ساقيه، وما نَهَرَ أحدًا، ولا أوجع قلب أحد، وكان يقول: أنا زاهد، ولكن في الحرام (٢). ومن ثَمَّ قال أبو شامة: بهم سُمِّيت الصالحيةُ لصلاحهم (٣)، ولكن أبا عمر كان يوري ذلك عنهم، ويقول: إنما هي نسبة إلى مسجد أبي صالح لأنَّا نزلنا فيه أولًا، لا أنَّا من الصالحين (٤).
وتوفي أبو عمر سنة (٦٠٧ هـ) عن ثمانين سنة، لم يخلِّف دينارًا ولا درهمًا ولا قليلًا ولا كثيرًا (٥)، وبارك الله في نسله، فأغلب المقادسة من حفدة أحمد هم من ذريَّتِهِ.
لقد غدت هذه البقعة العزلاء بعد أقل من قرن مدينةً فيها الأسواق العامة، والمساجد، والمكتبات. ورغم أنها تعرضت لمحنة سنة (٦٩٩ هـ) على يد قازان سلطان التتار من قَتْلٍ وأسر ونهبٍ للكتب (٦)، إلا أنها
стр. 16
سرعان ما استعادت عافيتها، حتى إن ابن بطوطة قال عنها حين زارها سنة (٧٢٦ هـ): "وهي مدينة عظيمة، لها سوق لا نظير لحسنه، وفيها مسجد وجامع ومارَسْتان، وبها مدرسة تُعرف بمدرسة أبي عمر (١)، موقوفة على من أراد أن يتعلَّم القرآن الكريم من الشيوخ والكهول، وتجري لهم ولمن يعلمهم كفايتهم من المآكل والملابس" (٢).
وقد بدأ اتصال الصالحية بدمشق في النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري حتى غدت الآن حيًّا كبيرًا من أحيائها (٣).
٣ - أسرتُهُ
هو محمد بن أحمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد بن عبد الهادي بن يوسف بن محمد بن قُدامة.
لم يهاجر جدُّه يوسف مع أخيه أحمدَ يوم هاجر إلى دمشق، بل إن ابنيه: عبد الملك وعبد الهادي ظلا يترددان بين جَمَّاعيل والصَّالحية سنين طويلة (٤)، حتى عزم عبد الهادي أمره أخيرًا، وقَدِمَ دمشق مهاجرًا مع ابنيه محمد (٥) وعبد الحميد (٦) نحو سنة (٥٨٢ هـ)، أي بعد هجرة عَمِّه أحمد
стр. 17
بنحو ثلاثين سنة، وقبل فتح صلاح الدين بيت المقدس بسنة واحدة.
وقد أصبح عبد الحميد -فيما بعد- من كبار علماء عَصْره، وتخرَّج به كثير من المحدِّثين، ممن صار بعضهم شيخًا لحفيده محمد، وقد افتتح مكتبًا في القصَّاعين (١) للتعليم، وتوفي سنة (٦٥٨ هـ) مخلِّفًا ثلاثة أولاد هم: أحمد ومحمد وعبد الهادي.
أما أحمد فقد كان من أعيان المُسْنِدين في زمانه، وقُصد بالزِّيارة، وتوفي سنة (٧٠٠ هـ)، وله ثمان وثمانون سنة (٢).
وأما عبد الهادي، فهو الجدُّ الأدْنى للمؤلِّف (٣)، توفي شابًّا سنة (٦٨٢ هـ) (٤) عن بضع وثلاثين سنة، مخلفًا ولدين: محمدًا (٥)، وأحمد.
وأحمد هو والد المؤلِّف، وكان زاهدًا مقرئًا مسندًا، سمع منه ابن رافع والحسيني (٦)، وابن رجب (٧)، توفي سنة (٧٥٢ هـ)، وله إحدى وثمانون سنة، أي بعد وفاة ابنه محمد (المؤلف) بثماني سنين، وقد
стр. 18
خلف من الأولاد: عبد الرحمن (١)، وأبا بكر (٢)، وإبراهيم (٣)، وحسنًا (٤)، وتوفي عبد الرحمن سنة (٧٨٩ هـ) وأبو بكر سنة (٧٩٩ هـ) وهو ممن أجاز لابن حجر، وإبراهيم سنة (٨٠٠ هـ)، سمع منه ابن حجر أيضًا (٥).
