← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 199

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 526 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

وقد أمر الله سبحانه في كتابه بالصبر الجميل والصفح الجميل والهجر الجميل (١)، فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ــ قدَّس الله روحه ــ يقول: الصبر الجميل (٢) الذي لا شكوى معه (٣)، والصفح الجميل: الذي لا عتاب معه، والهجر الجميل: الذي لا أذى معه (٤). وفي أثرٍ إسرائيلي: أوحى الله إلى نبيٍّ من أنبيائه: أنزلت بعبدي بلائي فدعاني، فماطلته بالإجابة فشكاني، فقلت: عبدي، كيف أرحمك من شيءٍ به أرحمك؟! (٥). وقال ابن عيينة في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ [السجدة: ٢٤]: أخذوا برأس الأمر فجعلهم رؤوسًا (٦).

стр. 1192

وقيل: صبر العابدين أحسنه أن يكون محفوظًا، وصبر المحبِّين أحسنه أن يكون مرفوضًا، كما قيل (١): تبيَّن يوم البين أنَّ اعتزامه ... على الصبر من إحدى الظُّنون الكواذب والشكوى إلى الله لا تنافي الصبر، فإنَّ يعقوب ﵇ وعد بالصبر الجميل، والنبيُّ إذا وعد لا يخلف، ثمَّ قال: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِيَ إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦]. وكذلك أيُّوب أخبر الله عنه أنَّه وجده صابرًا مع قوله: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣]. وإنّما ينافي الصبر شكوى الله، لا الشكوى إلاه. كما رأى بعضهم رجلًا يشكو إلى آخر فاقةً وضرورةً، فقال: يا هذا، تشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك؟ ثمَّ أنشده (٢): وإذا عرتك بليَّةٌ فاصبر لها ... صبرَ الكريم فإنَّه بك أعلم وإذا شكوت إلى ابن آدم إنَّما ... تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم فصل قال صاحب «المنازل» (٣): (الصبر: حبس النفس على المكروه، وعقل

стр. 1193

اللِّسان عن الشكوى. وهو من أصعب المنازل على العامَّة، وأوحشها في طريق المحبَّة، وأنكرها في طريق التوحيد). إنَّما كان صعبًا على العامَّة لأنَّ العامِّي مبتدئٌ في الطريق، وما له دربة بالسلوك (١)، ولا تهذيب المرتاض بقطع المنازل، فإذا أصابته المحن أدركه الجزع، وصعب عليه احتمال البلاء، وعزَّ عليه وجدان الصبر، لأنَّه ليس من أهل الرِّياضة فيكون مستوطنًا للصَّبر، ولا من أهل المحبَّة فيلتذَّ بالبلاء في رضا محبوبه. وأمَّا وحشته (٢) في طريق المحبَّة، فلأنَّها تقتضي التذاذ المحبِّ بامتحان محبوبه له، والصبر يقتضي كراهته لذلك وحَبْسَ نفسه عليه كرهًا، فهو وحشةٌ في طريق المحبَّة. وفي الوحشة نكتة لطيفة؛ لأنَّ الالتذاذ بالمحنة في المحبَّة هو من موجبات أنس القلب بالمحبوب، فإذا أحسَّ بالألم بحيث يحتاج إلى الصبر انتقل من الأنس إلى الوحشة، ولولا الوحشة لما أحسَّ بالألم المستدعي للصبر. وإنَّما كان (أنكرها في طريق التوحيد) لأنَّ فيه قوَّة الدعوى، لأنَّ الصابر يدَّعي بحاله قوَّةَ الثبات، وذلك ادِّعاءٌ منه لنفسه قوَّةً عظيمةً، وهذا مصادمةٌ لتجريد التوحيد، إذ ليس لأحدٍ قوّةٌ البتَّة، بل لله القوَّة جميعًا، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله.

стр. 1194

فهذا سبب كون الصبر منكرًا في طريق التوحيد، بل من أنكر المنكر كما قال، لأنَّ التوحيد يردُّ الأشياء إلى الله، والصبر يردُّ الأشياء إلى النفس، وإثبات النفس في التوحيد منكر. هذا حاصل كلامه محرَّرًا مقرَّرًا (١). وهو من منكر كلامه. بل الصبر من آكد المنازل في طريق المحبَّة، وألزمها للمحبِّين، وهم أحوج إلى منزلته من كلِّ منزلةٍ. وهو من أعرف المنازل في طريق التوحيد وأبينها، وحاجة المحبِّ إليه ضروريَّةٌ. فإن قيل: كيف تكون حاجة المحبِّ إليه ضروريةً، مع منافاته لكمال المحبَّة، فإنَّه لا يكون إلا مع منازعات النفس لمراد المحبوب؟ قيل: هذه هي النُّكتة التي كان لأجلها من آكد المنازل في طريق المحبَّة وأعلقها بها. وبه يُعلم صحيح المحبَّة مِن معلولها، وصادقُها من كاذبها، فإنَّ بقوَّة الصبر على المكاره في مراد المحبوب يُعلم صحَّة محبَّته. ومن هاهنا كانت محبَّة أكثر الناس كاذبةً، لأنَّهم كلَّهم ادَّعَوا محبَّة الله، فحين امتحنهم بالمكاره انخلعوا عن حقيقة المحبَّة، ولم يثبت معه إلَّا الصابرون. فلولا تحمُّل المشاقِّ وتجشُّم المكاره بالصبر لما ثبتت صحَّة محبتهم. وتبيَّن بذلك أنَّ أعظمهم محبةً أشدُّهم صبرًا. ولهذا وصف الله بالصبر خاصَّة أحبابه وأوليائه، فقال عن حبيبه أيُّوب: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾، ثمّ أثنى عليه فقال: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ﴾ [ص: ٤٤].

стр. 1195

وأمر أحبَّ الخلق إليه بالصبر لحكمه (١)، وأخبر أنَّ صبره به. وأثنى على الصابرين أحسن الثناء، وضَمِن لهم أعظم الجزاء، وجعل أجر غيرهم محسوبًا وأجرَهم بغير حسابٍ. وقرن الصّبر بمقامات الإسلام والإيمان والإحسان كما تقدّم، فجعله قرين التوكل واليقين، والإيمان، والأعمال، والتقوى. وأخبر أنَّ آياته لا ينتفع بها إلا أولو الصّبر، وأخبر أنَّ الصبر خيرٌ لأهله، وأنَّ الملائكة تسلِّم عليهم في الجنة بصبرهم، كما تقدَّم ذلك. وليس في استكراه النُّفوس لألم ما تصبر عليه وإحساسِها به ما يقدح في محبَّتها ولا توحيدها، فإنَّ إحساسها بالألم ونفرتها منه أمرٌ طبعيٌّ لها، كاقتضائها للغذاء من الطعام والشراب وتألُّمها بفقده. فلوازم النفس لا سبيل إلى إعدامها وتعطيلها بالكلِّيَّة، وإلَّا لم تكن نفسًا إنسانيَّةً وارتفعت المحبة (٢)، وكانت عالمًا آخر. والصبر والمحبَّة لا يتناقضان، بل يتواخيان ويتصاحبان، والمحبُّ صبور. بل (٣) علَّة الصبر في الحقيقة، المُناقِضةُ للمحبَّة، المُزاحِمةُ للتوحيد: أن يكون الباعث عليه غيرَ إرادة رضا المحبوب، بل إرادةَ غيره، أو مزاحمتُه بإرادة غيره، أو المرادِ منه لا مرادِه؛ هذه هي وحشة الصبر ونكارته.

