← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 199

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 526 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

العبد إلى السبب والموجب لكان اشتغاله بدفعه أجدى إليه (١) وأنفع له من خصومة من جرى على يديه، فإنَّه وإن كان ظالمًا فهو الذي سلَّطه على نفسه بظلمه. قال تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥]، فأخبر أن أذى عدوِّهم لهم وغلبتَهم بسبب ظلمهم. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]. فإذا اجتمعت بصيرة العبد على مشاهدة القدر والتوحيد والحكمة والعدل= انسدَّ عنه باب خصومة الخلق، إلَّا فيما كان حقًّا لله ورسوله. فالراضي لا يخاصم ولا يعاتب إلَّا فيما يتعلَّق بحقِّ الله. وهذه كانت حال رسول الله ﷺ ، فإنَّه لم يكن يخاصم أحدًا ولا يعاتبه إلَّا فيما يتعلَّق بحقِّ الله، كما أنَّه كان لا يغضب لنفسه، فإذا انتُهكت محارمُ الله لم يقم لغضبه شيءٌ حتَّى ينتقم لله (٢). فالمخاصمة لحظِّ النّفس تطفئ نور الرِّضا، وتُذهب بهجته، وتبدِّل بالمرارة حلاوتَه، وتكدِّر صفوه. (الشرط الثالث: الخلاص من المسألة لهم والإلحاح) . وذلك لأنَّ المسألة والإلحاح فيها ضربٌ من الخصومة والمنازعة والمحاربة والرُّجوع عن مالك الضرِّ والنفع إلى من لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا إلّا بربِّه. وفيها الغَيبة عن المعطي المانع.

стр. 1297

والإلحاح ينافي حال الرِّضا ووصفه. وقد أثنى سبحانه على الذين لا يسألون النّاس (١)، فقال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسِبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]. فقالت طائفةٌ: يسألون الناس ما تدعو حاجتهم إلى سؤاله، ولكن لا يُلْحِفون، فنفى الله عنهم سؤالَ الإلحافِ لا مطلقَ السُّؤال. قال ابن عبَّاس: إذا كان عنده غداءٌ لم (٢) يسأل عشاءً، وإذا كان عنده عشاء لم يسأل غداء (٣). وقالت طائفة منهم الزجَّاج والفرَّاء وغيرهما: بل الآية اقتضت ترك السُّؤال مطلقًا، لأنّهم وُصفوا بالتعفُّف والمعرفة بسيماهم دون الإفصاح بالمسألة، لأنَّهم لو أفصحوا بالسُّؤال لم يحسبهم الجاهل أغنياء. ثمَّ اختلفوا في وجه قوله: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾: فقال الزجَّاج (٤): لا يكون منهم سؤالٌ فيقعَ إلحاف. كما قال تعالى:

стр. 1298

﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] أي لا تكون شفاعةٌ فتنفع، وقولِه: ﴿لَا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا﴾ [البقرة: ١٢٣] أي لا يكون عدلٌ فيقبل، ونظائره. قال امرؤ القيس (١): على لاحبٍ لا يهتدى لمناره أي ليس له منارٌ يهتدى له (٢). قال ابن الأنباري: وتأويل الآية: لا يسألون البتَّة، فيخرجهم السُّؤال في بعض الأوقات إلى الإلحاف، فجرى هذا مجرى قولك: فلانٌ لا يرجى خيره، أي ليس له خيرٌ فيرجى. وقال أبو عليٍّ: لم يثبت في هذه الآية مسألةٌ منهم، لأنَّ المعنى: ليس منهم مسألة فيكونَ منهم إلحافٌ. قال: ومثل ذلك قول الشاعر (٣): لا يُفزِع الأرنبَ أهوالُها ... ولا ترى الضبَّ بها ينجحرْ أي ليس بها أرنب فيفزَع لهولها، ولا ضبٌّ فينجحر. وقال الفرَّاء (٤): نفى الإلحاف عنهم، وهو يريد جميع وجوه السُّؤال.

стр. 1299

فصل والمسألة في الأصل حرام، وإنَّما أبيحت للحاجة والضرورة، لأنَّها ظلم في حقِّ الربوبيَّة، وظلم في حقِّ المسؤول، وظلم في حقِّ السائل. أمَّا الأوَّل: فلأنَّه بذَلَ سؤاله وفقره وذلَّه واستعطاءه لغير الله، وذلك نوع عبوديَّة. فوضع المسألة في غير موضعها وأنزلها بغير أهلها، وظلم توحيده وإخلاصه (١) وفقره إلى الله وتوكُّله عليه ورضاه بقَسْمه، واستغنى بسؤال الخلق عن مسألته (٢)، وذلك كلُّه هضم من التوحيد، ويطفئ نوره ويضعف قوَّته. وأمَّا ظلمه للمسؤول: فلأنَّه سأله ما ليس له عنده، فأوجب له بسؤاله عليه حقًّا لم يكن عليه، وعرَّضه لمشقَّة البذل أو لؤم المنع، فإن أعطاه أعطاه على كراهةٍ، وإن منعه منعه على استحياء (٣). هذا إذا سأله ما ليس عليه. وأمَّا إذا سأله حقًّا هو له عنده، لم يدخل في ذلك ولم يظلمه بسؤاله. وأمَّا ظلمه لنفسه: فإنَّه أراق ماء وجهه، وذلَّ لغير خالقه، وأنزل نفسه أدنى المنزلتين، ورضي لها بأبخس الحالتين، ورضي بإسقاط شرف نفسه وعزِّة تعفُّفِه وراحة قناعته، وباع صبرَه ورضاه وتوكُّله وقَنَعَه (٤) بما قسم له

стр. 1300

واستغناءَه عن الناس= بسؤالهم. وهذا عينُ ظلمه لنفسه (١)، إذ وضعها في غير موضعها، وأخمل شرفها، ووضع قدرها، وأذهب عزَّها، وصغَّرها وحقَّرها، ورضي أن تكون نفسه تحت نفس المسؤول، ويدُه تحت يده، ولولا الضرورة لم يُبَح ذلك في الشرع. وقد ثبت في «الصحيحين» (٢) من حديث عبد الله بن عمر قال: قال النبي ﷺ : «ما يزال الرجلُ يسأل الناس حتَّى يأتي يومَ القيامة ليس في وجهه مُزْعةُ لحمٍ». وفي «صحيح مسلم» (٣) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من سأل الناس أموالهم تكثُّرًا فإنَّما يسأل جمرًا، فليستقلَّ أو ليستكثِرْ». وفي «الصحيحين» (٤) عن أبي هريرة أنَّ رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده، لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خيرٌ له من أن يأتي رجلًا فيسأله، أعطاه أو منعه». وفي «صحيح مسلم» (٥) عنه أيضًا قال: قال رسول الله ﷺ : «لأن يغدو

