← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 199

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 526 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

الأمّة. فأراد أن يكون ذلك الجزء مضافًا إلى ما له من الشّوق الذي يختصُّ به. فصل و الشّوق أثرٌ من آثار المحبّة ، وحكمٌ من أحكامها. فإنّه سفرُ القلب إلى المحبوب في كلِّ حالٍ. وقيل: هو اهتياجُ القلوب إلى لقاء المحبوب (١). وقيل: هو احتراقُ الأحشاء، وتلهُّبُ القلوب، وتقطُّعُ الأكباد. والمحبّة أعلى منه، لأنّ الشّوق عنها يتولّد (٢)، وعلى قَدْرِها يقوى ويضعُف. قال يحيى بن معاذٍ ﵀: علامةُ الشّوق فِطام الجوارحِ عن الشّهوات (٣). وقال أبو عثمان ﵀: علامته حبُّ القرب مع الرّاحة والعافية (٤)، كحال يوسف لمّا أُلقي في الجُبِّ لم يقلْ: «تَوَفَّني»، ولمّا أُدخِل السِّجن لم يقل: «تَوفَّني»، ولمّا تَمَّ له الأمر والنِّعمة قال: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ [يوسف: ١٠١]. قال ابن خَفيفٍ ﵀: الشّوق ارتياحُ القلوب بالوجد، ومحبّة اللِّقاء والقرب (٥).

стр. 1822

وقيل: هو لهيبٌ ينشأ بين أثناء الحشا، يَسنَحُ عن الفرقة. فإذا وقع اللِّقاء طَفِئَ (١). قلت: هذه مسألة نزاعٍ بين المحبِّين، وهي أنّ الشّوق هل يزول باللِّقاء أم لا (٢)؟ ولا يختلفون أنّ المحبّة لا تزول. فمنهم من قال: يزول باللِّقاء، لأنّ الشّوق هو سفَرُ القلب إلى محبوبه، فإذا قدِمَ عليه ووصلَ إليه صار مكانَ الشّوق قرّةُ عينه به، وهذه القُرَّة تجامع المحبّةَ ولا تنافيها. قال هؤلاء: وإذا كان الغالب على القلب مشاهدة المحبوب لم يَطْرُقْه الشّوق. وقيل لبعضهم: هل تشتاق إليه؟ فقال: لا، إنّما الشّوقُ إلى غائبٍ، وهو حاضرٌ (٣). وقالت طائفةٌ: بل يزيد الشّوقُ بالقرب والوصول ولا يزول، لأنّه كان قبل الوصول على الخبر والعلم، وبعده قد صار على العيان والشُّهود. ولهذا قيل (٤):

стр. 1823

وأبرحُ ما يكون الشّوقُ يومًا ... إذا دَنَتِ الخيامُ من الخيام قال الجنيد: سمعت السَّرِيّ رحمهما الله يقول: الشّوق أجلُّ مقامٍ للعارف إذا تحقَّقَ فيه، وإذا تحقَّقَ في الشّوق لَهَا عن كلِّ شيءٍ يَشْغَلُه عمّن يشتاق إليه (١). وعلى هذا فأهل الجنّة دائمًا في الشوق (٢) إلى الله، مع قربِهم منه ورؤيتِهم له. قالوا: ومن الدّليل على أنّ الشّوق يكون حال اللِّقاء أعظم: أنَّك ترى المحبَّ يبكي عند لقاء محبوبه، وذلك البكاء إنّما هو من شدّة شوقه إليه ووَجْدِه (٣)، ولذلك يجد عند لقائه نوعًا من الشّوق لم يجدْه في حالِ غَيبته عنه. و فصلُ النِّزاع في هذه المسألة: أنّ الشّوق يُراد به حركة القلب واهتياجه للقاء المحبوب، فهذا يزول باللِّقاء. ولكن يعقبه شوقٌ آخر أعظم منه، تُثِيره حلاوة الوصل ومشاهدة جمال المحبوب، فهذا يزيد باللِّقاء والقرب ولا يزول. والعبارة عن هذا وجودُه، والإشارة إليه حصولُه. وبعضهم سمّى النّوع الأوّل شوقًا، والثّاني اشتياقًا. قال القشيريُّ (٤): سمعت الأستاذ أبا عليٍّ الدّقّاق ﵀ يُفرِّق بين

стр. 1824

الشّوق والاشتياق، ويقول: الشّوق يَسكُن باللِّقاء، والاشتياق لا يزول باللِّقاء. قال: وفي معناه أنشدوا (١): ما يَرجِع الطَّرْفُ عنه عندَ رؤيته ... حتّى يعود إليه الطَّرفُ مشتاقَا وقال النّصراباذيُّ ﵀: للخلْقِ كلِّهم مقامُ الشّوق، وليس لهم مقامُ الاشتياق. ومن دخل في حال الاشتياق هَامَ فيه حتّى لا يُرى فيه أثرٌ ولا قرارٌ (٢). قال الدّقّاق ﵀ في قول موسى: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه: ٨٤] قال: معناه: شوقًا إليك، فسَتَرَه بلفظ الرِّضا (٣). وقيل: إنّ أهل الشّوق إلى لقاء الله يَتَحسَّون حلاوةَ القرب عند وروده ــ لما قد كُشِفَ من رَوْحِ الوصول ــ أحلى من الشّهد (٤). فهم في سكراته في أعظم لذّةٍ وحلاوةٍ. وقيل: من اشتاق إلى الله اشتاق إليه كلُّ شيءٍ (٥).

стр. 1825

كما قال بعضهم: أنا أدخل السُّوقَ والأشياءُ تشتاقُ إليَّ، وأنا حُرٌّ (١) عن جميعها (٢). وفي مثل هذا قيل (٣): إذا اشْتاقتِ الخيلُ المناهلَ أعرضَتْ ... عن الماء فاشتاقَتْ إليها المناهِلُ وكانت عجوزٌ مُغْيِبَةٌ (٤)، فقدِمَ غائبُها من السّفر، ففرِحَ به أهلُه وأقاربه، وقعدتْ تبكي. فقيل لها: ما يُبكيكِ؟ فقالت: ذكَّرني قدومُ هذا الفتى يومَ القدومِ على الله (٥). يا مَن شَكا شوقَه من طولِ فُرقته ... اصبِرْ لعلَّكَ تَلقى مَن تُحِبُّ غدَا (٦) وقيل: خرج داود يومًا إلى الصّحراء منفردًا، فأوحى الله إليه: ما لي أراك منفردًا؟ فقال: إلهي استأثَرَ شوقي إلى لقائك على قلبي، فحالَ بيني وبين صحبة الخلق. فقال: ارجِعْ إليهم، فإنّك إن أتيتَني بعبد آبقٍ أَثبتُّكَ في اللّوح المحفوظ جِهْبِذًا (٧).

стр. 1826

فصل قال صاحب «المنازل» ﵀ (١): (الشّوق: هُبوبُ القلب إلى غائبٍ. وفي مذهب هذه الطّائفة: علّة الشّوق عظيمةٌ، فإنّ الشّوق إنّما يكون إلى الغائب، ومذهب هذه الطّائفة إنّما قام على المشاهدة، ولهذه العلّة لم ينطق القرآنُ باسمه). قلت: هوصدَّر الباب بقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ٥]، جعل (٢) الرّجاء شوقًا بلسان الاعتبار لا بلسان التّفسير، وأنّ دلالة الرّجاء على الشّوق باللُّزوم، لا بالتّضمُّن ولا بالمطابقة. قوله: (هبوب القلب إلى غائبٍ)، يعني: سفره إليه، وهُوِيَّه إليه. وأمّا العلّة التي ذكرها في الشّوق فقد تقدّم أنّ من النّاس من جعل الشّوق في حال اللِّقاء أكملَ منه في حال المَغِيب، فعلى قول هؤلاء (٣) لا علّةَ فيه. وأمّا من جعلَه سفرَ القلب إلى المحبوب في حال غيبته عنه، فعلى قوله يجيء كلام المصنِّف ﵀. ووجهه مفهومٌ. (فإنّ مذهب هذه الطّائفة) ــ يريد أهل الفناء ــ (إنّما قام على المشاهدة)، فإنّ بدايته ــ كما قرَّره هو ــ المحبّة التي هي نهاية مقامات المريدين، والفناء إنّما يكون مع المشاهدة، ومع المشاهدة (٤) لا عملَ للشّوق.