стр. 19
٤ - سِيرَةُ حَيَاتِهِ
في هذه الأسرة العريقة عِلْمًا وفَضْلًا وصلاحًا ورواية ولد محمد بن أحمد بن عبد الهادي سنة (٧٠٥ هـ) على أرجح الأقوال (١)، في الصَّالحية (٢)، لأبٍ من العلماء المسندين المقرئين، وكشأن كلِّ أبٍ عالم يطمح في أن يكون ابنه محدِّثًا ذا إسناد عالٍ، سعى به إلى كبار مسندي عصره، فسمع من زينب ابنة الشيخ كمال الدين الصالحية، وكانت قد تفرَّدت بغالب إجازاتها، وهي آخر من روى في الدنيا عن سِبْط السِّلَفي،
وحين توفيت نزل الناس بموتها درجة (٣). وسمع من عيسى المطعم المتوفى سنة (٧١٧ هـ)، وله إحدى وتسعون سنة (٤)، ومن أبي بكر أحمد بن عبد الدائم الصالحي، وهو شيخ لابن تيمية أيضًا، المتوفى سنة (٧١٨ هـ)، وله ثلاث وتسعون سنة (٥)، ومن سعد الدين يحيى بن
стр. 20
محمد بن سعد، المتوفَّى سنة (٧٢١ هـ)، وقد جاوز التسعين (١)، وكلهم ممن تفرد بأجزاء من العوالي.
وسمع أيضًا من أحمد بن أبي طالب الصالحي الحَجَّار، وهو من المعمَّرين رحل الناس إليه سنة (٧١٧ هـ)، ولما توفي سنة (٧٣٠ هـ) نزل الناس بموته درجة (٢)، وأكثر عن محمد بن أحمد بن أبي الهيجاء، ابن الزرَّاد، وهو ممن تفرد، مات سنة (٧٢٦ هـ) (٣)، وقرأ بنفسه "صحيح مسلم" (٤) على القاضي شرف الدين عبد الله بن الحسن، وهو من حفدة المحدث عبد الغني المقدسي، وممن تفرد وعمر، توفي سنة (٧٣٢ هـ) (٥).
أما في الفِقْه، فإنه حفظ "المقنع" (٦) -وهو دون العاشرة- على القاضي سليمان بن حمزة، المتوفى سنة (٧١٥ هـ) (٧)، ثم أتمَّ دراسته على إمامين كبيرين برعا في المذهب الحنبلي، هما: القاضي محمد بن مسلم بن مالك المتوفى سنة (٧٢٦ هـ) (٨)، وإسماعيل بن محمد الحَرَّاني المتوفى سنة (٧٢٩ هـ) (٩).
стр. 21
وأخذ القراءات عن شيخ القراء في عصره ابن بَصْخَان (١)، وقرأ النحو على أبي العباس الأندرشي، وهو ممن شرح "التسهيل" لابن مالك (٢).
ونحو سنة (٧٢١ هـ) -وهو بعد في السادسة عشرة- بدأ يتردد إلى عالمين كبيرين في عصره، هما: المِزِّي وابن تيمية (٣)، عند الأول تعلم علل الحديث بعد أن أدرك إسناده، وعند الثاني فهم روح الشرع بعد أن حفظ فقهه.
وقد تميَّزت علاقته بابن تيمية -على قصرها- تميزًا واضحًا، وطبعت حياته بطابَعِها، فرغم أن مدَّتها لم تتجاوز سنواتٍ خمسًا إلا أنها كانت عميقة الجذور، واضحة المعالم، إن عقلًا ذكيًّا كعقل ابن عبد الهادي لا يقنعه إلا مثل عقل ابن تيمية الحاد الواضح، إن ما بين التلميذ والأستاذ من التشابه في منهج الرؤيا، وطريقة التفكير، أبعد من أن يكون مجرَّد تقليد تلميذ لأستاذه، إنه أكثر من ذلك بكثير وأعمق، إنه تلاقٍ بين عقلين جبارين، يدركان من أسرار الشرع والفهم له ما لا يدركه ذلك الإِنسان الذي يسعى وراء صحة إسناد أو إظلامه .. ولكن امتدَّ عمر ابن تيمية فَخُلِّدَ، ومات ابن عبد الهادي شابًّا فَنُسِيَ، ومن ثَمَّ تتبدى لنا كلمة الصَّفدي الحزينة والصَّادقة التي قالها في ابن عبد الهادي: "لو عاش كان عجبًا" (٤) .. ومن ثم -أيضًا- ندرك سرَّ تعلقه الكبير بابن تيمية،
стр. 22
هذا التعلُّق الذي تجلى أروع ما يكون في الدِّفاع عنه في مسألة الزيارة (١)، وفي تأليف كتاب في سيرة حياته (٢)، ومن يدري ربما ختم كتابه هذا بترجمته، وكأنه يختِمُ به الحُفَّاظ والتاريخ.
