عبدَ الله بحالٍ مجرّدٍ عن علمٍ لم يزددْ من الله إلّا بعدًا.
قوله: (وعلل السّعي)، يعني: أنّ السّالك يغيب عن علل سعيه وعمله.
وهذه العلل عندهم: هي اعتقاده أنّه يصل بها إلى الله، وسكونُه إليها، وفرحُه بها ورؤيتها، فيغيب عن هذه العلل.
ومراده بغَيبته عنها: إعدامها حتّى لا تحضره، لا أنّه يغيب عنها وهي موجودةٌ قائمةٌ. نعم إذا اعتقد أنّ الله يُوصِله إليه بها، ويفرح بها من جهة الفضل والمنّة وسَبْق الأوّلية، لا من جهة الاكتساب والفعل= لم يضرَّه ذلك، بل هذا أكمل، وهو في الحقيقة سكونٌ إلى الله وفرحٌ به، واعتقاد أنّه هو المُوصِل لعبده إليه بما منه وحده، لا بحول العبد وقوّته، فهذا لونٌ وهذا لونٌ.
والحاصل: أنّه إذا انتقل عن أحكام العلم المجرّد إلى أحكام الحال المصاحب للعلم غابت عنه عللُ السّعي.
وكذلك تغيب عنه رُخَصُ الفتور، فلا ينظر إلى عزيمة السّعي، ولا يقف مع رُخَص الفتور، فهما آفتان للسّالك، فإنّه إمّا أن يتجرَّد عزمُه وهمُّه، فينظر إلى ما منه، وأنّ همّته وعزيمته تحمله وتقوم به، وإمّا أن يترخّص برخصةٍ تُفَتِّر عزمَه وهمّتَه. فكمالُ جِدِّه وصدقه وصحّة طلبه يُخلِّصه من رُخَص الفتور، وكمالُ توحيده ومعرفته بربِّه ونفسه يُخلِّصه من علل السّعي.
فصل
قال (١): (الدّرجة الثّالثة: غَيبة العارف عن عيون الأحوال والشّواهد
стр. 2067
والدّرجات في عين (١) الجمع).
إنّما كانت هذه الدّرجة عنده أعلى على طريقته في كون الفناء غاية الطّالب. وهذه الدّرجة هي غيبةٌ عن خيراتٍ ومقاماتٍ بما هو أكمل منها وأشرف عنده، وهو حضرة الجمع.
ومعنى غيبته عن عيون الأحوال: أن لا يرى الأحوالَ ولا تراه، فلذلك استعار لها عيونًا؛ لأنّ الأحوال تقتضي واجدًا وموجودًا ووجدانًا، وهذا ينافي الفناء في حضرة الجمع، فإنّ الجمع يمحو الرُّسوم. وقد عرفتَ مرارًا أنّ هذا ليس بكمالٍ، ولا هو مطلوبٌ لنفسه، وغيره أكمل منه.
وأمّا غيبته عن الشّواهد فقد يريد بها شواهدَ المعرفة وأدلّتها، فيغيب بمعروفه عن الشّواهد الدّالّة عليه في الخارج وفي نفسه.
وقد يريد بالشّواهد الأسماء والصِّفات، والغيبة عنها بشهود الذّات، ولكنّ هذا ليس بكمالٍ، ولا هو أعلى من شهود الأسماء والصِّفات، بل هذا الشُّهود هو شهود المعطِّلة المنكِرة لحقائق الأسماء والصِّفات، فإنّهم ينتهون في فنائهم إلى شهود ذاتٍ مجرّدةٍ.
ومن هاهنا دخل الملاحدة القائلون بوحدة الوجود، وجعلوا شهود نفس الوجود المجرّد عن التقيُّدات وعن سائر الأسماء والصِّفات هو شهود الحقيقة. وشيخ الإسلام بل وأهل الإسلام بُرَأَئُ من هؤلاء وشهودهم.
ومراد أهل الاستقامة بذلك أنه يشهد الذّات الجامعة لجميع معاني الأسماء الحسنى والصِّفات العُلا، فيغيِّبه شهوده لهذه الذّات المقدّسة عن
стр. 2068
شهود صفةٍ أو اسمٍ.
فالشّواهد هي الأفعال الدّالّة على الصِّفات المستلزمة للذّات، وشواهد المعرفة هي الأدلّة التي حصلت عنها المعرفة، فإذا طواها الشّاهد من وجوده، وشهد أنّه ما عرف الله إلّا به، ولا دلّ عليه إلّا هو= غابت شواهده في مشهوده، كما تغيب معارفُه في معروفه.
وبكلِّ حالٍ فما عُرِف الله إلّا بالله، ولا دَلَّ على الله إلّا الله، ولا أوصل إلى الله إلّا الله، فهو الدّالُّ على نفسه بما نصبَه من الأدلّة، والذّاكر لنفسه على لسان عبده، كما قال النّبيُّ ﷺ : «إنّ الله قال على لسان نبيِّه: سمع الله لمن حمده» (١). وهو المحبُّ لنفسه بنفسه، وبما خلق من عبيده الذين يحبُّونه، والشّاكر لنفسه بنفسه، وبما أجراه على ألسنة عبيده وقلوبهم وجوارحهم من ذكره، فمنه السّبب وهو الغاية، ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣].
وللملحد هاهنا مجالٌ، حيث يظنُّ أنّ الذاكر والمذكور والذِّكر، والعارف والمعروف والمعرفة، والمحبّ والمحبوب والمحبّة= من عينٍ واحدةٍ، لا بل ذلك هو العين الواحدة، وأنّ الذي عرف الله وأحبّه هو الله نفسه وإن تعدّدت مظاهره، فالظّاهر فيها واحدٌ، ظهر بوجوده العينيِّ فيها، فوجودها عينُ وجوده، ووجوده فاضَ عليها. وهذا أكفر من كلِّ كفرٍ، وأعظم من كلِّ إلحادٍ.
والموحِّدون يقولون: إنّما أفاضَ عليها إيجادَه لا وجوده، وظهر فيها
стр. 2069
فعلُه بل أثرُ فعله، لا ذاته وصفاته، فقامت به فقرًا إليه واحتياجًا لا وجودًا وذاتًا، وأقامها بمشيئته وربوبيّته لا بظهوره فيها.
ولقد لحظ ملاحدة الاتِّحاديّة أمرًا اشتبه عليهم فيه وحدةُ الموجِد بوحدة الوجود، وتوحيدُ الذّات والصِّفات والأفعال بتوحيد الوجود، وفيضانُ جوده بفيضان وجوده، فوحّدوا (١) الوجود وزعموا أنّه هو المعبود، فصاروا عبيدَ الوجود المطلق الذي لا وجودَ له في غير الأذهان، وعبيدَ الموجودات الخارجة في الأعيان، فإنّ وجودها عندهم هو المسمّى بالله. تعالى الله عن هذا الإلحاد الذي ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ [مريم: ٩٠]. وسبحانَ من هو فوق سماواته على عرشه بائنٌ من خلقه بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله.
أين حقيقة المخلوق من الماء المَهِين من ذات ربِّ العالمين؟ أين المكوَّن من ترابٍ من ربِّ الأرباب؟ أين الفقير بالذّات إلى الغنيِّ بالذّات؟ أين وجود من يضمحلُّ وجوده ويفوت إلى حقيقة وجود الحيِّ الذي لا يموت؟ ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤].
* * * *
стр. 2070
فصل
قال صاحب «المنازل» (١): (باب التّمكُّن. قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: ٦٠]).
وجه استدلاله بالآية في غاية الظُّهور، وهو أنّ المتمكِّن لا يبالي بكثرة المُشْغِلات، ولا بمخالطة أصحاب الغفلات، ولا بمعاشرة أهل البطالات، بل قد تمكَّنَ بصبره ويقينه عن استفزازهم إيّاه واستخفافِهم له. ولهذا قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [الروم: ٦٠]. فمن وَفَّى الصّبرَ حقَّه، وتيقّن أنّ وعد الله حقٌّ، لم يستفزَّه المبطلون، ولم يستخفَّه الذين لا يوقنون. ومتى ضعُفَ صبره أو يقينه أو كلاهما استفزَّه هؤلاء واستخفّه هؤلاء، فجذبوه إليهم بحسب ضعف قوّة صبره ويقينه، فكلَّما ضعُفَ ذلك منه قوي جذْبُهم له، وكلّما قوي صبره ويقينه قوِيَ انجذابُه منهم وجذْبُه لهم.
فصل
قال الشيخ (٢): (التّمكُّن فوق الطُّمأنينة، وهو الإشارة إلى غاية الاستقرار).
التّمكُّن هو القدرة على التّصرُّف في الفعل والتّرك، وتُسمَّى مكانةً أيضًا، قال تعالى: ﴿(٣٨) قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ﴾ [الزمر: ٣٩].
стр. 2071
وأكثر ما يطلق في اصطلاح القوم: على من انتقل إلى مقام البقاء بعد الفناء، وهو الوصول عندهم، وحقيقته: ظفَرُ العبد بنفسه، وهو أن تَتوارى عنه أحكام البشريّة بطلوع شمس الحقيقة واستيلاءِ سلطانها، فإذا دامت له هذه الحال أو غلبتْ عليه فهو صاحب تمكينٍ.
