← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 199

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 526 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

وقال النّخعيُّ: هي [معرفة] معاني الأشياء وفهمها (١). وقال الحسن: الورع في دين الله (٢). كأنّه فسّرها بثمرتها ومقتضاها. وأمّا الحكمة المقرونة بالكتاب فهي السُّنّة. كذلك قال الشّافعيُّ وغيره من الأئمّة (٣). وقيل: هي القضاء بالوحي (٤). وتفسيرها بالسُّنّة أعمُّ وأشهر. وأحسن ما قيل في الحكمة قول مجاهدٍ ومالكٍ: إنّها معرفة الحقِّ والعمل به، والإصابة في القول والعمل (٥). وهذا لا يكون إلّا بفهم القرآن، والفقه في شرائع الإسلام وحقائق الإيمان. و الحكمة حكمتان: علميّةٌ وعمليّةٌ . فالعلميّة: الاطِّلاع على بواطن الأشياء، ومعرفة ارتباط الأسباب بمسبَّباتها خلقًا وأمرًا، قدرًا وشرعًا. والعملية كما قال صاحب «المنازل» (٦): (هي وضع الشّيء في موضعه).

стр. 1682

قال (١): (وهي على ثلاث درجاتٍ. الدّرجة الأولى: أن تُعطي كلّ شيءٍ حقَّه ولا تُعدِّيه حدّه، ولا تُعجِّله عن وقته، ولا تُؤخِّره عنه). لمّا كانت الأشياء لها مراتب وحقوقٌ تقتضيها شرعًا وقدرًا، ولها حدودٌ ونهاياتٌ تصل إليها ولا تتعدّاها، ولها أوقاتٌ لا تتقدّم عنها ولا تتأخّر= كانت الحكمة مراعاة هذه الجهات الثّلاث: بأن يُعطي المرتبةَ حقَّها الذي أحقَّه الله لها بشرعه وقدره، ولا يتعدّى بها حدّها فيكون متعدِّيًا مخالفًا للحكمة، ولا يطلب تعجيلها عن وقتها فيخالف الحكمة، ولا تأخيرها عنه فيفوتها. وهذا حكمٌ عامٌّ لجميع الأسباب مع مسبّباتها شرعًا وقدرًا، فإضاعتها تعطيلٌ للحكمة بمنزلة إضاعة البذر وسَقْي الأرض. وتعدِّي الحقِّ: كسَقْيها فوقَ حاجتها، بحيث يغرق البذر والزّرع ويفسد. وتعجيلها عن وقتها: كحصاده قبل إدراكه وكماله. وكذلك تركُ الغذاء والشّراب واللِّباس إخلالٌ بالحكمة، وتعدِّي الحدِّ المحتاج إليه خروجٌ عنها أيضًا، وتعجيل ذلك قبل وقته إخلالٌ بها أو تأخيره عن وقته. فالحكمة إذًا: فعلُ ما ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي. والله تعالى أورث الحكمة آدمَ وبنيه. فالرّجل من له إرثٌ كاملٌ من أبيه، ونصفُ الرّجل ــ كالمرأة ــ له نصف ميراثٍ، والتّفاوت في ذلك لا يحصيه إلّا الله تعالى.

стр. 1683

و أكمل الخلق في هذا هم الرُّسل، وأكملهم أولو العزم، وأكملهم محمّدٌ ﷺ . ولهذا امتنّ سبحانه عليه وعلى أمّته بما آتاهم من الحكمة، كما قال: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: ١١٣]. وقال تعالى: ﴿(١٥٠) كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا﴾ [البقرة: ١٥١]. وكلُّ نظام الوجود مرتبطٌ بهذه الصِّفة، وكلُّ خللٍ في الوجود وفي العبد فسببه: الإخلال بها. فأكملُ النّاس أوفرهم منها نصيبًا, وأنقصُهم وأبعدُهم عن الكمال أقلُّهم منها ميراثًا. ولها ثلاثة أركانٍ: العلم، والحلم، والأناة. وآفتها وأضدادها: الجهل، والطَّيش، والعَجَلة. فلا حكمةَ لجاهلٍ ولا طائشٍ ولا عَجولٍ. فصل قال (١): (الدّرجة الثّانية: أن تشهد نظر الله في وعده, وتعرِف عدلَه في حكمه, وتلحظَ برَّه في منعِه). أي تعرف الحكمة في الوعد والوعيد، وتشهد حكمه في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]. فتشهد عدله في وعيده، وإحسانَه في وعده، وكلٌّ قائمٌ بحكمته. وكذلك تعرف عدله في أحكامه الشّرعيّة والكونيّة الجارية على

стр. 1684

الخلائق، فإنّه لا ظلمَ فيها ولا حيفَ ولا جورَ, وإن أجراها على أيدي الظّلمة. فهو أعدل العادلين, ومن جرتْ على يديه هو الظّالم. وكذلك تعرف برَّه في منعه, فإنّه سبحانه هو الجواد الذي لا يَنقُص خزائنَه الإنفاقُ، ولا يَغيض ما في يمينه سعةُ عطائه. فما منع مَن منعَه فضلَه إلّا لحكمةٍ كاملةٍ في ذلك, فإنّه الجواد الحكيم, وحكمته لا تناقض جودَه. فهو لا يضع برَّه وفضلَه إلّا في موضعه ووقته, بقدر ما تقتضيه حكمته. ولو بسط الله (١) الرِّزق لعباده لفسدوا وهلكوا. ولو علم في الكفّار خيرًا وقبولًا لنعمة الإيمان، وشكرًا له عليها، ومحبّةً له واعترافًا بها= لهداهم إلى الإيمان. ولهذا لمّا قالوا للمؤمنين: ﴿أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ أجابهم بقوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣]. سمعت شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ يقول: الذين يعرفون قدر نعمة الإيمان، ويشكرون الله عليها. فهو سبحانه ما أعطى إلّا بحكمته, ولا منعَ إلّا لحكمته، ولا أضلَّ إلّا لحكمته. وإذا تأمّل البصير أحوالَ العالم وما فيه من النّقص (٢) رآه عينَ الحكمة, وما عمرت الدُّنيا والآخرة والجنّة والنّار إلّا لحكمته. وفي الحكمة ثلاثة أقوالٍ للنّاس (٣).

стр. 1685

أحدها: أنّها مطابقةُ علمه لمعلومه، وإرادته ومشيئته لمراده. هذا تفسير الجبريّة. وهو في الحقيقة نفيٌ للحكمة, إذ مطابقة المعلوم والمرادِ أعمُّ من أن يكون حكمةً أو خلافها، فإنّ السّفيه من العباد يطابق علمه وإرادته لمعلومه ومراده, مع كونه سفيهًا. الثّاني ــ مذهب القدريّة النُّفاة ــ: أنّها مصالح العباد ومنافعهم العائدة عليهم. وهو إنكارٌ لوصفه تعالى بالحكمة, وردُّها (١) إلى مخلوقٍ من مخلوقاته. الثّالث ــ قول أهل الإثبات والسُّنّة ــ: أنّها الغايات المحمودة المطلوبة له سبحانه بخلقه وأمره، التي أَمر لأجلها، وقَدَّر وخلقَ لأجلها. وهي صفته القائمة به كسائر صفاته: من سمعه وبصره، وقدرته وإرادته، وعلمه وحياته وكلامه. وللرّدِّ على طائفتي (٢) الجبريّة والقدريّة موضعٌ آخر غير هذا. فصل قال (٣): (الدّرجة الثّالثة: أن تبلُغ في استدلالك البصيرةَ, وفي إرشادك الحقيقةَ, وفي إشارتك الغايةَ). يريد: أن تصل باستدلالك إلى أعلى درجات العلم, وهي البصيرة التي