وفي "العقود الدرية" نصٌّ يصوِّر جانبًا من هذه العلاقة في مرحلتها الأولى، نلمح من خلاله اهتمامَ الشيخ ابن تيمية بالفتى ابن عبد الهادي، وفَرَحَ ابن عبد الهادي بهذا القرب المتمثل بالتشديد على ياء المتكلِّم، يقول: "وكنت أتردد إليه في هذه المدة أحيانًا، وقرأت عليه قطعة من الأربعين للرازي، وشرحها لي، وكتب لي على بعضها شيئًا ... ولقد حضرتُ معه يومًا في بستان الأمير فخر الدين بن الشمس لؤلؤ، وكان قد عمل وليمة، وقرأت على الشيخ في ذلك اليوم أربعين حديثًا ... " (٣).
أما شيخه المِزِّي فقد تميَّز عن معاصريه بعِلْمين: الحديث والعربية، وقد استغرقته معرفة الحديث حتى صار إمامًا فيه، جعل بعضهم يرفعه فوق الدارقطني (٤)، فهذا الاستحضار الرائع لأسماء الرجال، ولمعرفة العلل، وضبط المُشْكل والمبهم، ومعرفة الطُّرُق والأسانيد (٥) جعلت كبار أئمة ذلك العصر يقرؤون بين يديه، ويجبنون بحضرته، ولم يكن يَسْلَم واحد منهم من ردِّه عليه، حتى ابن تيمية
стр. 23
نفسه (١)، وقد توَّج هذه المعرفة بكتابٍ لم يسبقْ إلى مثله، هو "تهذيب الكمال" (٢)، أوضح فيه من المشكلات والمعضلات ما لم يتعرَّض غيره لها.
وبرع أيضًا في علم العربية، حتى قيل فيه: لم ير بعد أبي حيان النحوي مثله في العربية، وخصوصًا في التصريف (٣).
إلى جانب علمه نرى عند المِزِّي أخلاق العلماء، فرغم أنه كان عبوسًا مهيبًا (٤)، في مجلسه يخيم سكوت وسكون (٥) إلا أنه كان كثير التواضع، فيه صبر وحِلْم وقناعة وتودُّد (٦)، صبر على فقره طوال حياته، حتى إنه اضطر إلى بيع أصل كتابه بخطِّه (٧)، وظل يتوجَّه إلى الصالحية ماشيًا على قدميه وهو في عَشْر التسعين (٨).
هذه الصِّفات الهادئة المهيبة جعلته لا يعرف قدرَه إلا مَنْ أكثر من مجالسته (٩)، وقد لازمه ابن عبد الهادي نحو عشر سنين حتى برع عليه في عِلْم الرِّجال والعِلل (١٠)، بل إنه كثيرًا ما كان يقف في مجلسه -وقد
стр. 24
خيم سكوت وسكون- يرُدُّ عليه بعض أسماء الرجال (١)، فيقبل المزي منه (٢) بكل تواضع العالم ونزاهته.
وقد تميز ابن عبد الهادي -من بعد- بعلم الرجال والعلل، حتى صار إمامًا فيه، وظل يعترف بفضل شيخه عليه، فيقول فيه: "هو شيخي الذي انتفعت به كثيرًا في هذا العلم" (٣).
أما عن تأثير الإِمام الذهبي به، فلم يكن بعمق ما لمسناه عند المِزِّي وابن تيمية، ولم تتحدثِ المصادر التي بين أيدينا عن علاقة مميزة بين الرجلين، ولعل تلمذته للذهبي هي من نوع التلمذة بين الأقران -على ما بينهما من فارق في السن- هي علاقة من تلك العلاقات المتبادلة؛ كلاهما يستفيد من الآخر ويقرأ عليه، بل إن استفادة الذهبي تبدو أجلى وأوضح حين يقول: "ما اجتمعت به قط إلا واستفدت منه" (٤)، ونراه يحضر درسًا له في المدرسة الصَّدْرية (٥)، بل يترجم له في آخر كتابه "تذكرة الحفاظ" مع شيوخه الذين سمع منهم (٦)، ويروي عن المِزِّي عن السروجي عنه (٧).
стр. 25
وهكذا .. لم تكن تلمذته للذهبي تلقيًا كحاله مع ابن تيمية والمزي، بل مدارسة ومكاتبة.