стр. 1196

وأمَّا من رأى صبره لله، وصبَرَ بالله (١)، وصبر مع الله، مشاهدًا أنَّ صبره به تعالى لا بنفسه= فهذا لا تلحق محبَّته وحشةٌ، ولا توحيدَه نكارةٌ. ثمَّ لو استقام له هذا لكان في نوعٍ واحدٍ من أنواع الصبر، وهو الصبر على المكاره. فأمَّا الصبر على الطاعات، وهو حبس النفس عليها؛ وعن المخالفات، وهو منع النفس منها طوعًا واختيارًا والتذاذًا= فأيُّ وحشةٍ في هذا؟ وأيُّ نكارةٍ فيه؟ فإن قيل: إذا كان يفعل ذلك طوعًا ومحبَّةً ورضًا وإيثارًا، لم يكن الحامل له على ذلك الصبر، فيكون صبره في هذه الحال ملزوم الوحشة والنكارة، لمنافاتها لحال المحبِّ. قيل: لا منافاة في ذلك بوجهٍ، فإنَّ صبره حينئذٍ قد اندرج في رضاه وانطوى فيه، وصار الحكم للرِّضا، لا أنَّ الصبر عدمٌ، بل لقوَّة وارد الرِّضا والحبِّ وإيثارِ مراد المحبوب= صار المشهد والمنزل للرِّضا بحكم الحال، والصبر جزءٌ منه ومنطوٍ فيه. ونحن لا ننكر هذا القدر، فإن كان هو المراد فحبَّذا الوفاق، وليس المقصود القيل والقال ومنازعات الجدال. وإن كان غيره، فقد عرف ما فيه. فصل قال (٢): (وهو على ثلاث درجاتٍ. الدرجة الأولى: الصبر عن المعصية،

стр. 1197

بمطالعة الوعيد، إبقاءً على الإيمان وحذرًا من الحرام (١). وأحسن منها: الصبر عن المعصية حياءً). ذكر للصبر عن المعصية سببين وفائدتين. أمَّا السببان: فالخوف من لحوق الوعيد المترتِّب عليها. والثَّاني: الحياء من الربِّ تعالى أن يستعان على معاصيه بنعمه، وأن يبارز بالعظائم. وأمَّا الفائدتان: فالإبقاء على الإيمان، والحذر من الحرام. فأمَّا مطالعة الوعيد والخوف منه، فيبعث عليه قوَّةُ الإيمان بالخبر والتصديقُ بمضمونه. وأمّا الحياء، فيبعث عليه قوَّةُ المعرفة ومشاهدةُ معاني الأسماء والصفات. وأحسن من ذلك: أن يكون الباعث عليه وازع الحبِّ، فيترك معصيته محبَّةً له، كحال الصُّهَيبيِّين (٢).

стр. 1198

وأمّا الفائدتان، فالإبقاء على الإيمان يبعث على ترك المعصية، لأنها لا بدَّ أن تَنقصه، أو تَذهب به، أو تُذهب رونقَه وبهجته، أو تطفئ نوره، أو تضعف قوَّته، أو تَنقص ثمرته. وهذا أمرٌ ضروريٌّ بين المعصية وبين الإيمان، يُعلم بالوجود والخبر والعقل، كما صحَّ عنه ﷺ : «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبةً ذات شرفٍ يرفع إليه الناس فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن، فإيَّاكم إيَّاكم، والتوبة معروضةٌ بعد» (١). وأمَّا الحذر عن (٢) الحرام، فهو الصبر عن كثيرٍ من المباح حذرًا من أن يسوقه إلى الحرام. ولمَّا كان الحياء من شيم الأشراف وأهل الكرم والنُّفوس الزكيَّة، كان صاحبه أحسنَ حالًا من أهل الخوف. ولأنَّ في الحياء من الله ما يدلُّ على مراقبته وحضور القلب معه.

стр. 1199

ولأنَّ فيه من تعظيمه وإجلاله ما ليس في وازع الخوف، فمَن وازِعُه الخوف: قلبه حاضرٌ مع العقوبة، ومَن وازعه الحياء: قلبه حاضرٌ مع الله. والخائف مراعٍ جانبَ نفسه وحمايتها، والمستحيي مراعٍ جانب ربِّه وملاحظة عظمته. وكلا المقامين من مقامات أهل الإيمان، غير أنَّ الحياء أقرب إلى مقام الإحسان وألصق به، فإنه إذا نزَّل نفسه منزلة من كأنَّه يرى الله نبعت ينابيع الحياء من عين قلبه وتفجَّرت عيونها. قال (١): (الدرجة الثانية: الصبر على الطاعة بالمحافظة عليها دوامًا، وبرعايتها إخلاصًا، وبتحسينها علمًا). هذا يدلُّ على أنَّ عنده: أنَّ فعل الطاعة آكد من ترك المعصية، فيكون الصبر عليها فوق الصبر على ترك المعصية في الدرجة. وهذا هو الصواب كما تقدَّم، فإنَّ ترك المعصية إنَّما كان لتكميل الطاعة، والنهي مقصودٌ للأمر، فالمنهيُّ عنه لمَّا كان يُضعف المأمور به ويَنقصه ويُهجِّنه= نهى عنه حمايةً وصيانةً لجانب الأمر، فجانب الأمر أقوى وآكد. وهو بمنزلة الصحَّة والحياة، والنهي بمنزلة الحِمْية التي تراد لحفظ الصِّحّة وأسباب الحياة. وذكر الشيخ أنَّ الصَّبر في هذه الدرجة بثلاثة أشياء: دوام (٢) الطاعة، والإخلاص فيها، ووقوعها على مقتضى العلم وهو (تحسينها علمًا).

стр. 1200

فإنَّ الطاعة تتخلَّف من فوات واحدٍ من هذه الثلاثة، فإنَّه (١) إن لم يحافظ عليها دوامًا عطَّلها، وإن حافظ عليها دوامًا عرض لها آفتان. إحداهما: ترك الإخلاص فيها، بأن يكون الباعث عليها غير وجه الله وإرادتِه والتقرُّب إليه. فحفظها من هذه الآفة برعاية الإخلاص. الثانية (٢): أن لا تكون مطابقةً للعلم، بحيث لا تكون على اتِّباع السنَّة. فحفظها من هذه الآفة بتجريد المتابعة، كما أنَّ حفظها من تلك بتجريد القصد والإرادة. فلذلك قال: (بالمحافظة عليها دوامًا، ورعايتها إخلاصًا، وتحسينها علمًا). فصل قال (٣): (الدرجة الثالثة: الصبرُ في البلاء بملاحظة حسن الجزاء، وانتظارِ رَوح الفرج، وتهوينِ البليَّة بِعَدِّ أيادي المنن وتذكُّر سوالف النِّعم). هذه ثلاثة أشياء تبعث (٤) على الصبر في البلاء. أحدها: ملاحظة حسن الجزاء، وعلى حسب ملاحظته والوثوق به ومطالعته يخِفُّ حملُ البلاء لشهود العوض. وهذا كما يخفُّ على كلِّ متحمِّلٍ مشقَّةً عظيمةً حملُها لِما يلاحظه من لذَّة عاقبتها وظفره بها. ولولا ذلك لتعطَّلت مصالح الدُّنيا والآخرة. وما أقدم أحدٌ على تحمُّل مشقَّةٍ عاجلةٍ

стр. 1201

إلَّا لثمرةٍ مؤجَّلةٍ؛ فالنفس مُوكَّلةٌ (١) بحبِّ العاجل، وإنَّما خاصَّة العقل تلمُّح العواقبِ ومطالعةُ الغايات. وأجمع العقلاء من كلِّ أمَّةٍ (٢) على أنَّ النعيم لا يُدرَك بالنعيم، وأنَّ من رافق الراحة فارق الراحة (٣)، وأن على قدر التعب تكون الراحة. على قدر أهل العزم تأتي العزائمُ ... وتأتي على قدر الكريم الكرائم ويَكبُر في عين الصغير صغيرُها (٤) ... وتصغر في عين العظيم العظائمُ (٥) والقصد: أنَّ ملاحظة حسن العاقبة تُعين على الصبر فيما تتحمَّله باختيارك وغير اختيارك. والثاني: انتظار رَوح الفرج، يعني راحته ونسيمه ولذَّته، فإنَّ انتظاره ومطالعته وترقُّبه يخفِّف حمل المشقَّة، ولا سيَّما عند قوَّة الرجاء والقطع (٦) بالفَرَج، فإنَّه يجد في حشو البلاء من رَوح الفرج ونسيمه وراحته ما هو مِن خفيِّ الألطاف، وما هو فرجٌ معجَّل. وبه وبغيره يُفهَم معنى اسمه اللطيف.