стр. 1827

فيقال: هذا باطلٌ من وجوهٍ (١): أحدها: أنّ المشاهدة لا تُزِيل الشّوق بل تزيده، كما تقدّم. الثّاني: أنّه لا مشاهدةَ أكملُ من مشاهدة أهل الجنّة ، وهم إلى يوم المزيد ــ وهو يوم الجمعة ــ أشوقُ شيءٍ، كما في الحديث (٢). وكذلك هم أشوقُ إلى رؤيته وسماع كلامه وهم في الجنّة، فإنّ هذا إنّما يحصل لهم في حالٍ دون حالٍ، كما في حديث ابن عمر في «المسند» (٣) وغيره: «إنّ أعلى أهل الجنّة: من ينظر في وجه ربِّه كلّ يومٍ مرّتين». ومعلومٌ قطعًا أنّ شوق هذا إلى الرُّؤية (٤) قبل حصولها أعظم شوقٍ يُقدَّر، وحصول المشاهدة لأهل الجنّة

стр. 1828

أتمُّ منها لأهل الدُّنيا. الثّالث: أنّه لا سبيلَ في الدُّنيا إلى مشاهدةٍ تُزِيل الشّوقَ البتّةَ. ومن ادّعى هذا فقد كذب، فإنّه لم يحصل هذا لموسى بن عمران كليم الرّحمن فضلًا عمّن دونه. فما هذه المشاهدة التي مذهب هذه الطّائفة مبنيٌّ عليها بحيث لا يكون معها شوقٌ؟ أهي كمال المشاهدة عيانًا وجهرةً؟ سبحانك هذا بهتانٌ عظيمٌ. أم نوعٌ من مشاهدة القلب لمعروفه، مع اقترانها بالحجب الكثيرة التي لا يُحصيها إلّا الله؟ فهل تمنع هذه المشاهدة الشّوقَ إلى كمالها وتمامها؟ وهل الأمر إلّا بالعكس في العقل والفطرة والحقيقة، لأنّ من شاهد محبوبه من بعض الوجوه كان شوقه إلى كمال مشاهدته أشدَّ وأعظم، وتكون تلك المشاهدة الجزئيّة سببًا لاشتياقه إلى كمالها وتمامها، فأين العلّة في الشّوق؟ وأين المشاهدة المانعة من الشّوق؟ وهذا بحمد الله ظاهرٌ. فصل قال (١): (وهو على ثلاث درجاتٍ. الدّرجة الأولى: شوق العابد إلى الجنّة، ليأمنَ الخائفُ، ويفرحَ الحزين، ويَظْفَر الآمل). يعني: شوق العابد إلى الجنّة فيه هذه الحِكَم الثّلاث: أحدها: حصول الأمن الباعث على العمل، فإنّ الخوف المجرّد عن الأمن من كلِّ وجهٍ لا ينبعث صاحبه لعملٍ البتّةَ إن لم يقارِنْه أمنٌ، فإن تجرّد عنه قُطِع، وصار قنوطًا.

стр. 1829

الثّاني: فرحُ الحزين، فإنّ الحزن المجرّد أيضًا إن لم يقترن به الفرح قتلَ صاحبَه، فلولا روح الفرح لتعطّلتْ قُوى الحزين وقعدَ به حزنُه، ولكن إذا قعد به الحزن قام به روح الفرح. الثّالث: روحُ الظَّفر، فإنّ الآمل إن لم يصحبْه روحُ الظَّفر مات أملُه. فصل قال (١): (الدّرجة الثّانية: شوقٌ إلى الله ، زَرَعَه الحبُّ الذي ينبت على حافَاتِ المِنَن، فعَلِقَ قلبه بصفاته المقدّسة، فاشتاق إلى معاينة لطائفِ كرمه، وآياتِ برِّه، وأعلامِ فضله. وهذا شوقٌ تَغْشَاه (٢) المبارُّ، وتُخالِجُه المَسارُّ، ويُقاوِمه الاصطبار). الشّوق إلى الله لا يُنافي الشّوقَ إلى الجنّة، فإنّ أطيبَ ما في الجنّة قربُه ورؤيته وسماعُ كلامه ورضاه. نعم، الشّوق إلى مجرّد الأكل والشُّرب والحور العين في الجنّة ناقصٌ جدًّا، بالنِّسبة إلى شوق المحبِّين إلى الله تعالى، بل لا نسبةَ له إليه البتّةَ. وهذا الشّوق درجتان: إحداهما: شوقٌ زرعَه الحبُّ الذي سببه الإحسان والمِنّة، وهو الذي قال: «ينبتُ على حافَات المِنن». فسببه مطالعة منّة الله وإحسانه ونعمه. وقد تقدّم بيان ذلك في منزلة المحبّة وتبيّن أنّ محبّة الأسماء والصِّفات أكمل وأقوى من محبّة الإحسان والآلاء.

стр. 1830

وفي قوله: (ينبت على حافات المنن) أي جوانبه: إشارةٌ إلى عدم تمكُّنها وقوّتها، وأنّها من نباتِ الحافات التي هي جوانب (١) المنن، لا من نبات الأسماء والصِّفات. قوله: (فعلق قلبه بصفاته المقدّسة)، يعني الصِّفات المختصّة بالمِنَن والإحسان: كالبَرِّ، والمحسن، والجواد، والمعطي، والغفور، ونحوها. وقوله: (المقدّسة)، يعني المطهَّرة المنزَّهة عن تأويل المحرِّفين وتشبيه الممثِّلين. وإنّما قلنا: إنّ مراده هذه الصِّفات الخاصّة لوجهين: أحدهما: أنّ تعلُّق القلب بالصِّفات العامّة إنّما يكون في الدّرجة الثّالثة. الثّاني: أنّه جعل ثمرة هذا التّعلُّق شوقَ العبد إلى معاينة لطائف كرم الرّبِّ ومننه وإحسانه وآيات برِّه, وهي علامات بِرِّه بالعبد وإحسانه إليه، وكذلك أعلام فضله، وهو ما يُفضِّله به على غيره. وقوله: (وهذا شوقٌ تَغْشاه المَبارُّ)، يعني: أنّه شوقٌ معلولٌ، ليس خالصًا لذات المحبوب. بل لِما ينال منه من المَبارِّ، فقد غَشِيَتْه ــ أي أدركتْه ــ المَبارُّ. وقوله: (وتُخالجه المَسارُّ)، أي تُجاذبه، فإنّ المخالجة هي المجاذبة، فإذا خالط هذا الشّوق الفرح كان ممزوجًا بنوعٍ من الحظِّ. وقوله: (ويُقاومه الاصطبار)، أي أنّ صاحبه يقوى على الصّبر، فيقاوم صبره شوقه (٢) ولا يغلب، بخلاف الشّوق في الدّرجة الثّالثة.

стр. 1831

فصل قال (١): (الدّرجة الثّالثة: نارٌ أضرمَها صفوُ المحبّة، فنغَّصَتِ العيشَ، وسَلَبت السُّلوةَ، ولم يُنهنِهْها مَقَرٌّ (٢) دون اللِّقاء). يريد: أنّ الشّوق في هذه المرتبة شبيهُ النّار التي أضرَمَها صفْوُ المحبّة، وهو خالصها. وشَبَّه (٣) بالنّار لالتهابه في الأحشاء. وفي قوله: (صفو المحبّة) إشارةٌ إلى أنّها محبّةٌ لم تكن لأجل المنّة والنِّعم, ولكن محبّةٌ متعلِّقةٌ بالذّات والصِّفات. قوله: (فنَغَّصتِ العيشَ) , أي منعتْ صاحبَها السُّكونَ إلى لذيذ العيش. والتّنغيص قريبٌ من التّكدير. وقوله: (وسَلبتِ السُّلوة)، أي نَهَبتِ السُّلوّ وأخذتْه قهرًا. والسُّلوة هي الخلاص من كَرْبِ المحبّة, وإلقاءُ حِمْلِها عن الظّهر, والإعراضُ عن المحبوب تناسيًا. وقوله: (لم يُنَهنِهْها مَقَرٌّ دون اللِّقاء) , أي لم يَكُفَّها ويردَّها قرارٌ دون لقاء المحبوب. وهذه لا يُقاومها الاصطبار, لأنّه لا يَكُفُّها دون لقاء من يحبُّ قرارٌ. فصل وقد يقوى هذا الشّوق، ويتجرّد عن الصّبر, فيُسمّى قَلَقًا. وبذلك سمّاه

стр. 1832

صاحب «المنازل»، واستشهد عليه بقوله ــ حاكيًا عن كليمه موسى ــ: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه: ٨٤]. فكأنّه فَهِم أنّ عَجَلَتَه إنّما حملَه عليها القلقُ، وهو تجريد الشّوق للقائه وميعاده. وظاهر الآية: أنّ الحامل لموسى على العجلة طلبُ رضا ربِّه، وأنّ رضاه في المبادرة إلى أوامره، والعجلة إليها. ولهذا احتجّ السّلف بهذه الآية على أنّ الصّلاة في أوّل الوقت أفضل، سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يذكر ذلك (١)، قال: لأنّ رضا الرّبِّ في العجلة إلى أوامره. ثمّ حدَّه صاحب «المنازل» ﵀ بأنّه «تجريد الشّوق بإسقاط الصّبر» (٢)، أي تخليصه من كلِّ شائبةٍ بحيث يسقط معه الصّبر، فإن قارَنَه اصطبارٌ فهو شوقٌ. ثمّ قال (٣): (وهو على ثلاث درجاتٍ، الدّرجة الأولى: قلقٌ يُضَيِّق الخُلقَ ، ويُبغِّض الخَلْق، ويُلذِّذ الموتَ). يعني: يضيق خُلق صاحبه عن احتمال الأغيار، فلا يبقي فيه اتِّساعٌ لحملهم، فضلًا عن تقييدهم له، وتعوقه بأنفاسهم. و (يُبغِّض الخَلق)، يعني: لا شيء (٤) أبغضُ إلى صاحبه من اجتماعه بالخلق، لِما في ذلك من التّنافر بين حاله وبين خُلطتِهم.

