← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 199

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 526 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

أرَتْهم نجومُ اللّيل ما يطلبونه ... على عاتقِ الشِّعرى وهَامِ النَّعائمِ فأَمُّوا حِمًى لا ينبغي لسواهمُ ... وما أخذتْهم فيه لَومةُ لائم فهؤلاء هِمَّتُهم مصروفةٌ إلى المسير، وقُواهم موقوفةٌ عليه من غير تنبُّهٍ منهم إلى المقصود الأعظم والغاية العليا. والطّائفة الخامسة: أخذوا في الجِدِّ في السير، وهمّتُهم متعلِّقةٌ بالغاية، فهم في سيرهم ناظرون إلى المقصود بالسير، فكأنّهم يشاهدونه من بُعدٍ وهو يدعوهم إلى نفسه وإلى بلاده، وهم عاملون على هذا الشّاهد الذي قام بقلوبهم. وعملُ كلِّ أحدٍ على قَدْرِ شاهدِه. فمن شاهدَ (١) المقصودَ بالعمل في علمه كان نصحُه فيه وإخلاصه وتحسينه وبذلُ الجهد فيه أتمَّ ممّن لم يلاحظه، ولم يجد من مَسِّ التّعب والنّصب ما يجده الغائب. والوجود شاهدٌ بذلك، فمن عمل عملًا لِمَلِكٍ بحضرته وهو شاهده= ليس حاله كحالة مَن عمل في غَيبته وبُعدِه عنه، وهو غير متيقِّنٍ بوصوله إليه. وقوله: (ويُصحِّح همّةَ القاصد). أي: ويُصحِّح له صفاءُ هذا العلم همّتَه، ومتى صحّت الهمّة علَتْ وارتفعت، فإنّ سُفولَها ودناءتها من علَّتها وسَقَمها، وإلّا فهي كالنّار تطلب الصُّعود والارتفاع ما لم تُمنع. وأعلى الهمم همّةٌ اتّصلتْ بالحقِّ طلبًا وقصدًا، وأوصلت الخلقَ إليه دعوةً ونصحًا، وهذه همّة الرُّسل وأتباعهم. وصحّتُها: بتجريدها من انقسام

стр. 1962

طلبها وانقسام مطلوبها وانقسام طريقها، بل توحّد مطلوبها بالإخلاص، وطلبها بالصِّدق، وطريقها بالسُّلوك خلف الدّليل الذي نصبَه الله دليلًا، لا من نصبَه هو دليلًا له. ولله الهِمم! ما أعجبَ شأنَها، وأشدَّ تفاوتَها! فهمَّةٌ متعلِّقةٌ بمن فوقَ العرش، وهمّةٌ حائمةٌ حولَ الأنتان والحُشِّ. والعامَّة تقول: قيمة كلِّ امرئٍ ما يُحسِنه (١)، والخاصّةُ تقول: قيمة المرء ما يطلبه، وخاصّةُ الخاصّة تقول: قيمتُه همتُه إلى مطلوبه. وإذا أردتَ أن تعرف مراتبَ الهمم فانظر إلى همَّة ربيعة بن كعبٍ الأسلميِّ وقد قال له رسول الله ﷺ : «سَلْني»، فقال: أسألك مرافقتك في الجنّة (٢). وكان غيره يسأله ما يملأ بطنَه، أو يواريْ جلْدَه. وانظر إلى همّة رسول الله ﷺ حين عُرِضت عليه مفاتيح كنوز الأرض فأباها. ومعلومٌ أنّه لو أخذها لأنفقها في طاعة ربِّه، فأبَتْ له تلك الهمّة العالية أن يتعلّق منها بشيءٍ ممّا سوى الله ومَحابِّه. وعُرِض عليه أن يتصرّف بالملك فأباه، واختار التّصرُّف بالعبوديّة المحضة. فلا إله إلّا الله، خالق هذه الهمّة وخالق نفسٍ تَحمِلها، وخالق هِمَمٍ لا تعدو (٣) هممَ أخسِّ الحيوانات. فصل قال (٤): (الدرجة الثانية: صفاء حالٍ ، يُشاهَد به شواهدُ التحقيق، وتُذاقُ

стр. 1963

به حلاوةُ المناجاة، ويُنسى به الكونُ). هذه الدّرجة إنّما كانت أعلى ممّا قبلها لأنه (١) همّة حالٍ، والحال ثمرة العلم، ولا يصفو حالٌ إلّا بصفاء العلم المثمر له، وعلى حسب شَوْب العلم يكون شوبُ الحال. وإذا صفا الحال شاهد العبدُ بصفائه آثارَ الحقائق، وهي الشّواهد فيه وفي غيره، وعليه وعلى غيره، ووجد حلاوةَ المناجاة. وإذا تمكَّن في هذه الدّرجة نسي الكونَ وما فيه من المكوَّنات. وهذه الدّرجة تختصُّ بصفاء الحال كما اختصّت الأولى بصفاء العلم. والحال هو تكيُّف القلب وانصباغُه بحكم الواردات على اختلافها، والحال يدعو صاحبه إلى المقام الذي (٢) منه جاء الوارد، كما تدعوه رائحةُ البستان الطّيِّبة إلى دخوله والمُقام فيه. فإذا كان الوارد من حضرةٍ صحيحةٍ ــ وهي حضرة الحقيقة الإلهيّة، لا الحقيقة الخياليّة الذِّهنيّة ــ شاهد السّالكُ بصفائه شواهد التّحقيق، وهي علاماته. والتّحقيق هو حكم الحقيقة، وتأثُّر القلب والرُّوح بها، والحقيقة ما تعلّق بالحقِّ المبين سبحانه. فالله هو الحقُّ، والحقيقة ما نُسِب إليه وتعلَّق به، والتّحقيق تأثُّر القلب بآثار الحقيقة. ولكلِّ حقٍّ حقيقةٌ، ولكلِّ حقيقةٍ تحقيقٌ يقوم بمشاهد الحقيقة. قوله: (وتُذاق به حلاوةُ المناجاة)، المناجاة: مفاعلةٌ من النّجوى، وهي الخطاب في سرِّ العبد وباطنه. والشّيخ ذكر في هذه الدّرجة ثلاثة أمورٍ. أحدها: مشاهدة شواهد التّحقيق.

стр. 1964

الثّاني: ذوق حلاوة المناجاة . فإنّه متى صَفَا له حالُه من الشّوائب خلصَتْ له حلاوتُه من مرارة الأكدار، فذاق تلك الحلاوة في حال مناجاته. فلو كان الحال مَشُوبًا مكدَّرًا لم يجد حلاوة المناجاة. والحال المستندة إلى واردٍ يُذاق به حلاوةُ المناجاة: هو من حضرة الأسماء والصِّفات، بحسب ما يصادف القلب من ظهورها وكشف معانيها. فمن ظهر له اسم «الودود» مثلًا، وكُشِف له عن معنى هذا الاسم، ولطفه وتعلُّقه بظاهر العبد وباطنه= كان الحال الحاصل من حضرة هذا الاسم مناسبًا له. فكان حال اشتغال حبٍّ وشوقٍ ولذّة مناجاةٍ، لا أحلى منها ولا أطيبَ، بحسب استغراقه في شهود معنى هذا الاسم وحظِّه من أثره. كأنَّ الودود إن كان بمعنى المودود كما قال البخاريُّ في «صحيحه» (١): الودود الحبيب، واستغرقَ العبد في مطالعة صفات الكمال التي تدعو العباد إلى حبِّ الموصوف بها= أثمرَ له صفاءُ علمه بها وصفاءُ حاله في تعبُّده بمقتضاها ما ذكره الشّيخ من هذه الأمور الثّلاثة وغيرها. وكذلك إن كان بمعنى الوادِّ ــ وهو المحبُّ ــ أثمر له مطالعةُ ذلك حالًا يُناسبه، فإنّه إذا شاهد بقلبه غنيًّا كريمًا جوادًا، عزيزًا قادرًا، كلُّ أحدٍ محتاجٌ إليه بالذّات، وهو غنيٌّ بالذّات عن كلِّ ما سواه، وهو مع ذلك يَوَدُّ عباده ويحبُّهم= كان له من هذا الشُّهود حالٌ صافيةٌ خالصةٌ من الشّوائب. وكذلك سائر الأسماء والصِّفات. فصفاء الحال بحسب صفاء المعرفة بها وخلوصِها من دم التّعطيل وفَرْثِ التّمثيل، فتخرج المعرفةُ من بين ذلك