стр. 1301

أحدكم فيحتطب على ظهره (١)، فيتصدَّق به، ويستغني به عن الناس= خيرٌ من أن يسأل رجلًا أعطاه أو منعه، ذلك بأنَّ اليد العليا أفضل من اليد السُّفلى. وابدأ بمن تعول». زاد الإمام أحمد (٢): «ولَأن يأخذ ترابًا فيجعله في فيه خيرٌ له من أن يجعل في فِيه ما حَرَّم الله عليه». وفي «صحيح البخاري» (٣) عن الزبير بن العوَّام عن النبي ﷺ قال: «لأن يأخذ أحدكم حبله، فيأتيَ بحزمةٍ من الحطب (٤) على ظهره فيبيعَها، فيكفَّ الله بها وجهه= خيرٌ له من أن يسأل الناس، أعطَوه أو منعوه». وفي «الصحيحين» (٥) عن أبي سعيدٍ الخدري أنَّ ناسًا من الأنصار سألوا رسول الله ﷺ فأعطاهم، ثمَّ سألوه فأعطاهم، ثمَّ سألوه فأعطاهم، حتَّى نفِدَ ما عنده، فقال لهم حين أنفق كلَّ شيءٍ بيديه: «ما يكون عندي من خيرٍ فلن أدَّخره عنكم، ومن يستعِفَّ يُعِفَّه الله، ومن يستغنِ يُغنه الله، ومن يتصبَّر يصبِّرْه الله. وما أعطي أحدٌ عطاءً خيرًا وأوسع من الصبر». وعن عبد الله بن عمر أنَّ رسول الله ﷺ قال وهو على المنبر ــ وذكر

стр. 1302

الصدقة والتعفُّف والمسألة ــ: «اليد العليا خيرٌ من اليد (١) السُّفلى، فاليد العليا: المنفقة، والسُّفلى هي السائلة». رواه البخاريُّ ومسلم (٢). وعن حكيم بن حزام قال: سألت رسول الله ﷺ فأعطاني، ثمَّ سألته فأعطاني، ثمَّ قال: «يا حكيم، إنَّ هذا المال خضرةٌ حلوةٌ، فمن أخذه بسخاوة نفسٍ بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفسٍ لم يبارَك له فيه، وكان (٣) كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خيرٌ من اليد السُّفلى». قال حكيم: فقلت: يا رسول الله، والذي بعثك بالحقِّ، لا أَرْزَأُ أحدًا بعدك شيئًا حتى أفارق الدُّنيا. وكان أبو بكرٍ يدعو حكيمًا إلى العطاء فيأبى أن يقبله منه، ثمَّ إنَّ عمر دعاه ليعطيه فأبى أن يقبل منه شيئًا، فقال عمر: إنِّي أُشهدكم يا معشر المسلمين على حكيمٍ: أنِّي أَعرِض عليه حقَّه من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه. فلم يرزأ حكيمٌ أحدًا من الناس بعد رسول الله ﷺ حتَّى توفِّي. متفق على صحَّته (٤). وعن الشعبي قال: حدَّثني كاتب المغيرة بن شعبة قال: كتب معاوية إلى

стр. 1303

المغيرة بن شعبة: أن اكتب إليَّ بشيءٍ سمعتَه من رسول الله ﷺ (١)، فكتب إليه: سمعت النبيَّ ﷺ يقول: «إنّ الله كره لكم ثلاثًا: قيل وقال، وإضاعة المال (٢)، وكثرة السُّؤال». رواه البخاريُّ ومسلمٌ (٣). وعن معاوية قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تُلْحِفوا في المسألة، فوالله لا يسألني أحدٌ منكم شيئًا فتُخرج له مسألتُه منِّي شيئًا وأنا كارهٌ فيُبارَكَ له فيما أعطيتُه». وفي لفظٍ: «إنَّما أنا خازنٌ، فمن أعطيته عن طيب نفسٍ فيبارَكُ له فيه، ومن أعطيته عن مسألةٍ وشَرَهٍ كان كالذي يأكل ولا يشبع». رواه مسلمٌ (٤). وعن أبي مسلمٍ الخَولاني قال: حدَّثني الحبيب الأمين ــ أمَّا هو فحبيبٌ إليّ، وأمَّا هو عندي فأمين ــ عوف بن مالكٍ الأشجعيُّ قال: كنَّا عند رسول الله ﷺ تسعةً ــ أو ثمانيةً أو سبعةً ــ فقال: «ألا تبايعون رسول الله ﷺ ؟» وكنَّا حديثَ عهدٍ ببيعة فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، فقال: «ألا تبايعون رسول الله؟» فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، ثمَّ قال: «ألا تبايعون رسول الله؟» قال: فبسطنا أيدينا وقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، فعلامَ نبايعك؟ قال: «أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، والصلوات الخمس، وتطيعوا ــ وأسرَّ كلمةً خفيَّةً ــ، ولا تسألوا الناس شيئًا». فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوطُ أحدهم

стр. 1304

فما يسأل أحدًا يناوله إيّاه. رواه مسلم (١). وعن سمرة بن جندبٍ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ المسألة كدٌّ يكُدُّ بها الرجلُ وجهه، إلَّا أن يسأل الرجل سلطانًا، أو في أمرٍ لا بدَّ منه». رواه التِّرمذيُّ (٢)، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وفي «مسند الإمام أحمد» (٣) عن زيد بن عقبة الفزاريِّ قال: دخلت على الحجّاج بن يوسف، فقلت: أصلح الله الأمير، ألا أحدِّثك حديثًا سمعتُه من سمرة بن جندبٍ عن رسول الله ﷺ ؟ قال: بلى، قال: سمعته يقول: «المسائل كدٌّ يكُدُّ بها الرجل وجهَه، فمن شاء أبقى على وجهه ومن شاء ترك، إلَّا أن يسأل رجلٌ ذا سلطانٍ، أو يسأل في أمرٍ لا بدَّ منه». وعن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : «من يتقبَّل لي بواحدةٍ وأتقبَّل له بالجنة؟». قال: قلت: أنا. قال: «لا تسأل النّاس شيئًا». فكان ثوبان يقع سوطه وهو راكب، فلا يقول لأحدٍ: ناولنيه، حتَّى ينزل فيتناوله. رواه الإمام أحمد وأهل السُّنن (٤). وعن ابن مسعودٍ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أصابته فاقةٌ فأنزلها بالناس لم تُسدَّ فاقتُه، ومن أنزلها بالله أوشك الله له بالغنى: إمَّا بموتٍ عاجلٍ

стр. 1305

أو غنًى عاجلٍ». رواه أبو داود والتِّرمذيُّ (١)، وقال: حديث صحيح. وعن سهل ابن الحنظليَّة قال: قدم على رسول الله ﷺ عُيَينة بن حصنٍ والأقرع بن حابسٍ فسألاه، فأمر لهما بما سألاه، وأمر معاوية فكتب لهما بما سألا. فأمَّا الأقرع فأخذ كتابه فلفَّه في عمامته وانطلق. وأمَّا عيينة فأخذ كتابه فأتى النبيَّ ﷺ بكتابه، فقال: يا محمَّد، أُراني حاملًا (٢) إلى قومي كتابًا لا أدري ما فيه، كصحيفة المتلمِّس (٣)! فأخبر معاويةُ بقوله رسولَ الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : «من سأل وعنده ما يغنيه فإنَّما يستكثر من النار»، وفي لفظٍ: «مِن جمر جهنَّم». قالوا: يا رسول الله،

