ومَن تأمّل أحوال الرُّسل مع أممهم وجدَهم كانوا قائمين بالإنكار عليهم أشدَّ القيام حتّى لَقُوا الله، وأَوصَوا أُمَمهم بالإنكار على مَن خالفهم، وأخبر النّبيُّ ﷺ أنّ المتخلِّص من مقامات الإنكار الثّلاثة ليس معه من الإيمان حبّةُ خَردلٍ (١).
وبالغ في الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر (٢) أشدَّ المبالغة، حتّى قال: «إنّ النّاس إذا تركوه: أوشَكَ أن يَعُمَّهم الله بعقابٍ من عندِه» (٣).
وأخبر أن تركَه يمنع إجابةَ دعاء الأخيار، ويُوجب تسلُّطَ الأشرار (٤).
وأخبر أنّ ترْكَه يُوقِع المخالفةَ بين القلوب والوجوه، ويُحِلُّ لعنةَ الله، كما لَعنَ بني إسرائيل على تركه (٥).
стр. 1927
فكيف يكون الإنكار من رُعونات النُّفوس، وهو مقصود الشّريعة؟ وهل الجهاد إلّا أعلى أنواع الإنكار، وهو إنكارٌ (١) باليد، وجهاد أهل العلم إنكارٌ باللِّسان.
وأمّا قوله: «إنّ المشاهد يعلم أنّ مرادَ الله من الخلائق ما هُم عليه».
فيقال له: الرّبُّ تعالى له مرادان: كونيٌّ ودينيٌّ، فهَبْ أنّ مراده الكونيّ منهم ما هم عليه، فمراده الدِّينيُّ الأمريُّ الشّرعيُّ هو الإنكار على أصحاب المراد الكونيِّ. فإذا عطَّلتَ مراده الدِّينيّ لم تكن واقفًا مع مراده الذي يحبُّه ويرضاه، ولا ينفعك وقوفك مع مراده الذي قدّره وقضاه، إذ لو نفعَ ذلك لم يكن للشّرائع معنًى البتّة، ولا للحدود والزّواجر، ولا للعقوبات الدُّنيويّة، ولا للأخذ على يد (٢) الظَّلَمة والفُجَّار، وكفِّ عدوانهم وفجورهم. فإنّ العارف عندك شهد أنّ مراد الله منهم هو ذلك، وفي هذا فسادُ الدُّنيا قبل الأديان.
فهذا المذهب الخبيث لا يصلُح عليه دنيا ولا دينٌ، ولكنّه رعونةُ نفسٍ قد أخلدتْ إلى الإلحاد، وكفرتْ بدين ربِّ العباد، واتّخذتْ تعطيلَ الشّرائع مقامًا (٣)، ووساوسَ الشياطين مسامرةً وإلهامًا، وجعلتْ أقدارَ الرّبِّ تعالى مُبطِلةً لما بعثَ به رسلَه، وأنزلَ به كتبه. وجعلوا هذا الإلحاد غاية المعارف الإلهيّة، وأشرفَ المقامات العليّة، ودَعَوا إلى ذلك النُّفوس المبطلة الجاهلة بالله ودينه، فلَبَّوا دعوتَهم مسرِعين، واستخفَّ الدّاعي منهم قومَه
أحدهما: أنّ ملاحظة عينِ الجمع يُفيد صاحبَه مطالعةَ السّوابق التي ابتدأه الله بها، فيفيده ملاحظةُ عينِ الجمع نظرةً إلى أوّليّة الرّبِّ تعالى في كلِّ شيءٍ.
ويحتمل أن يريد بالبدايات بدايات سلوكه، وحدّة طلبه. فإنّه في حال سلوكه لا يلتفت إلى ما وراءه، لشدّة شغله بما بين يديه، وغلبةِ أحكام الهمّة عليه، فلا يتفرّغ لمطالعة بداياته. فإذا لاحظ عينَ الجمع قطعَ السُّلوك الأوّل، وبقي له سلوكٌ ثانٍ. فتفرّغَ (١) حينئذٍ إلى مطالعة بداياته، ووجدَ اشتياقًا إليها.
كما قال الجنيد ﵀: واشوقًا إلى أوقات البداية (٢). يعني لذّة أوقات البداية، وجمع الهمّة على الطّلب، والسّير إلى الله. فإنّه كان مجموعَ الهمّة على السّير والطّلب، فلمّا لاحظ عين الجمع فنيتْ رسومه، وهو لا يمكنه الفناء عن بشريّته وأحكام طبيعته. فتقاضَتْه طباعُه ما فيها، فلزِمتْه الكُلَف، فارتاح إلى أوقات البدايات، لِما كان فيها من لذّة الإعراض عن الخلق واجتماع الهمّة.
ومرّ أبو بكرٍ ﵁ على رجلٍ وهو يبكي من خشية الله، فقال: هكذا كنّا حتّى قَسَتْ قلوبنا (٣).
وقد أخبر النّبيُّ ﷺ أنّ لكلِّ عاملٍ شِرّةً، ولكلِّ شِرّةٍ فَتْرة (٤).
стр. 1930
ف الطّالب الجادُّ لا بدّ أن تَعرِض له فترةٌ ، فيشتاق في تلك الفترة إلى حاله وقتَ الطّلب والاجتهاد.
ولمّا فَتر الوحيُ عن النّبيِّ ﷺ كان يغدو إلى شَواهقِ الجبال ليُلقِي نفسَه، فيتبدَّى له جبريل فيقول له: إنّك رسول الله. فيسكُن لذلك جَأْشُه، وتطمئنُّ نفسه (١).
فتخلُّلُ الفترات للسّالكين أمرٌ لازمٌ لا بدَّ منه. فمن كانت فترتُه إلى مقاربةٍ وتسديدٍ، ولم تُخرِجه من فرضٍ، ولم تُدخِله في محرّمٍ= رُجِيَ له أن يعود خيرًا ممّا كان.
قال عمر بن الخطّاب: إنّ لهذه القلوب إقبالًا وإدبارًا، فإذا أقبلتْ فخذوها بالنّوافل، وإذا (٢) أدبرتْ فأَلزِموها الفرائضَ (٣).
وفي هذه الفترات والغُيوم والحُجُب التي تَعرِض للسّالكين من الحِكم ما لا يعلم تفصيله إلّا الله، وبها يتبيّن الصّادق من الكاذب.
فالكاذب ينقلب على عقبيه، ويعود إلى رسوم طبيعته وهواه.
стр. 1931
والصّادق ينتظر الفرج، ولا ييأس من رَوْح الله، فيُلْقي نفسَه في الباب (١) طَريحًا ذليلًا مسكينًا مستكينًا، كالإناء الفارغ الذي لا شيء فيه البتّةَ، ينتظر أن يضع فيه مالك الإناء وصانعه ما يصلُح له، لا بسببٍ من العبد وإن كان هذا الافتقار من أعظم الأسباب، لكن ليس هو منك، بل هو الذي منَّ عليك به، وجرَّدك منك. وأخلاك عنك.
فإذا رأيتَه قد أقامك في هذا المقام، فاعلم أنّه يريد أن يرحمك ويملأ إناءك، فإن وضعتَ القلب في غير هذا الموضع فاعلم أنّه قلبٌ مُضَيَّعٌ، فسَلْ ربّه ومَن هو بين أصابعه أن يردَّه عليك، ويجمعَ شَمْلَك به. ولقد أحسن القائل (٢):
إذا ما وضعتَ القلبَ في غيرِ موضعٍ ... بغير إناءٍ فهو قَلْبٌ مضيَّعُ
* * * *
стр. 1932
فصل
ومنها الوقت.
قال صاحب «المنازل» (١): (باب الوقت. قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى﴾ [طه: ٤٠]. الوقت اسمٌ لظرف الكون, وهو اسمٌ في هذا الباب لثلاث معانٍ على ثلاث درجاتٍ. المعنى الأوّل: حينُ وجدٍ صادقٍ (٢)، لإيناسِ ضياءِ فضلٍ جذَبَه صفاءُ رجاءٍ، أو لعصمةٍ (٣) جذَبها صدقُ خوفٍ, أو لتلهُّبِ شوقٍ جذَبَه اشتعالُ محبّةٍ).