стр. 1965

فطرةً خالصةً سائغةً للعارفين، كما يخرج اللّبن من بين فَرْثٍ ودمٍ لبنًا خالصًا سائغًا للشّاربين. والأمر الثّالث: قوله: (ويُنْسَى به الكون)، أي ينسى الكون بما يغلب على القلب من اشتغاله بهذه الحال المذكورة. والمراد بالكون المخلوقات، أي فيشتغل بالحقِّ عن الخلق. فصل قال (١): (الدّرجة الثّالثة: صفاء اتِّصالٍ . يُدرِج حظَّ العبوديّة في حقِّ الرُّبوبيّة، ويُغرِق (٢) نهايات الخبر في بدايات العيان، ويَطوِي خسّةَ التّكاليف في عين (٣) الأزل). في هذا اللّفظ قلقٌ وسوء تعبيرٍ، يَجْبُره حسنُ حال صاحبه وصدقه وتعظيمه لله ورسوله، ولكن أبى الله أن يكون الكمال إلّا له سبحانه. ولا ريبَ أنّ بين أرباب الأحوال وأصحاب التّمكُّن تفاوت عظيم (٤). وانظر إلى غلبة الحال على الكليم، لمّا شاهد آثار التّجلِّي الإلهيِّ على الجبل كيف خرَّ صَعِقًا؟ وصاحب التّمكُّن ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ لمّا أُسري به ورأى ما رأى لم يصعَقْ ولم يخرَّ، بل ثبت فؤاده وبصره. ومراد القوم بالاتِّصال والوصول: اتِّصال العبد بربِّه ووصوله إليه، لا

стр. 1966

بمعنى اتِّصال ذات العبد بذات الرّبِّ كما تتّصل الذّاتان إحداهما بالأخرى، ولا بمعنى انضمام إحدى الذّاتين إلى الأخرى والتصاقها بها. وإنّما مرادهم بالاتِّصال والوصول: إزالة النّفس والخلق من طريق المسير إلى الله. ولا يُتَوهَّم سوى ذلك، فإنّه عين المحال. فإنّ السّالك لا يزال سائرًا إلى الله حتّى يموت، فلا ينقطع سيره إلّا بالموت. فليس في مدة الحياة وصولٌ يفرغ معه المسير وينتهي، وليس ثَمَّ اتِّصالٌ حسِّيٌّ بين ذات العبد وذات الرّبِّ. فالأوّل تعطيلٌ وإلحادٌ، والثّاني حلولٌ واتِّحادٌ. وإنّما حقيقة الأمر: تنحية النّفس والخلق عن الطّريق، فإنّ الوقوف معهما هو الانقطاع، وتنحيتهما هو الاتِّصال. وإنما الملاحدة القائلون بوحدة الوجود، فإنّهم قالوا: العبد من أفعال الله، وأفعالُه من صفاته، وصفاتُه من ذاته (١). فأنتجَ لهم تركيبُ هذا التّركيب أنّ العبد من ذات الرّبِّ تعالى. وموضع الغلط: أنّ العبد من مفعولات الرّبِّ تعالى، لا من أفعاله القائمة بذاته. ومفعولاته آثارُ أفعاله، وأفعاله عن صفاته القائمة بذاته، فذاتُه سبحانه مستلزمةٌ لصفاته وأفعاله، ومفعولاتُه منفصلةٌ عنه. تلك مخلوقةٌ محدَثةٌ، والرّبُّ تعالى هو الخالق بذاته وصفاته وأفعاله. فإيّاك ثمّ إيّاك والألفاظ المجملة المشتبهة التي وقع اصطلاح القوم عليها، فإنّها أصل البلاء، وهي موردٌ للصِّدِّيق والزِّنديق. فإذا سمع الضّعيفُ المعرفةِ والعلم بما لله لفظَ اتِّصالٍ وانفصالٍ، ومسامرةٍ ومكالمةٍ، وأنّه لا

стр. 1967

وجودَ في الحقيقة إلّا وجود الله، وأنّ وجود الكائنات خيالٌ ووهمٌ، وهو بمنزلة وجود الظِّلِّ القائم بغيره= فاسمعْ منه ما يملأ الآذانَ من حلولٍ واتِّحادٍ وشطحاتٍ. والعارفون من القوم أطلقوا هذه الألفاظ ونحوها، وأرادوا بها معاني صحيحةً في أنفسها، فغلِطَ الغالطون في فهم ما أرادوه، فنسبوهم إلى إلحادهم وكفرهم، واتّخذوا كلماتهم المتشابهة تُرْسًا له وجُنّةً، حتّى قال قائلهم (١): ومنك بَدا حبٌّ بعزٍّ تَمازجَا ... بنا ووصالٌ (٢) كنتَ أنتَ وصلتَه ظهرتَ لمن أبقيتَ بعد فنائه ... فكان بلا كونٍ لأنّك كُنْتَه فيسمع الغِرُّ «التّمازج» فيظنُّ أنّه (٣) سبحانه نفس كون العبد، فلا يشكُّ أنّ هذا هو غاية التّحقيق ونهاية الطّريق. فنرجع إلى شرح كلامه. قوله: (يُدرِج حظَّ العبوديّة في حقِّ الرُّبوبيّة). المعنى الصّحيح الذي يُحمل عليه هذا الكلام: أنّ من تمكَّن في قلبه شهودُ الأسماء والصِّفات، وصفا له علمه وحاله= اندرج عمله جميعُه وأضعافُه وأضعافُ أضعافِه في حقِّ ربِّه تعالى، ورآه في جنب حقِّه أقلَّ من خَردلةٍ بالنِّسبة إلى جبال الدُّنيا، فسقطَ من قلبه اقتضاءُ حظِّه من المجازاة عليه لاحتقاره له، وقلّتِه عنده، وصغرِه في عينه.

стр. 1968

قال الإمام أحمد (١): حدّثنا هاشم بن القاسم، حدّثنا صالحٌ، عن أبي عمران الجَوْنيِّ، عن أبي الجَلْد أنّ الله تعالى أوحى إلى داود: يا داود، أَنذِرْ عبادي الصديقين، فلا يُعْجَبُنَّ بأنفسهم، ولا يتّكلُنَّ على أعمالهم، فإنّه ليس أحدٌ من عبادي أَنصِبُه للحساب وأُقِيمُ عليه عدلي إلّا عذَّبتُه، من غير أن أظلمه. وبَشِّر الخطّائين أنّه لا يتعاظمني ذنبٌ أن أغفره وأتجاوزَ عنه. قال أحمد (٢): وحدّثنا سيّارٌ، حدّثنا جعفرٌ، حدّثنا ثابتٌ البنانيُّ قال: تعبَّدَ رجلٌ سبعين سنةً، وكان يقول في دعائه: ربِّ اجْزِني بعملي. فمات فأُدخِلَ الجنّة، وكان فيها سبعين عامًا. فلمّا فرغ وقته قيل له: اخرُجْ، فقد استوفيتَ عملك. فقلَّب أمرَه: أيُّ شيءٍ كان في الدُّنيا أوثقَ في نفسه؟ فلم يجد شيئًا أوثقَ في نفسه من دعاء الله والرّغبة إليه. فأقبلَ يقول في دعائه: ربِّ سمعتُك ــ وأنا في الدُّنيا ــ وأنت تُقِيل العثرات، فأَقِلِ اليومَ عَثْرتي. فتُرِك في الجنّة. قال أحمد (٣): وحدّثنا هاشمٌ، حدّثنا صالحٌ، عن أبي عِمران الجَوْنيِّ، عن أبي الجَلْد قال: قال موسى: إلهي، كيف أشكرك، وأصغرُ نعمةٍ وضعتَها عندي من نِعَمك لا يُجازِيها عملي كلُّه؟ فأوحى الله إليه: يا موسى، الآنَ شكرتَني. فهذا المعنى الصّحيح من اندراج حظِّ العبوديّة في حقِّ الرُّبوبيّة.

