عينٍ، ووجود مقامٍ، كما سيأتي شرحه في موضعه إن شاء الله.
وهذه اللّوائح التي أشار إليها تلوح في المراتب الثّلاثة، وقد ذكروا عن الجنيد أنّه قال: علم التّوحيد مباينٌ لوجوده، ووجوده مباينٌ لعلمه (١).
ومعنى ذلك: أنّ العبد قد يصحُّ له العلم بانفراد الحقِّ في ذاته وصفاته وأفعاله علمًا جازمًا، لا يشكُّ فيه ولا يرتاب، ولكن إذا اختلفت عليه الأسباب، وتقاذفتْ به أمواجُها، لم يثبت قلبه في أوائل الصَّدَمات، ولم يبادر إذ ذاك إلى رؤية الأسباب كلِّها من الأوّل الذي دلّت على وحدانيّته وأوّليّته البراهينُ القطعيّة والمشاهدة الإيمانيّة، فهذا عالمٌ بالتّوحيد غير واجدٍ مقامه، ولا متَّصف بحالٍ أكسَبَه إيَّاها التوحيدُ، فإذا وجد قلبه وقتَ اختلافِ الأحوال (٢) وتباينِ الأسباب واثقًا بربِّه، مقبلًا عليه، مستغرقًا في شهود وحدانيّته في ربوبيّته وإلهيّته، وأنّه وحده منفردٌ بتدبير عباده= فقد وجد مقام التّوحيد وحاله.
وأهل هذا المقام متفاوتون في شهوده تفاوتًا عظيمًا: من مُدركٍ لما هو فيه متنعِّمٍ متلذِّذٍ به في وقتٍ دون وقتٍ، ومن غالبٍ عليه هذه (٣) الحال، ومن مستغرقٍ غائبٍ عن حظِّه ولذّته بما هو فيه من وجوده، فنور الوجود قد غشي مشاهدته بحاله، ولمَّا يصلْ إلى مقام الجمع، بل قد أناخَ بفِنائه، والوجود عنده هو حضرة الجمع، وتُسمّى حضرة الوجود.
стр. 2102
وقوله: (مُنِيخةً بفِناء الجمع)، يعني: قد شارفت مشاهدته منزلَ الجمع، وأناخت به، وتهيّأ لدخوله. وهذه استعارةٌ، فكأنّه مثّل المشاهد بالمسافر بناقته التي يسافر عليها، فإنّها الحاملة له، وشبّه حضرة الجمع بالمنزل والدّار، وقد أناخ المسافر مركوبَه بفِنائها، وهذا إشارةٌ منه إلى إشرافه عليها، وأنّ نور الوجود لا يلُوح إلّا منها.
فصل
قال (١): (الدرجة الثانية: مشاهدة معاينةٍ ، تقطع حِبالَ الشواهد، وتُلبِس نعوتَ القدس، وتُخرِس ألسنةَ الإشارات).
إنّما كانت هذه الدّرجة أعلى ممّا قبلها، لأنّ تلك الدّرجة مشاهدةٌ ترقَّتْ عن العلم النّظريِّ بالتّوحيد، وتمكَّنتْ في وجود التّوحيد، حتّى صار صاحبها يرى الأسباب كلّها (٢) من واحدٍ متقدِّمٍ عليها، لا أوّل (٣) لوجوده حالًا وذوقًا، وأناخَ بفِناء الجمع ليتبوّأه منزلًا لتوحيده، ولكنّه بعدُ لم يكمُل استغراقُه عن شهود رسمها بالكلِّيّة، فشواهد الرُّسوم بعدُ معه. وصاحبُ هذه الدّرجة قد انقطعت عنه حبال الشّواهد، وتمكَّن في مقام المشاهدة، وتطهّر من نعوت النّفس، ولبِسَ نعوتَ القدس، فتطهّر من الالتفات إلى غير مشهوده، فخَرِسَ لذلك لسانه عن الإشارة إلى ما هو فيه. فهذه المشاهدة عنده فوق مشاهدة المعرفة؛ لأنّ تلك من لوائح نور الوجود، وهذه مشاهدةٌ
стр. 2103
للوجود نفسه، لا بوارق نوره، فهي أعلى؛ لأنّها مشاهدة عيانٍ، والعيان والمعاينة أن تقع العينُ في العين.
وقد عرفتَ أنّ هذا مستحيلٌ في الدُّنيا، ومن جوّزه فقد أخطأ أقبحَ الخطأ، وتعدّى مقام الرُّسل. وإنّما غاية ما يصل إليه العارف: مزيد إيمانٍ ويقينٍ، بحيث يعبد الله كأنّه يراه؛ لقوّة يقينه (١) وإيمانه بوجوده وأسمائه وصفاته، وأنّ الأنوار واللوامع والبوارق إنّما هي أنوار الإيمان والطّاعات من الذِّكر وقراءة القرآن ونحوها، وأنوار استغراقهم في مطالعة الأسماء والصِّفات وإثباتها والإيمان بها، حيث يبقى كالمعاين لها، فيُشرِق على قلبه نور المعرفة، فيظنُّه نورَ الذّات والصِّفات.
وتقدّم بيان السبب المُوقِع لهم في ذلك، وأنّهم لا يمكنهم رجوعهم في ذلك إلى المحجوبين الذين غلُظَ في هذا الباب حجابهم، وكَثُفَت عن إدراكه أرواحهم، وقَصُرت عنه علومهم ومعارفهم، ولم يكادوا يَظْفَرون بذائقٍ صحيح الذّوق يُفصِّل لهم أحكام أذواقهم ومشاهداتهم، ويُنزِلها منازلَها، ويُبيِّن أسبابها وعللها، فوجود هذا أعزُّ شيءٍ. والقوم لهم طلبٌ شديدٌ وهِمَمٌ عاليةٌ، ومطلبُهم وهممُهم فوق مطالب النّاس وهممهم، فتشهد أرواحهم مقاماتِ المنكر عليهم وسفولها، واستغراقه في حظوظه وأحكام نفسه وطبيعته، فلا تسمحُ نفوسهم بقبولِ قوله والرُّجوعِ إليه، فلو وجدوا عارفًا ذا قرآنٍ وإيمانٍ ينادي القرآنُ والإيمانُ على معرفته، وتدلُّ معرفته على مقتضى الإيمان والقرآن، محكِّمًا للوحي على الذّوق، مستخرجًا أحكامَ الذّوق من الوحي، ليس بفظٍّ ولا غليظ، ولا مدَّعٍ ولا محجوب بالوسائل عن الغايات،
стр. 2104
إشارته دون مقامه، ومقامه فوق إشارته (١)، إن أشار أشار بالله مستشهدًا بشواهد الله، وإن سكت سكت بالله عاكفًا بسِرِّه وقلبه على الله، فلو وجدوا مثل هذا لكان الصّادقون أسرعَ إليه من النّار في يابس الوَقود، والله المستعان.
قوله: (تقطع حِبالَ الشّواهد)، شبّه الشّواهد بالحبال التي تَجذِب العبد إلى مطلوبه، وهذا إنّما يكون مع الغيبة عنه، فإذا صار الأمر إلى العيان انقطعت حينئذٍ حبالُ الشّواهد بحكم المعاينة.
قوله: (وتلبس نعوت القدس)، القدس: هو النّزاهة والطّهارة، ونعوت القدس هي صفاته، فيُلبِسه الحقُّ سبحانه من تلك النُّعوت ما يليق به، واستعار لذلك لفظة اللُّبس؛ فإنّ تلك الصِّفات خِلَعٌ من خِلَعِ الحقِّ سبحانه، يُلبِسها من يشاء من عباده.
وهذا موضعٌ يتوارد عليه الموحِّدون والملحدون:
فالموحِّد يعتقد: أنّ الذي ألبسه الله إيّاه هو صفاتٌ جمَّلَ بها ظاهرَه وباطنَه، وهي صفاتٌ مخلوقةٌ ألبست عبدًا مخلوقًا، فكسا عبده حُلّةً من حُلَلِ فضله وعطائه.
والملحد يقول (٢): كساه نفسَ صفاتِه، وخلَعَ عليه خِلعةً من صفات ذاته، حتّى صار شبيهًا به، ويقولون: الوصول هو التّشبُّه بالإله على قدر الطّاقة، وبعضهم يُلطِّف هذا المعنى فيقول: بل يتخلّق بأخلاق الرّبِّ (٣)،
стр. 2105
ورَوَوا في ذلك أثرًا: «تَخلَّقوا بأخلاقِ الله» (١).
وليس هاهنا غير التّعبُّد بالصِّفات الجميلة والأخلاق الفاضلة، التي يحبُّها الله ويجعلها لمن يشاء من عباده، فالعبد مخلوقٌ، وخِلْعته مخلوقةٌ، وصفاته مخلوقةٌ، والله سبحانه بائنٌ بذاته وصفاته عن خلقه، لا يُمازِجهم ولا يمازجونه، ولا يحلُّ فيهم ولا يحلُّون فيه، تعالى الله علوًّا كبيرًا.