قال صاحب «المنازل»: (التّمكُّن فوق الطُّمأنينة، وهو إشارة إلى غاية الاستقرار). إنّما كان فوق الطُّمأنينة لأنّها تكون مع نوعٍ من المنازعة، فيطمئنُّ القلب إلى ما يسكنه، وقد يتمكّن فيه وقد لا يتمكّن، ولذلك كان التّمكُّن هو غاية الاستقرار، وهو تفعُّلٌ من المكان، فكأنّه قد صار مقامه مكانًا لقلبه قد تبوّأه منزلًا مستقرًّا.
قال (١): (وهو على ثلاث درجاتٍ. الدّرجة الأولى: تمكُّن المريد ؛ وهو أن يجتمع له صحّةُ قصدٍ تُسيِّره، ولمعُ شهودٍ يحمله، وسعةُ طريقٍ تُروِّحه).
المريد في اصطلاحهم: هو الذي قد شرع في السّير إلى الله، وهو فوق العابد ودون الواصل، وهذا اصطلاحٌ بحسب حال السّالكين، وإلّا فالعابد مريدٌ، والسّالك مريدٌ، والواصل مريدٌ، فالإرادة لا تُفارِقُ العبدَ ما دام تحت حكم العبوديّة.
وقد ذكر الشّيخ للتّمكُّن في هذه الدّرجة ثلاثة أمورٍ: صحّة قصدٍ، وصحّة علمٍ، وسعة طريقٍ، فبصحّة القصد يصحُّ سيره، وبصحّة العلم ينكشف له الطّريق، وبسعة الطّريق يَهُون عليه السّير. وكلُّ طالب أمرٍ من الأمور فلا بدّ له من تعيُّن مطلوبِه وهو المقصود، ومعرفةِ الطّريق المُوصِل إليه، والأخذِ في
стр. 2072
السُّلوك، فمتى فاته واحدٌ من هذه الثّلاث (١) لم يصحّ طلبُه ولا سَيْرُه، فالأمر دائرٌ بين مطلوبٍ يتعيّن إيثاره على غيره، وطلبٍ يقوم بقلبِ من يقصده، وطريقٍ يُوصِل إليه.
فإذا تحقَّقَ العبدُ طلبَ ربِّه وحده تعيَّنَ مطلوبه، وإذا بذل جهده في طلبِ ربّه صحّ له طلبه، وإذا تحقّق باتِّباع أوامره واجتناب نواهيه صحّ له طريقه، وصحّة القصد والطّريق موقوفةٌ على صحّة المطلوب وتعيُّنه. فحكم القصد يُتلقَّى من حكم المقصود، فمتى كان المقصود أهلًا للإيثار كان القصد المتعلِّق به كذلك، فالقصد والطّريق تابعان للمقصود.
وتمام العبوديّة: أن يوافق الرّسولَ في مقصوده وقصده وطريقه، فمقصوده: الله وحده، وقصدُه: تنفيذ أوامره في نفسه وفي خلقه، وطريقُه: اتِّباع ما أُوحي إليه، فصَحِبَه أصحابُه على ذلك حتّى لَحِقوا به، ثمّ جاء التّابعون لهم بإحسانٍ، فمَضوا على آثارهم.
ثمّ تفرّقت الطُّرق بالنّاس، فخيارُ النّاس مَن وافقه في المقصود والطّريق، وأبعدُهم من الله ورسوله من خالفه في المقصود والطّريق؛ وهم أهل الشِّرك بالمعبود، والبدعة في العبادة. ومنهم من وافقه في المقصود وخالفه في الطّريق، ومنهم من وافقه في الطّريق وخالفه في المقصود.
فمن كان الله مرادَه والدارُ الآخرة فقد وافقه في المقصود، فإنْ عبَدَ اللهَ بما أمر به على لسان رسوله فقد وافقه، وإن عبدَه بغير ذلك فقد خالفه في الطّريق.
стр. 2073
ومن كان مقصوده من أهل العلم والعبادة والزُّهد: الدُّنيا والرِّياسة فقد خالفه في المقصود وإن تقيَّد بالأمر. فإن لم يتقيّد به فقد خالف في المقصود والطّريق.
إذا عُرِف هذا، فقول الشّيخ: (تمكُّن المريد أن يجتمع له صحّةُ قصدٍ تُسيِّره) إشارةٌ إلى صحّة القصد.
وقوله: (ولمعُ شهودٍ يَحمِلُه) إشارةٌ إلى معرفة المقصود، وقوّة اليقين به، فيحصل لقلبه كشفٌ يحمله على سلوكه، فإنّ السّالك إذا كُشِفَ له عن مقصوده حتّى كأنّه يُعايِنه جَدَّ في طلبه، وذهبَ عنه رُخَصُ الفتور.
وقوله: (وسعةُ طريقٍ تُروِّحه) إشارةٌ إلى صحّة طريقه، وذلك بأمرين: بسعتها حتّى لا تضِيقَ عليه، فيعجِز عن سلوكها، وباستقامتها حتّى لا يزيغَ عنها إلى غيرها، فإنّ طريق الحقِّ واسعةٌ مستقيمةٌ، وطرق الباطل ضيِّقةٌ معوجّةٌ. وهذا يدلُّ على رسوخ الشّيخ في العلم، ووقوفه مع السُّنّة، وفقهه في هذا الشّأن.
فصل
قال (١): (الدّرجة الثّانية: تمكُّن السّالك ، وهو أن يجتمع له صحّةُ انقطاعٍ، وبرقُ كشفٍ، وصفاءُ حالٍ).
هذه الدّرجة أتمُّ ممّا قبلها، فإنّ تلك تمكُّنٌ في تصحيح قصد الأعمال، وهذه تمكُّنٌ في حال، والتّمكُّن في الحال أبلغ من التّمكُّن في القصد.
стр. 2074
ويريد بصحّة الانقطاع: انقطاع قلبه عن الأغيار، وتعلُّقه بالشّواغل الموجبة للأكدار، ومع ذلك فقد حصل لقلبه برقُ كشفٍ يجعل الإيمان له كالعيان، ومع ذلك فحاله مع الله صافٍ من معارضات السُّوء، فلا يُعارِض كشفَه شبهةٌ، ولا همّتَه إرادةٌ، بل هو متمكِّنٌ في انقطاعه وشهوده في حاله.
فصل
قال (١): (الدّرجة الثّالثة: تمكُّن العارف ، وهو أن يحصل في الحضرة، فوقَ حجب الطّلب، لابسًا نورَ الوجود).
العارف فوق السّالك، ولا يفارقه السُّلوك، لكنّه مع السُّلوك قد ظفِرَ بالمعرفة، فأخذ منها اسمًا أخصَّ من اسم السّالك. وهكذا الشّأن في سائر المقامات والأحوال، فإنّها لا تفارق مَن ترقّى فيها، ولكن إذا ترقّى إلى مقامٍ أخذ اسمه، وكان أحقَّ به مع ثبوت الأوّل له.
والحضرة يراد بها حضرة الجمع، وعندي أنّها حضرة دوام المراقبة والتّمكُّن من مقام الإحسان، فهذه حضرةُ الأنبياء والعارفين.
وأمّا حضرة الجمع التي يشيرون إليها فكلُّ فرقةٍ تشير إلى شيءٍ: فأهل الفناء يريدون حضرة جمع الفناء في توحيد الرُّبوبيّة، وأهلُ الإلحاد يريدون حضرة جمع الوجود في وجودٍ واحدٍ، وطائفةٌ من السّالكين يريدون حضرة جمع الأسماء والصِّفات في ذاتٍ واحدةٍ.
وإذا فُسِّرتْ بحضرة دوام المراقبة والتّمكُّن في مقام الإحسان كان ذلك أحسنَ وأصحَّ، وصاحب هذه الحضرة لدوام مراقبته قد انقشعتْ عنه حُجُبُ
стр. 2075
الغفلات، ولم تَشْغَلْه عن تلك الحضرة الشّواغلُ المُلْهِيات.
وقوله: (فوق حجب الطّلب)، يعني أنّ العارف قد ارتفع عن مقام الطّلب للمعرفة إلى مقام حصولها، والطّالب للأمر دون الواصل إليه، فالطّالب بعدُ في حجاب طلبه، والعارف قد ارتفع فوق حجاب الطّلب بما شاهده من الحقيقة، فالطّالب شيءٌ، والواجد شيءٌ.