стр. 1969

وله محملٌ آخر صحيحٌ أيضًا، وهو أنّ ذات العبد وصفاته وأفعاله وقواه وحركاته كلّها مفعولةٌ للرّبِّ، مملوكةٌ له، ليس يملك العبد منها شيئًا، بل هي محضُ مِلكِ الله، فهو المالك لها، المُنعِم على عبده بإعطائه إيّاها. فالمال ماله، والعبد عبده، والخدمة مستحقّةٌ عليه بحقِّ الرُّبوبيّة، وهي من فضل الله عليه. فالفضل كلُّه لله، ومن الله، وبالله. قوله: (ويُغرِق نهاياتِ الخبر في بداياتِ العيان). الخبر: متعلّق الغيب، والعيان: متعلّق الشّهادة. وهو إدراك عين البصيرة لصحّة الخبر وثبوت مخبره. ومراده ببدايات العيان: أوائل الكشف الحقيقيِّ الذي يدخل منه إلى مقام الفناء، ومقصوده أن يرى المشاهد ما أخبر به الصّادق بقلبه عيانًا. قال تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ [سبأ: ٦]. وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ [الرعد: ١٩]. فقابلَ من رأى بعين قلبه أنّ ما أنزل إلى رسوله هو الحقُّ بمن هو أعمى لا يبصر ذلك. وقال النّبيُّ ﷺ في مقام الإحسان: «أن تعبدَ الله كأنّك تراه» (١). ولا ريبَ أنّ تصديق الخبر واليقين به يَقوى حتّى يصيرَ للقلب بمنزلة المُشاهَد بالعين. فصاحب هذا المقام كأنّه يرى الله سبحانه فوق سماواته على عرشه (٢)، مطلعٌ على عباده ناظِرٌ إليهم، يسمع كلامهم، ويرى ظواهرهم وبواطنهم.

стр. 1970

وكأنّه يسمعه وهو يتكلّم بالوحي، ويُكلِّم به عبدَه جبريل، ويأمره وينهاه بما يريد، ويُدبِّر أمر المملكة، وأملاكه صاعدةٌ إليه بالأمر، نازلةٌ من عنده به. وكأنّه يشاهده وهو يرضى ويغضب، ويُحبُّ ويُبغض، ويُعطي ويمنع، ويضحك ويفرح، ويُثني على أوليائه بين ملائكته، ويَذُمُّ أعداءه. وكأنّه يشاهده ويشاهد يديه الكريمتين، وقد قَبضتْ إحداهما السّماوات السّبع، والأخرى الأرضين السّبع، وقد طوى السّماواتِ السّبعَ بيمينه (١)، كما يُطوى السِّجلُّ على أسطر الكتاب. وكأنّه يشاهده وقد جاء لفصل القضاء بين عباده، وأشرقت الأرض بنوره، ونادى ــ وهو قائمٌ على عرشه ــ بصوتٍ يسمعه مَن بعُدَ كما يسمعه مَنْ قَرُبَ «وعزّتي وجَلالي، لا يُجاوِزني (٢) اليومَ ظلمُ ظالمٍ» (٣). وكأنَّ نداءه لآدم «يا آدمُ، قُمْ فابعَثْ بعْثَ النّار» (٤) بأُذُنه الآن، وكذلك نداؤه لأهل الموقف: ﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥]، وماذا كنتم تعبدون؟ وبالجملة، فيشاهد بقلبه ربًّا عرَّفَتْ به الرُّسل كما عرّفت، ودينًا دَعَتْ إليه الرُّسل، وحقائق أخبرت بها الرُّسل. فقام شاهدُ ذلك بقلبه كما قام شاهدُ

стр. 1971

ما أخبر به أهل التّواتر ــ وإن لم يَرَه ــ من البلاد والوقائع. فهذا إيمانه يجري مجرى العيان، وإيمان غيره فمحض التقليد. قوله: (ويَطوِي خِسَّةَ التّكاليف). ليت الشّيخ عبَّر عن هذه اللّفظة بغيرها، فوالله إنّها لأقبحُ من شَوكةٍ في العين وشَجًى في الحلق، وحاشا التّكاليف أن تُوصَف بخِسّةٍ، أو يَلحقَها خسّةٌ. وإنّما هي قرّةُ عينٍ، وسرورُ قلبٍ، وحياةُ روحٍ، صدرَ التّكليفُ بها عن حكيمٍ حميدٍ، فهي أشرفُ ما وصل إلى العبد من ربِّه، وثوابُه عليها أشرفُ ما أعطاه العبدَ. نعم لو قال: يَطوِي ثِقَلَ التّكاليف ويُخفِّف أعباءَها ونحو ذلك كان أولى، ولولا مقامه من الإيمان والمعرفة والقيام بالأوامر لكنّا نُسِيء به الظّنّ. والّذي يحتمل أن يُصرَف كلامه إليه وجهان: أحدهما: أنّ الصّفاء - المذكور في هذه الدّرجة - لمّا انطوت في حكمه الوسائط والأسباب، واندرجَ فيه حظُّ العبوديّة في حقِّ الرُّبوبيّة= انطوت فيه رؤيةُ كون العبادة تكليفًا، فإنّ رؤيتها تكليفًا خِسّةٌ من الرّائي، لأنّه رآها بعين أنفته (١) وقيامه بها، ولم يرها بعين الحقيقة، فإنّه لم يصل إلى مقام «فبِيْ يَسمع، وبي يُبصِر، وبي يَبْطِش، وبي يَمْشي» (٢)، ولو وصل إلى ذلك لرآها بعين الحقيقة. ولا خِسّةَ فيها هناك البتّةَ، فإنّ نظره قد تعدّى من قيامه بها إلى قيامها بالقيُّوم الذي قام به كلُّ شيءٍ، فكان لها وجهان:

стр. 1972

أحدهما: هي به خسيسةٌ. وهو وجه قيامها بالعبد وصدورها منه. والثّاني: هي به شريفةٌ. وهو وجه كونها بالرّبِّ تعالى، أمرًا وتكوينًا وإعانةً. فالصّفاء يطويها من ذلك الوجه خاصّةً. والمعنى الثّاني الذي يحتمله كلامه: أن يكون مراده أنّ الصّفاء يُشْهِدُه عينَ الأزل، وسَبْقَ الرّبِّ تعالى وأوّليّتَه لكلِّ شيءٍ، فينطوي في هذا المشهد أعمالُه التي عمِلَها، ويراها خسيسةً جدًّا بالنِّسبة إلى عين الأزل. فكأنّه قال: تنطوي أعمالُه، وتصير ــ بالنِّسبة إلى هذه العين ــ خسيسةً جدًّا لا تُذْكَر، بل تكون في عين الأزل هباءً منثورًا، لا حاصل له. فإنّ الوقت الذي هو ظرف التّكليف متلاشٍ جدًّا بالنِّسبة إلى الأزل، وهو وقتٌ خسيسٌ حقيرٌ، حتّى كأنّه لا حاصلَ له، أو لا نسبةَ له إلى الأزل والأبد في مقدار الأعمال الواقعة فيه، وهي يسيرةٌ بالنِّسبة إلى مجموع ذلك الوقت، الذي هو يسيرٌ جدًّا بالنِّسبة إلى مجموع الزّمان، الذي هو يسيرٌ جدًّا بالنِّسبة إلى عينِ الأزل. فهذا أقرب ما يُحمل عليه كلامه مع قلقه، وقد اعتراه فيه سوءُ تعبيرٍ. وكأنّه أطلق عليها الخسّة لقلّتها وخِفّتها بالنِّسبة إلى عَظمة المكلِّف بها سبحانه وما يستحقُّه. والله سبحانه أعلم. * * * *