* * *
مع نهاية تلمذته للمِزِّي -وهو بعد في الخامسة والعشرين أو أشفّ- تكتمل عنده أدوات العالم الباحث، فيشرع بالتأليف ويتصدَّر للتدريس، ويحقق خلال ثلاثة عشر عامًا ما لا يحققه أناس في أعمار متطاولة، فمؤلَّفاته تزيد على السبعين كتابًا، بلغ بعضها ثمانِ مجلدات، ويتصدر للتدريس في أكبر مدارس عصره كالعمرية والضِّيائية، والمصادر التي بين أيدينا لا تسعفنا في تحديد السنة التي ابتدأ فيها بالتدريس، ولا متى كان تدريسه في كل مدرسة، إلا المدرسة العمرية التي نص ابنُ كثير أنه جلس للتدريس بها في سنة (٧٤١ هـ) ولا ريب أن تدريسه في المدارس الأخرى كان قبل هذا التاريخ، بل ربما جمع في وقت واحد التدريس في غير مدرسة على عادة علماء ذلك العصر.
وفي ذِكْرِ ابن كثير لخبر تدريس ابن عبد الهادي في هذه المدرسة في حوادث سنة (٧٤١ هـ) (١)، مغزى لا يخفى، إذْ يدلنا هذا على أن ابن عبد الهادي بلغ قمة عطائه -وهو بعد في السادسة والثلاثين- يوم تربع للتدريس في هذه المدرسة الكبيرة، وقد حضر درسه المقادسة وكبار الحنابلة، ولولا المطر والوحل يومئذٍ لحضر أهل المدينة (٢)، وهذا يدلنا أيضًا على مدى الشهرة التي أصابها وقتئذٍ، والمطَّلع على تاريخ هذه المدرسة يعرف أن كبار العلماء كان يدرِّس بها، وقد بلغت حدًّا كبيرًا في
стр. 26
الغنى من كثرة ما وقف عليها من أوقاف (١).
وقد درَّس أيضًا بالمدرسة الضيائية (٢)، نسبة إلى بانيها ضياء الدين المقدسي، سِبْط أحمد بن محمد بن قدامة، وكان بها خزانة كتب عامة (٣).
ويبدو أنه درس بالمدرسة الصبابية (٤) بعد سنة (٧٣٨ هـ)، لأنها فتحت في هذه السنة، وقد أنشأها تاجر اسمه تقي الدين بن الصباب، قبلي العادلية الكبرى في باب البريد، وكان مكانها خربة شنيعة (٥).
ودرس أيضًا في المدرسة الصدرية، وقد سمع منه الذهبي حديثًا فيها (٦).
وقد انفرد الحسيني بذكر مدرستين درَّس بهما، هما: المنصورية والغياثية (٧)، أما المدرسة الغياثية، فلم أقع لها على ذكر في المصادر
стр. 27
التي بين يدي، وأرجح أنها مصحفة عن الضيائية، بدليل أن الحسيني نفسه لم يذكرها في "ذيل العبر" حين ترجم لابن عبد الهادي، واكتفى بذكر الضيائية. أما المنصورية، فإنها تثير تساؤلًا لم أجد له جوابًا أيضًا في المصادر التي بين يدي .. هذا التساؤل: هل سافر ابن عبد الهادي إلى مصر ودرس بالمدرسة المنصورية؟ ومتى كان ذلك؟ فالمنصورية -كما هو معروف- من مدارس القاهرة المشهورة، وقد بناها والقبة التي تجاهها والبيمارَسْتَان الملك المنصور قلاوون قبل سنة (٦٩٠ هـ) (١).
لا أحب أن أرجمَ بالغيب في هذه المسألة، ويبقى التساؤل قائمًا حتى يأتي نص يؤيِّدُ أو ينفي.
ولعل العمرية هي آخر مدرسة درس بها، فقد آثر أن يترك ما بيده من المدارس، وأن يتفرَّغ للتأليف والتحصيل (٢)، والذي يطلع على أسماء مؤلفاته يدرك الطموح الذي كان يدفع ابن عبد الهادي لكتابة ما يكتب، بعض هذا الطموح أن يكتب التفسير المُسْنَد، والأحكام الكبرى، ولكن لم يمتَّع بالعمر، إذ توفي شابًّا دون أن يدرك ما كان يؤمِّلُه.
