← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 199

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 526 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

أحدها: أنّه الحبُّ المستولي على القلب، بحيث يَحجُبه عن غيره. قال الكلبيُّ (١): حجبَ حبُّه قلبَها حتّى لا تعقل سواه. الثّاني: أنه الحبُّ الواصل إلى داخل القلب. قال صاحب هذا القول: المعنى أحبَّتْه حتّى دخل حبُّه شَغافَ قلبها، أي داخِلَه. الثّالث: أنّه الحبُّ الواصل إلى غِشاء القلب. والشَّغاف غشاء القلب، إذا وصل الحبُّ إليه باشر القلب. قال السُّدِّيُّ ﵀ (٢): الشَّغاف جلدةٌ رقيقةٌ على القلب، يقول: دخله الحبُّ حتّى أصاب القلبَ. وقرأ بعض السّلف (٣): «شعفها» بالعين المهملة. ومعناه: ذهب الحبُّ بها كلَّ مذهبٍ، وبلغ بها (٤) أعلى مراتبه، ومنه: شَعَفُ الجبال، لرؤوسها. السّابعة: العشق، وهو الحبُّ المفرط الذي يُخاف (٥) على صاحبه منه. وعليه تأوّل إبراهيم ومحمّد بن عبد الوهّاب: ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦] قال محمّدٌ: هو العشق (٦).

стр. 1787

ورُفع إلى ابن عبّاسٍ ﵄ شابٌّ وهو بعرفةَ قد صار كالخِلال، فقال: ما به؟ قالوا: العشق. فجعل ابن عبّاسٍ ﵄ عامّةَ دعائه بعرفة (١) الاستعاذةَ من العشق (٢). وفي اشتقاقه قولان: أحدهما: أنّه من العَشَقة، وهي نبتٌ أصفر (٣) يلتوي على الشّجر، فشُبِّه به العاشق. والثّاني: أنّه من الإفراط. وعلى القولين فلا يوصف به الرّبُّ تعالى، ولا العبدُ في محبّة ربِّه، وإن أطلقه سكرانُ من المحبّة قد أفناه الحبُّ عن تمييزه، كان في خَفارة صدقِه ومحبّته. الثّامنة: التّتيُّم، وهو التّعبُّد والتّذلُّل. يقال: تَيَّمه الحبُّ أي ذلَّلَه وعبَّده، وتَيمُ الله: عبد الله. وبينه وبين اليُتْم ــ الذي هو الانفراد ــ تَلاقٍ في الاشتقاق الأوسط، وتناسبٌ في المعنى، فإنّ (٤) المتيَّم منفردٌ بحبِّه وشَجْوه، كانفراد اليتيم بنفسه عن أبيه، وكلٌّ منهما مكسورٌ ذليلٌ. هذا كَسْرُه يُتْمٌ، وهذا كسره تتيُّمٌ.

стр. 1788

التّاسعة: التّعبُّد، وهو فوق التّتيُّم. فإنّ العبد الذي قد ملك المحبوبُ رِقَّه فلم يبقَ له شيءٌ من نفسه البتّةَ، بل كلُّه عبد لمحبوبه ظاهرًا وباطنًا. وهذا هو حقيقة العبوديّة، ومن كمَّلَ ذلك فقد كمَّلَ مرتبتها. ولمّا كمّلَ سيِّد ولد آدم ﷺ هذه المرتبة وصفَه الله بها في أشرفِ مقاماته: مقامِ الإسراء كقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١]، ومقام الدّعوة كقوله: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: ١٩]، ومقام التّحدِّي كقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣]. وبذلك استحقّ التّقديم على الخلائق في الدُّنيا والآخرة. ولذلك يقول المسيح ﵇ لهم إذا طلبوا منه الشّفاعة بعد الأنبياء ﵈: «اذهبوا إلى محمّدٍ، عبدٍ غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخّر» (١). فسمعتُ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول: فحصلتْ له تلك المرتبة بتكميل عبوديّته لله تعالى، وكمالِ مغفرة الله له. وحقيقة العبوديّة: الحبُّ التّامُّ، مع الذُّلِّ التّامِّ والخضوع للمحبوب. تقول العرب: طريقٌ مُعبَّدٌ، أي قد ذَلَّلته الأقدام وسَهَّلته (٢). العاشرة: مرتبة الخُلَّة التي انفرد بها الخليلان (٣) إبراهيم ومحمّدٌ صلّى

стр. 1789

الله عليهما وسلّم كما صحّ عنه: «إنّ الله اتّخذني خليلًا، كما اتّخذ إبراهيم خليلًا» (١). وقال: «لو كنت متّخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتّخذت أبا بكرٍ خليلًا، ولكنّ صاحبكم خليل الرّحمن» (٢). والحديثان في «الصّحيح». وهما يُبطِلان قولَ من قال: الخلّة لإبراهيم والمحبّة لمحمّدٍ، فإبراهيم خليله ومحمّدٌ حبيبه (٣). والخُلَّة هي المحبّة التي تخلَّلتْ روحَ المحبِّ وقلْبَه، حتّى لم يبقَ فيه موضعٌ لغير محبوبه، كما قيل (٤): قد تَخلَّلْتِ مسلكَ الرُّوحِ منِّي ... وبذا سُمِّي الخليلُ خليلًا وهذا هو السِّرُّ الذي لأجله ــ والله أعلم ــ أُمر الخليل بذبح ولدِه وثمرةِ فؤادِه وفِلْذَة كبدِه، لأنّه لمّا سأل الولدَ فأُعطِيَه تعلّقتْ به شعبةٌ من قلبه. والخلّة منصبٌ لا يقبل الشّركة والقسمة، فغارَ الخليل على خليله أن يكون في قلبه موضعٌ لغيره، فأَمره بذبح الولد ليخرج المزاحم من قلبه. فلمّا وطَّن نفسَه على ذلك، وعزم عليه عزمًا جازمًا، حصل مقصود الأمر، فلم يبقَ في إزهاقِ نفس الولد مصلحةٌ. فحالَ بينه وبينه، وفَداه بالذِّبح العظيم. وقيل له:

стр. 1790

﴿يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ أي عملتَ عملَ المصدِّق ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ نجزي من بادر إلى طاعتنا، بأن نُقِرَّ عينه، كما أقررنا عينَك بامتثال أوامرنا وإبقاء الولد وسلامته، ﴿إِنَّ هَذَا لَهْوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ [الصافات: ١٠٤ - ١٠٦] وهو اختبار المحبوب لمحبِّه، وامتحانه إيّاه ليُؤثِر مرضاته، فيُتِمّ نعمتَه عليه، فهو بلاء محنةٍ ومنحةٍ عليه معًا. وهذه الدّعوة إنّما دعا الله بها خواصَّ خلقه، وأهلَ الألباب والبصائر منهم، فما كلُّ أحدٍ يجيب داعيَها، ولا كلُّ عينٍ قريرةٌ بها. وأهلُها هم الذين حصلوا في وسطِ قبضة اليمين يومَ القبضتين، وسائر أهل اليمين في أطرافها. فما كلُّ عينٍ بالحبيب قريرةً ... ولا كلُّ من نُودِيْ يُجيبُ المناديا (١) ... ومن لم يُجِبْ داعِي هُداك فخَلِّهِ ... يُجِبْ كلَّ من أضحى إلى الغَيِّ داعيا ... وقل للعيون الرُّمْد: إيّاكِ أن تَرَيْ ... سَنا الشّمسِ فاستغشِيْ ظلامَ اللَّياليا (٢) وسامِحْ نفوسًا لم تَهيَّأْ لحبِّهم ... ودَعْها وما اختارتْ ولا تكُ جافيا ... وقُلْ للّذي قد غابَ يكفي عقوبةً ... مَغِيبُك عن ذا الشّأنِ لو كنتَ واعيا ... وواللهِ لو أضحى نصيبُك وافرًا ... رحمتَ عدوًّا حاسدًا لك قاليا

