← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 199

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 526 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

النِّعمة، وكان من المنعَم عليهم غيرِ المغضوب عليهم ــ وهم أهلُ فساد القصد الذين عرفوا الحقّ وعدَلوا عنه ــ والضّالِّين، وهم أهلُ فساد العلم الذين جهلوا الحقَّ ولم يعرفوه. وحُقَّ لسورةٍ تشتمل على هذا الشفاء (١) أن يُستشفى بها من كلِّ مرضٍ. ولهذا لمّا اشتملت على هذا الشِّفاء الذي هو أعظم الشفاءين، كان حصول الشِّفاء الأدنى بها أولى، كما سنبيِّنه. فلا شيء أشفى للقلوب التي عقلت عن الله تعالى كلامَه، وفهمت عنه فهمًا خاصًّا، اختصَّها به من معاني هذه السُّورة. وسنبيِّن إن شاء الله تعالى تضمُّنَها للرّدِّ على جميع أهل البدع بأوضح البيان وأحسن الطُّرق. فصل وأمّا تضمُّنها لشفاء الأبدان، فنذكر منه ما جاءت به السُّنّة، وما شهد به (٢) قواعد الطِّبِّ، ودلَّت عليه التّجربة. فأمّا ما دلّت عليه السُّنّة، ففي الصّحيح من حديث أبي المتوكِّل عن أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁ أنّ ناسًا من أصحاب النّبيِّ ﷺ مرُّوا بحيٍّ من العرب، فلم يَقْرُوهم، ولم يضيِّفوهم. فلُدِغَ سيِّدُ الحيِّ، فأتوهم، فقالوا: هل عندكم من رقيةٍ، أو هل فيكم من راقٍ؟ فقالوا: نعم، ولكنَّكم لم تَقْرُونا، فلا نفعل حتّى تجعلوا لنا جُعْلًا. فجعلوا على ذلك قطيعًا من الغنم. فجعل رجلٌ منَّا يقرأ عليه بفاتحة الكتاب، فقام كأن لم يكن به قَلَبةٌ. فقلنا: لا تعجلوا حتّى

стр. 212

نأتي النّبيّ ﷺ ، فأتيناه، فذكرنا له ذلك. فقال: "وما يدريك أنّها رقيةٌ؟ كلوا، واضربوا لي معكم بسهمٍ" (١). فقد تضمّن هذا الحديثُ حصولَ شفاء هذا اللّديغ بقراءة الفاتحة عليه، فأغنته عن الدّواء، وربّما بلغت من شفائه ما لم يبلغه الدّواء. هذا مع كون المحلِّ غير قابلٍ، إمّا لكون هؤلاء الحيِّ غيرَ مسلمين، أو أهلَ بخلٍ ولؤمٍ؛ فكيف إذا كان المحلُّ قابلًا! فصل وأمّا شهادة قواعد الطِّبِّ بذلك، فاعلم أنَّ اللَّدغة تكون من ذوات الحُمَات والسُّموم، وهي ذوات الأنفس الخبيثة التي تتكيَّف بكيفيّةٍ غضبيّةٍ، تثير (٢) فيها سمِّيّةً ناريّةً، يحصل بها اللَّدغ. وهي متفاوتةٌ بحسب تفاوت خبث تلك النُّفوس وقوّتها وكيفيّتها. فإذا تكيَّفت أنفسُها الخبيثةُ بتلك الكيفيّة الغضبيّة أحدَثَ لها ذلك طبيعةً سمِّيّةً، تجد راحةً ولذّةً في إلقائها إلى المحلِّ القابل؛ كما يجد الشِّرِّيرُ من النّاس (٣) راحةً ولذّةً في إيصال شرِّه إلى من يُوصله به (٤). وكثيرٌ من النّاس لا يهنأ له (٥) عيشٌ في يومٍ لا يؤذي فيه أحدًا من بني جنسه، ويجد في نفسه تأذِّيًا بحمل تلك السَّمِّيّة والشّرِّ الذي فيه، حتّى

стр. 213

يُفرغه في غيره، فيبرد عند ذلك (١) أنينُه، وتسكن نفسُه. ويصيبه في ذلك نظير ما يصيب من اشتدّت (٢) شهوته إلى الجماع فيسوء خلقُه، وتنغَلُ (٣) نفسُه حتّى يقضي وطره. هذا في قوّة الشّهوة، وذاك في قوّة الغضب. وقد أقام الله تعالى بحكمته السُّلطانَ وازعًا لهذه النُّفوس الغضبيّة، فلولا هو لفسدت الأرض وخرب العالم. ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥١]. وأباح (٤) بلطفه ورحمته لهذه النُّفوس من الأزواج وملك اليمين ما يكسر حدّتها. والمقصود: أنّ هذه النُّفوس الغضبيّة إذا اتّصلت بالمحلِّ القابل أثَّرت فيه. ومنها ما يؤثِّر في المحلِّ بمجرّد مقابلته له، وإن لم يمسَّه، فمنها ما يلتمس (٥) البصَر، ويُسْقِط الحبَل. ومن هذا: نظرُ العائن، فإنّه إذا وقع بصره على المَعِين حدثت في نفسه كيفيّةٌ سمِّيّةٌ أثَّرت في المَعِين بحسب عدم استعداده، وكونه أعزلَ من السِّلاح، وبحسب قوّة تلك النّفس. وكثيرٌ من هذه النُّفوس تؤثِّر في المَعِين إذا وُصِف له، فتتكيَّف نفسُه، وتقابله على البعد، فيتأثَّر به. ومنكر هذا ليس معدودًا من

стр. 214

بني آدم إلّا بالصُّورة والشّكل. فإذا قابلت النّفسُ الزَّاكيةُ العُلويّةُ الشَّريفةُ التي فيها غضبٌ وحميّةٌ للحقِّ هذه النُّفوسَ الخبيثة السَّمِّيّةَ، وتكيّفَت بحقائق الفاتحة وأسرارها ومعانيها، وما تضمَّنته من التّوحيد والتّوكُّل، والثّناءِ على الله ، وذكرِ أصول أسمائه الحسنى، وذكرِ اسمه الذي ما ذُكِرَ على شرٍّ إلّا أزاله ومَحَقَه، ولا على خيرٍ إلّا أنماه (١) وزاده= دفعت هذه النّفسُ بما تكيَّفت به من ذلك أثرَ تلك النّفسِ الخبيثةِ الشَّيطانيّة، فحصَل البرءُ. فإنّ مبنى الشِّفاء والبرء على دفع الضِّدِّ بضدِّه، وحفظِ الشّيء بمثله، فالصِّحّة تُحفَظ بالمثل، والمرضُ يُدفَع بالضِّدِّ= أسبابٌ ربَطَها بمسبَّباتها الحكيمُ العليمُ خلقًا وأمرًا. ولا يتمُّ هذا إلّا بقوّةٍ من النّفس الفاعلة، وقبولٍ من الطّبيعة المنفعلة. فلو لم تنفعل نفسُ الملدوغ لقبول الرُّقية، ولم تقوَ نفسُ الرّاقي على التّأثير، لم يحصل البرء. فهنا أمورٌ ثلاثةٌ: موافقةُ الدّواء للدّاء، وبذلُ الطّبيب له، وقبولُ طبيعة العليل؛ فمتى تخلَّف واحدٌ منها لم يحصل الشِّفاء، وإذا اجتمعت حصل الشِّفاء ــ ولا بدَّ ــ بإذن الله تعالى. ومن عرف هذا كما ينبغي تبيّن له أسرارُ الرُّقى، وميَّز بين النّافع منها وغيره، ورقى الدّاءَ بما يناسبه من الرُّقى، وتبيَّن له أنّ الرُّقية براقيها وقبول المحلِّ، كما أنّ السَّيف بضاربه مع قبول المحلِّ للقطع. وهذه إشارةٌ مطلعةٌ على ما وراءها لمن دقَّ نظرُه، وحسُنَ تأمُّله (٢). والله أعلم.