فصل
قال (٢): (الدّرجة الثّالثة: مشاهدة جَمْعٍ ، تَجذِب إلى عين الجمع، مالكةً لصحّة الورود، راكبةً بحرَ الوجود).
صاحب هذه الدرجة أثبتُ عند الشيخ في مقام المشاهدة، وأمكنُ في مقام الجمع الذي هو حضرة الوجود، وأملكُ لحمل ما يَرِد عليه في مقامه من أنواع الكشوفات (٣) والمعارف، ولذلك كانت مشاهدته مالكةً بصحة الورود؛ أي: تشهد لنفسها بصحّة ورودها إلى حضرة الجمع، وتشهد الأشياء كلُّها لها بالصِّدق، ويشهد المشهود أيضًا لها (٤) بذلك، فلا يبقى عندها احتمال شكٍّ ولا ريبٍ.
стр. 2106
وهذا أيضًا مَورِدٌ للملحد والموحِّد (١):
فالملحد يقول: مشاهدة الجمع هي مشاهدة الوجود الواحد، الجامع لجميع المعاني والصُّور والقوى والأفعال والأسماء، و «حضرة الجمع» عنده هي حضرة هذا الوجود، ومشاهدة هذا الجمع تجذب إلى غيبة (٢).
قال (٣): وصفة هذا الجذب أن يَحُلَّ الحقُّ تعالى عُقَدَ خَلقيَّتِه بيد حقيقته (٤)، فيرجع النُّور الفائض على صورة خَلقيَّتِه إلى أصله، ويرجع العبد إلى عدميّته، فيبقى الوجود للحقِّ، والفناء للخلق، ويقيم الحقُّ تعالى وصفًا من أوصافه، نائبًا عنه في استجلاء ذاته، فيكون الحقُّ هو المشاهد ذاتَه بذاته في طورٍ من أطوار ظهوره، وهي مرتبة عبده، فإذا أثبتَ الحقُّ تعالى عبدَه بعد نفيه ومحْوِه، وأبقاه بعد فنائه (٥)، فعاد كما يعود السّكران إلى صحوه= وجدَ في ذاته أسرارَ ربِّه، وطورَ صفاته، وحقائقَ ذاته، ومعالمَ وجوده، ومطارحَ أشعّةِ نوره، ووجد خَلْقِيَّته أسماءَ مسمّى ذاته وعوده إليه، فيرى العبدُ ثبوتَ ذلك الاسم في حضرة سائر الأسماء المشيرة بدلالتها إلى الموجود (٦) المنزَّه الأصل، المُوهِم الفرع، فيؤدِّي استصحابُ النّظر إلى أصله أنّ الفرع لم يفارِقْه هو إلّا بشكله، والشّكل على اختلاف ضروبه فمعنًى عدميٌّ
стр. 2107
يفنَى (١) إمكانه في وجوبه.
فانظر ما في هذا الكلام من الإلحاد والكفر الصُّراح، وجعل عين المخلوق نفس عين الخالق، وأنّ الرّبّ سبحانه أقام نفسَ أوصافه نائبةً عنه في استجلاء ذاته، وأنّه شاهدَ ذاتَه بذاته في مراتب الخلق، وأنّ الإنسان إذا صحا من سُكره وجد في ذاته حقائق ذات الرّبِّ، ووجد خلقيَّتَه أسماء مسمّى ذاته، فيرى ثبوت ذلك الاسم في حضرة سائر الأسماء المشيرة بدلالتها إلى الوجود «المنزَّه الأصل» يعني عن الانقسام والتّكثُّر، «المُوهِم الفرع» يعني الذي يُوهِم فروعُه وتكثُّرُ مظاهرِه واختلافُ أشكاله أنّه متعدِّدٌ، وإنّما هو وجودٌ واحدٌ، والأشكال على اختلاف ضروبها أمورٌ عدميّةٌ، لأنّها ممكنةٌ، وإمكانها يفنى في وجوبها، فلم يبقَ إلّا وجوبُ الوجود، وهو واحدٌ وإن اختلفت الأشكال التي ظهر فيها، والأسماء التي أشارت إليه.
فالاتِّحاديُّ يُشاهد وجودًا واحدًا، جامعًا لجميع الصُّور والأنواع والأجناس، فاض عليها كلِّها، فظهر فيها بحسب قوابلها واستعداداتها.
وذلك الشُّهود يجذبه إلى انجذاب عزمه عن التّقيُّد بمعبودٍ معيّنٍ أو عبادةٍ معيّنةٍ، بل يبقى معبوده الوجود المطلق السّاري في الموجودات، بأيِّ معنًى ظهر، وفي أيِّ ماهيّةٍ تحقَّق، فلا فرقَ عنده بين السُّجود للصّنم والشّمس والقمر والنُّجوم وغيرها، كما قال شاعر القوم (٢):
وإن خَرَّ للأحجارِ في البُدِّ عاكفٌ ... فلا تَعْدُ في الإنكارِ بالعصبيّةِ
стр. 2108
وإن عبدَ النّارَ المجوسُ وما انطفَتْ ... كما جاء في الأخبار مُذْ ألفِ حجّةِ
فما عبدوا غيري ولا كان قصدُهم ... سواي وإن لم يُظهِروا عقدَ نيّةِ
وما عقدَ الزُّنّارَ حكمًا سِوى يدي ... وإن حلَّ بالإقرار لي فهي بيعتي
وكما قال عارفهم (١): واعلم أنّ للحقِّ في كلِّ معبودٍ وجهًا يعرفه من عرفه، ويجهله من جهله، فالعارف يعرف من عبد، وفي أيِّ صورةٍ ظهر، قال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]. قال (٢): وما قضى الله بشيء إلّا وقع، وما عُبِد غير الله في كلِّ معبودٍ.
فهذا مشهدُ الملحد.
والموحِّد يشاهد بإيمانه ويقينه ذاتًا جامعةً للأسماء الحسنى والصِّفات العلى، لها كلُّ صفة كمالٍ وكلُّ اسمٍ حسنٍ، وذلك يَجذِبه إلى نفس اجتماع همِّه على الله، وعلى القيام بفرائضه.
والطريق بمجموعها لا تخرج عن هذين الشيئين، وإن طوَّلوا العبارات ودقَّقوا الإشارات، فالأمر كلُّه دائرٌ على جمعِ الهمِّ على الله، واستفراغِ الوسع بغاية النصيحة في التقرُّب إليه بالنّوافل بعد تكميل الفرائض، فلا تُطوِّلْ ولا يُطوَّل عليك!
وشيخ الإسلام مراده بالجمع الجاذب إلى عين الجمع أمرٌ آخر بين (٣) هذا وبين جمع أهل الوحدة وعينِ جَمْعهم، لا هو هذا ولا هذا، فهو دائرٌ
стр. 2109
على الفناء، لا تأخذه فيه لومة لائمٍ، وهو الجمع الذي يدندن حوله. وعينُ الجمع عنده هو تفرُّد الرّبِّ سبحانه بالأزليّة والدّوام، وبالخلق والفعل (١)، فكان ولا شيء، ويكون بعد كلِّ شيءٍ، وهو المكوِّن لكلِّ شيءٍ، فلا وجودَ في الحقيقة لغيره، ولا فعلَ لغيره، بل وجودُ غيرِه كالخيال والظِّلال، وفعلُ غيرِه في الحقيقة كحركات الأشجار والنّبات. وهذا تحقيق الفناء في شهود الرُّبوبيّة والأزليّة والأبديّة، وطيُّ بساط شهود الأكوان، فإذا ظهر هذا الحكم انمحقَ وجود العبد في وجود الحقِّ، وتدبيره في تدبير الحقِّ، فصار سبحانه هو المشهود بوجودٍ من العبد متلاشٍ مضمحلٍّ كالخيال والظِّلال.
ولا يَستعدُّ لهذا عندهم إلّا من اجتمعت إرادته على المراد وحده، حالًا لا تكلُّفًا، وطبعًا لا تطبُّعًا، فقد تنبعث الهمّة إلى أمرٍ وتتعلّق به، وصاحبها معرضٌ عن غيرِ مطلبه، متحلٍّ به، ولكنّ إرادة السِّوى كامنةٌ فيه، قد توارى حكمها واستتر، ولمّا يَزَلْ، فإنّ القلب إذا اشتغل بشيءٍ اشتغالًا تامًّا تَوارى عنه إرادتُه لغيره، والتفاتُه إلى ما سواه، مع كونه كامنًا في نفسه، مادّتُه حاضرةٌ عنده، فإذا وجد فجوةَ أدنى تخلٍّ من شاغلِه ظهر حكمُ تلك الإرادات التي كان سلطانُ شهوده يحول بينه وبينها.