стр. 1791

ألم تَرَ آثارَ القطيعةِ قد بَدَتْ ... على حالِه فارحَمْه إن كنت رائيَا ... خَفافيش أعشاها النّهارُ بضوئِه ... ولاءَمَها (١) قِطْعٌ من اللّيلِ باديا ... فجالتْ وصالتْ فيه حتّى إذا سَنَا النْـ ... ـنَهارِ بدا (٢) اسْتَخْفَتْ وأَعطَتْ تَواريا ... إذا ظلمةُ اللّيل انجلَتْ بضيائها ... يعودُ لعينيه ظلامًا (٣) كما هِيا فيا محنةَ الحسناءِ تُهدَى إلى امرئٍ ... ضَريرٍ وعِنِّينٍ من الوجدِ خاليا فضَنَّ (٤) بها إن كنتَ تعرِفُ قدْرَها ... إلى أن ترى كُفْؤًا أتاك مُوافيا فما مهرها شيءٌ سوى الرُّوح أيُّها الْـ ... جَبانُ تَأخَّرْ لستَ كُفْؤًا مُساويا فكن أبدًا حيثُ استقلَّتْ ركائبُ الْ ... محبّةِ في ظهر العزائمِ ساريا وأدلِجْ ولا تَخْشَ الظّلامَ فإنّه ... سيكفيكَ وجهُ الحبِّ في اللّيل هاديا وسُقْها (٥) بذكراه مَطاياك إنّه ... سَيكفي المطايا طِيبُ ذكراه حاديا وعِدْها بروحِ الوصل تُعْطِك سَيْرَها ... كما شئتَ واستبقِ العظامَ البواليا وأَقدِمْ فإمّا مُنْيةٌ أو مَنِيَّةٌ ... تُرِيحُك من عيشٍ به لستَ راضيا فما ثَمَّ إلّا الوصلُ أو تَلَفٌ بهم ... وحَسْبُك فوزًا ذاك إن كنتَ واعيا أما سَئِمتْ من عيشِها نفسُ والهٍ ... تَبيتُ بنار البعد تَلْقى المكاويا أمَا موتُه فيهم حياةٌ، وذُلُّه ... هو العزُّ، والتّوفيق، ما زال غاليا أما يَستحي مَن يدَّعي الحبَّ باخلًا ... بما لحبيبٍ عنه يَدْعوه ذَا ليا

стр. 1792

أما تلك دعوى كاذبٍ ليس حظُّه ... من الحبِّ إلّا قولَه والأمانيا أمَا أنفُسُ العشّاقِ مِلْكٌ لغيرهم ... بإجماع أهلِ الحبِّ ما زالَ فاشيا أما سمعَ العشّاقُ قولَ حبيبةٍ ... لِصَبٍّ بها وَافى من الحبِّ شاكيا «ولمّا شَكوتُ الحبَّ قالت كَذَبْتَني ... ألستُ أرى الأعضاءَ منك كَواسِيا فلا حُبَّ حتّى يَلْصَقَ القلبُ بالحَشَا ... وتَخْرَسَ حتّى لا تُجِيبَ مناديا (١) وتَنْحُلَ حتّى لا يُبَقِّي لك الهوى ... سوى مُقْلةٍ تَبكِي بها وتُناجِيا» فصل قال صاحب «المنازل» ﵀ (٢): (المحبّة: تعلُّق القلب بين الهِمّة والأُنس). يعني: تعلُّق القلب بالمحبوب تعلُّقًا مقترنًا بهمّة المحبِّ وأُنسِه بالمحبوب، في حالتَي بذْلِه ومنْعِه، وإفرادُه بذلك التّعلُّق بحيثُ لا يكون لغيره فيه نصيبٌ. وإنّما أشار إلى أنّها بين الهمّة والأنس لأنّ الهمّة لمّا كانت هي نهاية شدّة الطّلب، وكان المحبُّ شديد الرّغبة والطّلب، كانت الهمّة من مُقوِّمات حبِّه وجملةِ صفاته. ولمّا كان الطّلب بالهمّة قد يَعرى (٣) عن الأنس، وكان المحبُّ لا يكون إلّا مستأنسًا بجمال محبوبه، وطمعه بالوصول إليه، فمن هذين يتولَّدُ الأنس= وجب أن يكون المحبُّ موصوفًا بالأنس، فصارت المحبّة قائمةً بين الهمّة والأنس.

стр. 1793

ويريد بالبذل والمنع أحد أمرين: إمّا بذل الرُّوح والنّفس لمحبوبه، ومنعها عن غيره، فيكون البذل والمنع صفة المحبِّ. وإمّا بذل الحبيب ومنعه، فتتعلّق همّةُ المحبِّ به في حالتَيْ بذلِه ومنعِه. ويريد بالإفراد معنيين: إمّا إفراد المحبوب وتوحيده بذلك التّعلُّق، وإمّا فناءه في محبّته، بحيث ينسى نفسه وصفاته في ذكر محاسن محبوبه، حتّى لا يبقى إلّا المحبوب وحده. والمقصود: إفراد المحبِّ لمحبوبه بالتوجُّه والمحبّة. فصل قال (١): (والمحبّة أوّلُ أودية الفناء، والعَقَبة التي ينحدرُ منها على منازل المَحْو. وهي آخرُ منزلٍ تلتقي (٢) فيه مقدِّمةُ العامّة وساقَةُ الخاصّة). إنّما كانت المحبّة أوّلَ أودية الفناء لأنّها تُفنِي خواطرَ المحبِّ عن التّعلُّقِ بالغير. وأوّلُ ما يَفنى من المحبِّ خواطرُه المتعلِّقة بِسِوى محبوبه، لأنّه إذا انجذبَ قلبه بكلِّيّته إلى محبوبه انجذبتْ خواطِرُه تبعًا. ويريد بمنازل المحو مقاماته. وأوّلها: مَحْو الأفعال في فعل الحقِّ تعالى، فلا يرى لنفسه ولا لغيره فعلًا. الثّاني: مَحْو الصِّفات التي في العبد. فيراها عاريةً أُعِيرَها وهِبةً وُهِبَها، ليستدلّ بها على بارئه وفاطره، وعلى وحدانيّته وصفاته. فيعلم بواسطة

стр. 1794

حياته: معنى حياة ربِّه، وبواسطة علمه وقدرته وإرادته وسمعه وبصره وكلامه وغضبه ورضاه: معنى علم ربِّه وقدرته وإرادته وسمعه وبصره وكلامه وغضبه ورضاه. ولولا هذه الصِّفات فيه لما عرفها من ربِّه. وهذا أحد التّأويلات في الأثر الإسرائيليِّ: اعرِفْ نفسَك تَعرِفْ ربَّك (١). وهذه الصِّفات في الحقيقة أثرُ الصِّفات الإلهيّة فيه، فإنّها أثر أفعال الحقِّ، وأفعالُه موجَب صفاتِه وأسمائه. فإذًا عاد الأمر كلُّه إلى أفعاله، وعادت أفعاله إلى صفاته. ففي هذه المنزلة يمحو العبد شهودَ صفاته ووجودها الذي ليس بحقيقيٍّ، [ويُثبِت] (٢) شهودَ صفات المعبود ووجودها الحقيقيِّ. فالله سبحانه منحَ عبدَه هذه الصِّفات ليعرفَه بها، ويستدلَّ بها عليه. فإن لم يفعلها (٣) عطَّلَ عليه طريقَ المعرفة والاستدلال بها، فصارت بمنزلة العدم. ولهذا يُوصف الغافل عن الله بالصَّمَم والبَكَم والعمى والموت وعدم العقل. الثّالث: محو الذّات. وهو شهود تفرُّد الحقِّ تعالى بالوجود أزلًا وأبدًا، وأنّه الأوّل الذي ليس قبله شيءٌ، والآخر الذي ليس بعده شيءٌ، ووجود كلِّ ما سواه قائمٌ به وأثرُ صنعِه، فوجوده هو الوجود الواجب الحقُّ، الثّابت بنفسه (٤) أزلًا وأبدًا، وأنّه المنفرِد بذلك.