стр. 215

وأمّا شهادة التّجارب بذلك فهي أكثر من أن تذكر، وذلك في كلِّ زمانٍ. وقد جرّبتُ أنا من ذلك في نفسي وفي غيري أمورًا عجيبةً، ولا سيّما مدّةَ المقام بمكّة أعزَّها الله تعالى. فإنّه كان يعرض لي آلامٌ مزعجةٌ، بحيث تكاد تقطع الحركةَ منِّي، وذلك في أثناء الطّواف وغيره، فأبادر إلى قراءة الفاتحة، وأمسح بها محلَّ الألم، فكأنّه حصاةٌ تسقط. جرَّبتُ ذلك مرارًا عديدةً. وكنت آخذ قدحًا من ماء زمزمٍ فأقرأ عليه الفاتحة مرارًا وأشربه، فأجد به من النّفع والقوَّة ما لم أعهد مثله في الدَّواء (١). والأمرُ أعظم من ذلك، ولكن بحسب قوّة الإيمان وصحّة اليقين. والله المستعان. فصل في اشتمال الفاتحة على الرّدِّ على جميع المُبطلين من أهل الملل والنِّحل، والرَّدِّ على أهل البدع والضّلال من هذه الأمّة وهذا يُعلَم بطريقين: مجملٍ ومفصّلٍ. فأمَّا المجمل، فهو أنّ الصِّراط المستقيم يتضمَّن (٢) معرفةَ الحقِّ، وإيثارَه وتقديمَه على غيره، ومحبّتَه والانقيادَ له، والدَّعوةَ إليه، وجهادَ أعدائه بحسب الإمكان. والحقُّ هو ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، وما جاء به علمًا وعملًا في باب صفات الرّبِّ وأسمائه وتوحيده، وأمره ونهيه،

стр. 216

ووعده ووعيده، وفي حقائق الإيمان التي هي (١) منازل السّائرين. وكلُّ ذلك مسلّمٌ إلى رسول الله ﷺ ، دون آراء الرِّجال وأوضاعهم وأفكارهم واصطلاحاتهم. فكلُّ علمٍ أو عملٍ أو حقيقةٍ أو حالٍ أو مقامٍ خرج من مشكاة نبوّته، وعليه السِّكَّة المحمَّديّة، بحيث يكون من ضَرْبِ المدينة، فهو من الصِّراط المستقيم. وما لم يكن كذلك فهو من صراط أهل الغضب أو الضّلال. فما ثَمَّ خروجٌ عن هذه الطُّرق الثَّلاث: طريقِ الرَّسول وما جاء به، وطريقِ أهل الغضب وهي طريقُ مَن عرَفَ الحقَّ وعانَده، وطريقِ أهل الضَّلال وهي طريقُ من أضلَّه الله عنه. ولهذا قال عبد الله بن عبّاسٍ وجابر بن عبد الله (٢): الصِّراط المستقيم: هو الإسلام. وقال عبد الله بن مسعودٍ وعليُّ بن أبي طالبٍ: هو القرآن. وفيه حديثٌ مرفوعٌ في التِّرمذيِّ وغيره (٣). وقال سهل بن عبد الله (٤): طريق السُّنة والجماعة.

стр. 217

وقال بكر بن عبد الله المُزَنيُّ: طريق رسول الله ﷺ . ولا ريب أنَّه ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه علمًا وعملًا، وهو معرفةُ الحقِّ وتقديمُه وإيثارُه على غيره (١). فبهذا الطَّريق المجملة نعلم (٢) أنَّ كلَّ ما خالفه فباطلٌ، وهو من صراط الأمّتين: الأمّة الغضبيّة، وأمّة الضّلال (٣). فصل وأمّا الطريق المفصَّلة (٤)، فمعرفة المذاهب الباطلة، واشتمال كلمات الفاتحة على إبطالها، فنقول: النّاس قسمان: مقرٌّ بالخالق تعالى، وجاحدٌ له. فتضمُّنُ (٥) الفاتحة لإثبات الخالق تعالى والرَّدِّ على من جحَده: بإثبات ربوبيّته تعالى للعالمين. وتأمَّلْ حالَ العالم كلِّه: علويِّه وسفليِّه، بجميع أجزائه، تجِدْه شاهدًا بإثبات صانعه (٦) وفاطره ومليكه. فإنكارُ صانعه وجحدُه في العقول والفِطَر

стр. 218

بمنزلة إنكار العالم وجحده، لا فرق بينهما. بل دلالةُ الخالق على المخلوق، والفعَّالِ (١) على الفعل، والصَّانعِ على أحوال المصنوع، عند العقول الزَّاكية المشرقة العُلْويّة والفِطَر الصّحيحة= أظهَرُ من العكس. والعارفون (٢) أرباب البصائر يستدلُّون بالله على أفعاله وصُنْعه، إذا استدلَّ النّاسُ بصُنعه وأفعاله عليه. ولا ريب أنّهما طريقان صحيحان، كلٌّ منهما حقٌّ، والقرآن مشتملٌ عليهما. فأمّا الاستدلالُ بالصّنعة فكثيرٌ. وأمّا الاستدلال بالصّانع فله شأنٌ، وهو الذي أشارت إليه الرُّسل بقولهم لأممهم: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي﴾ أي أيُشَكُّ في الله حتّى يُطلَب إقامةُ الدّليل على وجوده! وأيُّ دليلٍ أصحُّ وأظهر من هذا المدلول! فكيف يُسْتدَلُّ على الأظهر بالأخفى! ثمّ نبّهوا على الدّليل بقولهم: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠]. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵁ (٣) يقول: كيف تَطلُب (٤) الدّليلَ على من هو دليلٌ على كلِّ شيءٍ؟ وكان كثيرًا يتمثَّل بهذا البيت: وليس يصحُّ في الأذهان شيءٌ ... إذا احتاج النّهار إلى دليلٍ (٥)

стр. 219

ومن المعلوم (١) أنّ وجودَ الرَّبِّ تعالى أظهَرُ للعقول والفِطَر من وجود النّهار. ومن لم ير ذلك في عقله وفطرته فليتَّهمها (٢). وإذا بطل قولُ هؤلاء بطل قولُ أهل الإلحاد (٣) القائلين بوحدة الوجود وأنَّه ما ثَمَّ وجودٌ قديمٌ خالقٌ، ووجودٌ حادثٌ مخلوقٌ؛ بل وجودُ هذا العالم هو عينُ وجود الله، وهو حقيقةُ هذا العالم. فليس عند القوم ربٌّ وعبدٌ، ولا مالكٌ ومملوكٌ، ولا راحمٌ ومرحومٌ، ولا عابدٌ ومعبودٌ، ولا مستعينٌ ومستعانٌ به، ولا هادٍ ومهديٌّ، ولا منعِمٌ ومنعَمٌ عليه، ولا غضبانُ ومغضوبٌ عليه بل الرَّبُّ هو نفسُ العبد وحقيقته، والمالكُ هو عين المملوك، والرَّاحمُ عين المرحوم، والعابدُ نفس المعبود. وإنّما التّغاير أمرٌ اعتباريٌّ بحسَبِ مظاهر الذّات وتجلِّياتها، فتظهر تارةً في صورة المعبود كما ظهرت في صورة فرعون، وفي صورة عبد كما ظهرت في صورة العَبِيد، وفي صورة هادٍ كما ظهرت في صورة الأنبياء ﵈ والرُّسل والعلماء. والكلُّ من عينٍ واحدةٍ، بل هو العين الواحدة. فحقيقةُ العابد ووجودُه وإنِّيّتُه (٤): هي حقيقة المعبود