стр. 1686

تكون نسبة العلوم فيها إلى القلب كنسبة المرئيِّ (١) إلى البصر. وهذه هي الخَصِيصة التي اختصّ بها الصّحابة عن سائر الأمّة, وهي أعلى درجات العلماء. قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨] أي أنا وأتباعي على بصيرةٍ. وقيل: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ عطفٌ على المرفوع بأدعو، أي أنا أدعو إلى الله على بصيرةٍ، ومَن اتّبعني كذلك يدعو إلى الله على بصيرةٍ (٢). وعلى القولين فالآية تدلُّ على أنّ أتباعه هم أهل البصائر الدّاعون (٣) إلى الله. فمن ليس منهم فليس من أتباعه على الحقيقة والموافقة، وإن كان من أتباعه على الانتساب والدّعوة (٤). وقوله: (وفي إرشادك الحقيقة)، إمّا أن يريد: أنّك إذا أرشدت غيرك تبلغ في إرشاده إلى الحقيقة، أو تبلغ في إرشاد غيرك لك (٥) إلى الحقيقة، ولا تقف دونها. فعلى الأوّل: المصدر مضافٌ إلى الفاعل، وعلى الثّاني: إلى المفعول. والمعنى: أنّك تكون من أهل الوجود الذين إذا أشاروا لم يشيروا إلّا إلى الغاية المطلوبة التي ليس وراءها مرمى.

стр. 1687

والقوم يسمُّون أخبارهم عن المعارف وعن المطلوب إشاراتٍ، لأنّ المعروف والمطلوب أجلُّ من أن يُفصَح عنه بعبارةٍ مطابقةٍ، وشأنه فوق ذلك. فالكامل مَن إشارته إلى الغاية، ولا يكون ذلك إلّا لمن فني عن رسمه وهواه وحظِّه، وبقي بربِّه ومراده الدِّينيِّ الأمريِّ. وكلُّ أحدٍ فإشارته بحسب معرفته وهمّته، ومعارف القوم وهِمَمُهم تؤخذ من إشاراتهم (١). والله المستعان (٢). * * * *

стр. 1688

فصل ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الفراسة . قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥]. قال مجاهدٌ ﵀: للمتفرِّسين. وقال ابن عبّاسٍ ﵄: للنّاظرين. وقال قتادة: للمعتبرين. وقال مقاتلٌ: للمتفكِّرين (١). ولا تَنافِيَ بين هذه الأقوال، فإنّ النّاظر متى نظر في آثار ديار المكذِّبين ومنازلهم وما آل إليه أمرهم= أورثه فراسةً وعبرةً وفكرةً. وقال تعالى في حقِّ المنافقين: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠]. فالأوّل: فراسة النّظر والعين. والثّاني: فراسة الأذن والسّمع. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ يقول: علَّق معرفته إيّاهم بالنّظر على المشيئة، ولم يُعلِّق تعريفهم بلحن خطابهم على شرطٍ، بل أخبر به خبرًا مؤكّدًا بالقسم، فقال: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾، وهو تعريض الخطاب وفحوى الكلام ومغزاه. واللّحن ضربان: صوابٌ وخطأٌ. فلحن الصّواب نوعان: أحدهما: الفطنة. ومنه: «ولعلّ بعضهم أن يكون ألحنَ بحجّته من بعضٍ» (٢).

стр. 1689

والثّاني: التّعريض والإشارة. وهو قريبٌ من الكناية، ومنه قول الشّاعر (١): وحديثٌ ألذُّه وهْوَ ممّا ... يشتهي السّامعون يُوزَن وزنَا منطقٌ صائبٌ وتلحنُ (٢) أحيا ... نًا وخيرُ الحديثِ ما كان لحنَا والثّالث (٣): فساد الإعراب. وحقيقته: تغيير الكلام عن وجهه، إمّا إلى خطأٍ بِهِ، وإمّا إلى معنًى خفيٍّ لم يُوضع له اللّفظ. والمقصود: أنّه سبحانه أقسم على معرفتهم من لحن خطابهم، فإنّ معرفة المتكلِّم وما في ضميره من كلامه أقربُ من معرفته بسيماه وما في وجهه، فإنّ دلالة الكلام على قصد قائله وضميره أظهرُ من دلالة السِّيما المرئيّة. والفراسة تتعلّق بالنّوعين بالنّظر والسّماع. وفي التِّرمذيِّ (٤) من

стр. 1690

حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁ عن النّبيِّ ﷺ قال: «اتّقوا فراسةَ المؤمن، فإنّه ينظر بنور الله». ثمّ قرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥]. فصل والفراسة ثلاثة أنواعٍ: إيمانيّةٌ، وهي المتكلَّم فيها في هذه المنزلة. وسببها: نور يَقذِفه الله في قلب عبده، يُفرِّق به بين الحقِّ والباطل، والحالي والعاطل، والصّادق والكاذب. وحقيقتها: أنّها خاطرٌ يَهجُم على القلب ينفي ما يضادُّه، يَثِبُ على القلب كوثوب الأسد على الفريسة، لكنّ الفريسة فعيلةٌ بمعنى مفعولة، وبناء الفراسة كبناء الولاية والإمارة والسِّياسة. وهذه الفراسة على حسب قوّة الإيمان. فمن كان أقوى إيمانًا فهو أحدُّ فراسةً. قال أبو سعيدٍ الخرّاز: من نظر بنور الفراسة نظر بنور الحقِّ، وتكون موادُّ علمه من الحقِّ بلا سهوٍ ولا غفلةٍ. بل حكم حقٍّ جرى على لسان عبده (١). وقال الواسطيُّ ﵀: الفراسة سَواطعُ أنوارٍ لمعتْ في القلوب، وتمكينُ معرفةٍ حَملت السّرائرَ في الغيوب من غيبٍ إلى غيبٍ، حتّى يشهد الأشياءَ من حيث أشهده الحقُّ إيّاها، فيتكلّم عن ضمير الخلق (٢).

стр. 1691

وقال الدّارانيُّ ﵀: الفراسة مكاشفة النّفس (١) ومعاينة الغيب، وهي من مقامات الإيمان (٢). وسئل بعضهم عن الفراسة؟ فقال: أرواحٌ تتقلَّبُ في الملكوت، فتُشرِف على معاني الغيوب، فتَنطِق عن أسرار الخلق، نُطْقَ مشاهدةٍ لا نُطْقَ ظنٍّ وحسبانٍ (٣). وقال أبو عمرو بن نُجيدٍ: كان شاه الكرمانيُّ حادَّ الفراسة، لا يخطئ، ويقول: من غضَّ بصرَه عن المحارم، وأمسك نفسَه عن الشّهوات، وعَمَرَ باطنَه بدوام المراقبة وظاهرَه باتِّباع السُّنّة، وتعوَّدَ أكلَ الحلال= لم تُخطِئْ فراسته (٤). وقال أبو جعفرٍ الحدّاد: الفراسة أوّل خاطرٍ بلا مُعارضٍ، فإن عارضه معارضٌ من جنسه فهو خاطرٌ وحديثُ نفسٍ (٥). وقال أبو حفصٍ النّيسابوريُّ: ليس لأحدٍ أن يدَّعي الفراسة، ولكن يتّقي الفراسة من الغير (٦)، لأنّ النّبيّ ﷺ قال: «اتَّقوا فراسةَ المؤمن، فإنّه ينظر بنور الله». ولم يقل: «تفرّسوا». وكيف تصحُّ دعوى الفراسة لمن هو في محلِّ اتِّقاء