стр. 1306

ما يُغنيه؟ وفي لفظٍ: ما الغنى الذي لا تنبغي معه المسألة؟ قال: «قدر ما يغدِّيه وما يعشِّيه»، وفي لفظٍ: «أن يكون له شِبعُ يومٍ وليلةٍ». رواه أبو داود والإمام أحمد (١). وعن ابن الفِراسيِّ أنَّ الفراسيَّ قال لرسول الله ﷺ : أسأل يا رسول الله؟ قال: «لا، وإن كنت سائلًا لا بدَّ فسل (٢) الصالحين». رواه النسائي (٣). وعن قبيصة بن المخارق الهلاليِّ قال: تحمَّلتُ حَمالةً، فأتيت رسول الله ﷺ أسأله فيها، فقال: «أقم حتى تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها»، ثمَّ قال: «يا قبيصة، إنَّ المسألة لا تحلُّ إلَّا لأحد ثلاثةٍ: رجلٍ تحمَّل حمالةً فحلَّت له المسألةُ حتى يصيبها ثمَّ يمسك، ورجلٍ أصابته جائحةٌ اجتاحت ماله فحلَّت له المسألة حتى يصيب قِوامًا من عيشٍ ــ أو قال: سِدادًا من عيشٍ ــ، ورجلٍ أصابته فاقةٌ حتى يقول ثلاثةٌ من ذوي الحِجى من قومه: لقد أصابت فلانًا فاقةٌ، فحلَّت له المسألة حتى يصيب قِوامًا من عيشٍ ــ أو قال: سِدادًا من عيشٍ ــ؛ فما سواهنَّ من المسألة يا قبيصةُ سحتٌ يأكلها صاحبها سحتًا». رواه مسلمٌ (٤). وعن عائذ بن عمرٍو أنَّ رجلًا أتى النبيَّ ﷺ فسأله فأعطاه، فلمَّا وضع رجله على أُسْكُفَّة الباب قال رسول الله ﷺ : «لو يعلمون ما في المسألة ما مشى أحدٌ إلى أحدٍ يسأله شيئًا». رواه النسائيُّ (٥).

стр. 1307

وعن مالك بن نضلة قال: قال رسول الله ﷺ : «الأيدي ثلاثةٌ: فيد الله العليا، ويد المعطي التي تليها، ويد السائل السُّفلى، فأعط الفضل ولا تعجِزْ عن نفسك». رواه الإمام أحمد وأبو داود (١). وعن ثوبان عن النبي ﷺ : قال: «من سأل مسألةً وهو عنها غنيٌّ كانت شَينًا في وجهه يوم القيامة». رواه الإمام أحمد (٢). وعن عبد الرحمن بن عوفٍ أنَّ رسول الله ﷺ : قال: «ثلاثٌ والذي نفس محمَّدٍ بيده، إن كنت لحالفًا عليهنَّ: لا ينقص مالٌ من صدقةٍ، فتصدَّقوا. ولا يعفو عبدٌ عن مظلمةٍ يبتغي بها وجه الله إلَّا رفعه الله بها. ولا يفتح عبدٌ باب مسألةٍ إلَّا فتح الله عليه بابَ فقر». رواه الإمام أحمد (٣). وعن أبي سعيدٍ الخدري قال: سرَّحتني أمِّي إلى رسول الله ﷺ أسأله، فأتيته فقعدت. قال: فاستقبلني فقال: «من استغنى أغناه الله، ومن استعفَّ أعفَّه الله، ومن استكفى كفاه الله، ومن سأل وله قيمة أوقيَّةٍ فقد ألحف».

стр. 1308

فقلت: ناقتي الياقوتة خير من أوقيةٍ، ولم أسأله. رواه الإمام أحمد وأبو داود (١). وعن خالد بن عديٍّ الجهنيِّ عن رسول الله ﷺ قال: «من جاءه من أخيه معروف من (٢) غير إشرافٍ ولا مسألةٍ فليقبَلْه ولا يردَّه، فإنَّما هو رزقٌ ساقه الله إليه». رواه الإمام أحمد (٣). فهذا أحد المعنيين في قوله (٤): إنَّ من شرط الرِّضا ترك الإلحاح في المسألة، وهو أليق المعنيين وأولاهما (٥)، لأنَّه قرنه بترك الخصومة مع الخلق، فلا يخاصمهم في حقِّه ولا يطلب منهم حقوقه. والمعنى الثاني: أنَّه لا يلحُّ في الدعاء ولا يبالغ فيه، فإنَّ ذلك يقدح في رضاه. وهذا يصحُّ من وجهٍ دون وجهٍ، فيصحُّ إذا كان الداعي يلحُّ في الدُّعاء

стр. 1309

بأغراضه وحظوظه العاجلة. وأمَّا إذا ألحَّ على الله في سؤاله ما فيه رضاه والقرب منه، فإنّ ذلك لا يقدح في مقام الرِّضا أصلًا. وفي الأثر: «إنَّ الله يحبُّ المُلحِّين في الدعاء» (١). وقال أبو بكرٍ الصدِّيق للنبيِّ ﷺ يوم بدر: يا رسول الله، قد ألححتَ على ربِّك، كفاك بعض مناشدتك لربِّك (٢). فهذا الإلحاح عين العبوديَّة. وفي «سنن ابن ماجه» (٣) من حديث أبي صالحٍ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من لم يسأل الله يغضب عليه». فإذا كان سؤاله يُرضيه لم يكن الإلحاح فيه منافيًا لرضاه، وحقيقة الرِّضا: موافقته سبحانه في رضاه. بل الذي ينافي الرِّضا: أنه يلحُّ عليه متحكِّمًا عليه، متخيِّرًا عليه (٤) ما لا يعلم هل يرضيه أم لا؟ كمن يلحُّ على ربِّه في ولاية

стр. 1310

شخصٍ، أو إغنائه، أو قضاء حاجته. فهذا ينافي الرِّضا، لأنَّه ليس على يقينٍ أنَّ مرضاة الربِّ في ذلك. فإن قيل: فقد يكون للعبد حاجةٌ يباح له سؤالها، فيلحُّ على ربِّه في طلبها حتَّى يُفتَح له من لذيذ مناجاته وسؤاله، والذُّلِّ بين يديه وتملُّقِه، والتوسُّلِ إليه بأسمائه وصفاته وتوحيده، وتفريغ القلب له، وعدم تعلُّقه في حاجته بغيره= ما لم يحصل له بدون الإلحاح، فهل يكره له هذا الإلحاح وإن كان المطلوب حظًّا من حظوظه؟ قيل: هاهنا ثلاثة أمورٍ: أحدها: أن يفنى بمطلوبه وحاجته عن مراد ربِّه ورضاه منه، ويجعل الربَّ تعالى وسيلةً إلى مطلوبه، بحيث يكون أهمَّ إليه منه. فهذا ينافي كمال الرِّضا به وعنه. الثّاني: أن يُفتَح على قلبه حالَ السُّؤال مِن معرفته ومحبَّته والذُّلِّ له والخضوع والتّملُّق ما ينسيه حاجته، ويكون ما فُتح له من ذلك أحبَّ إليه من حاجته بحيث يحبُّ أن تدوم له تلك الحال، وتكون آثر عنده من حاجته، وفرحُه بها أعظم من فرحه بحاجته لو عجِّلت له وفاته ذلك. فهذا لا ينافي رضاه. قال بعض العارفين: إنَّه لتكون لي الحاجة إلى الله، فأسأله إيَّاها، فيفتح عليَّ من مناجاته ومعرفته والتذلُّل له والتملُّق بين يديه ما أُحبُّ معه أن يؤخِّر قضاءها، وتدوم لي تلك الحال. وفي أثرٍ: «إنَّ العبد ليدعو ربَّه، فيقول الله لملائكته: اقضوا حاجةَ عبدي

