← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 199

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 526 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

ملابسة الأغيار والأعداء في الجهاد والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، ويصولُ حالُ الجمعيّة عنده على الحركة التي يأمر بها العلم، كما صالت حركة الأوّل على السُّكون الذي يأمر به العلم. قوله: (والوجد على الطّاقة)، يعني: أنّ وجد المحبِّ ربّما غلبَ صبرَه، وصال على طاقته، فصرخَ إلى محبوبه، واستغاث به، حتّى يأتيه النّصر من عنده. بل صُراخُه به واستغاثته به عينُ نصرِه إيّاه، حيث حفظ عليه وجْدَه، ولم يُرَدَّ فيه إلى صبرٍ يَسلُو به ويجفو، فيكون ذلك نوعَ طردٍ. قوله: (والكشف على همّته)، يعني: أنّ الهمّة تستدعي صدقَ الطّلب ودوامه، والكشف هو الشُّهود، وهو في مظنّةِ فسخ الهمّة وإبطال حكمها، لأنّها تقتضي الطّلب، وهو يقتضي الفتور، لأنّ الطّلب لغائبٍ (١) عن المطلوب، فهمّته متعلِّقةٌ بتحصيله. وصاحب الكشف في حضورٍ مع مطلوبه، فكشفُه صائلٌ على همّته، كما قال بعضهم: إذا بَرَقَتْ بارقةٌ من بوارق الحقيقة لم يَبْقَ معها حالٌ ولا همّةٌ. وهذا أيضًا عارضٌ مطلوب الزّوال، والبقاء معه انقطاعٌ كلِّيٌّ، فإنّ السّالك في همّةٍ ما دامتْ روحه في جسده، فإذا فارقتْه الهمّةُ انقطع واستحسر. فصل (الدّرجة الثّانية: دهشةُ السّالك عند صَولة الجمعِ على رسمه، والسّبقِ على وقته، والمشاهدةِ على روحه) (٢).

стр. 1857

الجمع عند القوم: ما أسقطَ التّفرقة، وقطعَ الإشارة، وباينَ الكائنات. ورسمُ العبد عندهم: هو صورته الظّاهرة والباطنة. فشهودُ الجمع يقتضي أن يستولي على فناء تلك الرُّسوم فيه. فللجمع صولةٌ على رسم السّالك، يغشاه عند بَهْتةٍ، هي الدّهشة المشار إليها. وأمّا صَولة السَّبق على وقته، فالسّبق: هو الأزل، وهو سابقٌ على وقت السّالك. وإنّما صالَ الأزل على وقته لأنّ وقته حادثٌ فانٍ، فهو يرى فناءه في بقاء الأزل وسَبْقه، فيغلبه شهودُ السّبق، ويَقْهَره على شهود وقته، فلا يتّسع له. وأمّا صَولة المشاهدة على روحه، لمّا كانت المشاهدة تعلُّقَ إدراكِ الرُّوح بشهود الحقِّ تعالى، فهي شهود الحقِّ بالحقِّ، كما قال تعالى (١): «فبي يَسْمع، وبي يُبصِر» = اقتضى هذا الشُّهود صولةً على الرُّوح، فحيث صار الحكم له دونها فانطوى حكمُ الشّاهد في شهوده. وقد عرفتَ ما في ذلك فيما تقدّم. قال (٢): (الدّرجة الثّالثة: دهشةُ المحبِّ عند صولة الاتِّصال على لُطف العطيّة، وصولةِ نورِ القُرب على نورِ العَطْف، وصولةِ شوقِ العيان على شوقِ الخبر). الاتِّصال عنده على ثلاث (٣) مراتب: اتِّصال الاعتصام، واتِّصال

стр. 1858

الشُّهود، واتِّصال الوجود، كما سيأتي الكلام عليه إن شاء الله، وبيانُ ما فيه من حقٍّ وباطلٍ يَجِلُّ عنه جنابُ الحقِّ تعالى. والعطيّة هاهنا: هي الواردات التي تَرِد في لطفٍ وخفاءٍ على قلب العبد من قبل الحقِّ تعالى، وهي أَلطافٌ يُعامِل المحبوبُ بها محبَّه، تُوجِب قربًا خاصًّا هو المسمّى بالاتِّصال، فيصولُ ذلك القرب على لطفِ العطيّة، فيغيب العبدُ عنها وعن شهودها، ويُنسِيه إيّاها، لِما أوجبَه له ذلك القرب من الدَّهَش. وقد يكون سبب ذلك تواتُر أنواعِ العطايا عليه، حتّى يُدهِشَه كثرتُها وتنوُّعها. فيُوجِب له كثرتُها دهشةً تمنعُه من مطالعتها، مع انضمام ذلك إلى صولة القرب. وهي وارداتٌ وأنوارٌ يتّصل بعضها ببعضٍ، تَمحُو ظُلَمَ رسمه ونفسه. وأمّا صولة نور القرب على نور العطف، فهو قريبٌ من هذا أو هو بعينه، وإنّما كرّر المعنى بلفظٍ آخر، فإنّ لطف العطيّة كلّه نور عطفٍ، والاتِّصال هو القرب نفسه، تعالى الله عن غير ذلك من اتِّصالٍ يتوهّمه ملاحدةُ الطّريق وزنادقتهم. وأمّا صولة شوق العيان على شوق الخبر، فمراده به: أنّ المريد في أوّل الأمر سالكٌ على شوق الخبر في مقام الإيمان، فإذا تَرقّى عنه إلى مقام الإحسان وتمكَّن منه بقيَ شوقُه شبيهًا بشوق العيان، فصالَ هذا الشّوقُ على الشّوق الأوّل. فإن كان هذا مراده، وإلّا فالعيان في الدُّنيا لا سبيلَ للبشر إليه البتّةَ. ومن زعم خلافَ ذلك فأحسنُ أحواله أن يكون ملبوسًا عليه، وليس

стр. 1859

فوق الإحسان للصِّدِّيقين مرتبةٌ (١) إلّا بقاؤهم فيه، فإن سُمِّي ذلك عيانًا فالتّسمية الشّرعيّة المخلصة التي لا لبْسَ فيها أولى وأحرى. و أكثر آفات النّاس من الألفاظ ، ولا سيّما في هذه المواضع التي يَعِزُّ فيها تصوُّر الحقِّ على ما هو عليه والتّعبيرُ المطابق، فيتولَّدُ من ضعف التّصوُّر وقصورِ التّعبير نوعُ تخبيطٍ، ويتزايدُ على ألسنة السّامعين له وقلوبهم، بحسب قصورِهم وبُعدِهم من العلم. فتفاقَمَ الخَطْبُ، وعظُم الأمر، والتبستْ طريق أولياء الله الصّادقين بطريق الزّنادقة الملحدين، وعَزَّ المفرِّقُ بينهما. فدخل على الدِّين من الفساد من ذلك ما لا يعلمه إلّا الله، وأُشِيرَ إلى أعظم الخلق كفرًا بالله وإلحادًا في دينه بأنّه من شيوخ التّحقيق والمعرفة والسُّلوك. ولولا ضمانُ الله لحفظِ دينه، وتكفُّله (٢) بأن يُقيم له مَن يُجدِّد أعلامَه، ويُحيِي منه ما أماتَه المبطلون، ويُنعِش ما أخملَه الجاهلون= لهُدِّمتْ أركانُه، وتَداعى بنيانُه، ولكنّ الله ذو فضلٍ على العالمين. * * * *

стр. 1860

فصل وقد يَعرِض للسّالك عند ورود بعض المعاني والواردات العجيبة على قلبه فرطُ (١) تعجُّبٍ واستحسانٍ واستلذاذٍ، يُزِيل عنه تماسُكَه، فيورِثُه ذلك الهيمان. و ليس ذلك من مقامات السَّير، ولا منازل الطّريق المقصودة بالنُّزول فيها للمسافرين، خلافًا لصاحب «المنازل»، حيث عدَّ ذلك من أعلى المنازل وغاياتها، وعبَّر عنه ب منزلة الهيمان . ولهذا ليس له ذِكرٌ في القرآن، ولا في السُّنّة، ولا في لسان سلف القوم. وقد تكلّف له صاحب «المنازل» ﵀ الاستشهادَ بقوله تعالى: ﴿دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣]. وما أبعدَ الآيةَ من استشهاده! وكأنّه ظنّ أنّه ذهب عن تماسكه، لِما وردَ عليه في حالة الخطاب والتّكليم الإلهيِّ، فأورثه ذلك هَيَمانًا صَعِقَ منه. وليس كما ظنَّه، وإنّما صعِقَ موسى عند تجلِّي الرّبِّ تعالى للجبل واضمحلالِه وتَدَكْدُكِه من تجلِّي الرّبِّ تعالى. فالاستشهاد بالآية في منزلة (٢) الفناء التي تضمحلُّ فيها الرُّسوم أنسبُ وأظهرُ، لأنّ تدكدُكَ الجبلِ هو اضمحلال رسمه عند ورود نور التّجلِّي عليه. والصَّعَق فناءٌ في هذه الحال لهذا الوارد المُفْنِي لبشريّةِ موسى ﵇. وقد حدَّه بأنّه (الذّهاب عن التّماسك تعجُّبًا أو حيرةً) (٣). يعني: أنّ لا يقدرَ على إمساكِ نفسِه للوارد تعجُّبًا منه أو حيرةً.