стр. 1795

وهذا المحو يصحُّ باعتبارين: أحدهما: باعتبار الوجود الذّاتيِّ. ولا ريبَ في إثبات محوه بهذا الاعتبار، إذ ليس مع الله موجودٌ بذاته سواه، وكلُّ ما سواه فوجودُه بإيجاده سبحانه. الاعتبار الثّاني: المحو في الشهود. فلا يشهد فاعلًا غيرَ الحقِّ سبحانه، ولا صفاتٍ غيرَ صفاته، ولا موجودًا سواه، لغَيبتِه بكمال شهوده عن شهود غيره. وأمّا محو ذلك من الوجود جملةً فهو محْوُ الزّنادقة وطائفة الاتِّحاديّة. وصاحب «المنازل» وكلُّ وليٍّ لله بريءٌ منهم حالًا وعقيدةً. والمقصود أنَّ مِن عَقَبة المحبّة ينحدر المحبُّ على منازل المحو. ولمّا كانت منازل المحو والفناء غايةً عند صاحب «المنازل» جعلَ المحبّة عقبةً ينحدر منها إليها. وأمّا من جعل المحبّة غايةً فمنازلُ المحو عنده أوديةٌ يصعد منها إلى روح المحبّة. وليس بعد المحبّة الصّحيحة إلّا منازل البقاء، وأمّا الفناء والمحو فعِقَابٌ (١) وأوديةٌ في طريقها عند هؤلاء. والله أعلم. قوله: (وهي آخر منزلةٍ تلتقي فيه مقدِّمة العامّة وساقةُ الخاصّة). هذا بناء على الأصل الذي ذكره، وهو أنّ المحبّة ينحدر منها على أودية الفناء فهي أوّل أودية (٢) الفناء. فمقدّمةُ العامّة هم في آخر مقام المحبّة،

стр. 1796

وساقةُ الخاصّة في أوّل منزلة الفناء، ومنزلة الفناء متّصلةٌ بآخر منزلة المحبّة، فالتقَى (١) حينئذٍ مقدِّمة العامّة بساقة الخاصّة. هذا شرح كلامه. وعند الطّائفة الأخرى: الأمر بالعكس. وهو أنّ مقدِّمة أرباب الفناء يلتقون بساقةِ أربابِ المحبّة، فإنّهم أمامَهم في السّير، وهم أمام الرَّكْب دائمًا. وهذا بناءً على أنّ أهل البقاء في المحبّة أعلى شأنًا من أهل الفناء. وهو الصّواب. والله أعلم. فصل قال (٢): (وما دونها: أغراضٌ لأعواضٍ). يعني ما دون المحبّة من المقامات فهي (٣) أغراضٌ من المخلوقين لأجل أعواضٍ ينالونها، وأمّا المحبُّون (٤) فإنّهم عبيدٌ له (٥). والعبد ونفسه وعمله ومنافعه مِلْكٌ لسيِّده، فكيف يعاوضه على ملكه؟ والأجير عند أخذ أجرِه ينصرف، والعبد في الباب لا ينصرف. فلا عبوديّةَ إلّا عبوديّةُ أهل (٦) المحبّة الخالصة. أولئك الفائزون بشرف الدُّنيا والآخرة، وأولئك لهم الأمن وهم مهتدون.

стр. 1797

فصل قال (١): (والمحبّة هي سِمَة الطّائفة، وعنوان الطّريقة، ومَعقِد النِّسبة). يعني: سِمة هذه الطّائفة (٢) المسافرين إلى ربِّهم، الذين ركبوا جناحَ السّفر إليه، ثمّ لم يفارقوه إلى حينِ اللِّقاء، وهم الذين قعدوا على الحقائق، وقعدَ من سواهم على الرُّسوم. وعنوانُ طريقتهم أي دليلها، فإنّ العنوان يدلُّ على الكتاب، والمحبّة تدلُّ على صدق الطّالب، وأنّه من أهل الطّريق. ومعقد النِّسبة أي النِّسبة التي بين الرّبِّ وبين (٣) العبد، فإنّه لا نسبةَ بين الله وبين العبد إلّا محضُ العبوديّة من العبد والألوهية من الرّبِّ. وليس في العبد شيءٌ من الألوهية، ولا في الرّبِّ شيءٌ من العبوديّة. فالعبد عبد من كلِّ وجهٍ، والرّبُّ تعالى هو الإله الحقُّ من كلِّ وجهٍ. ومعقد نسبة العبوديّة هو المحبّة، فالعبوديّة معقودةٌ بها، بحيث متى انحلَّت المحبّة انحلَّت العبوديّة. فصل قال (٤): (وهي على ثلاث درجاتٍ. الدّرجة الأولى: محبّةٌ تقطع الوساوسَ ، وتَلَذُّ الخدمة (٥)، وتُسلِّي عن المصائب).

стр. 1798

قوله: (تقطع الوساوس)، فإنّ الوسواس والمحبّة متناقضان، فإنّ المحبّة توجب استيلاء ذكر المحبوب على القلب، والوسواس (١) يقتضي غيبته عنه، حتّى توسوس له نفسه بغيره. فبين المحبّة والوسواس تناقضٌ شديدٌ، كما بين الذِّكر والغفلة. فعزيمةُ المحبّة تنفي تردُّدَ القلب بين المحبوب وغيره، وذلك سبب الوسواس، وهيهاتَ أن يجد المحبُّ الصّادق فراغًا لوسواسٍ، لاستغراق قلبه في حضوره بين يدي محبوبه. وهل الوسواس إلّا لأهل الغفلة والإعراض؟ لا كان مَن لسواك فيه بقيّةٌ ... فيها يُقسِّم فِكْرَه ويُوسوِسُ (٢) قوله: (وتَلَذُّ الخدمةَ)، أي المحبُّ يلتذُّ بخدمة محبوبه، فيرتفع عن رؤية التَّعب الذي يراه الخَلِيُّ في أثناء الخدمة. وهذا معلومٌ بالمشاهدة. قوله: (وتُسلِّي عن المصائب)، فإنّ المحبّ يجد في لذّة المحبّة ما يُنسِيه المصائبَ، ولا يجد من مَسِّها ما يجد غيره، حتّى كأنّه قد اكتسى طبيعةً ثانيةً ليست بطبيعة (٣) الخلق. بل يقوى سلطانُ المحبّة، حتّى يلتذّ بكثيرٍ من المصائب أعظمَ من التذاذِ الخَلِيِّ بحظوظه وشهواتِه. والذّوق والوجود شاهدٌ بذلك.

стр. 1799

فصل قال (١): (وهي محبّةٌ تَنبُتُ من مطالعة المِنَّة. وتَثبُت باتِّباع السُّنّة، وتَنمُو على الإجابة بالفاقة) (٢). قوله: (تنبت من مطالعة المنّة) (٣)، أي تنشأ من مطالعة العبدِ منَّةَ الله عليه، ونِعمَه الباطنةَ والظّاهرة، فبقدر مطالعته ذلك تكون قوّة محبته. فإنّ القلوب مجبولةٌ على حبِّ من أحسنَ إليها، وبُغضِ من أساء إليها. وليس للعبد قطُّ إحسانٌ إلّا من الله، ولا إساءةٌ إلّا من الشّيطان. ومن أعظم مطالعة منّة الله على عبده: منَّةُ تأهيلِه لمحبّته ومعرفته، وإرادةِ وجهه، ومتابعةِ حبيبه. وأصلُ هذا نورٌ يَقذِفه الله في قلب العبد، فإذا دارَ ذلك النُّورُ في قلبِ العبد وذاتِه أشرقَتْ له ذاتُه، فرأى فيه نفسَه، وما أُهِّلتْ له من الكمالات والمحاسن، فعَلَتْ به همَّتُه، وقوِيَتْ عزيمتُه، وانقشَعَتْ عنه ظلماتُ نفسِه وطبعِه. لأنّ النُّور والظُّلمة لا يجتمعان إلّا ويَطْرُد أحدُهما صاحبَه، فرَقِيَتِ الروحُ (٤) حينئذٍ بين الهيبة والأنس إلى الحبيب الأوّل. نَقِّلْ فؤادَك حيث شئتَ من الهوى ... ما الحبُّ إلّا للحبيبِ الأوّلِ كم منزلٍ في الأرض يَألَفُه الفتى ... وحَنينُه أبدًا لأوّلِ منزلِ (٥)

