← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 199

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 526 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

فعلى هذا هو أوسع من التفويض على ما ذكر. قوله: (وهو عين الاستسلام)، أي التفويض عين الانقياد بالكليَّة إلى الحقِّ سبحانه، ولا يبالي أكان ما يقضي له الخير أم خلافه؟ والمتوكِّل يتوكَّل على الله في مصالحه (١). وهذا القدر هو الذي لحظه القوم في هضم مقام التوكُّل ورفع مقام التفويض عليه، وجوابه من وجهين. أحدهما: أنّ المفوِّض لا يفوِّض أمره إلى الله إلَّا لإرادته أن يقضي له ما هو خيرٌ له في معاشه ومعاده. وإن كان المقضيُّ له خلاف ما يظنُّه خيرًا فهو راضٍ به، لأنَّه يعلم أنَّه خير له وإن خفيت عليه جهة المصلحة فيه. وهكذا حال المتوكِّل سواء، بل أرفع من المفوِّض، لأنَّ معه من عمل القلب ما ليس مع المفوِّض، فالمتوكِّل مفوِّض وزيادة، فلا يستقيم مقام التوكُّل إلَّا بالتفويض، فإنَّه إذا فوَّض أمره إليه اعتمد بقلبه كلِّه عليه بعد تفويضه. ونظير هذا: أنَّ من فوَّض أمره إلى رجلٍ وجعله إليه، فإنَّه يجد مِن نفسه بعد تفويضه اعتمادًا خاصًّا وسكونًا وطمأنينةً إلى المفوِّض إليه أكثر ممَّا كان قبل التفويض، وهذا هو حقيقة التّوكُّل. الوجه الثاني: أنَّ أهمَّ مصالح المتوكِّل حصولُ مراضي محبوبه ومحابِّه، فهو يتوكَّل عليه في تحصيلها له، فأيُّ مصلحةٍ أعظم من هذا؟ وأمَّا التفويض فهو تفويض حاجات العبد المعيشيَّة وأسبابها إلى الله، فإنَّه لا يفوِّض إليه محابَّه، والمتوكِّل يتوكَّل عليه في محابِّه.

стр. 1157

والوهم إنَّما دخل حيث يظنُّ الظانُّ أنَّ التوكُّل مقصور على معلوم الرِّزق، وقوت البدن، وصحَّة الجسم. ولا ريب أنَّ هذا التوكُّل ناقصٌ بالنِّسبة إلى التوكُّل في إقامة الدِّين والدعوة إلى الله. قال (١): (وهو على ثلاث درجاتٍ. الأولى: أن يعلم أنَّ العبد لا يملك قبل عمله استطاعةً، فلا يأمن من مكر، ولا ييأس من معونة، ولا يعوِّل على نيَّة). أي: يتحقَّق أنَّ استطاعته بيد الله لا بيده، فهو مالكها دونه، فإن لم (٢) يعطه الاستطاعة فهو عاجز، فهو لا يتحرَّك إلَّا بالله لا بنفسه، فكيف يأمن المكر؟! وهو: أن لا يحرِّكَه مَن حركتُه بيده، بل يُثبِّطه ويُقعده مع القاعدين (٣)، كما قال فيمن منعه مِن هذا التوفيق: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة: ٤٦]. فهذا مكر الله بالعبد: أن يقطع عنه موادَّ توفيقه، ويخلِّي بينه وبين نفسه، ولا يبعث دواعيه ولا يحرِّكه إلى مرضاته ومحابِّه. وليس هذا حقًّا علاه يكون ظالمًا بمنعه، بل هو مجرَّد فضله الذي يُحمَد على بذله لمن بذله له، وعلى منعه لمن منعه (٤) إيَّاه، فله الحمد على هذا وهذا.

стр. 1158

ومن فهم هذا فهم بابًا عظيمًا من سرِّ القدر، وانحلَّت له إشكالات كثيرة، فهو سبحانه لا يريد من نفسه فعلًا يفعله بعبده يقع منه ما يحبُّه ويرضاه، فيمنعه فعلَ نفسه به ــ وهو توفيقه ــ، لا أنَّه يُكرهه ويقهره على فعل مساخطه، بل يكله إلى نفسه وحوله وقوَّتِه ويتخلَّى عنه، فهذا هو المكر. قوله: (ولا ييأس من معونة)، يعني إذا كان المحرِّك له هو الربُّ ﷻ ، وهو أقدر القادرين، وهو الذي تفرَّد بخلقه ورزقه، وهو أرحم الراحمين= فكيف ييأس من معونته له؟ وقوله: (ولا يعوِّل على نية)، أي لا يعتمد على نيَّته وعزمه ويثق بها، فإنَّ نيّته وعزمه بيد الله تعالى لا بيده، وهي إلى الله لا إليه، فلتكن ثقته بمن هي في يده حقًّا، لا بمن هي جاريةٌ عليه حكمًا. فصل قال (١): (الدرجة الثانية: معاينة الاضطرار، فلا يرى عملًا منجيًا، ولا ذنبًا مهلكًا، ولا سببًا حاملًا). أي: يعاين فقره وفاقته وضرورته التامَّة إلى الله، بحيث (٢) يرى في كلِّ ذرَّةٍ من ذرَّاته الباطنة والظاهرة ضرورةً وفاقةً تامَّةً إلى الله، فنجاته إنَّما هي بالله لا بعمله. وأمَّا قوله: (ولا ذنبًا مهلكًا)، فإن أراد به أنَّ هلاكه بالله لا بسبب ذنوبه فباطلٌ معاذَ الله من ذلك. وإن أراد به أنَّ فضل الله وسعةَ مغفرته ورحمته،

стр. 1159

ومشاهدةَ شدَّةِ ضرورته وفاقته إليه توجب (١) أن لا يرى ذنبًا مُهلكًا، فإنَّ افتقاره وفاقته وضرورته إلى الله تمنعه (٢) من الهلاك بذنوبه (٣)، إذ صاحب هذا المقام لا يصرُّ على ذنوبٍ تُهلكه وهذا حاله= فهذا حقٌّ، وهو من مشاهد أهل المعرفة. وقوله: (ولا سببًا حاملًا)، أي يشهد أنَّ الحامل له هو الحقُّ تعالى، لا الأسباب التي يقوم بها، فإنَّه وإيَّاها محمولان بالله وحده. فصل قال (٤): (الدرجة الثالثة: شهود انفراد الحقِّ بملك الحركة والسُّكون، والقبض والبسط، ومعرفتُه بتصريف التفرقة والجمع). هذه الدرجة تتعلَّق بشهود وصف الله وشأنِه، والتي قبلها تتعلَّق بشهود حال العبد ووصفه. أي: يشهد حركاتِ العالم وسكونَه صادرةً عن الحقِّ تعالى في كلِّ متحرِّك وساكن، فيشهد تعلُّق الحركة باسمه الباسط وتعلُّق السُّكون باسمه القابض، فيشهد تفرُّده سبحانه بالبسط والقبض. وأمَّا (معرفته بتصريف التفرقة والجمع)، أي يكون المُشاهِد عارفًا بمواضع التفرقة والجمع. والمراد بالتفرقة: نظر الأغيار، ونسبةُ الأفعال إلى الخلق. والمراد بالجمع: شهود الأفعال منسوبةً إلى موجدها الحقِّ.