стр. 1861

قال (١): (وهو أثبتُ دوامًا، وأملكُ بالنَّعت من الدَّهَش). يعني: أنّ الهائم قد يستمرُّ (٢) هَيَمانُه مدّةً طويلةً، بخلاف المدهوش. وصاحب الهَيَمان يملِك عِنانَ القول، فيصرِّفه كيف يشاء، ويتمكّن من التّعبير عنه. وأمّا الدَّهَش فلضيقِ معناه وقِصَرِ زمانه لم يملكِ النَّعت. فالهائم أملكُ بنَعْتِ حاله وواردِه من المدهوش. قال (٣): (وهو على ثلاث درجاتٍ. الأولى: هَيَمانٌ في شَيْمِ أوائل برْقِ اللُّطف عند قصد الطّريق، مع ملاحظة العبدِ خِسَّةَ قدْرِه، وسَفالةَ منزلته (٤)، وتَفاهةَ قيمته). يريد: أنّ القاصد للسُّلوك إذا نظر إلى مواقع لطف ربِّه به ــ حيثُ أهَّلَه لِما لم يُؤهِّل له أهلَ البلاء، وهم أهل الغفلة والإعراض عنه ــ أورثَه ذلك النّظرُ تعجُّبًا يُوقِعه في نوعٍ من الهَيَمان. قال بعض العارفين في الأثر المرويِّ: «إذا رأيتم أهلَ البلاء فسَلُوا الله العافية» (٥): تدرون من هم أهل البلاء؟ هم أهل الغفلة عن الله (٦).

стр. 1862

وتَقوى هذه الحال إذا انضاف إليها شهودُ العبد لخِسَّةِ قدْرِ نفسه، فاستصغرها أن تكون أهلًا لما أُهِّلتْ له، وكذلك شهودُ سَفَالِ منزلته أي انحطاط رتبته، وكذلك شهودُ تَفاهةِ قيمته أي خِسَّتها وقلَّتها. وحاصل ذلك كلِّه: احتقاره لنفسه، واستعظامه للطفِ ربِّه به، وتأهيله له. فيتولَّدُ من بين هذين الهَيَمانُ المذكور, ولا ريبَ أنّه يتولَّد من بين هذين الشُّهودين أمورٌ أخرى أجلُّ وأعظمُ وأشرفُ من الهَيَمانِ ــ من محبّةٍ، وحمدٍ وشكرٍ، وعزمٍ وإخلاصٍ، ونصيحةٍ في العبوديّة، وسرورٍ وفرحٍ بربِّه، وأُنسٍ به ــ هي مطلوبةٌ لذاتها، بخلاف عارضِ الهَيَمان، فإنّه لا يُطلَب لذاته، وليس هو من منازل العبوديّة. فصل قال (١): (الدّرجة الثّانية: هَيَمانٌ في تلاطُمِ أمواجِ التّحقيق، عند ظهور براهينه، وتواصُلِ عجائبِه، ولوامعِ (٢) أنواره). يريد: أنّ السّالك والمريد إذا لاحتْ له أنوارُ تحقيق العلم والمعرفة اهتدى بها إلى القصد، عن بصيرةٍ مستجدَّةٍ ويقظةٍ مستجدَّة، فاستنار بها قلبُه، وأشرقَ لها سِرُّه، فتلاطَمَتْ عليه أمواجُ التّحقيق عند ظهور البراهين، فهامَ قلبُه فيها. وهذا أمرٌ يعرِفه بالذّوق كلُّ طالبٍ لأمرٍ عظيمٍ انفتحتْ له الطُّرقُ والأبوابُ إلى تحصيله. ويريد بتواصل عجائبه: تتابُعَ عجائب التّحقيق، وأنّ بعضها لا يَحجُبُ

стр. 1863

عن بعضٍ، ولا يَقِفُ في طريق بعضٍ (١)، وكذلك لوامع أنواره. وأعظمُ ما يجدُ هذا الواجدُ: عند استغراقه في تدبُّر القرآن، ويحصل ذلك بحسب استعداده وأهليّته للفهم. ونسبةُ ما دون ذلك إليه كتَفْلَةٍ في بحرٍ. فصل قال (٢): (الدّرجة الثّالثة: هَيَمانٌ عند الوقوع في عينِ القِدَم، ومعاينةِ سلطانِ الأزل، والغَرَقِ في بحر الكشف). يريد: هَيَمان الفناء. والوقوع في عين القِدَم إنّما يكون باضمحلال الرّسم وفنائه في شهود القدم، فإنّه يفنى من لم يكن شهودًا (٣)، ويبقى من لم يزل. وكذلك معاينة سلطان الأزل لا يبقى معها معاينة رسوم الكائنات وأطلالِ الحادثات. وأمّا بحر الكشف الذي أشار إليه فهو انكشاف الحقيقة لعين القلب. ولا تعتقدْ أنّ للسّالك وراء مقام الإحسان شيئًا (٤) أعلى منه، بل الإحسان مراتبُ، وأمّا الكشف الحقيقيُّ للحقيقة فلا سبيلَ إليه في الدُّنيا البتّةَ. والقوم يلوح لأحدهم أنوارٌ هي ثمرات الإيمان، ومعاملات القلوب، وآثار الأحوال الصّادقة، فيظنُّونها (٥) نورَ الحقيقة، ولا يأخذهم في ذلك لومةُ

стр. 1864

لائمٍ. وإنّما هي أنوارٌ في بواطنهم ليس إلّا، وباب العصمة عن غير الرُّسل مسدودٌ إلّا عمَّا اتّفقت عليه الأمّة. والله أعلم. فصل ومن أنوار ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: نور البَرْق الّذي يبدو للعبد عند دخوله في طريق الصّادقين، وهو لامعٌ يَلْمَع لقلبه يُشبِه لامعَ البرق. قال صاحب «المنازل» ﵀ (١): (البرق: باكورةٌ تلمع للعبد، فتدعوه إلى الدُّخول في هذه الطّريق). واستشهد عليه بقوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (٩) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ [طه: ٩ - ١٠]. وجه الاستشهاد: أنّ النّار التي رآها موسى كانت مبدأً في طريق نبوّته. والبرق مبدأٌ في طريق الولاية التي هي وراثة النُّبوّة. وقوله: (باكورةٌ) , الباكورة هي أوّل الشّيء، ومنه باكورة الثِّمار. وهو لما سبق نوعه في النُّضج. قوله: (يلمع للعبد) أي يبدو له ويظهر، (فيدعوه إلى الدُّخول في هذه الطّريق)، ولم يُرِد طريق أهل البدايات، فإنّ تلك هي اليقظة التي ذكرها في أوّل كتابه، وإنّما أراد طريق أرباب التّوسُّط والنِّهايات. وعلى هذا فالبرق الذي أشار إليه هو برقُ الأحوال، لا برق الأعمال، أو برقٌ لا سببَ له من السّالك، إنّما هو مجرّد موهبةٍ.