стр. 1973

فصل ومنها السُّرور. قال صاحب «المنازل» (١): (باب السُّرور، قال الله تعالى: ﴿(٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا﴾ [يونس: ٥٨]). تصدير الباب بهذه الآية في غاية الحسن، فإنّ الله (٢) تعالى أمر عباده بالفرح بفضله ورحمته، وذلك تبَعٌ للفرح والسُّرور بصاحب الفضل والرّحمة. فإنّ من فرح بما يصل إليه من جوادٍ كريمٍ، محسنٍ، برٍّ= كان فرحُه بمن (٣) أوصل ذلك إليه أولى وأحرى. ونذكر ما في هذه الآية من المعنى. ثمّ نشرح كلام المصنِّف (٤). فقال ابن عبّاسٍ، وقتادة، ومجاهدٌ، والحسن، وغيرهم: فضل الله: الإسلام، ورحمته: القرآن (٥). فجعلوا رحمته أخصّ من فضله، فإنّ (٦) فضله الخاصّ عامٌّ على أهل

стр. 1974

الإسلام، ورحمته بتعليم كتابه لبعضهم دون بعضٍ، فجعلهم مسلمين بفضله، وأنزل إليهم كتابه برحمته (١). قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص: ٨٦]. وقال أبو سعيدٍ الخدريُّ: فضلُ الله: القرآن، ورحمتُه: أنْ جعَلَنا من أهله (٢). قلت: يريد بذلك أن (٣) هاهنا أمرين: أحدهما: الفضل في نفسه. والثّاني: استعداد المحلِّ لقبوله، كالغيث يقع على الأرض القابلة للنّبات. فيتمُّ المقصود بالفضل، وقبول المحلِّ (٤) له. والله أعلم. والفرح لذّةٌ تقع في القلب بإدراك المحبوب ونيل المشتهى، فيتولّد من إدراكه حالةٌ تسمّى الفرح والسُّرور. كما أنّ الحزن والغمَّ مِن فَقْد المحبوب، فإذا فقَده تولّد مِن فَقْده حالةٌ تسمّى الغمّ والحزن (٥). وذكر سبحانه الأمر بالفرح بفضله وبرحمته (٦) عقيب قوله: ﴿(٥٦) يَاأَيُّهَا

стр. 1975

النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ [يونس: ٥٧]. ولا شيء أحقُّ أن يُفرَح به من فضلٍ (١) ورحمةٍ تتضمّن الموعظةَ وشفاءَ الصُّدور من أدوائها والهدى (٢) والرّحمة. فأخبر سبحانه أنَّ ما آتى عباده من الموعظة التي هي الأمر والنهي، المقرون بالتّرغيب والتّرهيب؛ وشفاءِ الصُّدور المتضمِّن لعافيتها من داء الجهل، والظُّلمة (٣)، والغيِّ، والسّفَه، وهو أشدُّ ألمًا لها من أدواء البدن، ولكنّها لمّا ألِفَت هذه الأدواء لم تحسّ بألمها، وإنّما يقوى إحساسُها بها عند المفارقة للدُّنيا، فهناك يحضرها كلُّ مؤلمٍ محزنٍ؛ وما آتاها من (٤) الهدى الذي يتضمّن ثَلَجَ الصَّدر (٥) باليقين، وطمأنينة القلب به، وسكون النّفس إليه، وحياة الرُّوح به؛ والرحمة التي تجلب لها كلّ خيرٍ ولذّةٍ، وتدفع عنها كلّ شرٍّ ومؤلمٍ= فذلك خيرٌ مما (٦) يجمع النّاسُ من أعراض الدُّنيا وزينتها، أي هذا هو الذي ينبغي أن يُفرَح به، ومن فرح به فقد فرح بأجلِّ مفروحٍ به (٧)، لا ما يجمع أهلُ الدُّنيا منها، فإنّه

стр. 1976

ليس بموضعٍ للفرح، لأنّه عُرضة الآفات (١)، ووشيك الزّوال، ووخيم العاقبة، وهو كطيف (٢) خيالٍ زارَ الصّبَّ في المنام، ثمّ انقضى المنامُ، وولّى الطّيفُ، وأعْقَب مرارة (٣) الهجران. وقد جاء الفرح في القرآن على نوعين؛ مطلقٌ ومقيّدٌ. فالمطلق جاء في الذّمِّ، كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦]. وقوله: ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هود: ١٠]. والمقيّد نوعان أيضًا: مقيّدٌ بالدُّنيا، يُنسي صاحبَه فضلَ الله ومننَه (٤)، فهو مذمومٌ، كقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ (٥) [الأنعام: ٤٤]. والثّاني: مقيّدٌ بفضل الله وبرحمته (٦). وهو نوعان أيضًا: فضلٌ ورحمةٌ بالسّبب، وفضلٌ بالمسبَّب، فالأوّل كقوله: ﴿(٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ﴾ (٧) [يونس: ٥٨]. والثّاني كقوله: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠].

стр. 1977

فالفرح بالله وبرسوله (١)، وبالإيمان والسُّنّة، وبالعلم والقرآن مِن أعلى مقامات العارفين، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤]. وقال: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [الرعد: ٣٦]. فالفرح بالعلم والإيمان والسُّنّة دليلٌ على تعظيمه عند صاحبه، ومحبّته له، وإيثاره له على غيره، فإنّ فرحَ العبد بالشّيء عند حصوله له (٢) على قدر محبّته له، ورغبته فيه، فمن ليس له رغبةٌ في الشّيء لا يُفرِحه حصوله، ولا يُحْزِنه فواتُه. فالفرح تابعٌ للمحبّة والرّغبة. والفرق بينه وبين الاستبشار: أنّ الفرح بالمحبوب بعد حصوله، والاستبشار يكون به قبل حصوله إذا كان على ثقةٍ من حصوله. ولهذا قال تعالى: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٧٠]. والفرح صفةُ كمالٍ، ولهذا يوصف الرّبُّ تعالى بأعلى أنواعه وأكملها، كفرحِه بتوبة التّائب أعظم من فرح الواجد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض المَهلكة بعد فقْدِه لها واليأس من حصولها (٣).

стр. 1978

والمقصود أنّ الفرح أعلى أنواع نعيم القلب ولذّته وبهجته. فالفرح والسُّرور نعيمُه، والهمُّ والحزن عذابُه. والفرحُ بالشّيء فوق الرِّضا به (١). فإنّ الرِّضا طمأنينةٌ وسكونٌ واستراحة (٢). والفرح لذّةٌ وبهجةٌ وسرورٌ، فكلُّ فَرِحٍ راضٍ، وليس كلُّ راضٍ فرِحًا. ولهذا كان الفرح ضدّ الحزن، والرِّضا ضدّ السُّخط. والحزن يؤلم صاحبه، والسُّخط لا يؤلمه، إلّا إذا (٣) كان مع العجز عن الانتقام (٤). فصل قال صاحب «المنازل» (٥): (السُّرور اسمٌ لاستبشارٍ جامعٍ، وهو أصفى (٦) من الفرح، لأنّ الأفراح ربّما شابها الأحزان، ولذلك نزل القرآن باسمه في أفراح الدُّنيا في مواضع. وورد اسم (٧) السُّرور في موضعين من القرآن في حال الآخرة). السُّرور والمسرّة: مصدر سرّه سرورًا ومسرّةً. وكأنّ معنى سرّه: أثّر في أسارير وجهه. فإنّه تبرُق منه أسارير الوجه. كما قال شاعر العرب (٨):