стр. 1800

وهذا النُّور كالشّمس في قلوب المقرّبين السّابقين، وكالبدر في قلوب الأبرار أصحابِ اليمين، وكالنّجم في قلوب عامّة المؤمنين. فكَمْ (١) بين الزُّهرة والسُّهى! قوله: (وتثبت باتِّباع السُّنّة)، أي ثباتها بمتابعة الرّسول ﷺ في أعماله وأقواله وأخلاقه. فبحسب هذا الاتِّباع يكون منشأ هذه المحبّة وثباتها وقوّتها، وبحسب نقصانه يكون نقصانها. كما تقدّم أنّ هذا الاتِّباع يوجب المحبّة والمحبوبيّة معًا، ولا يتمُّ الأمر إلّا بهما. فليس الشّأن في أن تحبّ الله، بل الشّأن في أن يحبّك الله، ولا يُحبّك إلّا إذا اتّبعتَ حبيبَه ظاهرًا وباطنًا، وصدَّقتَه خبرًا، وأطعتَه أمرًا، وأجبتَه دعوةً، وآثرتَه طوعًا، وفَنِيتَ عن حكم غيره بحكمه، وعن محبةِ غيرِه من الخلق بمحبّته، وعن طاعةِ غيره بطاعته. وإن لم يكن ذلك فلا تَتَعنَّ (٢)، فلستَ على شيءٍ. وتأمّلْ قوله: ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، أي الشّأن في أنّ الله يحبُّكم، لا في أنّكم تحبُّونه، وهذا لا تنالونه إلّا باتِّباع الحبيب. قوله: (وتَنمو على الإجابة بالفاقة) , الإجابة بالفاقة: أن يجيب الدّاعيَ بموفور الأعمال وهو خالٍ منها, كأنّه لم يعملْها، بل يجيب دعوتَه بمجرّد الإفلاس والفقر التّامِّ, فإنّ طريقة الفقر والفاقة تأبى أن يكون لصاحبها عملٌ أو حالٌ أو مقامٌ, وإنّما يدخل على ربِّه بالإفلاس المحض، والفاقة المجرّدة. ولا ريبَ أنّ المحبّة تنمو على هذا المشهد وهذه الإجابة. وما أعزَّه من مقامٍ,

стр. 1801

وما أنفعَه للعبد, وما أجلبه للمحبّة! والله المستعان (١). فصل قال (٢): (الدّرجة الثّانية: محبّةٌ تبعثُ على إيثار الحقِّ على غيره ، وتُلهِج اللِّسانَ بذكره, وتُعلِّق القلبَ بشهوده. وهي محبّةٌ تظهر من مطالعة الصِّفات، والنّظرِ إلى الآيات، والارتياضِ بالمقامات). هذه الدّرجة أعلى ممّا قبلها باعتبار سببها وغايتها، فإنّ سببَ الأولى مطالعة الإحسان والمنّة، وسببَ هذه مطالعة الصِّفات، وشهودُ معاني آياته المسموعة، والنّظر إلى آياته المشهودة، وحصول الملكة في مقامات السُّلوك، وهو الارتياض بالمقامات. وكذلك غايتها أعلى من غاية ما قبلها. فقوله: (تبعث على إيثار الحقِّ على غيره)، أي لكمالها وقوّتها تقتضي من المحبِّ أن يترك لأجل الحقِّ ما سواه، فيُؤثِره على غيره، ولا يُؤثِر غيرَه عليه. وتجعل اللِّسانَ لهجًا بذكره، فإنّ من أحبّ شيئًا أكثرَ من ذكرِه. (وتُعلِّق القلب (٣) بشهوده) لفرط استيلائه على القلب وتعلُّقِه به، حتّى كأنّه لا يشاهد غيره. قوله: (وهي محبّةٌ تظهر من مطالعة الصِّفات)، يعني: إثباتها أوّلًا، ومعرفتها ثانيًا، ونفي التّحريف والتّعطيل عن نصوصها ثالثًا، ونفي التّمثيل

стр. 1802

والتّكييف عن معانيها رابعًا. فلا تصحُّ له مطالعة الصِّفات الباعثة على المحبّة الصّحيحة إلّا بهذه الأمور الأربعة. وكلّما أكثرَ قلبُه من مطالعتها ومعرفةِ معانيها ازدادت محبَّتُه للموصوف بها. ولذلك كان (١) الجهميّة قُطَّاعَ طريق المحبّة، وبين المحبِّين وبينهم السّيف الأحمر. وقوله: (والنّظر إلى الآيات)، أي نظر الفكر والاعتبار إلى آياته المشهودة وفي آياته المسموعة، وكلٌّ منهما داعٍ قويٌّ إلى محبّته، لأنّها أدلّةٌ على صفات كماله، ونعوت جلاله، وتوحيد ربوبيّته وإلهيّته، وعلى حكمته وبرِّه، وإحسانه ولطفه، وجوده وكرمه، وسعة رحمته، وسبوغ نِعَمه، فإدامةُ النّظر فيها داعٍ لا مَحالَة إلى محبّته. وكذلك الارتياض بالمقامات، فإنّ من كانت له رياضةٌ وملكةٌ في مقامات الإسلام والإيمان والإحسان كانت محبّته أقوى، لأنّ محبّة الله له أتمُّ. وإذا أحبّ الله عبدًا أنشأَ في قلبه محبَّتَه. فصل قال (٢): (الدّرجة الثّالثة: محبّةٌ خاطفةٌ تقطع العبارة وتدفع الإشارة، ولا تنتهي بالنُّعوت). يعني: أنّها تَخطِف قلوبَ المحبِّين، لِما يبدو لهم من جمال محبوبهم. ويشير الشّيخ ﵀ بذلك إلى الفناء في المحبّة والشُّهود، وإنّ العبارة تنقطع دون حقيقة تلك المحبّة، ولا تبلُغُها، ولا تَصِلُ إليها الإشارة، فإنّها فوق

стр. 1803

العبارة والإشارة. حقيقتها عندهم: فناء الحدوث في القِدم، واضمحلالُ الرُّسوم في نور الحقيقة التي تظهر لقلوب المحبِّين، فتملك عليها العبارة والإشارة والصِّفة، فلا يقدر المحبُّ أن يُعبِّر عمّا يجده، لأنّ واردَها قد خطفَ فهْمَه، والعبارة تابعةٌ للفهم، فلا يقدر المحبُّ أن يشير إليه (١) أيضًا إشارةً تامّةً. والعبارة عندهم تحتَ الإشارة وأبعدُ منها، ولذلك جُعِل حظُّها القطع، وحظّ الإشارة الدّفع، فإنّ مقام المحبّة يقبل العبارة. وهذه الدّرجة الثّالثة تقبل إشارةً ما، ولا تقبل عبارةً. وعندهم: إنّما تمتنع العبارة والإشارة في مقام التّوحيد، حيث لا يبقى للمحبّة رسمٌ ولا اسمٌ ولا إشارةٌ، وهو الغاية عندهم كما سيأتي. والصّواب: أنّ توحيد المحبّة أكملُ من هذا التّوحيد الذي يشيرون إليه، وأعلى مقامًا، وأجلُّ مشهدًا. وهو مقام الرُّسل والأنبياء وخواصِّ المقرَّبين. وأمّا توحيد الفناء فدونَه بكثيرٍ، وليس ذلك من مقامات الرُّسل والأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام. فإنّ توحيدهم توحيد بقاءٍ ومحبّةٍ، لا توحيد فناءٍ وغَيبةٍ وسُكْرٍ واصطلامٍ. ولمّا كان المحبُّ عند أرباب الفناء لم يخلُصْ إلى مقام توحيد الفناء بالكلِّيّة، بل رسوم المحبّة معه بعدُ، جعلوا المحبّة هي العقبة التي ينحدر منها إلى أودية الفناء، كما تقدّم.

стр. 1804

والصّواب الذي لا ريبَ فيه عند أرباب التّحقيق والبصائر: أنّ لسان المحبّة أتمُّ، ومقامها أكمل، وحالها أشرف، وصاحبها من أهل الصَّحْو بعد السُّكْر، والتّمكين بعد التّلوين، والبقاء بعد الفناء. ولسانه نائبٌ عن كلِّ لسانٍ، وبيانه وافٍ بكلِّ ذوقٍ، ومقامه أعلى من كلِّ مقامٍ. فهو أميرٌ على من دونَه من أرباب المقامات، لأنّ مقامه أميرٌ على المقامات كلِّها. أميرٌ أميرٌ عليه (١) النَّدى ... جوادٌ بخيلٌ بأن لا يجودا وأمّا كون نعوت المحبّة لا تتناهى، فلأنَّ لها في كلِّ مقامٍ نسبةً وتعلُّقًا (٢) به، وهي روحُ كلِّ مقامٍ والحاملةُ له، وأقدام السّالكين إنّما تتحرّكُ بها، فلها تعلُّقٌ بكلِّ قدمٍ وحالٍ ومقامٍ، فلا تتناهى نعوتُها البتّة. فصل قوله (٣): (وهذه المحبّة هي قطبُ هذا الشّأن. وما دونها مَحابُّ نَادتْ عليها الألسنُ، وادَّعتْها الخليقة، وأوجبتْها العقولُ). يريد: أنّ مدارَ شأن السّالكين المسافرين إلى الله على هذه المحبّة الثّالثة. وإنّما كان كذلك لخلوصها من الشّوائب والعلل والأغراض، وصاحبها مرادٌ ومجذوبٌ ومطلوبٌ، وما دونَها من المَحابِّ صاحبُها باقٍ مع إرادته من محبوبه. أمّا محبّة الإحسان والأفعال فظاهرٌ، وأمّا محبّة الصِّفات