стр. 1202

والثالث: تهوين البليَّة بأمرين: أحدهما: أن يَعُدَّ نعم الله عليه وأياديه عنده. فإذا عجَز عن عدِّها وأيس من حصرها، هان عليه ما هو فيه من البلاء، ورآه بالنِّسبة إلى أيادي الله ونعمه كقطرةٍ من بحرٍ. الثّاني: أن يذكر (١) سوالف النِّعم التي أنعم الله بها عليه. فهذا يتعلَّق بالماضي، وتعداد أيادي المنن يتعلَّق بالحال، وملاحظة حسن الجزاء وانتظار رَوح الفرج يتعلق بالمستقبل، وأحدهما في الدُّنيا والثاني يوم الجزاء. ويُحكى عن امرأةٍ من العُبَّاد (٢) أنَّها عثرت فانقطعت إصبعها، فضحكت، فقال لها بعض من معها: أتضحكين وقد انقطعت إصبعك؟ فقالت: أخاطبك على قدر عقلك: حلاوةُ أجرها أنستني مرارة ذكرها (٣). أشارت إلى أنَّ عقله لا يحتمل ما (٤) فوق هذا المقام مِن ملاحظة المُبلي، ومشاهدةِ حسن اختياره لها في ذلك البلاء، وتلذُّذها بالشُّكر له والرِّضا عنه، ومقابلة ما جاء من قِبَله بالحمد والشُّكر. كما قيل (٥): لئن ساءني أن نلتَني بمساءةٍ ... لقد (٦) سرَّني أنِّي خطرت ببالكا

стр. 1203

فصل قال (١): (وأضعف الصبر الصبر لله، وهو صبر العامَّة. وفوقه الصبر بالله، وهو صبر المريدين. وفوقه الصبر على الله، وهو صبر السالكين). معنى كلامه: أنَّ صبر العامَّة لله، أي رجاءَ ثوابه وخوفَ عقابه. وصبرَ المريدين بالله، أي بقوَّة الله ومعونته، فهم لا يرون لأنفسهم صبرًا، ولا قوَّةً عليه، بل حالهم التّحقُّق بـ «لا حول ولا قوّة إلّا بالله» علمًا ومعرفةً وحالًا. وفوقهما: الصبر على الله، أي على أحكامه، إذ صاحبه يشهد المتصرِّف فيه، فهو يصبر على أحكامه الجارية عليه، جالبةً عليه ما جلبت من محبوبٍ ومكروهٍ؛ فهذه درجة صبر السالكين. وهؤلاء الثلاثة عنده من العوامِّ، إذ هو في مقام الصبر، وقد ذكر أنَّه للعامَّة وأنَّه من أضعف منازلهم. هذا تقرير كلامه. والصواب: أنَّ الصبر لله فوق الصبر بالله وأعلى درجةً وأجلُّ، فإنَّ الصبر لله متعلِّق بالإلهيَّة (٢)، والصبر به متعلِّق بربوبيَّته، وما تعلَّق بإلهيَّته أكمل وأعلى ممَّا تعلَّق بربوبيَّته. ولأنَّ الصبر له عبادة والصبرَ به استعانة، والعبادةُ غاية والاستعانة وسيلة، والغاية مرادةٌ لنفسها والوسيلة مرادةٌ لغيرها. ولأنَّ الصبر به مشترك بين المؤمن والكافر، والبر والفاجر، فكلُّ من

стр. 1204

شهد الحقيقة الكونيَّة صبر به. وأمَّا الصبر له فمنزلة الرُّسل والأنبياء والصّدِّيقين؛ أصحابُ مشهد ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. ولأنَّ الصبر له صبر فيما هو حقٌّ له محبوبٌ له مرضيٌّ له، والصبرَ به قد يكون في ذلك وقد يكون فيما هو مسخوطٌ له، وقد يكون في مكروهٍ أو مباحٍ؛ فأين هذا من هذا؟ وأمَّا تسمية الصبر على أحكامه صبرًا عليه، فلا مشاحَّة في العبارة بعد معرفة المعنى؛ فهذا هو الصبر على أقداره. وقد جعله الشيخ في الدرجة الثالثة، وقد عرفت بما تقدَّم أن الصبر على طاعته والصبرَ عن معصيته أكملُ من الصبر على أقداره كما ذكرنا (١)، فإنَّ الصبر فيهما صبرُ اختيارٍ وإيثارٍ ومحبَّة، والصبر على أحكامه الكونيَّة صبر ضرورةٍ، وبينهما من البون ما قد عرفت. ولذلك (٢) كان صبرُ إبراهيم وموسى ونوحٍ (٣) على ما نالهم في الله باختيارهم وفعلهم ومقاومتهم قومَهم= أكملَ من صبر أيُّوب على ما ناله في الله من ابتلائه وامتحانه بما ليس مسبَّبًا عن فعله. وكذلك صبرُ إسماعيلَ الذبيحِ وصبرُ أبيه إبراهيم على تنفيذ أمر الله أكملُ من صبر يعقوب على فقد يوسف. فعلمت أنَّ الصبر لله أكمل من الصبر بالله، والصبرَ على طاعته والصبر

стр. 1205

عن معصيته أكملُ من الصبر على قضائه وقدره. والله المستعان، وعليه التُّكلان، ولا حول ولا قوَّة إلَّا بالله. فإن قلت: الصبر بالله أقوى من الصبر لله، فإنَّ ما كان بالله كان بحوله وقوَّته، وما كان به لم يقاومه شيءٌ ولم يَقُم له. وهو صبر أرباب الأحوال والتأثير، والصبر لله صبر أهل العبادة والزُّهد. ولهذا هم مع إخلاصهم (١) وصبرهم لله أضعف من الصابرين به، فلهذا قال: (وأضعف الصبر: الصبر لله). قيل: المراتب أربعة: أحدها: مرتبة الكمال ومرتبة أولي العزائم، وهي الصبر لله وبالله، فيكون في صبره مبتغيًا وجه الله، صابرًا به، متبرِّئًا من حوله وقوَّته. فهذا أقوى المراتب (٢) وأفضلها. الثاني: أن لا يكون فيه لا هذا ولا هذا، فهذا أخسُّ المراتب، وأردى الخلق، وهو جديرٌ بكلِّ خذلانٍ وبكلِّ حرمانٍ. الثالث: من فيه صبرٌ بالله، وهو مستعينٌ متوكِّلٌ على حول الله وقوَّته، متبرِّئٌ من حوله هو وقوَّته. ولكنَّ صبره ليس لله، إذ ليس صبره فيما هو مراد الله الدِّينيُّ منه. فهذا ينال مطلوبه ويظفر به، ولكن لا عاقبة له، وربَّما كانت عاقبته شرَّ العواقب.