стр. 1833

وحدّثني بعض أقارب شيخ الإسلام ابن تيمية (١) ﵀ قال: كان في بداية أمره يخرج أحيانًا إلى الصّحراء يخلو عن النّاس، لقوّة ما يَرِد عليه. فتبعتُه يومًا، فلمّا أصْحَرَ (٢) تنفَّسَ الصُّعَداء، ثمّ جعل يتمثّل بقول الشّاعر: وأخرجُ من بين البيوتِ لعلَّني ... أُحدِّث عنك النّفسَ بالسِّرِّ خاليَا وصاحب هذه الحال إن لم يَرُدَّه الله سبحانه إلى الخَلْق بتثبيتٍ وقوّةٍ، وإلّا فإنّه لا صبرَ له على مخالطتهم. وقوله: (ويُلذِّذ (٣) الموتَ)، فإنّ صاحبه يرجو فيه لقاء محبوبه، فإذا ذكر الموت التذَّ به، كما يلتذُّ المسافر بتذكُّر قدومه على أهله وأحبابه. فصل قال (٤): (الدّرجة الثّانية: قلقٌ يُغالِبُ العقل ، ويُخْلِي السَّمع، ويُطاوِل الطّاقةَ). أي يكاد يَقْهَر العقلَ ويغلبه، فهو والعقل تارةً وتارةً، ولكن لمّا لم يصل إلى درجة الشُّهود لم يَصطلِمْه، فإنّ العقل لا يصطلمه إلّا الشُّهود، ولذلك قال: يُغالب، ولم يقل: يَغلب.

стр. 1834

وأمّا إخلاؤه للسّمع فهو يتضمّن إخلاءه من شيءٍ، وإخلاءه لشيءٍ (١). فيُخلِيه من استماعه ذِكْرَ الغير، ويُخلِيه لاستماعه أوصافَ المحبوب وذكْرَه وحديثَه. وقد يقوى إلى أن يبعد بين قلب صاحبه وبين إدراك الحواسِّ؛ لانقهار الحسِّ لسلطان القلَق. وقوله: (ويُطاوِل الطّاقة) يعني: يُصابرها ويقاومها، فلا تَقدر طاقةُ الاصطبار على دفعه وردِّه. فصل قال (٢): (الدّرجة الثّالثة: قلقٌ لا يرحم أبدًا ، ولا يقبل أمدًا، ولا يُبقِي أحدًا). يريد: أنّ هذا القلق له القهر والغلبة، لأنّه ربّما كان عن شهودٍ، فإذا عَلِقَ بالقلب لم يبقَ عليه حتّى يُلقِيَه في فناء الشُّهود. (ولا يقبل أمدًا)، أي لا يقبل حدًّا ومقدارًا يقف عنده وينقضي به، كما ينقضي ذو الأمد، فإنّه حاكمٌ غير محكومٍ عليه، مالكٌ للقلب غير مملوكٍ له. (ولا يُبقي أحدًا)، أي (٣) يُلقي صاحبَه في الشُّهود الذي تفنى فيه الرُّسوم وتضمحلُّ، فلا يُبقِي معه على أحدٍ رسمَه حتّى (٤) يفنِيه. * * * *

стр. 1835

فصل ثمّ يقوى هذا القلقُ ويتزايد حتّى يُورث القلبَ حالةً شبيهةً بشدّة ظمإ الصَّادي الحرَّان إلى الماء، وهذه الحالة هي التي يُسمِّيها صاحب «المنازل» (١) العطش، واستشهد عليه بقوله تعالى عن الخليل: ﴿(٧٥) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٦]. كأنّه أخذ من إشارة الآية: أنّه لشدّة عطَشِه إلى لقاء محبوبه لمّا رأى الكوكبَ قال: هذا ربِّي، فإنّ العطشان إذا رأى السَّراب ذكَّره الماء، فاشتدَّ عطشُه إليه. وهذا ليس معنى الآية قطعًا، وإنّما القوم مُولَعون بالتعلُّق بالإشارات. وإلّا فالآية قد قيل (٢): إنّها على تقدير الاستفهام، أي أهذا ربِّي؟ وليس بشيءٍ. وقيل: إنّها على وجه إقامة الحجّة على قومه، فتصوَّرَ بصورة الموافق ليكون أدعى إلى القبول، ثمّ توسَّلَ بصورة الموافقة إلى إعلامهم بأنّه لا يجوز أن يكون المعبود ناقصًا آفلًا، فإنّ المعبود الحقّ لا يجوز أن يَغيب عن عابديه وخَلْقِه ويأفِل عنهم، فإنّ ذلك مُنافٍ لربوبيّته لهم. أو أنّه انتقل في مراتب الاستدلال على المعبود حتّى أوصلَه الدّليلُ إلى الذي فطر السّماوات والأرض، فوجَّه إليه وجهَه حنيفًا موحِّدًا، مُقبِلًا عليه، مُعرِضًا عمّا سواه.

стр. 1836

فصل قال (١): (العطش: كنايةٌ عن غلبةِ وَلُوعٍ بمأمولٍ). الوَلُوع بالشّيء: هو التّعلُّق به بصفة المحبّة، مع أمل الوصول إليه. وقيل في حدِّ الوَلُوع (٢): إنّه كثرة ترداد القلب إلى الشّيء المحبوب. كما يقال: فلانٌ مُولَعٌ بكذا، وقد وَلِعَ به. وقيل: هو لزوم القلب للشّيء، فكأنّه مثل: أُغرِيَ به فهو مُغْرًى. قال (٣): (وهو على ثلاث درجاتٍ. الأولى: عطشُ المريدِ إلى شاهدٍ يَرْوِيه, أو إشارةٍ تَشْفِيه, أو عَطْفةٍ تُروِيْه). ولمّا كان المريد من أهل طلب الشّواهد، والشاهد محلُّ (٤) الاعتبار، ومثير العزمات، وتعلُّق العُبّاد بالأعمال. وقوله: (شاهد يرويه)، يحتمل أنّه من الرِّواية، أي يرويه عمّن أقامه له، فيكون ذلك إشارةً إلى شواهد العلم، فهو شديد العطش إلى شواهدَ يَرويها عن الصّادقين من أهل السُّلوك، يزداد بها تثبُّتًا وقوّةً وبصيرةً. فإنّ المريد إذا تجدّدتْ له حالةٌ أو حصلَ له واردٌ استوحشَ من تفرُّدِه بها، فإذا قام عنده

стр. 1837

بمثلها شاهدُ حالٍ لمريدٍ آخر صادقٍ قد سبقه إليها استأنس بها أعظمَ استئناسٍ، واستدلَّ بشاهدِ ذلك المريد على صحّة شاهده، فلذلك يشتدُّ عطشُه إلى شاهدٍ يَرويه عن الصّادقين. ويحتمل أنّه من الرِّيِّ، فيكون مضموم الياء، إذا حصل له الرِّيُّ بذلك الشّاهد، ونزلَ على قلبه منزلةَ الماء البارد من الظّمآن، فقرَّتْ عنده صحّتُه، وأنّه شاهد حقٍّ. ويُرجِّح هذا ذكْرُ الرّيِّ مع العطش، ويرجِّح الأوّل: ذِكره لفظةَ الرِّيِّ في قوله: «أو عطفةٍ ترويه»، والأمر قريبٌ. قوله: (أو إشارةٍ تَشفيه)، أي تَشفي قلبَه من علّةٍ عارضةٍ، فإذا وردتْ عليه الإشارة ــ إمّا من صادقٍ مثله، أو من عالمٍ، أو من شيخِ مسلكٍ، أو من آيةٍ فهِمَها، أو عبرةٍ ظفِرَ بها ــ اشتفى بها قلبه. وهذا معلومٌ عند من له ذوقٌ. قوله: (أو إلى عطفةٍ تُروِيه)، أي عطفةٍ من جانب محبوبه عليه، تُروِي لهيبَ عطشِه وتَرُدُّه، فلا شيء أروى لقلب المحبِّ من عطف محبوبه عليه، ولا شيء أشدُّ للهيبِه وحريقِه من إعراض محبوبه عنه. ولهذا كان عذابُ أهل النّار باحتجاب ربِّهم عنهم أشدَّ عليهم ممّا هم فيه من العذاب الجسمانيِّ، كما أنّ نعيم أهل الجنّة ــ برؤيته تعالى وسماع خطابه ورضاه وإقباله ــ أعظمُ من نعيمهم الجسمانيِّ. فصل قال (١): (الدّرجة الثّانية: عطشُ السّالك إلى أجلٍ يَطْوِيه، ويومٍ يُرِيه