стр. 1865

والدّليل على أنّه أراد ما يحصل لأرباب التّوسُّط والنِّهايات: أنّه أخذَ بعد تعريفه يُفرِّق بينه وبين الوجد، فقال (١): (والفرق بينه وبين الوجد: أنّ الوجد يقع بعد الدُّخول فيه، والبرق قبله (٢). فالوجد زادٌ، والبرق إذنٌ). يريد: أنّ البرق نورٌ يقذفه الله في قلب العبد ويُبدِيه له، فيدعوه إلى الدُّخول في الطّريق. والوجد هو شدّة الطّلب وقوّته الموجبة لتأجُّجِ اللهيب من الشُّهود، كما تقدّم. و (الوجد زادٌ) يعني: أنّه يصحب السّالكَ كما يصحبه زادُه، بل هو من نفائس زاده. و (البرق إذنٌ) يعني: إذنًا في السُّلوك، والإذن إنّما يَفْسَح للسّالك في المسير لا غير. قال (٣): (وهو ثلاث درجاتٍ. الأولى: برقٌ يلمع من جانب العِدَة في عين الرّجاء ، فيستكثر فيه العبدُ القليلَ من العطاء، ويستقلُّ فيه الكثيرَ من الإعياء (٤)، ويَستحلي فيه مرارةَ القضاء). يعني بالعِدَة: ما وعد الله به أولياءه من أنواع الكرامة في هذه الدّار وعند اللِّقاء. وقوله: (يلمع في عين الرّجاء)، أي يبدو في حقيقة الرّجاء ومَرَافقِه وناحيته، فيوجب له ذلك استكثارَ القليل ــ ولا قليلَ من الله ــ من عطائه، والحاملُ له على هذا الاستكثار أربعة أمورٍ:

стр. 1866

أحدها: نظره إلى جلالة مُعطيه وعظمته. الثّاني: احتقاره لنفسه وازدراؤه لها، يُوجِب استكثارَ ما يناله من سيِّده. الثّالث: محبّته له، فإنّ المحبّة إذا تمكَّنتْ من العبد استكثر قليلَ ما يناله من محبوبه. الرّابع: أنّ هذا قبلَ العطاء لم يكن له إلْفٌ به، ولا اتِّصالٌ بالعطيّة، فلمّا فاجأتْه استكثرَها. وأمّا استقلالُه الكثير (١) من الإعياء ــ وهو التَّعب والنَّصَب ــ فلأنّه لمّا بدا له برقُ الوعود من أفق الرّجاء حملَه ذلك على الجدِّ والطّلب، وحملَ عنه مشقّة السّير. فلم يجد لذلك من مَسِّ الإعياء والنَّصَب ما يجده مَن لم يَشمَّ ذلك. وكذلك استحلاؤه في هذا البرق مرارةَ القضاء، وهو البلاء الذي يختبر به الله عباده، ليبلوهم أيُّهم أصبرُ وأصدقُ، وأعظمُ إيمانًا ومحبّةً وتوكُّلًا وإنابةً؟ وإذا لاح للسّالك هذا البرقُ استحلى فيه مرارةَ القضاء. فصل قال (٢): (الدّرجة الثّانية: برقٌ يَلمعُ من جانب الوعيد في عين الحَذَر ، فيستقصر فيه العبدُ الطّويلَ من الأمل، ويُزَهَّدُ في الخَلْق على القرب، ويَرغَب في تطهير السِّرِّ).

стр. 1867

هذا البرق أُفقُه وعينُه غيرُ أفقِ البرق الأوّل وعينِه (١)، فإنّ هذا يلمع من أُفق الحذر، وذلك من أُفق الرّجاء. فإذا شامَ هذا البرقَ استقصرَ فيه الطّويلَ من الأمل، وتخيّلَ في كلِّ وقتٍ أنّ المنيّةَ تُغافِصُه (٢) وتُفاجِئه. فاشتدَّ حذرُه من هجومها، مخافةَ أن تحلَّ به عقوبة الله، ويُحالَ بينه وبين الاستعتاب والتّأهُّب للِّقاء، فيلقى ربَّه قبل الطُّهر التّامِّ، فلا يُؤذَن له بالدُّخول عليه بغير طهارةٍ، كما أنّه لم يأذن له في دار التّكليف بالدُّخول عليه للصّلاة بغير طهارةٍ. وهذا يُذكِّر العباد بالتّطهُّر للموافاة والقدوم عليه والدُّخولِ وقت اللِّقاء، لمن عقلَ عن الله وفهِمَ أسرار العبادات. فإذا كان لا يدخل عليه حتّى يستقبل بيته بوجهه، ويستر عورته، ويطهِّر بدنه وثيابه وموضعَ مقامه بين يديه، ثمّ يُخلِص له النِّيّة، فهكذا الدُّخول عليه وقتَ اللِّقاء لا يحصل إلّا بأن يستقبل ربَّه بقلبه كلِّه، ويستر عوراتِه الباطنة بلباس التّقوى، ويطهِّر قلبه وروحه وجوارحه من أدناسها الظّاهرة والباطنة، ويتطهَّر لله طهرًا كاملًا، ويتأهَّب للدُّخول أكملَ تأهُّبٍ. وأوقات الصّلاة نظير وقت الموافاة، فإذا تأهَّب العبد قبلَ الوقت جاءه الوقت وهو متأهِّبٌ، فدخلَ على الله. وإذا فرَّط في التّأهُّب خِيفَ عليه من خروج الوقت قبل التّأهُّب، إذ هجومُ وقتِ الموافاة مضيَّقٌ لا يقبلُ التّوسعة، فلا يُمَكَّن العبدُ من التّطهُّر والتّأهُّب عند هجوم الوقت، بل يقال له: هيهات، فات ما فات، وقد بَعُدتْ بينك وبين الطهور المسافاتُ. فمَن شام بَرْقَ الوعيد بقِصَرِ الأمل لم يزل على طهارةٍ.

стр. 1868

وأمّا (تزهيده في الخلق على القرب)، أي: وإن كانوا أقاربه ومناسبيه، أو مجاوريه وملاصقيه، أو مُعاشِريه ومخالطيه= فلكمال حذَرِه، واستعداده واشتغاله بما أمامه، وملاحظة الوعيد من أُفقِ ذلك البارق الذي ليس بخُلَّبٍ، بل هو أصدقُ بارقٍ. ويحتمل أن يريد بقوله (عن قربٍ) أي: عن أقربِ وقتٍ. فلا ينتظر بزهده فيهم أملًا يُؤمِّله، ولا وقتًا يستقبله. قوله: (ويرغب في تطهير السِّرِّ)، يعني تطهير سرِّه عمّا سوى الله. وقد تقدّم بيانه. فصل قال (١): (الدّرجة الثّالثة: برقٌ يلمع من جانب اللُّطف في عين الافتقار ، فيُنشِئ سحابَ السُّرور، ويُمطِر قَطْرَ الطَّرب، ويجري من (٢) نهر الافتخار). هذا البرق يلمع من أُفق ملاطفة الرّبِّ تعالى لعبده بأنواع الملاطفات، ومطلعُ هذا البرق: في عين الافتقار، الذي هو باب السُّلوك إلى الله تعالى، والطّريق الأعظم الذي لا يُدخَل عليه إلّا منه، وكلُّ طريقٍ سواه فمسدودٌ. ومع هذا فلا يصل العبد منه إلّا بالمتابعة، فلا طريقَ إلى الله البتّةَ أبدًا ــ ولو تَعنَّى المتعنُّون، وتَمنَّى المتمنُّون ــ إلّا الافتقار ومتابعةُ الرّسول فقط. فلا يُتعِب السّالكُ نفسَه على غير هذه الطّريق، فإنّه على غير شيءٍ، وهو صيدُ الوحوش والسِّباع.

стр. 1869

قوله: (فيُنشِئ سحابَ السُّرور)، أي ينشئ للعبد سرورًا خاصًّا وفرحًا بربِّه لا عهدَ له بمثله، ولا نظيرَ له في الدُّنيا، ونفحةً من نعيم الجنّة، ونسمةً من ريح شمالهم. فإذا نشأ له ذلك السّحاب أمطر عليه طيب الطَّرب، فطرِبَ باطنُه وسِرُّه لما ورد عليه من عند سيِّده ووليِّه. وإذا اشتدَّ ذلك الطّرب جرى به نهر الافتخار، بتميُّزِه عن أبناء جنسه بما خصَّه الله به. فإمّا أن يريد به: افتخاره على الشّيطان، وهَزَّه عِطْفَه طربًا وافتخارًا عليه، فإنّ الله لا يكره ذلك. ولهذا يُحبُّ المختالَ بين الصّفّين عند الحرب، لما في ذلك من مراغمة أعدائه، ويُحبُّ الخيلاء عند الصّدقة ــ كما جاء ذلك مُصرَّحًا به في الحديث (١) ــ لسِرٍّ عجيبٍ، يعرفه أولو الصّدقات والبذل من نفوسهم عند ارتياحهم للعطاء، وابتهاجِهم به، واختيالهم على النّفس الشّحيحة الأمّارة بالبخل، وعلى الشّيطان المزيِّن لها ذلك (٢). فهذا الافتخار من تمام العبوديّة.