стр. 1206

وفي هذا المقام خفراء الكفَّار وأرباب الأحوال الشيطانيَّة، فإنَّ صبرهم بالله، لا لله ولا في الله. ولهم من الكشف والتأثير بحسب قوَّة أحوالهم. وهم من جنس الملوك الظلمة، فإنَّ الحال كالمُلك يعطاه البرُّ والفاجر والمؤمن والكافر. الرابع: من فيه صبرٌ لله، لكنَّه ضعيف النصيب من الصبر به والتوكُّلِ عليه، والثِّقةِ به والاعتماد عليه. فهذا له عاقبةٌ حميدة، ولكنَّه ضعيفٌ عاجز مخذولٌ في كثيرٍ من مطالبه لضعف نصيبه من ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، فنصيبه مِن «لله» (١) أقوى من نصيبه مِن (٢) «بالله». فهذا حال المؤمن الضعيف. وصاحبُ بالله لا لله حال الفاجر القويِّ، وصاحب لله وبالله (٣) حال المؤمن القويِّ، والمؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف (٤). فصاحب لله وبالله عزيزٌ حميد، ومن ليس لله ولا بالله مذمومٌ مخذول، ومن هو بالله لا لله قادرٌ مذموم، ومن هو لله لا بالله عاجزٌ محمود. فبهذا التفصيل يزول الاشتباه في هذا الباب، ويتبيَّن فيه الخطأ من الصواب. والله أعلم. * * * *

стр. 1207

فصل ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الرِّضا . وقد أجمع العلماء على أنه مستحبٌّ مؤكَّدٌ استحبابُه، واختلفوا في وجوبه على قولين (١). وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ــ قدَّس الله روحه ــ يحكيهما قولين لأصحاب أحمد. وكان يذهب إلى القول باستحبابه، قال: ولم يجئ الأمر به كما جاء الأمر بالصبر، وإنما جاء الثناء على أصحابه ومدحُهم. قال: وأمَّا ما يُروى من الأثر: «من لم يصبر على بلائي، ولم يرضَ بقضائي، فليتَّخذ ربًّا سواي» (٢)، فهذا أثرٌ إسرائيليٌّ، ليس يصحُّ عن النبي ﷺ (٣). قلت: ولا سيّما عند من يرى أنّه من جملة الأحوال التي ليست مكتسبة، وأنه (٤) موهبة محضة، فكيف يؤمر به وليس مقدورًا؟ وهذه مسألةٌ اختلف فيها أرباب السُّلوك على ثلاث طرقٍ، فالخراسانيُّون قالوا: إن الرِّضا من جملة المقامات، وهو نهاية التّوكُّل. فعلى

стр. 1208

هذا يمكن أن يتوصَّل إليه العبد باكتسابه. والعراقيُّون قالوا: هو من جملة الأحوال، وليس كسبيًّا للعبد، بل هو نازلةٌ تحلُّ بالقلب كسائر الأحوال. والفرق بين المقامات والأحوال: أنَّ المقامات عندهم من المكاسب، والأحوال مجرَّد المواهب. وحكمت فرقة ثالثة بين الطائفتين ــ منهم صاحب «الرِّسالة» (١) وغيره ــ فقالوا: يمكن الجمع بينهما بأن يقال: بداية الرِّضا مكتسبةٌ للعبد، وهي من جملة المقامات، ونهايته من جملة الأحوال وليست مكتسبةً، فأوَّله مقامٌ ونهايته حالٌ. واحتجَّ من جعله من جملة المقامات بأنَّ الله مدح أهله وأثنى عليهم وندبهم إليه، فدلَّ ذلك على أنه مقدورٌ لهم. وقال النبيُّ ﷺ : «ذاق طعمَ الإيمان من رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمَّدٍ رسولًا» (٢). وقال: «من قال حين يسمع النِّداء: رضيت بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمَّدٍ رسولًا، غفرت له ذنوبه» (٣). وهذان الحديثان عليهما مدار مقامات الدِّين، وإليهما ينتهي. وقد تضمَّنا

стр. 1209

الرِّضا بربوبيَّته سبحانه وإلهيَّته (١)، والرِّضا برسوله والانقياد له، والرِّضا بدينه والتسليمله. ومن اجتمعت له هذه الأربعة فهو الصِّدِّيق حقًّا. وهي سهلةٌ بالدعوى واللِّسان، ومِن أصعب الأمور عند الحقيقة والامتحان. ولا سيَّما إذا جاء ما يخالف هوى النفس ومرادها من ذلك، تبيَّن أنَّ الرضا كان (٢) على لسانه لا على حاله. فالرِّضا بإلهيَّته يتضمَّن الرِّضا بمحبَّته وحده، وخوفه، ورجائه، والإنابة إليه، والتّبتُّل إليه، وانجذاب قوى الإرادة والحبِّ كلِّها إليه؛ فِعْلَ (٣) الراضي بمحبوبه كلَّ الرِّضا. وذلك يتضمَّن عبادته والإخلاص له. والرِّضا بربوبيته يتضمَّن الرِّضا بتدبيره لعبده، ويتضمَّن إفراده بالتوكُّل عليه، والاستعانة به، والثِّقة به، والاعتماد عليه، وأن يكون راضيًا بكلِّ ما يفعله به. فالأوَّل يتضمّن رضاه بما يأمره به، والثاني يتضمَّن رضاه بما يُقدِّر عليه. وأمّا الرِّضا بنبيِّه رسولًا، فيتضمَّن كمال الانقياد له، والتسليم المطلق إليه، بحيث يكون أولى به من نفسه، فلا يتلقَّى الهدى إلا من مواقع كلماته، ولا يحاكم إلا إليه، ولا يحكِّم عليه غيرَه، ولا يرضى بحكم غيره البتَّة، لا في شيءٍ من أسماء الربِّ وصفاته وأفعاله، ولا في شيءٍ من أذواق حقائق الإيمان ومقاماته، ولا في شيءٍ من أحكامِ ظاهرِه وباطنه؛ لا يرضى في ذلك بحكم غيره، ولا يرضى إلَّا بحكمه، فإن عجز عنه كان تحكيمُه غيرَه من باب غذاء

стр. 1210

المضطرِّ إذا لم يجد ما يُقيته إلَّا من الميتة والدم، وأحسنُ أحواله أن يكون من باب التُّراب الذي إنَّما يتيمَّم به عند العجز عن استعمال الماء الطهور. وأمّا الرِّضا بدينه، فإذا قال أو حكم أو أمر أو نهى رضي كلَّ الرِّضا، ولم يبق في قلبه حرجٌ من حكمه، وسلَّم له تسليمًا ولو كان مخالفًا لمراد نفسه وهواها، وقول مقلَّده (١) وشيخه وطائفته. وهاهنا يُوحشك الناس كلُّهم إلَّا الغرباء في العالم، فإيَّاك وأن (٢) تستوحش من الاغتراب والتفرُّد، فإنَّه واللهِ عينُ العزِّ، والصُّحبة مع الله تعالى ورسوله، ورَوح الأنس به والرِّضا به ربًّا وبمحمَّدٍ رسولًا وبالإسلام دينًا. بل الصادق كلَّما وجد أُنس (٣) الاغتراب، وذاق حلاوته، وتنسَّم رَوحه= قال: اللهمَّ زدني اغترابًا، ووحشةً من العالم، وأنسًا بك. وكلَّما ذاق حلاوة هذا الاغتراب وهذا التّفرُّد رأى الوحشة عين الأنس بالناس، والذلَّ عين العزِّ بهم، والجهل عين الوقوف مع آرائهم وزُبالة أذهانهم، والانقطاع عين التقيُّد برسومهم وأوضاعهم؛ فلم يؤثر بنصيبه من الله أحدًا من الخلق، ولم يبع حظَّه من الله بموافقتهم فيما لا يُجدي عليه إلَّا الحرمان وغايتُه مودَّة بينهم في الحياة الدُّنيا؛ فإذا تقطَّعت (٤) الأسباب، وحقَّت الحقائق، وبعثر ما في القبور، وحصِّل ما في الصُّدور، وبُليت السرائر،

