← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 199

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 526 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

الرِّضا واليقين أخوان مصطحبان، والشكُّ والسخط قرينان. وهذا معنى الحديث الذي في «الترمذي» (١) أو غيره: «إن استطعت أن تعمل لله بالرِّضا مع اليقين فافعل، فإن لم تستطع فإنَّ في الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا». العشرون: أنّ الرِّضا بالمقدور من سعادة ابن آدم، وسخطُه من شقاوته، كما في «المسند» و «الترمذي» (٢) من حديث سعد بن أبي وقَّاص قال: قال رسول الله ﷺ : «مِن سعادة ابن آدم استخارةُ الله ، ومن سعادة ابن آدم رضاه بما قضى الله. ومن شِقوة ابن آدم سخطه بما قضى الله، ومن شقاوة ابن آدم تركُ استخارة الله». فالرِّضا بالقضاء من أسباب السعادة، والتسخُّط على القضاء من أسباب الشقاوة. الحادي والعشرون: أنَّ الرِّضا يوجب له أن لا يأسى على ما فاته، ولا يفرح بما آتاه، وذلك من أفضل خصائل الإيمان. أمَّا عدم أساه على الفائت

стр. 1262

فظاهر. وأمَّا عدم فرحه بما آتاه، فلأنَّه يعلم أنَّ المصيبة فيه مكتوبةٌ من قبل حصوله، فكيف يفرح بشيءٍ يعلم أنَّ له فيه مصيبةً منتظرةً (١) ولا بدَّ؟ الثاني والعشرون: أنَّ من ملأ قلبه من الرِّضا بالقدر، ملأ الله صدره غنًى وأمنًا وقناعةً، وفرَّغ قلبه لمحبَّته، والإنابة إليه، والتوكُّل عليه. ومن فاته حظُّه من الرِّضا، امتلأ قلبه بضدِّ ذلك، واشتغل عمَّا فيه سعادته وفلاحه. فالرِّضا يفرِّغ القلب لله، والسخط يفرِّغ القلب من الله. الثالث والعشرون: أنَّ الرِّضا يثمر الشُّكر، الذي هو من أعلى مقامات الإيمان، بل هو حقيقة الإيمان. والسخط يثمر ضدَّه، وهو كفر النِّعم. وربَّما أثمر له كفر المُنعِم. فإذا رضي عن ربِّه في جميع الحالات، أوجب له ذلك شكرَه، فيكون من الراضين الشاكرين. وإذا فاته الرِّضا كان من الساخطين، وسلك سبيل الكافرين. الرابع والعشرون: أنَّ الرِّضا ينفي عنه آفات الحرص والكَلَب على الدُّنيا، وذلك رأس كلِّ خطيئة، وأصلُ كلِّ بليَّة، وأساسُ كلِّ رزيّة؛ فرضاه عن ربِّه في جميع الحالات ينفي عنه (٢) هذه الآفات. الخامس والعشرون: أنَّ الشّيطان إنَّما يظفر بالإنسان غالبًا عند السخط والشهوة، فهناك يصطاده. ولا سيَّما إذا استحكم سخطه، فإنَّه يقول ما لا يرضي الربَّ، ويفعل ما لا يرضيه، وينوي ما لا يرضيه. ولهذا قال النبيُّ ﷺ عند موت ابنه إبراهيم: «يحزن القلب، وتدمع العين، ولا نقول إلا ما يُرضي

стр. 1263

الربّ» (١)، فإنَّ موت البنين من العوارض التي توجب للعبد التسخُّط على القدر، فأخبر ﷺ أنَّه لا يقول في مثل هذا المقام الذي يسخطه أكثر الناس، فيتكلَّمون بما لا يرضي الله ، ويفعلون ما لا يرضيه (٢) = إلَّا ما يرضي ربَّه ﵎. ولهذا لمَّا مات ابن الفضيل بن عياضٍ رُئي في الجنازة ضاحكًا، فقيل له: تضحك وقد مات ابنك؟! فقال: إنَّ الله قضى بقضاءٍ فأحببتُ أن أرضى بقضائه (٣). فأنكرت طائفةٌ هذا على الفضيل، وقالوا: رسول الله ﷺ قد بكى يوم موت ابنه، وأخبر أنَّ القلب يحزن والعين تدمع، وهو في أعلى مقامات الرِّضا. فكيف يعدُّ هذا في مناقب الفضيل؟ والتحقيق: أن قلب رسول الله ﷺ اتَّسع لتكميل المراتب من الرِّضا عن الله والبكاء رحمةً للصبي، فكان له مقام الرِّضا ومقام الرحمة ورقَّة القلب. والفضيل لم يتَّسع لذلك، فغيَّبه مقام الرضا عن مقام الرحمة، فلم يجتمع له الأمران. والناس في ذلك على أربع مراتب. أحدها: من اجتمع له الرِّضا بالقضاء ورحمة الطِّفل، فدمعت عيناه رحمةً والقلبُ راضٍ.

стр. 1264

الثاني: من غيَّبه الرِّضا عن الرحمة، فلم يتَّسع للأمرين (١). الثالث: من غيَّبته الرحمة والرقَّة عن الرِّضا فلم يشهده (٢). الرابع: من لا رضا عنده ولا رحمة، وإنَّما كان حزنُه لفوات حظِّه من الميِّت. وهذا حال أكثر الخلق. فلا إحسان ولا رضا عن الرحمن. والله المستعان (٣). السادس والعشرون: أنَّ الرِّضا هو اختيار ما اختاره الله لعبده. والسخط كراهة ما اختاره الله، وهذا نوع محادَّة، فلا يتخلَّص منه إلا بالرِّضا عن الله في جميع الحالات. السابع والعشرون: أنَّ الرِّضا يُخرج الهوى من القلب، فالراضي هواه تبعٌ لمراد ربِّه منه، أعني المراد الذي يحبُّه ويرضاه، فلا يجتمع الرِّضا واتِّباع الهوى في قلبٍ أبدًا. وإن كان معه شعبةٌ من هذا وشعبةٌ من هذا، فهو للغالب عليه منهما. الثامن والعشرون: أنَّ الرِّضا عن الله في جميع الحالات يثمر للعبد رضا الله عنه كما تقدَّم بيانه في الرِّضا به ربًّا، فإنَّ الجزاء من جنس العمل. وفي أثرٍ إسرائيليٍّ أنَّ موسى سأل ربَّه ﵎ عمَّا يدني من رضاه، فقال: «إنَّ

стр. 1265

رضاي في رضاك بقضائي» (١). التاسع والعشرون (٢): أنَّ الرِّضا بالقضاء أشقُّ شيءٍ على النفس. بل هو ذبحها في الحقيقة، فإنَّه مخالفة هواها وطبعها وإرادتها. ولا تصير مطمئنَّةً قطُّ حتى ترضى بالقضاء، فحينئذٍ تستحقُّ أن يقال لها: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠]. الثلاثون: أنَّ الرّاضي متلقٍّ (٣) أوامرَ الرب الدينيَّةَ والقدريَّةَ بالانشراح والتسليم وطيب النفس والاستسلام، والساخطُ يتلقَّاها بضدِّ ذلك إلَّا ما وافق طبعه وإرادته منها. وقد بيَّنَّا أن الرِّضا بذلك لا ينفعه ولا يثاب عليه، فإنَّه لم يرض به لكون الله قدَّره وقضاه وأمر به، وإنَّما رضي به لموافقته هواه وطبعه، فهو إنَّما رضي بنفسه وعن نفسه، لا عن ربِّه. الحادي والثلاثون: أنَّ المخالفاتِ كلَّها أصلُها من عدم الرِّضا، والطاعاتِ كلَّها أصلُها من الرِّضا. وهذا إنَّما يعرفه حقَّ المعرفة من عرف صفات نفسه وما يتولَّد عنها من الطاعات والمعاصي. الثاني والثلاثون: أنَّ عدم الرِّضا يفتح باب البدعة، والرِّضا يُغلق عنه ذلك