فإذًا الجمعُ وعين الجمع ثلاث مراتب:
أعلاها: جمع الهمِّ على الله إرادةً ومحبّةً وإنابةً، وجمعُ القلبِ والرُّوح والنّفس والجوارح على (٢) استفراغ الوُسْعِ في التّقرُّب إليه بما يحبُّه ويرضاه، دون رسوم النّاس وعوائدهم، فهذا جمعُ خواصِّ المقرّبين وسادتهم.
стр. 2110
الثاني: الاستغراق في الفناء في شهود الرُّبوبيّة، وتفرُّد الرّبِّ سبحانه بالأزليّة والدّوام، وأنّ الوجود الحقيقيّ له وحده. وهذا الجمع دون الجمع الأوّل بمراتبَ كثيرةٍ.
الثالث: جمع الملاحدة الاتِّحاديّة وعينُ جمْعِهم؛ وهو جمع الشُّهود في وحدة الوجود.
فعليك بتمييز المراتب، لتسلم من المعاطب، والله المستعان. وسيأتي ذكر مراتب الجمع والتّمييز بين صحيحها وفاسدها في آخر باب التّوحيد من هذا الكتاب إن شاء الله.
قوله: (مالكةً لصحّة الورود)، أي: ضامنةً لصحّة ورودها، شاهدةً بذلك مشهودًا لها به، لأنّها فوق مشاهدة المعرفة، وفوق مشاهدة المعاينة.
قوله: (راكبةً بحرَ الوجود)، يعني: تلك المشاهدة راكبةٌ بحرَ الوجود، فهي في لُجَّةِ بحره، لا في أنواره ولا في بوارقه.
وقد تقدّم الكلام على مراده بالوجود، وأنّه وجود علمٍ ووجود عينٍ ووجود مقامٍ. وسيأتي تمام الكلام عليه في بابه إن شاء الله.
* * * *
стр. 2111
فصل
قال شيخ الإسلام (١): (باب المعاينة: قال الله تعالى: ﴿(٤٤) أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ﴾ [الفرقان: ٤٥]).
قلت: المعاينة مفاعلةٌ من العِيان، وأصلها من الرُّؤية بالعين، يقال: عاينَه إذا وقعت عينُه عليه، كما يقال: شافَهَه إذا كلَّمه شِفاهًا، وواجَهَه إذا قابله بوجهه. وهذا مستحيلٌ في هذه الدّار أن يظفر به بشرٌ.
وأمّا قوله تعالى: ﴿(٤٤) أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ﴾ فالرُّؤية واقعةٌ على نفس مدِّ الظِّلِّ، لا على الذي مَدَّه سبحانه، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ [نوح: ١٥]، وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل: ١]. فهاهنا أوقع الرُّؤية على نفس الفعل، وفي قوله: ﴿(٤٤) أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ﴾ أوقعَها في اللّفظ عليه سبحانه، والمراد فِعْلُه من مدِّ الظِّلِّ، وهذا كلامٌ عربيٌّ بيِّنٌ معناه، غير محتملٍ ولا مجملٍ، كما قيل في العُزّى: كُفرانَكِ اليومَ لا سبحانَكِ، إنِّي رأيتُ الله قد أهانكِ (٢).
وهو كثيرٌ في كلامهم، يقولون: رأيتُ الله قد فعلَ كذا وكذا، والمراد رأيتُ فعْلَه. فالعيان والرُّؤية واقعٌ على المفعول، لا على ذاتِ الفاعل وصفتِه ولا فِعْلِه القائم به.
стр. 2112
فصل
قال صاحب «المنازل» (١): (المعاينات ثلاثة. إحداها: معاينة الأبصار. والثّانية: معاينة عين القلب، وهي معرفة الشّيء على نَعْته، علمًا يقطع الرِّيبة، ولا تَشُوبُه حيرةٌ. الثّالثة: معاينة عين الرُّوح، وهي التي تُعايِنُ الحقَّ عيانًا محضًا، والأرواح إنّما ظهرت (٢) وأُكرِمت بالبقاء لِتُناغي سَنا الحضرة، وتُشاهِد بهاء العزّة، وتجذب القلوب إلى فناء الحضرة).
جعل الشّيخ المعاينة للعين والقلب والرُّوح، وجعل لكلِّ معاينةٍ منها حكمًا.
فمعاينة العين: هي رؤية الشّيء عيانًا، إمّا بانطباع صورة المرئيِّ في القوّة الباصرة عند أصحاب الانطباع، وإمّا باتِّصال الشُّعاع المنبسط من العين المتّصل بالمرئيِّ عند أصحاب الشُّعاع، وإمّا بالنِّسبة والإضافة الخاصّة بين العين وبين المرئيِّ عند كثيرٍ من المتكلِّمين. والأقوال الثّلاثة لا تخلو عن خطأٍ وصوابٍ، والحقُّ غيرها، وأنّ الله سبحانه جعل في العين قوّةً باصرةً، كما جعل في الأذن قوّةً سامعةً، وفي الأنف قوّةً شامّةً، وفي اللِّسان قوّةً ناطقةً، فهذه قُوًى أودعَها الله سبحانه هذه الأعضاءَ، وجعل بينها وبينها رابطةً، وجعل لها أسبابًا من خارجٍ (٣)، وموانعَ تمنع حكمها، وكلُّ ما ذكروه من انطباعٍ ومقابلةٍ وشعاعٍ ونسبةٍ وإضافةٍ: فهو سببٌ وشرطٌ، والمقتضي هو القوّة القائمة بالمحلِّ. وليس الغرض ذكر هذه المسألة، فالمقصود أمرٌ آخر.
стр. 2113
وأمّا معاينة القلب: فهي انكشاف صورة المعلوم له، بحيث تكون نسبته إلى القلب كنسبة المرئيِّ إلى العين، وقد جعل الله سبحانه القلبَ يُبصِر ويَعمى، كما تبصر العين وكما تعمى، قال تعالى: ﴿لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ [الحج: ٤٦]. فالقلب يرى ويسمع، ويعمى ويَصَمُّ، وعَماه وصَمَمُه أبلغ من عمى البصر وصممِه.
وأمّا ما يُثبِته متأخِّرو القوم من هذا القسم الثّالث وهو رؤية الرُّوح وسَمْعُها وإرادتها وأحكامها، التي هي أخصُّ من أحكام القلب= فهؤلاء اعتقادهم أنّ الرُّوح غير النّفس والقلب.
ولا ريبَ أنّ هاهنا أمورًا معلومةً، وهي: البدن، وروحه القائم به (١)، والقلب المشاهَد فيه وفي سائر الحيوان، والغريزة وهي القوّة العاقلة التي محلُّها القلب، ونسبتها إلى القلب كنسبة القوّة الباصرة إلى العين، والقوَّةِ السّامعة إلى الأذن، ولهذا تسمّى تلك (٢) القوّة قلبًا، كما تُسمّى القوّة الباصرة بصرًا، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧]، ولم يُرَدْ شكلُ القلب، فإنّه لكلِّ أحدٍ، وإنّما أريد القوّة والغريزة المودعة فيه.
والرُّوح هي الحاملة للبدن ولهذه القوى كلِّها، فلا قِوامَ للبدن ولا لقواه إلّا بها، ولها باعتبار إضافتها إلى كلِّ محلٍّ حكمٌ واسمٌ يخصُّها، فإذا أضيفتْ إلى محلِّ البصر سمِّيت بصرًا، وكان لها (٣) حكمٌ يخصُّها هناك، وإذا أضيفت إلى
стр. 2114
محلِّ السّمع سمِّيت سمعًا، وكان لها حكمٌ يخصُّها، وإذا أضيفت إلى محلِّ العقل وهو القلب سمِّيت قلبًا، ولها حكمٌ يخصُّها، وهي في ذلك كلِّه روحٌ.
فالقوّة الباصرة والسّامعة والعاقلة والنّاطقة روحٌ باصرةٌ وسامعةٌ وعاقلةٌ وناطقةٌ، ففي الحقيقة هذا العاقلُ الفاهمُ المُدرِك المحبُّ العارفُ المحرِّك للبدن الذي هو محلُّ الخطاب والأمر والنّهي= هو شيءٌ واحدٌ له صفاتٌ متعدِّدةٌ بحسب متعلَّقاته، فإنّه يُسمّى نفسًا مطمئنّةً ونفسًا لوّامةً ونفسًا أمّارةً، وليس هو ثلاثةَ أنفسٍ بالذّات والحقيقة، ولكن هو نفسٌ واحدةٌ لها صفاتٌ متعدِّدةٌ.
وهم يشيرون بالنّفس إلى الأخلاق والصِّفات المذمومة، فيقولون: فلانٌ له نفسٌ، وفلانٌ ليس له نفسٌ، ومعلومٌ أنّه لو فارقَ نفسَه مات، ولكن يريدون تجرُّده (١) عن صفات النّفس المذمومة.