стр. 1838

ما يُغنِيه، ومنزلٍ يستريحُ فيه). إمّا أن يريد بالأجل الذي يَطوِيه: انقضاء مدّة سجن القلب والرُّوح في البدن، حتّى تَصِلَ إلى ربِّها وتَلْقاه، وهذا هو الظّاهر من كلامه. وإمّا أن يريد به: عطشه إلى مقصود السُّلوك من وصوله إلى محبوبه وقُرّة عينه وجمعيّته عليه، فهو يَطوِي مراحلَ سيره حثيثًا ليصل إلى هذا المقصود، وحينئذٍ يعود له سيرٌ آخر وراء هذا السّير مع عدم مفارقته له، فإنّه إنّما وصل به، فلو فارقَه لانقطع انقطاعًا كلِّيًّا. ولكن يبقى له سيرٌ، وهو مستلقٍ على ظهره، يَسبِق به السُّعاةَ. ويُرجِّح هذا المعنى الثّاني: أنّ المريد الصّادق لا يحبُّ الخروج من الدُّنيا حتّى يقضيَ نَحْبَه، لعلمه أنّه لا سبيل له إلى انقضائه في غير هذه الدّار، فإذا علم أنّه قد قضى نَحْبه أحبّ حينئذٍ الخروجَ منها. ولكن لا يقضي العبدُ نَحْبه حتّى يُوفِّي ما عليه. والنّاس ثلاثةٌ: مُوفٍّ قد قضى نَحْبه، ومنتظرٌ للوفاء ساعٍ فيه حريصٌ عليه، ومُفرِّطٌ في وفاء ما عليه من الحقوق. والله المستعان. قوله: (ويومٍ يُرِيه ما يُغنِيه)، أي يومٍ يرى فيه ما يُغنِي قلبَه ويَسُدُّ فاقتَه، من قُرّة عينه بمطلوبه ومراده. وقوله: (ومنزلٍ يَستريحُ فيه)، أي منزلٍ من منازل السّير، ومقامٍ من مقامات الصّادقين، يستريح فيه قلبه، ويسكن فيه، ويخلُص من تلوُّنِ الأحوال عليه. فإنّ المقامات منازل، والأحوال مراحل، فصاحب الحال شديد العطش إلى مقامٍ يستقرُّ فيه ويَنزِله.

стр. 1839

فصل قال (١): (الدّرجة الثّالثة: عطش المحبِّ إلى جَلْوةٍ، ما دونها سحابُ علّةٍ، ولا يُغطِّيها حجابُ تفرقةٍ، ولا يُعرِّج دونها على انتظارٍ). عطشُ المحبِّ فوق عطش المريد والسّالك، وإن كان كلُّ محبٍّ سالكًا، وكلُّ مريدٍ سالكًا، وكلُّ سالكٍ ومريدٍ محبٌّ. لكن خُصَّ المحبُّ بهذا الاسم لتمكُّنه من المحبّة، ورسوخِ قلبه فيها. والمريد والسّالك يُشمِّران إلى علمه الذي رُفِع إليه (٢) ووصل إليه. ولذلك جعل الأولى لأهل البدايات، والثّانية للمتوسِّطين، والثّالثة: لأهل النِّهايات. قوله: (عطشُ المحبِّ إلى جلوةٍ ما دونها سحابٌ). يريد بالجلوة: استجلاء القلب لصفات المحبوب ومحاسنه، وانكشافها له. وقوله: (ما دونها سحابٌ)، أي لا يسترها شيءٌ من سُحُب النّفس، وهي سُحُب العلل التي هي بقايا في العبد، تحول بينه وبين استجلائه صفاتِ محبوبه وتَعُوقُه عنه. فمهما بقي في العبد بقيّةٌ (٣) من نفسه فهي سحابٌ وغَيْمٌ ساترٌ على قدره، فكثيفٌ ورقيقٌ وبينَ بينَ.

стр. 1840

قوله: (ولا يُغطِّيها حجابٌ)، الحجب (١) في لسان الطّائفة: النّفس وصفاتها وأحكامها، وهم مُجمِعون على أنّ النّفس من أعظم الحجب، بل هي الحجاب الأكبر، فإنّ حجاب الرّبِّ سبحانه عن ذاته هو النُّور، لو كشَفَه لأحرقَتْ سُبُحات وجهِه ما انتهى إليه بصرُه من خَلْقه (٢) وحجابه من عبده هو نفسه وظلمته، فلو كُشِف عنه هذا الحجاب لوصلَ إلى ربِّه. والوصول عند القوم عبارةٌ عن ارتفاع هذا الحجاب وزواله. فالحجاب الذي يَشتدُّ على المحبِّ، ويشتدُّ عطشُه إلى زواله: هو حجاب الظُّلمة والنّفس، وهو الحجاب الذي بينه هو وبين الله. وأمّا الحجاب الذي بين الله وبين خلقه هو حجاب النُّور، فلا سبيلَ إلى كشفه في هذا العالم البتّةَ، ولا يطمعُ في ذلك بشرٌ، ولم يُكلِّم الله بشرًا إلّا من وراء حجابٍ. وهذا الحجاب كاشفٌ للعبد، مُوصِلٌ له إلى مقام الإحسان الذي يُعبِّر عنه القوم بمقام المشاهدة. والأوّل ساترٌ للعبد، قاطعٌ له، حائلٌ بينه وبين الإحسان وحقيقة الإيمان. والتّفرقة كلُّها عندهم حُجُبٌ، إلّا تفرقةً في الله وبالله ولله، فإنّها لا تَحجُب العبدَ عنه، بل تُوصِلُه إليه. فلذلك قال: (ولا يُغطِّيها حجابُ تفرقةٍ)، فإنّ التّفرقة إنّما تكون حجابًا إذا كانت بالنّفس ولها. قوله: (ولا يُعرِّج دونها على انتظارٍ)، يعني: لا يُعرِّج المُشاهِدُ لما يشاهده على انتظار أمرٍ آخر وراءها، كما يُعرِّج المحبُّ المحجوبُ على

стр. 1841

انتظار زوال حجابه. والمراد: أنّه حصل له مشهدٌ تامٌّ، لا يبقى له بعده ما ينتظره. وهذا عندي وهمٌ بيِّنٌ، فإنّه لا غايةَ لجمال المحبوب وكمال صفاته، بحيث يصل المُشاهِد لها إلى حالةٍ لا ينتظر معها شيئًا آخر. وسنبيِّن ــ إن شاء الله ــ أنّه لا يصحُّ لأحدٍ في الدُّنيا مقامُ المشاهدة أبدًا ، وأنّ هذا من أوهام القوم وتُرَّهاتِهم، وإنّما غاية ما يصل إليه العبد الشّواهدُ. ولا سبيلَ لأحدٍ قطُّ في الدُّنيا إلى مشاهدة الحقِّ, وإنّما وصوله إلى شواهد الحقِّ. ومن زعم غيرَ هذا فلغلبة الوهم عليه، وحُسنِ ظنِّه بتُرَّهات القوم وخيالاتهم. ولله دَرُّ الشِّبليِّ حيث سئل عن المشاهدة، فقال: من أين لنا مشاهدةُ الحقِّ؟ لنا شاهد الحقِّ (١). هذا، وهو صاحب الشَّطحات المعروفة، وهذا من أحسن كلامه وأَمتنِه. وأراد بشاهد الحقِّ ما يَغلِب على القلوب الصّادقة العارفة: من ذِكْره ومحبّته وإجلاله وتعظيمه ووقاره، بحيث يكون ذلك حاضرًا فيها، مشهودًا بها (٢)، غير غائبٍ عنها. ومن أشار إلى غير ذلك فمغرورٌ مخدوعٌ، وغايته أن يكون في خَفارةِ صدقه، وضَعفِ تمييزه وعلمه. ولا ريبَ أنّ القلوب تشاهد أنوارًا بحسب استعدادها، تَقوى تارةً، وتَضعُف أخرى. ولكنّ تلك أنوار الأعمال والإيمان والمعارف، وصفاء