стр. 1870

أو يريد به: أنّه حَريٌّ بالافتخار بما تميَّز به، وإن لم يفتخر به إبقاءً على عبوديّته وافتقاره. فكِلا المعنيين صحيحٌ. والله أعلم. وسرُّ ذلك: أنّ العبد إذا لاحظ ما هو فيه من الألطاف، وشهده من عين المِنَّة ومحض الجود، وشهدَ مع ذلك فقْرَه إليه في كلِّ لحظةٍ، وعدمَ استغنائه عنه طرفةَ عينٍ= كان ذلك من أعظم أسبابِ الشُّكر، وأسبابِ المزيد، وتَوالي النِّعم عليه. وكلّما توالت عليه النِّعم أنشأتْ في قلبه سحائبَ السُّرور. وإذا انبسطتْ هذه السّحائب في سماء قلبه، وامتلأ أُفقه بها، أمطرتْ عليه وابلَ الطَّرب بما هو فيه من لذيذ السُّرور، فإن لم يُصِبْه وابلٌ فطلٌّ. وحينئذٍ يجري على لسانه وظاهره نهرُ الافتخار من غير عُجْبٍ ولا فخرٍ، بل فَرَحٍ بفضل الله ورحمته، كما قال تعالى: ﴿(٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ﴾ [يونس: ٥٨]. فالافتخار على ظاهره، والافتقار والانكسار في باطنه، ولا ينافي أحدهما الآخر. وتأمَّل قول النّبيِّ ﷺ : «أنا سيِّدُ ولدِ آدمَ ولا فَخْرَ» (١)، كيف أخبر بفضل الله ومنَّتِه عليه، وأخبر أنّ ذلك لم يصدُرْ منه افتخارًا به على من دونه، ولكن إظهارًا لنعمة الله عليه، وإعلامًا للأمّة بقدر إمامهم ومتبوعهم عند الله وعلوِّ منزلته لديه (٢)، لتعرف الأمّة نعمةَ الله عليه وعليهم. ويُشبِه هذا قول يوسف الصِّدِّيق للعزيز: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي

стр. 1871

حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥]. فإخباره عن نفسه بذلك لمّا كان متضمِّنًا لمصلحةٍ تعود على العزيز وعلى الأمّة وعلى نفسه= كان حسنًا، إذ لم يقصد به (١) الفخر عليهم. فمصدرُ الكلمة والحاملُ عليها يُحسِّنها ويُهجِّنها، وصورتُها واحدةٌ. * * * *

стр. 1872

فصل ومنها: منزلة الذّوق . الذَّوق: مباشرةُ الحاسّةِ الظّاهرة أو الباطنة للملائم أو المنافر، ولا يختصُّ ذلك بحاسّة الفم في لغة القرآن، بل ولا في لغة العرب. قال تعالى: ﴿وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ﴾ [الأنفال: ٥٠]. وقال: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٦]. وقال تعالى: ﴿(٥٦) هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ﴾ [ص: ٥٧]. وقال: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢]. فتأمّلْ كيف جمعَ بين الذّوق واللِّباس، ليدلَّ على مباشرة المَذُوق وإحاطته وشموله، فأفاد الإخبارُ عن إذاقته أنّه واقعٌ مباشرٌ غير منتظرٍ، فإنّ المَخُوف قد يُتوقَّع ولا يُباشِر، وأفاد الإخبارُ عن لباسه أنّه محيطٌ شاملٌ كاللِّباس للبدن. وفي «الصّحيح» (١) عنه ﷺ : «ذاقَ طعْمَ الإيمان من رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمّدٍ رسولًا». فأخبر أنّ للإيمان طعمًا، وأنّ القلب يذوقه كما يذوق الفم طعْمَ الطّعام والشّراب. وقد عبّر النّبيُّ ﷺ عن إدراك حقيقة الإيمان والإحسان، وحصوله للقلب ومباشرته له: بالذّوق تارةً، وبالطّعام والشّراب تارةً، وبوَجْد (٢)

стр. 1873

الحلاوة تارةً، كما قال: «ذاق طعْمَ الإيمان»، وقال: «ثلاثٌ مَن كُنّ فيه وجدَ بهنّ حلاوةَ الإيمان: من كان الله ورسوله أحبَّ إليه ممّا سواهما، ومن كان يُحبُّ المرءَ لا يُحبُّه إلّا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد أن أنقذَه الله منه، كما يكره أن يُلْقى في النّار» (١). ولمّا نهاهم عن الوصال قالوا: إنّك تُواصِل، فقال: «إنِّي لستُ كهيئتكم، إنِّي أُطْعَم وأُسقى» (٢). وفي لفظٍ (٣): «إنِّي أظلُّ عند ربِّي يُطعِمني ويَسْقيني». وفي لفظٍ (٤): «إنّ لي مُطعِمًا يُطعِمني، وساقيًا يَسْقِيني». وقد غَلُظ حجابُ من ظنَّ أنّ هذا طعامٌ وشرابٌ حسِّيٌّ للفم. ولو كان كما ظنّه هذا لما كان صائمًا، فضلًا عن أن يكون مواصلًا، ولَمَا صحّ جوابه بقوله: «إنِّي لستُ كهيئتكم» فأجاب بالفرق بينه وبينهم. ولو كان يأكل ويشرب (٥) بفِيه الكريم حسًّا لكان الجواب أن يقول: وأنا لستُ أواصل أيضًا، فلمّا أقرَّهم على قولهم «إنّك تُواصِل» عُلِم أنّه كان يمسك عن الطّعام والشّراب، ويكتفي بذلك الطّعام والشّراب العالي الرُّوحانيِّ، الذي يُغني عن الطّعام والشّراب المشترك الحسِّيِّ. وهذا الذّوق هو الذي استدلّ به هرقلُ على صحّة النُّبوّة، حيث قال لأبي سفيان: فهل يرتدُّ أحدٌ منهم سَخْطةً لدينه؟ فقال: لا. قال: وكذلك الإيمان،

стр. 1874

إذا خالطَ بشاشةَ القلوب (١). فاستدلّ بما يحصل لأتباعه من ذوق الإيمان ــ الذي إذا خالطت بشاشة (٢) القلوب لم يَسخَطْه ذلك القلبُ أبدًا ــ على أنّه دعوة نبوّةٍ ورسالةٍ، لا دعوة ملكٍ ورياسةٍ. والمقصود: أنّ ذوق حلاوة الإيمان والإحسان أمرٌ يجده القلب، يكون نسبته إليه كنسبة ذوق حلاوة الطّعام إلى الفم، وذوقِ حلاوة الجماع إلى آلتِه، كما قال النّبيُّ ﷺ : «حتّى تَذُوقِي عُسَيلتَه، ويذوقَ عُسَيلتَكِ» (٣). وللإيمان طَعمٌ وحلاوةٌ يتعلّق بهما ذوقٌ ووجدٌ، ولا تزول الشُّبَه والشُّكوك إلّا إذا وصل العبد إلى هذه الحال، فيباشر الإيمان قلبه حقيقةَ المباشرة، فيذوق طَعْمَه ويجد حلاوتَه. فصل قال صاحب «المنازل» (٤): (باب الذّوق. قال الله تعالى: ﴿(٤٨) هَذَا ذِكْرٌ﴾ [ص: ٤٩]). في تنزيل هذه الآية على الذّوق صعوبةٌ، والّذي يظهر ــ والله أعلم ــ أنّ الشّيخ أراد: أنّ الذّوق مقدِّمة الشُّرب، كما أنّ التذكير (٥) مقدِّمة المعرفة،

стр. 1875

ومنه يدخل إلى مقام الإيمان والإحسان، فإنّه إذا تذكَّر أبصرَ الحقيقة، كما قال تعالى: ﴿تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١]. فالتّذكُّر يُوجب التّبصُّر، فيكون له الإيمان بعد التّبصُّر ذوقًا وعيانًا. ولهذا قال بعده: ﴿وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩)﴾ [ص: ٤٩ - ٥٠]. فالتّذكُّر بهذا الذِّكر الذي قصَّه الله يُشهِد صاحبَه الإيمانَ بالمعاد، وما أعدَّ الله لأوليائه عند لقائه، فيصير إيمانهم بذلك ذوقًا لا خبرًا محضًا، لأنّه (١) نشأ عن تذكُّرِهم بذكره سبحانه، وتأمُّلِهم حقائقَه وأسراره وما فيه من الهدى والبيان. فالتّذكُّر سبب الذّوق. والله أعلم. فصل قال (٢): (الذّوق أبقى من الوجد، وأجلى من البرق). يريد به: أنّ منزلة الذّوق أثبت وأرسخُ من منزلة الوجد، وذلك أنَّ أثر الذّوق يبقى في القلب، ويطول بقاؤه، كما يبقى أثر ذوق الطّعام والشّراب في القوّة الدافعة (٣)، ويبقى على البدن والرُّوح. فإنّ الذّوق مباشرةٌ كما تقدّم، والوَجْد عند الشّيخ لهيبٌ يتأجَّجُ من شهودِ عارضٍ مُقْلِقٍ، فهو عنده من العوارض كالهَيَمان والقَلق، فإنّه ينشأ من مكاشفةٍ لا تدوم، فلذلك جعله أبقى من الوجد. وأمّا قوله: (وأجلى من البرق)، فإنّ البرق أسرعُ انقضاءً، وكشفه دون

