← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 199

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 526 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

لآبائك عليّ؟ ألستُ أنا الذي هديتُهم ومننتُ عليهم واصطفيتهم، ولي الحقُّ عليهم؟ (١). وأمّا حقوق العبيد على الله: من إثابته لمطيعهم، وتوبتِه على تائبهم، وإجابتهِ لسائلهم= فتلك حقوقٌ أَحقَّها هو على نفسه بحكم وعدِه وإحسانِه، لا أنّها حقوقٌ أَحقُّوها هم عليه، فالحقُّ في الحقيقة لله على عبده، وحقُّ العبد عليه هو ما اقتضاه وعدُه وبرُّه، وإحسانُه إليه بمحض جوده وكرمه. هذا قول أهل التّوفيق والبصائر، وهو وسطٌ بين قولين منحرفين. قد تقدّم ذكرهما مرارًا. والله أعلم (٢). وأمّا قوله: (ولا ينازع له اختيارًا). أي إذا رأيتَ الله قد اختار لك أو لغيرك شيئًا ــ إمّا بأمره ودينه، وإمّا بقضائه وقدره ــ فلا تنازِعْ اختياره، بل ارْضَ باختيار (٣) ما اختاره، فإنّ ذلك

стр. 1717

من تعظيمه سبحانه. ولا يردّ عليه ما قدَّره عليه من المعاصي، فإنّه سبحانه وإن قدَّرها لكنّه لم يختَرْها له، فمنازعتها عينُ اختياره من عبده. وذلك من تمام تعظيم العبد له، والله أعلم. * * * *

стр. 1718

فصل ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الإلهام ، والإفهام، والوحي، والتّحديث، والرُّؤيا الصّادقة. وقد تقدّمت في أوّل الكتاب عند الكلام على مراتب الهداية (١)، وذكرنا كلام صاحب «المنازل» هناك. * * * *

стр. 1719

فصل ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة السّكينة . هذه المنزلة من منازل المواهب، لا من منازل المكاسب. وقد ذكر الله سبحانه السّكينة في كتابه في ستّة مواضع: الأوّل (١): قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٨]. الثّاني: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا﴾ [التوبة: ٢٥ - ٢٦]. الثّالث: قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ [التوبة: ٤٠]. الرّابع: قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الفتح: ٤]. الخامس: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨].

стр. 1720

السّادس: قوله تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية [الفتح: ٢٦]. وكان شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ إذا اشتدّت عليه الأمور قرأ آياتِ السّكينة. وسمعته يقول في واقعةٍ عظيمةٍ جرت له في مرضه، تَعجِز العقول والقُوى عن حملها ــ من محاربة أرواحٍ شيطانيّةٍ ظهرت له إذ ذاك في حال ضعف القوّة ــ قال: فلمّا اشتدّ عليّ الأمر قلت لأقاربي ومن حولي: اقرؤوا آيات السّكينة، قال: ثمّ أقلعَ عنِّي ذلك الحالُ، وجلستُ وما بي قَلَبةٌ (١). وقد جرَّبتُ أنا قراءةَ هذه الآيات عند اضطراب القلب مما يرِد عليه، فرأيتُ لها تأثيرًا عظيمًا في سكونه وطُمأنينته. وأصل السّكينة هي الطُّمأنينة والوقار، والسُّكون الذي يُنزِله الله في قلب عبده، عند اضطرابه من شدّة المخاوف، فلا ينزعج بعد ذلك لما يرِد (٢) عليه، ويوجب له زيادةَ الإيمان وقوّةَ اليقين والثّبات. ولهذا أخبر عن إنزالها على رسوله وعلى المؤمنين في مواضع القلق والاضطراب. كيوم الهجرة، هو وصاحبه في الغار والعدوُّ فوق رؤوسهم، لو نظر أحدهم إلى ما تحت قدميه لرآهما. وكيوم حنينٍ، وَلَّوا مُدبِرين من شدّة بأس الكفّار، لا يَلْوِي أحدٌ على أحدٍ. وكيوم الحديبية حين اضطربتْ قلوبهم من تحكُّمِ الكفّار عليهم، ودخولِهم تحت شروطهم التي لا

стр. 1721

تَحمِلها النُّفوس. وحسبك بضعف (١) عمر عن حملها وهو عمر، حتّى ثبَّته الله بالصِّدِّيق. قال ابن عبّاسٍ ﵄: كلُّ سكينةٍ في القرآن فهي طمأنينةٌ، إلّا التي في سورة البقرة (٢). وفي «الصّحيحين» (٣) عن البراء بن عازبٍ ﵁ قال: رأيتُ النّبيّ ﷺ ينقل من تراب الخندق، حتّى وارى التُّرابُ جِلدَ بطنِه، وهو يرتجزُ بكلمة عبد الله بن رواحة: اللهمّ لولا أنتَ ما اهتدَينا ... ولا تصدَّقْنا ولا صَلَّينا فأنزِلنْ سكينةً علينا ... وثبِّتِ الأقدامَ إن لاقينا إنّ الأُلى قد بَغَوا علينا ... وإن أرادوا فتنةً أبينا وفي صفة رسول الله ﷺ في الكتب المتقدِّمة: إنِّي باعثٌ نبيًّا أمِّيًا، ليس بفَظٍّ ولا غليظٍ، ولا صَخَّابٍ في الأسواق، ولا متزيِّنٍ بالفحش، ولا قَوَّالٍ للخنا. أُسدِّده لكلِّ جميلٍ، وأَهَبُ له كلَّ خُلقٍ كريمٍ، ثمّ أجعلُ السّكينة لباسَه، والبرَّ شعارَه، والتّقوى ضميرَه، والحكمةَ معقولَه، والصِّدقَ والوفاء طبيعتَه، والعفوَ والمعروفَ خلقَه، والعدلَ سيرتَه، والحقَّ شريعتَه، والهدى إمامَه، والإسلامَ مِلَّتَه، وأحمدَ اسْمَه (٤).

стр. 1722

فصل قال صاحب «المنازل» ﵀ (١): (السّكينة: اسمٌ لثلاثة أشياء. أوّلها: سكينة بني إسرائيل التي أُعْطُوها في التّابوت. قال أهل التّفسير: هي رِيحٌ هَفّافةٌ، وذكروا صفتها). قلت: اختلفوا: هل هي عينٌ قائمةٌ بنفسها أو معنًى؟ على قولين. أحدهما: أنّها عينٌ. ثمّ اختلف أصحاب هذا القول في صفتها (٢): فرُوِي عن عليِّ بن أبي طالبٍ ﵁ أنّها ريحٌ هَفَّافةٌ، لها رأسان ووجهٌ كوجه الإنسان (٣). ويُروى عن مجاهدٍ: على صورة هرّةٍ لها جناحان (٤). و [قيل: له] (٥) عينان لهما شعاعٌ، وجناحاها من زمرُّدٍ وزبرجدٍ، فإذا سمعوا صوتَها أيقنوا بالنّصر (٦).