وهذا كلامٌ يحتاج إلى شرحٍ وبيانٍ، فإنّ الطّلب لا يفارق العبدَ ما دامت أحكام العبوديّة تجري عليه، ولكنْ هو منتقلٌ في منازل الطّلب، ينتقل من عبوديّةٍ إلى عبوديّةٍ، والمعبود واحدٌ لا ينتقل عنه، فكيف تجرّد المعرفة عن الطّلب؟
هذا موضعٌ زلَّتْ فيه أقدامٌ، وضلَّتْ فيه أفهامٌ، وظنّ المخدوعون المغرورون أنّهم قد استغْنَوا بالمعرفة عن الطّلب، وأنّ الطّلب وسيلةٌ والمعرفة غايةٌ، ولا معنى للاشتغال بالوسيلة بعد الوصول إلى الغاية. فهؤلاء خرجوا عن الدِّين بالكلِّيّة بعدَ أن شمَّروا في السّير فيها، فردُّوا على أدبارهم، ونَكَصُوا على أعقابهم، ولم يفهموا مراد أهل الاستقامة بذكر حجب الطّلب.
فاعلم أنّ كلّ ما منك حجابٌ على مطلوبك، فإن وقفتَ معه فأنت دون الحجاب، وإن قطعتَه إلى تجريد المطلوب صِرتَ فوق الحجاب. فطلبُك وإرادتك وتوكُّلك وحالك وعملك كلُّه حجابٌ، إن وقفتَ معه أو ركنتَ إليه. وإن جاوزتَه إلى الذي أنت به وله وفي يديه وتحتَ تصرُّفه ومشيئته، وليس لك (١) ذرّةٌ واحدةٌ إلّا به ومنه، ولم تقفْ مع طلبك وإرادتك= فقد صرتَ فوق
стр. 2076
حجاب الطّلب. ففي الحقيقة أنت حجابُ قلبك عن ربِّك، فإذا كشفتَ الحجابَ عن القلب أفضى إلى الرّبِّ، ووصل إلى الحضرة المقدّسة.
وقولنا: (إذا كشفتَ الحجاب) إخبارٌ عن محلِّ العبوديّة، وإلّا فكشفُه ليس بيدك، ولا أنت الكاشف له، ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ١٧].
ومن أعظم الضُّرِّ: حجابُ القلب عن الرّبِّ، وهو أعظم عذابًا من الجحيم، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ﴾ [المطففين: ١٥ - ١٦].
وقوله: (لابسًا نور الوجود)، المعنى الصّحيح من هذه اللّفظة: أنّ نور الوجود هو نورُ ظَفَرِه بإقبال قلبه على الله، وجمْعِ همِّه عليه، وقيامه بمراد ربّه عن مراد نفسه، فصار واجدًا لما أكثر الخلق فاقدٌ له، قد لبس قلبُه نورَ ذلك الوجود، حتّى فاضَ على لسانه وجوارحه وحركاته وسكناته، فإن نطقَ علاه النُّور، وإن سكتَ علاه النُّور.
وأخصُّ من هذا: أنّه قد فاض على قلبه نورُ اليقين بالأسماء والصِّفات، فصار لقلبه من معرفتها والإيمانِ بها وذوقِ حلاوة ذلك نورًا خاصًّا (١) غير مجرّد نور العبادة والإرادة والسكون. وإيّاك أن تلتفتَ إلى غير هذا ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النحل: ٩٤].
وليس مراد الشّيخ بالوجود ما يريده المتكلِّمون والفلاسفة، ولا ما
стр. 2077
يريده (١) الاتِّحاديّة الملاحدة، وإنّما مراده به الوجدان بعد الفقد، كما يقال: فلانٌ واجدٌ، وفلانٌ فاقدٌ، والله أعلم.
* * * *
стр. 2078
فصل
قال صاحب «المنازل» (١): (باب المكاشفة. قال الله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠]).
ووجه احتجاجه بإشارة الآية: أنه سبحانه كشف لعبده ما لم يكشفه لغيره، وأطلعَه على ما لم يُطلِع عليه غيره، فحصل لقلبه الكريم من انكشافِ الحقائق التي لا تخطر ببالِ غيره ما خصَّه الله به. والإيحاء هو الإعلام السّريع الخفيُّ، ومنه الوَحَا الوَحَا؛ أي: الإسراعَ الإسراعَ.
وقوله: ﴿مَا أَوْحَى﴾ أبهمه لعِظَمِه، فإنّ الإبهام قد يقع للتّعظيم، ونظيره: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨]، أي: أمرٌ عظيمٌ فوق الصِّفة.
قال الشيخ (٢): (المكاشفة: مُهاداة السِّرِّ بين متباطنَين). يريد أنَّ المكاشفة إطْلاعُ أحد المتحابَّينِ المتصافيينِ صاحبَه على باطن أمره وسرِّه.
وقوله: (مهاداة السِّرِّ) أي: تردُّد السِّرِّ على وجه الإلطاف والمودّة.
وقوله: (بين متباطنينِ) يعني بالمتباطنين: باطن المكاشِف والمكاشَف، فيحمل سرُّ كلٍّ منهما إلى الآخر كما يحمل إليه هديّته، فيَسرِي سرُّ كلِّ واحدٍ منهما إلى الآخر. وإذا بلغ العبد في مقام المعرفة إلى حدٍّ كأنّه يطالع ما اتّصف به الرّبُّ سبحانه من صفات الكمال ونعوت الجلال، وأحسَّتْ روحُه
стр. 2079
بالقرب الخاصِّ الذي ليس كقرب المحسوس من المحسوس، حتّى يشاهدَ رفعَ الحجاب بين روحه وقلبه وبين ربِّه، فإنّ حجابه هو نفسه، وقد رفع الله سبحانه عنه ذلك الحجاب بحوله وقوّته= أفضى (١) القلبُ والرُّوح حينئذٍ إلى الرّبِّ، فصار يعبده كأنّه يراه. فإذا تحقّق بذلك، وارتفع عنه حجاب النّفس، وانقشعَ عنه ضَبابها ودخانها، وكُشِطَتْ عنه سُحُبُها وغيومُها= فهناك يقال له (٢):
بَدا لكَ سِرٌّ طالَ عنك اكتتامُه ... ولاح صباحٌ كنتَ أنت ظَلامُه
فأنت حجابُ القلب عن سِرِّ غيبِه ... ولولاك لم يُطبَع عليه خِتامُه
فإن غبتَ عنه حلَّ فيه وطَنَّبَتْ ... على منكبِ الكشف المَصُونِ خِيامُه
وجاء حديثٌ لا يُمَلُّ سَماعُه ... شَهِيٌّ إلينا نثرُه ونِظامُه
إذا ذكرتْه النّفسُ زالَ عَناؤُها ... وزال عن القلب الكئيبِ قَتامُه
فلذلك قال الشيخ (٣): (وهي في هذا الباب بلوغُ ما وراء الحجاب وجودًا).
وقوله: (وجودًا) احترازٌ من بلوغه سماعًا وعلمًا، وكثيرًا ما يلتبس على العبد أحدهما بالآخر، فأين وجود الحقيقة من العلم بها ومعرفتها؟ كما تقدّم ذلك مرارًا، فتعلُّق العلم بالقلب شيءٌ، واتِّصافه بالمعلوم شيءٌ آخر.
فمن النّاس من يتعلّق به سماع ذلك دون فهمه، ومنهم من يتعلّق به فهمه
стр. 2080
دون حقيقته، والتّعلُّق الكامل أن يتعلّق به وجوده، فلذلك قال: (بلوغ ما وراء الحجاب وجودًا).
قال الشيخ (١): (وهو على ثلاث درجاتٍ؛ الدّرجة الأولى: مكاشفةٌ تدلُّ على التّحقيق الصّحيح ، وهي لا تكون (٢) مستدامةً، فإذا كانت حينًا دون حينٍ، لم (٣) يعارضها تفرُّقٌ، غير أنّ الغين ربّما شابَ مقامَه، على أنّه قد بلغ مبلغًا لا يَلتفِته (٤) قاطعٌ، ولا يَلْوِيه سببٌ، ولا يَقْتطِعُه حظٌّ، وهي درجة القاصد. فإذا استدامت فهي الدّرجة الثّانية).
المكاشفة الصّحيحة: علومٌ يُحدِثها الرّبُّ تعالى في قلب العبد، ويُطلِعه بها على أمورٍ تخفى على غيره، وقد يُواليها سبحانه، وقد يُمسِكها عنه بالغفلة عنها، يُوارِيها عنه بالغَيْن الذي يَغشى قلبَه وهو أرقُّ الحجب، أو بالغَيْم وهو أغلظُ منه، أو بالرَّانِ وهو أشدُّها.
فالأوّل: يقع للأنبياء، كما قال النّبيُّ ﷺ : «إنّه لَيُغَانُ على قلبي، وإنِّي لأستغفر الله في كل يوم أكثرَ من سبعينَ مرّةً» (٥).
والثّاني: يكون للمؤمنين.
стр. 2081
والثّالث: لمن غلبت عليه الشِّقوة، قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]. قال ابن عبّاسٍ وغيره: هو الذّنب بعد الذّنب يُغطِّي القلبَ حتّى يصير كالرَّانِ عليه (١).
والحُجُب عشرة:
حجابُ (٢) التّعطيلِ ونفيِ حقائق الأسماء والصِّفات، وهو أغلظُها، فلا يُهيَّأُ لصاحب هذا الحجاب أن يعرف الله، ولا يصل إليه البتّةَ، إلا كما يتهيَّأ للحجر أن يصعد إلى فوق.