стр. 220

ووجوده وإنِّيّته. فالفاتحة من أوّلها إلى آخرها تبيِّن بطلان قول هؤلاء الملاحدة وضلالهم. فصل والمقرُّون بالرَّبِّ تعالى أنّه صانع العالم نوعان: نوعٌ ينفي مباينتَه لخلقه، ويقولون: لا مباين ولا محايث (١)، ولا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته، ولا يمينه ولا يساره، ولا خلفه ولا أمامه، ولا فيه ولا بائن عنه. فتضمُّنُ الفاتحةِ للرَّدِّ على هؤلاء من وجهين (٢): أحدهما: إثبات ربوبيّته للعالم، فإنَّ الرُّبوبيَّةَ المحضةَ تقتضي مباينةَ الرَّبِّ للعالم بالذّات، كما باينهم بالرُّبوبيّة وبالصِّفات والأفعال. فمَن لم يُثبت ربًّا مباينًا للعالم فما أثبَتَ ربًّا، فإنّه إذا نفى المباينة لزمه أحدُ أمرين لزومًا لا انفكاك له عنه البتّة: إمّا أن يكون هو نفسَ هذا العالم، وحينئذٍ يصحُّ قوله، فإنّ العالم لا يباين ذاته ونفسه. ومن هاهنا دخل أهلُ الوحدة، كانوا معطِّلةً أوّلًا، واتِّحاديّةً ثانيًا. وإمّا أن يقول: ما ثَمَّ ربٌّ يكون مباينًا ولا محايثًا، ولا داخلًا ولا خارجًا، كما قالته (٣) الدّهريّة المعطِّلة للصّانع.

стр. 221

وأمّا هذا القول الثّالث المشتمل على جمع النّقيضين: إثباتِ الرَّبِّ مغايرًا (١) للعالم مع نفي مباينته للعالم، وإثباتِ خالقٍ قائمٍ بنفسه، لا في العالم ولا خارج العالم، ولا فوق العالم ولا تحته، ولا خلفه ولا أمامه، ولا يمينه ولا يساره (٢) = فقولٌ له خبيءٌ (٣)، والعقولُ لا تتصوَّره حتّى تصدِّق به. فإذا استحال في العقل تصوُّرُه، فاستحالةُ التّصديق به أظهر (٤). وهو منطبقٌ على العدم المحض والنّفي الصِّرف، وصدقُه عليه أظهر عند العقول والفطر من صدقِه على ربِّ العالمين. فضَعْ هذا النّفيَ وهذه الألفاظَ الدّالّةَ عليه (٥) على العدم المستحيل، ثمَّ ضَعْها على الذّات القائمة بنفسها، التي لم تحِلَّ في العالم، ولا حَلَّ العالمُ فيها، ثمّ انظر أيُّ المعلومين أولى به؟ واستيقِظْ لنفسك، وقُمْ لله قومةَ مفكِّرٍ في نفسه في الخلوة في هذا الأمر، متجرِّدٍ عن المقالات وأربابها وعن الهوى والحميّة والعصبيّة، صادقٍ في طلب الهدى (٦) من الله تعالى؛ فاللهُ أكرَمُ من أن يخيِّب عبدًا هذا شأنه.

стр. 222

وهذه المسألة لا تحتاج إلى أكثر (١) من إثبات ربٍّ قائمٍ بنفسه مباينٍ لخلقه، بل هذا نفس ترجمتها. فصل (٢) ثمّ المثبتون للخالق تعالى نوعان: أهل توحيدٍ، وأهل إشراكٍ. وأهل الإشراك نوعان: أحدهما: أهل الإشراك به في ربوبيّته وإلهيّته كالمجوس ومن ضاهاهم من القدريّة، فإنّهم (٣) يُثبتون مع الله خالقًا آخر، وإن لم يقولوا: إنّه مكافئٌ له. والقدريّةُ المجوسيَّةُ تُثبِت مع الله خالقِين للأفعال، ليست أفعالهم مقدورةً لله ولا مخلوقةً له (٤)، وهي صادرةٌ بغير مشيئته، ولا قدرة له عليها، ولا هو الذي جعل أربابها فاعلين، بل هم الذين جعلوا أنفسهم شائين مريدين فاعلين! فربوبيَّةُ العالم الكاملة المطلقة الشّاملة تُبطِل أقوال هؤلاء كلِّهم، لأنّها تقتضي ربوبيَّتهَ لجميع ما فيه من الذّوات والصِّفات والحركات والأفعال. وحقيقة قول القدريّة المجوسيّة: أنّه تعالى ليس ربًّا لأفعال الحيوان، ولا تناولتها ربوبيَّتُه، إذ كيف تتناول ما لا يدخل تحت قدرته ومشيئته وخلقه؟ مع أنّ في عموم حمده ما يقتضي حمدَه على طاعات خلقه، إذ هو المعين عليها والموفِّق لها، والذي شاءها منهم، كما قال في غير موضعٍ من كتابه: ﴿وَمَا

стр. 223

تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠، التكوير: ٢٩]. فهو محمودٌ على أن شاءها لهم، وجعلهم فاعليها (١) بقدرته ومشيئته، فهو المحمود عليها في الحقيقة. وعندهم أنّهم هم المحمودون عليها، فلهم الحمدُ على فعلها، وليس لله حمدٌ على نفس فاعليّتها عندهم، ولا على ثوابه وجزائه عليها. أمّا الأوّل، فلأنّ فاعليّتها بهم، لا به. وأمّا الثّاني، فلأنّ الجزاء مستحَقٌّ عليه استحقاقَ الأجرة على المستأجِر، فهو محضُ حقِّهم الذي عاوضوه عليه. وفي قوله: ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٢) ردٌّ ظاهرٌ عليهم، إذ استعانتهم به إنّما تكون على شيءٍ هو بيده وتحت قدرته ومشيئته، فكيف يستعين مَن بيده الفعلُ وهو موجده ــ إن شاء أوجده، وإن شاء لم يوجده ــ بمن ليس ذلك الفعلُ بيده، ولا هو داخلٌ تحت قدرته (٣) ولا مشيئته! وفي قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أيضًا ردٌّ عليهم، فإنّ الهدايةَ المطلقةَ التَّامَّة هي المستلزمة لحصول الاهتداء، ولولا أنّها بيده تعالى دونهم ما (٤) سألوه إيّاها. وهي (٥) المتضمِّنة للإرشاد والبيان والتّوفيق والاقتدار (٦)