стр. 1723

وعن ابن عبّاسٍ: هي طَسْتٌ من ذهبٍ من الجنّة، كان يُغسَل فيه قلوب الأنبياء (١). وعن وهب: هي روحٌ من روح الله يتكلّم، إذا اختلفوا في شيءٍ أخبرهم ببيان ما يريدون (٢). والثّاني: أنّها معنًى. ويكون معنى قوله: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٨] أي: في مجيئه إليكم سكينةٌ لكم وطمأنينةٌ. وعلى الأوّل يكون المعنى: أنّ السّكينة في نفس التّابوت. ويُؤيِّده عطف قوله: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٨]. قال عطاء بن أبي رباحٍ: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ﴾ هي ما يعرفون من الآيات، فيسكنوا (٣) إليها (٤). وقال قتادة والكلبيُّ: هي من السُّكون، أي طمأنينةٌ من ربِّكم، ففي أي مكانٍ كان التّابوت اطمأنُّوا إليه وسكنوا (٥). قال (٦): (وفيها ثلاثة أشياء: للأنبياء معجزةٌ، ولملوكهم كرامةٌ، وهي آية النُّصرة، تخلع قلوبَ الأعداء بصوتها رُعبًا إذا التقى الصَّفّانِ للقتال). كرامات الأولياء هي من معجزات الأنبياء، لأنّهم إنّما نالوها على

стр. 1724

أيديهم وسببِ اتِّباعهم، فهي لهم كراماتٌ، وللأنبياء دلالاتٌ. فكرامات الأولياء لا تُعارِض معجزاتِ الأنبياء حتّى يُطلَب الفرقان بينهما، لأنّها من أدلّتهم وشواهدِ صدقهم. نعم، الفرق بين (١) ما للأنبياء وما للأولياء من وجوهٍ كثيرةٍ جدًّا، ليس هذا موضعَ ذكرها. وغيرُ هذا الكتاب أليقُ بها. فصل قال (٢): (السّكينة الثّانية: هي التي تنطق على ألسنة (٣) المحدَّثين، ليست هي شيئًا يُملَك، إنّما هي شيءٌ من لطائف صنعِ الحقِّ، تُلْقي على لسان المحدَّث الحكمةَ كما يُلقي الملَكُ الوحيَ على قلوب الأنبياء. وتُنطِق المحدَّثين بنكت الحقائق، مع ترويحِ الأسرار وكشف الشُّبَه). السّكينة إذا نزلت في القلب اطمأنّ بها، وسكنتْ إليها الجوارح وخشعت، واكتسبت الوقار، وأنطقتِ اللِّسانَ بالصّواب والحكمة، وحالت بينه وبين قول الخنا والفحش، واللّغو والهُجْر، وكلِّ باطلٍ. قال ابن عبّاسٍ ﵄: كنّا نتحدّث أنّ السّكينة تنطق على لسان عمر وقلبه (٤).

стр. 1725

وكثيرٌ (١) ما ينطق صاحب السّكينة بكلامٍ لم يكن عن فكرةٍ منه ولا رويّةٍ، ولا هيَّأَه، ويستغربه هو من نفسه كما يستغرب السّامع له. وربّما لم يعلم بعد انقضائه بما صدر منه. وأكثر ما يكون هذا عند الحاجة، وصدق الرّغبة من السّائل والمُجالس، وصدقِ الرّغبة منه هو إلى الله، والإسراعِ بقلبه إلى بين يديه وحضرته، مع تجرُّدِه من الهوى، وتجريدِه النّصيحةَ لله ورسوله وعباده، وإزالةِ نفسِه من البين. ومن جرَّب هذا عرفَ قَدْرَ منفعته وعظَّمها، وساء ظنُّه بما يُحسِن به الغافلون ظنونَهم من كثيرٍ من كلام النّاس. وقوله: (وليست شيئًا يُملَك)، يعني هي موهبةٌ من الله تعالى ليست بسببيّةٍ ولا كسبيّةٍ، وليست كالسّكينة التي كانت في التّابوت تُنْقَل (٢) معهم كيف شاؤوا. وقوله: (تُلقي على لسان المحدَّث الحكمةَ)، أي يجري الصّواب على لسانه. وقوله: (كما يُلقِي الملَكُ الوحي على قلوب الأنبياء ﵈. يعني: أنّها بواسطة الملائكة، بحيث تتلقَّي قلوبُ أربابها الحكمةَ عنهم والطُّمأنينة والصّواب، كما أنّ الأنبياء تتلقّى الوحي عن الله تعالى بواسطة الملائكة. ولكن ما للأنبياء مختصٌّ بهم، لا يُشاركهم فيه غيرهم. وهو نوعٌ آخر.

стр. 1726

وقوله: (تُنطِق المحدَّثين بنكت الحقائق، مع ترويح الأسرار وكشف الشُّبه). قد تقدّم في أوّل الكتاب (١) ذكرُ مرتبة المحدَّث، وأنّ هذا التّحديث من مراتب الهداية العشرة، وأنّ المحدَّث هو الذي يُحدَّث في سِرِّه بالشّيء، فيكون كما يُحدَّث به. والحقائق هي حقائق الإيمان والسُّلوك، ونُكَتُها عيونها ومواضع الإشارات منها. ولا ريبَ أنّ تلك تُوجب للأسرار رُوحًا ورَوْحًا تحيا بها وتتنعّم، وتكشِف عنها شُبهاتٍ لا يكشِفها المتكلِّمون ولا الأصوليُّون، فتسكُن الأرواح والقلوب إليها، ولذا سُمِّيت سكينةً. ومن لم يَفُزْ (٢) من الله بذلك لم تنكشف عنه شبهاته، فإنّها لا يكشِفها إلّا سكينةُ الإيمان واليقين (٣). فصل قال (٤): (السّكينة الثّالثة: هي التي أُنزِلت في قلب النّبيِّ ﷺ وقلوب المؤمنين. وهي شيءٌ يجمع نورًا وقوّةً وروحًا، يَسكُن إليه الخائف، ويتسلّى به الحزين والضَّجِر، ويستكين (٥) إليه العصيُّ والجريء والأبيُّ). هذا من عيون كلامه وغُرَره الذي تُثنَى عليه الخناصر، وتُعقَد عليه القلوب، ونطقُه به عن ذوقٍ تامٍّ، لا عن علمٍ مجرّدٍ.

стр. 1727

فذكر أنّ هذا الشّيء أنزله الله في قلب رسوله وقلوب عباده المؤمنين، يشتمل على ثلاثة معانٍ: النُّور، والقوّة، والرُّوح. وذكر له ثلاث ثمراتٍ: سكون الخائف إليه، وتسلِّي الحزين والضّجر به، واستكانة صاحب (١) المعصية والجرأة على المخالفة والإباء إليه. فبالرُّوح (٢) الذي فيها: حياةُ القلب، وبالنُّور الذي فيها: استنارتُه وضياؤه وإشراقه، وبالقوّة: ثباته (٣) وعزمه ونشاطه. فالنُّور يكشف له عن دلائل الإيمان، وحقائق اليقين، ويُميِّز له بين الحقِّ والباطل، والهدى والضّلال، والغيِّ والرشاد، والشّكِّ واليقين. والحياة توجب كمالَ يقظته وفطنته (٤)، وحضورَه وانتباهه من سنة الغفلة، وتأهُّبَه للِّقاء. والقوّة توجب له الصِّدقَ، وصحّةَ المعرفة، وقَهْرَ داعي الغَيِّ والعَنَت (٥)، وضبطَ النّفس عن جزَعِها وهلَعِها واسترسالِها في النّقائص والعيوب. ولذلك ازداد بالسّكينة إيمانًا مع إيمانه. والإيمان يُثمِر له النُّورَ والحياةَ والقوّةَ، وهذه (٦) الثّلاثة تُثمِره أيضًا،