الثاني: حجاب الشِّرك، وهو أن يتعبَّد قلبه لغير الله.
الثالث: حجاب البدعة القوليّة، كحُجُب أهل الأهواء والمقالاتِ الفاسدة على اختلافها.
الرابع: حجاب البدعة العمليّة، كحجاب أهل السُّلوك المبتدعين في طريقهم وسلوكهم.
الخامس: حجاب أهل الكبائر الباطنة، كحجاب أهل الكبر والعُجْب والرِّياء والحسد والفخر والخيلاء ونحوها.
السادس: حجاب أهل الكبائر الظّاهرة، وحجابهم أرقُّ من حجاب إخوانهم من أهل الكبائر الباطنة، مع كثرة عباداتهم وزهاداتهم واجتهادهم،
стр. 2082
فكبائر هؤلاء أقرب إلى التّوبة من كبائر أولئك، فإنّها قد صارت مقاماتٍ لهم لا يتحاشون من إظهارها وإخراجها في قوالب عبادةٍ ومعرفةٍ، فأهل الكبائر الظّاهرة أدنى إلى السّلامة منهم، وقلوبهم خيرٌ من قلوبهم.
السابع: حجاب أهل الصّغائر.
الثامن: حجاب أهل الفضلات، والتّوسُّعِ في المباحات.
التاسع: حجاب أهل الغفلة عن استحضار ما خُلِقوا له وأُرِيد منهم، وما لله عليهم من دوامِ ذكره وشكره وعبوديّته.
العاشر: حجاب المجتهدين من السالكين المُشمِّرين في السّير عن المقصود.
فهذه عَشْرُ حُجُبٍ بين القلب وبين الله سبحانه، تحول بينه وبين هذه الشأن. وهذه الحجب تنشأ من أربعة عناصِرَ: عنصر النّفس، وعنصر الشّيطان، وعنصر الدُّنيا، وعنصر الهوى، فلا يمكن كشفُ هذه الحجب مع بقاء أصولها وعناصرها في القلب البتّةَ.
وهذه الأربعة تُفسِد القول والعمل والقصد والطّريق بحسب غلبتها وقلّتها، فتقطع طريقَ القول والعمل والقصد أن يصل إلى القلب، وما وصل منه إلى القلب قطعتْ عليه الطّريقَ أن يصل إلى الرّبِّ، فبين القول والعمل وبين القلب مسافةٌ يسافر فيها العبد إلى قلبه ليرى عجائب ما هناك، وفي هذه المسافة قُطَّاع الطّريق المذكورون، فإن حاربهم وخلص العمل إلى قلبه دار فيه، وطلبَ النُّفوذَ من هناك إلى الله، فإنّه لا يستقرُّ دون الوصول إليه ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: ٤٢]. فإذا وصل إلى الله سبحانه أثابه عليه مزيدًا
стр. 2083
في إيمانه ويقينه ومعرفته وعقله، وجمَّلَ به ظاهره وباطنه، فهداه به لأحسن الأخلاق والأعمال، وصرف به عنه سيِّئ الأخلاق والأعمال، وأقام سبحانه من ذلك العمل للقلب جندًا يحارب به قُطَّاعَ طريق الوصول إليه. فيحارب الدُّنيا بالزُّهد فيها وإخراجها من قلبه، ولا يضرُّه أن تكون في يده وبيته وقوّةُ يقينِه بالآخرة. ويحارب الشّيطان بترك الاستجابة لداعي الهوى، فإنّ الشّيطان مع الهوى لا يفارقه. ويحارب الهوى بتحكيم الأمر المطلق والوقوف معه، بحيث لا يبقى له هوًى فيما يفعله ويتركه (١). ويحارب النّفس بقوّة الإخلاص.
هذا كلُّه إذا وجد العمل مَنفذًا من القلب إلى الرّبِّ سبحانه، وإن دار فيه ولم يجد مَنفذًا وَثَبَتْ عليه النّفسُ، فأخذتْه وصيَّرتْه جندًا لها، فصالت به وعلَتْ وطغَتْ، فتراه أزهدَ ما يكون، وأعبدَ ما يكون، وأشدَّه اجتهادًا، وهو أبعدُ ما يكون عن الله، وأصحابُ الكبائر أقربُ قلوبًا إلى الله منه، وأدنى إلى الخلاص.
فانظر إلى السَّجّاد العبّاد الزّاهد الذي بين عينيه أثر السُّجود، كيف أورثه طغيانُ عمله أن أنكر على النّبيِّ ﷺ ، وأورثَ أصحابَه احتقارَ المسلمين، حتّى سَلُّوا عليهم سيوفهم، واستباحوا دماءهم (٢).
وانظر إلى الشِّرِّيب السِّكِّير الذي كان كثيرًا ما يُؤتى به إلى النّبيِّ ﷺ ،
стр. 2084
فيحدُّه على الشّراب، كيف قامت به قوّةُ إيمانه ويقينه، ومحبّته لله ورسوله، وتواضعه وانكساره لله، حتّى نهى رسول الله ﷺ عن لعنته (١).
فظهر بهذا أنّ طغيان المعاصي أسلمُ عاقبةً من طغيان الطّاعات.
وقد روى الإمام أحمد في كتاب «الزُّهد» (٢) أنّ الله سبحانه أوحى إلى موسى ﷺ : يا موسى، أَنذِر الصِّدِّيقين، فإنِّي لا أضعُ عدلي على أحدٍ إلّا عذَّبتُه من غيرِ أن أظلمَه، وبَشِّرِ الخطّائين، فإنّه لا يتعاظمني ذنبٌ أن أغفره.
فلنرجع إلى شرح كلامه.
فقوله: (مكاشفةٌ تدلُّ على التّحقيق الصّحيح)، كلٌّ يدّعي أنّ التّحقيق الصّحيح معه.
وكلٌّ يدَّعُون وصالَ ليلى ... ولكن لا تُقِرُّ لهم بذاكا (٣)
وليس التّحقيق الصّحيح إلّا المطابق لما عليه الأمر في نفسه، وهو في العلم: الكشفُ المطابق لما أخبرتْ به الرُّسل، وفي الإرادة: الكشفُ المطابق
стр. 2085
لمراد الرّبِّ الدِّينيِّ من عبده. وقولنا «الدِّينيُّ» احترازٌ من مراده الكونيِّ، فإنّ كلّ ما في الكون مُوجَب هذه الإرادة.
فالكشف الصّحيح: أن يعرف الحقّ الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبَه معاينةً لقلبه، وتتجرَّد إرادةُ القلب له، فتدور معه وجودًا وعدمًا، هذا هو التّحقيق الصّحيح، وما خالفه فغرورٌ قبيحٌ.
قوله: (وهي أن تكون مستدامةً)، هكذا رأيته في نسخٍ، وفي أخرى: «وهي لا تكون مستديمةً»، وكأنّ هذا الثّاني أصحُّ؛ لأنّ سياق الكلام يدلُّ على ذلك، وأنّها غير مستدامةٍ في الدّرجة الأولى، فإذا استدامت صارت في الدّرجة الثّانية، وبذلك يحصل الفرق بين الدّرجتين، وإلّا فلو كانت مستدامةً فيهما كانت الدّرجتان واحدةً.
قوله: (فإذا كانت حينًا دون حينٍ، ولم يُعارضها تفرُّقٌ).
يعني: فهي الدّرجة الأولى، بشرط أن لا يقطعَ حكْمَها تفرُّقٌ، ولهذا قال: لا يُعارضها، ولم يقل: لا يعرِض لها، فإنّ التّفرُّق لا بدَّ أن يعرض، لكن لا يعارضها ويقاومها بحيث يُزِيلها، فإنّ العارض إذا عرض للقلب كرهه ومحاه وأزاله بسرعةٍ.
وأمّا المُعارض فإنّه يُزِيل الحاصلَ ويَخلُفه، فيصير الحكم له.
فلذلك قال: (غيرَ أنّ الغَينَ ربّما شابَ مقامَه، على أنّه قد بلغ مبلغًا ... ) إلى آخره. يعني: أنّ لوازم البشريّة لا بدَّ له منها، ولو لم يكن إلّا أخفّها، وهو الحجاب الرّقيق الذي يَعرِض لقلبه وهو الغَيْن، لكنّه لا يضرُّه لأنّه قد بلغ مبلغًا (لا يلتفِتُه قاطعٌ)، أي: لا تُوجِب له القواطعُ التفاتَ قلبه عن مقامه إليها،
стр. 2086
بل إذا لَحظَها (١) بقلبه فرَّ منها، كما يفرُّ الظّبي من الكلب إذا أحسَّ به.
(ولا يَلوِيه سببٌ)، أي: لا يُعوِّج قصدَه للحقِّ سببٌ من الأسباب، ولا يردُّه عنه.
قوله: (ولا يقطعه حظٌّ)، أي: لا يقطعه عن بلوغ مقصوده حظٌّ من الحظوظ النّفسيّة. والقاصد في هذه الدّرجة: هو الذي قد ظفِرَ بالقصد الذي لا يلقى سببًا إلّا قطعه، ولا حائلًا إلّا منعَه، ولا تحاملًا إلّا سهّله. فهذه درجة القاصد، فإذا استدامتْ وتمكَّن فيها السّالكُ فهي الدّرجة الثّانية.