стр. 1692

الفراسة؟ (١). وقال أحمد بن عاصمٍ الأنطاكيُّ: إذا جالستم أهلَ الصِّدق فجالسوهم بالصِّدق، فإنّهم جواسيسُ القلوب، يدخلون في قلوبكم ويخرجون من حيث لا تحتسبون (٢). وكان الجنيد ﵀ يومًا يتكلّم على النّاس، فوقف عليه شابٌّ نصرانيٌّ متنكِّرًا، فقال: أيُّها الشّيخ ما معنى قول رسول الله ﷺ : «اتّقوا فراسة المؤمن، فإنّه ينظر بنور الله»، فأطرق الجنيد، ثمّ رفع إليه رأسه وقال: أسلِمْ فقد حانَ وقتُ إسلامك. فأسلم الغلام (٣). ويقال في بعض الكتب القديمة: إنّ الصِّدِّيق لا تُخطئ فراستُه (٤). وقال ابن مسعودٍ ﵁: أفرسُ النّاس ثلاثةٌ: العزيز في يوسف، حيث قال لامرأته: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾ [يوسف: ٢١]. وابنة شعيبٍ حين قالت لأبيها في موسى: ﴿اسْتَأْجِرْهُ﴾ [القصص: ٢٦]. وأبو بكرٍ في عمر حيث استخلفه. وفي روايةٍ أخرى: وامرأة فرعون حين قالت: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ [القصص: ٩] (٥).

стр. 1693

وكان الصِّدِّيق ﵁ أعظمَ الأمّة فراسةً. وبعده عمر بن الخطّاب ﵁، ووقائع فراسته مشهورةٌ، فإنّه ما قال لشيءٍ «أظنُّه كذا» إلّا كان كما قال (١). ويكفي في فراسته موافقتُه ربّه في المواضع المعروفة (٢). ومرّ به سَواد بن قاربٍ ولم يكن يعرفه، فقال: لقد أخطأ ظنِّي، أو أنّ هذا كاهنٌ، أو كان يعرف الكهانة في الجاهليّة. فلمّا جلس بين يديه قال له ذلك عمر. فقال: سبحان الله! يا أمير المؤمنين، ما استقبلتَ أحدًا من جلسائك بمثل ما استقبلتَني به. فقال له عمر ﵁: ما كنّا عليه في الجاهليّة أعظم من ذلك. ولكن أخبرني عمّا سألتُك. فقال: صدقتَ يا أمير المؤمنين، كنتُ كاهنًا في الجاهليّة. ثمّ ذكر القصّة (٣). وكذلك عثمان بن عفّان ﵁ كان صادقَ الفراسة. قال أنس بن مالكٍ ﵁: دخلتُ على عثمان بن عفّان ﵁، وكنت رأيتُ في الطّريق امرأةً تأمّلتُ محاسنَها، فقال عثمان ﵁: يدخل عليّ أحدكم وأثر الزِّنا ظاهرٌ في عينيه. فقلت: أوحيٌ بعد رسول الله ﷺ ؟ فقال: لا، ولكن تبصرةٌ وبرهانٌ وفراسةٌ صادقةٌ (٤).

стр. 1694

وفراسة الصّحابة ﵅ أصدق الفراسة. وأصلُ هذا النّوع من الفراسة: من الحياة والنُّور اللّذين يهبهما الله لمن يشاء من عباده، فيحيا القلب بذلك ويستنير (١)، فلا تكاد فراسته تخطئ. قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢]. كان ميتًا بالكفر والجهل، فأحياه بالعلم والإيمان، وجعل له بالقرآن والإيمان نورًا يستضيء به في النّاس على قَصْد السّبيل، ويمشي به في الظُّلَم. فصل الفراسة الثّانية: فراسة الرِّياضة والجوع والسَّهَر والتّخلِّي، فإنّ النّفس إذا تجرّدت عن العوائق صار لها من الفراسة والكشف بحسب تجرُّدها. وهذه فراسةٌ مشتركةٌ بين المؤمن والكافر، ولا تدلُّ على إيمانٍ ولا على ولايةٍ. وكثيرٌ من الجهّال يَغتَرُّ بها، وللرُّهبان فيها وقائع معلومةٌ. وهي فراسةٌ لا تكشف عن حقٍّ نافعٍ، ولا عن طريقٍ مستقيمٍ. بل كشفها جزئيٌّ من جنس فراسة الوُلاة وأصحابِ عبارة الرُّؤيا والأطبّاءِ ونحوهم. وللأطبّاء فراسةٌ معروفةٌ مِن حِذْقهم في صناعتهم. ومن أحبَّ الوقوف عليها فليطالع تواريخهم وأخبارهم. وقريبٌ من نصف الطِّبِّ فراسةٌ صادقةٌ يقترِنُ بها تجربةٌ.

стр. 1695

فصل الفراسة الثّالثة: الفراسة الخلقيّة. وهي التي صنَّف فيها الأطبّاء وغيرهم، واستدلُّوا بالخَلْق على الخُلق لما بينهما من الارتباط الذي اقتضتْه حكمة الله. كالاستدلال بصغر الرّأس الخارج عن العادة على صغر العقل، وبكِبَرِه على كِبَرِه. وبسعةِ الصّدر وبُعْدِ ما بين جانبيه على سعة خُلق صاحبه واحتمالِه وبَسْطته، وبضيقه على ضيقه. وبجمود العين وكَلالِ نظرها على بلادة صاحبها، وضعفِ حرارة قلبه. وبشدّة بياضها مع إشرابه بحمرةٍ ــ وهو الشَّكَل ــ على شجاعته وإقدامه وفطنته. وبتدويرها مع (١) حمرتها وكثرةِ تقلُّبِها على خيانته ومكره وخداعه. ومعظم تعلُّق الفراسة بالعين، فإنّها مرآة القلب وعنوان ما فيه. ثمّ باللِّسان، فإنّه رسوله وترجمانه. وبالاستدلال بزرقتها مع شقرة صاحبها على رداءته. وبالوحشة التي ترى عليها على سوء داخلتِه وفساد طويّته. وكالاستدلال بإفراط الشّعر في السُّبوطة على البلادة، وبإفراطه (٢) في الجعودة على الشّرِّ، وباعتداله على اعتدال صاحبه. وأصل هذه الفراسة: أنّ اعتدال الخلقة والصُّورة هو من اعتدال المزاج والرُّوح، وعن اعتدالها يكون اعتدال الأخلاق والأفعال، وبحسب انحراف الخلقة والصُّورة عن الاعتدال يقع الانحراف في الأخلاق والأعمال. هذا إذا خُلِّيت النّفس وطبيعتها.