стр. 1311

وأخِّروها، فإنِّي أحبُّ أن أسمع دعاءه. ويدعوه آخر فيقول الله لملائكته: اقضوا حاجته وعجِّلوها له، فإنِّي أكره صوته» (١). وقد روى الترمذي وغيرُه (٢) عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ الله يحبُّ أن يُسأل، وأفضل العبادة انتظار الفرج». وروى أيضًا (٣) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من سرَّه

стр. 1312

أن يستجيب اللهُ له عند الشدائد، فليكثر الدعاءَ في الرخاء». وروى أيضًا (١) من حديث أنسٍ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «ليسألْ أحدُكم ربَّه حاجتَه، حتى يسأله الملح، وحتى يسأله شسعَ نعله إذا انقطع». وفيه أيضًا (٢) عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «ما سئل الله شيئًا

стр. 1313

أحبَّ إليه من أن يُسأل العافية. وإنَّ الدُّعاءَ لينفع ممَّا نزل وممَّا لم ينزل، فعليكم عبادَ الله بالدُّعاء». فإذا كان هذا محبَّة الربِّ للدُّعاء، فلا ينافي الإلحاحُ فيه الرِّضا. الثالث: أن ينقطع طمعه عن الخلق، ويتعلَّق بربِّه في طلب حاجته، قد أفرده بالطَّلب، لا يلوي على ما وراء ذلك. فهذا قد يُنشئ (١) له المصلحةَ مِن نفس الطلب وإفراد الربِّ بالقصد. والفرق بينه وبين الذي قبله: أنَّ ذلك قد فتح عليه بما هو أحبُّ إليه من حاجته، فهو لا يبالي بفواتها بعد ظفره بما فتح عليه. وبالله التوفيق. فصل قال (٢): (الدرجة الثالثة: الرِّضا برضا الله، فلا يرى العبد لنفسه سخطًا ولا رضًا، فيبعثه على ترك التحكُّم وحسم الاختيار وإسقاط التمييز ولو أدخل النار). إنَّما كانت هذه الدرجة أعلى ممَّا قبلها من الدرجات عنده لأنَّها درجة صاحب الجمع، الفاني بربِّه عن نفسه وعمَّا منها، قد غيَّبه شاهدُ رضا الله بالأشياء في وقوعها على مقتضى مشيئته عن شاهد رضاه هو، فيشهد الرِّضا لله ومنه حقيقةً، ويرى نفسه فانيًا ذاهبًا مفقودًا. فهو يستوحش من نفسه، ومن

стр. 1314

صفاتها، ومن رضاها، ومن سخطها، فهو عاملٌ على التغيُّب عن وجوده وعمَّا منه، مترامٍ إلى العدم المحض، قد تلاشى وجوده ونفسه وصفاتها في وجود مولاه الحقِّ وصفاته وأفعاله، كما يتلاشى ضوء السِّراج الضعيف في جرم الشمس، فغاب برضا ربِّه عن رضاه هو عن ربِّه في أقضيته وأقداره، وغاب بصفات ربِّه عن صفاته، وبأفعاله عن أفعاله، فتلاشى وجوده وصفاته وأفعاله في جنب وجود ربِّه وصفاته، بحيث صار كالعدم المحض. وفي هذا المقام لا يرى لنفسه رضًا ولا سخطًا. فيوجب له هذا الفناء تركَ التحكُّم على الله بأمرٍ من الأمور، وتركَ التخيُّر عليه، فتذهب مادَّة التحكُّم وتفنى، وتنحسم مادَّة الاختيار وتتلاشى، وعند ذلك يسقط تمييز العبد ويتلاشى. هذا تقرير كلامه. وبعد، فهاهنا أمران: أحدهما: أنَّ هذا حالٌ يعرض، لا مقامٌ يُطلَب ويشمَّر إليه. فإنَّ هذه الحال متى عرضت له وارت عنه تمييزَه، ولا يمكن أن يدوم له ذلك، بل يقصر زمنه ويطول ثمَّ يرجع إلى تمييزه وعقله. وصاحب هذه الحال مغلوبٌ: إمَّا سكران بحاله، وإمَّا فانٍ عن وجوده. والكمال وراء ذلك، وهو أن يكون فناؤه عن إرادته بإرادة ربِّه منه، فيكون باقيًا بوجودٍ آخر غير وجوده الطبيعيِّ، وهو وجودٌ مُطهَّرٌ كائنٌ بالله ولله ومع الله، وصاحبه في مقامِ «فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش» (١)، قد فني

стр. 1315

عن وجوده الطبيعيِّ النفسيِّ، وبقي بهذا الوجود العلويِّ القدسيِّ، فيعود عليه تمييزُه وفرقانُه، ورضاه عن ربِّه تعالى، ومقاماتُ إيمانه. وهذا أكمل وأعلى من فنائه عنها كالسكران. فإن قلت (١): فهل يمكن وصولُه إلى هذا المقام من غير درب الفناء، وعبورُه إليه على غير جسره؟ قلت: اختلف في ذلك، فطائفةٌ ظنَّت أنَّه لا يصل إلى البقاء وإلى هذا الوجود المطهَّر إلَّا بعد عبوره على جسر الفناء، فعدُّوه لازمًا من لوازم السَّير إلى الله. وقالت طائفةٌ: بل يمكن الوصول إلى الله (٢) على غير درب الفناء. والفناءُ عندهم عارضٌ (٣)، لا لازم. وسببه: قوَّة الوارد، وضعفُ المحلِّ، واستجلابُه بتعاطي أسبابه. والتحقيق: أنَّه لا يصل إلى هذا المقام إلَّا بعد عبوره على جسر الفناء عن مراده بمراد سيِّده، فما لم يحصل له هذا الفناء فلا سبيل له إلى ذلك البقاء. وأمَّا فناؤه عن وجوده، فليس بشرط لذلك البقاء، ولا هو من لوازمه. وصاحب هذا المقام هو في رضاه عن ربِّه بربِّه لا بنفسه (٤)، فيرى ذلك

стр. 1316

كلَّه من عين المنَّة والفضل، مستعمَلًا فيه، قد أقيم لا أنَّه قد قام هو به. فهو واقفٌ بين مشهدِ ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨)﴾ ومشهدِ ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨ - ٢٩]. والله المستعان. * * * *