قال الشيخ (٢): (وأمّا الدّرجة الثّالثة: فمكاشفةُ عينٍ، لا مكاشفة علمٍ، وهي مكاشفةٌ لا تَذَرُ سِمةً تشير إلى التذاذٍ، وتُلجِئ إلى توقُّفٍ، أو تُنزِل على ترسُّم، وغاية هذه المكاشفة المشاهدة).
إنّما كانت هذه الدّرجة مكاشفةَ عينٍ لغلبة نور الكشف على القلب، فنزلتْ هذه المكاشفة من القلب، وحلَّتْ منه محلَّ العلم الضّروريِّ الذي لا يمكن جحده ولا تكذيبه، بل صارت للقلب بمنزلة المرئيِّ للبصر والمسموع للأذن والوجدانيّات للنّفس. وكما أنّ المشاهدة بالبصر لا تصحُّ إلّا مع صحّة القوّة المدركة، وعدمِ الحائل من جسمٍ أو ظلمةٍ، وانتفاء البعد المُفرِط، فكذلك المكاشفة بالبصيرة تستلزم صحّة القلب، وعدمَ الحائل والشّاغل، وقربَ القلب ممّن يكاشفه بأسراره.
وليس مراد الشّيخ في هذا الباب: الكشف الجزئيّ المشترك بين
стр. 2087
المؤمنين والكفّار والأبرار والفجَّار، كالكشف عمَّا في دار العبد، أو في يده، أو تحت ثيابه، أو ما حملَتْ به امرأته بعد انعقاده ذكرًا أو أنثى، وما غاب عن العيان من أحوال البلد الشّاسع ونحو ذلك، فإنّ ذلك يكون من الشّيطان تارةً، ومن النّفس تارةً، ولذلك يقع من الكفّار، كالنصارى وعابدي النِّيران والصُّلبان، فقد كاشفَ ابنُ صيّادٍ رسولَ الله ﷺ بما أضمره له وخَبَأه، فقال له رسول الله ﷺ : «إنّما أنت من إخوان الكهَّان» (١). فأخبر أنّ ذلك الكشف من جنس كشف الكهّان، وأنّ ذلك قدره. وكذلك مسيلمة الكذّاب مع فرط كفره كان يُكاشف أصحابَه بما فعله أحدهم في بيته وما قال لأهله، يخبره به شيطانُه ليُغوِي الناس (٢). وكذلك الأسود العَنْسيُّ (٣)، والحارث المتنبِّي الدِّمشقيُّ (٤) الذي خرج في دولة عبد الملك بن مروان، وأمثال هؤلاء ممّن لا يُحصِيهم إلّا الله. ورأينا نحن وغيرنا منهم جماعةً، وشاهد النّاس من كشف الرُّهبان عُبّادِ الصليب ما هو معروفٌ.
والكشف الرحمانيُّ من هذا النوع: هو مثل كشف أبي بكرٍ لمّا قال
стр. 2088
لعائشة: إنَّ امرأته حاملٌ بأنثى (١)، وكشف عمر وقد قال: يا ساريةُ الجبلَ (٢)، وأضعاف هذا من كشف أولياء الرّحمن.
والمقصود: أنّ مراد القوم بالكشف في هذا الباب أمرٌ وراء ذلك، وأفضلُه وأجلُّه أن يُكْشَف للسّالك عن طريق سلوكه ليستقيم عليها، وعن عيوب نفسه ليصلحها، وعن ذنوبه ليتوب منها. فما أكرم الله الصّادقين بكرامةٍ أعظمَ من هذا الكشف، وجعلهم منقادين له عاملين بمقتضاه، فإذا انضمّ هذا الكشف إلى كشف تلك الحُجُب المتقدِّمة عن قلوبهم، سارت القلوب إلى ربِّها مَسيرَ الغيث استدبرتْه الرِّيحُ.
فلنرجعْ إلى شرح كلامه.
فقوله: (الدّرجة الثّالثة: مكاشفة عينٍ، لا مكاشفة علمٍ)، أي: متعلَّق هذه المكاشفة عين الحقيقة، بخلاف مكاشفة العلم، فإنّ متعلَّقها الصُّورة الذِّهنيّة المطابقة للحقيقة الخارجيّة. فكشفُ العلم: أن يكون مطابقًا لمعلومه،
стр. 2089
وكشف العيان: أن يصير المعلوم مشاهَدًا للقلب، كما تُشاهِد العينُ المرئيَّ.
ومن ظنَّ من القوم أنّ كشف العين ظهورُ الذّات المقدّسة لعيانه حقيقةً فقد غلِطَ أقبحَ الغلط، وأحسنُ أحواله: أن يكون صادقًا ملبوسًا عليه، فإنّ هذا لم يقع في الدُّنيا لبشرٍ قطُّ، وقد مُنِع منه كليم الرّحمن.
واختلف السّلف والخلف: هل حصل هذا لسيِّد ولد آدم صلوات الله وسلامه عليه؟ فالأكثرون على أنّه لم يَرَه سبحانه، وحكاه عثمان بن سعيدٍ الدّارميُّ (١) إجماعًا من الصّحابة، فمن ادّعى كشف العيان البصريِّ عن الحقيقة الإلهيّة فقد وهم وأخطأ. وإن قال: إنّما هو كشف العيان القلبيِّ، بحيث يصير سبحانه كأنّه مرئيٌّ للعبد، كما قال النّبيُّ ﷺ : «اعبُدِ الله كأنّكَ تراه» (٢) = فهذا حقٌّ، وهو قوّة يقينٍ ومزيدُ علمٍ فقط.
نعم؛ قد يظهر له نورٌ عظيمٌ، فيتوهّم أنّ ذلك نور الحقيقة، وأنّها تجلَّتْ له، وذلك غلطٌ أيضًا، فإنّ نور الرّبِّ تعالى لا يقوم له شيءٌ، ولمّا ظهر للجبل منه أدنى شيءٍ ساخَ الجبلُ وتدكدكَ. وقال ابن عبّاسٍ في قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] قال: ذاك نوره الذي هو نوره، إذا تجلّى به لم يقُمْ له شيءٌ (٣).
هذا النُّور الذي يظهر للصّادق هو نور الإيمان الذي أخبر الله عنه في
стр. 2090
قوله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور: ٣٥]. قال أبيُّ بن كعبٍ: مثل نوره في قلب المؤمن (١). فهذا نورٌ يضاف إلى الربِّ ويقال: هو (٢) نور الله، كما أضافه سبحانه إلى نفسه. والمراد: نور الإيمان جعله الله له خلقًا وتكوينًا، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ﴾ [النور: ٤٠].
وهذا النُّور إذا تمكَّن في القلب وأشرق فيه فاضَ على الجوارح، فيُرى أثره في الوجه والعين، ويظهر في القول والعمل، وقد يقوى حتّى يشاهده صاحبه عيانًا، وذلك لاستيلاء أحكام القلب عليه وغَيبةِ أحكام النّفس. والعين شديدة الارتباط بالقلب، تُظهِر ما فيه، فتقوى مادّة النُّور في القلب، ويغيب صاحبه بما في قلبه عن أحكام حسِّه، بل وعن أحكام العلم، فينتقل من أحكام العلم إلى أحكام العيان.
وسرُّ المسألة: أنّ أحكام الطّبيعة والنّفس شيءٌ، وأحكام القلب شيءٌ، وأحكام الرُّوح شيءٌ، وأنوار العيان شيءٌ، وأنوار استيلاء معاني الصِّفات والأسماء على القلب شيءٌ، ونور الذّات المقدّسة شيءٌ وراء ذلك كلِّه.
فهذا الباب يغلَطُ فيه رجلان؛ أحدهما: غليظ الحجاب، كثيف الطّبع، والآخر: قليل العلم، يلتبس عليه ما في الذِّهن بما في الخارج، ونور المعاملات بنور ربِّ الأرض والسّماوات، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُّورٍ﴾.
стр. 2091
قوله: (ولا مكاشفة حالٍ)، مكاشفة الحال: هي المواجيد التي يجدها السالك بوارداته، حتّى يبقى الحكم لقلبه وحاله.
قوله: (وهي مكاشفةٌ لا تَذَر سِمةً تشير إلى التذاذه)، يريد: أنّ هذه المكاشفة تمحو رسومَ المكاشف، فلا يبقى منه ما يحسُّ بلذّةٍ، فإنّ الأحوال والمواجيد لها لذّةٌ عظيمةٌ، أضعاف اللّذّة الحسِّيّة، فإنّ لذَّاتها (١) روحانيّةٌ قلبيّةٌ، والمكاشفة العينيّة تُغيِّب المكاشفَ عن إدراك تلك اللّذّة. والسِّمة هي العلامة، فالمعنى: أنّ هذه المكاشفة لا تَذَرُ له (٢) علامةً تدلُّه على لذّةٍ.