стр. 1696

ولكنّ صاحب الصُّورة والخلقة المعتدلة يكتسب بالمقارنة والمعاشرة أخلاقَ من يقارنه ويعاشره، ولو أنّه من الحيوان البهيم. فيصير من أخبث النّاس أخلاقًا وأفعالًا، وتعود له تلك طباعًا، ويتعذّر أو يتعسّر عليه الانتقالُ عنها. وكذلك صاحب الخلقة والصُّورة المنحرفة عن الاعتدال، يكتسب بصحبة الكاملين وخُلطتِهم أخلاقًا وأفعالًا شريفةً تصير له كالطّبيعة، فإنّ العوائد والمزاولات تُعطي الملكاتِ والأخلاق. فليتأمّل هذا الموضع، ولا يُعجِّل بالقضاء (١) بالفراسة دونه، فإنّ القاضي حينئذٍ يكون خطؤه كثيرًا. فإنّ هذه العلامات أسبابٌ لا موجبةٌ، وقد تتخلَّف عنها أحكامها لفَواتِ شرطٍ أو لوجود مانعٍ. وفراسة المتفرِّس تتعلّق بثلاثة أشياء: بعينه، وأُذنه، وقلبه. فعينه: للسِّيما والعلامات. وأذنه: للكلام وتصريحه وتعريضه، ومنطوقه ومفهومه، وفحواه وإشارته، ولحنه وإيمائه ونحو ذلك. وقلبه: للعبور والاستدلال من المنظور والمسموع إلى باطنه وخفيِّه، فيَعبُر إلى ما وراء ظاهره، كعبور النُّقّاد من ظاهر النّقش (٢) والسِّكّة إلى باطن النّقد والاطِّلاع عليه: هل هو صحيحٌ أو زَغَلٌ؟ وكذلك عبور المتفرِّس من ظاهر الهيئة والدَّلِّ إلى باطن الرُّوح والقلب، فنسبةُ نقدِه للأرواح من الأشباح كنسبة نقد الصّيرفيِّ للجوهر من ظاهر السِّكّة والنّقد.

стр. 1697

وكذلك نقد أهل الحديث، فإنّه يمرُّ بهم إسنادٌ ظاهرٌ كالشّمس على متنٍ مكذوبٍ، فيُخرِجه نقدهم كما يُخرِج الصّيرفيُّ الزّغلَ تحت الظّاهر من الفضّة. وكذلك فراسة التّمييز بين الصّادق والكاذب في أقواله وأفعاله وأحواله. و للفراسة سببان: أحدهما: جودة ذهن المتفرِّس، وحِدّة قلبه، وحسن فِطنته. والثّاني: ظهور العلامات والأدلّة على المتفرَّس فيه. فإذا اجتمع السّببان لم تكد تُخطئ للعبد فراسةٌ، وإذا انتفيا لم تكد تصحُّ له فراسةٌ، وإذا قوي أحدهما وضعف الآخر كانت فراستُه بينَ بينَ. وكان إياس بن معاوية من أعظم النّاس فراسةً، وله الوقائع المشهورة (١). وكذلك الشّافعيُّ ﵀ (٢). وقيل: إنّ له فيها تواليف (٣). ولقد شاهدتُ من فراسة شيخ الإسلام ابن تيميّة أمورًا عجيبةً (٤)، وما لم أشاهده منها أعظم وأعظم. ووقائُع فراسته تستدعي سِفرًا ضخمًا. وأخبر أصحابَه بدخول التّتار الشّام سنة تسعٍ وتسعين وستِّمائةٍ، وأنّ

стр. 1698

جيوش المسلمين تُكْسَر، وأنّ دمشق لا يكون بها قتلٌ عامٌّ ولا سبيٌ عامٌّ، وأنّ كَلَب الجيش وحدّته في الأموال. هذا قبل أن يَهُمَّ التّتار بالحركة. ثمّ أخبر النّاسَ والأمراءَ سنة اثنتين وسبعمائةٍ لمّا تحرّك التّتار وقصدوا الشّام: أنّ الدّائرة عليهم والهزيمة، والظّفر والنّصر للمسلمين. وأقسم على ذلك أكثر من سبعين يمينًا. فيقال له: قل إن شاء الله. فيقول: إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا (١). سمعته يقول ذلك. قال: فلمّا أكثروا عليَّ قلت: لا تُكثروا، كتب الله تعالى في اللّوح المحفوظ أنّهم مهزومون في هذه الكرّة، وأنّ النّصر لجيوش الإسلام. قال: وأطعمتُ بعضَ الأمراء والعسكر حلاوةَ النّصر قبل خروجهم إلى لقاء العدوِّ. وكانت فراساته الجزئيّة في خلال هاتين الوقعتين مثل المطر. ولمّا طُلِب إلى الدِّيار المصريّة وأُريد قتله ــ بعد أن أُنضِجت له القدور، وقُلِّبت له الأمور ــ اجتمع (٢) أصحابه لوداعه، وقالوا: قد تواترت الكتب بأنّ القوم عاملون على قتلك. فقال: والله لا يَصِلُون إلى ذلك أبدًا. قالوا: فتُحْبَس؟ قال: نعم، ويطول حبسي، ثمّ أَخرُج وأتكلَّمُ بالسُّنّة على رؤوس المنابر. سمعته يقول ذلك. ولمّا تولّى عدوُّه الملقّب بالمظفَّر الجاشَنْكير الملك أخبروه بذلك، وقالوا: الآن بلغ مراده منك. فسجد لله شكرًا وأطال. فقيل له: ما سببُ هذه

стр. 1699

السّجدة؟ فقال: هذا بداية ذُلِّه، وفارقَه عزُّه من الآن، وقرُبَ زوالُ أمره. فقيل له: متى هذا؟ فقال: لا تُربَطُ خيولُ الجند على القُرْط (١) حتّى تُقلَب دولته. فوقع الأمر مثلَ ما أخبر به (٢). سمعت ذلك منه وعنه. وقال مرّةً: يدخل عليَّ أصحابي وغيرهم، فأرى في وجوههم وأعينهم أمورًا لا أذكرها لهم. فقلتُ له أو غيري: لو أخبرتَهم؟ فقال: أتريدون أن أكون معرِّفًا كمعرّف الولاة؟ وقلت له يومًا: لو عاملْتَنا بذلك لكان أدعى إلى الاستقامة والصّلاح، فقال: لا تصبرون معي على ذلك جمعةً، أو قال: شهرًا. وأخبرني غير مرّةٍ بأمورٍ باطنةٍ تختصُّ بي، ممّا عزمتُ عليه ولم ينطِقْ به لساني. وأخبرني ببعض حوادثَ كبارٍ تجري في المستقبل، ولم يُعيِّن أوقاتَها. وقد رأيت بعضها وأنا أنتظر بقيّتها. وما شاهده كبار أصحابه من ذلك أضعافُ أضعافِ ما شاهدتُه.

стр. 1700

فصل قال صاحب «المنازل» ﵀ (١): (الفراسة: استئناسُ حكمِ غيبٍ). والاستئناس: استفعالٌ من آنستُ كذا، إذا رأيتَه. فإن أدركتَ بهذا الاستئناس حكمَ غيبٍ كان فراسةً. وإن كان بالعين كان رؤيةً، وإن كان بغيرها من المدارك فبحسَبِها. قوله (٢): (من غيرِ استدلالٍ بشاهدٍ). الاستدلال بالشّاهد على الغائب أمرٌ مشتركٌ بين البرِّ والفاجر، والمؤمن والكافر، كالاستدلال بالبروق والرُّعود على الأمطار، وكاستدلال رؤساء البحر بالكَدَر الذي يبدو لهم في جانب الأفق على ريحٍ عاصفٍ ونحو ذلك، وكاستدلال الطّبيب بالسَّحْنَة (٣) والتَّفْسِرة (٤) على حال المريض، ويَدِقُّ ذلك حتّى يبلغ إلى حدٍّ يَعجِز عنه أكثرُ الأذهان. وكما يُستدلُّ بسيرة الرّجل وسيره على عاقبة أمره في الدُّنيا من خيرٍ أو شرٍّ، فيطابق أو يكاد. فهذا خارجٌ عن الفراسة التي تتكلّم فيها هذه الطّائفة. وهو نوعُ فراسةٍ لكنّها غير فراستهم، وكذلك ما عُلِم بالتّجربة من مسائل الطِّبِّ والصِّناعات والفلاحة وغيرها.