стр. 1317

فصل ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الشُّكر . وهي من أعلى المنازل. وهي فوق منزلة الرِّضا، فإنه يتضمَّن الرضا وزيادة، فالرضا مندرجٌ في الشكر، إذ يستحيل وجود الشكر بدونه. وهو نصف الإيمان كما تقدَّم، والإيمان نصفان: نصفٌ شكر، ونصفٌ صبر. وقد أمر الله به ونهى عن ضدِّه، وأثنى على أهله، ووصف به خواصَّ خلقه. وجعله غاية خلقه وأمره، ووعد أهله بأحسن جزائه، وجعله سببًا للمزيد من فضله، وحارسًا وحافظًا لنعمته. وأخبر أنَّ أهله هم المنتفعون بآياته، واشتقَّ لهم اسمًا من أسمائه، فإنَّه سبحانه هو الشَّكور، وهو موصل للشاكر إلى مشكوره (١)، بل يعيد الشاكر مشكورًا. وهو غاية رضا الربِّ من عبده، وأهلُه هم القليل من عباده. قال تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢]. وقال: ﴿أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا﴾ [البقرة: ١٥٢]. وقال عن خليله إبراهيم ﵇: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾ [النحل: ١٢٠ - ١٢١]. وقال عن نوحٍ ﵇: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣].

стр. 1318

وقال: ﴿قَدِيرٌ (٧٧) وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ [النحل: ٧٨]. وقال: ﴿(١٥٠) كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا﴾ [البقرة: ١٥١ - ١٥٢]. وقال: ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤]. وقال: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧]. وقال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [إبراهيم: ٥]. وسمَّى نفسه شاكرًا وشَكورًا، وسمَّى الشاكرين بهذين الاسمين، فأعطاهم من وصفه وسمَّاهم باسمه، وحسبك بهذا محبَّةً للشاكرين وفضلًا. وإعادتُه للشاكر مشكورًا كقوله: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان: ٢٢]. ورضا الربِّ عن عبده به كقوله: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧]. وقلَّة أهله في العالمين تدلُّ على أنّهم هم خواصُّه، كقوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]. وفي «الصحيح» (١) عن النبيِّ ﷺ أنَّه قام حتَّى تورَّمت قدماه، فقيل له:

стр. 1319

تفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر؟ قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟». وقال لمعاذٍ: «والله يا معاذ إنِّي لأحبُّك، فلا تنسَ أن تقول في دبر كلِّ صلاةٍ: اللهمَّ أعنِّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» (١). وفي «المسند» و «الترمذي» (٢) عن ابن عبَّاس ﵄ أنَّ النبي ﷺ كان يدعو بهؤلاء الكلمات: «اللهمَّ أعنِّي ولا تُعِن عليَّ، وانصرني ولا تنصر عليَّ، وامكر لي ولا تمكر عليَّ، واهدني ويسِّر الهدى لي، وانصرني على من بغى عليّ. ربِّ اجعلني لك شكَّارًا، لك ذكَّارًا، لك رهَّابًا، لك مِطْواعًا، لك مخبتًا، إليك أوَّاهًا منيبًا. ربِّ تقبَّل توبتي، واغسل حَوبتي، وأجب دعوتي، وثبِّت حجَّتي، واهدِ قلبي، وسدِّد لساني، واسْلُل سخيمة صدري». فصل وأصل الشُّكر في وضع اللِّسان: ظهور أثر الغذاء في أبدان الحيوان ظهورًا بيِّنًا، يقال: شَكِرت الدابَّةُ تَشْكَر شَكَرًا (٣) على وزن (سَمِنت تَسْمَن سِمَنًا): إذا ظهر عليها أثرُ العلف، ودابَّة شَكُور: إذا

стр. 1320

ظهر عليها من السِّمَن فوقَ ما تُعطى (١) من العلف. وفي «صحيح مسلم» (٢): « ... حتَّى إنَّ الدوابَّ لتَشْكَرُ من لحومهم»، أي تسمن من كثرة ما تأكل منها. وكذلك حقيقته في العبوديَّة، وهو ظهور أثر نعمة الله على لسان عبده ثناءً واعترافًا، وعلى قلبه شهودًا ومحبَّةً، وعلى جوارحه انقيادًا وطاعة. والشُّكر مبنيٌّ على خمس قواعد: خضوع الشاكر للمشكور، وحبُّه له، واعترافه بنعمته، والثناء عليه بها، وأن لا يستعملها فيما يكره. فهذه الخمسة هي أساس الشُّكر، وبناؤه عليها، فمتى عدم منها واحدةً اختلَّ مِن قواعد الشكر قاعدة. وكلُّ من تكلَّم في الشكر وحدِّه، فكلامه إليها يرجع وعليها يدور. فقيل حدُّه: أنَّه الاعتراف بنعمة المنعم على وجه الخضوع (٣). وقيل: الثناء على المحسن بذكر إحسانه. وقيل: هو عكوف القلب على محبَّة المنعم، والجوارح على طاعته، وجريان اللِّسان بذكره والثناء عليه.

стр. 1321

وقيل: هو مشاهدة المنَّة، وحفظ الحرمة (١). وما ألطف ما قال حمدون القصَّار: شكر النِّعمة أن ترى نفسك فيها طفيليًّا (٢). وقال أبو عثمان: الشُّكر معرفة العجز عن الشُّكر (٣). وقيل: الشُّكر إضافة النِّعم إلى موليها بنعت الاستكانة له. وقال الجنيد: الشُّكر أن لا ترى نفسك أهلًا للنِّعمة (٤). هذا معنى قول حمدون أن يرى نفسه فيها طفيليًّا. وقال رويمٌ: الشُّكر استفراغ الطاقة (٥). وقال الشِّبليُّ: الشُّكر رؤية المنعم لا رؤية النِّعمة (٦). قلت: يحتمل كلامه أمرين: أحدهما: أن يفنى برؤية المنعم عن رؤية نعمه. والثاني: أن لا تحجبه رؤية نعمه ومشاهدتها عن رؤية المنعم بها. وهذا أكمل، والأوَّل أقوى عندهم.

стр. 1322

والكمال: أن تشهد النِّعمة والمنعم، لأنَّ شكره بحسب شهوده للنِّعمة، فكلَّما كان أتمَّ كان الشُّكر أكمل. والله يحبُّ من عبده أن يشهد نعمه، ويعترف (١) بها، ويثني عليه بها، ويحبُّه عليها، لا أن يفنى عنها ويغيب عن شهودها. وقيل: الشُّكر قيد النِّعم الموجودة، وصيد النِّعم المفقودة. وشكر العامَّة على المطعم والملبس وقوت الأبدان، وشكر الخاصَّة على التوحيد والإيمان وقوت القلوب (٢). وقال داود: يا ربِّ، كيف أشكرك؟ وشكري نعمةٌ عليَّ مِن عندك تستوجب بها شكرًا، فقال: الآن شكرتني يا داود (٣). وفي أثرٍ آخرَ إسرائيليٍّ: أنَّ موسى قال يا ربِّ، خلقتَ آدم بيديك ونفختَ فيه من روحك، وأسجدت له ملائكتك، وعلَّمته أسماء كلِّ شيءٍ، وفعلتَ وفعلتَ؛ فكيف أطاق شكرك؟ فقال الله : علم أنَّ ذلك منِّي، فكانت معرفته بذلك شكرًا لي (٤).