стр. 1266

الباب. ولو تأمَّلت بدع الروافض والنواصب والخوارج، لرأيتها ناشئةً عن (١) عدم الرِّضا بالحكم الكوني، أو الدينيِّ، أو كليهما. الثالث والثلاثون: أنَّ الرِّضا مَعقِد نظام الدِّين ظاهرِه وباطنِه، فإنَّ القضايا لا تخلو من خمسة أنواعٍ (٢) تنقسم قسمين دينيَّةً وكونيَّةً، وهي: مأمورات، ومنهيَّات، ومباحات، ونِعمٌ مُلِذَّة (٣)، وبلايا مؤلمة. فإذا استعمل العبد الرِّضا في ذلك كلِّه فقد أخذ بالحظِّ الوافر من الإسلام، وفاز بالقدح المعلَّى. الرابع والثلاثون: أنَّ الرِّضا يخلِّص العبد من مخاصمة الربِّ تعالى في أحكامه وأقضيته، فإن السخط عليه مخاصمةٌ له فيما لم يرضَ به العبد. وأصل مخاصمة إبليس لربِّه من عدم رضاه بأقضيته وأحكامه الدينيَّة والكونيَّة، فلو رضي لم يمسخ من الحقيقة الملكيَّة إلى الحقيقة الإبليسيَّة (٤). الخامس والثلاثون: أنَّ جميع ما في الكون أوجبه مشيئة الله (٥) وحكمته وملكه. فهو موجَب أسمائه وصفاته. فمن لم يرضَ بما قضى به ربُّه، لم يرض بأسمائه وصفاته، فلم يرض به ربًّا. السادس والثلاثون: أنَّ كلَّ قدرٍ يكرهه العبد ولا يلائمه لا يخلو أن

стр. 1267

يكون عقوبةً على ذنب، فهو دواءٌ لمرضٍ لولا تدارك الحكيم إيَّاه بالدواء لترامى بالمريض (١) إلى الهلاك. أو يكونَ سببًا لنعمةٍ لا تُنال إلَّا بذاك المكروه، فالمكروه ينقطع ويتلاشى، وما ترتَّب عليه من النِّعمة دائمٌ لا ينقطع. فإذا شهد العبد هذين الأمرين انفتح له باب الرِّضا عن ربِّه في كلِّ ما يقضيه ويقدِّره. السابع والثلاثون: أنّ حكم الربِّ ماضٍ في عبده، وقضاؤه عدلٌ فيه، كما في الحديث: «ماضٍ فيَّ حكمك، عدلٌ فيَّ قضاؤك» (٢)، ومن لم يرض بالعدل فهو من أهل الظُّلم والجور. وقوله: «عدل في قضاؤك» يعمُّ قضاء الذنب وقضاء أثره وعقوبته، فإنَّ الأمرين من قضائه ، وهو أعدل العادلين في قضائه بالذنب وفي قضائه بعقوبته. أمَّا عدل العقوبة (٣) فظاهر. وأمَّا عدله في قضاء الذنب (٤)، فلأنَّ الذنب

стр. 1268

عقوبةٌ على غفلته، وإعراضِ قلبه عن ربِّه ووليِّه (١)، ونقص إخلاصه (٢). وإلَّا فمع كمال الإخلاص (٣) والإقبال على الله ــ سبحانه ــ وذكرِه يستحيل صدور الذنب، كما قال تعالى: ﴿لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخَلِصِينَ (٤)﴾ [يوسف: ٢٤]. فإن قلت: قضاؤه على عبده بإعراضه عنه، ونسيانِه إيَّاه، وعدمِ إخلاصه= عقوبةٌ على ماذا؟ قلت: هذا طبع النفس وشأنها، فهو سبحانه إذا لم يرد الخير بعبده خلَّى بينه وبين نفسه وطبعه وهواه. وذلك يقتضي أثره من الغفلة والنِّسيان، وعدم الإخلاص، واتِّباع الهوى. وهذه الأسباب تقتضي آثارها من الآلام وفوات الخيرات واللذَّات، كاقتضاء سائر الأسباب لمسبَّباتها وآثارها. فإن قلت: فهلَّا خلقه على غير تلك الصِّفة؟ قلت: هذا سؤال فاسد، ومضمونه: هلَّا خلقه ملكًا لا إنسانًا؟ فإن قلت: فهلَّا أعطاه التوفيق الذي يتخلَّص به من شرِّ نفسه وظلمة طبعه؟ قلت: مضمون هذا السُّؤال: هلَّا سوَّى بين خلقه؟ ولِمَ خلق المتضادَّات والمختلفات؟ وهذا من أفسد الأسوِلة. وقد تقدَّم بيان اقتضاء حكمته وربوبيَّته وملكه لخلق ذلك.

стр. 1269

الثامن والثلاثون: أنّ عدم الرِّضا إمَّا أن يكون لفوات ما أخطأه ممَّا يحبُّه ويريده، وإمَّا لإصابة ما يكرهه ويسخطه. فإذا تيقَّن أنَّ ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه، فلا فائدة في سخطه بعد ذلك إلَّا فوات ما ينفعه وحصول ما يضرُّه. التاسع والثلاثون: أنَّ الرِّضا من أعمال القلوب نظيرُ الجهاد من أعمال الجوارح في أنَّ كلَّ واحدٍ منهما ذروة سنام الإيمان. قال أبو الدَّرداء: ذروة الإيمان: الصَّبر للحكم، والرِّضا بالقدر (١). الأربعون: أنَّ أوَّل معصيةٍ عُصي الله بها في هذا العالم إنَّما نشأت من عدم الرِّضا، فإبليس لم يرض بحكم الله الذي حكم به كونًا مِن تفضيل آدم وتكريمه، ولا بحكمه الديني مِن أمره بالسُّجود له. وآدم لم يرض بما أبيح له من الجنَّة، حتى يضمَّ إليه الأكل من شجرة الحِمى. ثمَّ ترتَّبت معاصي الذرِّيَّة على عدم الصبر والرِّضا. الحادي والأربعون: أنَّ الراضي واقفٌ مع اختيار الله له، معرضٌ عن اختياره لنفسه. وهذا من (٢) قوَّة معرفته بربِّه ومعرفته بنفسه. واجتمع وهيب بن الورد، وسفيان الثَّوريُّ، ويوسف بن أسباطٍ، فقال