стр. 1979

وإذا نظرتَ إلى أسرّة وجهه ... برقَتْ كبرقِ العارضِ المتهلِّل وهذا كما يقال: «رَأَسَه» إذا أصاب رأسه، و «بَطَنَه وظَهَرَه» إذا أصاب بطنه وظهره، و «أَمَّه» إذا أصاب أمَّ رأسِه. وأمّا الاستبشار: فهو استفعالٌ من البُشرى. والبشارة: هي أوّل خبرٍ صادقٍ سارٍّ (١). والبشرى يراد بها أمران. أحدهما: بشارة المخبر. والثّاني: سرور المخبر. قال الله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤]. فُسِّرت البشرى بهذا وهذا. ففي حديث عُبادة بن الصّامت وأبي الدّرداء ﵄، عن النّبيِّ ﷺ : «هي الرُّؤيا الصّالحة يراها المسلم، أو تُرى له» (٢). وقال ابن عبّاسٍ: بشرى الحياة الدُّنيا: هي عند الموت تأتيهم ملائكة الرّحمة (٣) بالبشرى من الله، وفي الآخرة: عند خروج نَفْس المؤمن إذا خرجت يعرجون بها إلى الله، تُزفُّ كما تُزفُّ العروس، تُبَشّر برضوان الله (٤). وقال الحسن: هي الجنّة (٥). واختاره الزّجّاج والفرّاء (٦).

стр. 1980

وفُسِّرت بشرى الدُّنيا بالثّناء الحسن، يجري له على ألسنة النّاس. وكلُّ ذلك صحيحٌ، فالثّناء من البُشرى، والرُّؤيا الصّالحة من البُشرى، وتبشير الملائكة له عند الموت من البُشرى، والجنّة فأعظم (١) البُشرى. قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٢٥]. وقال: ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠]. قيل: وسمِّيت بذلك لأنّها تؤثِّر في بشرة الوجه. ولذلك كانت نوعين: بُشرى سارّةٌ تُؤثِّر فيه نَضارةً وبهجةً، وبُشرى محزنةٌ (٢) تؤثِر فيه بُسورًا وعبوسًا. ولكن إذا أطلقت كانت للسُّرور. وإذا قُيِّدت كانت بحسب ما تقيّد به. قوله: (وهو أصفى من الفرح) احتجّ (٣) على ذلك بأنّ الأفراح ربّما شابها أحزانٌ (٤)، أي ربّما مازجها ضدُّها، بخلاف السُّرور. فيقال: والمسرّات ربّما شابها أنكادٌ وأحزانٌ فلا فرق. قوله: (ولذلك نزل القرآن باسمه في أفراح الدُّنيا في مواضع) يريد أنّ الربّ (٥) تعالى نسب الفرحَ إلى أحوال الدُّنيا في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا

стр. 1981

أُوتُوا﴾ (١) [الأنعام: ٤٤]، وقوله: ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦]، وقوله: ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هود: ١٠]. فإنّ الدُّنيا لا تتخلّص أفراحُها مِن أحزانِها وأتراحِها البتّة، بل ما من فرحةٍ إلّا ومعها ترحةٌ سابقةٌ أو مقارنةٌ أو لاحقةٌ، ولا تتجرّد الفرحةُ، بل لا بدّ من ترحةٍ تقارنُها، ولكن قد تقوى الفرحة على الحزن فينغمر حكمُه (٢) مع وجودها (٣) وبالعكس. فيقال: ونزل القرآن أيضًا بالفرح في أمور الآخرة في مواضع، كقوله: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠]. وقوله: ﴿وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ﴾ [يونس: ٥٨] فلا فرق بينهما من هذا الوجه الذي ذكره. قوله: (وورد اسم السُّرور في القرآن في موضعين في حال الآخرة). يريد بهما قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق: ٧ - ٩]، والموضع الثّاني قوله (٤): ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ [الإنسان: ١١]. فيقال: وورد السُّرور في أحوال الدُّنيا في موضعٍ على وجه الذّمِّ، كقوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق: ١٠].

стр. 1982

فقد رأيتَ ورود كلِّ واحدٍ من الفرح والسُّرور في القرآن بالنِّسبة إلى أحوال الدُّنيا وأحوال الآخرة، فلا يظهر ما ذكرَه من التّرجيح. بل قد يقال: التّرجيح للفرح، لأنّ الرّبّ ﵎ يوصَف به، ويُطْلَق عليه اسمه دون السُّرور، فدلّ على أنّ معناه أكمل من معنى السُّرور، وأمر (١) به في قوله: ﴿وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ﴾ [يونس: ٥٨]، وأثنى على السُّعداء به في قوله: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠]. وأمّا قوله تعالى: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾، وقوله: ﴿وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾، فعدَل إلى لفظ السُّرور لاتِّفاق رؤوس الآي. ولو أنّه ترجم البابَ ببابِ الفرَح، لكان أشدّ مطابقةً للآية التي استشهد بها، والأمر في ذلك قريبٌ، فالمقصود أمرٌ وراء ذلك. قال (٢): (وهو في هذا الباب على ثلاث درجاتٍ، الدّرجة الأولى: سرورُ ذوقٍ ذهبَ بثلاثة أحزانٍ: حزنٌ أورثَه خوفُ الانقطاع، وحزنٌ هاجَتْه (٣) ظلمةُ الجهل، وحزنٌ بعثَتْه (٤) وَحْشةُ التّفرُّق). لما كان (٥) السُّرور ضدَّ الحزن (٦) لا يُجامِعُه كان مُذهِبًا له. ولمّا كان سببه ذوق الشّيء السّارِّ، فكلّما كان الذّوق أتمّ كان السُّرور به أكْمَل.

стр. 1983

وهذا السُّرور يُذهِب ثلاثةَ أحزانٍ. الحزن الأوّل: حزنٌ أورثَه خوفُ الانقطاع ، وهذا حزن المتخلِّفين عن رَكْب الجنة (١)، ووفد المحبّة، فأهل الانقطاع هم المتخلِّفون عن صحبة هذا الرّكب وهذا الوفد، وهم الذين ﴿كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة: ٤٦] فثبّطَ عزائمَهم وهِمَمَهم أن تسير إليه وإلى جنّته، وأمَر قلوبَهم أمرًا كونيًّا قدريًّا أن تقعد مع القاعدين المتخلِّفين (٢). فلو عاينتَ (٣) قلوبَهم حين أُمِرَتْ بالقعود عن مرافقة الوفد، وقد غمرَتْها الهمومُ، وعقدَتْ عليها سحائبُ البلاء، وأُحْضِرت كلّ حزنٍ وغمٍّ، وأمواجُ القلق والحسرات تتقاذف بها، وقد غابت عنها المسرّات، ونابت (٤) عنها الأحزان= لعلمتَ أنّ الأبرار في هذه الدّار في نعيمٍ، وأنّ المتخلِّفين عن رُفقتهم في جحيمٍ. وهذا الحزن يَذهَبُ به ذوقُ طعم الإيمان، فيذوق التصديق (٥) طعمَ الوعد الذي وُعِد به على لسان الرّسول، فلا يعقله (٦) ظنٌّ، ولا يقطعه أملٌ،

стр. 1984

ولا تعوقه أمنيّةٌ ــ كما تقدّم ــ فيباشر (١) حقيقةَ قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [القصص: ٦١]، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ﴾ [فاطر: ٥]، وقوله: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ﴾ [البقرة: ٢٢٣]. وأمثال هذه الآيات. قوله: (وحزنٌ هاجته ظلمةُ الجهل). هذا الحزن الثّاني (٢) الذي يَذْهب به سرورُ الذّوق، وهو حزن ظلمة الجهل (٣). والجهل نوعان: جهلُ علمٍ ومعرفةٍ، وهو مراد الشّيخ هاهنا، وجهلُ عملٍ وغيٍّ. وكلاهما له ظُلمةٌ ووحشةٌ في القلب، فكما أنّ العلم يوجب نورًا وأُنْسًا، فضدُّه يوجبُ ظُلمةً ويوقِع وَحْشةً. وقد سمّى الله تعالى العلمَ الذي بعث به رسولَه نورًا وهدًى وحياةً، وضدَّه (٤) ظُلمةً وموتًا وضلالًا. قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وقال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢]،