والمحقِّقون (٢) منهم (٣) يقولون: إنّ النّفس إذا تلطَّفتْ وفارقتِ الرّذائلَ صارت روحًا، ومعلومٌ أنّها لم تُعْدَم، ويُخْلَقْ له مكانَها روحٌ لم تكن، ولكن عُدِمَتْ منها الصِّفاتُ المذمومة، وصار مكانَها الصِّفاتُ المحمودة، فسُمِّيت روحًا.
وهذا اصطلاحٌ مجرَّدٌ، وإلّا فالله سبحانه سمّاها نفسًا في القرآن في جميع أحوالها: أمّارةً، ولوّامةً، ومطمئنّةً. وقال: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]، ويدخل في هذا جميع أنفس العباد حتّى الأنبياء، وسمَّاها رسول الله ﷺ روحًا على الإطلاق، مؤمنةً كانت أو كافرةً، بَرَّةً أو فاجرةً،
стр. 2115
كقوله: «إنّ الرُّوح إذا قُبِضَ تَبِعَه البصرُ» (١)، وقوله: «إنّ الله قَبضَ أرواحَنا حيث شاء، وردَّها حيث شاء» (٢)، وقوله في حديث قَبْض الرُّوح وصفته: فإن كان مؤمنًا كان كذا وكذا، وإن كان كافرًا كان كذا وكذا (٣). فسمّى المقبوض روحًا، كما سمّاه الله في كتابه نفسًا، وهذا المقبوض والمتوفّى شيءٌ واحدٌ، لا ثلاثةٌ ولا اثنان، وإذا قُبض تبعتْه القوى كلُّها: العقل وما دونه؛ لأنّه كان حامل الجميع ومَرْكبه (٤).
إذا عُرِف هذا، فالمعاينة نوعان: معاينة بصرٍ، ومعاينة بصيرةٍ. فمعاينة البصر: وقوعه على نفس المرئيِّ أو مثالِه الخارجيِّ، كرؤية مثال الصُّورة في المرآة والماء. ومعاينة البصيرة: وقوع القوّة العاقلة على المثال العلميِّ المطابق للخارجيِّ، فيكون إدراكه له بمنزلة إدراك العين للصُّورة الخارجيّة (٥)، وقد يقوى سلطان هذا الإدراك الباطن، بحيث يصير الحكم له، ويقوى استحضار القوّة العاقلة لمدركها (٦)، بحيث يستغرق فيه، فيغلب حكمُ القلب على حكم الحسِّ والمشاهدة، فيستولي على السّمع والبصر، بحيث يراه ويسمع خطابه في الخارج، وهو في النّفس والذِّهن، لكن لغلبة
стр. 2116
الشُّهود وقوّةِ الاستحضار وتمكُّنِ حكم (١) القلب واستيلائه على القوى صار كأنّه مرئيٌّ بالعين، مسموعٌ بالأذن، بحيث لا يشكُّ المُدرِك في ذلك ولا يرتاب البتّةَ، ولا يقبل عذلًا.
وحقيقة الأمر: أنّ ذلك كلّه شواهدُ وأمثلةٌ علميّةٌ تابعةٌ للمعتقد، فذلك الذي أدرك بعين القلب والرُّوح إنّما هو شاهدٌ دالٌّ على الحقيقة، وليس نفس الحقيقة (٢)، فإنّ شاهِدَ نورِ جلال الذّات في قلب العبد ليس هو نفس نور الذّات الذي لا تقوم له السّماوات والأرض، فإنّه لو ظهر لها لتدكدكتْ، وأصابَها ما أصاب الجبل. وكذلك شاهدُ نورِ العظمة في القلب، إنّما هو نور التّعظيم والإجلال، لا نور نفس المعظّم ذي (٣) الجلال والإكرام.
وليس مع القوم إلّا الشّواهد والأمثلة العلميّة، والرّقائق التي هي ثمرة قرب القلب، وأنسه به، واستغراقه في محبّته وذكره، واستيلاء سلطان معرفته عليه، والرّبُّ ﵎ وراء ذلك كلِّه، منزّهٌ مقدّسٌ عن اطِّلاع البشر على ذاته أو أنوارِ ذاته، أو صفاتِه أو أنوار صفاته، وإنّما هي الشّواهد التي تقوم بقلب العبد، كما يقوم بقلبه شاهدٌ من الآخرة والجنّة والنّار وما أعدّ الله لأهلها.
وهذا هو الذي وجده عبد الله بن حَرامٍ يومَ أحدٍ، لمّا قال: واهًا لريح (٤) الجنّة! إنِّي أجدُ ريحَها دون أُحُدٍ (٥). ومن هذا قوله ﷺ : «إذا مررتم برياض
стр. 2117
الجنّة فارْتَعُوا» (١). قالوا: وما رياض الجنّة؟ قال: «حِلَقُ الذِّكر» (٢). ومنه قوله: «ما بين بيتي ومنبري روضةٌ من رياض الجنّة» (٣)، فهو روضةٌ لأهل العلم والإيمان، لِما يقوم بقلوبهم من شواهد الجنّة، حتّى كأنّها لهم رأيَ عينٍ، وإذا قعد المنافق هناك لم يكن ذلك المكان في حقِّه روضةً من رياض الجنّة. ومن هذا قوله: «الجنّة تحت ظلال السُّيوف» (٤).
فالعمل إنّما هو على الشّواهد، وعلى حسب شاهد العبد يكون عملُه.
ونحن نشير بعون الله وتوفيقه إلى الشّواهد إشارةً يُعلَم بها حقيقة الأمر.
فأوّل شواهد السّائر إلى الله والدّار الآخرة: أن يقوم به (٥) شاهدٌ من الدُّنيا وحقارتها، وقلّة وفائها، وكثرة جفائها، وخِسَّة شركائها، وسرعة انقضائها، ويرى أهلها وعشّاقها صَرْعى حولَها، قد بَدَّعتْ (٦) بهم، وعذَّبتْهم
стр. 2118
بأنواع العذاب، وأذاقتْهم أمرَّ الشّراب، أضحكتْهم قليلًا وأبكَتْهم طويلًا، سَقَتْهم كؤوسَ سُمِّها بعد كؤوس خمرها، فسَكِروا بحبِّها، وماتوا بهجرِها.
فإذا قام بالعبد هذا الشّاهد منها ترحَّلَ قلبه عنها، وسافر في طلب الدّار الآخرة، وحينئذٍ يقوم (١) بقلبه شاهدٌ من الآخرة ودوامها، وأنّها الحيوان حقًّا، فأهلُها لا يرتحلون منها، ولا يَظْعَنون عنها، بل هي دار القرار، ومحطُّ الرِّحال، ومنتهى السّير، وأنّ الدُّنيا بالنِّسبة إليها كما قال النّبيُّ ﷺ : «ما الدُّنيا في الآخرة إلّا كما يجعل أحدُكم إصبعَه في اليمِّ، فلينظر بم تَرجِع؟» (٢). وقال بعض التّابعين: ما الدُّنيا في الآخرة إلّا أقلُّ من ذرّةٍ واحدةٍ في جبال الدُّنيا.
ثمّ يقوم بقلبه شاهدٌ من النّار، وتوقُّدِها واضطرامها، وبُعْدِ قَعْرِها، وشدّة حرِّها، وعظيم (٣) عذاب أهلها، فيشاهدهم وقد سِيقوا إليها سُودَ الوجوه، زُرْقَ العيون، والسّلاسل والأغلال في أعناقهم، فلمّا انتهوا إليها فُتِحت في وجوههم أبوابها، فشاهدوا ذلك المنظر الفظيع، وقد تقطّعت قلوبهم حسرةً وأسفًا، ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ [الكهف: ٥٣].
فيراهم (٤) شاهد الإيمان وهم إليها يُدفَعون، وأتى النِّداء من قِبَل الرحمن أن قِفُوهم إنهم مسؤولون (٥)، ثمّ قيل لهم: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ
стр. 2119
بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٤ - ١٦].
فيراهم شاهد الإيمان وهم في الحميم على وجوههم يُسحَبون، وفي النّار كالحطب يُسْجَرون، ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: ٤١]، فبئس اللِّحاف وبئس الفراش، وإن يستغيثوا من شدّة العطش يُغاثوا بماءٍ يشوي الوجوه (١)، فإذا شربوه قطَّع أمعاءهم في أجوافهم، وصَهَر ما في بطونهم، شرابُهم الحميم، وطعامهم الزّقُّوم ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٦ - ٣٧].
فإذا قام بقلب العبد هذا الشّاهد انخلع من الذُّنوب والمعاصي، واتِّباع الهوى، ولبسَ ثيابَ الخوف والحذر، وأخصبَ (٢) قلبُه من مَطرِ أجفانه، وهان عليه كلُّ مصيبةٍ في غير دينه وقلبه.
وعلى حسب قوّة هذا الشّاهد يكون بُعْدُه من المعاصي والمخالفات، فيُذِيب هذا الشّاهدُ من قلبه الفضلاتِ والموادَّ المهلكة، ويَنْضَحُها ثمّ يُخرِجها، فيجد القلب لذّةَ العافية وسرورها.