стр. 1160

وقد يريدون بالتفرقة والجمع معنًى وراء هذا الشُّهود، وهو حال التفرقة والجمع، فحال التفرقة: تفرُّق القلب في أودية الإرادات وشعابها، وحال الجمع: جمعيَّته على مراد الحقِّ وحده. فالأوَّل علم التفرقة والجمع، والثاني حالهما. * * * *

стр. 1161

فصل ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الثِّقة بالله . قال صاحب «المنازل» (١): (الثقة: سواد عين التوكُّل، ونقطة دائرة التفويض، وسويداء قلب التسليم). وصدَّر الباب بقوله تعالى لأمِّ موسى: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾ [القصص: ٧]، فإنَّ فعلها هذا هو عين ثقتها بالله، إذ لولا كمال ثقتها بربِّها لما ألقت ولدها وفلذة كبدها في تيَّار الماء، تتلاعب به أمواجُه وجِرياتُه (٢) إلى حيث ينتهي أو يقف. ومراده: أنَّ الثقة خلاصةُ التوكُّل ولبُّه، كما أنَّ سواد العين أشرف ما في العين. وأشار بأنَّه (نقطة دائرة التوكل (٣)) إلى أنَّ مدار التوكُّل عليه، وهو في وسطه كحال النقطة من الدائرة، فإنَّ النقطة هي المركز الذي عليه استدارة المحيط، ونسبة جهات المحيط إليه نسبة واحدة، وكلُّ جزءٍ من أجزاء

стр. 1162

المحيط مقابلٌ لها، كذلك الثقة هي النقطة التي يدور عليها التفويض. وكذلك قوله: (سويداء قلب التسليم)، فإنَّ القلب أشرف ما فيه سويداؤه، وهي المُهجة التي تكون بها الحياة، وهي في وسطه. فلو كان التّفويض (١) قلبًا لكانت الثِّقة سويداءه، ولو كان عينًا لكانت سوادَها، ولو كان دائرةً لكانت نقطتها. وقد تقدَّم أنَّ كثيرًا من الناس يفسِّر التوكُّل بالثقة ويجعله حقيقتَها، ومنهم من يفسِّره بالتفويض، ومنهم من يفسِّره بالتسليم، فعلمتَ أنَّ مقام التوكُّل يجمع ذلك كلَّه. وكأنَّ الثقة عند الشّيخ هي روح التوكل، والتوكُّل كالبدن الحامل لها، ونسبتها إلى التوكُّل كنسبة الإحسان إلى الإيمان. فصل قال (٢): (وهي على ثلاث درجاتٍ. الدرجة الأولى: درجة الإياس . وهي البُعد عن مقاومات الأحكام (٣)، ليقعد عن منازعة الأقسام، ليتخلَّص من قِحة الإقدام). يعني أنَّ الواثق بالله لاعتقاده أنَّ الله إذا حكم بحكمٍ وقضى أمرًا فلا مردَّ

стр. 1163

لقضائه ولا معقِّب لحكمه، فمن حكم الله له بحكمٍ وقَسَم له بنصيبٍ من الرزق أو الطاعة أو الحال أو العلم وغيره (١) فلا بدَّ من حصوله له، ومن لم يَقْسِم له ذلك فلا سبيل له إليه البتَّة، كما لا سبيل له إلى الطّيران إلى السماء وحمل الجبال= فبهذا التقدير (٢) يَقعُد (٣) عن منازعة الأقسام، فما كان له منها فسوف يأتيه على ضعفه، وما لم يكن له منها فلن يناله بقوَّته. والفرق بين مقاومة الأحكام ومنازعة الأقسام: أنَّ مقاومة الأحكام أن تتعلَّق إرادته بغير ما في حكم الله وقضائه، فإذا تعلَّقت إرادتُه بذلك جاذب الخلقَ الأقسامَ ونازعهم فيها. وقوله: (ليتخلَّص من قحة الإقدام)، أي يتخلَّص بالثقة بالله مِن هذه القِحة والجرأة على إقدامه على ما لم يُحكَم له به ولا قُسِم له. فصل قال (٤): (الدرجة الثانية: درجة الأمن ، وهو أمن العبد من فوت المقدور وانتقاص المسطور، فيظفر برَوح الرِّضا، وإلَّا فبعين (٥) اليقين، وإلَّا فبلطف الصبر).

стр. 1164

يقول: من حصل له الإياس المذكور حصل له الأمن، وذلك أنَّه مَن تحقَّق بمعرفة أنَّ ما قضاه الله فلا مردَّ له البتَّة= أَمِن من فوت نصيبه الذي قسم الله له، ويأمن أيضًا من نقصان ما كتبه الله له وسَطَره في الكتاب المسطور. (فيظفر بروح الرِّضا)، أي براحته ولذَّته ونعيمه، لأنَّ صاحب الرِّضا في راحة ولذَّة وسرور، كما في حديث عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ : «إنَّ الله بعدله وقسطه جعل الرَّوح والفرح (١) في اليقين والرِّضا، وجعل الهمَّ والحزن في الشكِّ والسخط» (٢). فإن لم يقدر على رَوح الرِّضا ظفر بعين اليقين، وهو قوَّة الإيمان ومباشرته للقلب، بحيث لا يبقى بينه وبين العيان إلَّا كشف الحجاب المانع من مكافحة البصر.