стр. 1876

كشفِ الذّوق. وهذا صحيحٌ. ولكنّ جعْلَه الذّوقَ أبقى من الوجد وأعلى منه فيه نظرٌ. وقد يقال: النّبيّ ﷺ جعل الوجد فوق الذّوق وأعلى منزلةً منه، فإنّه قال: «ثلاثٌ من كنّ فيه وجد بهنّ حلاوة الإيمان» (١) الحديث، وقال في الذّوق: «ذاقَ طعمَ الإيمان» (٢)، فوَجْدُ حلاوةِ الشّيء المَذُوق أخصُّ من مجرّد ذوقه. ولمّا كانت الحلاوة أخصَّ من الطّعم قرنَ بها الوجْدَ الذي هو أخصُّ من الذّوق، فقرنَ الأخصّ بالأخصِّ والأعمّ بالأعمِّ. وليس المراد بوجْد حلاوة الإيمان الوجْد الذي هو لهيب القلب، فإنّ ذلك مصدر وَجَدَ بالشّيء وَجْدًا، وإنّما هو من الوجود الذي هو الثُّبوت. فمصدر هذا الفعل: الوُجود والوِجدان، فوجَدَ الشّيء يجده وِجدانًا: إذا حصل له وثبت، كما يجدُ الفاقدُ الشّيءَ الذي فُقِد منه. ومنه قوله تعالى: ﴿شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ﴾ [النور: ٣٩]، وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠]، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٦ - ٨]، وقوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ [ص: ٤٤]. فهذا كلُّه من الوجود والثُّبوت، وكذلك قوله: «وجد بهنّ حلاوة الإيمان». فوجدان الشّيء: ثبوته واستقراره. ولا ريبَ أنّ ذوق طعم الإيمان وجدانٌ له، إذ يمتنع حصول هذا الذّوق من غير وجدانٍ، ولكنّ اصطلاح كثيرٍ

стр. 1877

من القوم على أنّ الذّائق أخصُّ من الواجد، فكأنّه شاركَ الواجدَ في الحصول وامتاز عنه بالذّوق، فإنّه قد يجدُ الشّيء ولا يذوقُه الذّوقَ التّامّ. وهذا ليس كما قالوه، بل وجود هذه الحقائق للقلب ذوقٌ لها وزيادةُ ثبوتٍ واستقرارٍ. والله أعلم. فصل قال (١): (وهو على ثلاث درجاتٍ. الدّرجة الأولى: ذوق التّصديق طعمَ العِدَةِ. فلا يَعقِله ظنٌّ (٢)، ولا يَقطَعه أملٌ، ولا تعوقُه أُمنيةٌ). يريد: أنّ العبد المصدِّق إذا ذاق طعم الوعد من الله على إيمانه وتصديقه وطاعته ثبت على حكم الوعد واستقام. (فلم يَعقِلْه ظنٌّ) أي لم يحبسه ظنٌّ، تقول: عَقلتُ فلانًا عن كذا، أي عُقْتُه عنه وصَددتُه. ومنه عِقالُ البعير، لأنّه يحبسه عن الشُّرود. ومنه العقل، لأنّه يحبس صاحبَه عن فعل ما لا يحسن ولا يجمل. ومنه: عقلتُ الكلام وعقلتُ معناه: إذا حبستَه في صدرك وحصَّلتَه في قلبك، بعد أن لم يكن حاصلًا عندك. ومنه: العَقْل للدِّية، لأنّها تمنع آخِذَها من العدوان على الجاني وعَصَبته. والمقصود: أنّ ذوق طعم الإيمان بوعد الله يمنع الذّائقَ أن يحبسه ظنٌّ عن الجدِّ في الطّلب، والسّيرِ إلى ربِّه. والظّنُّ هو الوقوف عن الجزم بصحّة الوعد والوعيد، بحيث لا يترجّح عنده جانبُ التّصديق.

стр. 1878

وكأنّ الشّيخ يقول: الذّائق بالتّصديق طعمَ الوعد لا يعارضُه ظنٌّ يعقله عن صدق الطّلب، وتَحبِسُه (١) عزيمتُه عن الجدِّ فيه. وفي حديث سيِّد الاستغفار قوله: «وأَنا على عهدِك ووعْدِك ما استطعتُ» (٢)، أي مقيمٌ على التّصديق بوعدك، وعلى القيام بعهدك، بحسب استطاعتي. والحامل على هذه الإقامة والثّبات: ذوقُ طعم الإيمان، ومباشرته للقلب. ولو كان الإيمان مجازًا لا حقيقةً لم يثبت القلب على حكم الوعد والوفاء بالعهد، ولا يُقيمُه (٣) في هذا المقام إلّا ذوقُ طعم الإيمان. وثوبُ العارية لا يُجمِّل صاحبَه، ولا سيّما إذا عرف النّاس أنّه ليس له، وأنّه عاريةٌ عليه، كما قيل (٤): ثوبُ الرِّياء يَشِفُّ عمّا تحتَه ... فإذا اشتملتَ به فإنّك عارِي وكان بعضُ الصّحابة يُكثِر التّلبية في إحرامه، ثمّ يقول: لبّيك، لو كان رياءً لاضمحلَّ (٥). وقد نفى (٦) الله تعالى الإيمان عمّن ادَّعاه وليس له فيه ذوقٌ، فقال

стр. 1879

تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]. فهؤلاء مسلمون، وليسوا بمؤمنين، لأنّهم ليسوا ممّن باشر الإيمانُ قلبَه، فذاق طعمه. وهذا حال أكثر المنتسبين إلى الإسلام. وليس هؤلاء كفّارًا، فإن الله سبحانه أثبت لهم الإسلام بقوله: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾، ولم يرد: قولوا بألسنتكم من غير مواطأة القلب، فإنّه فرّق بين قولهم «آمنّا» وقولهم «أسلمنا»، ولكن لمّا لم يذوقوا طعم الإيمان قال: ﴿لَمْ تُؤْمِنُوا﴾، ووعدهم سبحانه مع ذلك على طاعتهم أن لا ينقُصَ من أجور أعمالهم شيئًا. ثمّ ذكر أهل الإيمان الذين ذاقوا طعمه، وهم الذين آمنوا به وبرسوله ثمّ لم يرتابوا في إيمانهم. وإنّما انتفى عنهم الرَّيب لأنّ الإيمان قد باشر قلوبَهم، وخالطتْها بشاشتُه، فلم يبقَ للرّيب فيه موضعٌ. وصدَّق ذلك الذّوقَ بذلُهم أحبَّ شيءٍ إليهم في رضا ربِّهم تعالى، وهو أموالهم وأنفسهم. ومن الممتنع حصولُ هذا البذل من غير ذوقٍ لطعم الإيمان ووجودِ حلاوته، فإنّ ذلك يُصدِّق الذّوق والوجد. كما قال الحسن: ليس الإيمان بالتّمنِّي ولا بالتّحلِّي، ولكن ما وقَرَ في القلب وصدَّقه العمل (١). ف الذّوق والوجد أمرٌ باطنٌ، والعمل دليلٌ عليه ومصدِّقٌ له. كما أنّ الرّيب والشّكّ والنِّفاق أمرٌ باطنٌ، والعمل دليلٌ عليه ومصدِّقٌ له، فالأعمال