فيقوم به بعد ذلك شاهدٌ من الجنّة، وما أعدَّ الله لأهلها فيها ممّا لا عينٌ
стр. 2120
رأتْ ولا أذنٌ سمعتْ ولا خطَرَ على قلب بشرٍ، فضلًا عمّا وصفه لعباده على لسان رسوله من النّعيم المفصّل، الكفيل بأعلى أنواع اللّذّة، من المطاعم والمشارب، والملابس والصُّور، والبهجة والسُّرور، فيقوم بقلبه شاهدُ دارٍ قد جعل النّعيم المقيم الدّائم بحذافيره فيها، ترابُها المِسك، وحصباؤها الدُّرُّ، وبناؤها لَبِنُ الذّهب والفضّة وقَصَبُ اللُّؤلؤ، وشرابها أحلى من العسل، وأطيب رائحةً من المسك، وأبرد من الكافور، وألذُّ من الزّنجبيل، ونساؤها لو برزَ وجهُ إحداهنّ في هذه الدُّنيا لغلبَ على ضوء الشّمس، ولباسهم الحرير من السُّندس والإستبرق، وخَدَمُهم وِلدانٌ كاللُّؤلؤ المنثور، وفاكهتهم دائمةٌ، لا مقطوعةٌ ولا ممنوعةٌ، وغذاؤهم لحمُ طيرٍ ممّا يشتهون، وشرابهم عليه خمرةٌ لا فيها غَوْلٌ ولا هم عنها يُنزَفُون، وخضرتهم فاكهةٌ ممّا يتخيّرون، ومشاهدهم حورٌ عِينٍ كأمثال اللُّؤلؤ المكنون، فهم على الأرائك متّكئون، وفي تلك الرِّياض يُحبَرون، وفيها ما تشتهي (١) الأنفس وتلذُّ الأعين وهم فيها خالدون.
فإذا انضمَّ إلى (٢) هذا الشّاهد شاهدُ يومِ المزيد، والنّظر إلى وجه الرّبِّ ﷻ ، وسماعِ كلامه منه بلا واسطةٍ، كما قال ﷺ : «بَيْنا أهل الجنّة في نعيمهم إذ سطَعَ لهم نورٌ، فرفعوا رؤوسهم، فإذا الرّبُّ ﵎ قد أشرفَ عليهم من فوقهم، وقال (٣): يا أهل الجنّة، سلامٌ عليكم. ثمَّ قرأ قوله: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨]، ثمَّ يتوارى عنهم، وتبقى رحمته وبركته في
стр. 2121
ديارهم» (١).
فإذا انضمّ هذا الشّاهد إلى الشاهد الذي قبله فهناك يسير القلب إلى ربِّه أسرعَ من سيرِ الرِّياح من مَهابِّها، فلا يلتفت في طريقه يمينًا ولا شمالًا.
هذا، وفوق ذلك شاهدٌ آخر تضمحلُّ فيه هذه الشّواهد، ويغيب العبد به عنها كلِّها، وهو شاهد جلالِ الرّبِّ تعالى وجمالِه وكماله، وعزِّه وسلطانه، وقيُّوميّته وعلوِّه فوق عرشه، وتكلُّمِه بكتبه وكلماتِ تكوينه، وخطابه لملائكته وأنبيائه.
فإذا شاهدَ بقلبه قيُّومًا قاهرًا فوقَ عباده، مستويًا على عرشه، منفردًا بتدبير مملكته، آمرًا ناهيًا، مرسلًا رسله، ومُنزِلًا كتبه، يرضى ويغضب، ويُثيب ويعاقب، ويعطي ويمنع، ويُعِزُّ ويُذِلُّ، ويحبُّ ويبغض، يرحم إذا اسْتُرحِم، ويغفر إذا استُغْفِر، ويُعطي إذا سْئل، ويجيب إذا دُعي، ويُقِيل إذا استُقِيل، أكبرُ من كلِّ شيءٍ، وأعظمُ من كلِّ شيءٍ، وأعزُّ من كلِّ شيءٍ، وأقدرُ من كلِّ شيءٍ، وأعلمُ من كلِّ شيءٍ، وأحكمُ من كلِّ شيءٍ، فلو كانت قوى الخلائق كلِّهم على واحدٍ منهم، ثمّ كانوا كلُّهم على تلك القوّة، ثمّ نُسِبَتْ تلك القوى إلى قوّتِه تعالى لكانت أقلَّ من قوّة البعوضة بالنِّسبة إلى قوّة الأسد، ولو قُدِّر جمالُ الخلق كلُّهم على واحدٍ منهم، ثمّ كانوا كلُّهم بذلك الجمال، ثمّ نُسِب إلى جمال الرّبِّ تعالى لكان دونَ سِراجٍ ضعيفٍ بالنِّسبة إلى عين الشّمس، ولو كان علمُ الأوّلين والآخرين على رجلٍ منهم، ثمّ كان
стр. 2122
كلُّ الخلق على ذلك، ثمّ نُسِب إلى علم الرّبِّ تعالى لكان كنَقْرِة عصفورٍ من البحر.
وهكذا سائر صفاته، كسمعه وبصره وسائر نعوت كماله، فإنّه يسمع ضجيجَ الأصوات باختلاف اللُّغات على تفنُّن الحاجات، فلا يَشْغَلُه سمعٌ عن سمعٍ، ولا تُغلِّطه المسائل، ولا يَتبرَّمُ بإلحاح المُلِحِّين، سواءٌ عنده من أسرَّ القولَ ومن جهر به، فالسِّرُّ عنده علانيةٌ، والغيب عنده شهادةٌ، يرى دبيبَ النّملة السّوداء على الصّخرة الصّمّاء في اللّيلة الظّلماء، ويرى عُروقَ نِيَاطِها (١) ومجاريَ القُوتِ في أعضائها، يضع السّماوات على إصبعٍ من أصابع يده، والأرض على إصبعٍ، والجبالَ على إصبعٍ، والشّجر على إصبعٍ، والماء على إصبعٍ، ويقبض سماواتِه بإحدى يديه، والأرضين باليد الأخرى، والسّماوات السّبع في كفِّه كخَرْدلةٍ في كفِّ العبد. ولو أنّ الخلق كلَّهم من أوّلهم إلى آخرهم قاموا صفًّا واحدًا ما أحاطوا بالله ، لو كَشَفَ الحجابَ عن وجهه لأحرقَتْ سُبُحاتُه ما انتهى إليه بصره من خلقه.
فإذا قام بقلب العبد هذا الشّاهد اضمحلَّتْ فيه الشّواهد المتقدِّمة من غير أن تُعْدَم، بل تصير الغلبة والقهر لهذا الشّاهد، وتندرج فيه الشّواهد كلُّها، ومن هذا شاهدُه، فله (٢) سلوكٌ وسيرٌ خاصٌّ، ليس لغيره ممّن هو عن هذا في غفلةٍ أو معرفةٍ مجملةٍ.
فصاحبُ هذا الشّاهد سائرٌ إلى الله في يقظته ومنامه، وحركته وسكونه،
стр. 2123
وفطرِه وصيامه، له شأنٌ وللنّاس شأنٌ، هو في وادٍ وهم في وادٍ.
خليليَّ لا واللهِ ما أنا منكما ... إذا عَلَمٌ من آلِ ليلى بَدَا ليا (١)
والمقصود: أنّ العيان والكشف والمشاهدة في هذه الدّار إنّما يقع على الشّواهد والأمثلة العلميّة، وهو المثل الأعلى الذي ذكره سبحانه في ثلاثة مواضع من كتابه: في سورة النّحل والرُّوم وسورة الشُّورى، وهو ما يقوم بقلوب عابديه ومحبِّيه والمنيبين إليه من هذا الشّاهد، وهو الباعث لهم على العبادة والمحبّة والخشية (٢) والإنابة، وتفاوتُهم فيه لا ينحصر طرفاه، كلٌّ منهم له مقامٌ معلومٌ لا يتعدّاه. وأعظمُ النّاس حظًّا في ذلك معترفٌ بأنّه لا يُحصِي ثناءً عليه سبحانه، وأنّه فوقَ ما يُثنِي عليه المُثْنُون، وفوق ما يَحْمَدُه به الحامدون.
وما بلغَ المُهْدُونَ نحوَك مِدحةً ... وإن أَطْنبوا إلَّا الذي فيك أعظمُ
لك الحمدُ كلُّ الحمدِ لا مبدأٌ له ... ولا مُنتهى والله بالحمد أعلمُ (٣)
وطهارة القلب ونزاهتُه من الأوصاف المذمومة والإراداتِ السُّفليّة، وخلوُّه وتفريغُه من التّعلُّق بغيرِ الله سبحانه، هو كرسيُّ هذا الشّاهد (٤) الذي
стр. 2124
يجلس عليه، ومقعدُه الذي يتمكَّنُ فيه. فحرامٌ على قلبٍ متلوِّثٍ بالخبائث والأخلاق والصِّفات الذّميمة متعلِّقٍ بالمراداتِ السّافلة= أن يقوم به هذا الشّاهد أو يكون من أهله.