стр. 1165

فإن لم يحصل له هذا المقام حصل على لطف الصبر وما فيه من حسن العاقبة، كما في الأثر المعروف: «إن استطعت أن تعمل لله بالرِّضا مع اليقين فافعل، فإن لم تستطع فإنَّ في الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا» (١). فصل قال (٢): (الدرجة الثالثة: معاينة أزليَّة الحقِّ ، ليتخلَّص من محن المقصود (٣)، وتكاليف الحمايات، والتعريج على مدارج الوسائل). قوله: (معاينة أزلية الحق)، أي متى شهد قلبه تفرُّد الربِّ سبحانه بالأزليَّة غاب بها عن الطلب، لتيقُّنه فراغَ الربِّ تعالى من المقادير، وسَبْقِ الأزل بها، وثبوتِ حكمها هناك؛ فيَخلُص (٤) من المحن التي تعرض له دون المقصود. ويتخلَّص أيضًا من تعريجه والتفاته وحبس مطيَّته على طرق الأسباب التي يتوصل (٥) بها إلى المطالب. وهذا ليس على إطلاقه، فإنَّ مدارج الوسائل قسمان: وسائل موصلةٌ إلى عين الرِّضا، فالتعريج على مدارجها معرفةً وعملًا وحالًا وإيثارًا هو محض العبوديَّة. ولكن لا يجعل تعريجه كلَّه على مدارجها، بحيث ينسى بها

стр. 1166

الغاية التي هي وسائل إليها (١). وأمّا تخلُّصه من تكاليف الحمايات فهو تخلُّصه من طلب ما حماه الله تعالى عنه قدرًا، فلا يتكلّف طلبه وقد حُمي عنه. ووجهٌ آخر: وهو أن يتخلَّص بمشاهدة سبق الأزليَّة من تكاليف احترازاته وشدَّة احتمائه من المكاره، لعلمه بسبق الأزل بما كتب له منها، فلا فائدة في تكلُّف الاحتماء. نعم، يحتمي ممَّا نُهي عنه، وما لا ينفعه في طريقه ولا يعينه على الوصول. * * * *

стр. 1167

فصل ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة التسليم ، وهي نوعان: تسليمٌ لحكمه الدينيِّ الأمريِّ، وتسليمٌ لحكمه الكوني القدري. فأمَّا الأوَّل فهو تسليم المؤمنين العارفين. قال تعالى: ﴿وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]، فهذه ثلاث مراتب: التحكيم، وسعة الصدر بانتفاء الحرج، والتسليم. وأما التسليم للحكم الكوني فمزلَّة أقدام، ومضلَّة أفهام، حيَّر الأنام، وأوقع الخصام. وهي مسألة الرِّضا بالقضاء، وقد تقدَّم الكلام عليها بما فيه كفاية (١)، وبينَّا أنَّ التسليم للقضاء يُحمَد إذا لم يؤمر العبد بمنازعته ودفعه ولم يقدر على ذلك، كالمصائب التي لا قدرة له على دفعها. وأمَّا الأحكام التي أُمِر بدفعها، فلا يجوز له التسليم إليها، بل العبوديَّة مدافعتُها بأحكامٍ أُخَر أحبَّ إلى الله منها. فصل قال صاحب «المنازل» (٢): (وفي التسليم والثِّقة والتفويض ما في التوكُّل من العلل. وهو من أعلى درجات سبل العامَّة). يعني أنَّ العلل التي في التوكُّل من معاني الدعوى، ونسبةِ الشيء إلى

стр. 1168

نفسه أوَّلًا حيث يزعم أنّه وكَّل ربَّه فيه، وتوكَّل عليه فيه، وجعله وكيله القائمَ عنه بمصالحه التي كان يحصِّلها لنفسه بالأسباب والتصرُّفات، وغيرِ ذلك من العلل المتقدِّمة. وقد عرفت ما في ذلك. وليس في التسليم إلَّا علَّة واحدة، وهي أن لا يكون تسليمه صادرًا عن محض الرِّضا والاختيار، بل يشوبه كرهٌ وانقباض، فيسلِّم على نوع إغماض. فهذه علَّة التسليم المؤثِّرة، فاجتهِدْ على الخلاص منها. وإنَّما كان للعامَّة عنده لأنَّ الخاصَّة في شغلٍ عنه باستغراقهم في الفناء في عين الجمع. وجعلُ الفناء غايةَ الاستغراق في عين الجمع هو الذي أوجب ما أوجب، والله المستعان. قال (١): (وهو على ثلاث درجاتٍ: الدرجة الأولى: تسليم ما يزاحم العقول ممَّا سبق (٢) على الأوهام من الغيب، والإذعانُ لما يغالب القياس من سير الدُّول والقِسَم، والإجابةُ لما يفزع المريد من ركوب الأحوال (٣)). اعلم أنَّ التسليم هو الخلاص من شُبهةٍ تعارض الخبر، أو شهوةٍ تعارض الأمر، أو إرادةٍ تعارض الإخلاص، أو اعتراضٍ يعارض القدر والشرع.

стр. 1169

وصاحب هذا التخلُّص هو صاحب القلب السليم الذي لا ينجو إلَّا من أتى الله به، فإنَّ التسليم ضدُّ المنازعة. والمنازعة إمَّا بشبهةٍ فاسدةٍ تعارض الإيمان بالخبر عمَّا وصف الله تعالى به نفسه من صفاته وأفعاله، أو ما أخبر به من اليوم الآخر، وغير ذلك. فالتسليم له ترك منازعته بشبهات المتكلِّمين الباطلة. وإمَّا بشهوةٍ تعارض أمر الله. فالتسليم للأمر بالتخلُّص منها. أو إرادةٍ تعارض مراد الله من عبده، فتعارضه إرادةٌ تتعلَّق بمراد العبد من الربِّ. فالتسليم بالتخلُّص منها. أو اعتراضٍ يعارض حكمته في خلقه وأمره، بأن يظنَّ أنّ مقتضى الحكمة خلاف ما شرع، وخلاف ما قضى وقدَّر. فالتسليم: التخلُّص من هذه المنازعات كلِّها. وبهذا يتبيَّن أنَّه من أجلِّ مقامات الإيمان وأعلى طرق الخاصَّة، وأنَّ التسليم هو محض الصدِّيقيَّة التي هي بعد درجة النبوَّة، وأنَّ أكمل الناس تسليمًا أكملُهم صدِّيقيَّةً. فلنرجع إلى شرح كلام الشيخ. أمَّا قوله: (تسليم ما يزاحم العقول ممَّا سبق (١) على الأوهام)، يعني: أنَّ التسليم يقتضي (٢) ما ينهى عنه العقل ويزاحمه، فإنَّه يقتضي التجريد عن