وجه استشهاده بالآية: أنّ الله سبحانه قدَّر مجيء موسى أحوجَ ما كان الوقت إليه، فإنّ العرب تقول: جاء فلانٌ على قَدَرٍ، إذا جاء وقتَ الحاجة إليه. قال جريرٌ (٤):
نال الخلافةَ أو كانت على قَدَرٍ ... كما أتى ربَّه موسى على قَدَر
وقال مجاهدٌ: على موعدٍ (٥). وهذا فيه نظرٌ، لأنّه لم يَسبِق بين الله سبحانه وبين موسى موعدٌ للمجيء حتّى يقال: إنّه أتى على ذلك الموعد. ولكنّ وجهَ هذا أنّ المعنى: جئتَ على الموعد الذي وعدناه (٦) أن نُنجِزه،
стр. 1933
والقَدَر الذي قدّرنا أن يكون في وقته. وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٨]. لأنّ الله سبحانه وعد بإرسال نبيٍّ في آخر الزّمان يملأ الأرض نورًا وهدًى، فلمّا سمعوا القرآن علموا أنّ الله أنجزَ ذلك الوعد الذي وعد به.
واستشهاده بهذه الآية يدلُّ على محلِّه من العلم، لأنّ الشّيء إذا وقع في وقته الذي هو أليقُ الأوقات بوقوعه فيه كان أحسنَ وأنفعَ وأجدى (١)، كما إذا وقع الغيثُ في أحوجِ الأوقات إليه، وكما إذا وقع الفَرَجُ في وقته الذي يليق به.
ومن تأمّلَ أقدار الرّبِّ تعالى وجَرَيانَها في الخلق علِمَ أنّها واقعةٌ في أليق الأوقات بها. فبعث الله سبحانه موسى أحوجَ ما كان النّاس إلى بعثته، وبعث عيسى كذلك، وبعث محمّدًا ﷺ أحوجَ ما كان أهل الأرض إلى إرساله، فهكذا وقت العبد مع الله يَعمُره بأنفع الأشياء له أحوجَ ما كان إلى عمارته.
قوله: (الوقت: ظرف الكون)، الوقت: عبارةٌ عن مقاربة (٢) حادثٍ لحادثٍ (٣) عند المتكلِّمين، فهو نسبةٌ بين حادثينِ (٤). فقوله: (ظرف الكون) أي وعاء التّكوين، فهو الوعاء الزّمانيُّ الذي يقع فيه التّكوين، كما أنّ ظرف المكان هو الوعاء المكانيُّ الذي يحصل فيه الجسم.
стр. 1934
ولكنّ الوقت في اصطلاح القوم أخصُّ من ذلك.
قال أبو عليٍّ الدّقّاق: الوقت ما أنت فيه. فإن كنتَ بالدُّنيا فوقتُك الدُّنيا، وإن كنتَ بالعقبى فوقتك العقبى، وإن كنتَ بالسُّرور فوقتك سرور، وإن كنتَ بالحزن فوقتك الحزن. يريد: أنّ الوقت ما كان الغالب على الإنسان من حاله (١).
وقد يريدون بالوقت ما بين الزّمانين الماضي والمستقبل. وهو اصطلاح أكثر الطّائفة، ولهذا يقولون: الصُّوفيُّ أو الفقير ابنُ وقتِه (٢).
يريدون: أنّ همّته لا تتعدّى وظيفةَ وقتِه، وعمارتَه بما هو أولى الأشياء به وأنفعُها له. فهو قائمٌ بما هو مُطالَبٌ به في الحِين والسّاعة الرّاهنة، فهو لا يهتمُّ بماضي وقتِه وآتيه، بل بوقته الذي هو فيه، فإنّ الاشتغال بالوقت الماضي والمستقبل يُضيِّع الوقتَ الحاضر، وكلّما حضرَ وقتٌ اشتغل عنه بالطّرفين، فتصير أوقاته كلُّها فَواتًا (٣).
قال الشّافعيُّ ﵀: صحبتُ الصُّوفيّة، فما انتفعتُ منهم إلّا بكلمتين. سمعتهم يقولون: الوقت سَيفٌ، فإن قطعتَه وإلّا قطَعَك . ونفسك إن لم تَشْغَلْها بالحقِّ شَغَلَتْك بالباطل (٤).
стр. 1935
قلت: يا لهما من (١) كلمتين ما أنفعَهما وأجمعَهما! وأدلَّهما على علوِّ همّة قائلهما ويقظته! ويكفي هذا ثناءً من الشّافعيِّ على طائفةٍ هذا قدْرُ كلماتهم.
وقد يريدون بالوقت ما هو أخصُّ من هذا كلِّه، وهو ما يصادفهم من (٢) تصريف الحقِّ لهم دونَ ما يختارونه لأنفسهم فيقولون: فلانٌ بحكم الوقت، أي مستسلمٌ لما يأتي من عند الله من غير اختيارٍ.
وهذا يحسُن في حالٍ، ويحرُم في حالٍ، وينقُص صاحبَه في حالٍ:
فيحسُن في كلِّ موضعٍ ليس لله فيه على العبد أمرٌ ولا نهيٌ، بل في موضع جريان الحكم الكونيِّ الذي لا يتعلّق به أمرٌ ولا نهيٌ، كالفقر والمرض، والغربة والجوع، والألم والحرِّ والبرد، ونحو ذلك.
ويحرم (٣) في الحال التي يجري عليه فيها الأمر والنّهي والقيام بحقوق الشّرع، فإنّ التّضييع لذلك والاستسلام والاسترسال مع القدر انسلاخٌ من الدِّين بالكلِّيّة.
وينقُص صاحبَه في حالٍ يقتضي قيامَه بالنّوافل وأنواعِ البرِّ والطّاعة.
وإذا أراد الله بالعبد خيرًا أعانَه بالوقت، وجعل وقتَه مساعدًا له. وإذا أراد به شرًّا جعلَ وقتَه عليه، فكلّما أراد التّأهُّبَ للمسير لم يساعده الوقت، والأوّل كلّما همَّتْ نفسه بالقعود أقامه الوقت وساعده.
стр. 1936
وقد قسّم بعضهم (١) الصُّوفيّة أربعة أقسامٍ: أصحاب السّوابق، وأصحاب العواقب، وأصحاب الوقت، وأصحاب الحقِّ . قال:
فأمّا أصحاب السّوابق: فقلوبهم أبدًا فيما سبق لهم من الله سبحانه، لعلمهم أنّ الحكم الأزليّ لا يتغيّر باكتساب العبد. ويقولون: من أقْصَتْه السّوابقُ لم تُدْنِه الوسائل. ففكرهم (٢) في هذا أبدًا، ومع ذلك فهم مُجِدُّون في القيام بالأوامر، واجتناب النّواهي، والتّقرُّب إلى الله بأنواع القرب، غير واثقين بها، ولا ملتفتين إليها. يقول قائلهم (٣):
من أين أُرضِيكَ إلّا أن تُوفِّقني ... هيهاتَ هيهاتَ ما التّوفيقُ من قِبَلِي
إن لم يكن ليَ في المقدور سابقةٌ ... فليس ينفعُ ما قدَّمتُ من عملي
وأمّا أصحاب العواقب: فهم مفكّرون (٤) فيما يُختَم به أمرهم، فإنّ الأمور بأواخرها، والأعمال بخواتيمها، والعاقبة مستورةٌ، كما قيل: لا يَغُرّنَّك صَفاءُ الأوقات، فإنّ تحتها غوامضَ الآفات (٥). فكم من ربيعٍ نوَّرتْ أشجاره، وظهرتْ أزهاره، وزَهَتْ ثماره، لم يلبث أن أصابته جائحةٌ سماويّةٌ، فصار كما قال الله : ﴿وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا
стр. 1937
أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ﴾ [يونس: ٢٤]. فكم من مريدٍ كَبَا به جوادُ عَزْمِه.