٥ - وفاتُه
أجمع المترجمون له أن وفاته كانت يوم الأربعاء عاشر جُمَادى الأولى سنة أربع وأربعين وسبع مئة، وله تسع وثلاثون سنة، وكان قد مرض قريبًا من ثلاثة أشهر بقرحة وحمَّى سل، ثم تفاقم أمره، وأفرط به
стр. 28
إسهال، وتزايد ضعفه إلى أن توفي يومئذٍ قبل أذان العصر، وكان آخر كلامه: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، اللهم اجعلني من التوَّابين، واجعلني من المتطهرين (١).
وصُلِّي عليه يوم الخميس بالجامع المظفَّري، وقد حضر جِنازتَه قضاةُ البلد وأعيان الناس من العلماء والأمراء والتجار والعامة (٢)، وكان ممن حضر جنازته الإمام الذهبي، وكان يومئذٍ يبكي ويقول: ما اجتمعت به قط إلا واستفدت منه (٣)، وتأسف الناس عليه (٤)، ودفن في سفح قاسيون في مقبرة الرَّوْضة، إلى جانب قبر سيف الدين بن عيسى، حفيد الموفق (٥).
﵀، اجتث يافعًا، ولم يجد له من الحِمام مانعًا (٦).
وقد خلَّف ابنًا من زوجته عائشة (٧)، أصبح فيما بعد من شيوخ الحافظ ابن حجر، هو عمر بن محمد، وقد توفي سنة (٨٠٣ هـ) في كائنة
стр. 29
تيمور، وله أربع وستون سنة (١).
٦ - ثقافَتُه
يدهش المرء حقًّا من كثرة تحصيل ابن عبد الهادي، بل يكاد يشكُّ المرء للوهلة الأولى أن يكون هذا الإمام الكبير في كثير من العلوم قد مات شابًّا، بل إننا نرى من شك فعلًا في تاريخ وفاته، وقد رأى تبجيل الأقدمين له، وكثرة مؤلفاته، حتى وقع على نص تبين من خلاله ما لم يتبين له من قبل (٢)، وبرأيي أن من تتبَّع سيرةَ حياةِ ابنِ عبد الهادي يجد أن الأمر منسجمٌ مع المنطق، متساوق مع الحال، وأول ما نَلْمَسُه في هذه الشخصية العظيمة ما وهبها الله من صفات عقلية، فقد كان أحد الأذكياء (٣) -وهو تعبيرٌ كان القدامى يطلقونه على مَنْ نَصِفُه نحن بالعبقري- عنده قدرة فذَّة على المحاكمات العقلية المبنية على أسس سليمة، وهو ما يجمله الأقدمون بقولهم "صحيح الذِّهْن" (٤)، وله قدرة على معالجة أي موضوع بطريقة قريبة إلى الأفهام، سهلة المأخذ، وهو ما عناه الصفدي بقوله: "مليح الأخذ والإِيراد" (٥)، ثم هذه الطلاقة في التعبير، فكأنما الكلمات عبيد لأفكاره يستحضرها متى شاء، هذه
стр. 30
الطلاقة الي تكسب ثقة متبادلة بين المتكلِّم والمستمع على حدٍّ سواء، وهي ما عبَّر عنها الذهبي بقوله: له "ذِهْنٌ سَيَّال" (١)، وما عناه الصفدي بقوله "سَيل يتحدَّر" (٢).
هذا الصَّفاء الذهني (٣)، وهذا الاستعداد الفطري، آزرهما تخرجه بكبار علماء عصره: المِزِّي وابن تيمية، مع مشايخه الآخرين الذين تفردوا بعلو الإِسناد، ثم قراءته على نفسه، وشغفه الكبير بالمطالعة الذي تجلَّى في نهاية حياته، حين آثر أن ينزل عن وظائفه بالمدارس ويتفرَّغ لعلمه (٤).
هذه المكونات مجتمعة، جعلته إمامًا في علوم: كالتفسير والقراءات والحديث والأصول والفِقْه واللغة والعربية (٥)، وجعلته يحصِّل من العلوم ما لا يبلغه الشيوخ الكبار (٦).
ولكن العلم الذي تفوَّق به، وتفنن فيه، هو علم الرجال والعلل، فقد تبحر في هذا العلم حتى كاد يصل به إلى الغاية، بل إنه ضيق على المِزي فيه المجال على حد تعبير معاصره الصفدي (٧)، ومؤلفاته التي تركها -ومعظمها ويا للأسف لم يصلْنا منه سوى عنوانه- تشهد بهذا
стр. 31
التبحر، فقارئ كتابه "الصَّارم المُنْكي" يُدْهش حقًّا من هذا الاستحضار الرائع لرواة الحديث وطرقه، وهذا التعليل في تضعيفه أو تقويته، على منهج دراية ورواية واضحين، يحيط بهما الحديثَ من كل جانب، حتى إنه لا يدع سؤالًا قد يتوهمه سائلٌ إلا أجاب عنه.