стр. 1170

الأسباب، والعقلُ يأمر بها. فصاحب التسليم يسلِّم إلى الله ما هو غيبٌ عن العبد، فإنَّ فعله سبحانه لا يتوقَّف على هذه الأسباب التي ينهى العقل عن التجرُّد عنها. فإذا سلَّم لله لم يلتفت إلى السبب في كلِّ ما غاب عنه. فالأوهام يسبق عليها أنَّ ما غاب عنها من الحكم لا يحصل إلَّا بالأسباب، والتسليم يقتضي التجرُّد عنها، والعقل ينهى عن ذلك، والوهم قد سبق (١) عليه أنَّ الغيب موقوفٌ عليها. فهاهنا أمورٌ ستَّة: عقل، ومزاحِمٌ له، ووهم، وسابقٌ إليه، وغيب، وتسليم لهذا المزاحم. فالعقل هو الباعث له على الأسباب، الداعي له إليها، التي إذا خرج الرجل عنها عُدَّ قدحًا في عقله. والمزاحم له: التجرُّد عنها بكمال التسليم إلى من بيده أزمَّة الأمورِ مواردِها ومصادرِها (٢). والوهم: اعتقاده توقُّف حصول السَّعادة والنَّجاة وحصول المقدور كائنًا ما كان عليها، وأنَّه لولاها لما حصل المقدور. وهذا هو السابق إلى الوهم. والمغيب: الحكم الذي غاب عنه، وهو فعل الله. والتسليم: تسليم هذا المزاحم إلى نفس الحكم (٣).

стр. 1171

مع أنَّ في تنزيل عبارته على هذا، وإفراغِ هذا المعنى في قوالب ألفاظه نظر (١). وفيه وجهٌ آخر (٢)، وهو أن يكون المراد: التسليم لما يبدو للعبد من معاني الغيب ممَّا يزاحم معقوله في بادي الرَّأي ويسبق إلى وهمه أنَّ الأمر بخلافه، فيسبق على الأوهام من الغيب الذي أُخبِرت به شيءٌ يزاحم معقولها، فتقع المنازعة بين حكم العقل وحكم الوهم؛ فإنَّ كثيرًا من الغيب قد يزاحم العقل بعض المزاحمة، ويسبق إلى الوهم خلافُه. فالتسليم: تسليم هذا المزاحم إلى وليِّه ومَن أخبر به، والتجرُّد عمَّا يسبق إلى الوهم ممَّا يخالفه. وهذا أولى المعنيين بكلامه إن شاء الله. فالأوَّل تسليم منازعات الأسباب لتجريد التوحيد العمليِّ القصديِّ الإراديِّ، وهذا تجريد منازعات الأوهام المخالفة للخبر لتجريد التوحيد العلميِّ الخبريِّ الاعتقاديِّ. وهذا حقيقة التسليم. قوله: (والإذعان لما يغالب القياس مِن سير الدُّول والقِسَم)، أي الانقياد لما يقاوي عقلَه وقياسه ممَّا جرى به حكم الله في الدُّول قديمًا وحديثًا مِن طيِّ دولةٍ ونشر دولةٍ، وإعزاز هذه وإذلال هذه، والقِسَم التي قَسَمها على خلقه مع شدَّة تفاوتها، وتباين مقاديرها وكيفيَّاتها وأجناسها؛ فيذعن لحكمة الله في ذلك، ولا يعترض ما وقع منها بشبهةٍ وقياسٍ.

стр. 1172

ويحتمل أن يكون مراده بالدُّول والقسم: الأحوال التي تتداول عليه (١) ويختلف سيرها، والقِسَم التي نالته من الله ما كان قياس سعيه واجتهاده أن يحصل له أكثرُ منها؛ فيذعن لِما غالب قياسَه منها، ويسلِّم للقسَّام المعطي بحكمته وعدله. فإنَّ مِن عباده من لا يُصلحه إلّا الفقر، ولو أغناه لأفسده ذلك. ومنهم من لا يصلحه إلَّا الغنى، ولو أفقره لأفسده ذلك. ومنهم من لا يُصلحه إلَّا المرض، ولو أصحَّه لأفسده ذلك. ومنهم من لا يصلحه إلَّا الصحَّة، ولو أمرضه لأفسده ذلك. قوله: (والإجابة لما يفزع المريد من ركوب الأحوال)، يقول: إنَّ صاحب هذه الدرجة مِن قوَّة التسليم يهجم على الأمور المفزعة ولا يلتفت إليها، ولا يخاف منها من ركوب الأحوال واقتحام الأهوال، لأنَّ قوَّة تسليمه تحميه من خطرها، فلا ينبغي أن يخاف، فإنّه في حصن التسليم ومَنَعته وحمايته. فصل قال (٢): (الدرجة الثانية (٣): تسليم العلم إلى الحال، والقصد إلى الكشف، والرَّسم إلى الحقيقة). أمَّا (تسليم العلم إلى الحال) فليس المراد منه تحكيمَ الحال على العلم، حاشا الشيخ من ذلك، وإنَّما أراد الانتقال من الوقوف عند صور العلم

стр. 1173

الظاهرة إلى معانيها وحقائقها الباطنة وثمراتها المقصودة منها، مثل الانتقال من محض التقليد والخبر إلى العيان واليقين، حتَّى كأنَّه يرى ويشاهد ما أخبر به الرسول، كما قال تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ [سبأ: ٦]، وقال: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ [الرعد: ١٩]. وينتقل من الحجاب إلى الكشف، فينتقل من العلم إلى اليقين، ومن اليقين إلى عين اليقين، ومن علم الإيمان إلى ذوق طعم الإيمان ووَجْدِ (١) حلاوته، فإنَّ هذا قدرٌ زائدٌ على مجرَّد علمه، ومن علم التوكُّل إلى حاله، وأشباه ذلك. فيسلِّم العلم الصحيح إلى الحال الصحيح، فإنَّ سلطان الحال أقوى من سلطان العلم. فإن كان الحال مخالفًا للعلم فهو مَلِك ظالم، فليخرج عليه بسيف العلم، وليحكِّمه عليه. وأمَّا (تسليم القصد إلى الكشف)، فليس معناه أن يترك القصد عند معاينة الكشف، فإنَّه متَّى ترك القصد خلع ربقة العبوديَّة من عنقه. ولكن يجعل قصده سائرًا طالبًا لكشفه يؤمُّه، فإذا وصل إليه سلَّمه إليه وصار الحكم للكشف، إذ القصد آلة ووسيلة إليه. فإن كان كشفًا صحيحًا مطابقًا للحقِّ في نفسه كُشِف له عن آفات القصد ومفسداته ومصحِّحاته وعيوبه، فأقبل على تصحيحه بنور الكشف. لا أنَّ صاحب القصد ترك القصد لأجل الكشف، فهذا سير أهل الإلحاد الناكبين عن سبيل الحقِّ والرشاد.