стр. 224

وجَعْلِهم مهتدين. وليس مطلوبُهم مجرَّدَ البيان والدِّلالة كما ظنّته القدريّة، لأنّ هذا القدر وحده لا يُوجِب الهدى، ولا ينجي من الرَّدى، وهو حاصلٌ لغيرهم من الكفّار الذين استحبُّوا العمى على الهدى، واشتروا الضَّلالة بالهدى. فصل النّوع الثّاني: أهل الإشراك به في إلهيّته. وهم المقرُّون بأنّه وحده ربُّ كلِّ شيءٍ ومليكُه وخالقُه، وأنّه ربُّهم وربُّ آبائهم الأوّلين، وربُّ السَّماوات السَّبع وربُّ العرش العظيم. وهم مع هذا يعبدون غيرَه ويعدِلون به سواه في المحبّة والطّاعة والتّعظيم، وهم الذين اتّخذوا من دونه أندادًا. فهؤلاء لم يوفُّوا ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ حقَّه، وإن كان لهم نصيبٌ من "نعبدك"، لكن ليس لهم نصيبٌ من ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ المتضمِّن معنى: لا نعبد إلّا إيّاك حبًّا وخوفًا ورجاءً وطاعةً وتعظيمًا. فـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ تحقيقٌ لهذا التّوحيد وإبطالٌ للشِّرك في الإلهيّة، كما أنّ ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ تحقيقٌ لتوحيد الرُّبوبيّة وإبطالٌ للشِّرك به. وكذلك قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ فإنّهم أهل التّوحيد، وهم أهل تحقيق ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. وأهلُ الإشراك هم أهلُ الغضب والضّلال. فصل في تضمُّنها الرّدّ على الجهميّة معطِّلة الصِّفات وذلك من وجوهٍ: أحدها (١): من قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، فإنّ إثبات الحمد الكامل له

стр. 225

يقتضي ثبوتَ كلِّ ما يُحمَد عليه من صفات كماله ونعوت جلاله؛ إذ مَن عدِمَ صفاتِ الكمال فليس بمحمودٍ على الإطلاق، وغايتُه أنّه محمودٌ من وجهٍ دون وجهٍ. ولا يكون محمودًا بكلِّ وجهٍ وبكلِّ اعتبارٍ لجميع (١) أنواع الحمد إلّا مَن استولى على صفات الكمال جميعها، فلو عدِمَ منها صفةً واحدةً لنقَصَ من حمده بحسبها. وكذلك في إثبات صفة الرّحمة له ما يتضمَّن إثباتَ الصِّفات التي تلزمها (٢) من الحياة والإرادة والقدرة والسّمع والبصر، وغيرها. وكذلك صفة الرُّبوبيّة تستلزم جميعَ صفات الفعل، وصفةُ الإلهيّة تستلزم جميعَ أوصاف الكمال ذاتًا وأفعالًا، كما تقدَّم بيانه (٣). فكونُه محمودًا إلهًا ربًّا رحمانًا رحيمًا ملكًا معبودًا مستعانًا هاديًا منعمًا يرضى ويغضب، مع نفي قيام الصِّفات به= جمعٌ بين النّقيضين، وهو من أمحل المحال. وهذه الطّريق تتضمَّن إثباتَ الصِّفات الخبريّة من وجهين: أحدهما: أنّها (٤) من لوازم كماله المطلق، فإنَّ استواءه على عرشه من لوازم علوِّه، ونزولَه سبحانه كلَّ ليلةٍ إلى سماء الدُّنيا في نصف اللّيل الثّاني من

стр. 226

لوازم رحمته وربوبيّته. ورضاه وفرحُه وحبُّه وغضبُه وبغضُه (١) وسخطُه من لوازم إرادته ومشيئته وملكه وربوبيَّته. وهكذا سائر الصِّفات الخبريّة. الوجه الثّاني: أنَّ السَّمع ورد بها ثناءً على الله ومدحًا له، وتعرُّفًا منه إلى عباده بها، فجحدُها وتحريفُها عمَّا دلَّت عليه وأُريدَ بها مناقضٌ لما جاءت له. فلك أن تستدلَّ بطريق السَّمع على أنّها كمالٌ، وأن تستدلَّ بالعقل كما تقدَّم. فصل في تضمُّنها الرَّدَّ على الجبريّة وذلك من وجوهٍ: أحدها: من إثبات عموم حمده سبحانه، فإنّه يقتضي أن لا يعاقب عبيده على ما لا قدرة لهم عليه، ولا هو من فعلهم؛ بل هو بمنزلة ألوانهم وطولهم وقصرهم. بل هو يعاقبهم على نفس فعلِه بهم، فهو الفاعلُ لقبائحهم في الحقيقة، وهو المعاقِبُ لهم عليها. فحمدُه (٢) يأبى ذلك أشدَّ الإباء، وينفيه أعظمَ النَّفي. فتعالى مَن له الحمدُ عن ذلك علوًّا كبيرًا. بل إنّما يعاقبهم على نفس أفعالهم التي فعلوها حقيقةً، فهي أفعالهم لا أفعاله، وإنّما أفعاله العدل والإحسان والخيرات.

стр. 227

الثّاني (١): إثبات رحمته ورحمانيَّته ينفي ذلك، إذ لا يمكن اجتماع هذين الأمرين قطُّ: أن يكون رحمانًا رحيمًا ويعاقبَ العبد على ما لا قدرة له عليه ولا هو من فِعله، بل يكلِّفه ما لا يطيقه ولا له عليه قدرةٌ البتّة، ثمّ يعاقبه عليه. وهل هذا إلّا ضدُّ الرّحمة ونقضٌ لها وإبطالٌ؟ وهل يصحُّ في معقول أحدٍ اجتماعُ ذلك والرَّحمةِ التّامّةِ الكاملةِ في ذاتٍ واحدةٍ؟ الثّالث (٢): إثباتُ العبادةِ والاستعانةِ لهم ونسبتُها إليهم بقولهم: "نعبد، ونستعين"، وهي نسبةٌ حقيقيّةٌ لا مجازيّةٌ. واللهُ لا يصحُّ وصفه بالعبادة والاستعانة التي هي من أفعال عبيده، بل العبد حقيقةً هو العابد المستعين، واللهُ المعبودُ المستعانُ. فصل في بيانِ تضمُّنها للرّدِّ على القائلين بالمُوجِب بالذّات بدون الاختيار والمشيئة، وبيانِ أنّه فاعلٌ مختارٌ وذلك من وجوهٍ: أحدها: من إثبات حمده، إذ كيف يُحمَد على ما ليس مختارًا لوجوده ولا هو بمشيئته وفعله؟ وهل يصحُّ حمدُ الماء على آثاره وموجَباته، أو النّار والحديد وغيرها في عقلٍ أو فطرةٍ؟ وإنّما يُحمَد الفاعلُ المختارُ بقدرته ومشيئته على أفعاله الحميدة. هذا الذي ليس في العقول والفِطَر سواه، فخلافُه خارجٌ عن الفطرة والعقل. وهو لا ينكر خروجَه عن الشّرائع

стр. 228

والنُّبوّات، بل يتبجَّح بذلك ويعُدُّه فخرًا. الثّاني: إثباتُ ربوبيّته تعالى يقتضي فعلَه بمشيئته واختياره وتدبيره وقدرته. وليس يصحُّ في عقلٍ ولا فطرةٍ ربوبيّةُ الشَّمس لضوئها، والماءِ لتبريده وللنّبات (١) الحاصل به، ولا ربوبيّةُ شيءٍ أبدًا لما لا قدرة له عليه البتّة. وهل هذا إلّا تصريحٌ بجحد الرُّبوبيّة؟ فالقوم كنَوا للأغمار، وصرَّحوا لأولي الأفهام! الثّالث: إثبات ملكه. وحصولُ ملكٍ لمن لا اختيار له ولا فعل ولا مشيئة غيرُ معقولٍ، بل كلُّ مملوكٍ له مشيئةٌ واختيارٌ وفعلٌ أتمُّ من هذا الملك وأكمل. ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧]. الرّابع: من كونه مستعانًا، فإنَّ الاستعانةَ بمن لا اختيار له ولا مشيئة ولا قدرة محالٌ. الخامس: من كونه مسؤولًا أن يهدي عبادَه، فسؤالُ من لا اختيار له محالٌ (٢). وكذلك كونُه منعمًا. فصل في بيانِ تضمُّنِها للرّدِّ على منكري تعلُّقِ علمِه تعالى بالجزئيّات وذلك من وجوهٍ: أحدها: كمالُ حمده، إذ كيف يستحقُّ الحمدَ من لا يعلم شيئًا من العالم