وقد أفرد تأليفًا علَّق فيه على أهم كتاب في "العلل" لابن أبي حاتم (١)، وانتقى من "علل" الدَّارَقُطْني (٢)، وانتقى أيضًا من "تهذيب الكمال" للمِزي (٣)، وناقش الإِمام ابن خُزَيمة في أحاديثَ أخرجها في "مختصر المختصر" (٤)، وألف "الإِعلام في ذكر مشايخ الأئمة الأعلام" (٥).
وفي الفقه، فإنه شرع في تأليف كتاب "العلل" على ترتيب كتب الفقه، وقف ابن حجر على المجلَّد الأول منه (٦)، وكتب تعليقة على الأحكام لأبي البركات بن تيمية (٧)، وله كتاب كبير بلغ ثمانية مجلدات ولم يكمل هو "الأحكام الكبرى" (٨).
وفي التفسير، فإنه تصدَّى لتأليف تفسيرٍ مسند (٩)، وبرأيي أن
стр. 32
تفسيره لو كمل ووصلنا لكان الأول في بابته بعد تفسير الطبري، لأنه -وهو المحدث- سيكون خاليًا من الأحاديث الموضوعة والإِسرائيليات. وقد قام صديقُه ابن كثير بهذه المهمة، فكان تفسيره من أعظم التفاسير وأشهرها، فهو يصحح ويضعِّفُ، ويعدِّل ويجرِّح، وينبه على الإسرائيليات.
وفي النحو والعربية، فقد شرح أهم كتابين في النحو "التسهيل" و"الألفية"، وكلاهما لابن مالك (١)، وله مع إمام النحو أبي حَيَّان مناقشات فيما اعترض به على ابن مالك في "الألفية" (٢). ونرى الصفدي -وهو من كبار أدباء ذلك العصر- يقف ليسأله في النحو والعربية، فكان يراه سَيْلًا يتحدَّر (٣)، ومن ثَمَّ يشهد له بأنه "قد أتقن العربية، وغاص في لجتها على فوائدها ونكتها الأدبية" (٤).
أما القراءات فكان فيها رأسًا على حد تعبير الحسيني (٥)، وقد ألف فيها جُزْءًا في تحقيق الهمز والإبدال (٦)، وكان إبَّان طلبه للعلم قد حفظ الشاطبية عن ظهر قلب (٧).
стр. 33
وبرع أيضًا في الأصلين (١): عِلْمَي المعقول والمنقول (٢)، وبرع في التاريخ (٣).
وكان ابنَ الوَرْدي أراد أن يختصر هذا كلَّه في مختصره فقال عنه: "كان بحرًا زاخرًا في العلم" (٤).
واستشف الصفدي مستقبله، وقد خَبَرَ حاضره فقال عنه بحزنٍ وألم: "لو عاش كان عجبًا" (٥).
٧ - نَقْدُه
شُغل ابن عبد الهادي بالرد على معاصريه وغيرهم، حتى عدَّه ابنُ ناصر الدين في طبقة النُّقَّاد المتأخرين (٦)، وقد هيأت له ثقافته الموسوعية، وبراعته في فن الرجال والعلل، وما فطر عليه من الجرأة في الحق، وما وهبه الله من صحة الذِّهْن (٧) منزلةً سامية بين معاصريه .. ولا شك أنه يتصف بأغلب صفات الناقد -إن لم نقل كلها- التي بسطها ابن ناصر الدين، فليس كل ردٍّ نقدًا يؤخذ به ويحترم إن لم يكن صادرًا عن متكلِّم عارف بمراتب الرجال وأحوالهم في الانحراف والاعتدال،
стр. 34
ومراتبهم من الأقوال والأفعال، عدل في نفسه، متقن، مجانب للعصبية والهوى (١).
وقد تبوأ ابن عبد الهادي في النقد منزلة رفيعة، جعلته عمدة المحدثين (٢) في عصره.
واتسعت رقعة نقده لتشمل معاصريه كالسبكي .. والذهبي (٣)، وتتعدى إلى أئمة أعلام سبقوه كابن خزيمة (٤)، وابن حَزْم (٥)، والخطيب البغدادي (٦).