فخرَّ صَرِيعًا لليدينِ وللفمِ (١)
وقيل لبعضهم وقد شُوهِد منه خلاف ما كان يُعهد عليه: ما الذي أصابك؟ فقال: حجابٌ وقع، وأنشد (٢):
أحسنتَ ظنَّك بالأيّام إذ حَسُنَتْ ... ولم تَخَفْ سوءَ ما يأتي به القَدَرُ
وسالَمتْك اللّيالي فاغتررتَ بها ... وعند صفوِ اللّيالي يحدُث الكَدَرُ
ليس العجب ممّن هلك كيف هلك؟ إنّما العجب ممّن نجا كيف نجا؟
تَعجَبين من سَقَمي ... صحّتي هي العجبُ (٣)
النّاكصون على أعقابهم أضعافُ أضعافِ من اقتحم العقبة:
خذْ من الألفِ (٤) واحدًا ... واطْرَحِ الكلَّ بعدَه (٥)
стр. 1938
وأمّا أصحاب الوقت: فلم يشتغلوا بالفكر في السوابق ولا في العواقب، بل اشتغلوا بمراعاة الوقت وما يلزمهم من أحكامه، وقالوا: العارفُ ابنُ وقته، والفقير لا ماضٍ له ولا مستقبل (١).
ورأى بعضهم الصِّدِّيق في منامه، فقال له: أَوصِني، فقال: كن ابنَ وقتِك (٢).
وأمّا أصحاب الحقِّ: فهم مع صاحب الوقت والزّمان ومالِكهما ومدبِّرِهما، مأخوذون بشهوده عن مشاهدة الأوقات، لا يتفرّغون لمراعاة وقتٍ وزمانٍ. كما قيل (٣):
لستُ أدريْ أطالَ ليليَ أم لا ... كيف يدري بذاك مَن يتقلَّى
لو تفرّغتُ لاستطالةِ ليلِيْ ... ولرَعْيِ النُّجوم كنتُ مُخلَّى
إنَّ للعاشقين عن قِصَر اللّيـ ... لِ وعن طُولِه من العشق شُغْلَا
قال الجنيد: دخلت على السَّريِّ يومًا، فقلت: كيف أصبحتَ؟ فأنشأ يقول:
стр. 1939
ما في النّهار ولا في اللّيلِ لي فَرَجٌ ... فلا أبالي أطالَ اللّيلُ أم قَصُرَا (١)
ثمّ قال: ليس عند ربِّكم ليلٌ ولا نهارٌ.
يشير إلى أنّه غير متطلِّعٍ إلى الأوقات، بل هو مع الذي يُقدِّر اللّيل والنّهار.
فصل
قال صاحب «المنازل» (٢): (الوقت: اسمٌ في هذا الباب لثلاث معانٍ. المعنى الأوّل: حِينُ وجدٍ صادقٍ). أي وقتُ وجدٍ صادقٍ، أي زمنُ وجدٍ يقوم بقلبه، وهو صادقٌ فيه (٣)، غير متكلِّفٍ له، ولا متعمِّلٍ في تحصيله.
يكون متعلّقه (إيناسُ ضياءِ فضلٍ) أي رؤية ذلك، والإيناس الرُّؤية. قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي﴾ [القصص: ٢٩]. وليس هو مجرّد الرُّؤية، بل رؤية ما يأنَسُ به القلب ويسكُن إليه. ولا يقال لمن رأى عدوّه أو مخوفًا: آنسَه.
ومقصوده: أنّ هذا الوقت وقتُ وجدٍ، صاحبه صادقٌ فيه لرؤية ضياءِ فضلِ الله ومنِّه عليه. والفضل هو العطاء الذي لا يستحقُّه المعطى، أو يُعطى فوق استحقاقه، فإذا آنسَ هذا الفضل وطالَعه بقلبه أثارَ ذلك فيه وجدًا آخر،
стр. 1940
باعثًا على محبّة صاحب الفضل والشّوق إلى لقائه، فإنّ النُّفوس مجبولةٌ على حبِّ من أحسنَ إليها.
ودخلتُ يومًا على بعض أصحابنا وقد حصلَ له وجدٌ أبكاه، فسألتُه عنه؟ فقال: ذكرتُ ما منَّ الله به عليّ من السُّنّة ومعرفتها، والتّخلُّص من شُبَه القوم وقواعدهم الباطلة، وموافقة العقل الصّريح والفطرة السّليمة لما جاء به الرّسول. فسرَّني ذلك حتّى أبكاني.
فهذا الوجد أثاره إيناس فضل الله ومنّه.
قوله: (جذَبَه صفاءُ رجاءٍ)، أي جذب ذلك الوجدَ ــ أو الإيناسَ، أو الفضلَ ــ رجاءٌ صافٍ غيرُ مكدَّرٍ. والرّجاء الصّافي هو الذي لا يشوبُه كدَرٌ يُوهِم معاوضةً منك، وأنّ عملك هو الذي بعثَك على الرّجاء. فصفاء الرّجاء يُخلِّصُه (١) من ذلك، بل يكون رجاءً محضًا لمن هو مبتدئٌ بالنِّعم من غير استحقاق. والفضل كلُّه له ومنه، وفي يده أسبابه وغاياته، ووسائله وشروطه، وصرفُ موانعِه، كلٌّ بيد الله، لا يستطيع العبد أن ينال منه شيئًا بدون توفيقه وإذنه ومشيئته.
وملخَّص (٢) ذلك: أنّ الوقت في هذه الدّرجة الأولى: عبارةٌ عن وجدٍ صادقٍ، سببُه رؤية فضل الله على عبده، لأنّ رجاءه كان صافيًا من الأكدار.
قوله: (أو لعصمةٍ جذَبَها صدقُ خوفٍ)، اللّام في قوله «أو لعصمةٍ» معطوفة على اللّام في قوله: «لإيناسِ ضياءِ فضلٍ»، أي وجدٍ لعصمةٍ جذَبَها
стр. 1941
صدق خوفٍ. فاللّام ليست للتّعليل، بل هي على حدِّها في قولك: ذوقٌ لكذا أو رؤيةٌ لكذا. فمتعلّق الوجدِ عصمةٌ، وهي منعةٌ وحفظُ ظاهرٍ وباطنٍ، جذَبَها صدق خوفٍ من الرّبِّ سبحانه.
والفرق بين الوجد في هذه الدّرجة والّتي قبلها: أنّ الوجد في الأولى جذَبه صدقُ الرّجاء، وفي الثّانية جذبَه صدقُ الخوف، وفي الثّالثة ــ التي تُذكر ــ جذَبه صدقُ الحبِّ. فهو معنى قوله: (أو لتلهُّب شوقٍ جذَبَه اشتعالُ محبّةٍ)، وخدَمتْه التّورية في اللهيب والاشتعال. والمحبّة متى قويتْ اشتعلت نارها في القلب، فحدَثَ عنها لهيب الاشتياق إلى لقاء الحبيب.
وهذه الثّلاثة التي تضمَّنتْها هذه الدّرجة ــ وهي الحبُّ والخوف والرّجاء ــ هي التي تبعث على عمارة الوقت بما هو الأولى بصاحبه والأنفع له، وهي أساس السُّلوك والمسيرِ (١) إلى الله سبحانه. وقد جمع سبحانه الثّلاثة في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧]. وهذه الثّلاثة هي قطبُ رحى العبوديّة، وعليها دارتْ رَحى الأعمال.
فصل
قال (٢): (والمعنى الثّاني: اسمٌ لطريقِ سالكٍ يسير بين تمكُّنٍ وتلوُّنٍ، لكنّه إلى التّمكُّن ما هو. يسلك الحال، ويلتفت إلى العلم. فالعلم يشغله في حينٍ، والحال يحمله في حينٍ. فبلاؤه بينهما: يُذِيقه شهودًا طورًا، ويكسوه
стр. 1942
عِبْرةً (١) طورًا، ويُرِيه غيرةَ تفرُّقٍ طورًا).
هذا المعنى هو المعنى الثّاني من المعاني الثّلاثة من معاني الوقت عنده.
قوله: (اسمٌ لطريقِ سالكٍ) هو على الإضافة. أي لطريق عبد سالكٍ.
قوله: (يسير بين تمكُّنٍ وتلوُّنٍ)، أي ذلك العبد يسير بين تمكُّنٍ وتلوُّنٍ. والتّمكُّن: هو الانقياد إلى أحكام العبوديّة بالشُّهود والحال، والتّلوُّن في هذا الموضع خاصّةً: هو الانقياد إلى أحكام العبوديّة بالعلم. فإن الحال يجمعه بقوّته وسلطانه فيعطيه تمكينًا، والعلم يُلوِّنه بحسب متعلّقاته وأحكامه.