стр. 1174

وأمّا (ترك الرسم إلى الحقيقة)، فيشير به إلى الفناء، فإنَّ من جملة تسليم صاحب الفناء تسليمَ ذاته ليفنى في شهود الحقيقة، فإنَّ ذات العبد هي رسمٌ (١) تُفنيه الحقيقة، كما يُفني النُّور الظُّلمة. لأنَّ عند أصحاب الفناء أنَّ الحقَّ سبحانه لا يراه سواه ولا يشاهده غيره، لا بمعنى الاتِّحاد، ولكن بمعنى أنَّه لا يشاهده العبد حتَّى يفنى عن إنِّيَّته (٢) ورسمه وجميع عوالمه، فيفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل. هذا كالإجماع (٣) من الطائفة، بل هو إجماع منهم. (٤) (الدرجة الثالثة: تسليم ما دون الحقِّ إلى الحقِّ، مع السلامة من رؤية التسليم، بمعاينة تسليم الحقِّ إيَّاك إليه). هذه الدرجة تكملة الدّرجة التي قبلها، فإنَّ التسليم في التي قبلها بدايةٌ لها، وهي واسطةٌ بين الدرجة الأولى والثالثة، فالأولى بداية، والثانية توسطٌ، والثالثة نهاية. قوله: (تسليم ما دون الحقِّ إلى الحقِّ)، يريد به اضمحلال رسوم الخلق في شهود الحقيقة، وكلُّ ما دون الحقِّ رسومٌ، فإذا سلَّم رسمه الخاصَّ (٥) إلى ربِّه حصل له حقيقة الفناء. وهذا التسليم نوعان:

стр. 1175

أحدهما: تسليم رسمه الخاصِّ به. والثاني: تسليم رسوم الكائنات، ورؤية تلاشيها واضمحلالها في عين الحقيقة. وهذا علمٌ ومعرفة، والأوَّل حال. وقوله: (والسلامة من رؤية التسليم)، أي ينسلب أيضًا من رسم رؤية التسليم، فإنَّ الرُّؤية أيضًا رسمٌ من جملة الرُّسوم، فما دام مستصحبًا لها لم يسلِّم التسليم التامَّ، وقد بقيت عليه بقيّةٌ من منازعات رسمه. ثمَّ عرَّف كيفيَّة هذا التسليم فقال: (بمعاينة تسليم الحقِّ إيّاك إليه)، أي ينكشف لك حين تسلِّم ما دون الحقِّ إلى الحقِّ أنَّ الحقَّ تعالى هو الذي سلَّم إلى نفسه ما دونه، فالحقُّ تعالى هو الذي سلَّمك إليه، فهو المسلِّم وهو المسلَّم إليه، وأنت آلة التسليم. فمن شهد هذا المشهد وجد ذاته مسلَّمةً إلى الحقِّ، وما سلَّمها إلى الحقِّ غيرُ الحقِّ؛ فقد سَلِم العبدُ من دعوى التسليم. والله أعلم. * * * *

стр. 1176

فصل ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الصبر . قال الإمام أحمد: ذكر الله الصبر في القرآن في نحوٍ من تسعين موضعًا (١). وهو واجب بإجماع الأمَّة. وهو نصف الإيمان (٢)، فإنَّ الإيمان نصفان: نصفٌ صبرٌ ونصفٌ شكرٌ. وهو في القرآن على ستَّة عشر نوعًا. الأوَّل: الأمر به، نحو قوله: ﴿(١٥٢) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ١٥٣]، وقوله: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠]، وقوله: ﴿(١٢٦) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧]. الثاني: النهي عن ضدِّه، كقوله: ﴿كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، وقوله: ﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ [الأنفال: ١٥]، فإنَّ تولية الأدبار تركٌ للصّبر والمصابرة. وقوله: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، فإنَّ إبطالها ترك للصبر على إتمامها. وقوله: ﴿تَهِنُوا فِي﴾ [آل عمران: ١٣٩]، فإنَّ

стр. 1177

الوهن من عدم الصبر. الثالث: الثناء على أهله، كقوله: ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧]، وقوله: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]. وهو كثيرٌ في القرآن. الرابع: إيجابه سبحانه محبَّته لهم، كقوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦]. الخامس: إيجاب معيَّته لهم، وهي معيَّة خاصَّة تتضمَّن حفظهم ونصرهم وتأييدهم، ليست معيَّةً عامَّةً ــ وهي معيَّة العلم والإحاطة ــ، كقوله: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦]، وقوله: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩]. السادس: إخباره بأنَّ الصبر خيرٌ لأصحابه، كقوله: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ﴾ [النحل: ١٢٦]، وقولِه: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٥]. السابع: إيجاب الجزاء لهم بأحسن أعمالهم، كقوله تعالى: ﴿وَلَيَجْزِيَنَّ (١) الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا﴾ [النحل: ٩٦].

стр. 1178

الثامن: إيجابه الجزاء لهم بغير حساب، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ﴾ [الزمر: ١٠]. التاسع: إطلاق البشرى لأهل الصبر، كقوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥]. العاشر: ضمان النصر والمدد لهم، كقوله: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٥]. ومنه قول النبي ﷺ : «إنَّ النصر مع الصبر» (١). الحادي عشر: الإخبار أنَّ (٢) أهل الصبر هم أهل العزائم، كقوله: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣]. الثّاني عشر: الإخبار أنّه ما يُلقَّى الأعمالَ الصالحة وجزاءها والحظوظ (٣)

стр. 1179

إلَّا أهلُ الصّبر، كقوله: ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (٨٠)﴾ [القصص: ٨٠]، وقولِه: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٥]. الثالث عشر: الإخبار أنَّه إنَّما ينتفع بالآيات والعبر أهلُ الصبر، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا (١) أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [إبراهيم: ٥]، وقوله في أهل سبإٍ: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ (٢) [سبأ: ١٩]، وقولِه في سورة الشُّورى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٣٢) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [الشورى: ٣٢]. الرابع عشر: الإخبار بأنَّ الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب (٣) ودخول الجنَّة إنَّما نالوه بالصبر، كقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٣]. الخامس عشر: أنَّه يورث صاحبه درجة الإمامة؛ سمعتُ شيخ الإسلام