стр. 1728

وتُوجب زيادتَه. فهو محفوفٌ بها قبلها وبعدها. فبالنُّور يَكشِف دلائلَ الإيمان. وبالحياة يتنبَّه من سنة الغفلة، ويصير يقظانَ. وبالقوّة يقهر الهوى والنّفس والشّيطان. وتلك مواهبُ الرّحمنِ ليست ... تُحَصَّلُ باجتهادٍ أو بكَسْبِ ولكن لا غنى عن بذْلِ جهدٍ ... بإخلاصٍ وجدٍّ لا بلَعْبِ وفضلُ الله مبذولٌ ولكن ... بحكمته وعن ذا النّصُّ يُنبِي فما من حكمة الرّحمن وَضْعُ الـ ... كواكبِ بين أحجارٍ وتُرْبِ فشكرًا للّذي أعطاك منه ... فلو قبل المحلُّ لزادَ ربِّي (١) فصل فإذا حصلت هذه الثّلاثة بالسّكينة ــ وهي النُّور والحياة والرُّوح ــ سكنَ إليها العصيُّ، وهو الذي سكونه إلى المعصية والمخالفة لعدم سكينة الإيمان في قلبه، فلما سكنت سكينةُ الإيمان في قلبه صار سكونه إليها عِوَضَ سكونِه إلى الشّهوات والمخالفات، فإنّه قد وجد فيها مطلوبَه، وهو اللّذّة التي كان يطلبها من المعصية، ولم يكن له ما يُعِيضُه عنها. فمنذُ أُنزِلتْ (٢) عليه السّكينة اعتاضَ بلذَّتها وروحها ونعيمِها عن لذّة المعصية، فاستراحت بها نفسه، وهاج إليها قلبُه، ووجد فيها من الرُّوح والرّاحة واللّذّة ما لا نسبةَ بينه وبين اللّذّة الجسمانيّة النّفسانيّة، فصارت لذَّاتُه روحانيّةً قلبيّةً بعد أن كانت جسمانيّةً، فأَسْلَتْه عنها وخلَّصتْه، فإذا تألَّقَتْ بُروقُها قال:

стр. 1729

تألَّقَ البرقُ نَجديًّا فقلتُ له ... يا أيُّها البرقُ إنِّي عنكَ مشغولُ (١) وإذا طرقَتْه طيوفُها الخياليّة تمثّل بقوله (٢): طَرقَتْكَ صائدةُ القلوبِ وليس ذا ... وقتَ الزِّيارةِ فارجعي بسلام فإذا وَدَّعتْه، وعَزمتْ على الرّحيل، ووعدتْه بالموافاة= تمثَّلَ بقول الآخر (٣): قالت وقد عَزمتْ على تَرحالها ... ماذا تريد؟ فقلت أن لا تَرْجِعي فإذا باشرتْ هذه السّكينة قلبَه سكَّنتْ خوفَه، وهو قوله: (يسكُن إليها الخائف)، وسَلَّتْ حزنَه؛ فإنّها لا حزنَ معها. فهي سُلوة المحزون، ومُذهِبة الهموم والغموم. وكذلك تُذهِب عنه وخَمَ ضجرِه، وتَبعث نشوةَ العزم، وحالت بينه وبين الجرأة على مخالفة الأمر، وبين إباء النّفس للانقياد إليه. فصل قال (٤): (وأمّا سكينة الوقار التي نزَّلها نعتًا لأربابها: فإنّها ضياء تلك السّكينة الثّالثة التي ذكرناها، وهي على ثلاث درجاتٍ. الدّرجة الأولى: سكينة الخشوع عند القيام للخدمة: رعايةً، وتعظيمًا، وحضورًا). فسكينة الوقار هي (٥) نوعٌ من السّكينة، ولكن لمّا كانت موجبةً للوقار سمّاها الشّيخ ﵀ سكينة الوقار. وقوله: (نزّلها نعتًا)، يعني نزَّلها الله في قلوب أهلها، ونَعتَهم بها. وقوله: (فإنّها ضياء تلك

стр. 1730

السّكينة الثّالثة التي ذكرناها)، أي نتيجتها وثمرتها، وعنها نشأتْ، كما أنّ الضِّياء عن الشّمس حصلَ. ولمّا كان النُّور والحياة والقوّة ــ التي ذكرنا ــ ممّا يُثمِر الوقار= جعلَ سكينة الوقار كالضِّياء لتلك السّكينة، إذ هو علامة حصولها، ودليلٌ عليها، كدلالة الضِّياء على حامله. قوله: (الدّرجة الأولى: سكينة الخشوع عند القيام للخدمة)، يريد به الوقار والخشوع الذي يحصل لصاحب مقام الإحسان. وهو من يعبد الله كأنه يراه، فإنه لا مَحالة يقوم بوقار الخدمةِ وخشوعها، فعدمُ الخشوع والوقار يدلُّ على أنه أجنبيٌّ من مقام الإحسان. ولمّا كان الإيمان موجبًا للخشوع وداعيًا إليه، قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا﴾ [الحديد: ١٦]. دعاهم من مقام الإيمان إلى مقام الإحسان، يعني: أما آنَ لهم أن يَصِلوا الإحسانَ بالإيمان، وتحقيقَ ذلك بخشوعهم لذكره الذي أنزله إليهم؟

стр. 1731

قوله: (رعايةً وتعظيمًا وحضورًا)، هذه ثلاثة أمورٍ تُحقِّق الخشوعَ في الخدمة، وهي: رعاية حقوقها الظّاهرة والباطنة، فليس يُضيِّعها خشوعٌ ولا وقارٌ. الثّاني: تعظيم الخدمة وإجلالها، وذلك تَبَعٌ لتعظيم المعبود وإجلاله. فعلى قدر تعظيمه في قلب العبد وإجلاله ووقاره يكون تعظيمه لخدمته، وإجلالُه لها، ورعايتُه لها. والثّالث: الحضور، وهو إحضار القلب فيها مشاهدةً للمعبود كأنّه يراه. فهذه الثّلاثة تُثمِر له سكينةَ الوقار. فصل قال (١): (الدّرجة الثّانية: السّكينة عند المعاملة ، ب محاسبة النفس ، وملاطفةِ الخَلْق، ومراقبةِ الحقِّ). هذه الدّرجة التي يحوم عليها أهل التّصوُّف، والعلم الذي (٢) يُشمِّرون إليه، وهي سكينة المعاملة التي بينهم وبين الله، وبينهم وبين خلقه، بثلاثة أشياء: أحدها: محاسبة النّفس، حتّى تَعرف ما لها وما عليها، ولا يَدَعها تسترسل في الحقوق استرسالًا، فيضيِّعها ويُهمِلها. وأيضًا، فإنّ زكاءها وطهارتها موقوفٌ على محاسبتها، فلا تزكو ولا

стр. 1732

تطهر ولا تَصلُح البتَّةَ إلّا بمحاسبتها. قال الحسن ﵁: إنّ المؤمن واللهِ لا تراه إلّا قائمًا على نفسه: ما أردتُ بهذا؟ ما لي ولهذا؟ ونحو هذا من الكلام (١). فبمحاسبتها يَطَّلع على عيوبها ونقائصها، فيُمكِنه السّعيُ في إصلاحها. الثّاني: ملاطفة الخلق ، وهي معاملتهم بما يحبُّ أن يعاملوه به من اللُّطف. ولا يعاملهم بالعنف والشِّدّة والغلظة، فإنّ ذلك يُنفِّرهم عنه، ويُغرِيهم به، ويُفسِد عليه قلبه وحاله مع الله ووقتَه، فليس للقلب أنفعُ من معاملة النّاس باللُّطف. فإنّ مُعامِله بذلك: إمّا أجنبيٌّ فيكسِب مودَّتَه ومحبّته، وإمّا صاحبٌ وحبيبٌ فيستدِيمُ صحبتَه ومحبتَه، وإمّا عدوٌّ ومُبغِضٌ فتُطفِئ بلطفك جمرتَه، وتَستكفي شرَّه، ويكون احتمالُك لمَضَضِ لطفك به دون احتمالك لضررِ ما ينالك من الغِلظة عليه والعُنْفِ به. الثّالث: مراقبة الحقِّ سبحانه، وهي الموجبة لكلِّ صلاحٍ وخيرٍ عاجلٍ وآجلٍ. ولا تصحُّ الدّرجتان الأوليان (٢) إلّا بهذه، وهي المقصود لذاته، وما قبله وسيلةٌ إليه وعونٌ عليه. فمراقبة الحقِّ سبحانه تُوجب إصلاحَ النّفس واللُّطفَ بالخلق.