قوله: (لكنّه إلى التّمكُّن ما هو يسلك الحال، ويلتفت إلى العلم)، يعني: أنّ هذا العبد هو سالكٌ إلى التّمكُّن ما دام يسلك الحالَ ويلتفت إلى العلم، فأمّا إن سلك العلمَ والتفتَ إلى الحال لم يكن سالكًا إلى التّمكُّن.
فالسّالكون ضربان: سالكون على الحال ملتفتون إلى العلم، وهم إلى التّمكُّن أقرب. وسالكون على العلم ملتفتون إلى الحال، وهم إلى التّلوُّن أقرب. هذا حاصل كلامه (٢).
وهذه النكتة (٣) هي المفرِّقة بين أهل العلم وأهل الحال، حتّى كأنّهما غيرانِ وحزبانِ، وكلُّ فرقةٍ منهما لا تأنَسُ بالأخرى ولا تُعاشِرها إلّا على إغماضٍ ونوعِ استكراهٍ.
وهذا من تقصير الفريقين، حيث ضعُفَ أحدهما عن السّير في العلم،
стр. 1943
وضعُفَ الآخرون (١) عن الحال في العلم، فلم يتمكّن كلٌّ منهما من الجمع بين الحال والعلم. فأخذ هؤلاء العلمَ وسعتَه ونورَه ورجّحوه، وأخذ هؤلاء الحالَ وسلطانه وتمكينه ورجّحوه. وصار الصّادق الضّعيف من الفريقين يسير بأحدهما ملتفتًا إلى الآخر.
فهذا مطيعٌ للحال (٢)، وهذا مطيعٌ للعلم. لكنّ المطيع للحال متى عصى به العلم كان منقطعًا محجوبًا (٣)، وإن كان له من الحال ما عساه أن يكون. والمطيع للعلم متى أعرض به عن الحال كان مضيِّعًا منقوصًا، مشتغلًا بالوسيلة عن الغاية.
و صاحب التّمكين يتصرَّفُ علمُه في حاله ، ويحكم عليه، فينقاد لحكمه. ويتصرّف حالُه في علمه، فلا يدَعُه أن يقف معه، بل يدعوه إلى غاية العلم، فيجيبُه ويلبِّي دعوته. فهذه حالُ الكُمَّل من هذه الأمّة، ومن استقرأ أحوال الصّحابة وجدها كذلك.
فلمّا فرّق (٤) المتأخِّرون بين الحال والعلم دخل عليهم النّقصُ والخلل، والله المستعان. ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٤٩ - ٥٠]، فكذلك يَهَبُ لمن يشاء علمًا، ولمن يشاء حالًا، ويجمع بينهما لمن يشاء (٥)،
стр. 1944
ويُخلي من يشاء منهما.
قوله: (فالعلم يَشْغَله في حينٍ)، أي يشغله عن السُّلوك إلى تمكُّن الحال أنّ (١) العلم متنوِّع التّعلُّقات، فهو يُفرِّق، والحال يجمع. فإنه يدعوه إلى الفناء، وهناك سلطان الحال.
قوله: (والحال يحمله في حينٍ)، أي يغلب عليه الحال تارةً، فيصير محمولًا بقوّة الحال، وسلطانه على السُّلوك، فيشتدُّ (٢) سيرُه بحكم الحال، يعني: وإذا غلبه العلمُ شغَلَه عن السُّلوك. وهذا على (٣) المعهود من طريقة المتأخِّرين أنّ العلم يَشْغَل عن السُّلوك، ولهذا يعدُّون السّالك من سلك على الحال ملتفتًا إلى العلم.
وأمّا على ما قرّرناه ــ من أنّ العلم يُعِين على (٤) السُّلوك ويَحمِل عليه، ويكون صاحبه سالكًا به وفيه (٥) ــ فلا يَشْغَله العلم عن سلوكه، وإن أضعفَ سيْرَه على دربِ الفناء. فلا ريبَ أنّ العلم لا يُجامع الفناء، فالفناء ليس هو غاية السّالكين إلى الله، بل ولا هو لازمٌ من لوازم الطّريق (٦)، وإن كان عارضًا من عوارضها، يَعرِض لغير الكُمَّل، كما تقدّم تقرير ذلك، فبيّنّا أنّ الفناء الكامل الذي هو الغاية المطلوبة: الفناء عن محبّة ما سوى الله وإرادته،
стр. 1945
فيفنى بمحبّة الله عن محبّة ما سواه، وبإرادته ورجائه والخوفِ منه والتّوكُّلِ عليه والإنابة إليه عن إرادة ما سواه وخوفه ورجائه والتّوكُّل عليه.
وهذا الفناء لا ينافي العلم بحالٍ بل ولا يَشْغَل عنه العلم، ولا يحول بين العبد وبينه، بل قد يكون في أغلب الأحوال من أعظم أعوانه. وهذا أمرٌ غفَلَ عنه أكثر المتأخِّرين، بحيث لم يعرفوه ولم يسلكوه، ولكن لم يُخْلِ الله الأرضَ من قائمٍ به داعٍ إليه.
قوله: (فبلاؤه بينهما)، أي عذابه وألمه بين داعي الحال وداعي العلم، فإيمانه يحمله على إجابة داعي العلم، ووارِدُه يحمله على إجابة داعي الحال، فيصير كالغريم بين المطالبينِ (١). كلٌّ منهما يطالبه بحقِّه، وليس بيده إلّا ما يقضي أحدهما.
وقد عرفتَ أنّ هذا من الضِّيق (٢)، وإلّا فمع السّعة يُوفِّي كلًّا منهما حقَّه.
قوله: (يُذِيقه شهودًا طورًا)، أي ذلك البلاء الحاصل بين الدّاعيينِ يُذِيقه شهودًا طورًا، وهو الطّور الذي يكون الحاكم عليه فيه هو العلم.
قوله: (ويكسوه عبرةً طورًا)، الظّاهر: أنّه عِبْرةٌ بالباء الموحّدة، أي اعتبارًا بأفعاله واستدلالًا عليه بها، وأنّه (٣) سبحانه دلَّ على نفسه بأفعاله. فالعلم يكسو صاحبَه اعتباره واستدلاله (٤) على الرّبِّ بأفعاله.
стр. 1946
ويصحُّ أن يكون غيرةً بالغين المعجمة (١) والياء المثنّاة من تحت، ومعناه: أنّ العلم يكسوه غيرةً من حجابه عن مقام صاحب الحال، فيَغَارُ من احتجابه عن الحال بالعلم، وعن العيان بالاستدلال، وعن الشُّهود ــ الذي هو مقام الإحسان ــ بالإيمان، الذي هو إيمانٌ بالغيب.
قوله: (ويُرِيه غيرةَ تفرُّقٍ طورًا)، هذا بالغين المعجمة ليس إلّا، أي: ويُرِيه العلم غيرةَ تفرقةٍ (٢) في أوديته، فيُفرِّق بين أحكام الحال وأحكام العلم، وهي حالة صحوٍ وتمييزٍ.
وكأنّ الشّيخ ﵀ يشير إلى أنّ صاحب هذا المقام تَغَار تفرقتُه (٣) من جمعيّته على الله، فنفسُه تفرُّ من الجمعيّة على الله إلى تفرُّقِ العلم، فإنّه لا أشقَّ على النُّفوس من جمعيّتها على الله، فهي تهرب من الله إلى الحال تارةً، وإلى العمل تارةً، وإلى العلم تارةً. هذه نفوس السّالكين الصّادقين. ومن (٤) ليس من أهل هذا الشّأن فنفوسُهم تَفِرُّ من الله إلى الشّهوات والرّاحات.
فأشقُّ ما على النفس (٥): جمعيَّتُها على الله، وهي تُناشِد صاحبها أن لا يُوصِلها إليه، وأن يَشْغَلَها بما دونه. فإنّ حبسَ النّفسِ على الله شديدٌ، وأشدُّ منه حبْسُها على أوامره وحبْسُها عن نواهيه, فهي دائمًا تُرضِيك بالعلم عن
стр. 1947
العمل، وبالعمل عن الحال، وبالحال عن الله سبحانه، وهذا أمرٌ لا يعرفه إلّا من شدَّ مِئزَرَ سيرِه إلى الله, وعلمَ أنّ كلّ ما سواه فهو قاطعٌ عنه.