стр. 1985

وقال: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ (١) [المائدة: ١٥]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤]، وقال: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]. فجعله روحًا لما يحصل به من حياة القلوب والأرواح. ونورًا لما يحصل به من الهدى والرّشاد. ومثّل هذا النُّورَ في قلب المؤمن: ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ تَوَقَّدَ (٢) مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: ٣٥]. ومثَّل حالَ مَن فقَدَ هذا النُّور بمن هو في ﴿ظُلُمَاتٍ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ (٣) [النور: ٤٠]. الحزن الثّالث: (حزنٌ بعثَتْه وحشةُ التّفرُّق) . التفرُّق تفرُّق (٤) الهمِّ والقلب عن الله . ولهذا التّفرُّق حزنٌ

стр. 1986

ممضٌّ على فوات جمعيّة القلب على الله ولذّتها (١) ونعيمها، فلو فُرِضت لذّات أهلُ الدُّنيا بأجْمَعِها حاصلةً لرجلٍ لم يكن لها نسبةٌ إلى لذّة جمعيّة القلب (٢) على الله، وفرحه به، وأُنْسِه بقربه، وشوقِه إلى لقائه. وهذا أمرٌ لا يصدِّق به إلّا من ذاقه. فإنّما يصدِّقك مَن أشرَقَ فيه ما أشرقَ فيك. ولله درُّ القائل (٣): أيا صاحبي ما ترى نارَهم (٤) ... فقال: تُرينيَ ما لا أرى سقاك الغرام ولم يسقني ... فأبصرتَ ما لم أكن مبْصِرَا فلو لم يكن في التّفرُّق المذكور إلّا ألم الوحشة، ونكَد التّشتُّت، وغبار الشّعَث لكفى به عقوبةً، فكيف وأقلُّ عقوبته: أن يُبتلى بصحبة المنقطعين ومعاشرتهم وخدمتهم، فتصير أوقاته ــ التي هي مادَّة حياته ولا قيمة لها (٥) ــ مستغرقةً في قضاء حوائجهم، ونيل أغراضهم؟! وهذه عقوبة قلبٍ ذاقَ حلاوةَ الإقبال على الله والجمعيّةِ عليه والأنسِ به، ثمّ آثر على ذلك سواه، ورضي بطريقة بني جنسه وما هم عليه. ومَن له أدنى حياةٍ في قلبه ونورٍ (٦) يستغيثُ قلبُه من وحشة هذا التّفرُّق، كما تستغيث

стр. 1987

الحامل عند وِلادِها (١). ففي القلب شعَثٌ لا يلمُّه إلّا الإقبال على الله، وفيه وحشةٌ لا يُزيلها إلّا الأُنس به في خَلوته. وفيه حزنٌ لا يُذهبِه إلّا السُّرور بمعرفته وصدق معاملته. وفيه قلقٌ لا يسكِّنه إلّا الاجتماع عليه، والفرار منه إليه. وفيه (٢) نيران حسراتٍ لا يطفئها إلّا الرِّضا بأمره ونهيه وقضائه، ومعانقة الصّبر على ذلك إلى وقت لقائه. وفيه طلبٌ شديدٌ لا يقف دون أن يكون هو وحده مطلوبه. وفيه فاقةٌ لا يسدُّها إلّا محبّته، والإنابة إليه، ودوام ذكره، وصدق الإخلاص له، ولو أعطي الدُّنيا بما (٣) فيها لم تسدّ تلك الفاقة منه أبدًا. فالتّفرُّق يوقع وحشةَ الحجاب، وألمه أشدُّ من ألم العذاب. قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ﴾ [المطففين: ١٥ - ١٦]، فاجتمع عليهم عذاب الحجاب وعذاب الجحيم. و «الذّوق» الذي يُذهِب وحشةَ هذا التّفرُّق: هو الذّوق الذي ذكره الشّيخ في قوله: (ذوق الإرادة طعم الأنس) فلا يعْلَق به شاغلٌ (٤)، ولا يفسده

стр. 1988

عارضٌ، ولا تكدِّره تفرقةٌ. فصل قال (١): (الدّرجة الثّانية: سرورُ شهودٍ، كشَفَ حجابَ العلم ، وفكَّ رِقَّ التكليفِ، ونفى صَغار الاختيار). يريد أنّ العلم حجابٌ على المعرفة، فشهودٌ كشَفَ (٢) ذلك الحجاب حتَّى يفضي القلب إلى المعرفة يوجب سرورًا. و «العلم» عند هذه الطّائفة استدلالٌ، و «المعرفة» ضروريّةٌ. فالعلم له الخبر، والمعرفة لها العيان، فالعلم عندهم حجابٌ على المعرفة، وإن كان لا يوصَل إليها إلّا بالعلم. فالعلم كالصِّوان (٣) لما تحته، هو (٤) حجابٌ عليه، ولا يوصَل إليه إلّا منه. ومثال هذا: أنّك إذا رأيتَ في حومة (٥) ثلجٍ ثقبًا خاليًا: استدللتَ به على أنّ تحته حيوانًا يتنفّس، فهذا علمٌ. فإذا حفرته، فشاهدت الحيوان، فهذه معرفةٌ. قوله: (وفكّ رقّ التّكليف) عبارةٌ قلقةٌ، غير سديدةٍ. و «رقُّ التّكليف» لا

стр. 1989

يفكُّ (١) إلى الممات. وكلّما تقدّم (٢) منزلًا شاهد من رقِّ تكليفه ما لم يكن يشاهده (٣) قبل، فرِقُّ التّكليف أمرٌ لازمٌ للمكلّف ما بقي في هذا العالم. والّذي يوجّه (٤) عليه كلامُه: أنّ السُّرور بالذّوق الذي أشار إليه يعتقُ العبدَ من رقِّ التّكليف، بحيث لا يعدُّه تكليفًا، بل تبقى الطّاعات غذاء لقلبه (٥)، وسرورًا له، وقرّة عينٍ في حقِّه، ونعيمًا لروحه. يلتذّ (٦) بها، ويتنعّم بملابستها أعظم ممّا يتنعّم بملابسة الطّعام والشّراب واللّذّات الجسمانيّة. فإنّ اللّذّات الرُّوحانيّة القلبيّة أقوى وأتمُّ من اللّذّات الجسمانيّة؛ فلا يجد في أوراد العبادة كلفةً، ولا يصير تكليفًا في حقِّه. فإنّ ما يفعله المحبُّ الصّادق، ويأتي به من (٧) خدمة محبوبه: هو أسرُّ شيءٍ إليه، وألذُّه عنده، ولا يرى ذلك تكليفًا، لما في التّكليف من إلزام المكلّف بما فيه كُلفةٌ ومشقّةٌ عليه. والله سبحانه إنّما سمّى أوامره ونواهيه: وصيّةً، وعهدًا، وموعظةً، ورحمةً، ولم يطلق عليها اسم التّكليف إلّا في جانب النّفي كقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. ووقوع الوسع بعد الاستثناء من التّكليف لا يوجب وقوع الاسم عليه مطلقًا. فهذا