стр. 1733

فصل قال (١): (الدّرجة الثّالثة: السّكينة التي تُثبِت (٢) الرِّضا بالقسم، وتَمنع من الشَّطْح الفاحش، وتَقِفُ صاحبَها على حدِّ الرُّتبة. والسّكينة لا تَنزِل إلّا في قلب نبيٍّ أو وليٍّ). هذه الدّرجة الثّالثة كأنّها عند الشّيخ ﵀ لأهل الصّحو بعد السُّكر، ولمن شَامَ (٣) بوارقَ الحقيقة. فقوله: (تُثبِت الرِّضا)، أي تُوجِب لصاحبها أن يرضى بالمقسوم له، ولا تتطلَّع نفسُه إلى غيره. و (تمنع من الشّطح الفاحش)، يعني مثلَ ما نُقِل عن أبي يزيد ﵀ ونحوه، بخلاف الجنيد وسهلٍ وأمثالهما، فإنّهم لمّا كانت لهم هذه السّكينة لم تصدُرْ منهم الشَّطحات. ولا ريب أنّ الشّطح سببه عدمُ السّكينة، فإنّها إذا استقرَّتْ في القلب منعَتْه من الشَّطح وأسبابه. قوله: (وتَقِفُ صاحبَها على حدِّ الرُّتبة)، أي تُوجب لصاحبها الوقوفَ عند حدِّه من رتبة العبوديّة، فلا يتعدّى مرتبةَ العبوديّة وحدّها. قوله: (و السّكينة لا تنزِل إلّا على قلب نبيٍّ أو وليٍّ) . وذلك لأنّها من أعظم مواهب الحقِّ سبحانه ومِنَحِه، ومن أجلِّ عطائه.

стр. 1734

ولهذا لم يجعلها في القرآن إلّا لرسوله وللمؤمنين كما تقدّم. فمن أُعطِيَها فقد خُلِعَتْ عليه خلعةُ الولاية، وأُعطِي منشورَها. والله المستعان، وعليه التُّكلان، ولا حول ولا قوّة إلّا به. * * * *

стр. 1735

فصل ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الطُّمأنينة . قال الله تعالى: ﴿(٢٧) الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ﴾ [الرعد: ٢٨]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠]. الطُّمأنينة: سكون القلب إلى الشّيء، وعدمُ اضطرابِه وقلَقِه. ومنه الأثر المعروف: «الصِّدق طمأنينةٌ، والكذِبُ ريبةٌ» (١)، أي الصِّدق يطمئنُّ إليه قلب السّامع، ويجد عنده سكونًا إليه، والكذب يُوجب له اضطرابًا وارتيابًا. ومنه قوله ﷺ : «البرُّ ما اطمأنّ إليه القلب» (٢)، أي سَكَن إليه وزال عنه اضطرابه وقَلَقُه.

стр. 1736

وفي ذكر الله هاهنا قولان (١): أحدهما: أنّه ذكرُ العبد ربَّه، فإنّه يطمئنُّ إليه قلبه ويسكن. فإذا اضطرب القلب وقلِقَ فليس له ما يطمئنُّ به سوى ذكر الله. ثمّ اختلف أصحاب هذا القول فيه. فمنهم من قال: هذا في الحلف واليمين. إذا حلف المؤمن على شيءٍ سكنت قلوب المؤمنين إليه واطمأنّتْ، ويُروى هذا عن ابن عبّاسٍ ﵄ (٢). ومنهم من قال: بل هو ذكرُ العبد ربّه (٣) بينه وبينه، يسكُن إليه قلبه ويطمئنُّ. والقول الثّاني: أنّ ذِكر الله هاهنا القرآن، وهو ذِكرُه الذي أنزله على رسوله، به طمأنينةُ قلوب المؤمنين. فإنّ القلب لا يطمئنُّ إلّا بالإيمان واليقين، ولا سبيلَ إلى حصول الإيمان واليقين إلّا من القرآن، فإنّ سكون القلب وطمأنينته من يقينه (٤)، واضطرابه وقلقَه من شكِّه. والقرآن هو المحصِّل لليقين، الدّافع للشُّكوك والظُّنون والأوهام، فلا تطمئنُّ قلوب المؤمنين إلّا به. وهذا القول هو المختار.

стр. 1737

وكذلك القولان أيضًا في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦]. والصّحيح: أنه ذِكره الذي أنزله على رسوله، وهو كتابه، مَن أعرض عنه قيّضَ له شيطانًا يُضِلُّه ويَصُدُّه عن السّبيل، وهو يحسب أنّه على هدًى. وكذلك القولان في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤]. والصّحيح: أنّه ذِكره الذي أنزله، وهو كتابه (١)، ولهذا يقول المعرض عنه: ﴿رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٥]. وأمّا تأويل من تأوّله على الحلف ففي غاية البعد عن المقصود، فإنّ ذكر الله بالحلف يجري على لسان الصّادق والكاذب، والبرِّ والفاجر، والمؤمنون تطمئنُّ قلوبهم إلى الصّادق ولو لم يحلف، ولا تطمئنُّ قلوبهم إلى من يرتابون به ولو حلف. وجعل سبحانه الطُّمأنينةَ في قلوب المؤمنين ونفوسهم، وجعل الغِبطةَ والمِدحةَ والبشارةَ بدخول الجنّة لأهل الطُّمأنينة، فطوبى لهم وحسنُ مآبٍ. وفي قوله: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾ [الفجر: ٢٧ - ٢٨] دليلٌ على أنّها لا ترجع إليه إلّا إذا كانت مطمئنّةً، فهناك ترجع إليه، وتدخل في عباده وتدخل جنّته. وكان من دعاء بعض السّلف: اللهمّ هَبْ لي نفسًا

стр. 1738

مطمئنّةً إليك (١). فصل قال صاحب «المنازل» ﵀ (٢): (الطُّمأنينة: سكونٌ يُقوِّيه أمنٌ صحيحٌ شبيهٌ بالعيان. وبينها وبين السّكينة فَرقانِ، أحدهما: أنّ السّكينة صَولةٌ تُورِث خمودَ الهيبة أحيانًا. والطُّمأنينة سكون أمنٍ فيه استراحةُ أنسٍ. والثّاني: أنّ السّكينة تكون نعتًا، وتكون حينًا بعد حينٍ، والطُّمأنينة لا تُفارِق صاحبَها). الطُّمأنينة مُوجَبُ (٣) السّكينة ، وأثرٌ من آثارها. وكأنّها نهاية السّكينة. فقوله: (سكونٌ يقوِّيه أمنٌ)، أي سكون القلب مع قوته بالأمن الصّحيح الذي لا يكون أمنَ غرورٍ، فإنّ القلب قد يسكُن إلى أمنِ الغرور، ولكن لا يطمئنُّ به لمفارقة ذلك السُّكون له. والطُّمأنينة لا تُفارق، فإنّها مأخوذةٌ من الإقامة. يقال: اطمأنّ بالمكان والمنزل: إذا أقام (٤) به.