стр. 1180

ابن تيميّة ــ قدَّس الله روحه ــ يقول: بالصَّبر واليقين تُنال الإمامة في الدِّين، ثمَّ تلا قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤] (١). السادس عشر: اقترانه بمقامات الإسلام والإيمان، كما قرنه سبحانه باليقين وبالإيمان، وبالتقوى والتوكُّل والشُّكر والعمل والمرحمة (٢). ولهذا كان الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا إيمان لمن لا صبر له، كما أنَّه لا جسد لمن لا رأس له. قال عمر بن الخطَّاب: خير عيشٍ أدركناه بالصبر (٣). وأخبر النبيُّ ﷺ في الحديث الصحيح أنَّه ضياء (٤). وقال: «من يتصبَّر

стр. 1181

يصبِّرْه الله» (١). وفي «الصحيح» (٢) عنه: «عجبًا لأمر المؤمن، إنَّ أمره كلَّه (٣) خير، وليس ذلك لأحدٍ إلَّا للمؤمن؛ إن أصابته سرَّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرَّاء صبر فكان خيرًا له». وقال للمرأة السَّوداء التي كانت تُصرَع فسألته أن يدعو لها: «إن شئت صبرت ولك الجنّة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك»، فقالت: إنِّي أتكشَّف فادع الله أن لا أتكشَّف، فدعا لها (٤). وأمر الأنصار بأن يصبروا على الأثَرة التي يَلقَونها بعده، حتَّى يلقوه على الحوض (٥). وأمر عند ملاقاة العدوِّ بالصبر (٦). وأمر بالصبر عند المصيبة وأخبر أنَّه (٧) عند الصدمة الأولى (٨).

стр. 1182

وأمر المصاب بأنفع الأمور له وهو الصبر والاحتساب (١)، فإنَّ ذلك يخفِّف مصيبته ويوفِّر أجره، والجزع والسخط (٢) والتشكِّي يزيد المصيبة ويُذهب الأجر (٣). فصل الصبر في اللُّغة: الحبس والكفُّ. ومنه: قُتل فلان صبرًا، إذا أُمسك وحبس للقتل. ومنه قوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨]، أي احبس نفسك معهم. فالصبر: حبس النفس عن الجزع والتسخُّط، وحبس اللِّسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن التشويش. وهو ثلاثة أنواعٍ: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على امتحان الله. فالأوَّلان: صبرٌ على ما يتعلَّق بالكسب، والثالث: صبرٌ على ما لا كسب للعبد فيه. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيميَّة ــ قدَّس الله روحه ــ يقول: وكان صبر يوسف عن مطاوعة امرأة العزيز عن شأنها أكملَ من صبره على إلقاء إخوته له في الجُبِّ وبيعه وتفريقهم بينه وبين أبيه، فإنَّ هذه أمورٌ جرت عليه بغير

стр. 1183

اختياره، لا كسب له فيها، ليس للعبد فيها حيلةٌ غير الصبر. وأمَّا صبره عن المعصية، فصبرُ اختيارٍ ورضًا ومحاربةٍ للنفس، ولا سيَّما مع الأسباب التي يقوى معها داعي المواقعة (١)، فإنَّه كان شابًّا وداعية الشباب إليها قويَّةٌ، وعزبًا ليس له ما يعوِّضه ويبرِّد شهوته، وغريبًا والغريبُ لا يستحيي في بلد غربته ممَّا يستحيي منه بين أصحابه ومعارفه وأهله، ومملوكًا والمملوكُ أيضًا ليس وازعه كوازع الحرِّ؛ والمرأةُ جميلة وذات منصبٍ وهي سيِّدته، وقد غاب الرقيب، وهي الداعية له إلى نفسها والحريصة على ذلك أشدَّ الحرص، ومع ذلك توعَّدته إن لم يفعل بالسِّجن والصَّغار؛ ومع هذه الدواعي كلِّها صبر اختيارًا وإيثارًا لما عند الله. وأين هذا من صبره في الجبِّ على ما ليس من كسبه؟! (٢) وكان يقول: الصبر على أداء الطاعات أكملُ من الصبر عن (٣) اجتناب المحرَّمات وأفضل، فإنَّ مصلحة فعل الطاعة أحبُّ إلى الشارع من مصلحة ترك المعصية، ومفسدةَ عدم الطاعة أبغض إليه وأكره من مفسدة وجود المعصية. وله في ذلك مصنَّفٌ قرَّره فيه بنحوٍ من عشرين وجهًا (٤)، ليس هذا

стр. 1184

موضع ذكرها. والمقصود: الكلام على الصبر وحقيقته ودرجاته ومرتبته. فصل وهو ثلاثة أنواعٍ: صبرٌ بالله، وصبرٌ لله، وصبرٌ مع الله. فالأوَّل: الاستعانة به، ورؤية أنَّه هو المصبِّر، وأنَّ صبر العبد بربِّه لا بنفسه، كما قال تعالى: ﴿(١٢٦) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧]، يعني إن لم يصبِّرك هو لم تصبر. والثاني (١): أن يكون الباعث على الصَّبر محبَّة الله وإرادة وجهه والتقرُّب إليه، لا إظهار قوَّة النفس، والاستحماد إلى الخلق، وغير ذلك من الأغراض. والثالث (٢): دوران العبد مع مراد الله الدِّينيِّ منه، ومع أحكامه الدِّينيَّة، صابرًا نفسه معها، سائرًا بسيرها، مقيمًا بإقامتها، يتوجَّه معها أين توجَّهت ركائبها، وينزل معها أين استقلَّت مضاربها. فهذا معنى كونه صابرًا مع الله، أي قد جعل نفسه وقفًا على أوامره ومحابِّه. وهو أشدُّ أنواع الصبر وأصعبُها، وهو صبر الصِّدِّيقين. قال الجنيد: المسير من الدُّنيا إلى الآخرة سهل هيِّن على المؤمن، وهجران الخلق في جنب الله شديد، والمسير من النفس إلى الله صعب

стр. 1185

شديد، والصَّبر مع الله أشدُّ (١). وسئل عن الصبر، فقال: تجرُّع المرارة من غير تعبيسٍ (٢). وقال ذو النُّون: الصبر: التباعد من المخالفات، والسُّكون عند تجرُّع غُصَص البليَّة، وإظهار الغنى مع حلول الفقر بساحات المعيشة (٣). وقيل: الصبر: الوقوف مع البلاء بحسن الأدب (٤). وقيل: هو الفناء في البلوى، بلا ظهور شكوى (٥). وقيل: تعويد النفس الهجوم على المكاره (٦). وقيل: المقام مع البلاء بحسن الصُّحبة، كالمقام مع العافية (٧). وقال عمرو بن عثمان: هو الثبات مع الله، وتلقِّي بلائه بالرحب والدَّعة (٨).