стр. 1805

فصاحبها مع لذّةِ روحه ونعيمِ قلبه بمطالعة الصِّفات، فإنّ لذّة الأرواح والعقول لا مَحالةَ في مطالعة صفات الكمال ونعوتِ الجمال. وصاحب هذه المحبّة الثّالثة قد ارتقى عن هاتين الدّرجتين، وأخذ منه، وغُيِّبَ عنه. وهذا مبنيٌّ على أصله في كون الفناء غايةً. وقد عرفته. وقوله: (ونادت عليها الألسن)، أي وصفتْها الألسن، فأكثرتْ صفاتِها، وتمكَّنتْ من التّعبير عنها. و (ادّعتْها (١) الخليقة)، بخلاف الدّرجة الثّالثة، فإنّه لا وصولَ لأحدٍ إليها إلّا بالحقِّ تعالى. فهي غيرُ كَسبيّةٍ، ولا تُنال بسببٍ، فلا يُمكن فيها الدّعوى، فإنّ شأنها أجلُّ من ذلك. وقوله: (وأوجبتْها العقول)، يريد: أنّ العقل يحكم بوجوبها. وهو كما قال، فإنّ العقول تحكم بوجوب تقديم محبّة الله على محبّة النّفس والأهل والمال والولد وكلِّ ما سواه. وكلُّ من لم يَحْكُم عقلُه بهذا فلا تَعْبَأْ بعقله، فإنّ العقل والفطرة والشِّرعة والاعتبار والنّظر يدعو إلى محبّته، بل إلى توحيده في المحبّة. وإنّما جاءت الرُّسل بتقريرِ ما في الفِطَر والعقول: هَبِ الرُّسْلَ لم تأتِ من عنده ... ولا أخبرتْ عن جمال الحبيبِ (٢) أليس من الواجب المستحقْ ... محبَّتُه في اللِّقا والمَغيبِ فمن لم يكن عقلُه آمرًا ... بذا ما له في الحِجى من نصيب

стр. 1806

وإنّ العقول لتدعو إلى ... محبّةِ فاطرِها من قريبِ أليست على ذاك مجبولةً ... ومفطورةً لا بكسبٍ غريبِ أليس الجمالُ حبيبَ القلوب ... لذاتِ الجمال وذاتِ القلوب أليس جميلًا يحبُّ الجمال ... تعالى إلهُ الورى عن نسيبِ أما بعدَ ذلك إحسانُه ... بداعٍ إليه لقلبِ المنيبِ أليسَا إذا كَمَلا أوجبَا ... كمالَ المحبّة للمستجيب فمَن ذا يُشابِه أوصافَه ... تعالى إلهُ الورى عن ضريبِ ومَن ذا يكافئ إحسانَه ... فيألَهُه قلبُ عبد منيبِ وهذا دليلٌ على أنّه ... إلى كلِّ ذا الخلقِ أولى حبيبِ فيا منكرًا ذاك واللهِ أَنْـ ... ـتَ (١) عينُ الطَّرِيدِ وعينُ الحَرِيبِ ويا من يُحبُّ سواه كمثلِ ... محبّتهِ أنتَ أهلُ (٢) الصّليبِ ويا مَن يُوحِّد محبوبَه ... ويُرضِيه في مَشهدٍ أو مَغيبِ ولو سَخِطَ الخلقُ في حُبِّه ... لقال هوانًا ولو بالنّسيبِ حَظِيتَ وخابوا فلا تبتئسْ ... بكيدِ العدوِّ وهَجْر القريب * * * *

стр. 1807

فصل ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الغيرة . قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف: ٣٣]. وفي «الصّحيح» (١) عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعودٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما أحدٌ أغْيرَ من الله، ومن غيرتِه حرَّمَ الفواحشَ ما ظهر منها وما بطن. وما أحدٌ أحبَّ إليه المدحُ من الله، ومن أجلِ ذلك أثنى على نفسه. وما أحدٌ أحبَّ إليه العذرُ من الله، ومن أجل ذلك أرسل الرُّسُلَ مبشِّرين ومنذرين». وفي «الصّحيح» (٢) أيضًا: من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّ الله يَغَار، وإنّ المؤمن يَغَار، وغيرةُ الله أن يأتيَ العبدُ ما حَرَّم عليه». وفي «الصّحيح» (٣) أيضًا: أنّ النّبيّ ﷺ قال: «أتعجبون من غيرة سعدٍ؟!

стр. 1808

لأنا أغْيرُ منه، والله أغيرُ منِّي (١)». وممّا يدخل في الغيرة قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥]. قال السَّرِيُّ لأصحابه: تدرون ما هذا الحجاب؟ حجاب الغيرة، ولا أحدَ أغيرُ من الله (٢). إنّ الله تعالى لم يجعل الكفّار أهلًا لفهم كلامه، ولا أهلًا لمعرفته وتوحيده ومحبّته. فجعل بينهم وبين رسوله وكلامه وتوحيده حجابًا مستورًا عن العيون، غيرةً عليه أن يناله من ليس أهلًا له. والغيرة منزلةٌ شريفةٌ عظيمةٌ جدًّا، جليلة المقدار، ولكنِ الصُّوفيّة المتأخِّرون منهم من قَلَبَ موضوعها، وذهب بها مذهبًا آخرَ باطلًا سمّاه غيرةً، فوضعها في غير موضعها، ولُبِّس عليه أعظمَ تلبيسٍ (٣) كما ستراه. والغيرة نوعان: غيرةٌ من الشّيء، وغيرةٌ على الشّيء. والغيرة من الشّيء: هي كراهة مزاحمته ومشاركته لك في محبوبك. والغيرة على الشّيء: هي شدّة حرصك على المحبوب أن يفوز به غيرك دونك، أو يشاركك في الفوز به. والغيرة أيضًا نوعان: غيرة العبد من نفسه على نفسه لنفسه، كغيرته من نفسه على قلبه، ومن تفرقته على جمعيّته، ومن إعراضه على إقباله، ومن

стр. 1809

صيانته على ابتذاله، ومن صفاته المذمومة على صفاته الممدوحة (١). وهذه الغيرة خاصِّيّة النّفس الشّريفة الزّكيّة العُلْويّة، وما للنّفس الدّنيّة المَهِينة فيها نصيبٌ، وعلى قدر شرفِ النّفس وعلوِّ همّتها تكون هذه الغيرة. ثمّ الغيرة أيضًا نوعان: غيرة الحقِّ تعالى على عبده، و غيرة العبد لربِّه لا عليه. فأمّا غيرة الرّبِّ على عبده: فهي أن لا يجعله للخلق [عبدًا] (٢)، بل يتّخذه لنفسه عبدًا، فلا يجعل له فيه شُركاء متشاكسينَ، بل يُفرِده لنفسه، ويَضَنُّ به على غيره. وهذه أعلى الغيرتين. وغيرة العبد لربِّه نوعان أيضًا: غيرةٌ من نفسه، وغيرةٌ من غيره. فالّتي من نفسه: أن لا يجعل شيئًا من أعماله وأقواله وأحواله ولا أوقاته وأنفاسه لغير ربِّه. والّتي من غيره: أن يغضب لمحارمه إذا انتهكها المنتهكون، ولحقوقه إذا تهاونَ بها المتهاونون. وأمّا الغيرة على الله: فأعظمُ الجهل وأبطلُ الباطل، وصاحبها من أعظم النّاس جهلًا، وربّما أدَّتْ بصاحبها إلى معاداته لربّه وهو لا يشعر، وإلى انسلاخه من أصل الدِّين والإسلام. وربّما كان صاحبها شرًّا على السّالكين إلى الله من قُطَّاع الطّريق، بل هو (٣) من قُطّاع طريق السّالكين حقيقةً، وأخرج قَطْع الطّريق في قالب الغيرة. وأين هذا من الغيرة لله التي تُوجب تعظيمَ