стр. 1270

الثوريُّ: قد كنت أكره موت الفَجأة (١) قبل اليوم، وأمَّا اليوم: فوددت أنِّي ميِّت. فقال له يوسف: ولِمَ؟ فقال: لِما أتخوَّف من الفتنة. فقال يوسف: لكنِّي لا أكره طول البقاء. فقال الثوريُّ: ولم تكره الموت؟ قال: لعلِّي أصادف يومًا أتوب فيه وأعمل صالحًا. فقيل لوهيبٍ: أيُّ شيءٍ تقول أنت؟ فقال: أنا لا أختار شيئًا، أَحَبُّ ذلك إليَّ أحبُّه إلى الله. فقبَّل الثوريُّ بين عينيه وقال: روحانيّةٌ وربِّ الكعبة! (٢) فهذا حال عبدٍ قد استوت عنده حالة البقاء والموت، ووقف مع اختيار الله له منهما (٣). الثاني والأربعون: أن يعلم أنَّ منع الله سبحانه لعبده المؤمن به المحبِّ له عطاءٌ، وابتلاءَه إيَّاه عافية. قال سفيان الثوريُّ: منع الله عطاءٌ، لأنَّه يمنع عن (٤) غير بخلٍ ولا عدمٍ (٥)، فمَنْعه اختيارٌ وحسن نظرٍ (٦). وهذا كما قال (٧)، فإنَّه

стр. 1271

سبحانه لا يقضي لعبده المؤمن قضاءً إلَّا كان خيرًا له، ساءه ذلك القضاء أو سرَّه، فقضاؤه لعبده المؤمن عطاءٌ وإن كان في صورة المنع، ونعمةٌ وإن كان في صورة محنةٍ، وعافيةٌ (١) وإن كانت في صورة بليَّةٍ. ولكن لجهل العبد وظلمه لا يعدُّ العطاء والنِّعمة والعافية إلَّا ما التذَّ به في العاجل، وكان ملائمًا لطبعه. ولو رزق من المعرفة حظًّا وافرًا لعَدَّ (٢) نعمة الله عليه فيما يكرهه أعظمَ من نعمته عليه فيما يحبُّه، كما قال بعض العارفين (٣): يا ابن آدم، نعمة الله عليك فيما تكره أعظم من نعمته عليك فيما تحبُّ. وقد قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]. وقال بعض العارفين: ارضَ عن الله في جميع ما يفعله بك، فإنَّه ما منعك إلَّا ليعطيك، ولا ابتلاك إلَّا ليعافيك، ولا أمرضك إلَّا ليشفيك، ولا أماتك إلَّا ليحييك، فإيَّاك أن تفارق الرِّضا عنه طرفة عينٍ فتسقط من عينه. الثالث والأربعون: أن يعلم أنَّه سبحانه هو الأوَّل قبل كلِّ شيءٍ، والآخر

стр. 1272

بعد كلِّ شيءٍ، والمظهر لكلِّ شيءٍ، والمالك لكلِّ شيءٍ، وهو الذي يخلق ما يشاء ويختار، وليس للعبد أن يختار عليه، وليس لأحدٍ معه اختيار، ولا يشرك في حكمه أحدًا، والعبد لم يكن شيئًا مذكورًا، فهو سبحانه الذي اختار وجوده، واختار أن يكون كما قدَّره له وقضاه من عافيةٍ وبلاء، وغنًى وفقر، وعزٍّ وذلٍّ، ونباهةٍ وخمول، فكما تفرَّد سبحانه بالخلق تفرَّد بالاختيار والتقدير والتدبير، وليس للعبد شيءٌ من ذلك فإنَّ الأمر كلَّه لله. وقد قال تعالى لنبيه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨]. فإذا تيقَّن العبد أنَّ الأمر كلَّه لله، ليس له من الأمر قليلٌ ولا كثير= لم يكن له (١) معوَّل بعد ذلك غيرَ الرِّضا بمواقع الأقدار، وما يجري به من ربِّه الاختيار. الرابع والأربعون: أنَّ رضا الله عن العبد أكبر من الجنَّة وما فيها، لأنَّه صفته والجنَّة خلقه، قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ٧٢]. وهذا الرِّضا جزاءٌ على رضاهم عنه في الدُّنيا، فكما كان هذا الجزاء أفضل الجزاء كان سببُه أفضلَ الأعمال. الخامس والأربعون: أنَّ العبد إذا رضي به وعنه في جميع الحالات= لم يتخيَّر عليه المسائل، وأغناه رضاه بما يقسمه له ويقدِّره ويفعله به عن ذلك، وجعل له ذِكرَه في محلِّ سؤاله، بل يكون سؤاله له الإعانة على بلوغ رضاه (٢)، فهذا يُعطى أفضلَ ما يعطاه سائل، كما جاء في الأثر المعروف: «من

стр. 1273

شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين» (١)، فإنَّ السائلين سألوه فأعطاهم الفضل الذي سألوه، والراضون رضُوا عنه فأعطاهم رضاه عنهم، ولا يمنع الرِّضا سؤالَه أسباب الرِّضا، بل أصحابه ملحُّون في سؤالهم (٢) ذلك. السادس والأربعون: أنَّ النبي ﷺ كان يندب إلى أعلى المقامات، فإن عجز العبد عنه حطَّه إلى المقام الوسط، كما قال: «اعبد الله كأنَّك تراه»، فهذا مقام المراقبة الجامع لمقامات الإسلام والإيمان والإحسان، ثمَّ قال: «فإن لم تكن تراه فإنَّه يراك»، فحطَّه عند العجز عن هذا إلى مقام العلم باطلاعه (٣) ورؤيته ومشاهدته لعبده (٤). وكذا الحديث الآخر: «إن استطعت أن تعمل لله بالرِّضا مع اليقين

стр. 1274

فافعل، فإن لم تستطع فإنَّ في الصبر [على ما تكره] (١) خيرًا كثيرًا» (٢)، فرفعه إلى أعلى المقامات، ثمَّ ردَّه إلى أوسطها إن لم يستطع الأعلى. فالأوَّل مقام الإحسان، والذي حطَّه إليه مقام الإيمان، وليس دون ذلك إلَّا مقام الخسران. السابع والأربعون: أنَّه ﷺ أثنى على الراضين بمُرِّ القضاء بالحُكم والعلم والفقه والقرب من درجة النبوَّة، كما في حديث الوفد الذين قدموا على النبي ﷺ ، فقال: «ما أنتم؟» فقالوا: مؤمنون، فقال: «ما علامة إيمانكم؟» فقالوا: الصبر عند البلاء، والشُّكر عند الرخاء، والرِّضا بمرِّ القضاء، والصِّدق في مواطن اللِّقاء، وترك الشماتة بالأعداء، فقال: «حكماء علماء، كادوا مِن فقههم أن يكونوا أنبياء» (٣). الثامن والأربعون: أنَّ الرِّضا آخذٌ بزمام مقامات الدِّين كلِّها، وهو روحها وحياتها، فإنَّه روح التوكُّل وحقيقته، وروح اليقين، وروح المحبَّة، وصفة المحبِّ، ودليل صدق المحبَّة، وروح الشُّكر ودليله. قال الربيع بن أنسٍ: علامة حبِّ الله: كثرة ذكره، فإنَّك لا تحبُّ شيئًا إلَّا