стр. 1880

ثمرات العلوم والعقائد. فاليقين يُثمِر الجهاد ومقاماتِ الإحسان، فعلى حسب قوّته تكون ثمرته ونتيجته. والرّيب والشّكُّ يُثمِر الأعمال المناسبة له. وبالله التّوفيق. وقوله: (ولا يقطعه أملٌ)، أي من علامات الذّوق: أن لا يقطع صاحبه عن طلبه أملُ دنيا، وطمعٌ في عَرَضٍ من أعراضها، فإنّ الأمل والطّمع يقطعان طريقَ القلب في سيره إلى مطلبه. ولم يقل الشّيخ: إنّه لا يكون (١) له أملٌ، بل قال: لا يقطعه أملٌ. فإنّ الأمل إذا قام به ولم يقطعه لم يضرَّه، وإن عوَّقَ سيرَه بعضَ التّعويق. وإنّما البلاء في الأمل القاطع للقلب عن سيره إلى الله. وعند الطّائفة: أنّ كلّ ما سوى الله فإرادتُه أملٌ قاطعٌ، كائنًا ما كان. فمن كان ذلك أملَه ومنتهى طلبِه فليس من أهل ذوق الإيمان، فإنّه من ذاق حلاوة معرفة الله والقرب منه والأنس به لم يكن له أملٌ في غيره، وإنْ تعلّق أملُه بسواه فهو لإعانته على مرضاته ومحابِّه، فهو يُؤمِّله لأجله، لا يُؤمِّله معه. فإن قلت: فما الذي يقطع به هذا الأمل؟ قلت: قوّة رغبته في المطلب الأعلى الذي ليس شيءٌ أعلى منه، ومعرفتُه بخِسَّةِ ما يُؤمّل دونه، وسرعةِ ذهابه ووَشكِ انقطاعه، وأنّه في الحقيقة كخيال طَيفٍ، أو سحابة صَيفٍ، فهو ظلٌّ زائلٌ، ونجمٌ قد تدلّى للغروب فهو (٢) عن قريبٍ آفِلٌ.

стр. 1881

قال النّبيُّ ﷺ : «ما لي وللدُّنيا؟ إنّما أنا كراكبٍ قالَ في ظلِّ شجرةٍ ثمّ راحَ وتركَها» (١). وقال: «ما الدُّنيا في الآخرة إلّا كما يُدخِلُ أحدُكم إصبعَه في اليَمِّ، فلينظُرْ بِمَ ترجع؟» (٢). فشَبَّه الدُّنيا في جنب الآخرة بما يَعْلَق على الإصبع من البلل حين تُغْمَس في البحر. وقال عمر بن الخطّاب ﵁: لو أنّ الدُّنيا من أوّلها إلى آخرها أُوتِيَها رجلٌ ثمّ جاءه الموت: لكان بمنزلة من رأى في منامه ما يسرُّه، ثمّ استيقظ فإذا ليس في يديه شيءٌ (٣). وقال مُطرِّف بن عبد الله أو غيره: نعيمُ الدُّنيا بحذافيرِه في جنْبِ نعيم الآخرة أقلُّ من ذرّةٍ في جنب جبال الدُّنيا (٤). ومن حدَّق عينَ بصيرته في الدُّنيا والآخرة علمَ أنّ الأمر كذلك. فكيف يليق بصحيح العقل والمعرفة أن يقطعه أملٌ من هذا الجزء الحقير عن نعيمٍ لا يزول ولا يضمحلُّ؟ فضلًا أن يقطعه عن طلبِ مَن نسبةُ هذا النّعيم الدّائم إلى نعيم معرفتِه ومحبّتِه والأنسِ به والفرحِ بقربه كنسبة نعيم الدُّنيا إلى نعيم الجنّة؟ قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢]. فيسيرٌ من رضوانه ــ ولا يقال له يسيرٌ ــ أكبرُ من الجنّات وما فيها.

стр. 1882

وفي حديث الرُّؤية: «فوالله ما أعطاهم شيئًا أحبَّ إليهم من النّظر إلى وجهه» (١). وفي حديثٍ آخر: «إنّهم إذا رأوه (٢) لم يلتفتوا إلى شيءٍ ممّا هم فيه من النّعيم حتّى يَتوارى عنهم» (٣). فمن قطعَه عن هذا أملٌ فقد فاز بالحرمان، ورضي لنفسه بغاية الخسران، والله المستعان، وعليه التُّكلان، وما شاء الله كان. قوله: (ولا تعوقُه أُمنيّةٌ)، الأمنيّة: هي ما يتمنّاه العبد من الحظوظ، وجمعها أمانيُّ. والفرق بينها وبين الأمل أنّ الأمل يتعلّق بما يُرجى وجوده، والأمنيّة قد تتعلّق بما لا يُرجى حصوله، كما يتمنّى العاجز المراتب العالية. والأمانيُّ الباطلة هي رؤوس أموال المفاليس، بها يقطعون أوقاتهم ويلتذُّون بها، كالتذاذِ من زال عقلُه بالمسكر بالخيالات الباطلة. وفي الحديث المرفوع: «الكيِّسُ مَن دانَ نفسَه، وعمِلَ لما بعد الموت. والعاجز مَن أتبعَ نفسَه هواها، وتَمنّى على الله الأمانيّ» (٤).

стр. 1883

ولا يرضى بالأمانيِّ من الحقائق إلّا النُّفوسُ الدنيئة الساقطة، كما قيل (١): واتركْ مُنى النفسِ لا تَحسَبْه يُشبِعُها ... إنّ المُنى رأسُ أموال المفاليس وأُمنيَّة الرجل تدلُّ على علوِّ همَّته وخِسَّتها. وفي أثرٍ إلهيٍّ: «إنِّي لا أنظُرُ إلى كلام الحكيم، وإنّما أنظُرُ إلى هِمّته» (٢). والعامَّة تقول: قيمة كلِّ امرئٍ ما يُحسِن (٣). والعارفون يقولون: قيمة كلِّ امرئٍ ما يطلب (٤). فصل قال (٥): (الدرجة الثانية: ذوق الإرادة طعم الأنس. فلا يَعْلَقُ به شاغلٌ، ولا يُفسِده عارضٌ، ولا تُكدِّره تفرقةٌ). الإرادة وصف المريد. والفرق بين هذه الدرجة والتي قبلها: أنّ الأولى

стр. 1884

وصف حال العابد الذي ذاق تصديقُه طعْمَ وعدِ الرّبِّ ، فجدَّ في العبادة وأعمالِ البرِّ، لثقتِه بالوعد عليها. وصاحب هذه الدّرجة ذاقتْ إرادتُه طعْمَ الأنس، فهي حال المريد. ولهذا علق صاحب الدّرجة الأولى بالوعد الجميل، وعلق صاحب هذه بالأنس بالله. والأنس به سبحانه أعلى من الأنس بما يرجوه العابد من نعيم الجنّة. فإذا ذاق المريد طعْمَ الأنس جدَّ في إرادته، واجتهد في حفظ أنسه، وتحصيلِ الأسباب المقوِّية له. (فلا يَعْلَق به شاغلٌ)، أي لا يتعلّق به شيءٌ يَشْغَله عن سلوكه وسيرِه إلى الله، لشدّة طلبه الباعث عليه أنسه، الذي قد ذاقَ طعمه، وتلذَّذ بحلاوته. والأنس بالله حالةٌ وجدانيّةٌ، وهي من مقامات الإحسان (١) تقوى بثلاثة أشياء: دوام الذِّكر، وصدق المحبّة، وإحسان العمل. وقوّة الأنس وضعفه على حسب قوّة القرب، وكلّما كان القلب من ربِّه أقرب كان أنسُه به أقوى، وكلّما كان أبعدَ كانت الوحشة بينه وبين ربِّه أشدّ. قوله: (ولا يُفسِده عارضٌ)، العارض المفسد هو الذي يَعذُل المحبَّ ويلومه على النّشاط في رضا محبوبه (٢) وطاعته، ويدعوه إلى الالتفات إليه والوقوف معه دون مطلبِه العالي. فهو كالّذي يجيء عَرَضًا يمنع المارَّ في طريقه عن المرور، ويَلْفِته عن جهة مقصده إلى غيرها.