стр. 1842

البواطن والأسرار، لا أنّها أنوار الذّات المقدّسة. فإنّ الجبل لم يثبتْ لليسير من ذلك النُّور حتّى تدكدكَ، وخَرَّ الكليم صَعِقًا مع عدم تجلِّيه له. فما الظّنُّ بغيره؟ فإيّاك ثمّ إيّاك وتُرَّهاتِ القوم وخيالاتهم وأوهامَهم, فإنّها عند العارفين أعظمُ من حجاب النّفس وأحكامها, فإنّ المحجوب بنفسه معترفٌ بأنّه في ذُلِّ الحجاب. وصاحب هذه الخيالات والأوهام يرى أنّ الحقيقة قد تجلَّتْ له أنوارها. ولم يحصل ذلك لموسى بن عمران كليم الرّحمن، فحجاب هؤلاء أغلظُ بلا شكٍّ من حجاب أولئك. ولا يُقِرُّ لنا بهذا إلّا عارفٌ قد أشرقَ في باطنه نورُ المحمّديّة، فرأى ما النّاسُ فيه. وما أعزَّ ذلك في الدُّنيا! وما أغربَه بين الخلق! وبالله المستعان. فالصّادقون في أنوار معارفهم وعباداتهم وأحوالهم ليس إلَّا، وأنوارُ ذاتِ الرّبِّ ﵎ وراء ذلك كلِّه. وهذا الموضع من مَقاطعِ الطّريق، ولله كم زَلَّتْ فيه أقدامٌ! وضَلَّتْ فيه أفهامٌ! وحارتْ فيه أوهامٌ! ونجا منه صادقُ البصيرة، تامُّ المعرفة، علمه متّصلٌ بمشكاة النُّبوّة. وبالله التّوفيق. * * * *

стр. 1843

فصل ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ منزلة «الوجد» . ثبت في «الصّحيحين» (١) من حديث أنسٍ ﵁ عن النّبيِّ ﷺ أنّه قال: «ثلاثٌ من كُنّ فيه وَجدَ بهنّ حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه ممّا سواهما (٢)، وأن يُحِبَّ المرءَ لا يحبُّه إلّا لله، وأن يكرهَ أن يعودَ في الكفر بعدَ أن أنقذَه الله منه، كما يكره أن يُقذَفَ في النّار». وقد استشهد صاحب «المنازل» ﵀ بقوله تعالى في أهل الكهف: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ [الكهف: ١٤]. وهذا من أحسن الاستدلال والاستشهاد، فإنّ هؤلاء كانوا بين قومهم الكفّار في خدمة ملكهم الكافر، فما هو إلّا أن وجدوا حقيقةَ الإيمان والتوحيد، وذاقوا حلاوته، وباشَر قلوبَهم، فقاموا من بين قومهم، وقالوا: ﴿رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية. والرّبط على قلوبهم يتضمّن الشّدَّ عليها بالصّبر والتّثبيت، وتقويتَها وتأييدها بنور الإيمان، حتّى صبروا على هجران دار قومهم، ومفارقةِ ما كانوا فيه من خَفْضِ العيش، وفرُّوا بدينهم إلى الكهف. و الرّبط على القلب عكسُ الخِذلان، فالخذلان حلُّه من رِباط التّوفيق،

стр. 1844

فيغفُل عن ذكر ربِّه، ويتّبع هواه، ويصير أمره فُرُطًا. والرّبط على القلب شَدُّه برباط التّوفيق (١)، فيتّصلُ بذكر ربِّه، ويتّبع مرضاته، ويجتمع عليه شَمْلُه. فلهذا استشهد عليه بهذه الآية في مقام الوجد. والشّيخ ﵀ جعل مقام الوجد غير مقام الوجود كما سيأتي إن شاء الله تعالى، فإنّ الوجود عند القوم هو الظَّفر بحقيقة الشّيء. و «الوجد» هو ما يُصادف القلب ويَرِد عليه من واردات المحبّة والشّوق، والإجلال والتّعظيم، وتوابع ذلك. و «المواجيد» عندهم فوق الوجد، فإنّ الوجد مصادفةٌ، والمواجيد ثمراتُ الأوراد، وكلّما كثرت الأوراد قويت المواجيد. و «الوجود» عندهم فوق ذلك، وهو الظّفر بحقيقة المطلوب، ولا يكون إلّا بعد خمودِ البشريّة، وانسلاخِ أحكام النّفس انسلاخًا كلِّيًّا. قال الجنيد ﵀: علم التّوحيد مُبايِنٌ لوجوده، ووجودُه مُبايِنٌ لعلمه (٢). ولا يريد بالمباينة: المخالفة والمناقضة، فإنّه يطابقه مطابقةَ العلم للمعلوم. وإنّما يريد بالمباينة أنّ حالَ الموحِّد وذوقَه للتّوحيد وانصباغَ قلبه بحاله: أمرٌ وراء علمه به، ومعرفته به. والمباينة بينهما كالمباينة بين علم الشّوق والتّوكُّل والخوف ونحوها وبين حقائقها ومواجيدها. فالمراتب أربعةٌ: أضعفُها: التّواجد، وهو نوع تكلُّفٍ وتعمُّلٍ واستدعاءٍ. واختلفوا فيه: هل

стр. 1845

يُسلَّم لصاحبه أم لا؟ على قولين (١). فطائفةٌ قالت: لا يُسلَّم لصاحبه، ويُنكَر عليه لما فيه من التّكلُّف والتّصنُّع المباين لطريق الصّادقين. وبناء هذا الأمر على الصِّدق المحض. وطائفةٌ قالت: يُسلَّم لصاحبه إذا كان قصدُه استدعاء الحقيقة، لا التّشبُّه بأهلها. واحتجُّوا بقول عمر ﵁ وقد رأى رسول الله ﷺ وأبا بكرٍ يبكيان في شأن أُسارى بدرٍ، وما قبلوا منهم من الفداء: «أَخبِراني ما يُبكيكما؟ فإن وجدتُ بكاءً بكيتُ، وإلّا تباكيتُ» (٢). ورووا أثرًا: «ابْكُوا؛ فإن لم تَبكُوا فتَباكَوْا» (٣). قالوا: والتّكلُّف والتّعمُّل في أوائل السُّلوك والسّير لا بدَّ منه، إذ لا يُطالَب صاحبه بما يُطالَب به صاحب الحال، وتعمُّلُه بنيّة حصول الحقيقة لمن يرصد الوجد لا يُذَمُّ. و «التّواجد» يكون بما يتكلَّفه العبد من حركاتٍ ظاهرةٍ، و «المواجيد» لما يُنازِله من أحكامٍ باطنةٍ. المرتبة الثّانية: المواجيد، وهي نتائج الأوراد وثَمراتها. المرتبة الثّالثة: الوجد، وهو ثمرة أعمال القلوب من الحبِّ في الله

стр. 1846

والبغض فيه، كما جعله النّبيُّ ﷺ ثمرةَ كونِ الله ورسوله أحبَّ إلى العبد ممّا سواهما، وثمرةَ الحبِّ فيه وكراهةِ عوده في الكفر كما يكره أن يُقذَف في النّار. فهذا الوجد ثمرة هذه الأعمال القلبيّة، التي هي الحبُّ والبغض لله وفي الله. المرتبة الرّابعة: الوجود، وهي أعلى ذروة مقام الإحسان، فمن مقام الإحسان يرقى إليه. فإنّه إذا غلبَ على قلبه مشاهدةُ معبوده حتّى كأنّه يراه، وتمكَّن في ذلك= صار له ملكةً أخْمَدتْ (١) أحكامَ نفسه، وتَبدَّل بها أحكامًا أُخَر وطبيعةً ثانيةً، حتّى كأنّه أُنشِئ نشأةً أخرى غير نشأته الأولى، ووُلِد وِلادًا جديدًا. وممّا يُذكر عن المسيح ﵇ أنّه قال: يا بني إسرائيل، لن تَلِجُوا ملكوتَ السّماء حتّى تُولَدوا مرّتين (٢). سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يذكر ذلك، ويُفسِّره (٣) بأنّ الولادة نوعان، أحدهما: هذه المعروفة، والثّانية: ولادة القلب والرُّوح وخروجهما من مَشِيْمة النّفس وظُلمة الطّبع. قال: وهذه الولادة لمّا كانت بسبب الرّسول ﷺ كان كالأب للمؤمنين، وقد قرأ أبيُّ بن كعبٍ ﵁: (النّبيُّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أبٌ لهم) (٤).