стр. 1701

فصل قال (١): (وهي على ثلاث درجاتٍ. الأولى: فراسةٌ طارئةٌ نادرةٌ، تسقط على لسانٍ وحشيٍّ في العمر مرّةً، لحاجة سمْعِ مريدٍ صادقٍ إليها، لا يُوقَف على (٢) مَخْرجِها، ولا يُؤبَه لصاحبها. وهذا شيءٌ لا يَخلُص (٣) من الكهانة وما ضَاهاها، لأنّها لم تَسر (٤) عن عينٍ، ولم تَصدُرْ عن علمٍ، ولم تُسْبَقْ بوجودٍ). يريد بهذا النّوع: فراسةً تجري على ألسنة الغافلين، الذين ليست لهم يقظة أرباب القلوب، فلذلك قال: (طارئةٌ نادرةٌ تسقط على لسانٍ وحشيٍّ). واللسان الوحشي: الذي لم يأنَسْ بذكر الله، ولا اطمأنّ إليه قلبُ صاحبه، فيسقطُ على لسانه مكاشفةٌ في العمر مرّةً. وذلك نادرٌ، ورميةٌ من غيرِ رامٍ. وقوله: (لحاجة مريدٍ صادقٍ). يشير إلى حكمة إجرائها على لسانه، وهي حاجة المريد الصّادق إليها. فإذا سمعها على لسان غيره كان أشدَّ تنبيهًا له، وكانت عنده أعظمَ موقعًا. وقوله: (لا يُوقَف على مَخرَجِها). يعني: لا يَعلَم الشّخصُ الذي وصلتْ إليه واتّصلتْ به ما سبب مخرج ذلك الكلام؟ وإنّما سمِعَه مقتطعًا ممّا قبله وممّا هيَّجَه (٥).

стр. 1702

(ولا يُؤبَه لصاحبها). لأنّه ليس هنالك (١) قلبٌ. وهذا من جنس الفأل، وكان رسول الله ﷺ يُحِبُّ الفأل ويُعجِبه (٢). والطِّيرة من هذا، ولكنّ المؤمن لا يَتطيَّر، فإنّ الطِّيَرة شركٌ، ولا يَصُدّه ما سمع عن مقصده وحاجته، وليتوكَّل على الله ويثق به، ويدفع شرّ التّطيُّر عنه بالتّوكُّل. وفي «الصحيح» (٣) عن ابن مسعودٍ ﵁ عن النّبيِّ ﷺ أنّه قال: «الطِّيرة شركٌ، وما منّا إلّا، ولكنَّ الله يُذهِبه بالتّوكُّل». وهذه الزِّيادة ــ وهي قوله: «وما منّا إلّا» ــ يعني من يَعترِيه، ولكن يدفعها بالتّوكُّل ــ مدرجةٌ في الحديث من قول ابن مسعودٍ. جاء ذلك مبيّنًا (٤). ومن له يَقَظةٌ يرى ويسمع من ذلك عجائبَ، وهي من إلقاء الملَك تارةً على لسان النّاطق، وتارةً من إلقاء الشّيطان. فالإلقاء الملَكيُّ تبشيرٌ وتحذيرٌ

стр. 1703

وإنذارٌ، والإلقاء الشّيطانيُّ تحزينٌ وتخويفٌ وشركٌ وصَدٌّ عن المطالب. وصاحب الهمّة والعزيمة لا يتقيّد بذلك، ولا يَصرِف إليها همّتَه، وإذا سمع ما يَسُرُّه استبشر، وقوِيَ رجاؤه، وحسُنَ ظنُّه، وحمِد الله، وسأله إتمامَه، واستعان به على حصوله. وإذا سمع ما يسوؤه استعاذ بالله، ووثِقَ به، وتوكَّلَ عليه، والتجأ إلى التّوحيد، وقال: «اللهمّ لا طَيْرَ إلّا طيرُك، ولا خيرَ إلّا خيرُك، ولا إلَه غيرُك» (١). «اللهمَّ لا يأتي بالحسنات إلّا أنت، ولا يَذهب بالسّيِّئات إلّا أنت، ولا حولَ ولا قوّة إلّا بك» (٢). ومن جعل هذا نُصْبَ قلبه، وعلَّق به همَّته، كان ضرره به أكثر من نفعه. قوله: (وهذا شيءٌ لا يَخلُص من الكهانة). يعني: أنّه من جنس الكهانة. وأحوال الكهّان معلومةٌ قديمًا وحديثًا في إخبارهم عن نوعٍ من المغيَّبات بواسطة إخوانهم من الشّياطين الذين يُلْقون إليهم السّمعَ، ولم يزل هؤلاء في الوجود، ويكثُرون في الأزمنة والأمكنة التي

стр. 1704

يخفى فيها نور النُّبوّة. ولذلك كانوا أكثرَ ما كانوا في زمن الجاهليّة، وكلُّ زمانِ جاهليّةٍ (١) وبلد جاهليّةٍ وطائفة جاهليّةٍ فلهم نصيبٌ منها، بحسب اقتران الشّياطين بهم (٢)، وطاعتهم لهم، وعبادتهم إيّاهم. وقوله: (وما ضاهاها). أي وما شابهها من جنس الخطِّ بالرَّمْل، وضربِ الحصا، وزجْرِ الطّير الذي يسمُّونه السّانح والبارح، والقرعة الشِّركيّة لا الشّرعيّة، والاستقسام بالأزلام، وغير ذلك ممّا تتعلّق به النُّفوس الجاهليّة المشركة التي عاقبةُ أمرِها خُسْرٌ وبَوارٌ. قوله: (لأنّها لم تسر عن عينٍ). أي عن عين الحقيقة التي لا يصدُر عنها إلّا حقٌّ. يعني: هي غير متّصلةٍ بالله. قوله: (ولم تَصدُر عن علمٍ). يعني أنّها عن ظنٍّ وحسبانٍ، لا عن علمٍ ويقينٍ. وصاحبها دائمًا في شكٍّ، ليس على بصيرةٍ من أمره. وقوله: (ولم تُسْبَقْ بوجودٍ). أي لم يَسبِقْها وجود الحقيقة لصاحبها، بل هو فارغٌ من غيرِ (٣) واجدٍ، بل فاقدٌ من غير أهل الشهود.