стр. 229

وأحواله وتفاصيله، ولا عدد الأفلاك، ولا عدد النُّجوم، ولا مَن يطيعه ممَّن يعصيه، ولا مَن يدعوه ممَّن لا يدعوه! الثّاني: أنّ هذا مستحيلٌ أن يكون إلهًا وأن يكون ربًّا، فلا بدَّ للإله المعبود والرَّبِّ المدبِّر من أن يعلم عابدَه ويعلم حالَه. الثّالث: من إثبات رحمته، فإنّه يستحيل أن يرحم من لا يعلمه. الرّابع: إثباتُ ملكه، فإنّ ملكًا لا يعرف أحدًا من رعيّته البتّة، ولا شيئًا من أحوال مملكته البتّة، ليس بملكٍ بوجهٍ من الوجوه. الخامس: كونُه مستعانًا. السّادس: كونُه مسؤولًا أن يهدي سائلَه ويجيبه. السّابع: كونُه هاديًا. الثّامن: كونُه منعِمًا. التّاسع: كونُه غضبان (١) على من خالفه. العاشر: كونه مُجازيًا يدين النّاسَ بأعمالهم يوم الدِّين. فنفيُ علمه بالجزئيّات مبطلٌ لذلك كلِّه. فصل في بيانِ تضمُّنِها للرّدِّ على منكري النُّبوّات وذلك من وجوهٍ: أحدها: إثباتُ حمده التّامِّ، فإنّه يقتضي كمالَ حكمته، وأن لا يخلق

стр. 230

خلقَه عبثًا، ولا يتركهم سدًى لا يؤمرون ولا ينهون. ولذلك نزَّه نفسَه عن هذا في غير موضعٍ من كتابه، وأخبر أنَّ مَن أنكر الرِّسالة والنُّبوّة وأن يكون أنزَلَ (١) على بشرٍ من شيءٍ، فإنّه ما عرَفه حقَّ معرفته، ولا عظَّمه حقَّ عظمته، ولا قدَره حقَّ قدره؛ بل نسبَه إلى ما لا يليق به، ويأباه حمدُه ومجدُه. فمَن أعطى الحمدَ حقَّه علمًا ومعرفةً وبصيرةً استنبطَ منه "أشهد أنّ محمّدًا رسولُ الله"، كما يستنبط منه "أشهد أن لا إله إلّا الله"، وعلِمَ قطعًا أنّ تعطيلَ النُّبوَّات في منافاته للحمد كتعطيل صفات (٢) الكمال وكإثبات الشُّركاء والأنداد له (٣). الثّاني: إثباتُ الإلهية (٤) وكونِه إلهًا، فإنّ ذلك مستلزمٌ لكونه معبودًا مطاعًا. ولا سبيل إلى معرفة ما يُعبد به ويطاع إلّا من جهة رسله. الثّالث (٥): كونُه ربًّا، فإنَّ الرُّبوبيَّةَ تقتضي أمرَ العباد ونهيَهم، وجزاءَ محسنهم بإحسانه ومسيئهم بإساءته. هذا حقيقة الرُّبوبيّة، وذلك لا يتمُّ إلّا بالرِّسالة والنُّبوّة. الرّابع: كونُه رحمانًا رحيمًا، فإنَّ كمالَ رحمته أن يعرِّفَ عبادَه نفسَه وصفاتِه، ويدلَّهم على ما يقرِّبُهم إليه ويباعدُهم منه، ويثيبَهم على طاعته

стр. 231

ويجزيَهم بالحسنى. وذلك لا يتمُّ إلّا بالرِّسالة والنُّبوّة، فكانت رحمته مقتضيةً لها (١). الخامس: ملكُه، فإنَّ المُلْكَ يقتضي التّصرُّفَ بالقول، كما أنَّ المِلْكَ يقتضي التّصرُّفَ بالفعل. فالملِكُ: المتصرِّفُ بأمره وقوله، فتُنَفَّذ (٢) أوامرُه ومراسيمُه حيث شاء. والمالك: المتصرِّفُ في ملكه بفعله. والله له المُلْكُ، وله المِلْكُ، فهو المتصرِّفُ في خلقه بالقول والفعل. فتصرُّفهُ (٣) بقوله نوعان: تصرُّفٌ بكلماته الكونيّة، وتصرُّفٌ بكلماته الدِّينيّة، وكمالُ المُلْكِ بهما. فإرسالُ الرُّسل موجَبُ كمالِ مُلكه وسلطانه. وهذا هو المُلك المعقول في فِطَر النّاس وعقولهم، فكلُّ مَلِكٍ لا تكون (٤) له رسلٌ يبُثُّها في أقطار مملكته فليس بمَلكٍ. وبهذه الطّريق يُعلَم (٥) وجودُ ملائكته (٦)، وأنَّ الإيمانَ بهم من لوازم الإيمان بمُلكه، فإنّهم رسلُ الله في خلقه وأمره. السّادس: ثبوتُ يوم الدِّين، وهو يوم الجزاء الذي يدين الله فيه العباد بأعمالهم خيرًا وشرًّا. وهذا لا يكون إلّا بعد ثبوت الرِّسالة والنُّبوّة وقيام

стр. 232

الحجّة التي بسببها يدان (١) المطيع والعاصي. السّابع: كونُه معبودًا، فإنّه لا يُعبد إلّا بما يحبُّه ويرضاه، ولا سبيل للخلق إلى معرفة ذلك إلّا من جهة رسله. فإنكارُ رسله إنكارٌ لكونه معبودًا. الثّامن: كونُه (٢) هاديًا إلى الصِّراط المستقيم، وهو معرفة الحقِّ والعمل به. وهو أقربُ الطُّرق الموصِلة إلى المطلوب، فإنَّ الخطَّ المستقيمَ هو أقرب خطٍّ فاصلٍ (٣) بين نقطتين. وذلك لا يُعلَم إلّا من جهة الرُّسل قطعًا، فتوقُّفه على الرُّسل ضروريٌّ، أعظم من توقُّف الطّريق الحسِّيِّ على سلامة الحواسّ. التّاسع: كونُه منعِمًا على أهل الهداية إلى الصِّراط المستقيم، فإنّ إنعامه عليهم إنّما تمَّ بإرسال الرُّسل إليهم، وجعلِهم قابلين لرسالاته (٤)، مستجيبين لدعوته. وبذلك ذكَّرهم مننَه (٥) عليهم وإنعامه في كتابه. العاشر: انقسامُ خلقه إلى منعَمٍ عليهم، ومغضوبٍ عليهم، وضالِّين. فإنّ