стр. 1323

وقيل: الشُّكر التلذُّذ بثنائه على ما لم تستوجب من عطائه (١). وقال الجنيد ــ وقد سأله سَرِيٌّ عن الشُّكر ــ وهو صبيٌّ بعدُ: الشُّكر أن لا يستعان بشيءٍ من نعم الله على معاصيه. فقال: من أين لك هذا؟ قال: من مجالستك (٢). وقيل: من قَصُرت يدُه عن المكافاة فليَطُل لسانه بالشكر. والشُّكر معه (٣) المزيد أبدًا، لقوله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]، فمتى لم تر حالك في مزيدٍ فاستقبل الشُّكر. وفي أثرٍ إلهيٍّ يقول الله تعالى: «أهل ذكري أهل مجالستي، وأهل شكري أهل زيادتي، وأهل طاعتي أهل كرامتي، وأهل معصيتي لا أقنِّطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهِّرهم من المعايب» (٤). وقيل: من كتم النِّعمة فقد كفرها، ومن أظهرها ونشرها فقد شكرها. وهذا (٥) من قوله: ﷺ «إنَّ الله إذا أنعم على عبدٍ بنعمةٍ أحبَّ أن يرى أثر نعمته

стр. 1324

على عبده» (١). وفي هذا قيل (٢): ومن الرزيَّة أنَّ شكري صامتٌ ... عمَّا فعلتَ وأنَّ برَّك ناطقُ أأرى الصنيعةَ منك ثمّ أُسِرُّها ... إنِّي إذًا لندى الكريم لسارقُ فصل وتكلَّم الناس في الفرق بين الحمد والشُّكر أيُّهما أعلى وأفضل؟ وفي الحديث: «الحمد رأس الشُّكر، فمن لم يحمَدِ الله لم يشكُرْه» (٣). والفرق بينهما: أنَّ الشُّكر أعمُّ من جهة أنواعه وأسبابه وأخصُّ من جهة متعلَّقاته، والحمد أعمُّ من جهة المتعلَّقات وأخصُّ من جهة الأسباب. ومعنى هذا: أنَّ الشُّكر يكون بالقلب خضوعًا واستكانةً، وباللِّسان ثناءً واعترافًا، وبالجوارح طاعةً وانقيادًا. ومتعلَّقه: النِّعم دون الأوصاف الذاتيَّة،

стр. 1325

فلا يقال: شكرنا الله على حياته وسمعه وبصره وعلمه، وهو المحمود عليها كما هو محمودٌ على إحسانه وعدله، والشُّكر يكون على الإحسان والنِّعم. فكلُّ ما يتعلَّق به الشُّكر يتعلَّق به الحمدُ من غير عكسٍ. وكلُّ ما يقع به الحمد يقع به الشُّكر من غير عكسٍ، فإنَّ الشُّكر يقع بالجوارح، والحمد بالقلب واللِّسان. فصل قال صاحب «المنازل» ﵀ (١): (الشُّكر اسمٌ لمعرفة النِّعمة، لأنَّها السبيل إلى معرفة المنعم. ولهذا سمَّى الله تعالى الإسلام والإيمان في القرآن شكرًا). معرفة النِّعمة ركنٌ من أركان الشُّكر، لا أنَّها جملة الشُّكر، كما تقدَّم: أنَّه الاعتراف بها، والثناء عليه بها، والخضوع له ومحبَّته، والعمل بما يرضيه فيها. لكن لمَّا كان معرفتها ركنَ الشُّكرِ الأعظمَ الذي يستحيل وجود الشُّكر بدونه= جعل أحدَهما اسمًا للآخر. قوله: (لأنَّها السبيل إلى معرفة المنعم)، يعني: أنَّه إذا عرف النِّعمة توصَّل بمعرفتها إلى معرفة المنعم بها. وهذا من جهة معرفة كونها نعمةً، لا من أيِّ جهةٍ عرفها بها. ومتى عرف المُنعم أحبَّه وجدَّ في طلبه، فإنَّ من عرف الله أحبَّه لا محالة، ومن عرف الدُّنيا أبغضها لا محالة. وعلى هذا يكون قوله: (الشُّكر اسم لمعرفة النِّعمة) مستلزمًا لمعرفة المنعم، ومعرفته تستلزم محبَّته، ومحبَّته تستلزم شكره. فيكون قد ذكر بعض

стр. 1326

أقسام الشُّكر باللفظ، ونبَّه على سائرها باللُّزوم. وهذا من حُسن (١) اختصاره وكمال معرفته وتصوُّره، قدَّس الله روحه. قال (٢): (ومعاني الشُّكر ثلاثة أشياء: معرفة النِّعمة، ثمَّ قبول النِّعمة، ثمَّ الثناء بها. وهو أيضًا من سبل العامَّة). أمَّا معرفتها فهو إحضارها في الذِّهن ومشاهدتها وتمييزها. فمعرفتها: تحصيلها ذهنًا كما حصلت له خارجًا، إذ كثيرٌ من الناس يُحسَن إليه وهو لا يدري، فلا يصحُّ من هذا الشكرُ. قوله: (ثمَّ قبول النِّعمة)، قبولها (٣) هو تلقِّيها من المنعم بإظهار الفقر والفاقة إليها، وأنَّ وصولها إليه بغير استحقاقٍ منه ولا بذل ثمنٍ، بل يرى نفسه فيها كالطُّفيليِّ، فإنَّ هذا شاهدٌ بقبولها حقيقةً. قوله: (ثمَّ الثناء بها)، الثناء على المنعم المتعلِّقُ بالنِّعمة نوعان: عامٌّ وخاصٌّ. فالعامُّ: وصفه بالجود والكرم، والبرِّ والإحسان، وسعة العطاء، ونحو ذلك. والخاصُّ: التّحدُّث بنعمته، والإخبارُ بوصولها إليه من جهته، كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]. وفي هذا التحديث المأمور به قولان: أحدهما: أنّه ذكر النِّعمة والإخبارُ بها وقولُه: أنعم الله عليَّ بكذا وكذا.

стр. 1327

قال مقاتلٌ (١): يعني اشكر ما ذُكِر من النِّعم عليك في هذه السُّورة مِن: جبر اليتم، والهدى بعد الضَّلالة، والإغناء بعد العيلة. والتحدُّث بنعمة الله شكرٌ، كما في حديث جابرٍ مرفوعًا: «من صُنع إليه معروفٌ فليَجزِ به، فإن لم يجد ما يجزي فليُثنِ عليه، فإنَّه إذا أثنى عليه فقد شكره، وإن كتمه فقد كفره، ومن تحلَّى بما لم يُعطَ كان كلابس ثوبَي زورٍ» (٢). فذكر أقسام الخلق الثلاثة: شاكر النِّعمة المثني بها. والجاحد لها الكاتم لها. والمظهر أنَّه من أهلها وليس من أهلها، فهو متحلٍّ بما لم يُعطَه. وفي أثرٍ آخر مرفوعٍ: «من لم يشكرِ القليلَ لم يشكرِ الكثير، ومن لم يشكرِ الناس لم يشكرِ الله، والتحدُّث بنعمة الله شكر، وتركه كفر، والجماعة رحمةٌ