стр. 1211

ولم يجد من دون مولاه الحقِّ من قوَّةٍ ولا ناصرٍ= تبيَّن (١) له حينئذٍ مواقع الرِّبح من الخسران، وما الذي يخفُّ أو يرجح به الميزان. والله المستعان، وعليه التُّكلان. والتحقيق في المسألة: أنَّ الرضا كسبيٌّ باعتبار سببه، موهبيٌّ باعتبار حقيقته، فيمكن أن يُنال (٢) بالكسب لأسبابه. فإذا تمكَّن في أسبابه وغرس شجرته اجتنى منها ثمرة الرِّضا، فإنَّ الرضا آخر التوكُّل، فمن رسخ قدمُه في التوكُّل والتسليم والتفويض حصل له الرضا ولا بدَّ. ولكن لعزَّته، وعدم إجابة أكثر النُّفوس له، وصعوبته عليها= لم يوجبه الله على خلقه رحمةً بهم وتخفيفًا عنهم، لكن ندبهم إليه، وأثنى على أهله، وأخبر أنَّ ثوابه رضاه عنهم (٣)، الذي هو أعظم وأكبر وأجلُّ من الجنات (٤) وما فيها (٥). فمن رضي عن ربِّه ﵁، بل رضا العبد عن الله من نتائج رضا الله عنه، فهو محفوفٌ بنوعين من رضاه عن عبده: رضًا قبلَه أوجب له أن يرضى عنه، ورضًا بعده هو ثمرة رضاه عنه. ولذلك كان الرِّضا باب الله الأعظم، وجنَّة الدُّنيا، ومستراح العارفين، وحياة المحبِّين، ونعيم العابدين،

стр. 1212

وقرَّة عيون المشتاقين. ومن أعظم أسباب حصول الرِّضا: أن يلزم ما جعل الله رضاه فيه، فإنَّه يوصله إلى مقام الرِّضا ولا بدَّ. قيل ليحيى بن معاذٍ ﵀: متى يبلغ العبد إلى مقام الرِّضا؟ فقال: إذا أقام نفسه على أربعة أصولٍ فيما يعامل به ربَّه، فيقول: إن أعطيتني قبلت، وإن منعتني رضيت، وإن تركتني (١) عبدت، وإن دعوتني أجبت (٢). وقال الجنيد ﵀: الرِّضا هو صحّة العلم الواصل إلى القلب، فإذا باشر القلب حقيقة العلم أدَّاه إلى الرِّضا (٣). وليس الرِّضا والمحبة كالرجاء والخوف، فإنَّ الرِّضا والمحبَّة حالان من أحوال أهل الجنَّة، لا يفارقان (٤) في الدُّنيا، ولا في البرزخ، ولا في الآخرة؛ بخلاف الخوف والرجاء فإنَّهما يفارقان أهل الجنّة بحصول ما كانوا يرجونه وأَمْنِهم ممَّا كانوا يخافونه. وإن كان رجاؤهم لما ينالون من كرامته دائمًا، لكنَّه ليس رجاءً مشوبًا بشكٍّ، بل رجاءُ واثقٍ بوعدٍ صادقٍ من حبيبٍ قادرٍ، فهذا لونٌ ورجاؤهم في الدُّنيا لون.

стр. 1213

وقال ابن عطاءٍ ﵀: الرِّضا سكون القلب إلى قديم (١) اختيار الله للعبد أنَّه اختار له الأفضل، فيرضى به (٢). قلت: وهذا الرضا بما منه، وأمَّا الرِّضا به فأعلى من هذا وأفضل، ففرقٌ بين من هو راضٍ بمحبوبه، وبين رضاه فيما يناله (٣) من محبوبه من حظوظ نفسه. فصل وليس من شرط الرِّضا أن لا يحسَّ بالألم والمكاره، بل أن (٤) لا يعترض على الحكم ولا يتسخَّطه. ولهذا أشكل على بعض الناس الرِّضا بالمكروه، وطعنوا فيه وقالوا: هذا ممتنعٌ على الطبيعة، وإنما هو الصبر، وإلَّا فكيف يجتمع الرِّضا والكراهة وهما ضدَّان؟ والصواب: أنَّه لا تناقض بينهما، وأنَّ وجود التألُّم وكراهةَ النفس له لا ينافي الرِّضا، كرضا المريض شربَ (٥) الدواء الكريه، ورضا الصائم في اليوم الشديد الحرِّ بما يناله من ألم الجوع والظمأ، ورضا المجاهد بما يحصل له في سبيل الله من ألم الجراح، وغيرها. وطريق الرِّضا طريق مختصرة، قريبة جدًّا، موصلة إلى أجلِّ غايةٍ، ولكن فيها مشقَّة. ومع هذا فليست مشقَّتها بأصعب من مشقَّة طريق المجاهدة، ولا

стр. 1214

فيها من العقبات والمفاوز ما فيها، وإنَّما عقبتُها همَّة عالية ونفس زكيَّة، وتوطين للنفس على كلِّ ما يَرِد عليها من الله. ويسهِّل ذلك على العبد علمُه بضعفه وعجزه، ورحمةِ ربه وشفقتِه عليه وبرِّه به. فإذا شهد هذا وهذا، ولم يطرح نفسه بين يديه، ويرضى به وعنه، وتنجذب دواعي حبِّه ورضاه كلُّها إليه= فنفسه نفسٌ مطرودةٌ عن الله بعيدةٌ عنه، ليست مؤهَّلةً لقربه وموالاته، أو نفسٌ ممتحَنةٌ مبتلاةٌ بأصناف البلايا والمحن. فطريق الرِّضا والمحبَّة تُسيِّر العبدَ وهو مستلقٍ على فراشه، فيصبح أمام الرّكب بمراحل. وثمرة الرِّضا: الفرح والسُّرور بالربِّ ﵎. ورأيت شيخ الإسلام ابن تيمية ــ قدَّس الله روحه ــ في المنام، وكأنِّي ذكرت له شيئًا من أعمال القلب وأخذت في تعظيمه ومنفعته، لا أذكره الآن، فقال: أمَّا أنا فطريقتي: الفرحُ بالله والسُّرور به، أو نحو هذا من العبارة. وهكذا كانت حاله في الحياة، يبدو ذلك على ظاهره وينادي به عليه حالُه. لكن قد قال الواسطيٌّ ﵀: استعمل الرِّضا جهدك، ولا تدع الرِّضا يستعملك، فتكونَ محجوبًا بلذَّته ورؤيته عن حقيقة ما تطالع (١). وهذا الذي أشار إليه الواسطيُّ هو عقبةٌ عظيمة عند القوم ومقطعٌ لهم؛ فإنَّ مساكنة الأحوال، والسُّكون إليها، والوقوف عندها استلذاذًا ومحبَّةً= حجابٌ بينهم وبين ربِّهم بحظوظهم عن مطالعة حقوق محبوبهم ومعبودهم، وهي عقبةٌ لا يجوزها إلَّا أولو العزائم. وكان الواسطيُّ كثير التحذير من هذه

стр. 1215

العقبة، شديدَ التنبيه عليها. ومن كلامه: إيَّاكم واستحلاء الطاعات، فإنَّها سمومٌ قاتلة (١). فهذا معنى قوله: «استعمل الرِّضا، لا (٢) تدع الرِّضا يستعملك»، أي لا يكون عملك لأجل حصول حلاوة الرِّضا، بحيث تكون هي الباعثة لك عليه، بل اجعله آلةً لك وسببًا مُوصِلًا إلى مقصودك (٣) ومطلوبك، فتكونَ مستعملًا له، لا أنَّه مستعملٌ لك. وهذا لا يختصُّ بالرِّضا، بل هو عامٌّ في جميع الأحوال والمقامات القلبيَّة التي يسكن إليها القلب، حتَّى إنَّه أيضًا لا يكون عاملًا على المحبَّة لأجل المحبَّة وما فيها من اللذَّة والسُّرور والنعيم، بل يستعمل المحبَّة في مراضي المحبوب؛ لا يقف عندها، فهذا من علل المحبَّة. وقال ذو النُّون: ثلاثةٌ من أعلام الرِّضا: ترك الاختيار قبل القضاء، وفقدان المرارة بعد القضاء، وهيجان الحبِّ في حشو البلاء (٤). وقيل للحسين بن عليٍّ ﵄: إنَّ أبا ذرٍّ يقول: الفقر أحبُّ إليَّ من الغنى، والسَّقَم أحبُّ إليَّ من الصحة، فقال: رحم الله أبا ذرٍّ؛ أمَّا أنا فأقول: من اتَّكل على حسن اختيار الله له (٥) لم يتمنَّ غير ما اختار الله له (٦).