стр. 1810

حقوقه، وتصفيةَ أعماله وأحواله؟ فالعارف يَغار لله، والجاهل يَغار على الله. فلا يقال: أنا أَغارُ على الله، ولكن أنا أَغار لله. وغيرة العبد من نفسه: أهمُّ من غيرته من غيره، فإنّك إذا غِرْتَ من نفسك صحَّتْ لك غيرتك لله من غيرك، وإذا غِرْتَ له من غيرك ولم تَغَرْ من نفسِك فالغيرة مدخولةٌ معلولةٌ ولا بدَّ. فتأمّلْها وحَقِّق النّظرَ فيها. فليتأمّل السّالك اللّبيب هذه الكلمات في هذا المقام، الذي زلَّتْ فيه أقدام كثيرٍ من السّالكين. والله الهادي الموفِّق المثبِّت. كما حكي عن واحدٍ أنّه قال: لا أستريح حتّى لا أرى من يذكر الله (١). يعني غيرةً عليه من أهل الغفلة وذكرِهم. والعجب أنّ هذا يُعَدُّ من مناقبه ومحاسنه، وغاية هذا: أن يُعذَر فيه لكونه مغلوبًا على عقله، وهو من أقبح الشّطحات. وذِكرُ الله على الغفلة وعلى كلِّ حالٍ خيرٌ من نسيانه بالكلِّيّة، والألسُن متى تركتْ ذكر الله الذي هو محبوبه اشتغلتْ بذكر ما يُبغِضه ويَمْقُت عليه. فأيُّ راحةٍ للعارف في هذا؟ وهل هو إلّا أشقُّ شيءٍ عليه وأكرهه إليه؟ وقولٌ آخر: لا أحبُّ أن أرى الله ولا أنظر إليه. فقيل له: كيف؟ قال: غيرةً عليه من نظرٍ (٢) إليه (٣).

стр. 1811

فانظر إلى هذه الغيرة القبيحة، الدّالّة على جَهْل صاحبها، مع أنّه في خَفارة ذلِّه وتواضعه وانكساره واحتقاره لنفسه. ومن هذا ما (١) يُحكى عن الشِّبليِّ ﵀: أنّه لمّا مات ابنه دخلَ الحمّام ونوَّرَ (٢) لحيتَه، حتّى أذهب شَعرَها كلّه. فكلُّ من أتاه معزِّيًا قال: أيشٍ هذا يا أبا بكرٍ؟ قال: وافقتُ أهلي في قَطْع شعورهم. فقال له بعض أصحابه: أخبرني لمَ فعلتَ هذا؟ فقال: علمتُ أنّهم يُعزُّونني على الغفلة ويقولون: آجَرَك الله، ففديتُ ذِكرَهم لله بالغفلة بلحيتي (٣). فانظُرْ إلى هذه الغيرة المحرّمة القبيحة، التي تضمّنتْ أنواعًا من المحرّمات: حلق الشَّعر عند المصيبة، وقد قال رسول الله ﷺ : «ليس منّا من حلقَ وسَلقَ وخرقَ» (٤). أي حلق شعرَه، ورفع صوتَه بالنّدب والنِّياحة، وخرقَ ثيابه. ومنها: حلق اللِّحية، وقد أمر رسول الله ﷺ بإعفائها وتوفيرها. ومنها: منعُ إخوانه من تعزيته ونيلِ ثوابها. ومنها: كراهيته (٥) لجريان ذكرِ اسمِ الله على ألسنتهم بالغفلة. وذلك خيرٌ بلا شكٍّ من ترْكِ ذكره.

стр. 1812

فغايةُ صاحب هذا: أن يُغفَر له هذه الذُّنوب ويُعفى عنه، وأمّا أن يُعَدّ ذلك في مناقبه وفي الغيرة المحمودة= فسبحانك هذا بهتانٌ عظيمٌ. ومن هذا: ما ذُكِر عن أبي الحسين النُّوريِّ: أنّه سمع رجلًا يُؤذِّن، فقال: طعنةً وسمَّ الموتِ. وسمع كلبًا ينبحُ، فقال: لبّيكَ وسعديكَ. فقالوا له: هذا تركٌ للدِّين. وصدقوا والله، يقول للمؤذِّن في تشهُّده: طعنةً وسمَّ الموتِ، ويُلبِّي نُباحَ الكلب؟! فقال: أمّا ذاك فكان يذكر الله عن رأس الغفلة، وأمّا الكلب فقد قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ (١) [الإسراء: ٤٤]. فيالله (٢)! ماذا ترى رسول الله ﷺ يُواجه به هذا القائلَ لو رآه يقول ذلك، أو عمر بن الخطّاب، أو مَن عدّ ذلك في المناقب والمحاسن؟! وسمع الشِّبليُّ رجلًا يقول: جلَّ الله. فقال: أحبُّ أن تُجِلَّه عن هذا (٣). وأَذَّن مرّةً، فلمّا بلغَ الشّهادتين فقال: لولا أنّك أمرتَني ما ذكرتُ معك غيَرك (٤). وقال بعض الجُهَّال من القوم: «لا إله إلّا الله» من أصل القلب، و «محمّدٌ رسول الله» من القُرْط (٥).

стр. 1813

ونحن نقول: «محمّدٌ رسول الله» من تمام قول «لا إله إلّا الله». فالكلمتان يخرجان من أصل القلب من مشكاةٍ واحدةٍ (١)، لا تتمُّ إحداهما إلّا بالأخرى. فصل قال صاحب «المنازل» ﵀ (٢): (باب الغيرة. قال الله حاكيًا عن نبيِّه سليمان ﵇: ﴿(٣٢) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ﴾ [ص: ٣٣]). ووجه استشهاده بالآية: أنّ سليمان ﵇ كان يحبُّ الخيل، فشَغَلَه استحسانُها والنّظرُ إليها ــ لمّا عُرِضَتْ عليه ــ عن صلاة النّهار، حتّى توارت الشَّمسُ بالحجاب، فلحِقتْه الغيرةُ لله من الخيل، إذ استغرقَه استحسانُها والنّظر إليها عن خدمتِه وحقِّه، فقال: ردُّوها عليَّ، فطفِقَ يضرب أعناقَها وعراقيَبها بالسّيف غيرةً لله (٣). قال (٤): (الغيرة: سقوطُ الاحتمال ضَنًّا، والضِّيق عن الصَّبر نفاسةً). أي عَجْزُ الغيورِ عن احتمال ما يَشْغَلُه عن محبوبه ويَحْجُبه عنه، ضَنًّا به ــ أي بخلًا به ــ أن يعتاض عنه بغيره. وهذا البخل هو محض الكرم عند المحبِّين الصّادقين.

стр. 1814

وأمّا الضِّيق عن الصّبر نفاسةً فهو أن يَضِيق ذَرعُه بالصّبر عن محبوبه. وهذا هو الصّبر الذي لا يُذَمُّ من أنواع الصّبر سواه، أو ما كان من وسيلته. والحامل له على هذا الضِّيق مغالاتُه بمحبوبه، وهي النّفاسة، فإنّه ــ لمنافسته ورغبته فيه ــ لا يسامح نفسه بالصّبر عنه. والمنافسة هي كمال الرّغبة في الشّيء، ومنعُ الغير منه إن لم تُمدح فيه المشاركة، والمسابقة إليه إن مُدِحت فيه المشاركة. قال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦]. وبين المنافسة والغِبطة جمعٌ وفرقٌ، وبينهما وبين الحسد أيضًا جمعٌ وفرقٌ. فالمنافسة تتضمّن مسابقةً واجتهادًا وحرصًا. والحسد يدلُّ على مهانة الحاسد وعجزه، وإلّا فنافِسْ مَن حسدتَه، فذلك أنفعُ لك من حسدِه، كما قيل (١): إذا أعجبتْك خلالُ (٢) امرئٍ ... فكُنْه يكنْ منك ما يُعجِبُكْ فليسَ على الجودِ والمكْرُمات ... إذا جِئتَها حاجبٌ يَحجُبكْ والغبطة تتضمّن نوعَ تعجُّبٍ وفرحٍ للمغبوط واستحسانٍ لحاله. فصل قال (٣): (وهي على ثلاث درجاتٍ. الدّرجة الأولى: غيرةُ العابد على ضائعٍ يَسترِدُّ ضياعَه، ويستدرك فَواتَه، ويتدارك قُواه).