وقد تضمّن كلامُه في هذه الدّرجة ثلاثَ درجاتٍ كما أشار إليه: درجة الحال, ودرجة العلم، ودرجة التّفرقة بين الحال والعلم. وهذه الثّلاث درجات هي المختصّة بالمعنى الثّاني من معاني الوقت.
فصل
قال (١): (والمعنى الثّالث، قالوا: الوقت الحقُّ. أرادوا به: استغراق رسم الوقت في وجود الحقِّ. وهذا المعنى يَسبِق (٢) على هذا الاسم عندي, لكنّه هو اسمٌ في هذا المعنى الثّالث، لحين تتلاشى فيه الرُّسوم كشفًا, لا وجودًا محضًا. وهو فوق البرق والوجد. وهو يُشارِف (٣) مقامَ الجمع لو دام وبقي, ولا يبلُغُ واديَ الوجود، لكنّه يكفي مؤنةَ المعاملة، ويُصفِّي عينَ المسامرة, ويُشِمُّ روائحَ (٤) الوجود).
هذا المعنى الثّالث من معاني الوقت أخصُّ ممّا قبله, وأصعبُ تصوُّرًا وحصولًا. فإنّ الأوّل وقتُ سلوكٍ يتلوَّنُ, وهذا وقتُ كشفٍ يتمكَّن. ولذلك أطلقوا عليه اسم «الحقِّ» , لغلبة حكمه على قلب صاحبه, فلا يُحسُّ برسم الوقت، بل يتلاشى ذكرُ وقتِه من قلبه، لما قهره من نور الكشف.
стр. 1948
فقوله: (قالوا: الوقت هو الحقُّ) , يعني أنّ بعضهم (١) أطلقوا اسم الحقِّ على الوقت، ثمّ فسَّر مرادهم بذلك, وأنّهم عَنَوا به استغراقَ رسم (٢) الوقت في وجود الحقِّ. ومعنى هذا: أنّ السّالك بهذا المعنى الثّالث إذا شهدَ استغراقَ وقته في وجود الحق تلاشَى عنده (٣) وقته بالكلِّيّة.
وتقريب هذا إلى الفهم: أنّه إذا شهدَ استغراقَ وقته الحاضر في ماهيّة الزّمان= فقد استغرق الزّمان رسم الوقت الذي هو (٤) جزءٌ يسيرٌ جدًّا من أجزائه، وانغمرَ فيه كما تنغمرُ القطرة في البحر. ثمّ إنّ الزّمان المحدودَ الطّرفين يستغرق رسمه في وجود الدّهر, وهو ما بين الأزل والأبد. ثمّ إنّ الدّهر يستغرق رسمه في دوام الرّبِّ ﷻ , وذلك الدّوام هو صفة الرّبِّ. فهناك يضمحلُّ الدّهر والزّمان والوقت, ولا يبقى له نسبةٌ إلى دوام الرّبِّ ﷻ البتّةَ. فاضمحلّ الزّمان والدّهر والوقت في الدّوام الإلهيِّ (٥)، كما تضمحلُّ الأنوار المخلوقة في نوره، وكما يضمحلُّ علمُ الخلق في علمه، وقدرتُهم (٦) في قدرته، وجمالُهم في جماله، وكلامُهم في كلامه، بحيث لا يبقى للمخلوق نسبةٌ ما إلى صفات الرّبِّ ﷻ .
والقوم إذا أطلق أهل الاستقامة منهم «ما في الوجود إلّا الله» أو «ما ثَمَّ
стр. 1949
موجودٌ على الحقيقة إلّا الله» أو «هناك يفنى من لم يكن, ويبقى من لم يزل» ونحو ذلك من العبارات، فهذا مرادهم. لا سيّما إذا حصل هذا الاستغراق في الشُّهود كما هو في الوجود, وغلب سلطان الحال على سلطان العلم, وكان القلب (١) مغمورًا بوارده، وفي قوّة التّمييز ضعفٌ, وقد تَوارى العلم بالشُّهود وحكم الحال. فهناك يثبِّت الله الذين آمنوا بالقول الثّابت (٢) , وتَزِلُّ أقدامٌ كثيرةٌ إلى الحضيض الأدنى. ولا ريبَ أنّ وجود الحقِّ سبحانه ودوامه يستغرق وجودَ كلِّ ما سواه ووقته وزمانه (٣) , بحيث يصير كأنّه لا وجودَ له.
ومن هنا غلِطَ القائلون بوحدة الوجود, وظنُّوا أنّه ليس لغيره وجودٌ البتّةَ, وغَرَّتْهم (٤) كلماتٌ مشتبهة (٥) جرَتْ على ألسنة (٦) أهل الاستقامة من الطّائفة, فجعلوها عمدةً لكفرهم وضلالهم, فظنُّوا أنّ السّالكين سيرجعون إليهم، وتصير طريقة النّاس واحدةً, ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢].
قوله: (وهذا المعنى يسبق على هذا الاسم عندي)، يريد أنّ «الحقّ» سابقٌ على هذا الاسم الذي هو «الوقت»، أي هو منزَّهٌ عن أن يسمّى بالوقت، فلا ينبغي إطلاقه عليه، لأنّ الأوقات حادثةٌ.
стр. 1950
قوله: (لكنّه اسمٌ في هذا المعنى الثّالث، لحين (١) تتلاشى فيه الرُّسوم كشفًا لا وجودًا محضًا).
تَلاشِي الرُّسوم: اضمحلالُها وفناؤها. والرُّسوم عندهم: ما سوى الله. وقد صرّح الشّيخ أنّها إنّما تتلاشى في الكشف لا في الوجود العيني الخارجي، فإنّ تلاشيَها في الوجود خلافُ الحسّ والعيان، وإنما تتلاشى في وجود العبد الكشفيِّ، بحيث لا يبقى فيه سعةٌ للإحساس بها (٢)، لِما استغرقَه من الكشف. فهذه عقيدة أهل الاستقامة من القوم.
وأمّا الملاحدة أهل وحدة الوجود، فعندهم: أنّها لم تزل متلاشيةً في عين (٣) وجود الحقِّ، بل وجودها هو نفس وجوده. وإنّما كان الحسُّ يُفرِّق بين الوجودين، فلمّا غاب عن حسِّه بكشفه تبيّن له أنّ وجودها هو عين وجود الحقِّ.
ولكنّ الشّيخ كأنّه عبّر بالكشف والوجود عن المقامين اللّذين ذكرهما في كتابه، والكشفُ هو دون الوجود عنده، فإنّ الكشف يكون مع بقاء بعض رسوم صاحبه، فليس معه استغراقٌ في الفناء. والوجود لا يكون معه رسمٌ باقٍ، ولذلك قال: لا وجودًا محضًا، فإنّ الوجود المحض عنده يُفنِي الرُّسوم. وبكلِّ حالٍ فهو يُفنِيها من وجود الواجد، لا يُفنيها في الخارج.
وسرُّ المسألة: أنّ الواصل إلى هذا المقام يصير له وجودٌ آخر، غير
стр. 1951
وجوده الطّبيعيِّ المشترك بين الموجودات، وتصير له نشأةٌ أخرى لقلبه وروحه، نسبةُ النّشأة الحيوانيّة إليها كنسبة النّشأة في بطن الأمِّ إلى هذه النّشأة المشاهدة في العالم، وكنسبة هذه النّشأة إلى النّشأة الأخرى.
فللعبد أربع نَشَآتٍ: نَشْأةٌ في الرَّحِم، حيث لا بصَرَ يُدرِكه، ولا يدَ تَنالُه. ونشأةٌ في الدُّنيا. ونشأةٌ في البرزخ. ونشأةٌ في المعاد الثّاني. وكلُّ نشأةٍ أعظم من التي قبلها. وهذه النشآت للرُّوح والقلب أصلًا، وللبدن تبعًا.
فللرُّوح في هذا العالم نشأتان. إحداهما: النّشأة الطّبيعيّة المشتركة، والثّانية: نشأةٌ قلبيّةٌ روحانيّةٌ، يُولَد بها قلبه وينفصل من مَشِيمة طبعه، كما وُلِد بدنه (١) وانفصلَ من مَشِيمة البطن.
ومن لم يُصدِّق بهذا فليضرِبْ عن هذا صفحًا، وليشتغلْ بغيره.
وفي كتاب «الزُّهد» للإمام أحمد: أنّ المسيح قال للحواريِّين: إنّكم لن تَلِجُوا ملكوتَ السّماء حتّى تُولَدوا مرّتين (٢).