نَزِّهْ فؤادَك عن سِوانا وَائْتِنا ... فجَنابُنا حِلٌّ لكلِّ مُنزِّهِ
والصَّبرُ طِلَّسمٌ لكنزِ لقائنا ... مَن حَلَّ ذا الطِّلَّسمَ فازَ بكنزِهِ (١)
إذا طلعتْ شمسُ التّوحيد، وباشرت حرارتُها (٢) الأرواح، ونورُها البصائر= تجلَّتْ بها ظلمات النّفس والطّبع، وتحرّكت بها الروحُ في طلب من ليس كمثله شيءٌ، فسافر القلب في بيداء الأمر، ونزل منازلَ العبوديّة منزلًا منزلًا، فهو ينتقل من عبادةٍ إلى عبادةٍ، مقيمًا على معبودٍ واحدٍ، فلا تزال شواهد الصِّفات قائمةً بقلبه، تُوقِظه إذا رقد، وتُذَكِّره إذا غَفَل، وتَحْدُو به إذا سار، وتُقِيمه إذا قعد.
إن قام بقلبه شاهدٌ من الرُّبوبيّة والقيُّوميّة: رأى أنّ الأمر كلّه لله، ليس لأحدٍ معه من الأمر شيءٌ، ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهْوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢) يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر: ٢ - ٣]، ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: ١٠٧]، ﴿(٣٧) وَلَئِنْ
стр. 2125
سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ﴾ [الزمر: ٣٨]، ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَّكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ اَللَّهُ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ اَللَّهُ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٩].
وإن قام بقلبه شاهدٌ من الإلهيّة: رأى في ذلك الشاهدِ الأمرَ والنّهيَ، والنُّبوّاتِ والكتبَ والشّرائع، والمحبّة والرِّضا، والكراهة والبغض، والثّواب والعقاب، وشاهدَ (١) الأمرَ نازلًا ممّن هو مستوٍ على عرشه، وأعمال العباد صاعدةٌ إليه معروضةٌ عليه، يَجزِي بالإحسان منها في هذه الدّار وفي العقبى نضرةً وسرورًا، ويَقْدَمُ إلى (٢) ما لم يكن على أمره وشرْعِه منها فيجعله هباءً منثورًا.
وإن قام بقلبه شاهدٌ من الرّحمة: رأى الوجود كلَّه قائمًا بهذه الصِّفة، قد وَسِعَ مَن هي صفته كلَّ شيءٍ رحمةً وعلمًا، فانتهتْ رحمته إلى حيث انتهى علمه، فاستوى على عرشه برحمته، يَسَعُ كلَّ شيءٍ، كما وسِعَ عرشُه كلَّ شيءٍ.
وإن قام بقلبه شاهدُ العزّة والكبرياء والعظمة والجبروت: فله شأنٌ آخر.
стр. 2126
وهكذا جميعُ شواهد الصِّفات، وما ذكرناه أدنى تنبيهٍ عليها (١)، فالكشف والعيان والمشاهدة لا تتجاوز هذه الشّواهدَ البتّةَ. فلنرجِعْ إلى شرح كلامه.
فقوله في الدّرجة الثّانية: (إنّها معاينة عين القلب، وهي معرفة الشّيء على نعته)، لا يريد به معرفته على نعته الذي هو عليه في الخارج من كلِّ وجهٍ، فإنّ هذا ممتنعٌ على معرفة ما في الآخرة من المخلوقات، كما قال ابن عبّاسٍ: ليس في الدُّنيا ممّا في الآخرة إلّا الأسماء (٢)، فكيف بمعرفة ربِّ الأرض والسموات؟ وغايةُ المعرفة: أن يتعلَّق به على نعته على وجهٍ مجملٍ أو مفصّلٍ تفصيلًا من بعض الوجوه.
قوله: (علمًا يقطع الرِّيبة، ولا تَشُوبه حَيرةٌ)، هذا حقٌّ، فإنّ المعرفة متى شَابَها ريبةٌ أو حيرةٌ لم تكن معرفةً صحيحةً، كما أنّ رؤية العين لو شَابَها ذلك لم تكن رؤيةً تامّةً، فالمعرفة ما قطعَ الشّكَّ والرِّيبة والوساوس.
قوله: (والمعاينة الثّالثة: معاينةُ عين الرُّوح، وهي التي تُعايِن الحقَّ عيانًا محضًا).
إن أراد بالحقِّ ضدَّ الباطل، أي: تعاين ما هو حقٌّ، بحيث ينكشف لها كما ينكشف المرئيُّ للبصر= فصحيحٌ. وإن أراد بالحقِّ الرّبَّ ﵎، فإن لم يُحمَلْ كلامُه على قوّة اليقين، ومزيد الإيمان، ونزول الرُّوح في مقام
стр. 2127
الإحسان= وإلّا فهو باطلٌ، فإنّ الرّبّ تعالى لا يُعايِنه في هذه الدّار بصرٌ ولا روحٌ، بل المثال العلميُّ حظُّ الرُّوح والقلب، كما تقدّم.
قوله: (والأرواح إنّما ظهرت وأكرِمتْ بالبقاء، لتعاين سَنَا الحضرة، وتُشاهد بهاءَ العزّة، وتجذِبَ القلوب إلى فناء الحضرة).
يعني: أنّ الأرواح خُلِقت للبقاء لا للفناء، هذا هو الحقُّ، وما خالفتْ فيه إلّا شِرْذِمةٌ من النّاس من أهل الإلحاد القائلين: إنّ الأرواح تفنى بفناء الأبدان، لكونها قوّةً من قُواها، وعَرَضًا (١) من أعراضها.
وهؤلاء قسمان؛ أحدهما: مُنِكرو مَعادِ الأبدان، والثّاني: من يُقِرُّ بمعاد الأبدان، ويقول: إنّ الله يُعِيد قوى البدن (٢) وأعراضه، ومنها الأرواح، فتفنى بفناء الأبدان. فليس عند الطّائفتين روحٌ قائمةٌ بنفسها، تُساكِنُ البدنَ وتُفارِقه، وتتّصل به وتنفصل عنه.
وأمّا الحقُّ الذي اتّفقت عليه الرُّسل وأتباعهم: فهو أنّ هذه الأرواح باقيةٌ بعد مفارقة أبدانها، لا تَفنى ولا تُعدَم، وأنّها (٣) منعّمةٌ أو معذّبةٌ في البرزخ، فإذا كان يوم معاد الأبدان رُدَّتْ إلى أبدانها، فتنعَّم معها أو تُعذَّب، ولا تُعدَم ولا تفنى.
فقوله: (والأرواح إنما ظهرت وأُكرِمت بالبقاء لِتُعايِن سَنا الحضرة)،
стр. 2128
يريد: الأرواح الطّاهرة الزّكيّة، وفي نسخةٍ: (لِتُناغِي سَنا الحضرة)، والأوّل أظهر وألصق بالباب الذي تَرجَمَه بباب المعاينة. والمراد بالحضرة: الحضرة الإلهيّة، وبالسّنا: النُّور الذي يلمع، قال تعالى: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ﴾ [النور: ٤٣]. ومعاينةُ ذلك إنّما هو في الدّار الآخرة، والمعاين هاهنا هو نور المعرفة والمثال العلميِّ.
قوله: (وتُشاهِد بَهاء العِزّة)، البهاء في اللُّغة: الحسن، قاله الجوهريُّ (١)، تقول منه: بَهِيَ الرّجلُ بالكسر وبَهُوَ أيضًا، فهو بَهِيٌّ.
والعزّة يراد بها ثلاث معانٍ: عزّة القوّة، وعزّة الامتناع، وعزّة القهر. والربُّ تعالى له العزّة التامّة بالاعتبارات الثّلاث، ويقال من الأوّل: عَزَّ يَعَزُّ بفتح العين في المستقبل، ومن الثاني: عَزَّ يَعِزُّ بكسرها، ومن الثالث: عَزَّ يَعُزُّ بضمِّها، أَعطَوا أقوى الحركات لأقوى المعاني، وأخفَّها لأخفِّها، وأوسطَها لأوسطها (٢). وهذه العزّة مستلزمةٌ للوحدانيّة، إذ الشّركة تنقُص العزّةَ، ومستلزمةٌ لصفات الكمال؛ لأنّ الشّركة تُنافي كمالَ العزّة، ومستلزمةٌ لنفي أضدادها، ومستلزمةٌ لنفي مماثلة غيرِه له في شيءٍ منها.