стр. 1705

فصل قال (١): (الدّرجة الثّانية: فراسةٌ تُجنى من غَرْسِ الإيمان، وتَطلعُ من صحّة الحال، وتَلمعُ من نور الكشف). هذا النّوع من الفراسة مختصٌّ بأهل الإيمان، ولذلك قال: (تُجنى من غَرْسِ الإيمان). وشبَّه الإيمان بالغَرْس لأنّه يزداد وينمو، ويزكو على السّقي، ويُؤتي أُكُلَه كلَّ حينٍ بإذن ربِّه، وأصلُه ثابتٌ في الأرض، وفرعُه (٢) في السّماء. فمن غرسَ الإيمان في أرضِ قلبِه الطّيِّبة الزّاكية، وسقى ذلك الغِراسَ بماء الإخلاص والصِّدق والمتابعة= كان من بعض ثمرِه هذه الفراسةُ. قوله: (فتطلع من صحّة الحال). يعني: أنّ صدق الفراسة من صدق الحال، فكلّما كان الحال أصدقَ وأصحَّ فالفراسة كذلك. قوله: (وتلمعُ من نور الكشف). يعني أنّ نور الكشف من جملة ما يُولِّد الفراسة، بل أصلها نور الكشف. وقوّةُ الفراسة بحسب قوّة هذا النُّور وضعفه، وقوّتُه وضعفُه بحسب قوّة مادّته وضعفها. فصل قال (٣): (الدّرجة الثّالثة: فراسةٌ سَرِيّةٌ، لم تَجتلِبْها رَوِيّةٌ، على لسانٍ

стр. 1706

مصطنعٍ تصريحًا أو رمزًا). يحتمل لفظ «السّريّة» وجهين: أحدهما: الشّرف، أي فراسةٌ شريفةٌ، فإنّ الرّجل السَّرِيّ هو الرّجل الشّريف، وجمعه سَراةٌ، ومنه ــ في أحد التّأويلين (١) ــ قوله: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٤] أي سيِّدًا مطاعًا، وهو المسيح. وعلى هذا يكون «سَرِيّةٌ» بوزن شَريفةٍ. والثّاني: أن يكون من السِّرِّ، أي فراسةٌ متعلِّقةٌ بالأسرار لا بالظّواهر، فيكون «سِرِّيَّةٌ» بوزن شِرِّيبةٍ ومِكِّيثةٍ. قوله: (لم تَجتلِبْها رَوِيّةٌ). أي لا تكون عن فكرةٍ، بل تَهْجُم على القلب هجومًا لا يُعرَف سببه. قوله: (على لسانٍ مصطنعٍ)، أي مختارٍ مصطفًى على غيره. (تصريحًا أو رمزًا)، يعني أنّ هذا المختار المصطفى يُخبِر بهذه الفراسة العالية عن أمورٍ مغيّبةٍ، تارةً بالتّصريح، وتارةً بالتّلويح، إمّا سترًا لحاله، وإمّا صيانةً لما أخبر به عن الابتذالِ ووصولهِ إلى غير أهله، وإمّا لغير ذلك من الأسباب. والله أعلم. * * * *

стр. 1707

فصل ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة التّعظيم . و هذه المنزلة تابعةٌ للمعرفة . فعلى قدر المعرفة يكون تعظيم الرّبِّ تعالى في القلب، وأعرفُ النّاس به أشدُّهم له تعظيمًا وإجلالًا. وقد ذمّ الله من لم يُعظِّمه حقَّ عظمته، ولا عرفوه حقَّ معرفته، ولا وصفوه حقَّ صفته. وأقوالهم تدور على هذا. وقال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣]. قال ابن عبّاسٍ ومجاهدٌ: لا ترجون لله عظمةً. وقال سعيد بن جبيرٍ: ما لكم لا تعظِّمون الله حقّ عظمته؟ وقال الكلبيُّ: لا تخافون لله عظمةً (١). قال البغويُّ ﵀ (٢): والرّجاء بمعنى الخوف. والوقار: العظمة، اسمٌ من التّوقير، وهو التّعظيم. وقال الحسن: لا يعرفون لله حقًّا، ولا يشكرون له نعمةً. وقال ابن كيسان ﵀: لا ترجون في عبادة الله أن يثيبكم على توقيركم إيّاه خيرًا. و روحُ العبادة هو الإجلال والمحبّة ، فإذا خَلا أحدهما عن الآخر فسدت العبودية. فإذا اقترن بهذين الثّناءُ على المحبوب المعظّم فذلك حقيقة الحمد.

стр. 1708

فصل قال صاحب «المنازل» ﵀ (١): (التّعظيم: معرفة العظمة مع التّذلُّل لها. وهو على ثلاث درجاتٍ. الأولى: تعظيم الأمر والنّهي، وهو أن لا يُعارَضا بترخُّصٍ جافٍ. ولا يُعرَّضا لتشديدٍ غالٍ، ولا يُحمَلا على علّةٍ تُوهِنُ الانقياد). هذه ثلاثة أشياء تُنافي تعظيم الأمر والنّهي: أحدها: التّرخُّص الذي يجفو به صاحبُه عن كمال الامتثال. والثّاني: الغلوُّ الذي يتجاوز به صاحبُه حدودَ الأمر والنّهي. فالأوّل تفريطٌ، والثّاني إفراطٌ. وما أمر الله بأمرٍ إلّا وللشّيطان فيه نزعتان: إمّا إلى تفريطٍ وإضاعةٍ، وإمّا إلى إفراطٍ وغلوٍّ. و دينُ الله بين الجافي عنه والغالي فيه ، والوادي بين الجبلين، والهدى بين ضلالتين، والوسَطُ بين طرفَينِ ذميمين. وكما أنّ الجافي عن الأمر مُضيِّعٌ له، فالغالي فيه مُضيِّعٌ له. هذا بتقصيره عن الحدِّ، وهذا بتجاوز (٢) الحدّ. وقد نهى الله عن الغلوِّ بقوله: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا﴾ [المائدة: ٧٧]. والغلوُّ نوعان: نوعٌ يُخرِجه عن كونه مطيعًا. كمن زاد في الصّلاة ركعةً، أو صام الدَّهرَ مع أيّام النّهي، أو رمى الجمارَ بالصَّخَرات الكبار التي يُرمى بها في المنجنيق،

стр. 1709

أو سعى بين الصّفا والمروة عشرًا، ونحو ذلك عمدًا. وغلوٌّ يُخاف منه الانقطاع والاستحسار. كقيام اللّيل كلِّه, وسرد الصِّيامِ الدّهْرَ أجمعَ بدون صوم أيّام النّهي, والجور على النُّفوس في العبادات والأوراد، الذي قال فيه النّبيُّ ﷺ : «إنّ الدِّين يُسْرٌ، ولن يُشَادَّ الدِّينَ أحدٌ إلّا غَلَبه, فسَدِّدوا وقَارِبوا وأبشِروا، واستعينوا بالغَدوة والرَّوحة وشيءٍ من الدُّلْجَة» (١). يعني: استعينوا على طاعة الله بالأعمال في هذه الأوقات الثّلاثة, فإنّ المسافر يستعين على قَطْع مسافة السّفر بالسَّير فيها. وقال: «لِيُصَلِّ أحدُكم نشاطَه, فإذا فَتَر فلْيَرْقُدْ». رواهما البخاريُّ (٢). وفي «صحيح مسلم» (٣) عنه: «هَلَكَ المتنطِّعون». قالها ثلاثًا. وهم المتعمِّقون المتشدِّدون. وفي «صحيح البخاري» (٤) عنه: «عليكم من الأعمال بما تُطيقون، فوالله لا يَمَلُّ الله حتّى تَمَلُّوا». وفي «السُّنن» (٥) عنه: «إنّ هذا الدِّين مَتِينٌ, فأوغِلْ فيه برِفقٍ, ولا تُبَغِّضْ