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هي ولادةُ الأرواح والقلوب من الأبدان، وخروجها من عالم الطّبيعة، كما وُلدت الأبدان من البطن (٣) وخرجتْ منه. والولادة الأخرى هي الولادة المعروفة. والله أعلم.
قوله: (وهو فوق البرق والوجد).
يعني: أنّ هذا الكشف الذي تلاشتْ فيه الرُّسوم فوقَ منزلتَي البرق
стр. 1952
والوجد، فإنّه أثبتُ وأدومُ. والوجود فوقه، لأنّه يُشعِر بالدّوام.
قوله: (وهو يُشارِف مقامَ الجمع لو دام).
أي لو دام هذا الوقت لشارفَ مقام الجمع، وهو ذهاب شعور القلب بغير الحقِّ سبحانه، شغلًا به عن غيره، فهو جمعٌ في الشُّهود. وعند الملاحدة: هو جمعٌ في الوجود.
ومقصوده: أنّه لو داوم (١) الوقت بهذا المعنى الثّالث لشارفَ حضرةَ الجمع، لكنّه لا يدوم.
قوله: (ولا يبلُغ واديَ الوجود).
يعني: أنّ الوقت المذكور لا يبلغ السّالك فيه واديَ الوجود حتّى يقطعه. ووادي الوجود (٢): هو حضرة الجمع.
قوله: (لكنّه يكفي مؤنةَ المعاملة).
يعني: أنّ الوقت المذكور ــ وهو كشف (٣) المشارف لحضرة الجمع ــ يُخفِّف عن العامل أثقالَ المعاملة، مع قيامه بها أتمَّ القيام، بحيث تصير هي الحاملة له. فإنّه (٤) كان يعمل على الخبر، فصار يعمل على العيان. هذا مراد الشّيخ.
стр. 1953
وعند الملحد (١): أنّه يُفنِي عن المعاملات الجسمانيّة، ويردُّ صاحبه إلى المعاملات القلبيّة. وقد تقدّم إشباعُ هذا المعنى.
قوله: (ويُصفِّي عينَ المسامرة).
المسامرة عند القوم: هي الخطاب القلبيُّ الرُّوحيُّ بين العبد وربِّه. وقد تقدّم أنّ تسميتها بالمناجاة أولى. فهذا الكشف يُخلِّص عن المسامرة من ذكر غير الحقِّ سبحانه ومناجاته.
قوله: (ويشمُّ رائحة الوجود).
أي صاحب مقام هذا الوقت الخاصِّ يشمُّ روائح الوجود، وهو حضرة الجمع، فإنّهم يسمُّونها بالجمع والوجود، ويَعنُون بذلك ظهورَ وجود الحقِّ سبحانه وفناءَ وجود ما سواه.
وقد عرفتَ أنّ فناء وجود ما سواه بأحد اعتبارين: إمّا فناؤه من شهود العبد فلا يشهده، وإمّا اضمحلاله وتلاشيه بالنِّسبة إلى وجود الرّبِّ. ولا تلتفتْ إلى غير هذين المعنيين، فهو إلحادٌ وكفرٌ. والله المستعان.
* * * *
стр. 1954
فصل
ومنها منزلة الصّفاء .
قال صاحب «المنازل» (١): (باب الصّفاء. قال الله : ﴿(٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ﴾ [ص: ٤٧]. الصّفاء اسمٌ للبراءة من الكَدَر، وهو في هذا الباب سقوطُ التّلوين).
أمّا استشهاده (٢) بالآية: فوجهه أنّ المصطفى مُفتعَلٌ من الصَّفوة، وهي خلاصة الشّيء، وتصفيتُه ممّا يَشُوبه. ومنه: اصطفى الشَّيءَ لنفسه، أي خلَّصه من شوب شركة غيره له فيه. ومنه: الصَّفيُّ، وهو السّهم الذي كان يصطفيه رسول الله ﷺ لنفسه من الغنيمة. ومنه: الشّيء الصّافي، وهو الخالص من كدَرِ غيره.
قوله: (الصّفاء: اسمٌ للبراءة من الكَدَر).
البراءة هي الخلاص، والكدر: امتزاج الطّيِّب بالخبيث.
قوله: (وهو في هذا الباب سقوطُ التّلوين).
التّلوين هو التّردُّد والتّذبذب، كما قيل (٣):
стр. 1955
كلَّ وقتٍ تتلوَّنْ ... غيرُ هذا (١) بك أجمَلْ
قال (٢): (وهو على ثلاث درجاتٍ. الدّرجة الأولى: صفاء علمٍ يُهذِّب (٣) لسلوك الطّريق، ويُبصِّر غايةَ الجدِّ، ويُصحِّح همّةَ القاصد).
ذكر الشّيخ له في هذه الدّرجة ثلاث فوائد:
الفائدة الأولى: (علمٌ يهذِّب لسلوك الطّريق)، وهذا العلم الصّافي الذي أشار إليه هو العلم الذي أوصى به القوم، وحذَّروا من مفارقته، وأخرجوا مَن فارقَه من أهل الطريق بالكلية. وهو العلم الذي جاء به الرسول صلوات الله وسلامه عليه.
وكان الجنيد يقول دائمًا (٤): علمُنا هذا مقيَّدٌ بالكتاب والسُّنّة. من لم يحفظِ القرآن ولم يكتبِ الحديث ولم يفقَهْ فلا يُقتدى به (٥).
وقال غيره من العارفين: كلُّ حقيقةٍ لا تَتبعها شريعةٌ فهي كفرٌ.
وقال الجنيد: علمنا هذا مُشتبك (٦) بحديث رسول الله ﷺ .
стр. 1956
وقال أبو سليمان الدّارانيُّ: إنّه لتمرُّ بقلبي النُّكتة من نكت القوم، فلا أقبلها إلّا بشاهدينِ من الكتاب والسُّنّة.
وقال النّصراباذيُّ: أصلُ هذا المذهب ملازمة الكتاب والسُّنّة، وتركُ الأهواء والبدع، والاقتداء بالسّلف، وتركُ ما أحدثه الآخرون، والإقامة على ما سلكه الأوّلون.
وقد تقدّم ذكر بعض ذلك (١).
فهذا العلم الصّافي المتلقّى من مشكاة الوحي والنُّبوّة يهذِّب صاحبَه لسلوك طريق العبوديّة، وحقيقة (٢) التّأدُّبِ بآداب رسول الله ﷺ ظاهرًا وباطنًا (٣)، والوقوف معه حيث وقف بك، والمسير معه (٤) حيث سار بك، بحيث تجعله بمنزلة شيخك الذي قد ألقيتَ إليه أمرَك كلّه سِرَّه وظاهرَه، واقتديتَ به في جميع أحوالك (٥)، ووقفتَ مع ما يأمرك به فلا تخالفه البتّةَ. فتجعل رسول الله ﷺ لك شيخًا وإمامًا وقدوةً وحاكمًا، وتُعلِّق قلبك بقلبه الكريم، وروحانيّتَك بروحانيّته، كما يُعلِّق المريد روحانيّته بروحانيّة شيخه. فتُجِيبه إذا دعاك، وتَقِفُ إذا استوقفك، وتسير إذا سار بك، وتَقِيل إذا قال، وتترك إذا ترك (٦)، وتغضب لغضبه، وترضى لرضاه. وإذا أخبرك عن شيءٍ أنزلتَه منزلةَ ما تراه بعينك، وإذا
стр. 1957
أخبرك عن الله بخبرٍ أنزلتَه منزلةَ ما تسمعه من الله بأذنك.
وبالجملة: فتجعل الرّسولَ شيخك وأستاذك، ومعلِّمك ومربِّيك ومؤدِّبك، وتُسقِط الوسائطَ بينك وبينه إلّا في التّبليغ، كما تُسقِط الوسائط (١) بينك وبين المرسل في العبوديّة، ولا تُثبِت وساطةً إلّا في وصول أمره ونهيه ورسالته إليك.
وهذان التّجريدان حقيقة شهادة أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّدًا رسول الله (٢). فالله وحده المعبود المألوه، الذي لا يستحقُّ العبادةَ سواه، ورسولُه المُطاع المتَّبَع المقتدَى به، الذي لا يستحقُّ الطّاعةَ سواه. ومَن سِواه فإنّما يُطاع إذا أمر بطاعته، فيطاع تبعًا لا أصلًا (٣).