стр. 1739

وسبب صحّة هذا الأمن المقوِّي للسُّكون شَبهُه بالعيان، بحيث لا يبقى معه شيءٌ من مجوِّزات (١) الظُّنون والأوهام، بل كأنّ صاحبه يُعايِن ما يطمئنُّ به، فيأمن به اضطرابَ قلبه وقلَقَه وارتيابَه. وأمّا الفَرقانِ اللّذان ذكرهما بينها وبين السّكينة، فحاصلُ (٢) الفرقِ الأوّل: أنّ السّكينة تصول على الهيبة الحاصلة في القلب، فتُخمِدها في بعض الأحيان، فيسكُن القلب من انزعاج الهيبة بعضَ السُّكون. وذلك في بعض الأوقات، فليس حكمًا دائمًا مستمرًّا. وهذا يكون لأهل الطُّمأنينة دائمًا، ويصحبه الأمن والرّاحة بوجود الأنس. فإنّ الاستراحة في السّكينة قد تكون من الخوف والهيبة فقط، والاستراحة في منزل الطُّمأنينة تكون مع زيادة أنسٍ، وذلك فوق مجرّد الأمن (٣)، وقدرٌ زائدٌ عليه. وحاصلُ الفرق الثّاني: أنّ الطُّمأنينة ملكةٌ ومقامٌ لا يفارق. والسّكينة تنقسم إلى سكينةٍ هي مقامٌ ونعتٌ لا يزول، وإلى سكينةٍ تكون وقتًا دون وقتٍ. هذا حاصل كلامه. والّذي يظهر لي في الفرق بينهما أمران سوى ما ذكر: أحدهما: أنّ ظفره وفوزه بمطلوبه الذي حصل له: السّكينة، فالسكينةُ بمنزلة من واجهه عدوٌّ يريد هلاكه، فهرب منه عدُّوه، فسكن روعُه. والطُّمأنينة بمنزلة حصنٍ رآه مفتوحًا فدخله، وأمِنَ فيه، وتقوَّى بصاحبه وعُدَّته. فللقلب ثلاثة أحوالٍ:

стр. 1740

أحدها: الخوف والاضطراب والقلق من الوارد الذي يُزعِجه ويُقلِقه. الثّاني: زوال ذلك الوارد عنه وعدمُه. الثّالث: ظفره وفوزه بمطلوبه الذي كان ذلك الوارد حائلًا بينه وبينه. وكلٌّ منهما يستلزم الآخر ويقارنه (١)، فالطُّمأنينة تستلزم السّكينةَ ولا تُفارقها، وكذلك بالعكس. لكنّ استلزام الطُّمأنينة للسّكينة أقوى من استلزام السّكينة للطُّمأنينة. الثّاني: أنّ الطُّمأنينة أقوى وأعمُّ، فإنّها تكون في العلم والخبر به، واليقين والظّفر بالمعلوم. ولهذا اطمأنّت القلوب بالقرآن لمّا حصل لها الإيمان به ومعرفته، والهدايةُ به في ظُلَم الآراء والمذاهب، واكتفتْ به منها، وحكَّمتْه عليها وعزلتْها، وجعلتْ له الولاية بأسْرِها كما جعلها الله. فبه خاصمتْ، وإليه حاكمتْ, وبه صالتْ، وبه دَفعت الشُّبه. وأمّا السّكينة فإنّها ثبات القلب عند هجوم المخاوف عليه، وسكونُه وزوال قلقه واضطرابِه، كما يحصل لحزب (٢) الله عند مقاتلة العدوِّ وصولته. فصل قال (٣): (وهي على ثلاث درجاتٍ. الدّرجة (٤) الأولى: طمأنينة القلب بذكر الله . وهي طمأنينة الخائف إلى الرّجاء، والضَّجِر إلى الحُكم، والمبتلى

стр. 1741

إلى المثوبة). قد تقدّم أنّ الطُّمأنينة بذكر الله بكلامه وكتابه، ولا ريبَ أنّ الذي ذكره في هذه الدّرجة هو من جملة الطُّمأنينة بذكره، وهي أعمُّ من ذلك. فذكر طمأنينة الخائف إلى الرّجاء، فإنّ الخائف (١) إذا طال عليه الخوف واشتدّ به، وأراد الله أن يُرِيحه ويَحمِل عنه= أنزلَ عليه السّكينة، فاستراح قلبه إلى الرّجاء، واطمأنَّ به، وسكنَ لهيبُ خوفه. وأمّا طمأنينة الضَّجِر إلى الحكم، فالمراد به: أنّ من أدركه الضَّجَر من قوّة التّكاليف، وأعباءِ الأمر وأثقالِه، ولا سيّما فيمن أُقيمَ مقامَ التّبليغ عن الله، ومجاهدةِ أعداءِ الله وقُطّاعِ الطّريق إليه، فإنّ ما يحمله ويتحمَّلُه فوق ما يحمله النّاسُ ويتحمّلونه، فلا بدّ أن (٢) يُدرِكه الضَّجَر، ويضعُفَ صبره. فإذا أراد الله أن يُرِيحه ويَحمِل عنه أنزل عليه سكينته (٣)، فاطمأنَّ إلى حكمه الدِّينيِّ وحكمه القدريِّ، ولا طمأنينةَ له بدون مشاهدة الحكمين، وبحسب مشاهدتِه لهما تكون طمأنينته. فإنّه إذا اطمأنَّ إلى حكمه الدِّينيِّ علمَ أنّه دينه الحقُّ وهو صراطه (٤)، وهو ناصره وناصرُ أهلِه وكافيهم ووليُّهم. وإذا اطمأنّ إلى حكمه الكونيِّ علمَ أنّه لن يصيبه إلّا ما كتب الله له، وأنّه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فلا وجهَ للجزَع والقلَق إلّا ضعفُ اليقين والإيمان. فإنّ المحذور المَخُوف: إن لم يُقدَّر فلا سبيل إلى وقوعه، وإن قُدِّر فلا سبيلَ إلى

стр. 1742

صَرْفه بعد أن أُبرِم تقديره. فلا جزع حينئذٍ، لا ممّا قُدِّر، ولا ممّا لم يُقدَّر. نعم إن كان في هذا النازل حيلةٌ فلا ينبغي أن يَعجِز عنه، وإن لم يكن فيه حيلةٌ فلا ينبغي أن يجزعَ منه. فهذه طمأنينة الضّجر إلى الحكم. وأمّا طمأنينة المبتلى إلى المثوبة، فلا ريبَ أنّ المبتلى إذا قويت مشاهدته للمثوبة سكنَ قلبُه واطمأنَّ بمشاهدة العوض، وإنّما يشتدُّ به البلاء إذا غاب عنه ملاحظة الثّواب. وقد تقوى ملاحظة العِوَض حتّى يستلذّ بالبلاء ويراه نعمةً. ولا يُستبعَد هذا، فكثيرٌ من العقلاء إذا تحقَّق نفعَ الدّواء الكريه فإنّه يكاد يلتذُّ به، وملاحظتُه لنفعه تُغنِيه عن تألُّمه بمذاقه أو تُخفِّفه عنه. والعمل والمعوَّل إنّما هو على البصائر. فصل قال (١): (الدّرجة الثّانية: طمأنينة الرُّوح في القصد إلى الكشف، وفي الشّوق إلى العِدَة، وفي التّفرقة إلى الجمع). طمأنينة الرُّوح: أن تطمئنَّ (٢) في حال قصدها، ولا تلتفت إلى ما وراءها. والمراد بالكشف: كشف الحقيقة، لا الكشف الجزئيُّ السُّفليُّ. وهو ثلاث درجاتٍ: كشفٌ عن الطّريق المُوصِل إلى المطلوب، وهو الكشف عن حقائق الإيمان وشرائع الإسلام.