стр. 1275

أكثرت من ذكره. وعلامة الدِّين: الإخلاص لله (١). وعلامة الشُّكر: الرِّضا بقدر الله والتسليم لقضائه (٢). وقال أحمد بن أبي الحَواريِّ: ذاكرت أبا سليمان (٣) في الخبر المرويِّ: «أوَّل من يدعى إلى الجنَّة الحمَّادون» (٤)، فقال: ويحك! ليس هو أن تحمده على المصيبة وقلبك يتعصَّر (٥) عليها، إذا كنت كذلك فارجع إلى الصابرين، إنَّما الحمد: أن تحمده وقلبك مسلِّمٌ راضٍ (٦). فصار الرِّضا كالرُّوح لهذه المقامات والأساس الذي تنبني عليه، ولا

стр. 1276

يصحُّ شيءٌ منها بدونه البتَّة. التاسع والأربعون: أنَّ الرِّضا يقوم له مقام كثيرٍ من أنواع التعبُّدات التي تشقُّ على البدن، فيكون رضاه أسهل عليه، وألذَّ له، وأرفع في درجته. وقد ذُكر في أثرٍ إسرائيليٍّ: أن عابدًا عبد الله دهرًا طويلًا، فأري في المنام: أنَّ فلانة الراعية رفيقتك في الجنَّة، فسأل عنها إلى أن وجدها، فاستضافها ثلاثًا ينظر إلى عملها، وكان يبيت قائمًا وتبيت نائمةً، ويظلُّ صائمًا وتظلُّ مفطرةً. فقال: أما لكِ عملٌ غير ما رأيت؟ قالت: ما هو والله غير ما رأيت (١)، لا أعرف غيره. فلم يزل يقول: تذكَّري، حتّى قالت: خُصَيلةٌ واحدةٌ هي فيَّ (٢): إن كنت في شدَّةٍ لم أتمنَّ أنِّي في الرخاء، وإن كنت في مرضٍ لم أتمنَّ أنِّي في صحَّةٍ، وإن كنت في شمسٍ لم أتمنَّ أنِّي في الظِّلِّ. قال: فوضع العابد يده على رأسه وقال: أهذه خُصيلة؟ هذه والله خصلةٌ عظيمةٌ يَعجِز عنها العبَّاد (٣). وقد روي عن ابن مسعود: من رضي بما نزل من السماء إلى الأرض غفر له (٤).

стр. 1277

وفي أثرٍ مرفوعٍ: «مِن خير ما أُعطي العبد: الرِّضا بما قسم الله له» (١). وفي أثرٍ آخر: إذا أحبَّ الله عبدًا ابتلاه، فإن صبر اجتباه، فإن رضي اصطفاه (٢). وفي أثرٍ: إنَّ بني إسرائيل سألوا موسى أن يسأل ربَّه أمرًا إذا هم فعلوه رضي عنهم، فقال موسى: ربِّ إنّك تسمع ما يقولون، فقال: «قل لهم يرضون عنِّي حتَّى أرضى عنهم» (٣). وفي أثرٍ آخر عن النبيِّ ﷺ : «من أحبَّ أن يعلم ما له عند الله فلينظر ما لله عنده، فإنَّ الله ينزل العبدَ منه حيث ينزله العبدُ من نفسه» (٤).

стр. 1278

وفي أثرٍ آخر: من رضي من الله بالقليل من الرِّزق، رضي الله منه بالقليل من العمل (١). وقال بعض العارفين: أعرف في الموتى عالَمًا ينظرون إلى منازلهم في الجنان في قبورهم، يُغدى عليهم ويُراح برزقهم من الجنَّة بكرةً وعشيًّا، وهم في غمومٍ وكروبٍ في البرزخ لو قُسِمت على أهل بلدٍ لماتوا أجمعين. قيل: وما كانت أعمالهم؟ قال: كانوا مسلمين مؤمنين، إلَّا أنَّهم لم يكن لهم من التوكُّل ولا من الرِّضا نصيبٌ (٢). وفي وصيَّة لقمان لابنه: أوصيك بخصالٍ تقرِّبك من الله وتباعدك من سخطه: أن تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وأن ترضى بقدر الله فيما أحببت وكرهت (٣).

стр. 1279

وقال بعض العارفين: من يتوكَّل على الله ويرضى (١) بقدر الله، فقد أقام الإيمان، وفرَّغ يديه ورجليه لكسب الخير، وأقام الأخلاق الصالحة التي تُصلح للعبد أمرَه (٢). الخمسون: أن الرِّضا يفتح باب حسن الخلق مع الله ومع الناس، والسخط يفتح باب سوء الخلق مع الله ومع الناس، فإنَّ حسن الخلق من الرِّضا وسوء الخلق من السخط. وحسن الخلق يبلغ بصاحبه درجةَ الصائم القائم (٣)، وسوء الخلق يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب. الحادي والخمسون: أنّ الرِّضا يثمر سرورَ القلب بالمقدور في جميع الأمور، وطيبَ النفس وسكونها في كلِّ حالٍ، وطمأنينةَ القلب عند كلِّ مفزعٍ مَهْلَعٍ من أمور الدُّنيا، وبردَ القناعة، واغتباطَ العبد بقَسْمه من ربِّه، وفرحَه بقيام مولاه عليه، واستسلامَه لمولاه في كلِّ شيءٍ، ورضاه منه بما يجريه عليه، وتسليمَه له الأحكام والقضايا، واعتقادَ حسن تدبيره وكمالِ حكمته؛ ويُذهب عنه شكوى ربِّه إلى غيره وتبرُّمَه بأقضيته. ولهذا سمَّى بعض العارفين الرِّضا: حسن الخلق مع الله (٤)، فإنَّه يوجب ترك الاعتراض عليه في ملكه، وحذفَ فضول الكلام التي تقدح في حسن خلقه، فلا يقول: ما أحوجَ الناسَ إلى مطرٍ! ولا يقول: هذا يومٌ شديد الحرِّ وشديد البرد، ولا يقول:

стр. 1280

الفقر بلاءٌ، والعيال همٌّ وغمٌّ، ولا يسمِّي شيئًا قضاه الله وقدَّره باسمٍ مذمومٍ إذا لم يذمَّه الله؛ فإنَّ هذا كلَّه ينافي رضاه. قال عمر بن عبد العزيز: أصبحتُ وما لي سرورٌ إلَّا في مواقع القدر (١). وقال ابن مسعود: الفقر والغنى مطيَّتان ما أبالي أيُّهما ركبت، إن كان الفقر فإنَّ فيه الصبر، وإن كان الغنى فإنَّ فيه البذل (٢). وقال ابن أبي الحواريِّ [لأبي سليمان] (٣): إنَّ فلانًا قال: وددت أنَّ الليل أطول ممَّا هو، فقال: قد أحسن وقد أساء؛ أحسن حيث تمنَّى طوله للعبادة، وأساء إذ أحبَّ (٤) ما لم يحبَّه الله (٥). وقال عمر بن الخطَّاب: ما أبالي على أيِّ حالٍ أصبحت وأمسيت مِن شدَّةٍ أو رخاء (٦).