وبالجملة: فالطّريق مسدود إلّا على من اقتفى آثار رسول الله ﷺ ، واقتدى به في ظاهره وباطنه.
فلا يتعنَّى السّالكُ على غير هذه الطّريق، فليس حظُّه من سلوكه إلّا التّعب، وأعمالُه ﴿أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ يَحْسِبُهُ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ﴾ [النور: ٣٩].
ولا يتعنّى السّالك على هذه الطّريق (٤)، فإنّه واصلٌ ولو زحفَ زحفًا. فأتباعُ الرّسول إذا قعدتْ بهم أعمالُهم قامتْ بهم عزائمُهم وهِممُهم
стр. 1958
ومتابعتهم لنبيِّهم، فهم كما قيل (١):
مَن لي بمثل سَيْرِك المدلَّلِ ... تَمشي رُويدًا وتَجِيْ في الأوَّل
والمنحرفون عن طريقته (٢) إذا قامتْ بهم أعمالُهم واجتهاداتُهم قعدَ بهم عدولُهم عن طريقه.
فهُمْ في السُّرى لم يَبْرَحُوا من مكانِهم ... وما ظَعَنوا في السَّيرِ عنه وقد كَلُّوا (٣)
قوله: (ويُبصِّر غايةَ الجدِّ).
الجدُّ: الاجتهاد والتّشمير، والغاية: النِّهاية. يريد أنّ صفاء العلم يَهدي صاحبَه إلى الغاية المقصودة بالاجتهاد والتّشمير، فإنّ كثيرًا من السّالكين بل أكثرهم سالكٌ بجدِّه واجتهاده، غير متنبِّه (٤) إلى المقصود.
وأضرب لك في هذا مثالًا (٥) حسنًا جدًّا، وهو: أنّ قومًا قَدِموا من بلادٍ بعيدةٍ عليهم أنس (٦) النّعيم والبهجة والملابس السّنيّة والهيئة المُعجِبة (٧)،
стр. 1959
فعجِب النّاس لهم، فسألوهم عن حالهم، فقالوا: بلادنا من أحسنِ البلاد، وأجمعِها لسائر أنواع النّعيم، وأرخاها، وأكثرِها مياهًا، وأصحِّها هواءً، وأكثرها فاكهةً، وأعظمها اعتدالًا، وأهلها كذلك أحسن النّاس صورًا وأبشارًا. ومع هذا فمَلِكُها لا يناله الوصف جمالًا وكمالًا، وإحسانًا وعلمًا وحلمًا، وجودًا ورحمةً للرّعيّة، وقربًا منهم. وله الهيبة والسّطوة على سائر ملوك الأطراف، فلا يطمع أحدٌ منهم في مقاومته ومحاربته. فأهلُ بلدِه في أمانٍ من عدوِّهم، لا يحلُّ الخوف بساحتهم. ومع هذا فله أوقاتٌ يَبْرُز فيها إلى رعيَّته، فيُسهِّل لهم الدُّخول عليه، ويرفع الحجاب بينه وبينهم، فإذا وقعت أبصارهم عليه تلاشى كلُّ ما هم فيه من النّعيم واضمحلّ، حتّى لا يلتفتون إلى شيءٍ منه. فإذا أقبلَ على واحدٍ منهم أقبلَ عليه سائر أهل المملكة بالتّعظيم والإجلال، ونحن رسلُه إلى أهل البلاد ندعوهم إلى حضرته، وهذه كُتُبه إلى النّاس، ومعنا من الشُّهود ما يُزِيل سوء الظّنِّ بنا، واتِّهامنا بالكذب عليه.
فلمّا سمع النّاس ذلك وشاهدوا أحوالَ الرُّسل انقسموا أقسامًا:
فطائفةٌ قالت: لا نفارق أوطاننا، ولا نخرج من ديارنا، ولا نتجشَّم مشقّة السّفر البعيد، وتَرْك ما أَلِفناه من عيشنا ومنازلنا، ومفارقة آبائنا وأبنائنا وإخواننا، لأمرٍ وعدنا به في غير هذه البلاد، ونحن لم نقدر على تحصيل ما نحن فيه إلّا بعد الجهد والمشقّة، فكيف ننتقل عنه؟
ورأت هذه الفرقة مفارقتها لأوطانها وبلادها كمفارقة أنفسها لأبدانها، فإنّ النّفس لشدّة إِلْفها بالبدن أكرهُ ما إليها مفارقته، ولو فارقَتْه إلى النّعيم المقيم.
стр. 1960
فهذه الطّائفة غلب عليها داعي الحسِّ والطّبع على داعي العقل.
والطّائفة الثّانية: لمّا رأت حالَ الرُّسل، وما هم فيه من البهجة وحسن الحال، وعلموا صدقهم= تأهَّبوا للمسير إلى بلاد الملك، فأخذوا في السَّير، فعارضهم أهلُهم وأصحابهم وعشائرهم من القاعدين، وعارضَتْهم مساكنُهم ودورهم وبساتينهم، فجعلوا يُقدِّمون رِجلًا ويؤخِّرون أخرى، فإذا تذكّروا طيبَ بلاد الملك وما فيها من سلوة العيش تقدَّموا نحوها، وإذا عارضهم ما أَلِفوه واعتادوا من ظلال بلادهم وعيشها وصحبةِ أهلهم وأصحابهم تأخّروا عن المسير، والتفتوا إليهم. فهم دائمًا بين الدّاعيَيْنِ والجاذبينِ، إلى أن يغلب أحدهما ويقوى على الآخر، فيصيرون إليه.
والطّائفة الثّالثة: ركبتْ ظهورَ عزائمها، ورأتْ أنّ بلاد الملك أولى بها، فوطَّنتْ أنفسَها على قصدها، ولم يَثْنِها لومُ اللُّوّام. لكن في سيرها بطءٌ بحسب ضعفِ ما كُشِف لها من أحوال تلك البلاد وحال الملك.
والطّائفة الرّابعة: جدّتْ في المسير وواصلتْه، فسارت سيرًا حثيثًا. فهم كما قيل (١):
ورَكْبٍ سَرَوْا واللّيلُ مُرْخٍ سُدُولَه (٢) ... على كلِّ مُغْبَرِّ المطالعِ (٣) قاتمِ
حَدَوا عَزَماتٍ ضاعتِ الأرضُ بينها ... فصار سُراهم في ظُهورِ العزائمِ
стр. 1961
أرَتْهم نجومُ اللّيل ما يطلبونه ... على عاتقِ الشِّعرى وهَامِ النَّعائمِ
فأَمُّوا حِمًى لا ينبغي لسواهمُ ... وما أخذتْهم فيه لَومةُ لائم
فهؤلاء هِمَّتُهم مصروفةٌ إلى المسير، وقُواهم موقوفةٌ عليه من غير تنبُّهٍ منهم إلى المقصود الأعظم والغاية العليا.
والطّائفة الخامسة: أخذوا في الجِدِّ في السير، وهمّتُهم متعلِّقةٌ بالغاية، فهم في سيرهم ناظرون إلى المقصود بالسير، فكأنّهم يشاهدونه من بُعدٍ وهو يدعوهم إلى نفسه وإلى بلاده، وهم عاملون على هذا الشّاهد الذي قام بقلوبهم.
وعملُ كلِّ أحدٍ على قَدْرِ شاهدِه. فمن شاهدَ (١) المقصودَ بالعمل في علمه كان نصحُه فيه وإخلاصه وتحسينه وبذلُ الجهد فيه أتمَّ ممّن لم يلاحظه، ولم يجد من مَسِّ التّعب والنّصب ما يجده الغائب. والوجود شاهدٌ بذلك، فمن عمل عملًا لِمَلِكٍ بحضرته وهو شاهده= ليس حاله كحالة مَن عمل في غَيبته وبُعدِه عنه، وهو غير متيقِّنٍ بوصوله إليه.
وقوله: (ويُصحِّح همّةَ القاصد).
أي: ويُصحِّح له صفاءُ هذا العلم همّتَه، ومتى صحّت الهمّة علَتْ وارتفعت، فإنّ سُفولَها ودناءتها من علَّتها وسَقَمها، وإلّا فهي كالنّار تطلب الصُّعود والارتفاع ما لم تُمنع.