стр. 1710

إلى نفسِك عبادةَ الله». أو كما قال. وأما قوله: «ولا يُحمَلا على علّةٍ (١) تُوهِنُ الانقياد». يريد: أن لا يتأوّل في الأمر والنّهي علّةً تعود عليه بالإبطال، كما تأوّل بعضهم تحريم الخمر بأنّه معلَّلٌ بإيقاع العداوة والبغضاء والتّعرُّضِ للفساد, فإذا أُمِنَ هذا المحذورُ منه أجاز شربَه. كما قيل (٢): أَدِرْها فما التّحريمُ فيها لِذاتِها ... ولكن لأسبابٍ تضمَّنَها السُّكْرُ إذا لم يكن سكرٌ يُضِلُّ عن الهدى ... فِسيَّانِ ماءٌ في الزُّجاجة أم خَمْرُ وقد بلغ هذا بأقوامٍ إلى الانسلاخ من الدِّين جملةً. وقد حمل طائفةٌ من العلماء أن جعلوا تحريمَ ما عدا شراب العنب معلَّلًا بالإسكار، فله أن يشرب منه ما لم يُسكِر. ومن العلل التي تُوهِن الانقياد: أن يُعلِّل الحكمَ بعلّةٍ ضعيفةٍ لم تكن هي الباعثة عليه في نفس الأمر، فيضعُف انقيادُه إذا قام عنده أنّ هذه هي علّة الحكم. ولهذا طريقةُ القوم عدمُ التّعرُّض لعللِ التّكاليف خشيةَ هذا المحذور.

стр. 1711

وفي بعض الآثار القديمة (١): «يا بني إسرائيل، لا تقولوا: لِمَ أمرَ ربُّنا؟ ولكن قولوا: بِمَ أمرَ ربُّنا؟». وأيضًا، فإنّه إذا لم يمتثل الأمر حتّى تظهر له علّته (٢) لم يكن منقادًا للأمر، وأقلُّ درجاته أن يضعُفَ انقياده له. وأيضًا، فإنّه إذا نظر إلى حكمة العبادات والتّكاليف مثلًا، وجعلَ العلّة فيها هي جمعيّة القلب والإقبال به على الله، فقال: أنا أشتغل بالمقصود عن الوسيلة، فاشتغلَ بجمعيَّتِه وخَلْوتِه عن أوراد العبادات، فعطّلها وتركَ الانقيادَ بحمِله للأمر على العلّة التي أوهنَتْ انقيادَه. وكلُّ هذا من ترْكِ تعظيمِ الأمر (٣) والنّهي. وقد دخل من هذا الفساد على كثيرٍ من الطّوائف مَا لا يعلمه إلّا الله، فما يَدرِي ما أوهنَتِ العللُ الفاسدة من الانقيادِ إلّا الله. فكم عَطَّلتْ لله من أمرٍ، وأباحتْ من نهيٍ، وحرَّمتْ من مباحٍ؟! وهي التي اتّفقت كلمةُ السّلف على ذمِّها. فصل قال (٤): (الدّرجة الثّانية: تعظيم الحكم: أن يُبغى (٥) له عِوجٌ، أو يُدافَع بعلمٍ، أو يُرضى بعوضٍ).

стр. 1712

الدّرجة الأولى تتضمّن تعظيمَ الحكم الدِّينيِّ الشّرعيِّ، وهذه الدّرجة تتضمّن تعظيم الحكم الكونيِّ القدريِّ، وهو الذي يخصُّه المصنِّف باسم الحكم. وكما يجب على العبد يَرعى (١) حكمَ الله الدِّينيّ بالتّعظيم، فكذلك يرعى حكمه الكونيّ به، فذكرَ من تعظيمه ثلاثة أشياء: أحدها: أن لا يُبغى له عِوَجٌ، أي يُطلَب له عوجٌ، أو يُرى فيه عوجٌ. بل يُرْى كلُّه مستقيمًا، لأنّه صادرٌ عن عين الحكمة، فلا عِوَجَ فيه. وهذا موضعٌ أشكلَ على النّاس جدًّا. فقالت نفاة القدر: ما في خلْقِ الرّحمن من تفاوتٍ ولا عِوَجٍ، والكفرُ والمعاصي مشتملةٌ على أعظم التّفاوت والعوج، فليست بخلْقه ولا مشيئتِه ولا قدره. وقالت فرقةٌ تقابلهم: بل هي من خلْق الرّحمن وقدره، فلا عِوَج فيها. وكلُّ ما في الوجود مستقيمٌ. والطّائفتان ضالّتان، منحرفتان عن الهدى. وهذه الثّانية أشدُّ انحرافًا، لأنّها جعلت الكفر والمعاصي مستقيمًا لا عِوجَ فيه. وعدمُ تفريق الطّائفتين بين القضاء والمقضيِّ، والحكم والمحكوم به: هو الذي أوقعَهم فيما أوقعهم فيه. وقول سلف الأمّة وجمهورها: إنّ القضاء غير المقضيِّ، فالقضاء فِعلُه ومشيئته وما قام به، والمقضيُّ مفعوله المباين له المنفصل عنه، وهو

стр. 1713

المشتمل على الخير والشّرِّ والعوج والاستقامة. فقضاؤه كلُّه حقٌّ، والمقضيُّ: منه حقٌّ، ومنه باطلٌ. وقضاؤه كلُّه عدلٌ، والمقضيُّ: منه عدلٌ وجورٌ. وقضاؤه كلُّه مرضيٌّ، والمقضيُّ: منه مرضيٌّ، ومنه مسخوطٌ. وقضاؤه مسالمٌ، والمقضيُّ: منه ما يسالم، ومنه ما يحارب. وهذا أصلٌ (١) عظيمٌ تجب مراعاته، وهو موضع مَزلَّة أقدامٍ كما رأيت، والمنحرف عنه: إمّا جاحدٌ للحكمة، أو للقدرة، أو للأمر والشّرع ولا بدّ. وعلى هذا يُحمل كلام صاحب «المنازل» ﵀، أي: لا يُبتغى للحكم عِوجٌ. وأمّا قوله: «أو يُدافَع بعلمٍ»، فأشكلُ من الأوّل، فإنّ العلم مقدّمٌ على القدر وحاكمٌ عليه، ولا يجوز دفع العلم بالحكم. فأحسنُ ما يُحمل عليه كلامه أن يقال: قضاء الله وقدره وحكمه الكونيُّ لا يناقض دينَه وشرعه وحكمه الدِّينيّ (٢)، بحيث تقع المدافعةُ بينهما. لأنّ هذا مشيئته الكونيّة، وهذا إرادته (٣) الدِّينيّة. وإن كان المرادان قد يتدافعان ويتعارضان، لكن من تعظيم كلٍّ منهما: أن لا يُدافَع بالآخر ويُعارَض، فإنّهما وصفان للرّبِّ تعالى، وأوصافه لا يُدفَع بعضها ببعضٍ، وإن استُعِيذ ببعضها من بعضٍ، فالكلُّ منه سبحانه. وهو المعيذ من نفسه بنفسه، كما قال أعلم الخلق به: «أعوذ برضاك من سَخَطِك، وأعوذ بعفوك من عقوبتك، وأعوذ بك