فالرُّوح تُعايِن بقوّة معرفتها وإيمانها بهاءَ العزّة وجلالها وعظمتَها، وهذه المعاينة هي نتيجة العقيدة الصّحيحة المطابقة (٣) للحقِّ في نفس الأمر، المتلقّاة من مشكاة الوحي، فلا يَطمعُ فيها واقفٌ مع أقيسة المتفلسفين،
стр. 2129
وجَدَلِ (١) المتكلِّمين، وخيالاتِ المتصوِّفين.
قوله: (وتَجذِبُ القلوبَ إلى فِناء الحضرة)، هو بكسر الفاء؛ أي جانب الحضرة، يعني: أنّ الأرواح لقوّة طلبها وشدّةِ شوقها تَسُوقُ القلوب وتجذبها إلى هناك، فإنّ طلب الرُّوح وسيرها أقوى من طلب القلب وسيرِه، كما كانت معاينتها أتمَّ من معاينته. وبالجملة، فأحكام الرُّوح عندهم فوق أحكام القلب وأخصُّ منها.
والمقصود: أنّ الرُّوح متى عاينت الحقَّ جذَبتِ القوى كلَّها والقلبَ إلى حضرته، فينقاد معها انقيادًا بلا استعصاءٍ، بخلاف جَذْب القلب، فإنّ الجوارح قد تستعصي عليه بعض الاستعصاء، وتأبى شيئًا من الإباء. وأمّا جذْبُ الرُّوح فلا استعصاء معه ولا إباء، وبالله التّوفيق.
* * * *
стр. 2130
فصل
قال صاحب «المنازل» (١): (باب الحياة. قال الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢]).
استشهاده بهذه الآية في هذا الباب ظاهرٌ جدًّا، فإنّ المراد (٢) بها: من كان ميِّتَ القلب بعدمِ روحِ العلم والهدى والإيمان، فأحياه الرّبُّ تعالى بروحٍ أخرى غير الرُّوح التي أحيا بها بدنه (٣)، وهي روحُ معرفته وتوحيده ومحبّته وعبادته وحدَه لا شريك له؛ إذ لا حياة للرُّوح إلّا بذلك، وإلّا فهي في جملة الأموات، ولهذا وصفَ الله تعالى من عَدِمَ ذلك بالموت، فقال: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾، وقال: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ [النمل: ٨٠].
وسَمَّى وحيه روحًا، لِما يحصُل به من حياة القلوب والأرواح، فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]. فأخبر أنّه روحٌ (٤) تحصل به الحياة، ونورٌ تحصُل به الإضاءة. وقال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ [النحل: ٢]، وقال تعالى: ﴿(١٤) رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ
стр. 2131
عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ﴾ [غافر: ١٥]. فبالوحي حياةُ الرُّوح، كما أنّ بالرُّوحِ حياة البدن، ولهذا من فقد هذا الرُّوح فقدَ الحياةَ النّافعة في الدُّنيا والآخرة، أمّا في الدُّنيا فحياته حياة البهائم، وله المعيشة الضَّنْك، وأمّا في الآخرة فله جهنّم لا يموت فيها ولا يحيا.
وقد جعل تعالى الحياةَ الطّيِّبة لأهل معرفته ومحبّته وعبادته، فقال تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ (٩٦) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا﴾ [النحل: ٩٧]. وقد فُسِّرت الحياة الطّيِّبة بالقناعة والرِّضا والرِّزق الحسن وغير ذلك (١). والصّواب: أنّها حياة القلب ونعيمه وبهجته وسروره بالإيمان ومعرفة الله، ومحبّته، والإنابة إليه، والتّوكُّل عليه، فإنّه لا حياةَ أطيب من حياة صاحبها، ولا نعيمَ فوق نعيمه إلّا نعيم الجنّة، كما كان بعض العارفين (٢) يقول: إنّه لتمرُّ بي أوقاتٌ أقول فيها إن كان أهل الجنّة في مثل هذا إنّهم لفي عيشٍ طيِّبٍ. وقال غيره (٣): إنّه لَتَمرُّ بالقلب أوقاتٌ يَرقُص فيها طربًا.
وإذا كانت حياة القلب حياةً طيِّبةً تبعتْه حياة الجوارح، فإنّه مَلِكها، ولهذا جعل سبحانه المعيشةَ الضَّنْك لمن أعرض عن ذكره، وهي عكس الحياة الطّيِّبة.
стр. 2132
وهذه الحياة الطّيِّبة تكون في الدُّور الثّلاثة، أعني: دار الدُّنيا، ودار البرزخ، ودار القرار. والمعيشة الضَّنْك أيضًا في الدُّور الثّلاثة، فالأبرار في نعيم هاهنا وهناك، والفجّار في الجحيم هاهنا وهناك، قال تعالى: ﴿أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ﴾ [النحل: ٣٠]، وقال: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود: ٣].
فذِكْر الله ومحبّته وطاعته والإقبالُ عليه ضامنٌ لأطيبِ الحياة في الدُّنيا والآخرة، والإعراضُ والغفلة عنه ومعصيته كفيلٌ بالحياة المنغّصة والمعيشةِ الضَّنْك في الدُّنيا والآخرة.
فصل
قال صاحب «المنازل» (١): (اسم الحياة في هذا الباب يُشار به إلى ثلاثة أشياء، الحياة الأولى: حياة العلم من موت الجهل ، ولها ثلاثة أنفاسٍ: نَفَس الخوف، ونَفَس الرّجاء، ونَفَس المحبّة).
قوله: (الحياة في هذا الباب)، يريد: الحياة الخاصّة التي يتكلّم عليها القوم دون الحياة العامّة المشتركة بين الحيوان كلِّه، بل بين الحيوان والنّبات. وللحياة مراتب، ونحن نشير إليها:
المرتبة الأولى: حياة (٢) الأرض بالنّبات ، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ
стр. 2133
السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [النحل: ٦٥]، وقال في الماء: ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ [ق: ١١]، وقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً﴾ [الفرقان: ٤٨]، وجعل هذه الحياة دليلًا على الحياة يوم المعاد. وهذه حياةٌ حقيقةٌ (١) في هذه المرتبة، مستعملةٌ في كلِّ لغةٍ، جاريةٌ على ألسن الخاصّة والعامّة، قال الشّاعر يمدح عبد المطّلب:
بشَيْبةِ الحمدِ أحيا الله بلدتَنا ... لمّا فقدْنا الحَيا واجْلَوَّذ المطرُ (٢)
وهذا أكثر من أن تُذكَر شواهده.
المرتبة الثانية: حياة النُّموِّ والاغتذاء . وهذه الحياة مشتركةٌ بين النّبات والحيوان الذي يعيش بالغذاء، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠].
وقد اختلف الفقهاء في الشُّعور: هل تحلُّها الحياة؟ على قولين (٣)، والصّواب: أنّها تحلُّها حياة النُّموِّ والاغتذاء، دون حياة الحسِّ والحركة،
стр. 2134
ولهذا لا تنجس (١) بالموت، إذ لو أوجب لها فراقُ النُّموِّ والاغتذاء النّجاسةَ لنجس الزّرع والشّجر بيُبْسِه، لمفارقة هذه الحياة له، ولهذا كان الجمهور على أنّ الشُّعور لا تنجس بالموت.
فصل
المرتبة الثّالثة: حياة الحيوان المتغذِّي (٢) بقدرٍ زائدٍ على نموِّه واغتذائه، وهو إحساسه وحركته، ولهذا يألم بورود الكيفيّات المؤلمة عليه وبتفرُّقِ (٣) الاتِّصال ونحو ذلك. وهذه الحياة فوق حياة النّبات، وهذه الحياة تقوى وتضعُف في الحيوان الواحد بحسب أحواله، فحياته بعد الولادة أكملُ منها وهو جنينٌ في بطن أمِّه، وحياته وهو صحيحٌ مُعافًى أكملُ منها وهو سقيمٌ عليلٌ. فنفسُ هذه الحياة تتفاوت تفاوتًا عظيمًا في محالِّها، فحياة الحيّة أكملُ من حياة البعوض، ومن قال غير هذا فقد كابر الحسّ والعقل.
فصل
المرتبة الرّابعة: حياة الحيوان الذي لا يتغذَّى (٤) بالطّعام والشّراب، كحياة الملائكة، وحياة الأرواح بعد مفارقتها الأبدانَ، فإنّ حياتها أكملُ من حياة الحيوان المتغذِّي (٥)، ولهذا لا يَلحقُها كلالٌ ولا فتورٌ، ولا نومٌ ولا
стр. 2135
إعياءٌ، قال تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠]. وكذا الأرواح إذا تخلَّصتْ من هذه الأبدان وتجرّدتْ صارتْ لها حياةٌ أخرى أكملُ من هذه إن كانت سعيدةً، وإن كانت شقيّةً كانت عاملةً ناصبةً في العذاب.