وأعلى الهمم همّةٌ اتّصلتْ بالحقِّ طلبًا وقصدًا، وأوصلت الخلقَ إليه دعوةً ونصحًا، وهذه همّة الرُّسل وأتباعهم. وصحّتُها: بتجريدها من انقسام
стр. 1962
طلبها وانقسام مطلوبها وانقسام طريقها، بل توحّد مطلوبها بالإخلاص، وطلبها بالصِّدق، وطريقها بالسُّلوك خلف الدّليل الذي نصبَه الله دليلًا، لا من نصبَه هو دليلًا له.
ولله الهِمم! ما أعجبَ شأنَها، وأشدَّ تفاوتَها! فهمَّةٌ متعلِّقةٌ بمن فوقَ العرش، وهمّةٌ حائمةٌ حولَ الأنتان والحُشِّ. والعامَّة تقول: قيمة كلِّ امرئٍ ما يُحسِنه (١)، والخاصّةُ تقول: قيمة المرء ما يطلبه، وخاصّةُ الخاصّة تقول: قيمتُه همتُه إلى مطلوبه.
وإذا أردتَ أن تعرف مراتبَ الهمم فانظر إلى همَّة ربيعة بن كعبٍ الأسلميِّ وقد قال له رسول الله ﷺ : «سَلْني»، فقال: أسألك مرافقتك في الجنّة (٢). وكان غيره يسأله ما يملأ بطنَه، أو يواريْ جلْدَه.
وانظر إلى همّة رسول الله ﷺ حين عُرِضت عليه مفاتيح كنوز الأرض فأباها. ومعلومٌ أنّه لو أخذها لأنفقها في طاعة ربِّه، فأبَتْ له تلك الهمّة العالية أن يتعلّق منها بشيءٍ ممّا سوى الله ومَحابِّه. وعُرِض عليه أن يتصرّف بالملك فأباه، واختار التّصرُّف بالعبوديّة المحضة. فلا إله إلّا الله، خالق هذه الهمّة وخالق نفسٍ تَحمِلها، وخالق هِمَمٍ لا تعدو (٣) هممَ أخسِّ الحيوانات.
فصل
قال (٤): (الدرجة الثانية: صفاء حالٍ ، يُشاهَد به شواهدُ التحقيق، وتُذاقُ
стр. 1963
به حلاوةُ المناجاة، ويُنسى به الكونُ).
هذه الدّرجة إنّما كانت أعلى ممّا قبلها لأنه (١) همّة حالٍ، والحال ثمرة العلم، ولا يصفو حالٌ إلّا بصفاء العلم المثمر له، وعلى حسب شَوْب العلم يكون شوبُ الحال. وإذا صفا الحال شاهد العبدُ بصفائه آثارَ الحقائق، وهي الشّواهد فيه وفي غيره، وعليه وعلى غيره، ووجد حلاوةَ المناجاة. وإذا تمكَّن في هذه الدّرجة نسي الكونَ وما فيه من المكوَّنات.
وهذه الدّرجة تختصُّ بصفاء الحال كما اختصّت الأولى بصفاء العلم.
والحال هو تكيُّف القلب وانصباغُه بحكم الواردات على اختلافها، والحال يدعو صاحبه إلى المقام الذي (٢) منه جاء الوارد، كما تدعوه رائحةُ البستان الطّيِّبة إلى دخوله والمُقام فيه. فإذا كان الوارد من حضرةٍ صحيحةٍ ــ وهي حضرة الحقيقة الإلهيّة، لا الحقيقة الخياليّة الذِّهنيّة ــ شاهد السّالكُ بصفائه شواهد التّحقيق، وهي علاماته. والتّحقيق هو حكم الحقيقة، وتأثُّر القلب والرُّوح بها، والحقيقة ما تعلّق بالحقِّ المبين سبحانه. فالله هو الحقُّ، والحقيقة ما نُسِب إليه وتعلَّق به، والتّحقيق تأثُّر القلب بآثار الحقيقة. ولكلِّ حقٍّ حقيقةٌ، ولكلِّ حقيقةٍ تحقيقٌ يقوم بمشاهد الحقيقة.
قوله: (وتُذاق به حلاوةُ المناجاة)، المناجاة: مفاعلةٌ من النّجوى، وهي الخطاب في سرِّ العبد وباطنه. والشّيخ ذكر في هذه الدّرجة ثلاثة أمورٍ.
أحدها: مشاهدة شواهد التّحقيق.
стр. 1964
الثّاني: ذوق حلاوة المناجاة . فإنّه متى صَفَا له حالُه من الشّوائب خلصَتْ له حلاوتُه من مرارة الأكدار، فذاق تلك الحلاوة في حال مناجاته. فلو كان الحال مَشُوبًا مكدَّرًا لم يجد حلاوة المناجاة. والحال المستندة إلى واردٍ يُذاق به حلاوةُ المناجاة: هو من حضرة الأسماء والصِّفات، بحسب ما يصادف القلب من ظهورها وكشف معانيها.
فمن ظهر له اسم «الودود» مثلًا، وكُشِف له عن معنى هذا الاسم، ولطفه وتعلُّقه بظاهر العبد وباطنه= كان الحال الحاصل من حضرة هذا الاسم مناسبًا له. فكان حال اشتغال حبٍّ وشوقٍ ولذّة مناجاةٍ، لا أحلى منها ولا أطيبَ، بحسب استغراقه في شهود معنى هذا الاسم وحظِّه من أثره.
كأنَّ الودود إن كان بمعنى المودود كما قال البخاريُّ في «صحيحه» (١): الودود الحبيب، واستغرقَ العبد في مطالعة صفات الكمال التي تدعو العباد إلى حبِّ الموصوف بها= أثمرَ له صفاءُ علمه بها وصفاءُ حاله في تعبُّده بمقتضاها ما ذكره الشّيخ من هذه الأمور الثّلاثة وغيرها.
وكذلك إن كان بمعنى الوادِّ ــ وهو المحبُّ ــ أثمر له مطالعةُ ذلك حالًا يُناسبه، فإنّه إذا شاهد بقلبه غنيًّا كريمًا جوادًا، عزيزًا قادرًا، كلُّ أحدٍ محتاجٌ إليه بالذّات، وهو غنيٌّ بالذّات عن كلِّ ما سواه، وهو مع ذلك يَوَدُّ عباده ويحبُّهم= كان له من هذا الشُّهود حالٌ صافيةٌ خالصةٌ من الشّوائب.
وكذلك سائر الأسماء والصِّفات. فصفاء الحال بحسب صفاء المعرفة بها وخلوصِها من دم التّعطيل وفَرْثِ التّمثيل، فتخرج المعرفةُ من بين ذلك
стр. 1965
فطرةً خالصةً سائغةً للعارفين، كما يخرج اللّبن من بين فَرْثٍ ودمٍ لبنًا خالصًا سائغًا للشّاربين.
والأمر الثّالث: قوله: (ويُنْسَى به الكون)، أي ينسى الكون بما يغلب على القلب من اشتغاله بهذه الحال المذكورة. والمراد بالكون المخلوقات، أي فيشتغل بالحقِّ عن الخلق.
فصل
قال (١): (الدّرجة الثّالثة: صفاء اتِّصالٍ . يُدرِج حظَّ العبوديّة في حقِّ الرُّبوبيّة، ويُغرِق (٢) نهايات الخبر في بدايات العيان، ويَطوِي خسّةَ التّكاليف في عين (٣) الأزل).
في هذا اللّفظ قلقٌ وسوء تعبيرٍ، يَجْبُره حسنُ حال صاحبه وصدقه وتعظيمه لله ورسوله، ولكن أبى الله أن يكون الكمال إلّا له سبحانه. ولا ريبَ أنّ بين أرباب الأحوال وأصحاب التّمكُّن تفاوت عظيم (٤). وانظر إلى غلبة الحال على الكليم، لمّا شاهد آثار التّجلِّي الإلهيِّ على الجبل كيف خرَّ صَعِقًا؟ وصاحب التّمكُّن ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ لمّا أُسري به ورأى ما رأى لم يصعَقْ ولم يخرَّ، بل ثبت فؤاده وبصره.
ومراد القوم بالاتِّصال والوصول: اتِّصال العبد بربِّه ووصوله إليه، لا