стр. 233

هذا الانقسام ضروريٌّ بحسب انقسامهم في معرفة الحقِّ والعمل به إلى عالمٍ به عاملٍ بموجَبه وهم أهل النِّعمة، وعالمٍ به معاندٍ له وهم أهل الغضب، وجاهلٍ به وهم الضّالُّون. وهذا الانقسام (١) إنّما نشأ بعد إرسال الرُّسل، فلولا الرُّسلُ لكانوا أمّةً واحدةً. فانقسامُهم إلى هذه الأقسام مستحيلٌ بدون الرِّسالة، وهذا الانقسام ضروريٌّ بحسب الواقع، فالرِّسالةُ ضروريّةٌ. وقد تبيَّن لك بهذه الطّريق وبالتي قبلها تضمُّنُها (٢) للرّدِّ على من أنكر المعاد الجسمانيّ وقيامة الأبدان، وعرفتَ اقتضاءها ضرورةً لثبوت الثّواب والعقاب والأمر والنّهي. وهو الحقُّ الذي خُلِقت به وله السّماوات والأرض والدُّنيا والآخرة، وهو مقتضى الخلق والأمر، ونفيُه نفيٌ لهما. فصل وإذا (٣) ثبتت النُّبوّات والرِّسالة ثبتت صفة التّكلُّم والتّكليم. فإنَّ حقيقة الرِّسالة تبليغ كلام المرسل، فإذا لم يكن ثَمَّ (٤) كلامٌ فماذا يبلِّغ الرّسول! بل كيف يُعقَل كونُه رسولًا! ولهذا قال غير واحدٍ من السّلف: من أنكر أن يكون الله متكلِّمًا وأن يكون القرآن كلامه، فقد أنكر رسالة محمّدٍ ﷺ ، بل ورسالةَ جميعِ الرُّسل التي حقيقتُها تبليغُ كلام الرَّبِّ ﵎ (٥). ولهذا قال منكرو رسالته ﷺ عن القرآن: ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ البَشَرِ﴾

стр. 234

[المدثر: ٢٤]. وإنّما عنَوا القرآنَ المسموعَ الذي بُلِّغوه وأُنذِروا به. فمن قال: إنّ الله لم يتكلَّم به، فقد ضاهى قولُه قولَهم، تعالى الله عمّا يقول الظّالمون علوًّا كبيرًا. فصل في بيان تضمُّنها للرّدِّ على من قال بقِدَم العالم وذلك من وجوهٍ: أحدها: إثبات حمده. فإنّه يقتضي ثبوت أفعاله لاسيَّما وعامَّةُ موارد الحمد في القرآن أو كلُّها إنّما هي على الأفعال. وكذلك هو هاهنا، فإنّه حمِد نفسَه على ربوبيّته المتضمِّنة لأفعاله الاختياريّة. ومن المستحيل مقارنة الفعل لفاعله. هذا ممتنعٌ في كلِّ عقلٍ سليمٍ وفطرةٍ مستقيمةٍ، فالفعل متأخِّرٌ عن فاعله بالضَّرورة. وأيضًا فإنّه متعلَّق الإرادة والتّأثير والقدرة، ولا يكون متعلَّقها قديمًا البتّة. الثّاني: إثباتُ ربوبيّته للعالمين. وتقريره ما ذكرنا (١). والعالَمُ كلُّ ما سواه، فثبت أنَّ كلَّ ما سواه مربوبٌ، والمربوبُ مخلوقٌ بالضّرورة، وكلُّ مخلوقٍ حادثٌ بعد أن لم يكن. فإذن ربوبيّتُه تعالى لكلِّ ما سواه تستلزم تقدُّمَه عليه، وحدوثَ المربوب. ولا يتصوَّر أن يكون العالم قديمًا وهو مربوبٌ أبدًا، فإنَّ القديمَ مستغنٍ بأزليّته عن فاعلٍ له. وكلُّ مربوبٍ فهو فقيرٌ بالذّات، فلا شيء من المربوب بغنيٍّ ولا قديم. الثّالث: إثبات توحيده. فإنّه يقتضي عدم مشاركة شيءٍ من العالم له في

стр. 235

خصائص الرُّبوبيّة، والقِدَمُ من خصائص الرُّبوبيّة، فالتّوحيد ينفي ثبوته لغيره ضرورةً، كما ينفي ثبوت الرُّبوبيّة (١) والإلهيّة لغيره (٢). فصل في بيان تضمُّنها للرّدِّ على الرّافضة وذلك من قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ إلى آخرها. ووجهُ تضمُّنِه إبطالَ قولهم: أنّه سبحانه قسم النّاسَ إلى ثلاثة أقسامٍ: منعَمٌ عليهم، وهم أهل الصِّراط المستقيم الذين عرفوا الحقَّ واتّبَعوه. ومغضوبٌ عليهم، وهم الذين عرفوا الحقّ ورفضوه. وضالُّون، وهم الذين أخطؤوه وجهلوه. فكلُّ من كان أعرفَ بالحقِّ وأتبعَ له كان أولى بالصِّراط المستقيم. ولا ريب أنَّ أصحاب رسول الله ﷺ (٣) أولى بهذه الصِّفة من الرّوافض، فإنّه من المحال أن يكون أصحاب رسول الله ﷺ جهلوا الحقَّ وعرفه الرّوافضُ، أو رفضوه وتمسَّك به الرّوافض. ثمّ إنّا رأينا آثار الفريقين تدلُّ على أهل الحقِّ منهما، فرأينا أصحاب رسول الله ﷺ فتحوا بلاد الكفر وأقاموها (٤) بلاد إسلامٍ، وفتحوا القلوب بالقرآن والعلم (٥) والهدى، فآثارُهم تدلُّ على أنّهم هم أهل الصِّراط

стр. 236

المستقيم. ورأينا الرّافضةَ بالعكس في كلِّ زمانٍ (١)، فإنّه قطُّ ما قام للمسلمين عدوٌّ من غيرهم إلّا كانوا أعوانهم على الإسلام. وكم جرُّوا على الإسلام وأهله من بليّةٍ! وهل عاثت سيوفُ المشركين عُبَّادِ الأصنام من عسكر هُلاكو (٢) أو ذويه إلّا من تحت رؤوسهم! وهل عُطِّلت المساجد، وحُرِّقت المصاحف، وقُتِلت سَرَواتُ المسلمين وعلماؤهم وعُبّادهم وخليفتهم إلّا بسببهم ومن جَرَّائهم! ومظاهرتهم للمشركين والنّصارى معلومةٌ عند الخاصّة والعامّة. وآثارهم في الدِّين معلومةٌ. فأيُّ الفريقين أحقُّ بالصِّراط المستقيم! وأيُّهم أحقُّ بالغضب والضّلال! (٣). ولهذا فسَّر السَّلفُ الصِّراط المستقيم وأهله بأبي بكرٍ وعمر وأصحاب رسول الله ﷺ . وهو كما فسَّروه، فإنّه صراطهم الذي كانوا عليه، وهو عينُ صراط نبيِّهم ﷺ ، وهم الذين أنعم الله عليهم، وغضب على أعدائهم وحكم لهم بالضّلال. قال أبو العالية رُفَيعٌ (٤) الرِّياحيُّ والحسن البصريُّ ﵄ وهما من أجلِّ التابعين: الصِّراط المستقيم: رسول الله ﷺ وصاحباه (٥).