قوله: (أو تُلجِئ إلى توقُّفٍ) (٣)، يعني: لا تَذَرُ منه بقيّةً تُلجِئه إلى وقفةٍ، فإنّ البقيّة التي تبقى على السّالك من نفسه هي التي تُلجِئه إلى التّوقُّف في سيره.
قوله: (ولا تُنزِل على ترسُّم)، أي: لا تُنزِل هذه المكاشفة على من بقي فيه رسمٌ، فإنَّ رسمه حجابٌ بينه وبين هذه المكاشفة، فإنّها بمنزلة نور الشمس، فلا تنزل في بيتٍ عليه سقفٌ حائلٌ، فإنّ الرسم عند القوم هو الحجاب بينهم وبين مطلوبهم، والرسم هو النفس وأحكامها وصفاتها.
وهذه المكاشفة إذا قويت واستحكمت صارت مشاهدةً، ولذلك قال: (وغاية هذه المكاشفة هو مقام المشاهدة).
* * * *
стр. 2092
فصل
قال صاحب «المنازل» (١): (باب المشاهدة. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧]).
قلت: جعل الله سبحانه كلامه ذكرى، ينتفع بها مَن جمعَ هذه الأمور الثّلاثة:
أحدها: أن يكون له قلبٌ حيٌّ واعٍ، فإذا فقد هذا القلب لم ينتفع بالذِّكرى.
الثاني: أن يُصغي سَمْعَه فيُميله كلَّه نحو المخاطب له، فإن لم يفعل لم ينتفع بكلامه.
الثالث: أن يحضر قلبه وذهنه عند المكلِّم له وهو الشّهيد؛ أي الحاضر غير الغائب، فإن غاب قلبه وسافر في موضعٍ آخر لم ينتفع بالخطاب.
وهذا كما أنَّ المبصر لا يدرك حقيقة المرئيِّ إلَّا إذا كانت له قوّةٌ باصرةٌ، وحدَّقَ بها نحو المرئيِّ، ولم يكن قلبه مشغولًا بغير ذلك. فإن فقد القوّة المبصرة، أو لم يُحدِّق نحو المرئيِّ، أو حدَّقَ نحوه وقلبُه كلُّه في موضعٍ آخر= لم يدركه، فكثيرًا (٢) ما يمرُّ بك إنسانٌ أو غيره، وقلبك مشغولٌ بغيره، فلا تَشعُر بمروره. فهذا الشّأن يستدعي صحّة القلب وحضوره، وكمال الإصغاء.
стр. 2093
فصل
قال الشيخ (١): (المشاهدة: سقوط الحجاب بتًّا) أي: قطعًا، بحيث لا يبقى منه شيءٌ، والمشاهدة هي المُسقِطة للحجاب، أو التي تكون عند سقوط الحجاب، وليست هي نفس سقوط الحجاب، لكن عبّر عن الشّيء بلازمه، فإنّ سقوط الحجاب يلازم حصول المشاهدة.
قوله (٢): (وهي فوق المكاشفة)، هذا يدلُّك على أنّ مراد الشّيخ ومن وافقه من أهل الاستقامة بالمكاشفة والمشاهدة: قوّة اليقين، ومزيد العلم، وارتفاع الحجب المانعة من ذلك، لا نفسُ معاينة الحقيقة، فإنّ المكاشفة لو كانت هي معاينة الحقيقة لَمَا كان فوقها مرتبةٌ أخرى.
وإنّما كانت المشاهدة عنده فوق المكاشفة لِما ذكره من قوله (٣): (إنَّ المكاشفة ولاية النعت، وفيه شيءٌ من بقايا الرسم، والمشاهدة ولاية العين والذات).
يريد: أنّ المكاشفة تتعلّق بالصِّفات الإلهيّة، فولايتها ولاية النُّعوت والأوصاف؛ أي: سلطانها وما يتعلّق به هو النُّعوت والصِّفات، وسلطانُ المشاهدة وما يتعلّق به هو نفس الذّات الجامعة للنُّعوت والصِّفات، فلذلك كانت فوقها وأكملَ منها.
والفرق بين ولاية النّعت وولاية العين والذّات: أنّ النّعت صفةٌ، ومن
стр. 2094
شاهد الصِّفة فلا بدّ أن يشاهد متعلَّقاتها، فإنّ النّظر في متعلَّقاتها يُكسِبه التّعظيم للمتّصف بها، فإنّ من شاهد العلم القديم الأزليّ متعلِّقًا بسائر المعلومات التي لا تتناهى من واجبٍ وممكنٍ ومستحيلٍ، ومن شاهد الإرادة الموجبة لسائر المرادات على تنوُّعها من الأفعال والأعيان والحركات والأوصاف التي لا تتناهى، وشاهدَ القدرةَ التي هي كذلك، وشاهد صفةَ الكلام التي لو أنّ البحر يَمُدُّه من بعده سبعة أبحرٍ، وأشجار العالم كلُّها أقلامٌ يُكتب بها كلامُ الرّبِّ ﷻ ، فَنِيتِ البحار، ونَفِدت الأقلام، وكلام الله لا ينفَد ولا يفنى؛ فمن شاهدَ الصِّفات كذلك، وجالَ قلبه في عظمتها= فهو مشغولٌ بالصِّفات، ومتفرِّق (١) قلبه في متعلَّقاتها وتنوعها في أنفسها، بخلاف من قصَرَ نظره على نفس الذّات، وشاهد قِدمَها وبقاءها، واستغرق قلبه في عظمة تلك الذّات بقطع النّظر عن صفاتها، فهو مشاهدٌ للعين، والأوّل مشاهدٌ للصِّفات. فالأوّل في فرقٍ، وهذا في جمعٍ. فمن استغرق قلبه في هذا المشهد استحقّ اسم المشاهد، ووصف المشاهدة عند القوم إذا غاب عن إدراك رسمِه وكلِّ ما فيه من علمٍ وعملٍ وحالٍ. هذا تقرير (٢) كلامه.
وبعدُ، فإنّ ولاية النُّعوت والصِّفات التي جعلها دون ولاية العين والذّات ليس كما زعمه، بل لا نسبةَ بينهما البتّةَ، فإنّ الله سبحانه دعا عباده في كتبه الإلهيّة إلى الأوّل دون الثّاني، وبذلك نطقتْ كتبه ورسله، فهذا القرآن من أوّله إلى آخره إنّما يدعو النّاس إلى النّظر في صفاته وأفعاله وأسمائه، دون الذّات المجرّدة، فإنّ الذّات المجرّدة التي لا يُلحَظ معها وصفٌ ولا يُشهَد
стр. 2095
فيها نعتٌ، لا تدلُّ على كمالٍ ولا جلالٍ، ولا يُحصِّل (١) شهودُها إيمانًا، فضلًا عن أن يكون من أعلى مقامات العارفين.
ويا سبحان الله! أين (٢) شهودُ صفات الكمال وتنوُّعها وكثرتها، وما تدلُّ عليه من عظمة الموصوف بها وجلاله وكماله، وأنّه ليس كمثله شيءٌ في كماله؛ لكثرة أوصافه ونعوته وأسمائه، وامتناع أضدادها عليه، وثبوتها له على أكمل الوجوه الذي لا نقص فيه بوجهٍ ما= من شهودِ ذاتٍ قد غاب شاهدها عن كلِّ صفةٍ ونعتٍ واسمٍ؟!
فبين هذين المشهدين من التّفاوت ما لا يُحصيه إلّا الله، وهذا هو مشهد من تألَّه وفني من الجهميّة والمعطِّلة، صَرَّحوا بذلك وقالوا: كمال هذا المشهد هو قَصْر النّظر على عين الذّات، وتنزيهها عن الأعراض والأبعاض والأغراض والحدود والجهات.
ومرادهم بالأعراض: الصِّفات التي تقوم بالحيِّ، كالسّمع والبصر والقدرة والإرادة والكلام، فلا سمع له، ولا بصر، ولا إرادة، ولا حياة، ولا علم، ولا قدرة.
ومرادهم بالأبعاض: أنّه لا وجه له ولا يدان، ولم يخلق آدم بيده، ولا يقبض (٣) سماواته بيده، ولا يطوي الأرض باليد الأخرى، ولا يمسك السّماوات على إصبعٍ ولا الأرضين على إصبعٍ ولا الشّجر على إصبعٍ،
стр. 2096
ونحو ذلك ممّا أخبر به عن نفسه وأخبر به عنه رسوله (١).
ومرادهم بالأغراض: أنّه لا يفعل لحكمةٍ ولا علّةٍ غائيّةٍ، ولا سبب لفعله، ولا غاية مقصودةٌ.
ومرادهم بالحدود والجهات: مسألة المباينة والعلوِّ، وأنّه غير مُباينٍ لخلقه، ولا مستوٍ على عرشه، ولا تُرفَع إليه الأيدي، ولا تَصْعَد إليه الأعمال، ولا ينزل من عنده شيءٌ، ولا يصعد إليه شيءٌ، وليس فوق العرش إلهٌ يُعبَد ولا ربٌّ يُصلَّى له ويُسجد، بل ليس هناك إلّا العدم المحض الذي هو لا شيء!