стр. 1990

أقرب ما يؤوّل به كلامه. على أنّ للملحد (١) هاهنا مجالًا، وهو أنّ هذه الحال إنّما هي لأقوامٍ انتقلت عباداتُهم من ظواهرهم إلى بواطنهم، وانتقل حكم أورادهم إلى وارداتهم، فاستغنوا بالواردات عن الأوراد، وبالحقائق عن الرُّسوم، وبالمعاني عن الصُّور، فخلصوا من رقِّ التّكليف المختصِّ بالعلم، وقاموا بالحقيقة التي يقتضيها الحكم. وهكذا الألفاظ المجملة عرضةٌ للمحقِّ والمبطل. قوله: (ونفى صَغار الاختيار) يريد به أنّ العبد متى كان مربوطًا باختياراته، محبوسًا في سجن إراداته، فهو في ذلٍّ وصَغارٍ، فإذا وصل إلى هذه الدّرجة انتفى عنه صَغار الاختيار، وبقي من جملة الأحرار. فيا لها عبوديّة أوجبت حرِّيّةً، وحرِّيّة كمّلت عبوديّةً! فيصير واقفًا مع ما يختار الله له، لا مع ما يختاره هو لنفسه. بل يصير مع الله بمنزلة من لا اختيار له البتّة. فمن كان محجوبًا بالعلم عن المعرفة، نازعَتْه اختياراتُه ونازعها، فهو معها في ذلٍّ وصَغارٍ. ومتى أفضى إلى المعرفة، وكُشِف له عن حجابها شهدَ (٢) البلاءَ نعيمًا، والمنعَ عطاءً، والذُّلّ عزًّا، والفقرَ غنًى. فانقاد باطنه لأحكام المعرفة، وظاهره لأحكام العلم. على أنّ للملحد (٣) هاهنا مجالًا، قد جال فيه هو وطائفتُه فقال: «هذا

стр. 1991

يوجب الانقياد لأحكام المعرفة، والرّاحة (١) من أحكام العلم. وقد قيل: إنّ العالم يُسْعِطك الخلَّ والخردل، والعارف يُنْشقك المسكَ والعنبر». قال: «ومعنى هذا أنّك مع العالِم في تعبٍ، ومع العارف في راحةٍ، لأنّ العارفَ يبسطُ عُذرَ العوالم والخلائق، والعالم يلوم. وقد قيل: مَن نظَرَ إلى النّاس بعين العلم مقَتَهم، ومن نظرَهم (٢) بعين الحقيقة عذَرَهم». فانظر ما تضمّنه هذا الكلام ــ الذي ملمسه ناعمٌ، وسُمُّه (٣) قاتلٌ ــ مِن الانحلال عن الدِّين، والرّاحة (٤) من أحكام العبوديّة، وعذر (٥) اليهود والنّصارى، وعبّاد الأوثان والظّلَمة والفَجَرة، وأنّ أحكام الأمر والنّهي ــ الواردَين على ألسنة الرُّسل ــ للقلوب بمنزلة مَن يُسعَط (٦) الخلَّ والخردل، وأنّ شهود الحقيقة الكونيّة الشّاملة للخلائق، والوقوف معها، والانقياد لحكمها: بمنزلة تنشيق المسك والعنبر. فلْيَهْن الكفّارَ والفجّار والفسّاق انتشاق هذا المسك والعنبر، إذا شهدوا هذه الحقيقة وانقادوا لحكمها. ويا رحمةَ الأبرار المُحكِّمين لما جاء به الرّسولُ مِن كثرة سُعوطهم بالخلِّ والخردل! فإنّ قوله: هذا يجوز وهذا لا يجوز، وهذا حلالٌ وهذا حرامٌ، وهذا

стр. 1992

يُرضي الله وهذا يُسخط الله= خلٌّ وخردلٌ عند هؤلاء الملاحدة. وإلّا فالحقيقة تُشْهِدُك الأمرَ بخلاف ذلك، ولذلك إذا نظرتَ عندهم إلى العالَم بعين الحقيقة عذرتَ الجميع، فتعذر مَن لامَه الله ورسولُه أعظم الملامة (١). ويا لله العجب! إذا كانوا معذورين في الحقيقة، فكيف يعذِّب الله سبحانه المعذورَ ويذيقه أشدّ العذاب؟ وهلّا (٢) كان الغنيُّ الرّحيم أولى بعذره من هؤلاء؟ نعم، العالم يلومُ بأمر الله، والعارف (٣) يرحم بقدَر الله، ولا يتنافى عنده اللّوم والرّحمة. ومِن رحمته: عقوبة مَن أمَر الله بعقوبته، فذلك رحمةٌ له وللأمّة، وتركُ عقوبته زيادةٌ في أذاه وأذى غيره. وأنتَ مع العالم في تعبٍ يُعْقِبُ كلّ الرّاحة، ومع عارف هؤلاء في راحةٍ تعقب كلّ تعبٍ وألمٍ (٤)، كما ذكر الإمام أحمد في «كتاب الزُّهد» (٥) له: أنّ

стр. 1993

المسيح كان يقول: على قدر ما تتعبون ههنا (١) تستريحون هنالك، وعلى قدر ما تستريحون ههنا تتعبون هنالك. فالعالِمُ يحذِّرك ويمنعك الوقوف حتّى تبلغ المأمَن، وعارِفُ الملاحدةِ يُريحك (٢) مِن كدِّ السير (٣) ومؤنة السّفر، حتّى تؤخَذ في الطّريق. فصل قال (٤): (الدّرجة الثّالثة: سرورُ سماع الإجابة ، وهو سرورٌ يمحو آثار الوَحْشة، ويقرع بابَ المشاهدة، ويُضحِك الرُّوح). قيّد الشّيخُ السّماع بكونه سماع إجابةٍ (٥)، فإنّه السّماعُ المنتفَعُ به، لا مجرّد سماع الإدراك، فإنّه مشتركٌ بين المجيب والمعرض، وبه تقومُ الحجّةُ وينقطع العذر. ولهذا قال (٦) أصحابُه: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [البقرة: ٩٣]. و (٧) قال النّبيُّ ﷺ لليهوديِّ الذي سأله عن أمورٍ من الغيب: «ينفعك إن

стр. 1994

حدّثتك؟ قال: أسمع بأذني» (١). وأمّا سماع الإجابة: ففي مثل قوله: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٧] أي مستجيبون لهم، وفي قوله: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ [المائدة: ٤١] أي: مستجيبون له. وهو المراد. وهو المراد (٢) بقول المصلِّي: «سمع الله لمن حمده»، أي أجاب حَمْد مَن حمدَه، وهو السّمع الذي نفاه الله عمّن لم يُرِد به خيرًا، كقوله: ﴿(٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣] أي لجعلهم يسمعون سمعَ إجابةٍ وانقيادٍ. وقيل: المعنى لأفهمهم. وعلى هذا فالمعنى: لأسْمَع قلوبَهم، فإنّ سماعَ القلب يتضمّن الفهمَ. والتّحقيق: أنّ كلا الأمرين مرادٌ، فلو علم فيهم خيرًا لأفْهَمَهم، وجعلهم مستجيبين (٣) لما سمعوه وفهموه. والمقصود: أنّ سماع الإجابة هو سماع انقياد القلب والرُّوح والجوارح لما سمعَتْه (٤). قوله: (وهو يمحو آثار الوحشة) يعني: يزيل بقايا الوحشة التي سبّبها تركُ الانقياد التّامِّ. فإنّه على قدْر ذلك تكون الوحشة، وزوالُها إنّما يكون بالانقياد التّامِّ.