стр. 1743

وكشفٌ عن معاطبِها ومتاهاتِها وآفاتها، وهو الكشف عن عيوب النفس وآفاتِ الأعمال. وكشفٌ عن المطلوب المقصود بالسّير، وهو معرفة الأسماء والصِّفات، ونوعَي (١) التّوحيد وتفاصيلِه، ومراعاة ذلك حقَّ رعايته. وليس وراء ذلك إلّا الدّعاوي والشَّطْح والغرور. وقوله: (وفي الشّوق إلى العِدَة). يعني أنّ الرُّوح تطمئنُّ (٢) في حالِ اشتياقها إلى ما وُعِدت به، وشُوِّقت إليه، فطمأنينتها بتلك العِدَة تُسكِّن عنها لهيبَ اشتياقها. وهذا شأنُ كلِّ مشتاقٍ إلى محبوبٍ وعلى محصولِه، إنّما تَحصُل لروحه الطُّمأنينة بسكونها إلى وعد اللِّقاء، وعلْمِها بحصول الموعود به. قوله: (وفي التّفرقة إلى الجمع). أي وتطمئنُّ (٣) الرُّوح في حال تفرقتها إلى ما اعتادتْه من الجَمْع، بأن تُوافيها روحُه فتَسكُن إليه وتَطمئنّ به، كما يطمئنُّ الجائع الشّديدُ الجوعِ إلى ما عنده من الطّعام، ويسكُنُ إليه قلبُه. وهذا إنّما يكون لمن أشرفَ على الجَمْع من وراء حجابٍ رقيقٍ، وشَامَ برْقَه فاطمأنّ بحصوله. وأمّا من بينه وبينه الحُجُب الكثيفة فلا يطمئنُّ به.

стр. 1744

فصل قال (١): (الدّرجة الثّالثة: طمأنينة شهود الحضرة إلى اللُّطف، وطمأنينة الجمع إلى البقاء، وطمأنينة المقام إلى نور الأزل). هذه الدّرجة الثّالثة تتعلّق بالفناء والبقاء، فالواصل إلى شهود الحضرة مطمئنٌّ إلى لطف الله به. وحضرة الجمع يريدون بها الشُّهود الذّاتيّ. فإنّ الشُّهود عندهم مراتبُ بحسب تعلُّقه: فشهودُ الأفعال أوّلُ مراتب الشُّهود. ثمّ فوقَه شهود الأسماء والصِّفات. ثمّ فوقه شهود الذّات الجامعة للأفعال والأسماء والصِّفات. والتّجلِّي عند القوم بحسب هذه الشُّهوداتِ الثّلاث: فأصحاب تجلِّي الأفعال مشهدُهم توحيد الرُّبوبيّة. وأصحاب تجلِّي الأسماء والصِّفات مشهدُهم توحيد الإلهيّة. وأصحاب تجلِّي الذّات يُفنِيهم به عنهم. وقد يَعرِض لبعضهم بحسب قوّة الوارد وضعف المحلِّ عجزٌ عن القيام والحركة، فربّما عطَّلَ بعضَ الفروض. وهذا له حكمُ أمثالِه من أهل العجز والتّفريط، والكاملون منهم قد يَفتُرون في تلك الحال عن الأعمال الشّاقّة، ويقتصرون على الفرائض وسننها وحقوقها، ولا يقعُدُ بهم ذلك الشُّهود والتّجلِّي (٢) عنها، ولا يُؤثِرون عليه شيئًا من النّوافل والحركات التي لم تُفْرَض عليهم البتّةَ. وذلك في طريقهم رجوعٌ وانقطاعٌ.

стр. 1745

وأكملُ من هؤلاء: من يَصحَبُه ذلك في حال حركاته ونوافله، فلا يُعطِّل ذرّةً من أوراده. والله سبحانه قد فاوتَ بين قوى القلوب أشدَّ من تفاوتِ قوى الأبدان، وفي كلِّ شيءٍ له آيةٌ. وصاحب هذا المقام آيةٌ من آيات الله لأولي الألباب والبصائر. والمقصود أنّه لولا طمأنينته إلى لطف الله لَمحَقَه شهود الحضرة وأفناه جملةً، فقد خرَّ موسى صعقًا لمّا تجلّى ربُّه للجبل، وتدكدكَ الجبل وساخَ في الأرض من تجلِّيه سبحانه. هذا، ولا يُتوهَّم أنّ الحاصل في الدُّنيا للبشر كذلك ولا قريبٌ منه أبدًا، وإنّما هي المعارف واستيلاءُ مقام الإحسان على القلب فقط. وإيّاك وتُرَّهاتِ القوم وخيالاتِهم ورعوناتِهم، وإن سمّوك محجوبًا فقل: اللهمّ زِدْني من هذا الحجاب الذي ما وراءه إلّا الخيالات والتُّرّهات والشّطحات. فكليم الرّحمن واحد، ومع هذا لم تَتَجلَّ الذّاتُ له، وأَراه (١) ربُّه تعالى أنّه لا يثبت لتجلِّي ذاته، بما أشهدَه من حال الجبل، وخرَّ الكليمُ صَعِقًا مَغشيًّا عليه، لمّا رأى من حال الجبل عند تجلِّي ربِّه له، ولم يكن تجلِّيًا مطلقًا. قال الضّحّاك ﵁: أظهر الله من نور الحجب مثل منخرِ ثورٍ (٢). وقال عبد الله بن سلامٍ وكعب الأحبار ﵄: ما تجلّى من عظمة الله للجبل إلّا مثلَ سمِّ الخياط حتّى صار دَكًّا. وقال السُّدِّيُّ ﵀: ما تجلّى إلّا قدر الخِنْصَر.

стр. 1746

وفي «صحيح الحاكم» (١) من حديث ثابتٍ عن أنسٍ ﵁: أنّ النّبيّ ﷺ قرأ هذه الآية، وقال هكذا ــ ووضع الإبهام على المفصل الأعلى من الخِنْصر ــ فساخَ الجبل. وإسناده على شرط مسلمٍ. ولمّا حدَّثَ به حميدٌ عن ثابتٍ استعظمه بعض أصحابه وقال: تُحدِّث بمثل هذا؟ فضربَ بيده في صدره وقال: يُحدِّث به ثابتٌ عن أنسٍ عن رسول الله ﷺ ، وتُنكره أنت، أوَ لا أحدِّث به؟ (٢). فإذا شهد لك المخدوعون بأنّك محجوبٌ عن تُرَّهاتِهم وخيالاتهم، فتلك الشّهادة لك بالاستقامة، فلا تستوحِشْ منها. وبالله التّوفيق، وهو المستعان (٣). فصل وأمّا طمأنينة الجمع إلى البقاء فمشهدٌ شريفٌ فاضلٌ، وهو (٤) مشهد الكُمَّل. فإنّ حضرة الجمع تُعفِّي الآثارَ، وتمحو الأغيارَ، وتحول بين الشّاهد