فكمال الشُّهود عندهم: أن يشهد ذاتًا مجرّدةً عن كلِّ اسمٍ ووصفٍ ونعتٍ.
وشيخ الإسلام قدَّس الله روحَه عدوُّ هذه الطّائفة، وهو بريءٌ منهم براءةَ الرُّسل منهم، ولكن بقيتْ عليه مثلُ هذه البقيّة، وهي جَعْلُ مشهد العين والذّات فوق مشهد الصِّفات، على أنّه لا سبيل للقوى البشريّة إلى شهود الذّات الإلهيّة البتّةَ، ولا يقع الشُّهود على تلك الحقيقة، ولا جُعِل ذلك إليها، وإنّما إليها شهود الصِّفات والأفعال، وأمّا حقيقة الذّات والعين فغير معلومةٍ للبشر. ولمَّا سأل المشركون رسول الله ﷺ عن حقيقة ربِّه سبحانه ومن أيِّ شيءٍ هو؟ أنزل الله : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٢)، فدلَّهم على نفسه بصفاته الثبوتيَّة مِن
стр. 2097
كونه صمدًا، وصفاته السَّلبيَّة المتضمِّنة للثبوت مِن كونه لم يَلِد ولم يُولَد ولم يكن له كفؤًا أحد (١)، ولم يجعل لهم سبيلًا إلى معرفة الذَّات والكُنْه.
فما هذا الشُّهود العينيُّ (٢) الذّاتيُّ الذي جعلتموه للمشاهد، وجعلتموه فوق المكاشفة، وجعلتم (٣) ولاية المكاشفة النّعت وولاية المشاهدة العين؟
فاعلم أنّ مراد الشّيخ ــ قدَّس الله روحه ــ وأمثاله من العارفين أهل الاستقامة: أن لا يقصر نظر القلب على صفةٍ من الصِّفات، بحيث يستغرق فيها وحدها، بل يكون التفاتُه وشهوده واقعًا على الذّات الموصوفة بصفات الكمال المنعوتة بنعوت الجلال، فحينئذٍ يكون شهوده واقعًا على الذّات والصِّفات جميعًا.
ولا ريبَ أنّ هذا فوق مشهد الصِّفة الواحدة أوالصِّفات.
ولكن يقال: الشُّهود لا يقع على الصِّفة المجرّدة، ولا يصحُّ تجرُّدها في الخارج ولا في الذِّهن، بل متى (٤) شهد الصِّفة شهد قيامها بالموصوف ولا بدّ، فما هذا الشُّهود الذّاتيُّ الذي هو فوق الوصف؟
والأمر يرجع إلى شيءٍ واحدٍ، وهو أنّ من كان بصفات الله أعرفَ، ولها أثبت، ومعارضُ الإثبات منتفٍ عنده= كان أكملَ شهودًا، ولهذا كان أكملُ
стр. 2098
الخلق شهودًا مَن قال: «لا أُحصِي ثناءً عليك، أنت كما أثنيتَ على نفسك» (١)، فلكمال معرفته بالأسماء والصِّفات استدلَّ بما عرفه منها، على أنّ الأمر فوق ما أحصاه وعلمه.
فمشهدُ الصِّفات: مشهد الرُّسل والأنبياء وورثتهم، وكلُّ من كان بها أعرفَ كان بالله أعلم، وكان مشهده بحسب ما عرف منها، وليس للعبد في الحقيقة مشاهدةٌ ولا مكاشفةٌ، لا للذّات ولا للصِّفات، أعني مشاهدة عيانٍ وكشف عيانٍ، وإنّما هو مزيد (٢) إيمانٍ وإيقانٍ.
ويجب التنبيه والتّنبُّه هاهنا على أمرٍ (٣)، وهو: أنّ المَشاهد نتائج العقائد، فمن كان معتقده ثابتًا في أمرٍ من الأمور، فإنّه إذا صفَتْ نفسه وارتاضت، وفارقت الشّهوات والرّذائل، وصارت روحانيّةً= تجلّى لها صورة معتقدها كما اعتقدتْه، وربّما قوي ذلك التّجلِّي حتّى يصير لها كالعيان، وليس به، فيقع الغلط من وجهين:
أحدهما: أنّ ذلك ثابتٌ في الخارج، وإنّما هو في الذِّهن، ولكن لمّا صفا وارتاضَ، وانجلتْ عنه ظلمات الطّبع، وغاب بمشهوده عن شهوده، واستولت عليه أحكام القلب بل أحكام الرُّوح= ظنّ أنَّ ما ظهر له في الخارج، ولا تأخذه في ذلك لومة لائمٍ، ولو جاءته كلُّ آيةٍ في السّماوات والأرض، وذلك عنده بمنزلة من عايَنَ الهلال ببصره جهرةً، فلو قال له أهل
стр. 2099
السّماوات والأرض: لم تره، لم يلتفت إليهم.
ولعمر الله إنّا لا نُكذِّبه فيما أخبر به عن رؤيته، ولكن إنّما رأى صورة معتقده في ذاته ونفسه، لا الحقيقة في الخارج، فهذا أحد الغلطين. وسببه: قوّة (١) ارتباط حاسّة البصر بالقلب، فالعين مرآة القلب وشديدة الاتِّصال به، وينضمُّ إلى ذلك قوّة الاعتقاد، وضعفُ التّمييز، وغلبةُ حكم الحال على العلم، وسماعُه من القوم أنّ العلم حجابٌ.
والغلط الثّاني: أنّ الأمر كما اعتقده، وأنّ ما في الخارج مطابقٌ لاعتقاده، فيتولّد من هذين الغلطين مثل هذا الكشف والشُّهود.
ولقد أخبر صادق الملاحدة القائلين بوحدة الوجود: أنّهم كُشِفَ لهم (٢) أنّ الأمر كما قالوه، وشهدوه في الخارج كذلك عيانًا، وهذا الكشف والشُّهود ثمرة اعتقادهم ونتيجته. فهذه إشارةٌ ما إلى الفرقان في هذا الموضع، والله أعلم.
فصل
قال (٣): (وهي على ثلاث درجاتٍ. الدّرجة الأولى: مشاهدة معرفةٍ ، تجري فوق حدود العلم، في لوائح نور الوجود، مُنِيخةً بفناء الجمع).
هذا بناءً على أصول القوم، وأنّ المعرفة فوق العلم، فإنّ العلم هو إدراك المعلوم ولو ببعض صفاته ولوازمه، والمعرفة عندهم إحاطةٌ بعين الشّيء
стр. 2100
على ما هو به كما حدّها الشّيخ. ولا ريبَ أنّها بهذا الاعتبار فوق العلم، لكن على هذا الحدِّ لا يُتصوَّر أن يَعرِف الله أحدٌ من خلقه البتّةَ. وسيأتي الكلام على هذا الحدِّ في موضعه (١)، وليست المعرفة عند القوم مشروطةً بما ذُكِر، وسنذكر كلامهم إن شاء الله.
وقد ذكر بعضهم (٢): أنّ أعمال الأبرار بالعلم، وأعمال المقرّبين بالمعرفة.
وهذا كلامٌ يصحُّ من وجهٍ، ويبطُل من وجهٍ، فالأبرار والمقرّبون عاملون بالعلم، واقفون مع أحكامه، وإن كانت معرفة المقرّبين أكملَ من معرفة الأبرار، فكلاهما أهل علمٍ ومعرفةٍ، فلا يُسلَب عن الأبرار المعرفة، ولا يستغني المقرّبون عن العلم، وقد قال النّبيُّ ﷺ لمعاذ بن جبلٍ: «إنّك تأتي قومًا أهلَ كتابٍ، فليكنْ أوّل ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلّا الله، فإذا هم عرفوا الله فأخبِرْهم أنّ الله قد فرضَ عليهم خمسَ صلواتٍ في اليوم واللّيلة» (٣). فجعلهم عارفين بالله قبل إتيانهم بفرض الصّلاة والزّكاة، بل في أوّل أوقات دخولهم في الإسلام، ولا ريبَ أنّ هذه المعرفة ليست كمعرفة المهاجرين والأنصار، فالنّاس متفاوتون في درجات المعرفة.
قوله: (في لوائح نور الوجود)، يعني: أنّ مشاهدة المعرفة بوارقُ تلوح من نور الوجود، والوجود عند الشّيخ ثلاث مراتب: وجود علمٍ، ووجود
стр. 2101
عينٍ، ووجود مقامٍ، كما سيأتي شرحه في موضعه إن شاء الله.
وهذه اللّوائح التي أشار إليها تلوح في المراتب الثّلاثة، وقد ذكروا عن الجنيد أنّه قال: علم التّوحيد مباينٌ لوجوده، ووجوده مباينٌ لعلمه (١).