стр. 1995

وأيضًا: فإنّه يبقى على أهل الدّرجة الثّانية آثارٌ، وهم أهل كشف حجاب العلم. فإنّه إذا كُشِف عنهم حجاب العلم، وأفضوا إلى المعرفة بقيت عليهم بقايا من آثار ذلك الحجاب، فإذا حصلوا في هذه الدّرجة زالت تلك البقايا. وقد يُوجّه كلامُه على معنًى آخر، وهو أنّه إذا دعا ربّه سبحانه، فسمع ربُّه دعاءَه سماعَ إجابةٍ، وأعطاه ما سأله، على حسب مراده ومطلبه، أو أعطاه خيرًا منه (١) = حصَل له بذلك سرورٌ يمحو مِن قلبه آثار ما كان يجده من وَحشة البُعد، فإنّ للعطاء والإجابة سرورًا وأُنْسًا وحلاوةً، وللمنع وحشةً ومرارةً. فإذا تكرّر منه الدُّعاء، وتكرّر من ربِّه سماعُ إجابته لدعائه= محا عنه آثارَ الوحشة، وأبْدَله بها أنسًا وحلاوةً. قوله: (ويقرع (٢) باب المشاهدة). يريد ــ والله أعلم ــ مشاهدة حضرة الجمع التي يشمِّر إليها السّالكون عنده، وإلّا فمشاهدة الفضل والمنّة قد سبقت في الدّرجتين الأولتين، وانتقل المُشاهِد لذلك إلى ما هو أعلى منه، وهو مشاهدة الحضرة المذكورة. قوله: (ويُضحِك الرُّوح) يعني: أنّ سماعَ الإجابة يُضحك الرُّوحَ لسرورها بما حصل لها من ذلك السّماع. وإنّما خصّ الرُّوحَ بالضّحك ليُخرجَ به سرورًا يُضحك النّفسَ والعقلَ والقلب، فإنّ ذلك يكون قبل رفع الحجاب الذي أشار إليه، إذ محلُّه النّفس، فإذا ارتفع ومحا الشُّهود رسم النّفس بالكلِّيّة: كان الإدراك حينئذٍ بالرُّوح، فيُضحكها السُّرور.

стр. 1996

وهذا مبنيٌّ على قواعد القوم في الفرق بين أحكام النّفس والقلب والرُّوح (١). و «الفتح» عندهم نوعان: فتحٌ قلبيٌّ، وفتحٌ روحيٌّ. فالفتح القلبيُّ يجمعه على الله ويلمُّ شعَثَه، والفتح الرُّوحيُّ يُفنيه (٢) عنه ويجرِّده منه، وبالله التّوفيق. * * * *

стр. 1997

فصل ومنها منزلة (١) السِّرِّ . قال صاحب «المنازل» (٢): (باب السِّرِّ، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [هود: ٣١] أصحاب السِّرِّ: هم الأخفياء الذين ورد فيهم الخبر). أمّا استشهاده بالآية، فوجهه: أنّ (٣) أتباع الرُّسل الذين صدّقوهم، وآثروا الله والدّار الآخرة على قومهم وأصحابهم، أودع الله قلوبَهم سرًّا مِن أسرار معرفته ومحبّته والإيمان به خفي على أعداء الرُّسل، فنظروا إلى ظواهرهم، وعَمُوا عن بواطنهم، فازْدَروهم واحتقروهم، وقالوا للرّسول: اطرد هؤلاء عنك، حتّى نأتيك ونسمع منك (٤)، وقالوا: ﴿أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [الأنعام: ٥٣]، فقال نوحٌ لقومه: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ﴾ [هود: ٣١]. قال الزجَّاج (٥): المعنى إن كنتم تزعمون أنّهم اتّبعوني في بادي الرّأي

стр. 1998

وظاهره، فليس عليّ أن أطّلع على ما في نفوسهم، فإذا رأيتُ مَن يوحِّد الله عملتُ على ظاهره، ورددتُ عِلمَ (١) ما في نفوسهم إلى الله. وهذا معنًى حسنٌ. والّذي يظهر من الآية: أنّ الله يعلم (٢) بما في أنفسهم، إذ أهّلهم لقبول دينه وتوحيده، وتصديق رسله، فالله سبحانه حكيمٌ (٣)، يضع العطاءَ في مواضعه، وتكون هذه الآية مثل قوله: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣]. فإنّهم أنكروا أن يكون الله سبحانه أهّلهم للهدى والحقِّ، وحرَمه رؤساءَ الكفّار وأهل العزّة منهم والثّروة، كأنّهم استدلُّوا بعطاء الدُّنيا على عطاء الآخرة، فأخبر سبحانه أنّه أعْلَم بمَن يؤهِّله لذلك لسرٍّ عنده؛ من معرفة قدر النِّعمة، ورؤيتها من مجرّد فضل المنعم، ومحبّته وشكره عليها. وليس كلُّ أحدٍ عنده هذا السِّرُّ، فلا يؤهَّل (٤) لهذا العطاء. قوله: (أصحاب السِّرِّ هم الأخفياء الذين ورد فيهم الخبر) قد يريد به حديثَ سعد بن أبي وقّاصٍ، حيث قال (٥) ابنه: أنتَ هاهنا والنّاس ينازعون (٦) في الإمارة؟ فقال: إنِّي سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «إنّ الله يحبُّ

стр. 1999

العبدَ التّقيَّ الغنيَّ الخفيّ» (١). وقد يريد به قولَه ﷺ : «ربّ أشعثَ أغبرَ مدفوعٍ بالأبواب لا يُؤبَه له، لو أقسم على الله لأبَرّه» (٢). وقولَه في الحديث الآخر وقد مرّ به رجلٌ فقال: ما تقولون في هذا؟ فقالوا: هذا حريٌّ إن شفَع أن يُشَفّع، وإن خطَب أن يُنكَح، وإن قال أن يُسمع لقوله. ثمّ مرّ به آخر فقال: ما تقولون في هذا؟ فقالوا: هذا حريٌّ إن شفَع ألّا يُشفّع، وإن خطَب: أن لا يُنكَح، وإن قال: لم (٣) يُسمع لقوله. فقال النبيُّ ﷺ : «هذا خيرٌ مِن ملء الأرض مِثل هذا» (٤). فصل قال (٥): (وهم على ثلاث (٦) طبقاتٍ، الطّبقة الأولى: طائفةٌ علَت هممُهم، وصفَت قصودُهم، وصحّ سلوكُهم، ولم يوقَف لهم على رسمٍ، ولم يُنسبوا إلى اسمٍ، ولم تُشِرْ إليهم الأصابع (٧). أولئك ذخائر الله حيث كانوا). ذكر لهم ثلاثَ صفاتٍ ثبوتيَّةٍ، وثلاثًا (٨) سلبيّةً.

стр. 2000

الأولى: علوُّ هممهم. وعلوُّ الهمَّة أن لا تقف دون الله، ولا تتعوّض عنه بشيءٍ، ولا ترضى بغيره بدلًا منه، ولا تبيع حظّها من الله وقربَه والأنسَ به، والفرحَ والسُّرورَ والابتهاجَ به، بشيءٍ من الحظوظ الخسيسة الفانية، فالهمّة العالية على الهمم كالطّائر العالي على الطُّيور، لا يرضى بمساقطتهم (١)، ولا تصل إليه الآفات التي تصل إليهم، فإنّ الهمّةَ كلّما علَت بعُدَت عن وصول الآفات إليها، وكلّما نزلت (٢) قصَدَتْها الآفاتُ مِن كلِّ مكانٍ، فإنّ الآفات قواطعُ وجواذبُ، وهي لا تعلو إلى المكان العالي فتجتذب منه، وإنّما تجتذب من المكان السّافل، فعلوُّ همّة المرء عنوانُ فلاحه، وسفولُ همّته عنوانُ حرمانه. العلامة الثانية: صفاء القصد ، وهو خَلاصُه من الشوائب التي تعوقه عن مقصوده، فصفاء القصد: تجريدُه لطلب المقصود له لا لغيره، فهاتان آفتان في القصد؛ إحداهما (٣): أن لا يتجرّد لمطلوبه. الثّاني: أن يطلبه لغيره لا لذاته. وصفاء القصد يُراد به: العزم الجازم على اقتحام بحر الفناء عند الشيخ ومَن وافقه على أنّ الفناء غايةٌ. ويراد به: خُلوص القصد مِن كلِّ إرادةٍ تزاحم مراد الرّبِّ تعالى، بل يصير القصد مجرّدًا لمراده الدِّينيِّ الأمريِّ. وهذه طريقة من يجعل الغاية هي الفناء عن إرادة السِّوى، وعلامته:
следующие страницы →