стр. 237

وقال أبو العالية أيضًا في قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾: هم آل رسول الله ﷺ وأبو بكرٍ وعمر ﵄ (١). وهذا حقٌّ، فإنّ آله وأبا بكرٍ وعمر على طريقٍ واحدةٍ، ولا خلاف بينهم. وموالاةُ بعضهم بعضًا، وثناؤه عليه (٢)، ومحاربةُ من حاربه، ومسالمةُ من سالمه= معلومةٌ عند الأمّة خاصِّها وعامِّها. وقال زيد بن أسلم: الذين أنعم عليهم هم رسول الله ﷺ وأبو بكرٍ وعمر ﵄ (٣). ولا ريب أنّ المنعَم عليهم هم أتباعه، والمغضوب عليهم هم الخارجون عن اتِّباعه. وأتبَعُ الأمّة له وأطوَعُهم أصحابه وأهل بيته، وأتبَعُ الصّحابةِ له السَّمع والبصَر: أبو بكرٍ وعمر. وأشدُّ الأمّة مخالفةً له هم الرّافضة، فخلافُهم له معلومٌ عند جميع فِرَق الأمّة. ولهذا يُبغضون السُّنّة وأهلها، ويعادونها ويعادون أهلها. فهم أعداءُ سنّتِه وأهلِ بيته وأصحابه بالذات. فميراثُهم من أمَّتَي الغضب والضلال أتمُّ ميراث. وميراثُ أصحابه وأهل بيته (٤) وأتباعهم من نبيِّهم أكملُ ميراث، بل هم ورثته حقًّا. فقد تبيَّن أنّ الصِّراط المستقيم طريق أصحابه وأتباعه، وطريقُ أهل الغضب والضّلال طريقُ الرّافضة. وبهذه الطّريق بعينها يُرَدُّ على الخوارج، فإنَّ معاداتَهم للصَّحابة معروفةٌ.

стр. 238

فصل وسرُّ الخلق والكتُب والأمر والنهي والشّرائع (١) والثّواب والعقاب انتهى إلى هاتين الكلمتين. وعليهما مدار العبوديّة والتّوحيد، حتّى قيل: أنزل الله مائة كتابٍ وأربعة كتبٍ، جمع معانيها في التّوراة والإنجيل والقرآن (٢)، وجمع معانيَ هذه الكتب الثّلاثة في القرآن، وجمع معانيَ القرآن في المفصَّل، ومعانيَ المفصّل في الفاتحة، ومعانيَ الفاتحة في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٣). وهما الكلمتان المقسومتان بين الرَّبِّ وبين عبده نصفين، فنصفها (٤) له تعالى وهو ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، ونصفها لعبده وهو ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. وسيأتي سرُّ هذا ومعناه إن شاء الله في موضعه. و العبادة تجمع أصلين: غايةَ الحبِّ بغاية الذُّلِّ والخضوع. والعرب

стр. 239

تقول: طريقٌ معبَّدٌ أي مذلَّلٌ، والتّعبُّد: التّذلُّل والخضوع. فمن أحببتَه ولم تكن خاضعًا له لم تكن عابدًا له. ومن خضعتَ له بلا محبّةٍ لم تكن عابدًا له حتّى تكون محبًّا خاضعًا. ومن هاهنا كان المنكرون محبّةَ العباد لربِّهم منكرين حقيقة العبوديّة، والمنكرون (١) لكونه محبوبًا لهم، بل هو غايةُ مطلوبهم، ووجهُه الأعلى نهايةُ بغيتهم= منكرين لكونه إلهًا. وإن أقرُّوا بكونه ربًّا للعالمين وخالقًا لهم، فهذا غاية توحيدهم (٢)، وهو توحيد الرُّبوبيّة الذي اعترف به مشركو العرب، ولم يخرجوا به من الشِّرك، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] (٣)، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٥]. ولهذا يحتجُّ عليهم به على توحيد إلهيّته، وأنّه لا ينبغي أن يُعبد غيرُه، كما أنّه لا خالقَ غيرُه ولا ربَّ سواه. و الاستعانة تجمع أصلين: الثِّقة بالله، والاعتماد على الله؛ فإنّ العبد قد يثق بالواحد من النّاس ولا يعتمد عليه في أموره مع ثقته به، لاستغنائه عنه. وقد يعتمد عليه مع عدم ثقته به، لحاجته إليه ولعدم من يقوم مقامه، فيحتاج إلى اعتماده عليه مع أنّه غير واثقٍ به. والتّوكُّل معنًى يلتئم من الأصلين: من الثِّقة، والاعتماد. وهو حقيقة ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.

стр. 240

وهذان الأصلان ــ وهما التّوكُّل والعبادة ــ قد ذُكِرا في القرآن في عدَّة مواضع، قُرِنَ بينهما فيها، هذا أحدها. الثّاني: قول شعيبٍ ﵇: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨]. الثّالث: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]. الرّابع: قوله تعالى حكايةً عن المؤمنين: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ﴾ [الممتحنة: ٤]. الخامس: قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٨ - ٩]. السّادس: قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ [الرعد: ٣٠]. فهذه ستّة مواضع (١) يجمع فيها بين الأصلين، وهما ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. وتقديم "العبادة" على "الاستعانة" في الفاتحة من باب تقديم الغايات على الوسائل، إذ العبادة غايةُ العباد التي خُلِقوا لها، والاستعانةُ وسيلةٌ إليها.

стр. 241

- ولأنّ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ متعلِّقٌ بألوهيّته واسمه "الله" و ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ متعلِّقٌ بربوبيّته واسمه "الرّبِّ"، فقدَّم ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ على ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ كما تقدَّم اسم "الله" على "الرّبِّ" في أوّل السورة. - ولأنّ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ قِسْمُ الرّبِّ، فكان من الشّطر الأوّل الذي هو ثناءٌ على الرَّبِّ تعالى لكونه أولى به، و ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قِسْمُ العبد، فكان مع (١) الشّطر الذي له، وهو ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ إلى آخر السُّورة. - ولأنّ العبادة المطلقة تتضمّن الاستعانة من غير عكسٍ. فكلُّ عابدٍ لله عبوديّةً تامّةً مستعينٌ به، ولا ينعكس لأنّ صاحب الأغراض والشّهوات قد يستعين به على شهواته. فكانت العبادة أكمل وأتمّ (٢)، ولهذا كانت قِسْمَ الرَّبِّ تعالى. - ولأنّ الاستعانة جزءٌ من العبادة من غيرٍ عكسٍ. - ولأنّ الاستعانة طلبٌ منه، والعبادة طلبٌ لهُ. - ولأنّ العبادة لا تكون إلّا من مخلصٍ، والاستعانة تكون من مخلصٍ وغير (٣) مخلصٍ. - ولأنّ العبادةَ حقُّه الذي أوجبه عليك، والاستعانة طلبُ العون، وهو صدقته التي تصدّقَ بها عليك. وأداءُ حقِّه أهمُّ من التّعرُّض لصدقته.

стр. 242

- ولأنّ العبادة شكرُ نعمته عليك، والله يحبُّ أن يُشْكَر؛ والإعانةُ فعلُه بك "وتوفيقُه لك. فإذا التزمتَ عبوديّته، ودخلتَ تحت رقِّها أعانك عليها. فكان التزامُها والدُّخولُ تحت رقِّها سببًا لنيل الإعانة. وكلَّما كان العبد أتمَّ عبوديّةً كانت إعانة الله له أعظم. والعبوديّةُ محفوفةٌ بإعانتين: إعانةٍ قبلها على التزامها والقيام بها، وإعانةٍ بعدها على عبوديّةٍ أخرى. وهكذا أبدًا، حتّى يقضي العبد نحبه. - ولأنّ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ له، و ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ به. وما له مقدَّمٌ على ما به، لأنّ ما له متعلِّقٌ بمحبّته ورضاه، وما به متعلِّقٌ بمشيئته. وما تعلَّق بمحبّته أكملُ ممّا تعلَّق بمجرَّد مشيئته. فإنَّ الكونَ كلَّه متعلِّقٌ بمشيئته: الملائكةُ (١) والشّياطينُ، والمؤمنون والكفّار، والطّاعاتُ والمعاصي. والمتعلِّقُ بمحبّته طاعاتُهم وإيمانُهم. والكفَّارُ (٢) أهل مشيئته، والمؤمنون أهل محبّته. ولهذا لا يستقرُّ في النّار شيءٌ لله (٣) أبدًا، وكلُّ ما فيها فإنَّه به وبمشيئته. فهذه الأسرار يتبيّن بها حكمة تقديم ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ على ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. وأمّا تقديم المعبود والمستعان على الفعلين، ففيه أدبُهم مع الله بتقديم اسمه على فعلهم. وفيه الاهتمام وشدّة العناية به. وفيه الإيذان بالاختصاص المسمَّى بالحصر، فهو في قوّة "لا نعبد إلّا إيّاك، ولا نستعين إلّا بك".