ومعنى ذلك: أنّ العبد قد يصحُّ له العلم بانفراد الحقِّ في ذاته وصفاته وأفعاله علمًا جازمًا، لا يشكُّ فيه ولا يرتاب، ولكن إذا اختلفت عليه الأسباب، وتقاذفتْ به أمواجُها، لم يثبت قلبه في أوائل الصَّدَمات، ولم يبادر إذ ذاك إلى رؤية الأسباب كلِّها من الأوّل الذي دلّت على وحدانيّته وأوّليّته البراهينُ القطعيّة والمشاهدة الإيمانيّة، فهذا عالمٌ بالتّوحيد غير واجدٍ مقامه، ولا متَّصف بحالٍ أكسَبَه إيَّاها التوحيدُ، فإذا وجد قلبه وقتَ اختلافِ الأحوال (٢) وتباينِ الأسباب واثقًا بربِّه، مقبلًا عليه، مستغرقًا في شهود وحدانيّته في ربوبيّته وإلهيّته، وأنّه وحده منفردٌ بتدبير عباده= فقد وجد مقام التّوحيد وحاله.
وأهل هذا المقام متفاوتون في شهوده تفاوتًا عظيمًا: من مُدركٍ لما هو فيه متنعِّمٍ متلذِّذٍ به في وقتٍ دون وقتٍ، ومن غالبٍ عليه هذه (٣) الحال، ومن مستغرقٍ غائبٍ عن حظِّه ولذّته بما هو فيه من وجوده، فنور الوجود قد غشي مشاهدته بحاله، ولمَّا يصلْ إلى مقام الجمع، بل قد أناخَ بفِنائه، والوجود عنده هو حضرة الجمع، وتُسمّى حضرة الوجود.
стр. 2102
وقوله: (مُنِيخةً بفِناء الجمع)، يعني: قد شارفت مشاهدته منزلَ الجمع، وأناخت به، وتهيّأ لدخوله. وهذه استعارةٌ، فكأنّه مثّل المشاهد بالمسافر بناقته التي يسافر عليها، فإنّها الحاملة له، وشبّه حضرة الجمع بالمنزل والدّار، وقد أناخ المسافر مركوبَه بفِنائها، وهذا إشارةٌ منه إلى إشرافه عليها، وأنّ نور الوجود لا يلُوح إلّا منها.
فصل
قال (١): (الدرجة الثانية: مشاهدة معاينةٍ ، تقطع حِبالَ الشواهد، وتُلبِس نعوتَ القدس، وتُخرِس ألسنةَ الإشارات).
إنّما كانت هذه الدّرجة أعلى ممّا قبلها، لأنّ تلك الدّرجة مشاهدةٌ ترقَّتْ عن العلم النّظريِّ بالتّوحيد، وتمكَّنتْ في وجود التّوحيد، حتّى صار صاحبها يرى الأسباب كلّها (٢) من واحدٍ متقدِّمٍ عليها، لا أوّل (٣) لوجوده حالًا وذوقًا، وأناخَ بفِناء الجمع ليتبوّأه منزلًا لتوحيده، ولكنّه بعدُ لم يكمُل استغراقُه عن شهود رسمها بالكلِّيّة، فشواهد الرُّسوم بعدُ معه. وصاحبُ هذه الدّرجة قد انقطعت عنه حبال الشّواهد، وتمكَّن في مقام المشاهدة، وتطهّر من نعوت النّفس، ولبِسَ نعوتَ القدس، فتطهّر من الالتفات إلى غير مشهوده، فخَرِسَ لذلك لسانه عن الإشارة إلى ما هو فيه. فهذه المشاهدة عنده فوق مشاهدة المعرفة؛ لأنّ تلك من لوائح نور الوجود، وهذه مشاهدةٌ
стр. 2103
للوجود نفسه، لا بوارق نوره، فهي أعلى؛ لأنّها مشاهدة عيانٍ، والعيان والمعاينة أن تقع العينُ في العين.
وقد عرفتَ أنّ هذا مستحيلٌ في الدُّنيا، ومن جوّزه فقد أخطأ أقبحَ الخطأ، وتعدّى مقام الرُّسل. وإنّما غاية ما يصل إليه العارف: مزيد إيمانٍ ويقينٍ، بحيث يعبد الله كأنّه يراه؛ لقوّة يقينه (١) وإيمانه بوجوده وأسمائه وصفاته، وأنّ الأنوار واللوامع والبوارق إنّما هي أنوار الإيمان والطّاعات من الذِّكر وقراءة القرآن ونحوها، وأنوار استغراقهم في مطالعة الأسماء والصِّفات وإثباتها والإيمان بها، حيث يبقى كالمعاين لها، فيُشرِق على قلبه نور المعرفة، فيظنُّه نورَ الذّات والصِّفات.
وتقدّم بيان السبب المُوقِع لهم في ذلك، وأنّهم لا يمكنهم رجوعهم في ذلك إلى المحجوبين الذين غلُظَ في هذا الباب حجابهم، وكَثُفَت عن إدراكه أرواحهم، وقَصُرت عنه علومهم ومعارفهم، ولم يكادوا يَظْفَرون بذائقٍ صحيح الذّوق يُفصِّل لهم أحكام أذواقهم ومشاهداتهم، ويُنزِلها منازلَها، ويُبيِّن أسبابها وعللها، فوجود هذا أعزُّ شيءٍ. والقوم لهم طلبٌ شديدٌ وهِمَمٌ عاليةٌ، ومطلبُهم وهممُهم فوق مطالب النّاس وهممهم، فتشهد أرواحهم مقاماتِ المنكر عليهم وسفولها، واستغراقه في حظوظه وأحكام نفسه وطبيعته، فلا تسمحُ نفوسهم بقبولِ قوله والرُّجوعِ إليه، فلو وجدوا عارفًا ذا قرآنٍ وإيمانٍ ينادي القرآنُ والإيمانُ على معرفته، وتدلُّ معرفته على مقتضى الإيمان والقرآن، محكِّمًا للوحي على الذّوق، مستخرجًا أحكامَ الذّوق من الوحي، ليس بفظٍّ ولا غليظ، ولا مدَّعٍ ولا محجوب بالوسائل عن الغايات،
стр. 2104
إشارته دون مقامه، ومقامه فوق إشارته (١)، إن أشار أشار بالله مستشهدًا بشواهد الله، وإن سكت سكت بالله عاكفًا بسِرِّه وقلبه على الله، فلو وجدوا مثل هذا لكان الصّادقون أسرعَ إليه من النّار في يابس الوَقود، والله المستعان.
قوله: (تقطع حِبالَ الشّواهد)، شبّه الشّواهد بالحبال التي تَجذِب العبد إلى مطلوبه، وهذا إنّما يكون مع الغيبة عنه، فإذا صار الأمر إلى العيان انقطعت حينئذٍ حبالُ الشّواهد بحكم المعاينة.
قوله: (وتلبس نعوت القدس)، القدس: هو النّزاهة والطّهارة، ونعوت القدس هي صفاته، فيُلبِسه الحقُّ سبحانه من تلك النُّعوت ما يليق به، واستعار لذلك لفظة اللُّبس؛ فإنّ تلك الصِّفات خِلَعٌ من خِلَعِ الحقِّ سبحانه، يُلبِسها من يشاء من عباده.
وهذا موضعٌ يتوارد عليه الموحِّدون والملحدون:
فالموحِّد يعتقد: أنّ الذي ألبسه الله إيّاه هو صفاتٌ جمَّلَ بها ظاهرَه وباطنَه، وهي صفاتٌ مخلوقةٌ ألبست عبدًا مخلوقًا، فكسا عبده حُلّةً من حُلَلِ فضله وعطائه.
والملحد يقول (٢): كساه نفسَ صفاتِه، وخلَعَ عليه خِلعةً من صفات ذاته، حتّى صار شبيهًا به، ويقولون: الوصول هو التّشبُّه بالإله على قدر الطّاقة، وبعضهم يُلطِّف هذا المعنى فيقول: بل يتخلّق بأخلاق الرّبِّ (٣)،
стр. 2105
ورَوَوا في ذلك أثرًا: «تَخلَّقوا بأخلاقِ الله» (١).
وليس هاهنا غير التّعبُّد بالصِّفات الجميلة والأخلاق الفاضلة، التي يحبُّها الله ويجعلها لمن يشاء من عباده، فالعبد مخلوقٌ، وخِلْعته مخلوقةٌ، وصفاته مخلوقةٌ، والله سبحانه بائنٌ بذاته وصفاته عن خلقه، لا يُمازِجهم ولا يمازجونه، ولا يحلُّ فيهم ولا يحلُّون فيه، تعالى الله علوًّا كبيرًا.
فصل
قال (٢): (الدّرجة الثّالثة: مشاهدة جَمْعٍ ، تَجذِب إلى عين الجمع، مالكةً لصحّة الورود، راكبةً بحرَ الوجود).
صاحب هذه الدرجة أثبتُ عند الشيخ في مقام المشاهدة، وأمكنُ في مقام الجمع الذي هو حضرة الوجود، وأملكُ لحمل ما يَرِد عليه في مقامه من أنواع الكشوفات (٣) والمعارف، ولذلك كانت مشاهدته مالكةً بصحة الورود؛ أي: تشهد لنفسها بصحّة ورودها إلى حضرة الجمع، وتشهد الأشياء كلُّها لها بالصِّدق، ويشهد المشهود أيضًا لها (٤) بذلك، فلا يبقى عندها احتمال شكٍّ ولا ريبٍ.