стр. 1186

وقال الخوَّاص: هو الثبات على أحكام الكتاب والسنة (١). وقال يحيى بن معاذٍ: صبر المحبِّين أشدُّ من صبر الزاهدين، وا عجبي (٢) كيف يصبرون؟! وأنشد: والصبر يَجمُل في المواطن كلِّها ... إلَّا عليك فإنَّه لا يجمُلُ (٣) وقيل: الصبر هو الاستعانة (٤) بالله (٥). وقيل: هو ترك الشكوى (٦). وقيل (٧): الصَّبر مثل اسمه مرٌّ مذاقتُه ... لكن عواقبه أحلى من العسل وقيل: الصبر أن ترضى بتلف نفسك في رضا من تحبُّه، كما قيل (٨):

стр. 1187

سأصبر كي ترضى وأَتلَفُ حسرةً ... وحسبيَ أن ترضى ويُتلفني صبري وقيل: مراتب الصبر (١) خمسة: صابر، ومُصطبِر، ومتصبِّر، وصَبور، وصبَّار. فالصابر أعمُّها، والمصطبر: المكتسب الصبر المليء به، والمتصبِّر: متكلِّف الصبر حاملٌ نفسَه عليه، والصبور: العظيم الصبر الذي صبره أشدُّ من صبر غيره، والصبَّار: الكثيرُ (٢) الصبرِ، فهذا في القدر والكمِّ، والذي قبله في الوصف والكيف (٣). وقال عليُّ بن أبي طالبٍ: الصبر مطيَّة لا تكبو (٤). ووقف رجلٌ على الشِّبلي فقال: أيُّ صبرٍ (٥) أشدُّ على الصابرين؟ فقال: الصبر في الله. قال السائل: لا، فقال: الصبر لله؟ فقال السائل: لا، فقال: (٦) مع الله؟ قال: لا، قال: فأيشٍ هو؟ قال: الصبر عن الله، فصرخ الشبليُّ صرخةً كادت روحُه تتلف (٧). وقال الجُرَيريُّ: الصبر أن لا يفرِّق بين حال النعمة وحال المحنة، مع سكون الخاطر فيهما. والتصبُّر هو السُّكون مع البلاء، مع وجدان أثقال

стр. 1188

المحنة (١). قال أبو عليٍّ الدقَّاق: فاز الصابرون بعزِّ الدارين، لأنهم نالوا من الله معيَّته، فإنَّ الله مع الصّابرين (٢). وقيل في قوله: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠] إنَّه انتقالٌ من الأدنى إلى الأعلى، فالصبر دون المصابرة، والمصابرة دون المرابطة. والمرابطة مفاعلة من الربط وهو الشدُّ، وسمِّي المرابط مرابطًا لأنَّ المرابطين يربطون خيولهم ينتظرون الفزع، ثمَّ قيل لكلِّ منتظرٍ قد ربط نفسه لطاعةٍ ينتظرها: مرابطٌ، ومنه قول النبي ﷺ : «ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخُطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة؛ فذلكم الرِّباط، فذلكم الرِّباط» (٣). (٤) وقيل: اصبروا بنفوسكم على طاعة الله، وصابروا بقلوبكم على البلوى في الله، ورابطوا بأسراركم على الشوق إلى الله. وقيل: اصبروا في الله، وصابروا بالله، ورابطوا مع الله (٥).

стр. 1189

وقيل: اصبروا على النعماء، وصابروا على البأساء والضراء، ورابطوا في دار الأعداء، واتقوا إله الأرض والسماء (١) لعلَّكم تفلحون في دار البقاء (٢). فالصبر: مع نفسك، والمصابرة: بينك وبين عدوِّك، والمرابطة: الثبات وإعداد العدَّة. وكما أنّ الرِّباط لزوم الثغر لئلَّا يهجم منه العدوُّ، فكذلك المرابطة أيضًا لزوم ثغر القلب لئلَّا يهجم عليه الشيطان، فيملكه أو يُخربه أو يشعِّثه. وقيل: تجرَّعِ الصبرَ، فإن قتلك قتلك شهيدًا، وإن أحياك أحياك عزيزًا (٣). وقيل: الصبر لله عناء (٤)، وبالله بقاء، وفي الله بلاء (٥)، ومع الله وفاء، وعن الله جفاءٌ. والصَّبر على الطلب عنوان الظَّفَر، وفي المحن عنوانُ الفَرَج (٦).

стр. 1190

وقيل: حال العبد مع الله رباطه، وما دون الله أعداؤه (١). وفي كتاب «الأدب» (٢) للبخاري: سئل رسول الله ﷺ عن الإيمان؟ فقال: «الصبر والسماحة». ذكره عن موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا سُوَيد، حدثنا عبد الله بن عبيد بن عميرٍ عن أبيه عن جدِّه فذكره. وهذا من أجمع الكلام وأعظمه برهانًا، وأوعبه لمقامات الإيمان من أوَّلها إلى آخرها. فإنَّ النفس يراد منها شيئان: - بذل ما أُمِرت به وإعطاؤه، فالحامل عليه السماحة. - وترك ما نُهيت عنه والبعدُ منه، فالحامل عليه الصبر.

стр. 1191

وقد أمر الله سبحانه في كتابه بالصبر الجميل والصفح الجميل والهجر الجميل (١)، فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ــ قدَّس الله روحه ــ يقول: الصبر الجميل (٢) الذي لا شكوى معه (٣)، والصفح الجميل: الذي لا عتاب معه، والهجر الجميل: الذي لا أذى معه (٤). وفي أثرٍ إسرائيلي: أوحى الله إلى نبيٍّ من أنبيائه: أنزلت بعبدي بلائي فدعاني، فماطلته بالإجابة فشكاني، فقلت: عبدي، كيف أرحمك من شيءٍ به أرحمك؟! (٥). وقال ابن عيينة في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ [السجدة: ٢٤]: أخذوا برأس الأمر فجعلهم رؤوسًا (٦).