стр. 1281

وقال يومًا لامرأته عاتكة ــ أخت سعيد بن زيدٍ ــ وقد غضب (١): واللهِ لأسوأنَّك! فقالت: أتستطيع أن تصرفني عن الإسلام، بعد أن (٢) هداني الله؟ قال: لا، فقالت: فأيُّ شيءٍ تسوؤني به إذًا؟ (٣) تريد أنّها راضيةٌ بمواقع القدر، لا يسوؤها منه شيءٌ إلَّا صرفها عن الإسلام، ولا سبيل له إليه. وقال الثوريُّ يومًا عند رابعة: اللهمَّ ارضَ عنَّا، فقالت: أما تستحيي أن تسأله الرِّضا وأنت غير راضٍ عنه؟ فقال: أستغفر الله. ثمَّ قال لها جعفر بن سليمان: متى يكون العبد راضيًا عن الله؟ فقالت: إذا كان سروره بالمصيبة مثل سروره بالنِّعمة (٤). وفي أثرٍ إلهيٍّ: ما لأوليائي والهمِّ بالدُّنيا؟ إنَّ الهمَّ يُذهب حلاوة مناجاتي من قلوبهم (٥). وقيل: أكثر الناس همًّا بالدُّنيا أكثرهم همًّا في الآخرة، وأقلُّهم همًّا بالدُّنيا أقلُّهم همًّا في الآخرة. فالإيمان بالقدر والرِّضا به يُذهب عن العبد الهمَّ والغمَّ والحزن (٦).

стр. 1282

وذُكر عند رابعةَ وليٌّ لله قُوته من المزابل، فقال رجل (١): ما ضرَّ هذا أن يسأل الله أن يجعل قوته (٢) في غير هذا؟ فقالت: اسكت يا بطَّال! أما علمت أنَّ أولياء الله هم أرضى عنه من أن يتخيَّروا عليه أن ينقلهم من معيشةٍ حتَّى يكون هو الذي يختار لهم (٣). وفي أثرٍ إسرائيلي: أنَّ موسى سأل ربَّه عمَّا فيه رضاه، فأوحى إليه: «إن رضاي في كرهك، وأنت لا تصبر على ما تكره»، فقال: يا ربِّ دلَّني عليه، فقال: «إنَّ رضاي في رضاك بقضائي» (٤). وفي أثرٍ آخر: أنَّ موسى قال: يا ربِّ، أيُّ خلقك أحبُّ إليك؟ فقال: مَن إذا أخذت منه محبوبه سالمني. قال: فأيُّ خلقك أنت عليه ساخطٌ؟ قال: من يستخيرني في أمرٍ فإذا قضيت له سخط قضائي (٥). وفي أثرٍ آخر: أنا الله لا إله إلّا أنا، قدَّرت المقادير، ودبَّرت التدبير، وأحكمت الصُّنع، فمن رضي فله الرِّضا منِّي حتى يلقاني، ومن سخط فله

стр. 1283

السخط حتى يلقاني (١). الثاني والخمسون: أنَّ أفضل الأحوال الرغبةُ في الله ولوازمُها، وذلك لا يتمُّ إلا باليقين والرِّضا عن الله. ولهذا قال سهلٌ: حظُّ الخلق من اليقين على قدر حظِّهم من الرِّضا، وحظُّهم من الرِّضا على قدر رغبتهم في الله (٢). الثالث والخمسون: أنّ الرِّضا يخلِّصه من عيب ما لم يَعِبْه الله، ومِن ذمِّ ما لم يذمَّه. فإنَّ العبد إذا لم يرض بالشيء عابه بأنواع المعايب وذمَّه بأنواع الذم، وذلك قلَّة حياءٍ من الله، وذمٌّ لما لا ذنب له، وعيبٌ لخلقه؛ وذلك يُسقط العبدَ من عينه. ولو أنَّ رجلًا صنع لك طعامًا وقدَّمه إليك فعِبتَه وذممته، لكنت متعرِّضًا لمقته وإهانته، ومستدعيًا منه أن يقطع ذلك عنك. وقد قال بعض العارفين: إنَّ ذمَّ المصنوع وعيبَه إذا لم يذمَّه صانعه غيبةٌ له وقدحٌ فيه (٣). الرابع والخمسون: أنَّ النبي ﷺ سأل الله الرِّضا بالقضاء، كما في «المسند» و «السُّنن» (٤): «اللهمَّ بعلمك الغيبَ، وقدرتك على الخلق، أحيني

стр. 1284

إذا كانت الحياة خيرًا لي، وتوفَّني إذا كانت الوفاة خيرًا لي. وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحقِّ في الغضب والرِّضا، وأسألك القصد في الفقر والغنى. وأسألك نعيمًا لا ينفد، وأسألك قرّة عينٍ لا تنقطع. وأسألك الرِّضا بعد القضاء. وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذَّة النظر إلى وجهك، والشوقَ إلى لقائك في غير ضرَّاءَ مضرَّةٍ، ولا فتنةٍ مضلَّةٍ. اللهمَّ زيِّنَّا بزينة الإيمان، واجعلنا هداةً مهتدين». فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: سأل الرِّضا بعد القضاء لأنَّه حينئذٍ يتبيَّن حقيقة الرِّضا. وأمّا الرِّضا قبله فإنَّما هو عزمٌ على أنَّه يرضى به إذا أصابه، وإنَّما يتحقَّق الرِّضا بعده (١). قال البيهقيُّ (٢): وروِّينا في دعاء النبيِّ ﷺ : «اللهمَّ إنِّي أسألك الصحَّة، والعفَّة، والأمانة، وحسن الخلق، والرِّضا بالقدر». الخامس والخمسون: أنَّ الرِّضا بالقدر يخلِّص العبد من أن يُرضي

стр. 1285

النّاس بسخط الله. وأن يذمَّهم على ما لم يؤته الله، وأن يحمدهم (١) على ما هو محض فضل الله، فيكون ظالمًا لهم في الأوَّل (٢) مشركًا بهم في الثاني (٣). فإذا رضي بالقضاء تخلَّص من ذلك (٤). وقد روى عمرو بن قيسٍ المُلائيُّ عن عطيَّة العَوفي عن أبي سعيدٍ الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ من ضعف اليقين: أن تُرضي الناس بسخط الله، وأن تحمدهم على رزق الله، وأن تذمَّهم على ما لم يؤتك الله. إنَّ رزق الله لا يجرُّه حرص حريصٍ، ولا يردُّه كره كارهٍ. وإنَّ الله بحكمته جعل الرَّوح والفرح في الرِّضا واليقين، وجعل الهمَّ والحزن في الشكِّ والسخط» (٥). وقد رواه الثَّوريُّ عن منصورٍ عن خيثمة عن ابن مسعودٍ عن النبيِّ ﷺ (٦).

стр. 1286

السادس والخمسون: أنَّ الرضا يفرِّغ قلبَه ويُقلُّ همَّه وغمَّه، فيتفرَّغ لعبادة ربِّه بقلبٍ خفيفٍ من أثقال الدُّنيا وهمومها وغمومها. كما ذكر ابن أبي الدُّنيا (١) عن بشر بن بشَّارٍ المُجاشعيِّ ــ وكان من العابدين ــ قال: قلت لعابدٍ: أوصني، قال: ألقِ نفسك مع القَدَر حيث ألقاك، فهو أحرى أن يفرُغ قلبُك وأن يقلَّ همُّك، وإيَّاك أن تسخط ذلك، فيحلَّ بك السخط وأنت عنه في غفلةٍ لا تشعر به. وقال بعض السلف: ذروا التدبير والاختيار تكونوا في طيبٍ من العيش، فإنَّ التدبير والاختيار يكدِّر على الناس عيشهم (٢). وقال أبو العبَّاس بن عطاءٍ: الفرحُ (٣) في تدبير الله لنا، والشقاء كلُّه في تدبيرنا. وقال سفيان بن عيينة: من لم يصلح على تقدير الله لم يصلح على تقديره لنفسه (٤). وقال أبو العبَّاس الطُّوسي: من ترك التدبير عاش في راحة (٥).