стр. 1815

العابد هو العامل بمقتضى العلم النّافع للعمل الصّالح، فغيرتُه على ما ضاع عليه من عملٍ صالحٍ، فهو يَستردُّ ضياعَه بأمثاله، ويَجبُر ما فاتَه من الأوراد والنّوافل وأنواعِ التقرُّب بفعلِ أمثالها من جنسها وغير جنسها، فيقضي ما ينفع فيه القضاء، ويُعوِّض ما يقبل العوض، ويَجبُر ما يمكن جَبْرُه. وقوله: «ويستدرك فواته»، الفرق بين استرداد ضائعه واستدراك فائته: أنّ الأوّل يمكن أن يستردّ بعينه، كما إذا فاته الحجُّ في عامٍ تمكَّن منه، فأضاعَه في ذلك العام، استدركه في العام المقبل. وكذلك إذا أخَّر الزّكاة عن وقت وجوبها استدركه بعد تأخيرها، ونحو ذلك. وأمّا الفائت فإنّما يُستدرَك بنظيره، كقضاء الواجب الموقَّت إذا فات وقته. أو يكون مراده باسترداد الضّائع واستدراك الفائت نوعَيِ التّفريط في الأمر والنّهي، فيستردُّ ضائعَ هذا بقضائه وفعلِ أمثاله، ويستدرك فائتَ هذا ــ أي سالفه ــ بالتّوبة والنّدم. وأمّا تدارك قُواه فهو أن يتدارك قوَّتَه ببذلها في الطّاعة قبلَ أن تتبدّلَ بالضّعف، فهو يَغار عليها أن تذهب في غير طاعة الله، أو يتداركَ قوى العمل الذي لحقه الفتور، بأن يكسُوَه قوّةً ونشاطًا غيرةً له وعليه. فهذه غيرة العُبَّاد. فصل (الدّرجة الثّانية: غيرة المريد . وهي غيرةٌ على وقتٍ فات، وهي غيرةٌ قاتلةٌ. فإنّ الوقت وَحِيُّ التّقضِّي، أَبِيُّ الجانب، بَطِيُّ الرُّجوع) (١).

стр. 1816

المريدون هم أرباب الأحوال، والعُبَّاد أرباب الأوراد والعبادات. وكلُّ مريدٍ عابدٌ، وكلُّ عابدٍ مريدٌ. لكنّ القوم خَصُّوا أهلَ المحبّة وأذواق حقائق الإيمان باسم «المريد»، وخَصُّوا أصحاب العمل المجرّد باسم «العابد». وكلُّ مريدٍ لا يكون عابدًا فزنديقٌ، وكلُّ عابدٍ لا يكون مريدًا فمُراءٍ. و الوقت عند العابد: هو وقت العبادة والأوراد، وعند المريد: هو وقت الإقبال على الله، والجمعيّة عليه، والعكوف عليه بالقلب كلِّه. والوقت أعزُّ شيءٍ عليه، يَغار عليه أن ينقضي بدون ذلك. فإذا فاته الوقت فلا يمكنه استدراكُه البتّةَ، لأنّ الوقت الثّاني قد استحقّ واجبه الخاصّ، فإذا فاته وقتٌ (١) فلا سبيلَ له إلى تداركه. كما في «المسند» (٢) مرفوعًا: «مَن أفطر يومًا من رمضان متعمِّدًا من غير عذرٍ، لم يَقْضِه عنه صيامُ الدّهر وإن صامَه». قوله: (وهي غيرةٌ قاتلةٌ) يعني: مُضِرّة ضررًا شديدًا بيِّنًا يُشبِه القتل، لأنّ حسرة الفوت قاتلةٌ، ولا سيّما إذا علم المتحسِّر أنّه لا سبيل له إلى الاستدراك. وأيضًا فالغيرة على التّفويت تفويتٌ آخر، كما يقال: الاشتغال (٣) بالنّدم على الوقت الفائت تضييعٌ للوقت الحاضر ولذلك يقال: الوقت سيفٌ، فإن

стр. 1817

لم تقطَعْه قَطَعك (١). ثمّ بيّن الشّيخ ﵀ السّببَ في كون هذه الغيرة قاتلةً، فقال: «فإنّ الوقت وَحِيُّ التّقضِّي»، أي سريع الانقضاء، كما تقول العرب: الوحَى الوحَى، أي: العجل العجل، والوحْيُ: الإعلام في خفاءٍ وسرعةٍ، ويقال: جاء فلانٌ وحيًا أي مجيئًا سريعًا. فالوقت منقضٍ بذاته، مُتَصرِّمٌ (٢) بنفسه. فمن غفل عن نفسه تصرَّمتْ أوقاته، وعظم فَواته، واشتدّتْ حسراته. فكيف حاله إذا علم عند تحقُّق الفوت مقدارَ ما أضاع، وطلب الرُّجعى فحِيلَ بينه وبين الاسترجاع، وطلب تناول الفائت؟ وكيف يردُّ الأمس في اليوم الجديد؟ وأنّى له التّناوشُ من مكانٍ بعيدٍ؟ (٣) ومُنِع ممّا يحبُّه ويرتضيه، وعلم أنّ ما اقتناه ليس ممّا ينبغي للعاقل يقتنيه، وحِيلَ بينه وبين ما يشتهيه (٤). فيا حَسَراتٍ ما إلى ردِّ مثلها ... سبيلٌ ولو رُدَّتْ لهانَ التَّحسُّرُ ... هي الشّهواتُ اللَّاءِ كانت تحوَّلتْ ... إلى حَسَراتٍ حينَ عَزَّ التّصبُّرُ

стр. 1818

فلو أنّها رُدّتْ بصبرٍ وقوّةٍ ... تَحوّلن لذَّاتٍ وذو اللُّبِّ يُبصِرُ (١) ويقال: إنّ أصعب الأحوال المنقطعة انقطاع الأنفاس، فإنّ أربابها إذا صَعِدَ النَّفَس صَعَّدوه إلى نحو محبوبهم، صاعدًا إليه، ملتبسًا (٢) بمحبّته والشّوقِ إليه. فإذا أرادوا دفْعَه لم يدفعوه حتّى يَتبَعَه نَفَسٌ آخر مثله. فكلُّ أنفاسهم بالله وإلى الله، ملتبسةٌ بمحبّته والشّوق إليه والأنس به، فلا يفوتُهم نَفَسٌ من أنفاسهم مع الله إلّا إذا غلبهم النّوم. وكثيرٌ منهم يرى في نومه أنّه كذلك لالتباس روحه وقلبه به، فتُحفَظ عليه أوقاتُ نومه ويقظته. ولا تَستنكْر هذه (٣) الحال، فإنّ المحبّة إذا غلبت من القلب وملكَتْه أوجبت ذلك لا مَحالة. والمقصود أنّ الواردات والأوقات سريعة الزّوال، تمرُّ أسرعَ من السّحاب، وينقضي الوقت بما فيه، فلا يعود عليك منه إلّا أثرُه وحكمه. فاختَرْ لنفسك ما يعود عليك من وقتك، فإنّه عائدٌ عليك لا محالة. ولهذا يقال للسُّعداء: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤]، وللأشقياء: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ [غافر: ٧٥]. فصل قال (٤): (الدّرجة الثّالثة: غيرة العارف على عينٍ غطّاها غَيْنٌ، وسرٍّ غشِيَه رَيْنٌ، ونفسٍ عَلِقَ برجاءٍ، أو التفتَ إلى عطاءٍ).