بل تعددت لديه أوجه النقد، فلم يقتصر -وهو المحدِّث- على نقد الحديث، بل شمل النحو والفقه، فردَّ على أبي حيان -إمام النحو في عصره- فيما خطأ فيه ابن مالك (٧)، ورد على كبير فقهاء الشافعية الكيا الهراسي (٨).
وللأسف لم يصلنا من كتبه إلا القليل .. وبالتالي لم نستطع أن نتبين منهج نقده في الكتب السالفة .. ولعل "الصَّارم المنكي" -وهو أحد أهم كتبه النقدية- يوضح جانبًا منه.
стр. 35
والكتاب ردٌّ على قاضي قضاة الشَّافعية الإِمام تقي الدين السُّبْكي في رَدِّه على ابن تيمية في مسألة الزيارة.
وقد أثارث هذه المسألة في عصره فتنةً طار شررها في الآفاق على حد تعبير ابن عبد الهادي (١)، وكانت سببًا في سجن ابن تيمية في قلعة دمشق حتى وفاته، وفي إيذاء جماعة من أصحابه.
وكان ابن تيمية قد أجاب عن سؤال: في رجل نوى السَّفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين مثل نبينا محمد ﷺ وغيره، فهل يجوز له في سفره أن يَقْصُرَ الصَّلاة؟ وهل هذه الزِّيارة شرعية؟
وقد أجاب ابن تيمية جوابًا مفصَّلًا دقيقًا، معتمدًا فيه على أقوال الأئمة، ذكره بطوله ابنُ عبد الهادي في "العقود الذرية" (٢)، وما يهمنا هنا أن ابن تيمية فرَّق بين أمرين: السَّفر إلى زيارة القبور مسألة -وهي تتضمن شد الرحال وإعمال المَطِيِّ- وزيارة القبور من غير سفر إليها مسألة إخرى، أما الأولى: فمنهيٌّ عنها، وهي بِدْعة، وأما الثانية: فمستحبَّة.
وبرأيي أن ابن تيمية أراد من توضيح هذه المسألة على هذا النحو أن يبيِّن للنَّاس أن على المُسْلم أن تكون أعماله لله تعالى، وأن تكون متفقة مع الشَّرْع الحنيف، فمخالفةُ الرَّسول ﷺ حتى فيما ظاهره عبادة هو معصية.
стр. 36
ولكن الناس خلطوا بين المسألتين، وجعلوهما مسألةً واحدة، وعَمِلَ الحسد ما لم يعمله الجهل .. فسُجِن ابنُ تيمية .. وكان ما كان.
وقد رَدَّ على ابن تيمية كثيرٌ من العلماء، منهم قاضي قضاة الشافعية تقي الدين السُّبكي في كتابه "شفاء السّقام في زيارة خير الأنام" (١) وهو على الأرجح قد ألفه في مصر قبل توليه قضاءَ الشام سنة (٧٣٩ هـ).
وقد انتصر ابنُ عبد الهادي لشيخه وللحقِّ في كتابه "الصَّارم المنكي"، ألفه على الأرجح بعد سنة (٧٣٩ هـ)، فقد أشار في مقدمته إلى السبكي على أنه ولي قضاء الشام (٢).
بَيَّنَ ابنُ عبد الهادي في مقدِّمة كتابه ما وقع فيه السبكي من انحراف عن منهج النقد القويم، وأخذ عليه أمورًا منها:
١ - أنه صحح الأحاديثَ الضعيفة والموضوعة.
٢ - قوَّى الآثار الواهية والمكذوبة.
٣ - ضعَّف الأحاديث الصحيحة الثابتة والآثار القوية المقبولة.
٤ - حَرَّف الأحاديثَ عن مواضعها، وصَرَفها عن ظاهرها بالتأويلات المستنكرة المردودة.
٥ - اتَّبَعَ هواه فيما كتب.
وأوضح أنه أحب أن ينبِّه على ما وقع فيه السبكي من الأمور المنكرة والأشياء المردودة لئلا يغتر بذلك من يقف عليه ممن لا خِبْرَةَ له بحقائق الدين، مع أن كثيرًا مما فيه من الوهم والخطأ يعرفه خلْقٌ من
стр. 37
المبتدئين في العلم بأدنى تأمل (١).
وقد اتبع ابن عبد الهادي في كتابه منهجًا واضحًا .. فكان يورد كلامَ السبكي والحديث الذي استشهد به، ثم يورد رَدَّه هو متكلِّمًا على رجال الحديث وعلله بأسلوب هادئ متزنٍ ممتع، ويستقصي فيما يكتب، حتى إنه لا يدع سؤالًا لسائل .. وتتجلي في رَدِّه براعته في هذا الفن من العلم: علم الرجال والعلل. ولولا خوف الإِطالة لنقلتُ مناقشته لأحد الأحاديث (٢).