стр. 1287

وقال بعضهم: لا تجد السلامة حتى تكون في التدبير كأهل القبور، وقال: الرِّضاء ترك الخلاف على الله فيما يجريه على العبد (١). وقال عمر بن عبد العزيز: لقد تركَتْني هؤلاء الدعوات وما لي في شيءٍ من الأمور كلِّها أربٌ إلَّا في مواقع قدر الله، وكان كثيرًا ما يدعو: اللهم رضِّني بقضائك، وبارك لي في قدرك، حتى لا أحبَّ تعجيل شيءٍ أخَّرتَه، ولا تأخير شيءٍ عجَّلتَه (٢). وقال: ما أصبح لي هوًى في شيءٍ سوى ما قضى الله (٣). وقال شعبة: قال لي يونس بن عبيدٍ: ما تمنَّيت شيئًا قطُّ (٤). وقال الفضيل: الراضي لا يتمنَّى فوق منزلته (٥). وقال ذو النُّون: ثلاثةٌ من أعلام التسليم: مقابلة القضاء بالرِّضا، والصبر عند البلاء، والشُّكر عند الرخاء. وثلاثةٌ من أعلام التفويض: تعطيل إرادتك لمراده، والنظر إلى ما يقع من تدبيره لك، وترك الاعتراض على الحكم. وثلاثةٌ من أعلام التوحيد: رؤية كلِّ شيءٍ من الله، وقبول كلِّ شيءٍ عنه،

стр. 1288

وإضافة كلِّ شيءٍ إليه (١). وقال بعض العارفين: أصل العبادة ثلاثةٌ: لا تردَّ من أحكامه شيئًا، ولا تسأَلْ غيره حاجة، ولا تدَّخِرْ عنه شيئًا (٢). وسئل ابن سمعون عن الرِّضا؟ فقال: أن ترضى به مدبِّرًا ومختارًا، وترضى عنه قاسمًا ومعطيًا ومانعًا، وترضاه إلهًا ومعبودًا وربًّا (٣). وقال بعض العارفين: الرِّضا ترك الاختيار، وسرور القلب بمرِّ القضاء، وإسقاط التدبير من النفس حتى يحكم الله لها وعليها (٤). وقيل: الراضي من لم يندم على فائتٍ من الدُّنيا، ولم يتأسَّف عليها (٥). ولله القائل (٦): العبد ذو ضجرٍ والربُّ ذو قدرٍ ... والدَّهر ذو دولٍ والرِّزق مقسومُ والخير أجمع فيما اختار خالقُنا ... وفي اختيار سواه اللَّوم والشُّومُ

стр. 1289

السابع والخمسون: أنَّه إذا لم يرض بالقدر وقع في لوم المقادير، إمَّا بقالبه، وإمَّا بقلبه وحاله؛ ولوم المقادير لومٌ لمقدِّرها. وكذلك يقع في لوم الخلق. والله والناسُ يلومونه، فلا يزال لائمًا ملومًا. وهذا منافٍ للعبوديَّة. قال أنس: خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين (١)، فما قال لي لشيءٍ فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيءٍ لم أفعله: ألا فعلته؟ ولا قال لي لشيءٍ كان: ليته لم يكن، ولا لشيءٍ لم يكن: ليته كان. وكان بعض أهله إذا لامني يقول: «دعوه، لو قضي شيءٌ لكان» (٢). وقوله: «لو قضي شيءٌ لكان» يتناول أمرين، أحدهما: ما لم يوجد من مراد العبد، والثاني: ما وُجد ممَّا يكرهه؛ يتناول فوات المحبوب وحصول المكروه، فلو قضي الأوَّل لكان، ولو قضي خلاف الآخر لكان. فإذا استوت الحالتان بالنِّسبة إلى القضاء، فعبوديَّة العبد: أن يستوي عنده الحالتان بالنِّسبة إلى رضاه. وهذا موجَب العبوديَّة ومقتضاها، يوضِّحه: الثامن والخمسون: أنَّه إذا استوى الأمران بالنِّسبة إلى رضا الربِّ تعالى، فهذا رضيه لعبده فقدَّره، وهذا لم يرضه فلم يقدِّره= فكمال الموافقة أن يستويا بالنِّسبة إلى العبد، فيرضى ما رضيه له ربُّه في الحالين.

стр. 1290

التاسع والخمسون: أنَّ الله نهى عن التّقدُّم بين يديه ويدي رسوله في حكمه الدينيِّ الشرعيِّ، وذلك عبوديَّة هذا الأمر. فعبوديَّة أمره الكوني القدري: أن لا يتقدَّم بين يديه إلَّا حيث كانت المصلحة الراجحة في ذلك، فيكون التقدُّم بأمره أيضًا الكونيِّ والديني. فإذا كان فرضُه الصبر، وندبُه ــ أو فرضُه ــ الرِّضا حتى ترك ذلك= فقد تقدَّم بين يدي شرعه وقدره. الستُّون: أنَّ المحبَّة والإخلاص والإنابة لا تقوم إلَّا على ساق الرِّضا. فالمحبُّ راضٍ عن حبيبه في كلِّ حاله. وقد كان عمران بن حصينٍ استسقى بطنُه، فبقي ملقًى على ظهره مدَّةً طويلة لا يقوم ولا يقعد، وقد نُقب له في سريره موضعٌ لحاجته. فدخل عليه مطرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير، فجعل يبكي لما رأى من حاله، فقال له: لم تبكي؟ فقال: لأنِّي أراك على هذه الحال العظيمة، فقال: لا تبكِ، فإنَّ أحبَّه إليَّ أحبُّه إليه. وقال: أخبرك بشيءٍ لعلَّ الله أن ينفعك به، واكتُمْ عليَّ حتَّى أموت، إنَّ الملائكة تزورني فآنس بها، وتسلِّم عليَّ فأسمع تسليمها (١). ولمَّا قدم سعد بن أبي وقّاصٍ إلى مكَّة وقد كُفَّ بصره جعل الناس يهرعون إليه ليدعو لهم، فجعل يدعو لهم. قال عبد الله بن السائب: فأتيته