стр. 1216

وقال الفضيل بن عياضٍ لبشرٍ الحافيِّ: الرِّضا أفضل من الزُّهد في الدُّنيا، لأنَّ الراضي لا يتمنَّى فوق منزلته (١). وسئل أبو عثمان (٢) عن قول النبيِّ ﷺ «أسألك الرِّضا بعد القضاء» (٣)، فقال: لأن الرِّضا قبل القضاء عزمٌ على الرِّضا، والرِّضا بعد القضاء هو الرِّضا. وقيل: الرِّضا ارتفاع الجزع في أيِّ حكمٍ كان (٤). وقيل: رفع الاختيار (٥). وقيل: استقبال الأحكام بالفرح (٦). وقيل: سكون القلب تحت مجاري الأحكام (٧). وقيل: نظر القلب إلى قديم اختيار الله تعالى للعبد، وهو ترك

стр. 1217

السخط (١). وكتب عمر بن الخطَّاب ﵁ إلى أبي موسى ﵁: أمَّا بعد، فإنَّ الخير كلَّه في الرِّضا، فإن استطعت أن ترضى وإلَّا فاصبر (٢). وقال أبو عليٍّ الدقَّاق ﵀: الإنسان خَزَفٌ، وليس لخزف من الخَطَر (٣) ما يعارض فيه حكم الحقِّ تعالى (٤). وقال أبو عثمان الحِيريُّ: منذ أربعين سنةً ما أقامني الله في حالٍ فكرهته، وما نقلني إلى غيره فسخطته (٥). والرِّضا ثلاثة أقسامٍ: رضا العوامِّ بما قسمه الله وأعطاه، ورضا الخواصِّ بما قدَّره الله وقضاه، ورضا خواصِّ الخواصِّ به بدلًا من كلِّ ما سواه. فصل قال صاحب «المنازل» ﵀ (٦): (قال الله : ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٧ - ٢٨]، لم يدع في هذه الآية للمتسخِّط إليه سبيلًا، وشرَطَ للقاصد (٧) الدُّخولَ في الرِّضا.

стр. 1218

والرِّضا اسمٌ للوقوف الصادق حيثما وقف العبدَ، لا يلتمس متقدَّمًا ولا متأخَّرًا، ولا يستزيد مزيدًا، ولا يستبدل (١) حالًا. وهو من أوائل مسالك أهل الخصوص، وأشقِّها على العامَّة). أمَّا قوله: (لم يدع في هذه الآية للمتسخِّط إليه سبيلًا) فلأنَّه قيَّد رجوعها إليه سبحانه بحالٍ، وهو وصف الرِّضا، فلا سبيل إلى الرُّجوع إليه مع سلب ذلك الوصف عنها. وهذا نظير قوله تعالى: ﴿تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢]، فإنَّما أوجب لهم هذا السلام من الملائكة والبشارة بقيدٍ، وهو وفاتهم طيِّبين، فلم تُبق الآية لغير الطّيِّب سبيلًا لهذه (٢) البشارة. والحاصل: أن الدُّخول في الرِّضا شرطُ رجوع النفس (٣) إلى ربِّها، فلا ترجع إليه إلا إذا كانت راضية. قلت: هذا تعلُّقٌ بإشارة الآية لا بالمراد منها، فإنَّ المراد منها: رضاها بما حصل لها من كرامته ونالَتْه عند الرُّجوع إليه، فحصل لها رضاها والرِّضا عنها. وهذا يقال لها عند خروجها من دار الدُّنيا وقدومها على الله. قال عبد الله بن عَمْرٍو (٤) ﵄: «إذا توفِّي العبد المؤمن أرسل الله إليه ملكين، وأرسل إليه بتحفةٍ من الجنَّة، فيقال: اخرُجي أيَّتها النفس المطمئنَّة،

стр. 1219

اخرجي إلى رَوحٍ وريحانٍ وربٍّ عنك راضٍ» (١). وفي وقت هذه المقالة ثلاثة أقوالٍ للسلف: أحدها: أنَّه عند الموت، وهو الأشهر. قال الحسن ﵁: إذا أراد الله قبضها اطمأنَّت إلى ربِّها ورضيت عن الله، فيرضى (٢) عنها (٣).

стр. 1220

وقال آخرون: إنَّما يقال لها ذلك عند البعث. هذا قول عكرمة وعطاءٍ والضحَّاك وجماعة (١). وقال آخرون: الكلمة الأولى وهي (٢) ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ تقال لها عند الموت، والكلمة الثانية وهي ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ إنما تقال لها يوم القيامة. قال أبو صالحٍ: ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ هذا عند خروجها من الدُّنيا، فإذا كان يوم القيامة قيل: ﴿الصَّرْحَ فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ (٣). والصواب: أنَّ هذا القول يقال لها عند الخروج من الدُّنيا ويوم القيامة (٤). فإنَّ أوَّل بعثها عند مفارقتها الدُّنيا، وحينئذٍ فهي في الرفيق الأعلى ــ إن كانت مطمئنَّةً إلى الله ــ وفي جنَّته، كما دلَّ عليه الأحاديث الصحيحة. فإذا كان يوم القيامة قيل لها ذلك، وحينئذٍ يكون تمام الرُّجوع إلى الله ودخول الجنَّة. فأوَّل ذلك عند الموت، وتمامه ونهايته يوم القيامة، فلا اختلاف في الحقيقة. ولكنَّ الشيخ أخذ من إشارة الآية أنَّ رجوعها إلى الله من الخلق في هذا العالم إنَّما يحصل برضاها. ولكن لو استدلَّ بالآية في مقام الطُّمأنينة لكان

стр. 1221

أولى، فإنَّ هذا الرُّجوع الذي حصل لها (١) فيه رضاها والرِّضا عنها إنَّما نالته بالطُّمأنينة، وهو حظُّ الكسب من هذه الآية، وموضع التَّنبيه على موقع الطُّمأنينة وما يحصل لصاحبها. فلنرجع إلى شرح كلامه: قوله: (الرِّضا هو الوقوف الصادق) يريد به الوقوف مع مراد الرب تعالى الديني حقيقةً، من غير تردُّدٍ في ذلك ولا معارضةٍ. وهذا مطلوب القوم السابقين، وهو الوقوف الصادق مع مراد الحق (٢)، من غير أن يشوب ذلك تردُّد، ولا يزاحمه (٣) مراد. قوله: (حيثما وقف العبد)، يصحُّ أن يكون العبد فاعلًا، أي حيث ما وقف بإذن ربِّه لا يلتمس تقدُّمًا ولا تأخُّرًا. ويصحُّ أن يكون مفعولًا، وهو أظهر، أي حيثما وقف الله العبدَ، فإنَّ (وقَفَ) يُستعمل لازمًا ومتعدِّيًا، أي حيثما وقفه الله يقف (٤)، أي لا يطلب تقدُّمًا ولا تأخُّرًا. وهذا إنَّما يكون فيما يقفه فيه من مراده الكوني الذي لا يتعلَّق بالأمر والنهي. وأمَّا إذا وقفه في مرادٍ دينيٍّ، فكماله بطلب التقدُّم فيه دائمًا، فإن (٥) لم تكن همَّته التقدُّم إلى الله في كلِّ لحظةٍ رجع من حيث لا يدري، فلا وقوفَ في