فصل
المرتبة الخامسة: الحياة التي أشار إليها المصنِّف، وهي حياة العلم من موت الجهل، فإنّ الجهل موتٌ لأصحابه، كما قيل (١):
وفي الجهل قبلَ الموت موتٌ لأهله ... وأجسامُهم قبلَ القبورِ قبورُ
وأرواحُهم في وحشةٍ من جُسومِهم ... وليس لهم حتّى النُّشور نُشورُ
فالجاهل ميِّت القلب والرُّوح وإن كان حيَّ البدن، فجسدُه قبرٌ يمشي به (٢) على وجه الأرض، قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢]، وقال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [يس: ٦٩ - ٧٠]، وقال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ [النمل: ٨٠]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢]. شَبَّههم في موت قلوبهم بأهل القبور، فإنّهم قد ماتت أرواحهم، وصارت أجسامهم (٣) قبورًا لها، فكما لا يسمع أصحاب القبور لا
стр. 2136
يسمع هؤلاء، وإذا كانت الحياة بين الحسِّ والحركة وملزومهما، فهذه القلوب لمّا لم تُحِسَّ بالعلم والإيمان ولم تتحرّك له= كانت ميتةً حقيقةً، وليس هذا تشبيهًا بموت البدن، بل ذلك موت القلب والرُّوح.
وقد ذكر الإمام أحمد في كتاب «الزُّهد» (١) من كلام لقمان، أنّه قال لابنه: جالسِ العلماءَ، وزَاحِمْهم بركبتيك، فإنّ الله يُحيِي القلوبَ بنور الحكمة، كما يُحِيي الأرضَ بوابلِ القَطْر.
وقال معاذ بن جبلٍ: تعلَّموا العلمَ، فإنّ تعلُّمه لله خشيةٌ، وطلبه عبادةٌ، ومذاكرتهٌ تسبيحٌ، والبحث عنه جهادٌ، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقةٌ، وبذْله لأهله قربةٌ؛ لأنّه مَعالمُ الحلال والحرام، ومنار سبيل أهل الجنّة، وهو الأنيس في الوحشة، والصّاحب في الغربة، والمحدِّث في الخلوة، والدّليل على السّرّاء والضّرّاء، والسِّلاح على الأعداء، والزَّين عند الأخلّاء، يرفع الله به أقوامًا، فيجعلهم في الخير قادةً، فإنّه تُقتصُّ آثارُهم (٢)، ويُقتدى بفعالهم، ويُنتهى إلى رأيهم، ترغب الملائكة في خُلَّتهم، وبأجنحتها تمسحُهم، يستغفر لهم كلُّ رَطْبٍ ويابسٍ، وحيتانُ البحر وهوامُّه، وسباع البَرِّ وأنعامه؛ لأنّ العلم حياة القلوب من الجهل، ومصابيح الأبصار من الظُّلَم، يبلُغ العبد بالعلم منازلَ الأخيار والدّرجاتِ العلى في الدُّنيا والآخرة، التّفكُّر فيه يَعدِلُ الصِّيام، ومدارسته تَعدِلُ القيام، به تُوصَل الأرحام، وبه يُعرَف الحلال من الحرام، وهو إمام العمل، والعمل تابعُه، يُلْهَمُه السُّعداء، ويُحْرَمُه الأشقياء. رواه
стр. 2137
الطبرانيُّ وابن عبد البرِّ وغيرهما (١)، وقد روي مرفوعًا إلى النّبيِّ ﷺ (٢)، والموقوف أصحُّ (٣).
والمقصود قوله: «لأنّ العلم حياة القلوب من الجهل»، فالقلب ميِّتٌ، وحياته بالعلم والإيمان.
فصل
المرتبة السّادسة: حياة الإرادة والهمّة والمحبة ، فإنّ فتور الهمَّة وضعف الإرادة والطّلب من ضعف حياة القلب، وكلّما كان القلب أتمَّ حياةً كانت همّته أعلى، وإرادته ومحبّته أقوى، فإنّ الإرادة والمحبّة تتبع (٤) الشُّعور بالمراد المحبوب، وسلامة القلب من الآفة التي تحول بينه وبين طلبه وإرادته، فضعفُ الطّلب وفتورُ الهمّة إمّا من نقصان الشُّعور والإحساس، وإمّا من وجود الآفة المُضعِفة للحياة، فقوّةُ الشُّعور وقوّةُ الإرادة دليلٌ على قوّة الحياة، وضعفهما دليلٌ على ضعفها. وكما أنّ علوّ الهمّة وصدق الإرادة
стр. 2138
والطّلب من كمال الحياة، فهو سببٌ إلى حصول أكمل الحياة وأطيبها (١)، فإنّ الحياة الطّيِّبة إنّما تُنال بالهمّة العالية، والمحبّة الصّادقة، والإرادة الخالصة، فعلى قدْرِ ذلك تكون الحياة الطّيِّبة. وأخسُّ النّاس حياةً أخسُّهم همّةً وأضعفُهم محبّةً وطلبًا، وحياة البهائم خيرٌ من حياته، كما قيل (٢):
نهارُك يا مغرورُ لهْوٌ وغفلةٌ ... وليلك نومٌ والرَّدَى لك لازمُ ... تُسَرُّ بما يَفنى وتَفْرَحُ بالمُنى ... كما غُرَّ باللّذّاتِ في النّوم حالمُ (٣)
وتكدَحُ فيما سوفَ تَسخَطُ (٤) غِبَّه ... كذلك في الدُّنيا تعيش البهائمُ
والمقصود: أنّ حياة القلب بالعلم والإرادة والهمّة، والنّاس إذا شاهدوا ذلك من الرجل قالوا: هو حيُّ القلب، وحياة القلب بدوامِ الذِّكر وتركِ الذُّنوب، كما قال عبد الله بن المبارك (٥) رحمة الله ورضوانه عليه:
стр. 2139
رأيتُ الذُّنوبَ تُمِيتُ القلوب ... وقد يُورِثُ الذُّلَّ إدمانُها
وتركُ الذُّنوبِ حياةُ القلوب ... وخيرٌ لنفسكَ عِصيانُها (١)
وسمعتُ شيخ الإسلام ابن تيميّة يقول: من واظبَ على «يا حيُّ يا قيُّوم، لا إله إلّا أنت» كلّ يومٍ بين سنّة الفجر وصلاة الفجر (٢) أربعين مرّةً أحيى الله قلبه (٣).
وكما أنّ الله سبحانه جعل حياة البدن بالطّعام والشّراب، فحياة القلب بدوام الذِّكر، والإنابة إلى الله، وترك الذُّنوب. والغفلةُ الجاثمة (٤) على القلب والتّعلُّقُ بالرّذائل والشّهوات المنقطعة عن قُربٍ تُضعِف هذه الحياة، ولا يزال الضّعف يتوالى عليه حتّى يموت، وعلامةُ موته: أنّه لا يعرف معروفًا ولا يُنكِر منكرًا، كما قال عبد الله بن مسعودٍ: أتدرون مَن ميِّتُ الأحياء الذي قيل فيه:
ليس مَن ماتَ فاستراحَ بميْتٍ ... إنّما الميْتُ ميِّتُ الأحياء
قالوا: ومن هو؟ قال: الذي (٥) لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا (٦).
стр. 2140
والرّجل هو الذي يخاف موتَ قلبه لا موتَ بدنه، إذ أكثر هذا الخلق يخافون موت أبدانهم، ولا يبالون بموت قلوبهم، ولا يعرفون من الحياة إلّا الحياة الطّبيعيّة، وذلك من موت القلب والرُّوح، فإنّ هذه الحياة الطّبيعيّة شبيهةٌ بالظِّلِّ الزّائل، والنّبات السّريع الجفوف (١)، والمنام الذي يتخيَّل رائيه أنَّه حقيقةٌ، فإذا استيقظ عَرف أنّه كان خيالًا. كما قال عمر بن الخطّاب: لو أنّ الحياة الدُّنيا من أوّلها إلى آخرها أُوتِيَها رجلٌ واحدٌ، ثمّ جاءه الموت= لكان بمنزلة من رأى في منامه ما يَسُرُّه ثمّ استيقظ، فإذا ليس في يده شيءٌ (٢).
وقد قيل: إنّ الموت موتانِ: موتٌ إراديٌّ، وموتٌ طبيعيٌّ (٣)، فمن أمات نفسَه موتًا إراديًّا كان موته الطّبيعيُّ حياةً له. ومعنى هذا أنّ الموت الإراديّ هو قمْعُ الشّهوات المُردِية، وإخمادُ نيرانها المُحرِقة، وتسكينُ هوائجها المُتلِفة، فحينئذٍ يتفرّغ القلب والرُّوح للتّفكُّر فيما فيه كمالُ العبد ومعرفتُه والاشتغالُ به، ويرى حينئذٍ أنّ إيثار الظِّلِّ الزّائل عن قريبٍ على العيش اللّذيذ الدّائم أخسرُ الخسران. فأمّا إذا كانت الشّهوات واقدةً (٤)، واللّذّات مُؤثَرةً،