стр. 1291

وأنا غلام فتعرَّفتُ إليه فعرفني، فقلت: يا عمُّ، أنت تدعو للناس (١)، فلو دعوت لنفسك لردَّ الله عليك بصرك، فتبسَّم ثمَّ قال: يا بُنيَّ، قضاء الله عندي أحبُّ إليَّ من بصري (٢). وقال بعض العارفين: ذنبٌ أذنبته، أنا أبكي منه منذ ثلاثين سنةً. قيل: وما هو؟ قال: قلت لشيءٍ كان ليته لم يكن (٣). وقال بعض السّلف: لو قُرض جسمي (٤) بالمقاريض كان أحبَّ إليَّ مِن أن أقول لشيءٍ قضاه الله: ليته لم يقضه (٥). وقيل لعبد الواحد بن زيدٍ: هاهنا رجلٌ قد تعبَّد (٦) خمسين سنةً، فقصده فقال: حبيبي، أخبرني عنك، هل قنعتَ به؟ قال: لا. قال: فهل أنستَ به؟ قال: لا. قال: فهل رضيت عنه؟ قال: لا. قال: فإنَّما مزيدك منه الصوم والصلاة؟ قال: نعم. قال: لولا أنِّي أستحيي منك لأخبرتك أنَّ معاملة خمسين سنةً مدخولة (٧). يعني أنَّه لم يقرِّبه فيجعله في مقام المقرَّبين، فيوجده مواجيد العارفين، بحيث يكون مزيده لديه: أعمال القلوب التي يُستعمَل بها (٨)

стр. 1292

كلُّ محبوبٍ مطلوبٍ، لأنَّ القناعة به حال الموقن، والأنس مقام المحبِّ، والرِّضا وصف المتوكِّل. يعني: أنت عنده في مقام (١) أصحاب اليمين، فمزيدك عنده مزيد العموم من أعمال الجوارح (٢). وقوله: «إنَّ معاملته مدخولة» يحتمل وجهين: أحدهما: أنها ناقصةٌ عن أعمال المقرَّبين التي أوجبت لهم هذه الأحوال. الثاني: أنها لو كانت صحيحةً سالمةً لا علَّة فيها (٣)، لأثمرت له الأنس والرِّضا والمحبَّة والأحوال العليَّة، فإنَّ الربَّ شكورٌ، إذا وصل إليه عمل عبده جمَّل به ظاهرَه وباطنَه، وأثابه عليه من حقائق المعرفة والإيمان بحسب عمله، فحيث لم يجد له أثرًا في قلبه من الأنس والرِّضا والمحبَّة استدلَّ على أنَّه مدخول غيرُ سالمٍ من الآفات (٤). الحادي والستُّون: أنَّ أعمال الجوارح تضاعف إلى حدٍّ معلومٍ محسوب، وأمَّا أعمال القلوب فلا ينتهي تضعيفها. وذلك أنَّ أعمال الجوارح لها حدٌّ تنتهي إليه وتقف عنده، فيكون جزاؤها بحسب حدِّها. وأمَّا أعمال القلوب فهي دائمةٌ متَّصلةٌ، وإن توارى شهود العبد لها. مثاله: أنَّ المحبَّة والرِّضا حال المحبِّ الرّاضي، لا تفارقه أصلًا وإن

стр. 1293

توارى حكمها، فصاحبها في مزيدٍ متَّصل، فمزيد المحبِّ الرّاضي متَّصلٌ بدوام هذه الحال له، فهو في مزيدٍ ولو فترت جوارحه. بل قد يكون مزيده في حال سكونه وفتوره أكثر من مزيد كثيرٍ من أهل النوافل بما لا نسبة بينهما، ويبلغ ذلك بصاحبه إلى أن يكون مزيده في حال نومه أكثر من مزيد كثيرٍ من أهل القيام (١). فإن أنكرت هذا فتأمَّل مزيد نائمٍ بالله وقائم غافلٍ عن الله، فالله سبحانه ينظر إلى القلوب والهمم والعزائم، لا إلى صور الأعمال، وقيمة العبد: همَّته وإرادته. فمن لا يرضيه غيرُ الله ــ ولو أعطي الدُّنيا بحذافيرها ــ له شأن، ومن يرضيه أدنى حظٍّ من حظوظها له شأن، وإن كانت أعمالهما في الصُّورة واحدة، وقد تكون أعمال هذا (٢) أكثرَ وأشقَّ. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. وقد اختلف أرباب هذا الشأن في مسألةٍ وهي: هل للرِّضا حدٌّ ينتهي إليه أم لا؟ فقال أبو سليمان الداراني: ثلاث مقاماتٍ لا حدَّ لها: الزُّهد، والورع، والرِّضا. وخالفه سليمان ابنه ــ وكان عارفًا حتى إنَّ من الناس من كان يقدِّمه على أبيه ــ فقال: بل من تورَّع في كلِّ شيءٍ فقد بلغ حدَّ الورع، ومن زهد في غير الله فقد بلغ حدَّ الزُّهد، ومن رضي عن الله في كلِّ شيءٍ فقد بلغ حدَّ الرِّضا (٣).

стр. 1294

وقد اختلفوا في مسألةٍ تتعلَّق بذلك، وهي أهل مقاماتٍ ثلاثةٍ، أحدهم: يحبُّ الموت شوقًا إلى الله ولقائه، والثَّاني: يحبُّ البقاء للخدمة والتقرُّب، والثالث قال: لا أختار شيئًا، بل أرضى بما يختار لي مولاي، إن شاء أحياني وإن شاء أماتني. فتحاكموا إلى بعض العارفين، فقال: صاحب الرِّضا أفضلهم، لأنَّه أقلُّهم فضولًا (١). ولا ريب أنَّ مقام الرِّضا فوق مقام الشّوق والزُّهد في الدُّنيا. بقي النظر في مقامَي الآخَرَين: أيُّهما أعلى؟ فرجَّحت طائفةٌ مقام من أحبَّ الموت، لأنَّه في مقام الشوق إلى لقاء الله ومحبَّة لقائه؛ ومن أحبَّ لقاء الله أحبَّ الله لقاءه (٢). ورجَّحت طائفةٌ مقامَ مريد البقاء لتنفيذ أوامر الربِّ تعالى. واحتجُّوا بأنَّ الأوَّل محبٌّ لحظِّه من الله، وهذا محبٌّ لمراد الله منه، لم يشبع منه ولم يقض منه وطرًا. قالوا: وهذا حال موسى ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ حين لطم وجه ملك الموت ففقأ عينه (٣)، لا محبَّةً للدُّنيا، ولكن لينفِّذ (٤) أوامر الله ومراضيه في الناس، فكأنَّه قال: أنت عبده وأنا عبده، وأنت في طاعته وأنا في طاعته وتنفيذ أوامره.

стр. 1295

وحينئذٍ فنقول في الوجه الثاني والستِّون (١): حال الراضي المسلِّم ينتظم حاليهما جميعًا، مع زيادة التسليم وترك الاختيار، فإنَّه قد غاب بمراد ربِّه منه من إحيائه وإماتته عن مراده هو من هذين الأمرين. وكلُّ محبٍّ فهو مشتاقٌ إلى لقاء حبيبه، مؤثرٌ لمرضاته (٢)؛ فقد أخذ بزمام كلٍّ من المقامين، واتَّصف بالحالين، وقال: أحبُّ ذلك إليَّ أحبُّه إليه، لا أتمنَّى غير رضاه، ولا أتخيَّر عليه إلَّا ما يحبُّه ويرضاه. وهذا القدر كافٍ في هذا الموضع. وبالله التوفيق. فلنرجع إلى شرح كلامه (٣). قال: (الثاني: سقوط الخصومة مع الخلق). يعني: أنَّ الرِّضا إنَّما يصحُّ بسقوط الخصومة مع الخلق، فإنَّ الخصومة تنافي حال الرِّضا، وتنافي نسبة الأشياء كلِّها إلى من بيده أزمَّة القضاء والقدر. ففي الخصومة آفاتٌ: أحدها: المنازعة التي تضادُّ الرضا. الثّاني: نقص التوحيد بنسبة ما يخاصم فيه إلى العبد (٤) دون الخالق (٥). الثّالث: نسيان الموجِب والسبب الذي جرَّ إلى الخصومة. فلو رجع