стр. 1847

قال: ومعنى هذه القراءة في قوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦]، إذْ ثبوتُ أمومة أزواجه لهم فرعٌ على ثبوت أُبوَّته. قال (١): فالشّيخ والمعلِّم والمؤدِّب أبو الرُّوح، والوالد أب الجسم. ويقال في الحبِّ: وَجْدٌ، وفي الغضب: مَوجِدةٌ، وفي الظّفر: وجدانٌ ووجودٌ. فصل قال صاحب «المنازل» ﵀ (٢): (الوجد لهيبٌ يتأجَّجُ من شهودِ عارضٍ مُقْلِق). لمّا كان الوجود أعلى من الوجد جعل سبب الوجد شهودًا عارضًا، وجعل الوجود نفس الظَّفر بالشّيء، كما سيأتي. وإنّما أوجب اللهيبَ لأنّ صاحبه لمّا شهدَ محبوبَه أورثَه ذلك لهيبَ القلبِ إليه، ولمّا لم يظفر به أورثَه القلَق، فلذلك جعله لهيبًا مُقلِقًا. قال (٣): (وهو على ثلاث درجاتٍ. الدّرجة الأولى: وجدٌ عارضٌ ، يستفيق له شاهدُ السّمع، أو شاهدُ البصر، أو شاهدُ الفكر. أَبقى على صاحبه أثرًا أو لم يُبْقِ). قوله: (وجدٌ عارضٌ)، أي متجدِّدٌ ليس بلازمٍ.

стр. 1848

(يستفيق له شاهدُ السّمع)، أي يتنبَّه السّمع من سِنَتِه لوروده عليه. وهذا إذا كان المنبِّه له خطابًا من خارجٍ أو من نفسه. وأمّا (إفاقة شاهد البصر) فلِما يراه ويُعاينه من آيات الله، فينتقل منها إلى ما نصبتْ آيةً له وعليه. وأمّا (إفاقة شاهد الفكر) فيما يُفتَح له من المعاني التي أَوقعه عليها فِكْرُه وتأمُّلُه. وهذه الشّواهد الثّلاثة التي دعا الله سبحانه عباده إلى تبيُّنِها، والاستشهاد بها، وقبولِ الحقِّ الذي تشهد به، وترتيبِ حكم هذه الشّهادة عليها، من التّوحيد والإقرار والإيمان. قال تعالى: ﴿يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ [الحج: ٤٦]. وقال: ﴿(٦٧) أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا﴾ [المؤمنون: ٦٨]. وقال: ﴿(٢٣) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ﴾ [محمد: ٢٤]. وقال: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١]. وقال: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩١]. وقال: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الروم: ٨]. وقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]. والقرآن مملوءٌ من هذا. فإذا استفاقَ شاهدُ السّمع والبصر والفكر وجدَ القلبُ حلاوةَ المعرفة والإيمان، وخرج من جملة النِّيام والغافلين. قوله: (أبقى على صاحبه أثرًا أو لم يُبقِ)، يعني: أنّ ذلك الوجد العارض

стр. 1849

قد يُبقي على واجده أثرًا من أحكامه بعد مفارقته، وقد لا يُبقِي. والظّاهر: أنّه لا بدَّ أن يُبقِي أثرًا، لكن قد يخفى وينغمر بما يَعقُبه بعده ويَخلُفه من أضداده. فصل (الدّرجة الثّانية: وجدٌ تستفيق له الرُّوح بلَمْعِ نورٍ أزليٍّ، أو سماعِ نداءٍ أوّليٍّ، أو جذبٍ حقيقيٍّ. إن أبقى على صاحبه لباسَه، وإلّا أبقى عليه نورَه) (١). إنّما كان هذا الوجد أعلى من الوجد الأوّل، لأنّ محلَّ اليقَظةِ فيه هو الرُّوح، ومحلَّها في الأوّل السّمعُ والبصر والفكر. والرُّوح هي الحاملة للسّمع والبصر والفكر. وهذه أوصافٌ من صفاتها. وأيضًا فلِعُلُوِّ وجدِ الرُّوح سببٌ آخر، وهو علوُّ متعلَّقه، فإنّ متعلَّق وجْدِ السّمع والبصر والفكر: الآياتُ والبصائر، ومتعلَّق وجْدِ الرُّوح: تعلُّقها بالمحبوب لذاته. ولذلك جعل سببه «لَمْع نورٍ أزليٍّ»، يعني شهودها لَمْعَ نور الحقيقة الأزليِّ، وهذا الشُّهود لا حظَّ فيه للسّمع ولا للبصر ولا للفكر، بل تستنير به الأسماع والأبصار، لأنّ (٢) الرُّوح لمّا استنارت بهذه اليقظة والإفاقة أتمَّ استنارةٍ استنارتْ بنورها الأسماع والأبصار، لا سيّما وصاحبها في هذه الحال إنّما يسمع بالله ويبصر به. وإذا كان سمعه وبصره وبطشه بالله، فما الظّنُّ بحركة روحه وقلبه وأحكامها؟ قوله: (أو سَماع نداءٍ أوّليٍّ)، إن أراد به تعرُّفَ الحقِّ تعالى إلى عباده

стр. 1850

بواسطة الخطاب على ألسنة رسله ــ وهذا هو الخطاب الأوَّليّ ــ فصحيحٌ. وإن أراد به خطاب الملك له فليس بخطابٍ أوَّليٍّ. وإن أراد ما يسمعه في نفسه من الخطاب فهو خطابٌ وهميٌّ وإن ظنَّه أوَّليًّا، فإيّاك والأوهام والغرور. ونحن لا ننكر الوجود، ولا ندفع الشُّهود، وإنّ ما نتكلّم مع القوم في مرتبته ومَنْشَئه، ومن أين بدأ؟ وإلى من يعود؟ فلا ننكر واعظَ الله في قلب عبده المؤمن (١) الذي يأمره وينهاه، ولكن ذاك في قلب كلِّ مؤمنٍ جعله الله واعظًا له، يأمره وينهاه، ويناديه ويُحذِّره، ويُبشِّره وينذره. وهو الدّاعي الذي يدعو فوق الصِّراط. والدّاعي على رأس الصِّراط كتاب الله. كما في «المسند» والتِّرمذيِّ (٢) من حديث النّوّاس بن سَمْعان ﵁ عن النّبيِّ ﷺ قال: «ضربَ الله مثلًا: صراطًا مستقيمًا، وعلى جنبتَي الصِّراط سُورانِ، وفي السُّورين أبوابٌ مفتّحةٌ، وعلى الأبواب سُتورٌ مُرخاةٌ، وداعٍ يدعو على رأس الصِّراط، وداعٍ يدعو فوق الصِّراط. فالصِّراط المستقيم: الإسلام، والأبواب المفتّحة: محارم الله، فلا يقع أحدٌ في حدٍّ من حدود الله حتّى يكشف السِّتر. والدّاعي على رأس الصِّراط: كتاب الله. والدّاعي فوق الصِّراط: واعظُ الله في قلب كلِّ مؤمنٍ». فما ثَمَّ خطابٌ قطُّ إلّا من جهةٍ من هاتين: إمّا خطاب القرآن، وإمّا خطاب هذا الواعظ.

стр. 1851

ولكن لمّا كانت الرُّوح قد تتجرّد ويَقوى تعلُّقها بالحقِّ تعالى، ويَضعُف تعلُّقها بل يتلاشى بما سواه، وقد يقترن بذلك نوعُ غَيبةٍ عن (١) حسِّه، ويقوى داعي هذا الواعظ، ويستولي على قلبه وروحه، بحيث يمتلئ به، فتُؤدِّيه الرُّوح إلى الأذن، فيرجع من الأذن إليها, إذ هي مبدؤه, وإليها يعود، فيظنُّه خطابًا خارجيًّا. وينضاف إلى ذلك نوعٌ من ضعف العلم ومعرفة المراتب, فينشأ الغلط والوهم. قوله: (أو جذبٌ حقيقيٌّ) , يعني: أنّ من أسباب هذا الوجد (٢) جذبةً حقيقيّةً من جَذَبات الرّبِّ تعالى لعبده، استفاقتْ لها روحُه من منامها, وحَيِيَتْ بها بعد مماتها, واستنارتْ بها بعد ظلماتها. فالوجد خلعة هذه الجذبة. قوله: (إن أبقى على صاحبه لباسَه، وإلّا أبقى عليه نُورَه) , يريد بلباسه مقامه، يعني إن أبقى عليه تحقُّقَ مقامه فيه، وإلّا أبقى عليه أثره. فمقامُه يُورِثه عزًّا ومهابةً, وخلافةَ نبوّةٍ، ومنشورَ صدِّيقيّةٍ. وأثره يُورِثه حلاوةً وسكينةً، وأُنسًا في نفسه, وأُنسًا للقلوب به، وهوى الأفئدة إليه. فصل قال (٣): (الدّرجة الثّالثة: وجدٌ يَخطَفُ العبدَ من يد الكونين , ويُمحِّص معناه من دَرَنِ الحظِّ، ويَسلُبه من رِقِّ الماء والطِّين، إن سَلَبه أنساه اسمَه, وإن