стр. 1222

الطريق (١). ولكنه إذا وقفه في مقامٍ من الغنى والفقر، والراحة والتعب، والصحة (٢) والسقم، والاستيطان أو مفارقة الأوطان= يقف حيث وقفه، فلا يطلب غير تلك الحالة التي أقامه فيها. وهذا لتصحيح رضاه باختيار الله له، والفناء به عن اختياره لنفسه. وكذلك قوله: (لا يستزيد مزيدًا، ولا يستبدل حالًا). وهذا الذي ذكره الشيخ فردٌ من أفراد الرِّضا، وهو الرِّضا بالأقسام والأحكام الكونيَّة التي لم يؤمَر بمدافعتها. وقوله: (وهو من أوائل مسالك أهل الخصوص)، يعني أنَّ سلوك أهل الخصوص هو بالخروج عن النفس، والخروجُ عن الإرادة هو مبدأ الخروج عن النفس، فإذًا الرِّضا بهذا الاعتبار من أوائل مسالك الخاصَّة. وهذا على أصله في كون الفناء غايةً مطلوبةً فوق الرِّضا. والصواب: أنَّ الرِّضا أجلُّ منه وأعلى، وهو غايةٌ لا بداية. نعم، فوقه مقام الشكر، فهو منزلة بينه وبين منزلة الصبر. وقوله: (وأشقِّها على العامة)، وذلك لمشقَّة الخروج عن الحظوظ على العامَّة، والرِّضا أوَّل ما فيه: الخروجُ عن الحظوظ.

стр. 1223

فصل قال (١): (وهو على ثلاث درجاتٍ. الدرجة الأولى: رضا العامَّة، وهو الرِّضا بالله ربًّا، وتسخُّطُ عبادة ما دونه. وهذا قطب رحى الإسلام، وهو يطهِّر من الشِّرك الأكبر). الرِّضا بالله ربًّا: أن لا يتَّخذ ربًّا غير الله تعالى يسكن إلى تدبيره وينزل به حوائجه. قال تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٦٤]، قال ابن عبَّاسٍ ﵄: سيِّدًا وإلهًا (٢)، يعني فكيف أطلب ربًّا غيره وهو ربُّ كلِّ شيءٍ؟ وقال في أوّل السُّورة: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٤] يعني معبودًا وناصرًا ومعينًا وملجًا، وهو من الموالاة التي تتضمَّن الحبَّ والطاعة. وقال في وسطها: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ [الأنعام: ١١٤] أي: أفغير الله أبتغي من يحكم بيني وبينكم، فنتحاكم إليه فيما اختلفنا فيه؟ وهذا كتابه سيِّد الحكّام، فكيف نتحاكم إلى غير كتابه، وقد أنزله مفصَّلًا مبيَّنًا كافيًا شافيًا؟ وأنت إذا تأمَّلت هذه الآيات الثلاث حقَّ التأمُّل، رأيتها هي نفس الرِّضا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمَّدٍ رسولًا، ورأيت الحديث مترجم عنها

стр. 1224

مشتقٌّ منها (١). فكثيرٌ من الناس يرضى به ربًّا فلا يبغي ربًّا سواه، لكنَّه لا يرضى به وحده وليًّا، بل يوالي من دونه أولياء ظنًّا منه أنَّهم يقرِّبونه إلى الله، وأنَّ موالاتهم كموالاة خواصِّ الملك، وهذا عين الشِّرك. بل التوحيد: أن لا يتَّخذ من دونه أولياء، والقرآن مملوءٌ من وصف المشركين بأنَّهم اتخذوا من دونه أولياء. وهذا غير موالاة أنبيائه ورسله وعباده المؤمنين فيه، فإنَّ هذا من تمام الإيمان وتمام موالاته، فموالاة أوليائه لونٌ واتِّخاذ الوليِّ من دونه لون. ومَن لم يفهم الفرقان بينهما فليطلب التوحيد من رأس، فإنَّ هذه المسألة أصل التوحيد وأساسه. وكثيرٌ من الناس يبتغي غيره حكمًا؛ يُحاكم إليه، ويخاصم إليه، ويرضى بحكمه. وهذه المقامات الثلاثة هي أركان التوحيد: أن لا يتَّخذ سواه ربًّا، ولا إلهًا، ولا غيره حكمًا. وتفسيره (٢) الرِّضا بالله ربًّا (أن يسخط عبادة ما دونه)، هذا هو الرِّضا بالله إلهًا، وهو من تمام الرِّضا بالله ربًّا، فمن أعطى الرِّضا به ربًّا حقَّه سخط عبادة ما دونه قطعًا، لأنَّ الرِّضا بتجريد ربوبيته يستلزم تجريد عبادته، كما أنَّ العلم بتوحيد الرُّبوبية يستلزم العلم بتوحيد الإلهيَّة. وقوله: (وهو قطب رحى الإسلام)، يعني أنَّ مدار رحى الإسلام على أن يرضى بعبادته وحده، ويسخط عبادة غيره. وقد تقدَّم أنَّ العبادة هي الحبُّ

стр. 1225

مع الذُّلِّ، فكلُّ من ذَلَلْتَ له وأطعتَه وأحببتَه دون الله فأنت عبدٌ له. وقوله: (وهو يطهِّر من الشِّرك الأكبر)، يعني أنَّ الشِّرك نوعان: أكبر وأصغر، فهذا الرِّضا يطهِّر صاحبه من الأكبر. وأمَّا الأصغر، فيطهِّره نزوله منزلة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. فصل قال (١): (وهو يصحُّ بثلاثة شروطٍ: أن يكون الله أحبَّ الأشياء إلى العبد، وأولى الأشياء بالتعظيم، وأحقَّ الأشياء بالطاعة). يعني أنَّ هذا النوع من الرِّضا إنَّما يصحُّ بثلاثة أشياء أيضًا: أحدها: أن يكون الله أحبَّ شيءٍ إلى العبد. وهذه تُعرف بثلاثة أشياء أيضًا: أحدها: أن تسبق محبَّتُه إلى القلب كلَّ محبَّةٍ، فتتقدَّم محبَّتُه المحابَّ كلَّها. الثاني: أن تقهر محبَّته كلَّ محبةٍ، فتكون محبَّة (٢) غيرِه مقهورةً مغلوبةً منطويةً في محبَّته. الثّالث: أن تكون محبَّة (٣) غيره تابعةً لمحبَّته، فيكون هو المحبوبَ بالذات والقصد الأول، وغيره محبوبًا تبعًا لحبِّه، كما يطاع تبعًا لطاعته؛ فهو

стр. 1226

في الحقيقة المطاع المحبوب. وهذه الثلاثة في كونه أولى الأشياء بالتّعظيم والطّاعة أيضًا. فالحاصل: أن يكون وحدَه المحبوبَ المعظَّم المطاع، فمن لم يحبَّه ولم يعظِّمه ولم يطعه فهو متكبِّرٌ عليه. ومتى أحبَّ معه سواه، وعظَّم معه سواه، وأطاع معه سواه= فهو مشركٌ. ومتى أفرده وحده بالحبِّ والتعظيم والطاعة فهو عبدٌ موحِّد. فصل قال (١): (الدرجة الثانية: الرِّضا عن الله. وبهذا الرضا نطقت آيات التنزيل، وهو الرِّضا عنه في كلِّ ما قضى وقدَّر. وهذا من أوائل مسالك أهل الخصوص). الشيخ جعل هذه الدرجة أعلى من الدرجة التي قبلها، ووجه قوله أنَّه لا يدخل في الإسلام إلا بالدرجة الأولى، فإذا استقرَّ قدمه عليها دخل في مقام الإسلام. وأمَّا هذه الدرجة، فمن معاملات القلوب، وهي لأهل الخصوص، وهي الرِّضا عنه في أحكامه وأقضيته. وإنَّما كان من أوَّل مسالك أهل الخصوص لأنَّه مقدِّمةٌ للخروج عن النفس، والذي هو طريق أهل الخصوص، فمقدِّمته بداية سلوكهم، لأنَّه يتضمَّن خروج العبد عن حظوظه، ووقوفَه مع مراد الله، لا مع مراد نفسه. هذا تقرير كلامه. وفي جعله هذه الدرجةَ أعلى من التي قبلها نظرٌ لا