стр. 1192

وقيل: صبر العابدين أحسنه أن يكون محفوظًا، وصبر المحبِّين أحسنه أن يكون مرفوضًا، كما قيل (١): تبيَّن يوم البين أنَّ اعتزامه ... على الصبر من إحدى الظُّنون الكواذب والشكوى إلى الله لا تنافي الصبر، فإنَّ يعقوب ﵇ وعد بالصبر الجميل، والنبيُّ إذا وعد لا يخلف، ثمَّ قال: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِيَ إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦]. وكذلك أيُّوب أخبر الله عنه أنَّه وجده صابرًا مع قوله: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣]. وإنّما ينافي الصبر شكوى الله، لا الشكوى إلاه. كما رأى بعضهم رجلًا يشكو إلى آخر فاقةً وضرورةً، فقال: يا هذا، تشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك؟ ثمَّ أنشده (٢): وإذا عرتك بليَّةٌ فاصبر لها ... صبرَ الكريم فإنَّه بك أعلم وإذا شكوت إلى ابن آدم إنَّما ... تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم فصل قال صاحب «المنازل» (٣): (الصبر: حبس النفس على المكروه، وعقل

стр. 1193

اللِّسان عن الشكوى. وهو من أصعب المنازل على العامَّة، وأوحشها في طريق المحبَّة، وأنكرها في طريق التوحيد). إنَّما كان صعبًا على العامَّة لأنَّ العامِّي مبتدئٌ في الطريق، وما له دربة بالسلوك (١)، ولا تهذيب المرتاض بقطع المنازل، فإذا أصابته المحن أدركه الجزع، وصعب عليه احتمال البلاء، وعزَّ عليه وجدان الصبر، لأنَّه ليس من أهل الرِّياضة فيكون مستوطنًا للصَّبر، ولا من أهل المحبَّة فيلتذَّ بالبلاء في رضا محبوبه. وأمَّا وحشته (٢) في طريق المحبَّة، فلأنَّها تقتضي التذاذ المحبِّ بامتحان محبوبه له، والصبر يقتضي كراهته لذلك وحَبْسَ نفسه عليه كرهًا، فهو وحشةٌ في طريق المحبَّة. وفي الوحشة نكتة لطيفة؛ لأنَّ الالتذاذ بالمحنة في المحبَّة هو من موجبات أنس القلب بالمحبوب، فإذا أحسَّ بالألم بحيث يحتاج إلى الصبر انتقل من الأنس إلى الوحشة، ولولا الوحشة لما أحسَّ بالألم المستدعي للصبر. وإنَّما كان (أنكرها في طريق التوحيد) لأنَّ فيه قوَّة الدعوى، لأنَّ الصابر يدَّعي بحاله قوَّةَ الثبات، وذلك ادِّعاءٌ منه لنفسه قوَّةً عظيمةً، وهذا مصادمةٌ لتجريد التوحيد، إذ ليس لأحدٍ قوّةٌ البتَّة، بل لله القوَّة جميعًا، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله.

стр. 1194

فهذا سبب كون الصبر منكرًا في طريق التوحيد، بل من أنكر المنكر كما قال، لأنَّ التوحيد يردُّ الأشياء إلى الله، والصبر يردُّ الأشياء إلى النفس، وإثبات النفس في التوحيد منكر. هذا حاصل كلامه محرَّرًا مقرَّرًا (١). وهو من منكر كلامه. بل الصبر من آكد المنازل في طريق المحبَّة، وألزمها للمحبِّين، وهم أحوج إلى منزلته من كلِّ منزلةٍ. وهو من أعرف المنازل في طريق التوحيد وأبينها، وحاجة المحبِّ إليه ضروريَّةٌ. فإن قيل: كيف تكون حاجة المحبِّ إليه ضروريةً، مع منافاته لكمال المحبَّة، فإنَّه لا يكون إلا مع منازعات النفس لمراد المحبوب؟ قيل: هذه هي النُّكتة التي كان لأجلها من آكد المنازل في طريق المحبَّة وأعلقها بها. وبه يُعلم صحيح المحبَّة مِن معلولها، وصادقُها من كاذبها، فإنَّ بقوَّة الصبر على المكاره في مراد المحبوب يُعلم صحَّة محبَّته. ومن هاهنا كانت محبَّة أكثر الناس كاذبةً، لأنَّهم كلَّهم ادَّعَوا محبَّة الله، فحين امتحنهم بالمكاره انخلعوا عن حقيقة المحبَّة، ولم يثبت معه إلَّا الصابرون. فلولا تحمُّل المشاقِّ وتجشُّم المكاره بالصبر لما ثبتت صحَّة محبتهم. وتبيَّن بذلك أنَّ أعظمهم محبةً أشدُّهم صبرًا. ولهذا وصف الله بالصبر خاصَّة أحبابه وأوليائه، فقال عن حبيبه أيُّوب: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾، ثمّ أثنى عليه فقال: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ﴾ [ص: ٤٤].

стр. 1195

وأمر أحبَّ الخلق إليه بالصبر لحكمه (١)، وأخبر أنَّ صبره به. وأثنى على الصابرين أحسن الثناء، وضَمِن لهم أعظم الجزاء، وجعل أجر غيرهم محسوبًا وأجرَهم بغير حسابٍ. وقرن الصّبر بمقامات الإسلام والإيمان والإحسان كما تقدّم، فجعله قرين التوكل واليقين، والإيمان، والأعمال، والتقوى. وأخبر أنَّ آياته لا ينتفع بها إلا أولو الصّبر، وأخبر أنَّ الصبر خيرٌ لأهله، وأنَّ الملائكة تسلِّم عليهم في الجنة بصبرهم، كما تقدَّم ذلك. وليس في استكراه النُّفوس لألم ما تصبر عليه وإحساسِها به ما يقدح في محبَّتها ولا توحيدها، فإنَّ إحساسها بالألم ونفرتها منه أمرٌ طبعيٌّ لها، كاقتضائها للغذاء من الطعام والشراب وتألُّمها بفقده. فلوازم النفس لا سبيل إلى إعدامها وتعطيلها بالكلِّيَّة، وإلَّا لم تكن نفسًا إنسانيَّةً وارتفعت المحبة (٢)، وكانت عالمًا آخر. والصبر والمحبَّة لا يتناقضان، بل يتواخيان ويتصاحبان، والمحبُّ صبور. بل (٣) علَّة الصبر في الحقيقة، المُناقِضةُ للمحبَّة، المُزاحِمةُ للتوحيد: أن يكون الباعث عليه غيرَ إرادة رضا المحبوب، بل إرادةَ غيره، أو مزاحمتُه بإرادة غيره، أو المرادِ منه لا مرادِه؛ هذه هي وحشة الصبر ونكارته.
следующие страницы →