стр. 1885

وهذا العارض عند القوم هو إرادة السِّوى، فإنّ كلّ ما سوى الله فهو عارضٌ. وإرادة السِّوى: تُوقِف (١) السّالك، وتُنكِّس الطّالب، وتَحجُب الواصل. فإيّاك وإرادةَ السِّوى وإن علا، فإنّك تُحجَب عن الله بقدر إرادتك لغيره. قال تعالى إخبارًا عن عباده المقرّبين: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٩]. وقال: ﴿(٥١) وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢]. وقال: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل: ١٩ - ٢٠]. قوله: (ولا تُكدِّره تفرقةٌ)، الكدر: ضدُّ الصّفاء، والتّفرقة: ضدُّ الجمعيّة. والجمعيّة هي جمع القلب والهمّة على الله بالحضور معه بحال الأنس، خاليًا من تفرقة الخواطر. والتّفرقة من أعظم مُكدِّرات القلب، وهي تُزِيل الصّفاء الذي أثمره له الإسلام والإيمان والإحسان، فإنّ القلب يصفو بذلك، فتجيء التّفرقة فتُكدِّر عليه ذلك الصّفاء، وتُشعِّث القلب، فيجد الصّادق ألَمَ ذلك الشَّعَث وأذاه، فيجتهد في لَمِّه، ولا يَلُمُّ شَعَثَ القلوب شيءٌ غير الإقبال على الله والإعراضِ عمّا سواه، فهناك يُلَمُّ شَعَثُه، ويزول كَدَره، ويصحُّ سَقَمُه (٢)، ويجد روحَ الحياة، ويذوق طعم الحياة المَلَكيّة. فصل قال (٣): (الدّرجة الثّالثة: ذوقُ الانقطاع طعْمَ الاتِّصال، وذوقُ الهمّة طعْمَ الجمع، وذوقُ المسامرة طعْمَ العيان).

стр. 1886

الفرق بين هذه الدّرجة والّتي قبلها: أنّ تلك بقاءٌ مع الأحوال، وهذه الدّرجة خروجٌ وفناءٌ عن الأحوال. فإنّ المتمكِّن في حال فنائه عن الأسباب ــ أعمالًا كانت أو أحوالًا ــ هو الذي يجد طعْمَ الاتِّصال حقيقةً، فإنّه على حسب تجرُّده عن الالتفات إلى الأسباب يكون اتِّصاله، وعلى حسب التفاته إليها يكون انقطاعه. وكلّما تمكَّن في جمع هَمِّه على الحقِّ سبحانه وجدَ لذّةَ الجمع عليه، وذاقَ طعْمَ القرب منه والأنس به. فالانقطاع عند القوم: هو أنس القلب بغيره، والتفاتُه إلى ما سواه. والاتِّصال: تجريدُ التّعلُّق به وحده، والانقطاع عمّا سواه بالكلِّيّة. إذا عرفت هذا فلنرجع إلى تفسير كلامه. فقوله: (ذوقُ الانقطاع طعْمَ الاتِّصال) استعارةٌ، وإلّا فالذّائق هو صاحب الانقطاع، لا نفس الانقطاع، فإنّه هو الذي ذاق الانقطاع والاتِّصال. وبالجملة فالمراد أنّ المنقطع هو المحجوب، والمتّصل هو المشاهد بقلبه، المكاشف بسرِّه. وأحسنُ من التّعبير بالاتِّصال: التّعبير بالقرب، فإنّها العبارة السّديدة التي ارتضاها الله ورسوله في هذا المقام. وأمّا التّعبير بالوصل والاتِّصال: فعبارةٌ غير سديدةٍ، ويتشبّث بها الزِّنديق الملحد، والصّدِّيق الموحِّد. فالموحِّد يريد بالاتِّصال القربَ، وبالانفصال والانقطاع البعدَ. والملحد يريد به الحلولَ تارةً والاتِّحاد تارةً. حتّى قال بعض هؤلاء (١): المنقطع ليس في الحقيقة منقطعًا، بل لم يزل متّصلًا، لكنّه

стр. 1887

كان غائبًا عن المشاهدة. فلمّا شاهد وجد نفسه لم يكن منقطعًا، بل لم يزل متّصلًا (١). قال: وليس قولنا: «لم يزل متّصلًا» بسديدٍ، فإنّ الاتِّصال لا يصحُّ إلّا بين اثنين. فلا المحجوب منقطعًا، ولا المكاشف متّصلًا، وإنّما هي عباراتٌ للتّقريب والتّفهيم، وأنشد في ذلك (٢): ما بالُ عَينِك لا يَقَرُّ قَرارُها ... وإلامَ ظلُّك لا يَنِيْ (٣) متنقِّلا فلسوفَ تعلم أنّ سَيْرَك لم يكن ... إلّا إليكَ إذا بلغتَ المنزِلا وبإزاء هؤلاء طائفةٌ غلُظَ حجابهم، وكَثُفَت أرواحهم عن هذا الشّأن، فزعموا: أنّ القرب والبعد والأنس ليس له حقيقةٌ تتعلّق بالخالق سبحانه، وإنّما ذلك القرب من داره وجنّته بالطّاعات، وأنسُ القلب بما وعد عليها من الثّواب، والبعد ضدُّ ذلك. لا أنَّ العبد يقرُب من ربِّه، ولا يبعُد عنه، ولا يأنس به. وصرّحوا بأنّه لا يُريده ولا يحبُّه، فلا يصحُّ تعلُّق الإرادة والمحبّة به. فسار هؤلاء مُغرِّبين، وسار أولئك مُشرِّقين، كما قيل (٤): سارتْ مُشرِّقةً وسِرتُ مغرِّبًا ... شتّانَ بين مُشرِّقٍ ومغرِّب

стр. 1888

ومصباح الموحِّد السّالك على دَرْب الرّسول وطريقهِ يتوقَّدُ ﴿مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٥]. قوله: (وذوقُ الهمّة طعْمَ الجمع)، جعل الهمّة ذائقةً والذّوق لصاحبها، توسُّعًا. و «الهمّة» قد عبّر عنها الشّيخ فيما تقدّم بأنّها (ما يملك الانبعاث إلى المقصود صرفًا)، أي حالة وصفة لها سطوةٌ وملكةٌ، تحمل صاحبها على المقصود، وتبعثه عليه بعثًا لا يخالطه غيره. فالهمّة عندهم: طلب الحقِّ من غير التفاتٍ إلى غيره. والجمع: شهود الفردانيّة التي تفنى فيها رسوم المشاهد، وهذا جمعٌ في الرُّبوبيّة. وأعلى منه: الجمع في الألوهيّة، وهو جمعُ قلبِه وهمِّه (١) وسِرِّه على محبوبه ومراضيه ومراده منه، فهو عكوف القلب بكلِّيّته على الله، لا يلتفت عنه يَمنةً ولا يَسرةً. فإذا ذاقت الهمّة طعم هذا الجمع اتّصلَ اشتياق صاحبها، وتأجّجتْ نيران المحبّة والطّلب في قلبه، وعدَّ صبره عن محبوبه من أعظم كبائره. كما قيل (٢):

стр. 1889

والصّبر يُحمَد في المواطنِ كلِّها ... إلّا عليكَ فإنّه لا يُحمَدُ وقد تقدّم ذكر الأثر الإلهيِّ: «إنِّي لا أنظر إلى كلام الحكيم، وإنّما أنظر إلى هِمَّته». فللّه همّةُ نفسٍ قطعت جميع الأكوان، وسارتْ فما ألقتْ عصا السّير إلّا بين يدي الرّحمن، فسجدت بين يديه سجدة الشُّكر على الوصول إليه. فلم تزل ساجدةً حتّى قيل لها: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٧ - ٢٨]. فسبحان من فاوتَ بين الخلق في هِمَمِهم، حتّى ترى بين الهمّتين أبعدَ ممّا بين المشرقين والمغربين، بل أبعدَ ممّا بين أسفل سافلين وأعلى علِّيِّين. وتلك مواهب العزيز الحكيم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. قوله: (وذوق المسامرة طعْمَ العيان)، مرادهم بالمسامرة: مناجاة القلب ربَّه وإن سكت اللِّسان، فلشدَّة استيلاء ذكره، ومحبّته على قلب العبد، وحضوره بين يديه، وأنسه به، وقربه منه، يصير كأنّه يخاطبه ويسامره، ويعتذر إليه تارةً، ويتملَّقه تارةً، ويُثني عليه تارةً، حتّى يبقى القلب ناطقًا بقوله: أنت الله الذي لا إله إلّا أنت، من غير تكليفٍ له بذلك، بل يبقى هذا حالًا له ومقامًا. ولا تُنكِرْ (١) وصولَ القوم إلى هذا، فقد قال ﷺ : «الإحسان أن تعبد الله كأنّك تراه» (٢)، فإذا بلغ في مقام الإحسان بحيث يكون كأنّه يرى الله

стр. 1890

سبحانه فهكذا مخاطبته ومناجاته له. لكنّ الأولى العدول عن لفظ «المسامرة» إلى لفظ «المناجاة»، فإنّه اللّفظ الذي اختاره رسول الله ﷺ في هذا، وعبَّر به عن حال العبد بقوله: «إذا قام أحدكم في الصّلاة فإنما يُناجي ربَّه» (١)، وفي الحديث الآخر: «كلُّكم يُناجِي ربّه، فلا يجهَرْ بعضُكم على بعضٍ» (٢). فلا يُعدَل عن ألفاظه، فإنّها معصومةٌ صادرةٌ عن معصومٍ، والإجمال والإشكال في اصطلاحات الناس وأوضاعهم. وبالله التّوفيق. * * * *