стр. 1852

لم يَسلُبه أعاره رسمَه). قوله: (يَخْطَف العبدَ من يد الكونين) , أي يُغنيه عن شهود ما سوى الله من كونَي الدُّنيا والآخرة, فيختطفُ القلبَ من شهود هذا وهذا بشهود المُكوِّن. قوله: (ويُمحِّص معناه من دَرَنِ الحظِّ)، أي يُخلِّص عبوديَّته التي هي حقيقته وسِرُّه من وَسَخِ حظوظِ نفسه، وإراداتِها المزاحمةِ لمراد ربِّه منه. فإنّ تحقيق العبوديّة ــ التي هي معنى العبد ــ لا يكون إلّا بفقد النّفس الحاملة للحظوظ، فمتى فَقَدت حظوظَها تمحَّصتْ (١) عبوديّتُها، وكلّما مات منها حظٌّ حَيِيَ منها عبوديّةٌ ومعنًى، وكلّما حَيِيَ فيها حظٌّ ماتت منها عبوديّةٌ، حتّى يعود الأمر على نفسين وروحين وقلبين: قلبٌ حيٌّ وروحٌ حيّةٌ بموت نفسه وحظوظها، وقلبٌ ميِّتٌ وروحٌ ميِّتةٌ بحياة نفسه وحظوظه. وبين ذلك مراتبُ متفاوتةٌ في الصِّحّة والمرض وبينَ بينَ، لا يُحصيها إلّا الله. قوله: (ويسلُبه من رِقِّ الماء والطِّين)، أي يُعتِقه ويُحرِّره من رقِّ الطّبيعة والجسم المركّب من الماء والطِّين إلى رِقِّ ربِّ العالمين، فخادمُ الجسم الشّقيُّ بخدمته عبدُ الماء والطِّين، كما قيل (٢): يا خادمَ الجسمِ كَمْ تَشْقى بخدمتِه ... فأنت بالرُّوحِ لا بالجسمِ إنسانُ

стр. 1853

والنّاس في هذا المقام ثلاثةٌ: عبد محضٌ، وحرٌّ محضٌ، ومُكاتَبٌ قد أدّى بعض كتابته وهو يسعى في بقيّة الأداء. فالعبد المحض: عبدُ الماء والطِّين الذي قد استعبدتْه نفسُه وشهوتُه، وملكتْه وقهرتْه، فانقاد لها انقيادَ العبد إلى سيِّده الحاكم عليه. والحرُّ المحض: هو الذي قهر نفسَه وشهوتَه وملكَها، فانقادتْ معه، وذلَّتْ له، ودخلَتْ تحت رقِّه وحكمه. والمُكاتَب: من قد عقد له سبب الحرِّيّة، وهو يسعى في كمالها. فهو عبد من وجهٍ حرٌّ من وجهٍ، وللبقيّة التي بقيتْ عليه من الأداء كان عبدًا ما بقي عليه درهمٌ، فهو عبد ما بقي عليه حظٌّ من حظوظ نفسه. فالحرُّ من تخلَّص من رقِّ الماء والطِّين، وفاز بعبوديّة ربِّ العالمين، فاجتمعت له العبوديّة والحرِّيّة. فعبوديّته من كمال حرِّيّته، وحرِّيّته من كمال عبوديّته. قوله: (إن سلَبه أنساه اسمَه، وإن لم يسلُبه أعاره رسْمَه)، أي هذا الوجد إن سَلَب صاحبَه بالكلِّيّة فأفناه عنه وأخذَه منه= أنساه اسمَه، لأنّ الاسم تبعٌ للحقيقة، فإذا سلب الحقيقة نسي اسمها. وإن لم يسلبه بالكلِّيّة، بل أبقى منه (١) رسمًا، فهو مُعَارٌ عنده بصدد الاسترجاع، فإنَّ العواري يوشك أن تُستَردّ. يشير بالأوّل: إلى حالة الفناء الكامل، وبالثّاني: إلى حالة الغَيبة التي يؤوب غائبها. والله أعلم.

стр. 1854

فصل وقد يَعْرِض للسّالك دهشةٌ في حال سلوكه، شبيهةٌ بالبَهْتَة التي تحصل للعبد (١) عند مفاجأة رؤية محبوبه، وليست من منازل السُّلوك، خلافًا لأبي إسماعيل الأنصاريِّ حيث جعلها من المنازل، بل من غاياتها. فإنّ هذه الحالة ليست مذكورةً في القرآن ولا في السُّنّة ولا في كلام السّالكين، ولا عَدَّها أحدٌ من المتقدِّمين من المنازل والمقامات، ولهذا لم يجد ما يستشهد به عليها سوى حال النِّسوة مع يوسف ﵇، لمّا رأينَه أكبرنَه وقطَّعن أيديهنّ. فصدَّر الباب بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ [يوسف: ٣١]، أي أعظمنه. فإن كان مقصوده ما حصل لهنّ من إعظامه وإجلاله، فذلك منزلة التّعظيم. وإن كان مراده ما ترتَّب على رؤيته من غَيبتهنّ عن أنفسهنّ وعن أيديهنّ وما فيها حتّى قطَّعنها= فتلك منزلة الفناء. وإن كان مقصوده الدَّهْشة والبَهْتة التي حصلتْ لهنّ عند مفاجأته ــ وهو الذي قصَدَه ــ فذلك أمرٌ عارضٌ عند مفاجأة ما يغلب على صبر الإنسان وعقله، ولا ريبَ أنّ ذلك عارضٌ من عوارض الطّريق (٢) ليس بمقامٍ للسّالكين، ولا منزلٍ مطلوبٍ لهم. فعوارضُ الطّريق شيءٌ، ومنازلُها ومقاماتُها شيءٌ. فلهذا قال في تعريفه الدّهش (٣): (بَهْتةٌ تأخذ العبدَ عند مفاجأة (٤) ما يغلب على عقلِه أو صبرِه أو علمِه).

стр. 1855

يشير إلى الشُّهود الذي يغلِب عقلَه، والحبِّ الذي يغلب صبرَه، والحال الذي يغلب علمَه. قال (١): (وهو على ثلاث درجاتٍ. الأولى: دهشةُ المريد عند صَوْلة الحالِ على علمه، والوجدِ على طاقته، والكشفِ على همّته). يعني: أنّ علمه يقتضي شيئًا، وحاله يصول عليه بخلافه. فهذا غايته أن يكون معذورًا إن لم يكن مفرطًا، فإنّ الحال لا يصول على العلم إلّا وأحدهما فاسدٌ، إمّا الصّائل أو المَصُول عليه. فإذا اقتضى العلمُ سكونًا، فصالَ عليه الحال بحركته، فهي حركةٌ فاسدةٌ. غايةُ صاحبها أن يكون معذورًا لا مشكورًا. وإذا اقتضى العلمُ حركةً، فصال الحال عليه بسكونه، فهو سكونٌ فاسدٌ. مثال الأوّل: اقتضاء العلم للسُّكون والخشوع عند وارد السَّماع القرآنيِّ، وصولة الحال عليه حتّى يَزْعَق أو يَشْهَقَ أو يَخرِقَ (٢) ثيابه أو يُلقِي نفسَه، لورود ما يُدْهِشه من معاني المسموع على قلبه، فيصُول حالُه على علمه، حتّى لو كان في صلاة تعرَّضَ لإبطالها وقطْعِها. ومثال الثّاني: اقتضاء العلم لحركةٍ مفرّقةٍ في رضا المحبوب، فيصولُ الحال عليها بسكونه وجمعيّته حتّى يَقْهرها. وهذه من مقاطع القوم وآفاتهم، وما نجا منها إلّا أهلُ البصائر منهم، العاملون على تجريد العبوديّة. وكثرةُ صُوَرِ هذا مُغِنيةٌ عن كثرة الأمثلة، فإنّ أكثرهم يُقدِّم حالَ الجمعيّة على

стр. 1856

ملابسة الأغيار والأعداء في الجهاد والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، ويصولُ حالُ الجمعيّة عنده على الحركة التي يأمر بها العلم، كما صالت حركة الأوّل على السُّكون الذي يأمر به العلم. قوله: (والوجد على الطّاقة)، يعني: أنّ وجد المحبِّ ربّما غلبَ صبرَه، وصال على طاقته، فصرخَ إلى محبوبه، واستغاث به، حتّى يأتيه النّصر من عنده. بل صُراخُه به واستغاثته به عينُ نصرِه إيّاه، حيث حفظ عليه وجْدَه، ولم يُرَدَّ فيه إلى صبرٍ يَسلُو به ويجفو، فيكون ذلك نوعَ طردٍ. قوله: (والكشف على همّته)، يعني: أنّ الهمّة تستدعي صدقَ الطّلب ودوامه، والكشف هو الشُّهود، وهو في مظنّةِ فسخ الهمّة وإبطال حكمها، لأنّها تقتضي الطّلب، وهو يقتضي الفتور، لأنّ الطّلب لغائبٍ (١) عن المطلوب، فهمّته متعلِّقةٌ بتحصيله. وصاحب الكشف في حضورٍ مع مطلوبه، فكشفُه صائلٌ على همّته، كما قال بعضهم: إذا بَرَقَتْ بارقةٌ من بوارق الحقيقة لم يَبْقَ معها حالٌ ولا همّةٌ. وهذا أيضًا عارضٌ مطلوب الزّوال، والبقاء معه انقطاعٌ كلِّيٌّ، فإنّ السّالك في همّةٍ ما دامتْ روحه في جسده، فإذا فارقتْه الهمّةُ انقطع واستحسر. فصل (الدّرجة الثّانية: دهشةُ السّالك عند صَولة الجمعِ على رسمه، والسّبقِ على وقته، والمشاهدةِ على روحه) (٢).