стр. 1296

العبد إلى السبب والموجب لكان اشتغاله بدفعه أجدى إليه (١) وأنفع له من خصومة من جرى على يديه، فإنَّه وإن كان ظالمًا فهو الذي سلَّطه على نفسه بظلمه. قال تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥]، فأخبر أن أذى عدوِّهم لهم وغلبتَهم بسبب ظلمهم. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]. فإذا اجتمعت بصيرة العبد على مشاهدة القدر والتوحيد والحكمة والعدل= انسدَّ عنه باب خصومة الخلق، إلَّا فيما كان حقًّا لله ورسوله. فالراضي لا يخاصم ولا يعاتب إلَّا فيما يتعلَّق بحقِّ الله. وهذه كانت حال رسول الله ﷺ ، فإنَّه لم يكن يخاصم أحدًا ولا يعاتبه إلَّا فيما يتعلَّق بحقِّ الله، كما أنَّه كان لا يغضب لنفسه، فإذا انتُهكت محارمُ الله لم يقم لغضبه شيءٌ حتَّى ينتقم لله (٢). فالمخاصمة لحظِّ النّفس تطفئ نور الرِّضا، وتُذهب بهجته، وتبدِّل بالمرارة حلاوتَه، وتكدِّر صفوه. (الشرط الثالث: الخلاص من المسألة لهم والإلحاح) . وذلك لأنَّ المسألة والإلحاح فيها ضربٌ من الخصومة والمنازعة والمحاربة والرُّجوع عن مالك الضرِّ والنفع إلى من لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا إلّا بربِّه. وفيها الغَيبة عن المعطي المانع.

стр. 1297

والإلحاح ينافي حال الرِّضا ووصفه. وقد أثنى سبحانه على الذين لا يسألون النّاس (١)، فقال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسِبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]. فقالت طائفةٌ: يسألون الناس ما تدعو حاجتهم إلى سؤاله، ولكن لا يُلْحِفون، فنفى الله عنهم سؤالَ الإلحافِ لا مطلقَ السُّؤال. قال ابن عبَّاس: إذا كان عنده غداءٌ لم (٢) يسأل عشاءً، وإذا كان عنده عشاء لم يسأل غداء (٣). وقالت طائفة منهم الزجَّاج والفرَّاء وغيرهما: بل الآية اقتضت ترك السُّؤال مطلقًا، لأنّهم وُصفوا بالتعفُّف والمعرفة بسيماهم دون الإفصاح بالمسألة، لأنَّهم لو أفصحوا بالسُّؤال لم يحسبهم الجاهل أغنياء. ثمَّ اختلفوا في وجه قوله: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾: فقال الزجَّاج (٤): لا يكون منهم سؤالٌ فيقعَ إلحاف. كما قال تعالى:

стр. 1298

﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] أي لا تكون شفاعةٌ فتنفع، وقولِه: ﴿لَا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا﴾ [البقرة: ١٢٣] أي لا يكون عدلٌ فيقبل، ونظائره. قال امرؤ القيس (١): على لاحبٍ لا يهتدى لمناره أي ليس له منارٌ يهتدى له (٢). قال ابن الأنباري: وتأويل الآية: لا يسألون البتَّة، فيخرجهم السُّؤال في بعض الأوقات إلى الإلحاف، فجرى هذا مجرى قولك: فلانٌ لا يرجى خيره، أي ليس له خيرٌ فيرجى. وقال أبو عليٍّ: لم يثبت في هذه الآية مسألةٌ منهم، لأنَّ المعنى: ليس منهم مسألة فيكونَ منهم إلحافٌ. قال: ومثل ذلك قول الشاعر (٣): لا يُفزِع الأرنبَ أهوالُها ... ولا ترى الضبَّ بها ينجحرْ أي ليس بها أرنب فيفزَع لهولها، ولا ضبٌّ فينجحر. وقال الفرَّاء (٤): نفى الإلحاف عنهم، وهو يريد جميع وجوه السُّؤال.

стр. 1299

فصل والمسألة في الأصل حرام، وإنَّما أبيحت للحاجة والضرورة، لأنَّها ظلم في حقِّ الربوبيَّة، وظلم في حقِّ المسؤول، وظلم في حقِّ السائل. أمَّا الأوَّل: فلأنَّه بذَلَ سؤاله وفقره وذلَّه واستعطاءه لغير الله، وذلك نوع عبوديَّة. فوضع المسألة في غير موضعها وأنزلها بغير أهلها، وظلم توحيده وإخلاصه (١) وفقره إلى الله وتوكُّله عليه ورضاه بقَسْمه، واستغنى بسؤال الخلق عن مسألته (٢)، وذلك كلُّه هضم من التوحيد، ويطفئ نوره ويضعف قوَّته. وأمَّا ظلمه للمسؤول: فلأنَّه سأله ما ليس له عنده، فأوجب له بسؤاله عليه حقًّا لم يكن عليه، وعرَّضه لمشقَّة البذل أو لؤم المنع، فإن أعطاه أعطاه على كراهةٍ، وإن منعه منعه على استحياء (٣). هذا إذا سأله ما ليس عليه. وأمَّا إذا سأله حقًّا هو له عنده، لم يدخل في ذلك ولم يظلمه بسؤاله. وأمَّا ظلمه لنفسه: فإنَّه أراق ماء وجهه، وذلَّ لغير خالقه، وأنزل نفسه أدنى المنزلتين، ورضي لها بأبخس الحالتين، ورضي بإسقاط شرف نفسه وعزِّة تعفُّفِه وراحة قناعته، وباع صبرَه ورضاه وتوكُّله وقَنَعَه (٤) بما قسم له

стр. 1300

واستغناءَه عن الناس= بسؤالهم. وهذا عينُ ظلمه لنفسه (١)، إذ وضعها في غير موضعها، وأخمل شرفها، ووضع قدرها، وأذهب عزَّها، وصغَّرها وحقَّرها، ورضي أن تكون نفسه تحت نفس المسؤول، ويدُه تحت يده، ولولا الضرورة لم يُبَح ذلك في الشرع. وقد ثبت في «الصحيحين» (٢) من حديث عبد الله بن عمر قال: قال النبي ﷺ : «ما يزال الرجلُ يسأل الناس حتَّى يأتي يومَ القيامة ليس في وجهه مُزْعةُ لحمٍ». وفي «صحيح مسلم» (٣) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من سأل الناس أموالهم تكثُّرًا فإنَّما يسأل جمرًا، فليستقلَّ أو ليستكثِرْ». وفي «الصحيحين» (٤) عن أبي هريرة أنَّ رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده، لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خيرٌ له من أن يأتي رجلًا فيسأله، أعطاه أو منعه». وفي «صحيح مسلم» (٥) عنه أيضًا قال: قال رسول الله ﷺ : «لأن يغدو
следующие страницы →