٨ - مُؤَلَّفَاته
ترك ابن عبد الهادي مؤلفات قيمة، تشهد بثقافته الواسعة، وعلمه الغزير، وهو يُعَدّ بحق من المكثرين في التصنيف، ولم يكمل كثيرًا من مؤلفاته، لهجوم المنية عليه شابًّا، وهذا تعريف بمصنفاته، مخطوطِها ومطبوعِها، وما لم يُذْكر عنه شيءٌ فهو مما ذكرته مصادرُ ترجمته فقط.
стр. 38
١ - اجتماع الضميرين.
قال ابن رجب: جزء.
٢ - أحاديث الجمع بين الصلاتين في الحضر.
قال ابن رجب: جزء.
٣ - أحاديث حياة الأنبياء في قبورهم.
قال ابن رجب: جزء.
٤ - أحاديث الصلاة على النبي ﷺ .
ذكره ابن رجب في "ذيل طبقات الحنابلة".
٥ - الأحكام الكبرى.
يقع في ثمانِ مجلدات، ولم يكمل.
ذكره الصفدي في "الوافي بالوفيات"، وابن رجب في "ذيل طبقات الحنابلة"، وابن حجر في "الدرر الكامنة"، والسيوطي في "طبقات الحفاظ".
٦ - الإِعلام في ذكر مشايخ الأئمة الأعلام: (أصحاب الكتب الستة).
قال ابن رجب: عدة أجزاء، وذكره البغدادي في "هدية العارفين".
٧ - إقامة البرهان على عدم وجوب صوم يوم الاثنين من شعبان.
قال ابن رجب: جزء، وذكره البغدادي في "هدية العارفين".
٨ - الأكل من الثمار التي لا حائط عليها.
قال ابن رجب: جزء.
٩ - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
قال ابن رجب: جزء.
стр. 39
١٠ - تحريم الربا.
قال ابن رجب: جزء.
١١ - تحقيق الهمز والإِبدال في القراءات.
قال ابن رجب: جزء.
١٢ - تراجم الحُفَّاظ.
ذكره الصفدي في "الوافي بالوفيات" وابن ناصر الدين في "الرد الوافر"، والسيوطي في "بغية الوعاة"، والزركلي في "الأعلام"، وهو كتاب "طبقات علماء الحديث" الذي نقدم له.
١٣ - ترجمة الشيخ تقي الدين بن تيمية.
انظر: "العقود الدرية".
١٤ - تعليقة على "الأحكام لأبي البركات بن تيمية".
لم يكمل.
ذكره ابن رجب في "ذيل طبقات الحنابلة"، والبغدادي في "هدية العارفين".
١٥ - تعليقة على التسهيل في النحو.
انظر: شرح التسهيل.
١٦ - تعليقة على "سنن البيهقي الكبرى".
كمل منه مجلدان.
ذكره ابن رجب في "ذيل طبقات الحنابلة". والبغدادي في هدية العارفين".
стр. 40
١٧ - تعليقة على "العلل لابن أبي حاتم".
كمل منه مجلدان.
ذكره ابن رجب في "ذيل طبقات الحنابلة".
١٨ - تعليقة في "الثقات".
كمل منه مجلدان.
ذكره ابن رجب في "ذيل طبقات الحنابلة"، والبغدادي في "هدية العارفين".
١٩ - التفسير المسند.
لم يكمل.
ذكره ابن حجر في "الدرر الكامنة"، والسيوطي في "طبقات الحفاظ" و"ذيل طبقات الحفاظ"، وابن ناصر الدين في "الرد الوافر"، والداودي في "طبقات المفسرين".
٢٠ - تملك الأب من مال ولده ما شاء.
ذكره ابن رجب، وقال: جزء.
٢١ - تنقيح التحقيق في أحاديث "التعليق" لابن الجوزي.
مجلدان وهو مطبوع بالقاهرة سنة (١٩٥٤ م) بتحقيق محمد حامد الفقي.
ذكره ابن رجب في "ذيل طبقات الحنابلة"، وابن حجر في "الدرر الكامنة"، والسيوطي في "طبقات الحفاظ"، و "ذيل طبقات الحفاظ"، والداودي في "طبقات المفسرين"، وابن ناصر الدين في "الرد الوافر"، والبغدادي في "إيضاح المكنون" (١).