стр. 1227

يخفى، وهو نظير جعله الصبر بالله أعلى من الصبر لله. والذي ينبغي: أن تكون الدرجة الأولى أعلى شأنًا وأرفع قدرًا، فإنَّها مختصَّةٌ وهذه الدرجة مشتركة، فإنَّ الرِّضا بالقضاء يصحُّ من المؤمن والكافر، وغايته التسليم لقضاء الله وقدره، فأين هذا من الرِّضا به ربًّا وإلهًا ومعبودًا وحكمًا؟ وأيضًا (١): فالرِّضا به ربًّا فرض، بل هو من آكد الفروض باتِّفاق الأمَّة، فمن لم يرض به ربًّا، لم يصحَّ له إسلامٌ ولا عمل (٢). وأمَّا الرِّضا بقضائه، فأكثر الناس على أنَّه مستحبٌّ وليس بواجبٍ، وقيل: بل هو واجب، وهما قولان في مذهب أحمد (٣). فالفرق بين الدرجتين فرق ما بين الفرض والنفل (٤). وفي الحديث الإلهيِّ الصحيح يقول الله : «ما تقرَّب إليَّ عبدي بمثل أداء ما افترضتُ عليه» (٥)، فدلَّ على أنَّ التقرُّب إليه سبحانه بأداء الفرض (٦) أفضل وأعلى من التقرُّب إليه بالنوافل. وأيضًا: فإنَّ الرِّضا به ربًّا يتضمَّن الرِّضا عنه ويستلزمه، فإنَّ الرِّضا بربوبيته هو رضا العبد بما يأمره به وينهاه عنه، ويقسمه له ويقدِّره عليه، ويعطيه إيَّاه ويمنعه منه. فمتى لم يرض بذلك كلِّه لم يكن قد رضي به ربًّا من

стр. 1228

جميع الوجوه وإن كان راضيًا به ربًّا من بعضها. فالرِّضا به ربًّا من كلِّ وجهٍ يستلزم الرِّضا عنه ويتضمَّنه بلا ريبٍ. وأيضًا: فالرِّضا به ربًّا يتعلَّق (١) بذاته وصفاته وأسمائه وربوبيَّته العامَّة والخاصَّة، فهو الرِّضا به خالقًا ومدبِّرًا، وآمرًا وناهيًا وملكًا، ومعطيًا ومانعًا، وحكمًا ووكيلًا ووليًّا، وناصرًا ومعينًا، وكافيًا وحسيبًا، ورقيبًا ومبتليًا ومعافيًا، وقابضًا وباسطًا، إلى غير ذلك من صفات ربوبيته. وأمَّا الرِّضا عنه، فهو رضا العبد بما يفعله به ويعطيه إيَّاه. ولهذا إنما جاء (٢) في الثواب والجزاء، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٧ - ٢٨] فهذا رضاها عنه بما حصل لها من كرامته، وكقوله تعالى: ﴿(٧) عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة: ٨]. فالرِّضا به أصلٌ للرِّضا عنه، والرِّضا عنه ثمرة الرِّضا به. وسرُّ المسألة: أنّ الرِّضا به متعلِّق بأسمائه وصفاته، والرِّضا عنه متعلِّق بثوابه وجزائه. وأيضًا: فإنَّ النبي ﷺ علَّق ذوق طعم الإيمان بمن رضي به ربًّا، ولم يعلِّقه بمن رضي عنه، كما قال ﷺ : «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمَّدٍ رسولًا» (٣)، فجعل الرِّضا به قرين الرِّضا بدينه ونبيِّه. وهذه الثلاثة هي أصول الإسلام التي لا يقوم إلَّا بها.

стр. 1229

وأيضًا: فالرِّضا به ربًّا يتضمَّن توحيده وعبادته، والإنابة إليه، والتوكُّل عليه، وخوفه ورجاءه ومحبَّته، والصّبر له وبه، والشُّكر على نعمه، بل رؤية كلِّ ما منه نعمةً وإحسانًا وإن ساء عبده. فالرِّضا به ربًّا يتضمَّن شهادة أن لا إله إلّا الله، والرِّضا بمحمدٍ رسولًا يتضمَّن شهادة أن محمَّدًا رسول الله، والرِّضا بالإسلام دينًا يتضمّن التزام عبوديَّته وطاعته وطاعة رسوله. فجمعت هذه الثلاثة الدِّين كلَّه. وأيضًا: فإن الرِّضا به ربًّا يتضمَّن اتِّخاذه معبودًا دون ما سواه، واتِّخاذَه وليًّا ومعبودًا (١). وقد قال تعالى لرسوله: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ [الأنعام: ١١٤]، وقال: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾ [الأنعام: ١٤]، وقال: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٦٤]، فهذا هو عين الرِّضا به ربًّا. وأيضًا: فإنَّه جعل حقيقة الرِّضا به ربًّا أن يسخط عبادة ما دونه. فمتى سخط العبد عبادة ما سواه من الآلهة الباطلة حبًّا وخوفًا ورجاءً، وتعظيمًا وإجلالًا= فقد تحقَّق بالرِّضا به (٢)، الذي هو قطب رحى الإسلام. وإنَّما كان قطب رحى الدِّين لأنَّ جميع العقائد والأعمال والأحوال إنما تنبني على توحيد الله في العبادة وسخط عبادة ما سواه، فمن لم يكن له هذا القطب لم يكن له رحًى تدور عليه. ومن حصل له هذا القطب ثبتت له

стр. 1230

الرحى التي تدور عليه (١)، فيخرج حينئذٍ من دائرة الشِّرك إلى دائرة الإسلام، فتدور رحى إسلامه وإيمانه على قطبها الثابت اللازم. وأيضًا: فإنَّه جعل حصول هذه الدرجة من الرِّضا موقوفًا على كون المرضيِّ به ربًّا ــ سبحانه ــ أحبَّ إلى العبد من كلِّ شيءٍ، وأولى الأشياء بالتعظيم، وأحقَّ الأشياء بالطاعة؛ ومعلومٌ أنَّ هذا يجمع قواعد العبوديَّة وينتظم (٢) فروعَها وشُعَبَها. ولمَّا كانت المحبَّة التامَّة ميل القلب بكلِّيَّته إلى المحبوب، كان ذلك الميل حاملًا على طاعته وتعظيمه. وكلَّما كان الميل أقوى كانت الطاعة أتمَّ والتعظيمُ أوفر. وهذا الميل يلازم الإيمان، بل هو روح الإيمان ولبُّه. فأيُّ شيءٍ يكون أعلى من أمرٍ يتضمَّن أن يكون الله سبحانه أحبَّ الأشياء إلى العبد، وأولى الأشياء بالتعظيم، وأحقَّ الأشياء بالطاعة؟ وبهذا يجد العبد حلاوة الإيمان، كما في «الصحيح» (٣) عنه ﷺ أنَّه قال: «ثلاثٌ من كنَّ فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحبَّ إليه ممَّا سواهما، ومن كان يحبُّ المرء لا يحبُّه إلَّا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يُلقى في النار». فعلَّق ذوق الإيمان بالرِّضا بالله ربًّا، وعلَّق وَجْد حلاوته بما هو موقوفٌ عليه ولا يتمُّ إلَّا به، وهو كونه سبحانه أحبَّ الأشياء إلى العبد هو ورسولُه.
следующие страницы →