стр. 1891

فصل (١) ومن ذلك: منزلة اللّحظ . قال شيخ الإسلام (٢): (باب اللحظ (٣). قال الله تعالى: ﴿تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]). قلت: يريد ــ والله أعلم ــ بالاستشهاد بالآية أنّ الله سبحانه أراد أن يُرِيَ موسى ﷺ من كمال عظمته وجلاله ما يعلم به أنّ القوّة البشريّة في هذه الدّار لا تثبتُ لرؤيته ومشاهدته عيانًا، لصيرورة الجبل دَكًّا عند تجلِّي ربِّه له أدنى تجلٍّ. كما رواه ابن جريرٍ في «تفسيره» (٤) من حديث حمّاد بن سلمة: أخبرنا ثابتٌ عن أنسٍ عن النّبيِّ ﷺ : ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، قال حمّادٌ هكذا، ووضع الإبهام على مَفْصِل الخنصرِ الأيمن. فقال حميدٌ لثابتٍ: أتُحدِّث بمثلِ هذا؟ فضرب ثابتٌ صدرَ حميدٍ ضربةً بيده، وقال: رسولُ الله ﷺ يُحدِّث به وأنا لا أحدِّث به؟ ورواه الحاكم في «صحيحه» (٥) وقال: هو على شرط مسلمٍ. وهو كما قال. والمقصود: أنّ الشّيخ استشهد بهذه الآية في باب اللّحظ، لأنّ (٦) الله

стр. 1892

سبحانه أمر موسى أن ينظر إلى الجبل حين تجلّى له ربُّه، فرأى أثرَ التّجلِّي في الجبل، فخرَّ صعقًا. قال الشّيخ (١): (اللّحظ: لَمْحٌ مُسْتَرَقٌ). الصّواب قراءة هذه الكلمة على الصِّفة بالتّخفيف، فوصف اللّمح بأنّه مسترقٌ، كما يقال: سارَقْتُه النّظرَ، وهو لَمْحٌ بخفيةٍ من حيثُ لا يشعر المَلْمُوح. ولهذا الاستراق أسبابٌ: منها: تعظيم الملموح وإجلاله، فالنّاظر يسارقه النّظر، ولا يُحِدُّه إليه إجلالًا له، كما كان أصحاب النّبيِّ ﷺ لا يُحِدُّون النّظر إليه إجلالًا له. وقال عمرو بن العاص: لم أكن أملأ عينَيَّ منه إجلالًا له، ولو سُئلتُ أن أصِفَه لكم لما قدرتُ، لأنِّي لم أكن أملأ عينيَّ منه (٢). ومنها: خوف الملموح وسطوته. ومنها: محبّته. ومنها (٣): الحياء منه. ومنها: ضعف القوّة الباصرة عن التّحديق فيه. وهذا السّبب هو السّبب الغالب في هذا الباب. ويجوز أن يُقرأ بكسر الرّاء وتشديد القاف، أي نظرٌ يسترِقُّ صاحبَه، أي

стр. 1893

يأسر قلبه ويجعله رقيقًا ــ أي عبدًا مملوكًا ــ للمنظور إليه (١)، لأنه لما شاهد من جماله وكماله فاسترقّ قلبه له، فلم يكن بينه وبين رقِّه له إلّا مجرّدُ وقوعِ لحْظِه عليه (٢). فهكذا صاحب هذه الحال إذا لاحظ بقلبه جلالَ الرُّبوبيّة، وكمالَ الرّبِّ سبحانه، وكمال نعوته، ومواقع لطفه وفضله وبرِّه وإحسانه= استرقّ قلبه له، وصارت له عبوديّةٌ خاصّةٌ. قال (٣): (وهو في هذا الباب على ثلاث درجاتٍ. الدّرجة الأولى: ملاحظة الفضل سبقًا . وهي تقطع طريقَ السُّؤال إلّا ما استحقّته الرُّبوبيّة من إظهار التّذلُّل لها، وتُنبِت السُّرور إلّا ما يشوبه من حذر المكر، وتبعث على الشُّكر إلّا ما قام به الحقُّ من حقِّ الصِّفة). الشّيخ عادته في كلِّ بابٍ أن يقول: «وهو على ثلاث درجاتٍ»، وقال هاهنا: «وهو في هذا الباب على ثلاث درجاتٍ»، فعيَّن هذا الباب هنا دون غيره من الأبواب، لأنّ (٤) اللّحظ مشتركٌ بين لَحْظِ البصر ولَحْظ البصيرة، والشّيخ إنّما أراد هذا الثّاني دون الأوّل، فإنّ كلامه فيه خاصّةً. وهو لمّا صدّر بالآية ــ والأمرُ بالنّظر فيها إنّما توجّه إلى الأمر بنظر العين ــ استدرك كلامه وقال: اللّحظ الذي نشير إليه في هذا الباب ليس هو

стр. 1894

لحظ العين. والله أعلم. قوله: (ملاحظة الفضل سبقًا) , الفضل: هو العطاء الإلهيُّ, والسّبق: هو ما سبق به له التقديرُ (١) قبل خروجه إلى الدُّنيا. كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١]. وقال: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣]. وهذا الكلام يُفسَّر على معنيين، أحدهما: أنّ العبد إذا رأى أنَّ ما قدّره الله له قد سبق به تقديره، وهو واصلٌ إليه لا مَحالةَ، ولا بدَّ أن يناله= سكنَ جَأْشُه، واطمأنَّ قلبه، ووطّن نفسه، وعلم أنّ ما أصابَه لم يكن لِيُخطِئه، وما أخطأه لم يكن لِيُصِيبه (٢)، وأنّه ما يفتح الله له من رحمةٍ فلا مُمسِكَ لها، وما يُمسِكه عنه فلا مُرسِلَ له من بعده (٣). فإذا تيقَّن ذلك وذاق طعمَ الإيمان به قطعَ ذلك عليه طريقَ الطّلب من ربِّه، لأنّ ما سبقَ له به القدرُ كائنٌ واصلٌ إليه لا مَحالة. ثمّ استدرك الشّيخ أنّ العبد لا بدَّ له من سؤال ربِّه، والطّلب منه، فقال: (إلّا ما استحقَّتْه الرُّبوبيّة من إظهار التّذلُّل لها)، أي لا يعتقد أنّ سؤاله وطلبه يجلب له ما ينفعه، ويدفع عنه ما يحذره، فإنّ القدر السّابق قد استقرّ بوصول

стр. 1895

المقدور إليه، سأله أو لم يسأله. ولكن يكون سؤاله على وجه التّذلُّل، وإظهارِ فقْرِ العبوديّة وذلِّها بين يدي عزِّ الرُّبوبيّة، فإنّ الرّبّ تعالى يحبُّ من عبده أن يسأله ويرغب إليه، لا لأنّ وصول برِّه وإحسانه إليه موقوفٌ على سؤاله، بل هو المتفضِّلُ به ابتداءً بلا سببٍ من العبد، ولا توسُّطِ سؤاله وطلبِه. بل قدَّر له ذلك الفضل بلا سببٍ من العبد، ثمّ أمرَه بسؤاله والطّلب منه، إظهارًا لمرتبة العبوديّة والفقر والحاجة، واعترافًا بعزِّ الرُّبوبيّة وكمالِ غنى الرّبِّ وتفرُّدِه بالفضل والإحسان، وأنّ العبد لا غِنى له عن فضله طرفةَ عينٍ، فيأتي بالطّلب والسُّؤال إتيانَ من يعلم أنّه لا يستحقُّ بطلبه وسؤاله شيئًا. ولكنّ ربّه تعالى يحبُّ أن يُسأل، ويُرغب إليه، ويُطلب منه. كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]. وقال: ﴿(١٨٥) وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ﴾ [البقرة: ١٨٦]. وقال: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢]، وقال: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧]. وقال: ﴿رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٥]. وقال: ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ﴾ [الأعراف: ٥٦]. وقال النّبيُّ ﷺ : «ليسألْ أحدُكم ربَّه كلَّ شيءٍ، حتّى شِسْعَ نعلِه إذا انقطع، فإنّه إن لم يُيسِّره لم يتيسَّر» (١).
следующие страницы →