стр. 1747

وبين رؤية الخلق. فيرى الحقّ سبحانه وحده قائمًا بذاته، وكلّ شيءٍ قائم به، متوحِّدًا في كثرة أسمائه وأفعاله وصفاته، ولا يرى معه غيره، عكسَ حالِ من يشهد غيرَه ولا يشهده. وليس الشّأن في هذا الشُّهود، فإنّ صاحبه في مقام الفناء، فإن لم ينتقل منه إلى مقام البقاء وإلّا انقطع انقطاعًا كلِّيًّا. ففي هذا المقام إن لم يطمئنّ إلى حصول البقاء وإلّا عطَّل الأمرَ، وخلعَ رِبقةَ العبوديّة من عنقه. فإذا اطمأنّ إلى البقاء طمأنينةَ من يعلم أنّه لا بدَّ له منه وإن لم يصحبه، وإلّا فسدَ وهلك= كان هذا من طمأنينة الجمع إلى البقاء. فصل وأمّا طمأنينة المقام إلى نور الأزل ، فيريد به: طمأنينة مقامه إلى السّابقة التي سبق بها في الأزل، فلا تتغيّر ولا تتبدّل، ولهذا قال: «طمأنينة المقام»، ولم يقل: «طمأنينة الحال». فإنّ الحال يزول ويحول، ولو لم يَحُلْ لما سمِّي حالًا، بخلاف المقام. فإذا اطمأنّ إلى السّابقة والحسنى التي سَبقتْ له من الله في الأزل، كان هذا طمأنينة المقام إلى الأزل، وهذا هو شهود أهل البقاء بعد الفناء. * * * *

стр. 1748

فصل ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الهمّة . وقد صدّرها صاحب «المنازل» بقوله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم: ١٧]. وقد تقدّم (١) أنّه صدّر بها باب الأدب، وذكرنا وجهه. وأمّا وجه تصدير «الهمّة» بها فهو الإشارة إلى أنّ همّتَه ما تعلَّقتْ بسوى مشهودِه وما أُقيم فيه، ولو تجاوزتْه همّتُه لَتبِعَها بصرُه. والهمّة فِعْلةٌ من الهمِّ، وهو مبدأ الإرادة، ولكن خَصُّوها بنهاية الإرادة. فالهَمُّ مبدؤها، والهِمّة نهايتها. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ يقول: في بعض الآثار الإلهيّة: «إنِّي لا أنظر إلى كلام الحكيم، وإنّما أنظر إلى هِمّته» (٢). قال (٣): والعامّة تقول: قيمةُ كلِّ امرئٍ ما يُحسِن. والخاصّة تقول: قيمةُ كلِّ امرئٍ ما يَطلُب. يريد: أنّ قيمة المرء همّته ومطلبه.

стр. 1749

قال صاحب «المنازل» ﵀ (١): (الهمّة: ما يملك الانبعاثَ للمقصود صرفًا، لا يتمالك صاحبها، ولا يلتفت عنها). قوله: (يملك الانبعاث للمقصود)، أي يستولي عليه كاستيلاء المالك على المملوك (٢). و «صِرْفًا» أي خالصًا صرفًا. والمراد أنّ همّة العبد إذا تعلَّقت بالحقِّ تعالى طلبًا خالصًا صادقًا محضًا، فتلك هي الهمّة العالية التي لا يتمالك صاحبها، أي لا يقدر على المهلة (٣)، ولا يتمالك صبره، لغلبة سلطان الهمة عليه، وشدّةِ إلزامها إيّاه بطلب المقصود، ولا يلتفت عنها إلى ما سوى أحكامها. وصاحبُ هذه الهمّة سريعٌ وصوله وظفَرُه بمطلوبه، ما لم تَعُقْه العوائق، وتقطَعْه العلائق. فصل قال (٤): (وهي على ثلاث درجاتٍ. الدّرجة الأولى: همّةٌ تصونُ القلبَ عن وحشة الرّغبة في الفاني، وتَحمِله على الرّغبة في الباقي، وتُصفِّيه من كَدَر التّواني). الفاني: الدُّنيا وما عليها، أي تُزهِّد القلبَ فيها وفي أهلها. وسمّى الرّغبة فيها وحشةً، لأنّها وأهلها تُوحِش قلوبَ الرّاغبين فيها، وقلوبَ الزّاهدين فيها.

стр. 1750

أمّا الرّاغبون فيها: فأرواحهم وقلوبهم في وحشةٍ من أجسامهم، إذ فاتها ما خُلِقتْ له، فهي في وحشةٍ لفَواتِه. وأمّا الزّاهدون فيها: فإنّهم يرونها مُوحِشةً لهم، لأنّها تَحُول بينهم وبين مطلوبهم ومحبوبهم، ولا شيءَ أوحشُ عند القلب ممّا يحول بينه وبين مطلوبه ومحبوبه. ولذلك كان مَن نازع النّاسَ أموالَهم وطلبها منهم أوحشَ شيءٍ إليهم وأبغضَه. وأيضًا، فالزّاهدون فيها إنّما ينظرون إليها بالبصائر، والرّاغبون بالأبصار، فيستوحش الزّاهد ممّا يأنس به الرّاغب، كما قيل: وإذا أفاقَ القلبُ واندملَ الهوى ... رأتِ القلوبُ ولم ترَ الأبصارُ (١) وكذلك هذه الهمّة تحمله على الرّغبة في الباقي لذاته ــ وهو الحقُّ سبحانه ــ والباقي بإبقائه، وهو الدّار الآخرة. (وتُصفِّيه من كَدَر التَّواني)، أي تُخلِّصه وتُمحِّصه من أوساخ الفتور والتّواني، الذي هو سبب الإضاعة والتّفريط. فصل قال (٢): (الدّرجة الثّانية: همّةٌ تُورِث أنفةً من المبالاة بالعِلل، والنُّزولِ على العمل، والثِّقةِ بالأَمل).

стр. 1751

العِلل هاهنا هي عِلل الأعمال من رؤيتها، أو رؤية ثمراتها وإرادتها (١)، أو نحو ذلك، فإنّها عندهم عللٌ. فصاحب هذه الهمّة يأْنَفُ على همّته وقلبِه من أن يبالي بالعلل، فإنّ همّته فوق ذلك. فمبالاتُه بها وفكرتُه فيها نزولٌ من الهمّة. وعدمُ هذه المبالاة: إمّا لأنّ العلل لم تحصُلْ له؛ لأنّ علوّ همّته حالَ بينه وبينها، فلا يبالي بما لم يحصل له. وإمّا لأنّ همّتَه وسعةَ مطلبِه وعلوَّه تأتي على تلك العلل وتَستأصلها، فإنّه إذا علَّق همّتَه بما هو أعلى منها تضمّنَتْها الهمّة العالية، فاندرج حكمها في حكم الهمّة العالية. وهذا موضعٌ غريبٌ عزيزٌ جدًّا، وما أدري قصَدَه الشّيخُ أو لا؟ وأمّا أَنَفَتُه من النُّزول على العمل: فكلامٌ يحتاج إلى تقييدٍ وتبيينٍ، وهو أنّ العاليَ الهمّةِ مطلبه فوقَ مطلب العمّال والعبّاد وأعلى منه، فهو يأنف أن ينزل من سماء مطلبه العالية، إلى مجرّد العمل والعبادة، دون السّفر بالقلب إلى الله، ليحصل له ويفوز به، فإنّه طالبٌ لربِّه تعالى طلبًا تامًّا بكلِّ معنًى واعتبارٍ: في عمله، وعبادته ومناجاته، ونومه ويقظته، وحركته وسكونه، وعُزلته وخُلطته، وسائرِ أحواله. فقد انصبغ قلبه بالتّوجُّه إلى الله تعالى أيَّما صِبغةٍ. وهذا الأمر إنّما يكون لأهل المحبّة الصّادقة، فهم لا يَقْنَعون بمجرّد رسوم الأعمال، ولا بالاقتصار على الطّلب حالَ العمل فقط. وأمّا أنفتُه من الثِّقة بالأمل: فإنّ الثِّقة توجب الفتورَ والتّواني، وصاحب هذه الهمّة ليس من أهل ذاك، كيف وهو طائرٌ لا سائرٌ.