стр. 1714

منك» (١). فرِضاه ــ وإن أعاذ من سَخَطه ــ فإنّه لا يُبطِله ويدفعه، وإنّما يدفع تعلُّقَه بالمستعيذ، وتعلُّقُه بأعدائه باقٍ غير زائلٍ. فهكذا أمره وقدره سواءٌ، فإنّ أمره لا يُبطِل قدرَه، ولا قدرُه يُبطِل أمرَه. ولكن يُدفَع ما قضاه وقدَّره بما أَمر به وأحبّه، وهو أيضًا من قضائه. فما دُفِع قضاؤه إلّا بقضائه وأمرِه. فلم يَدفع العلمُ الحكمَ بل المحكومَ به، والعلمُ والحكمُ دفعا المحكومَ به الذي قُدِّر دفعُه وأُمِر به. فتأمّلْ هذا، فإنّه محض العبوديّة والمعرفة، والإيمان بالقدر، والاستسلام له، والقيام بالأمر، والتّنفيذ له بالقدر، فما نفَّذَ المطيعُ أمرَ الله إلّا بقدر الله، ولا دفعَ مقدورَ الله إلا بقدر الله وأمره. وأمّا قوله: (ولا يرضى بعوضٍ)، أي أنّ صاحب مشهد الحكم قد وصل إلى حدٍّ لا يَتطلَّب معه عوضًا، ولا يكون ممّن يعبد الله بالعوض، فإنّه يشاهد جريانَ حكمِ الله عليه، وعدمَ تصرُّفه في نفسه، وأنّ المتصرِّف فيه حقًّا مالكُه الحقُّ، فهو الذي يُقيمه ويُقعِده، ويُقلِّبه ذات اليمين وذات الشِّمال. وإنّما يطلب العوضَ من غاب عن الحكم وذَهل عنه، وذلك منافٍ لتعظيمه. فمن تعظيمه: أن لا يرضى العبد بعوضٍ يطلبه بعمله (٢)، لأنّ مشاهدة الحكم وتعظيمه يمنعه أن يرى لنفسه ما يعاوض عليه. فهذا الذي يمكن حملُ كلامه عليه من غير خروجٍ عن حقيقة الأمر. والله أعلم.

стр. 1715

فصل قال (١): (الدّرجة الثّالثة: تعظيم الحقِّ سبحانه . وهو أن (٢) لا يجعل دونه سببًا، ولا يرى عليه حقًّا، ولا ينازع له اختيارًا). هذه الدّرجة تتضمّن تعظيمَ الحاكم سبحانه، صاحبِ الخلق والأمر، والذي (٣) قبلها يتضمّن تعظيمَ قضائه لا مقضيِّه، والأولى تتضمّن تعظيمَ أمره. وذكر من تعظيمه ثلاثة أشياء: أحدها: أن لا يجعل دونه سببًا، أي (٤) لا يجعل للوصلة إليه سببًا غيره، بل هو الذي يُوصِل إليه عبدَه، فلا يُوصِل إلى الله إلّا الله، ولا يقرِّب إليه سواه. ولا يتوصّل إلى رضاه إلّا به. فما دلّ على الله إلّا الله، ولا هدى إليه سواه، ولا أَدنى إليه غيرُه. فإنّه سبحانه هو الذي جعل السّبب سببًا، فالسّبب وسببيَّتُه وإيصاله كلُّه خلْقُه وفعلُه. الثّاني: أن لا يرى عليه حقًّا، أي لا يرى (٥) لأحدٍ من الخلق ــ لا لك ولا لغيرك ــ حقًّا على الله، بل الحقُّ له على خلقه. وفي أثرٍ إسرائيليٍّ: أنّ داود ﵇ قال: يا ربِّ، بحقِّ آبائي عليك. فأوحى الله إليه: يا داود، وأيُّ حقٍّ

стр. 1716

لآبائك عليّ؟ ألستُ أنا الذي هديتُهم ومننتُ عليهم واصطفيتهم، ولي الحقُّ عليهم؟ (١). وأمّا حقوق العبيد على الله: من إثابته لمطيعهم، وتوبتِه على تائبهم، وإجابتهِ لسائلهم= فتلك حقوقٌ أَحقَّها هو على نفسه بحكم وعدِه وإحسانِه، لا أنّها حقوقٌ أَحقُّوها هم عليه، فالحقُّ في الحقيقة لله على عبده، وحقُّ العبد عليه هو ما اقتضاه وعدُه وبرُّه، وإحسانُه إليه بمحض جوده وكرمه. هذا قول أهل التّوفيق والبصائر، وهو وسطٌ بين قولين منحرفين. قد تقدّم ذكرهما مرارًا. والله أعلم (٢). وأمّا قوله: (ولا ينازع له اختيارًا). أي إذا رأيتَ الله قد اختار لك أو لغيرك شيئًا ــ إمّا بأمره ودينه، وإمّا بقضائه وقدره ــ فلا تنازِعْ اختياره، بل ارْضَ باختيار (٣) ما اختاره، فإنّ ذلك

стр. 1717

من تعظيمه سبحانه. ولا يردّ عليه ما قدَّره عليه من المعاصي، فإنّه سبحانه وإن قدَّرها لكنّه لم يختَرْها له، فمنازعتها عينُ اختياره من عبده. وذلك من تمام تعظيم العبد له، والله أعلم. * * * *

стр. 1718

فصل ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الإلهام ، والإفهام، والوحي، والتّحديث، والرُّؤيا الصّادقة. وقد تقدّمت في أوّل الكتاب عند الكلام على مراتب الهداية (١)، وذكرنا كلام صاحب «المنازل» هناك. * * * *

стр. 1719

فصل ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة السّكينة . هذه المنزلة من منازل المواهب، لا من منازل المكاسب. وقد ذكر الله سبحانه السّكينة في كتابه في ستّة مواضع: الأوّل (١): قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٨]. الثّاني: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا﴾ [التوبة: ٢٥ - ٢٦]. الثّالث: قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ [التوبة: ٤٠]. الرّابع: قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الفتح: ٤]. الخامس: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨].

стр. 1720

السّادس: قوله تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية [الفتح: ٢٦]. وكان شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ إذا اشتدّت عليه الأمور قرأ آياتِ السّكينة. وسمعته يقول في واقعةٍ عظيمةٍ جرت له في مرضه، تَعجِز العقول والقُوى عن حملها ــ من محاربة أرواحٍ شيطانيّةٍ ظهرت له إذ ذاك في حال ضعف القوّة ــ قال: فلمّا اشتدّ عليّ الأمر قلت لأقاربي ومن حولي: اقرؤوا آيات السّكينة، قال: ثمّ أقلعَ عنِّي ذلك الحالُ، وجلستُ وما بي قَلَبةٌ (١). وقد جرَّبتُ أنا قراءةَ هذه الآيات عند اضطراب القلب مما يرِد عليه، فرأيتُ لها تأثيرًا عظيمًا في سكونه وطُمأنينته. وأصل السّكينة هي الطُّمأنينة والوقار، والسُّكون الذي يُنزِله الله في قلب عبده، عند اضطرابه من شدّة المخاوف، فلا ينزعج بعد ذلك لما يرِد (٢) عليه، ويوجب له زيادةَ الإيمان وقوّةَ اليقين والثّبات. ولهذا أخبر عن إنزالها على رسوله وعلى المؤمنين في مواضع القلق والاضطراب. كيوم الهجرة، هو وصاحبه في الغار والعدوُّ فوق رؤوسهم، لو نظر أحدهم إلى ما تحت قدميه لرآهما. وكيوم حنينٍ، وَلَّوا مُدبِرين من شدّة بأس الكفّار، لا يَلْوِي أحدٌ على أحدٍ. وكيوم الحديبية حين اضطربتْ قلوبهم من تحكُّمِ الكفّار عليهم، ودخولِهم تحت شروطهم التي لا
следующие страницы →