стр. 1328

والفرقة عذاب» (١). والقول الثاني: التحدُّث بالنِّعمة المأمور به في هذه الآية هو الدعوة إلى الله، وتبليغ رسالته، وتعليم الأمَّة. قال مجاهدٌ: هي النبوَّة. قال الزجَّاج: أي بلِّغ ما أُرسلتَ به، وحدِّث بالنبوَّة التي آتاك الله. وقال الكلبيُّ: هو القرآن، أمره أن يقرأه (٢). والصواب أنَّه يعمُّ النّوعين، إذ كلٌّ منهما نعمةٌ مأمورٌ بشكرها والتحدُّثِ بها، وإظهارُها من شكرها. قوله: (وهو أيضًا من سبل العامَّة)، يا ليت الشيخ صان كتابه عن هذا التعليل وجَعْلِ نصف الإسلام والإيمان من أضعف السبيل. بل الشُّكر سبيل رسل الله وأنبيائه وأخصِّ خلقه وأقربهم إليه. ويا عجبًا، أيُّ مقامٍ أرفع من الشُّكر الذي يندرج فيه جميع مقامات الإيمان، حتى المحبَّة والرِّضا والتوكُّل وغيرها؟! فإنّ الشُّكر لا يصحُّ إلا بعد حصولها. وتالله ليس لخواصِّ الله وأهلِ القُرب منه سبيلٌ أرفع من الشُّكر ولا أعلى. ولكن الشيخ وأصحاب الفناء كلَّهم يرون أن فوق هذا مقامًا أجلَّ منه

стр. 1329

وأعلى، لأنَّ الشُّكر يتضمَّن نوع دعوى، وأنَّه شكر الحقِّ على إنعامه، ففي الشاكر بقيَّةٌ من بقايا رسمه لم يفنَ عنها (١). فلو فني عنها بتحقُّقه أنَّ الحقَّ سبحانه هو الذي شكر نفسه بنفسه، وأنَّ من لم يكن كيف يشكر من لم يزل= علم أنَّ الشُّكر من منازل العامَّة. ولو أنَّ السُّلطان كسا عبدًا من عبيده ثوبًا من ثيابه، فأخذ يشكر السُّلطان على ذلك= لعُدَّ مخطئًا، مسيئًا للأدب، فإنَّه مدَّعٍ بذلك مكافأة السُّلطان بشكره، فإنَّ الشُّكر مكافأةٌ، والعبد أصغر قدرًا من المكافأة. والشُّهود للحقيقة يقتضي اتِّحادَ (٢) نسبة الأخذ والعطاء، ورجوعَها إلى وصف المعطي وحوله وقوَّته، فالخاصَّة يسقط عندهم الشُّكر بالشُّهود، وفي حقِّهم ما هو أعلى منه. هذا غايةُ تقرير كلامهم، وكسوتُه أحسن عبارةٍ لئلَّا يُتعدَّى (٣) عليهم بسوء التعبير الموجِب للتنفير. ونحن معنا العصمة النافعة: أنَّ كلَّ أحدٍ غير المعصوم فمأخوذٌ من قوله ومتروك، وكلُّ سبيلٍ لم يوافق سبيله فمهجورٌ غير مسلوكٍ. فأمَّا تضمُّن الشُّكر لنوع دعوى، فإن أريد بهذه الدعوى إضافته (٤) الفعلَ إلى نفسه، وأنَّه كان به، وغاب بذلك عن كونه بحول الله وقوَّته ومنَّته على عبده= فلعمر الله هذه علَّة مؤثرة ودعوى كاذبة.

стр. 1330

وإن أريد أنَّ شهوده لشكره شهودٌ لنعمة الله عليه به، وتوفيقه له فيه، وإذنه له به (١) ومشيئته، ومنَّته عليه، فشهد عبوديَّته وقيامَه بها وكونَها بالله= فأيُّ دعوى في هذا؟ وأيُّ علَّةٍ؟ نعم، غايته أنَّه لا يجامع الفناء (٢)، فكان ماذا؟! أنتم جعلتم الفناء غايةً، فأوجب لكم ما أوجب، وقدَّمتموه على ما قدَّمه الله ورسوله، فتضمَّن ذلك تقديم ما أخَّر، وتأخير ما قدَّم. وإلغاء ما اعتبر، واعتبار ما ألغى. ولولا منَّة الله على الصادقين منكم بتحكيم الرِّسالة والتقيُّد بالشرع لكان أمرًا غير هذا، كما جرى لغير واحدٍ من السالكين على هذه الطريق الخطرة، فلا إله إلَّا الله، كم بها (٣) من قتيلٍ وسليبٍ، وجريحٍ وأسيرٍ (٤)! وأمَّا أنَّ (٥) الشاكر فيه بقيَّةٌ من بقايا رسمه، فيقال: إذا كانت هذه البقيَّة محضَ العبوديَّة ومَرْكبَها والحاملةَ لها، فأيُّ نقصٍ في هذا؟ فإنَّ العبوديَّة لا تقوم بنفسها، وإنَّما تقوم بهذا الرسم، فلا نقصَ في حمل العبوديَّة عليه والسَّير به إلى الله. نعم، النقص كلُّ النقص: حملُ الشهوة (٦) والحظِّ المخالف لمراد الربِّ

стр. 1331

تعالى الدينيِّ (١) على هذا الرسم والسَّير به إلى النفس. ولعلَّ العامل على الفناء بهذه المثابة، وهو ملبوس عليه؛ فالعارف يستقصي التفتيش عن كمائن النفس. وأمَّا قولكم: كيف يشكر من لم يكن من لم يزل؟ فهذا بالشَّطح أليق منه بالمعرفة، فإنَّ من لم يزل إذا أَمَر من لم يكن بالشكر، ورضيه منه وأحبَّه، وأثنى عليه به، واستدعاه واقتضاه منه، وأوجب له به المزيد، وأضافه إليه، واشتقَّ له منه الاسم، وأوقع عليه به الحكم، وأخبر أنَّه غاية رضاه منه، وأمره مع ذلك أن يشهد أنَّ شكره به وبإذنه ومشيئته وتوفيقه= فهذا شكر من لم يكن لمن لم يزل، وهو محض العبوديَّة. وأمَّا ضرب مثل كسوة السُّلطان لعبده وأخذِه في الشُّكر له مكافأةً، فهذا من أبطل الأمثلة عقلًا ونقلًا وفطرةً، وهو الحجاب الذي أوجب لمن قال: (إنَّ شكر المنعم لا يجب عقلًا) ما قال، حتَّى زعم أنَّ شكره قبيحٌ عقلًا ولولا الشرع لما حَسُن الإقدام عليه، وضَرَب هذا المثل الذي ضربتموه بعينه (٢). وهذا من القياس الفاسد المتضمِّنِ قياسَ الخالق على المخلوق. وبمثله عُبدت الشمس والقمر والأوثان (٣)، إذ قال المشركون: جناب العظيم لا يُهجَم عليه بغير وسائل ووسائط. وسرت هاتان الرقيقتان فيمن فسد من أهل التعبُّد وأهل النظر والبحث، والمعصومُ من عصمه الله.