стр. 1752

فصل قال (١): (الدّرجة الثّالثة: همّةٌ تتصاعد عن الأحوال والمعاملات، وتُزرِي بالأعواض والدّرجات، وتَنحو عن النُّعوت نحو الذّات). أي هذه الهمّة أعلى من أن يتعلَّق صاحبها بالأحوال التي هي آثار الأعمال والواردات، أو يتعلّق بالمعاملات. وليس المراد تعطيلَها، بل القيام بها مع عدم الالتفات إليها والتّعلُّق بها. ووجهُ صعود هذه الهمّة عن هذا ما ذكره من قوله: (تُزْرِي بالأعواض والدّرجات، وتنحو عن (٢) النُّعوت إلى الذّات)، أي صاحبها لا يقف عند عوضٍ ولا درجةٍ، فإنّ ذلك نزولٌ من همّتِه، ومطلبُه أعلى من ذلك. فإنّ صاحب هذه الهمّة قد قصر (٣) همّته على المطلب الأعلى، الذي لا شيء أعلى منه، والأعواض والدّرجات دونه، وهو يعلم أنّه إذا حصل له فهناك كلُّ عوضٍ ودرجةٍ عاليةٍ. وأمّا نَحْوُها نحوَ الذّات، فيريد به: أنّ صاحبها لا يقتصر على شهود الأفعال ولا الأسماء والصِّفات، بل الذّات الجامعة لمتفرِّقات الأسماء والصِّفات والأفعال، كما تقدّم. والله أعلم. * * * *

стр. 1753

فصل ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة المحبّة . وهي المنزلة التي فيها يتنافَسُ (١) المتنافسون، وإليها شَخَصَ العاملون، وإلى علمها شَمَّر السّابقون، وعليها تفانى المُحِبُّون، وبرَوْحِ نَسيمها تروَّح العابدون. فهي قُوتُ القلوب، وغذاء الأرواح، وقرّة العيون. وهي الحياة التي من حُرِمَها فهو من جملة الأموات، والنُّور الذي من فَقَدَه ففي بحار الظُّلمات، والشِّفاء الذي من عَدِمَه حلَّتْ بقلبه جميعُ الأسقام، واللّذّة التي من لم يظفر بها فعيشُه كلُّه همومٌ وآلامٌ. وهي روح الإيمان والأعمال والمقامات والأحوال، التي متى خلَتْ منها فهي كالجسد الذي لا روح فيه، تَحمِلُ أثقالَ السّائرين إلى بلادٍ لم يكونوا إلّا بشِقِّ الأنفس بَالِغِيها، وتُوصِلهم إلى منازلَ لم يكونوا بدونها أبدًا واصلِيها، وتُبوِّئهم من مقاعد الصِّدق مقاماتٍ لم يكونوا لولا هي داخلِيها. وهي مطايا القوم التي مَسْراهم في ظهورها دائمًا إلى الحبيب، وطريقُهم الأقوم الذي يُبلِّغهم إلى منازلهم الأولى من قريبٍ. تالله لقد ذهب أهلُها بشرف الدُّنيا والآخرة، إذ لهم من معيّة (٢) محبوبهم أوفرُ نصيبٍ. وقد قضى الله (٣) ــ يوم قدَّر مقاديرَ الخلائق بمشيئته وحكمته

стр. 1754

البالغة ــ أنّ المرء مع من أحبّ. فيا لها نعمة على المحبِّين سابغة! تالله لقد سبقَ القومُ السُّعاةَ وهم على ظهور الفُرُشِ نائمون، ولقد تقدَّموا الرّكب بمراحلَ وهم في سيرِهم واقفون. مَنْ لي بمثلِ سَيْرِك المُدلَّلِ ... تَمشِي رُويدًا وتَجِي في الأوّلِ (١) أجابوا مؤذِّنَ الشّوق إذ نادى بهم: حيَّ على الفلاح. وبذلوا أنفسَهم في طلب الوصول إلى محبوبهم، وكان بذلُهم بالرِّضا والسّماح. وواصلوا إليه المسيرَ بالإدلاج والغدوِّ والرَّواح. تالله لقد حَمِدوا عند الوصول مَسْراهم، وإنّما يَحمد القومُ السُّرى عند الصّباح (٢). فحيّهلًا إن كنتَ ذا همّةٍ فقد ... حَدا بك حادِي الشَّوقِ فَاطْوِ المراحلا ... وقلْ لمنادي حبِّهمْ ورضاهمُ ... إذا ما دعا لبَّيكَ ألفًا كَوامِلا ... ولا تنظرِ الأطلالَ من دونهم فإن ... نظرتَ إلى الأطلالِ عُدْنَ حوائلا (٣) ... ولا تنتظِرْ بالسّير رُفْقةَ قاعدٍ ... ودَعْه فإنّ الشّوقَ يكفيك حاملا ... وخذْ منهمُ زادًا إليهم وسِرْ على ... طريقِ الهدى والفقرِ تُصبِحُ واصلا ... وأَحْيِ بذكراهم سُراك إذا وَنَتْ ... رِكابُك فالذِّكرى تُعِيدك عاملا ... وإمّا تَخافنَّ الكَلالَ فقلْ لها ... أمامَك وِردُ الوصلِ فابْغِي المناهلا ... وخذْ قَبَسًا من نورهم ثمّ سِرْ به ... فنورُهمُ يهديك ليس المشاعلا

стр. 1755

وحيَّ على وَادي الأراكِ فقِلْ به ... عساك تَراهم فيه إن كنتَ قائلا وإلّا ففي نَعْمَانَ عند مُعرَّف الـ ... أَحبّةِ فاطلُبْهم إذا كنتَ سائلا وإلّا ففي جَمْعٍ بليلتِه فإنْ ... تَفُتْ فمتى يا وَيْحَ من كان غافلا وحيَّ على جنّاتِ عدنٍ بقربهم ... منازِلُك الأولى بها كنتَ نازلا ولكن سَباك الكاشحون لأجْلِ ذا ... وقفتَ على الأطلالِ تَبكي المنازلا وحَيَّ على يومِ المزيد بجنَّة الـ ... خلودِ فجُدْ بالنَّفسِ إن كنتَ باذلا (١) مَقِيلٌ فجاوِزْها فليست منازلا (٢) فدَعْها رُسومًا دارساتٍ فما بها ... قَتيلٌ وكَمْ فيها لذا الخَلْقِ قاتلا رسومٌ عَفَتْ يَنتابُها الخلقُ كَمْ بها ... عليه سَرَى وفدُ المَحبّةِ آهلا وخُذْ يَمْنةً عنها على المنهجِ الذي ... فعند اللِّقَا ذَا الكَدُّ يصبِح زائلا وقلْ سَاعِدي يا نفسُ بالصّبرِ ساعةً ... ويُصبِحُ ذُو الأحزانِ فَرحَانَ جَاذلا فما هيَ إلّا ساعةٌ ثمّ تنقضي أوّل نَقْده من أثمان المحبّة: بذلُ الرُّوح، فما للمفلسِ الجَبانِ وسَوْمِها؟ بِدَمِ المُحبِّ يُباع وصلُهمُ ... فمن الذي يَبتاع بالثَّمَنِ (٣) تالله ما هُزِلَتْ فيَسْتامها المفلسون، ولا كسدتْ فيُنفِّقها بالنّسيئة المعسرون، لقد أُقيمتْ للعرض في سوق من يزيد، فلم يرضَ لها بثمنٍ دون
следующие страницы →