стр. 1819

أي يَغار على بصيرةٍ غطّاها سترٌ أو حجابٌ، فإنّ الغَيْن بمنزلة الغطاء والحجاب، وهو غطاءٌ رقيقٌ جدًّا، وفوقه الغَيْم وهو لعموم المؤمنين، وفوقه الرَّيْن والرَّان وهو للكفّار. وقوله: (وسرٍّ غَشِيَه رينٌ)، أي حجابٌ أغلظ من الأوّل. والسِّرُّ هاهنا: إمّا اللّطيفة المدركة من الرُّوح، وإمّا الحال التي بين العبد وبين الله. فإذا غشِيه رَيْنُ النّفس والطّبيعة استغاث صاحبه، كما يستغيث المعذَّب في عذابه، غيرةً على سرِّه من ذلك الرّين. وقوله: (ونفسٌ عَلِقَ برجاءٍ، والتفتَ إلى عطاءٍ)، يعني: أنّ صاحب النّفس يَغار على نفسه إذا تعلَّق برجاءٍ من ثوابٍ منفصلٍ، ولم يتعلّق بإرادة الله ومحبّته. فإنّ بين النّفسين كما بين متعلَّقَيْهما. وكذلك قوله: (أو التفت إلى عطاءٍ) يعني: أنّه يلتفت إلى عطاء دون الله فرضيَ به. ولا ينبغي أن يتعلّق إلّا بالله، ولا يلتفت إلّا إلى المُعْطي وحده. والله أعلم. * * * *

стр. 1820

فصل ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة «الشّوق» . قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ [العنكبوت: ٥]. قيل: هذا تعزيةٌ للمشتاقين، وتسليةٌ لهم. أي أنا أعلم أنّ من كان يرجو لقائي فهو مشتاقٌ إليّ، فقد أجَّلتُ له أجلًا يكون عن قريبٍ، فإنّه آتٍ لا مَحالةَ، وكلُّ آتٍ قريبٌ. وفيه لطيفةٌ أخرى، وهي تعلُّل المشتاقين برجاء اللِّقاء. لولا التّعلُّل بالرّجاء تقطَّعتْ ... نفسُ المحبِّ صَبابةً وتشوُّقَا ولقد يكاد يذوب منه قلبه ... ممّا يُقاسِي حَسرةً وتحرُّقَا حتّى إذا رَوْحُ الرّجاء أصابه ... سكنَ الحريق إذا تعلَّل باللِّقا (١) وقد قال النّبيُّ ﷺ في دعائه: «أسألك لذَّةَ النّظرِ إلى وجهك، والشّوقَ إلى لقائك» (٢). قال بعضهم (٣):النّبيُّ ﷺ كان دائمَ الشّوق إلى لقاء الله، لم يسكُنْ شوقُه إلى لقائه قطُّ. ولكنّ الشّوق مائة جزءٍ، تسعةٌ وتسعون له، وجزءٌ مقسومٌ على

стр. 1821

الأمّة. فأراد أن يكون ذلك الجزء مضافًا إلى ما له من الشّوق الذي يختصُّ به. فصل و الشّوق أثرٌ من آثار المحبّة ، وحكمٌ من أحكامها. فإنّه سفرُ القلب إلى المحبوب في كلِّ حالٍ. وقيل: هو اهتياجُ القلوب إلى لقاء المحبوب (١). وقيل: هو احتراقُ الأحشاء، وتلهُّبُ القلوب، وتقطُّعُ الأكباد. والمحبّة أعلى منه، لأنّ الشّوق عنها يتولّد (٢)، وعلى قَدْرِها يقوى ويضعُف. قال يحيى بن معاذٍ ﵀: علامةُ الشّوق فِطام الجوارحِ عن الشّهوات (٣). وقال أبو عثمان ﵀: علامته حبُّ القرب مع الرّاحة والعافية (٤)، كحال يوسف لمّا أُلقي في الجُبِّ لم يقلْ: «تَوَفَّني»، ولمّا أُدخِل السِّجن لم يقل: «تَوفَّني»، ولمّا تَمَّ له الأمر والنِّعمة قال: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ [يوسف: ١٠١]. قال ابن خَفيفٍ ﵀: الشّوق ارتياحُ القلوب بالوجد، ومحبّة اللِّقاء والقرب (٥).

стр. 1822

وقيل: هو لهيبٌ ينشأ بين أثناء الحشا، يَسنَحُ عن الفرقة. فإذا وقع اللِّقاء طَفِئَ (١). قلت: هذه مسألة نزاعٍ بين المحبِّين، وهي أنّ الشّوق هل يزول باللِّقاء أم لا (٢)؟ ولا يختلفون أنّ المحبّة لا تزول. فمنهم من قال: يزول باللِّقاء، لأنّ الشّوق هو سفَرُ القلب إلى محبوبه، فإذا قدِمَ عليه ووصلَ إليه صار مكانَ الشّوق قرّةُ عينه به، وهذه القُرَّة تجامع المحبّةَ ولا تنافيها. قال هؤلاء: وإذا كان الغالب على القلب مشاهدة المحبوب لم يَطْرُقْه الشّوق. وقيل لبعضهم: هل تشتاق إليه؟ فقال: لا، إنّما الشّوقُ إلى غائبٍ، وهو حاضرٌ (٣). وقالت طائفةٌ: بل يزيد الشّوقُ بالقرب والوصول ولا يزول، لأنّه كان قبل الوصول على الخبر والعلم، وبعده قد صار على العيان والشُّهود. ولهذا قيل (٤):

стр. 1823

وأبرحُ ما يكون الشّوقُ يومًا ... إذا دَنَتِ الخيامُ من الخيام قال الجنيد: سمعت السَّرِيّ رحمهما الله يقول: الشّوق أجلُّ مقامٍ للعارف إذا تحقَّقَ فيه، وإذا تحقَّقَ في الشّوق لَهَا عن كلِّ شيءٍ يَشْغَلُه عمّن يشتاق إليه (١). وعلى هذا فأهل الجنّة دائمًا في الشوق (٢) إلى الله، مع قربِهم منه ورؤيتِهم له. قالوا: ومن الدّليل على أنّ الشّوق يكون حال اللِّقاء أعظم: أنَّك ترى المحبَّ يبكي عند لقاء محبوبه، وذلك البكاء إنّما هو من شدّة شوقه إليه ووَجْدِه (٣)، ولذلك يجد عند لقائه نوعًا من الشّوق لم يجدْه في حالِ غَيبته عنه. و فصلُ النِّزاع في هذه المسألة: أنّ الشّوق يُراد به حركة القلب واهتياجه للقاء المحبوب، فهذا يزول باللِّقاء. ولكن يعقبه شوقٌ آخر أعظم منه، تُثِيره حلاوة الوصل ومشاهدة جمال المحبوب، فهذا يزيد باللِّقاء والقرب ولا يزول. والعبارة عن هذا وجودُه، والإشارة إليه حصولُه. وبعضهم سمّى النّوع الأوّل شوقًا، والثّاني اشتياقًا. قال القشيريُّ (٤): سمعت الأستاذ أبا عليٍّ الدّقّاق ﵀ يُفرِّق بين

стр. 1824

الشّوق والاشتياق، ويقول: الشّوق يَسكُن باللِّقاء، والاشتياق لا يزول باللِّقاء. قال: وفي معناه أنشدوا (١): ما يَرجِع الطَّرْفُ عنه عندَ رؤيته ... حتّى يعود إليه الطَّرفُ مشتاقَا وقال النّصراباذيُّ ﵀: للخلْقِ كلِّهم مقامُ الشّوق، وليس لهم مقامُ الاشتياق. ومن دخل في حال الاشتياق هَامَ فيه حتّى لا يُرى فيه أثرٌ ولا قرارٌ (٢). قال الدّقّاق ﵀ في قول موسى: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه: ٨٤] قال: معناه: شوقًا إليك، فسَتَرَه بلفظ الرِّضا (٣). وقيل: إنّ أهل الشّوق إلى لقاء الله يَتَحسَّون حلاوةَ القرب عند وروده ــ لما قد كُشِفَ من رَوْحِ الوصول ــ أحلى من الشّهد (٤). فهم في سكراته في أعظم لذّةٍ وحلاوةٍ. وقيل: من اشتاق إلى الله اشتاق إليه كلُّ شيءٍ (٥).

стр. 1825

كما قال بعضهم: أنا أدخل السُّوقَ والأشياءُ تشتاقُ إليَّ، وأنا حُرٌّ (١) عن جميعها (٢). وفي مثل هذا قيل (٣): إذا اشْتاقتِ الخيلُ المناهلَ أعرضَتْ ... عن الماء فاشتاقَتْ إليها المناهِلُ وكانت عجوزٌ مُغْيِبَةٌ (٤)، فقدِمَ غائبُها من السّفر، ففرِحَ به أهلُه وأقاربه، وقعدتْ تبكي. فقيل لها: ما يُبكيكِ؟ فقالت: ذكَّرني قدومُ هذا الفتى يومَ القدومِ على الله (٥). يا مَن شَكا شوقَه من طولِ فُرقته ... اصبِرْ لعلَّكَ تَلقى مَن تُحِبُّ غدَا (٦) وقيل: خرج داود يومًا إلى الصّحراء منفردًا، فأوحى الله إليه: ما لي أراك منفردًا؟ فقال: إلهي استأثَرَ شوقي إلى لقائك على قلبي، فحالَ بيني وبين صحبة الخلق. فقال: ارجِعْ إليهم، فإنّك إن أتيتَني بعبد آبقٍ أَثبتُّكَ في اللّوح المحفوظ جِهْبِذًا (٧).
следующие страницы →