стр. 1332

فيقال: الفرق من وجوهٍ كثيرةٍ جدًّا تفوت الحصر. منها: أنَّ الملك محتاجٌ فقيرٌ إلى من أنعم عليه، لا يقوم ملكه إلَّا به، فهو محتاجٌ إلى معاوضته بتلك الكسوة ــ مثلًا ــ خدمةً له، وحفظًا له، وذبًّا عنه، وسعيًا في تحصيل مصالحه، فكسوته له من باب المعاوضة والمعاونة، فإذا أخذ في شكره فكأنَّه جعل ذلك ثمنًا لنعمته وليس بثمنٍ لها. وأمَّا إنعام الربِّ على عبده فإحسانٌ إليه وتفضُّلٌ عليه، ومجرَّد امتنانٍ، لا لحاجةٍ منه إليه، ولا لمعاوضةٍ، ولا لاستعانةٍ به، ولا يتكثَّر (١) به من قلَّةٍ، ولا يتعزَّز به من ذلَّةٍ، ولا يتقوَّى به من ضعفٍ؛ سبحانه وبحمده. وأمرُه له بالشُّكر أيضًا: إنعامٌ آخر عليه، وإحسانٌ منه إليه، إذ منفعة الشُّكر ترجع إلى العبد (٢) لا إلى الله، والعبد هو الذي ينتفع بشكره، كما قال تعالى: ﴿شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ﴾ [النمل: ٤٠]، فشكره (٣) إحسانٌ منه إلى نفسه، فلا يُذَمُّ ما أتى به من ذلك وإن كان لا يحسن مقابلة المنعم به (٤)، فإنَّه إنّما هو محسنٌ إلى نفسه بالشُّكر، لا أنّه مكافئٌ به لنعم الربِّ، فالربُّ لا يكافئ أحدٌ (٥) نعمه أبدًا، ولا أقلَّها (٦)؛ فالله أحسَنَ إلى عبده بنعمه،

стр. 1333

وأحسن إليه بأن أوزعه شكرها، فشكرُه نعمةٌ منه (١) تحتاج إلى شكرٍ آخر، وهلمَّ جرًّا. ومن تمام نعمته سبحانه وعظيم برِّه وكرمه وجوده: محبَّته له على هذا الشُّكر، ورضاه منه به، وثناؤه عليه به؛ ومنفعتُه وعائدته (٢) مختصَّةٌ بالعبد، لا تعود منفعته على الله. وهذا غاية الكرم الذي لا كرم فوقه، يُنعم عليك ثمَّ يُوزعك شكر النِّعمة ويرضى عنك بذلك، ثمَّ يعيد إليك منفعة شكرك ويجعله سببًا لك لاتصال نعمه والزِّيادة منها (٣). وهذا الوجه وحده يكفي (٤)، وبه يتنبَّه اللبيب على ما بعده. وأمَّا كون الشُّهود يسقط الشُّكر، فلعَمْر الله إنَّه إسقاطٌ لحقِّ المشكور بحظِّ المشاهد. نعم، بحظٍّ عظيمٍ متعلِّقٍ بالحقِّ ، لا حظٍّ سفليٍّ متعلِّقٍ بالكائنات، ولكنَّ صاحبه قد سار من حرمٍ إلى حرمٍ. وكان يقع لي هذا القدر منذ زمانٍ، ولا أتجاسر على التصريح به، لأنَّ أصحابه يرون مَن ذاكرهم به بعين الفرق الأوَّل، فلا يُصغون إليهم البتَّة، لا سيَّما وقد ذاقوا حلاوته ولذَّته، ورأوا تخبيط أهل الفرق الأوَّل وتلوُّثَهم بنفوسهم وعوالمها، وانضاف إلى ذلك أن جعلوه غايةً، فتركَّب من هذه الأمور ما تركَّب. وإذا لاحت الحقائق فليقل القائل ما شاء.

стр. 1334

فصل قال (١): (وهو على ثلاث درجاتٍ. الدرجة الأولى: الشُّكر على المحابِّ . وهذا شكرٌ تشاركت فيه المسلمون واليهودُ والنصارى والمجوس. ومن سعة رحمة الباري سبحانه أنه عدَّه شكرًا، ووعد عليه الزِّيادة، وأوجب فيه المثوبة). إذا عُلِمت حقيقةُ الشكر وأنَّ جزء حقيقته الاستعانةُ بنعم المنعم على طاعته ومرضاته= عُلِم اختصاص أهل الإسلام بهذه الدرجة، وأنَّ حقيقة الشُّكر على المحابِّ ليست لغيرهم. نعم، لغيرهم منها بعض أركانها وأجزائها، كالاعتراف بالنِّعمة والثناء على المنعم بها، فإنَّ جميع الخلق في نعم الله، وكلُّ من أقرَّ بالله وتفرُّدِه بالخلق والإحسان فإنَّه يضيف نعمته إليه، لكنَّ الشأن في تمام حقيقة الشُّكر، وهو الاستعانة بها على مرضاته (٢). وقد عُرف مراد الشيخ، وهو أنَّ هذا شكر مشترك، وهو الاعتراف بنعمه سبحانه، والثناءُ عليه بها، والإحسانُ إلى خلقه منها. وهذا بلا شكٍّ يوجب حفظَها عليهم والمزيدَ منها. فهذا الجزء من الشُّكر مشتركٌ. وقد تكون ثمرته في الدُّنيا بعاجل الثواب، وفي الآخرة بتخفيف العقاب، فإنَّ النار دركاتٌ ودرجاتُ أهلها في العقوبة مختلفة.

стр. 1335

فصل قال (١): (الدرجة الثانية: الشُّكر في المكاره ، وهذا ممَّن تستوي عنده الحالات: إظهارًا (٢) للرِّضا، وممَّن يميِّز (٣) بين الأحوال: كظم الغيظ والشكوى، ورعاية الأدب، وسلوك مسلك العلم. وهذا الشاكر أوَّل من يُدعى إلى الجنَّة). يعني أن الشُّكر على المكاره أشدُّ وأصعب من الشُّكر على المحابِّ، ولهذا كان فوقه في الدرجة. ولا يكون إلَّا من أحد رجلين: إمّا رجلٌ لا يميِّز بين الحالات، بل يستوي عنده المكروه والمحبوب، فشكر هذا إظهارٌ منه للرِّضا بما نزل به. وهذا مقام الرِّضا. الرجل الثاني: من يميِّز بين الأحوال، فهو لا يحبُّ المكروه، ولا يرضى بنزوله به، فإذا نزل به مكروهٌ شكر الله تعالى عليه، فكان شكره كظمًا للغيظ الذي أصابه وسترًا للشكوى، رعايةً (٤) منه للأدب وسلوكًا لمسلك العلم، فإنَّ العلم والأدب يأمران بشكر الله على السرَّاء والضرَّاء. فهو يسلك بهذا الشُّكر مسلك العلم، لا أنَّه شاكرٌ لله شكرَ من رضي بقضائه كحال الذي قبله، فالذي قبله أرفع منه. وإنَّما كان هذا الشّاكر أوَّل من يدعى إلى الجنّة لأنّه قابَلَ المكاره التي
следующие страницы →