стр. 1857

الجمع عند القوم: ما أسقطَ التّفرقة، وقطعَ الإشارة، وباينَ الكائنات. ورسمُ العبد عندهم: هو صورته الظّاهرة والباطنة. فشهودُ الجمع يقتضي أن يستولي على فناء تلك الرُّسوم فيه. فللجمع صولةٌ على رسم السّالك، يغشاه عند بَهْتةٍ، هي الدّهشة المشار إليها. وأمّا صَولة السَّبق على وقته، فالسّبق: هو الأزل، وهو سابقٌ على وقت السّالك. وإنّما صالَ الأزل على وقته لأنّ وقته حادثٌ فانٍ، فهو يرى فناءه في بقاء الأزل وسَبْقه، فيغلبه شهودُ السّبق، ويَقْهَره على شهود وقته، فلا يتّسع له. وأمّا صَولة المشاهدة على روحه، لمّا كانت المشاهدة تعلُّقَ إدراكِ الرُّوح بشهود الحقِّ تعالى، فهي شهود الحقِّ بالحقِّ، كما قال تعالى (١): «فبي يَسْمع، وبي يُبصِر» = اقتضى هذا الشُّهود صولةً على الرُّوح، فحيث صار الحكم له دونها فانطوى حكمُ الشّاهد في شهوده. وقد عرفتَ ما في ذلك فيما تقدّم. قال (٢): (الدّرجة الثّالثة: دهشةُ المحبِّ عند صولة الاتِّصال على لُطف العطيّة، وصولةِ نورِ القُرب على نورِ العَطْف، وصولةِ شوقِ العيان على شوقِ الخبر). الاتِّصال عنده على ثلاث (٣) مراتب: اتِّصال الاعتصام، واتِّصال

стр. 1858

الشُّهود، واتِّصال الوجود، كما سيأتي الكلام عليه إن شاء الله، وبيانُ ما فيه من حقٍّ وباطلٍ يَجِلُّ عنه جنابُ الحقِّ تعالى. والعطيّة هاهنا: هي الواردات التي تَرِد في لطفٍ وخفاءٍ على قلب العبد من قبل الحقِّ تعالى، وهي أَلطافٌ يُعامِل المحبوبُ بها محبَّه، تُوجِب قربًا خاصًّا هو المسمّى بالاتِّصال، فيصولُ ذلك القرب على لطفِ العطيّة، فيغيب العبدُ عنها وعن شهودها، ويُنسِيه إيّاها، لِما أوجبَه له ذلك القرب من الدَّهَش. وقد يكون سبب ذلك تواتُر أنواعِ العطايا عليه، حتّى يُدهِشَه كثرتُها وتنوُّعها. فيُوجِب له كثرتُها دهشةً تمنعُه من مطالعتها، مع انضمام ذلك إلى صولة القرب. وهي وارداتٌ وأنوارٌ يتّصل بعضها ببعضٍ، تَمحُو ظُلَمَ رسمه ونفسه. وأمّا صولة نور القرب على نور العطف، فهو قريبٌ من هذا أو هو بعينه، وإنّما كرّر المعنى بلفظٍ آخر، فإنّ لطف العطيّة كلّه نور عطفٍ، والاتِّصال هو القرب نفسه، تعالى الله عن غير ذلك من اتِّصالٍ يتوهّمه ملاحدةُ الطّريق وزنادقتهم. وأمّا صولة شوق العيان على شوق الخبر، فمراده به: أنّ المريد في أوّل الأمر سالكٌ على شوق الخبر في مقام الإيمان، فإذا تَرقّى عنه إلى مقام الإحسان وتمكَّن منه بقيَ شوقُه شبيهًا بشوق العيان، فصالَ هذا الشّوقُ على الشّوق الأوّل. فإن كان هذا مراده، وإلّا فالعيان في الدُّنيا لا سبيلَ للبشر إليه البتّةَ. ومن زعم خلافَ ذلك فأحسنُ أحواله أن يكون ملبوسًا عليه، وليس

стр. 1859

فوق الإحسان للصِّدِّيقين مرتبةٌ (١) إلّا بقاؤهم فيه، فإن سُمِّي ذلك عيانًا فالتّسمية الشّرعيّة المخلصة التي لا لبْسَ فيها أولى وأحرى. و أكثر آفات النّاس من الألفاظ ، ولا سيّما في هذه المواضع التي يَعِزُّ فيها تصوُّر الحقِّ على ما هو عليه والتّعبيرُ المطابق، فيتولَّدُ من ضعف التّصوُّر وقصورِ التّعبير نوعُ تخبيطٍ، ويتزايدُ على ألسنة السّامعين له وقلوبهم، بحسب قصورِهم وبُعدِهم من العلم. فتفاقَمَ الخَطْبُ، وعظُم الأمر، والتبستْ طريق أولياء الله الصّادقين بطريق الزّنادقة الملحدين، وعَزَّ المفرِّقُ بينهما. فدخل على الدِّين من الفساد من ذلك ما لا يعلمه إلّا الله، وأُشِيرَ إلى أعظم الخلق كفرًا بالله وإلحادًا في دينه بأنّه من شيوخ التّحقيق والمعرفة والسُّلوك. ولولا ضمانُ الله لحفظِ دينه، وتكفُّله (٢) بأن يُقيم له مَن يُجدِّد أعلامَه، ويُحيِي منه ما أماتَه المبطلون، ويُنعِش ما أخملَه الجاهلون= لهُدِّمتْ أركانُه، وتَداعى بنيانُه، ولكنّ الله ذو فضلٍ على العالمين. * * * *

стр. 1860

فصل وقد يَعرِض للسّالك عند ورود بعض المعاني والواردات العجيبة على قلبه فرطُ (١) تعجُّبٍ واستحسانٍ واستلذاذٍ، يُزِيل عنه تماسُكَه، فيورِثُه ذلك الهيمان. و ليس ذلك من مقامات السَّير، ولا منازل الطّريق المقصودة بالنُّزول فيها للمسافرين، خلافًا لصاحب «المنازل»، حيث عدَّ ذلك من أعلى المنازل وغاياتها، وعبَّر عنه ب منزلة الهيمان . ولهذا ليس له ذِكرٌ في القرآن، ولا في السُّنّة، ولا في لسان سلف القوم. وقد تكلّف له صاحب «المنازل» ﵀ الاستشهادَ بقوله تعالى: ﴿دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣]. وما أبعدَ الآيةَ من استشهاده! وكأنّه ظنّ أنّه ذهب عن تماسكه، لِما وردَ عليه في حالة الخطاب والتّكليم الإلهيِّ، فأورثه ذلك هَيَمانًا صَعِقَ منه. وليس كما ظنَّه، وإنّما صعِقَ موسى عند تجلِّي الرّبِّ تعالى للجبل واضمحلالِه وتَدَكْدُكِه من تجلِّي الرّبِّ تعالى. فالاستشهاد بالآية في منزلة (٢) الفناء التي تضمحلُّ فيها الرُّسوم أنسبُ وأظهرُ، لأنّ تدكدُكَ الجبلِ هو اضمحلال رسمه عند ورود نور التّجلِّي عليه. والصَّعَق فناءٌ في هذه الحال لهذا الوارد المُفْنِي لبشريّةِ موسى ﵇. وقد حدَّه بأنّه (الذّهاب عن التّماسك تعجُّبًا أو حيرةً) (٣). يعني: أنّ لا يقدرَ على إمساكِ نفسِه للوارد تعجُّبًا منه أو حيرةً.
следующие страницы →