стр. 243

والحاكمُ في ذلك ذوقُ العربيّة، والفقهُ فيها، واستقراءُ موارد استعمال ذلك مقدَّمًا. وسيبويه نصَّ على الاهتمام، ولم ينفِ غيره (١). ولأنّه يقبح من القائل أن يُعتِق عشرةَ أعبد مثلًا، ثمّ يقول لأحدهم: إيّاك أعتقتُ (٢). ومن سمعه أنكر ذلك وقال: وغيرَه أيضًا أعتقتَ. ولولا فهمُ الاختصاصِ لما قبُح هذا الكلام، ولا حسُن إنكاره. وتأمَّلْ قوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠]، ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ [البقرة: ٤١] كيف تجده في قوّة "لا ترهبوا غيري"، و"لا تتّقوا سواي". وكذلك ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ هو في قوّة "لا نعبد غيرك، ولا نستعين بسواك". وكلُّ ذي ذوقٍ سليمٍ يفهم هذا الاختصاص من هذا السِّياق. ولا عبرة بجدل من قلَّ فقهُه، وفُتِحَ عليه بابُ الشّكِّ والتّشكيك، فهؤلاء هم آفة العلوم وبليّة الأذهان والفهوم. مع أنّ في ضمير "إيّاك" من الإشارة إلى نفس الذّات والحقيقة ما ليس في الضّمير المتّصل. ففي: "إيّاك قصدتُ وأحببتُ" من الدِّلالة على معنى "حقيقتُك وذاتُك قصدي" ما ليس في قولك: قصدتُك، وأحببتُك. و"إيّاك أعني" فيه معنى "نفسَك وذاتَك (٣) وحقيقتَك أعني".

стр. 244

ومن هاهنا قال من قال من النُّحاة: إنّ "إيّا" اسمٌ ظاهرٌ مضافٌ إلى الضّمير المتّصل (١)، ولم يُردَّ عليه بردٍّ شافٍ. ولولا أنّا في شأنٍ وراء هذا لأشبعنا الكلام في هذه المسألة، وذكرنا مذاهب النُّحاة فيها، ونصرنا الرّاجح. ولعلَّ أن نعطِفَ على ذلك بعون الله. وفي إعادة "إيّاك" مرّةً أخرى دلالةٌ على تعلُّق هذه الأمور بكلِّ واحدٍ من الفعلين، ففي إعادة الضّمير من قوّة الاقتضاء لذلك ما ليس في حذفه. فإذا قلت لملكٍ مثلًا: إيّاك أحبُّ، وإيّاك أخاف، كان فيه من اختصاص الحبِّ والخوف بذاته والاهتمام بذكره ما ليس في قولك: إيّاك أحبُّ وأخاف. فصل إذا عُرِف هذا، فالنّاس في هذين الأصلين ــ وهما العبادة والاستعانة ــ أربعة أقسامٍ: أجلُّها وأفضلها: أهل العبادة والاستعانة بالله عليها، فعبادة الله غاية مرادهم، وطلبُهم منه أن يعينهم عليها ويوفِّقهم للقيام بها. ولهذا كان من أفضل ما يُسأل الرّبُّ ﵎ الإعانة على مرضاته. وهو الذي علَّمه النّبيُّ ﷺ لحِبِّه معاذ بن جبلٍ، فقال: "يا معاذ، والله إنِّي أحبُّك (٢)، فلا تنسَ أن تقول في دبر كلِّ صلاةٍ: اللهمّ أعنِّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" (٣).

стр. 245

فأنفعُ الدُّعاء طلبُ العون على مرضاته، وأفضلُ المواهب إسعافُه بهذا المطلوب. وجميع الأدعية المأثورة مدارها على هذا، وعلى دفع ما يضادُّه، وعلى تكميله وتيسير أسبابه، فتأمّلها. وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵁: تأمّلتُ أنفعَ الدُّعاء، فإذا هو سؤالُ الله العَون (١) على مرضاته. ثمّ رأيته في الفاتحة في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. ويقابل هؤلاء القسم الثّاني، وهم المعرضون عن عبادته والاستعانة به، فلا عبادة ولا استعانة. بل إن سأله أحدهم واستعان به فعلى حظوظه وشهواته، لا على مرضاة ربِّه وحقوقه. فإنّه سبحانه يسأله من في السّماوات والأرض، يسأله أولياؤه وأعداؤه ويُمِدُّ هؤلاء وهؤلاء. وأبغضُ خلقِه إليه (٢) عدوُّه إبليس لعنه الله، ومع هذا فسأله حاجةً فأعطاه إيّاها ومتَّعه بها. ولكن لمّا لم يكن عونًا له على مرضاته كانت زيادةً في شقاوته وبعده من الله تعالى وطرده عنه. وهكذا كلُّ من استعان به على أمرٍ أو سأله (٣) إيّاه، ولم يكن عونًا على طاعته، كان مُبعدًا له عن مرضاته قاطعًا له عنه ولا بدّ. فليتأمَّل العاقل هذا في نفسه وفي غيره، وليعلم أنّ إجابة الله لسائليه ليست

стр. 246

لكرامة كلِّ سائلٍ عليه. بل يسأله عبدُه الحاجةَ فيقضيها له، وفيها هلاكه وشقوته، ويكون قضاؤها له من هوانه عليه وسقوطه من عينه. ويكون منعُه منها لكرامته عليه ومحبّته له، فيمنعه حمايةً وصيانةً وحفظًا لا بخلًا. وهذا إنّما يفعله بعبده الذي يريد كرامته ومحبّته (١)، ويعامله بلطفه، فيظنُّ بجهله أنّ ربَّه لا يجيبه (٢) ولا يكرمه. ويراه يقضي حوائج غيره، فيسيء ظنَّه بربِّه. وهذا حَشْوُ قلبه ولا يشعر به، والمعصوم من عصمه الله، والإنسان على نفسه بصيرةٌ. وعلامةُ هذا حملُه على الأقدار وعتابُه الباطن لها، كما قيل: وعاجزُ الرّأي مِضياعٌ لفرصته ... حتّى إذا فات أمرٌ عاتبَ القدَرا (٣) فوالله لو كُشِف عن حاصله وسرِّه لرأى هناك معاتبة القدر واتِّهامه، وأنّه قد كان ينبغي أن يكون كذا وكذا، ولكن ما حيلتي، والأمر ليس إليّ؟ والعاقلُ خصمُ نفسه، والجاهلُ خصمُ أقدار ربِّه. فاحذر كلَّ الحذر أن تسأل شيئًا معيّنًا (٤) خيرتُه وعاقبتُه مغيّبةٌ عنك. وإذا لم تجد من سؤاله بدًّا، فعلِّقه على شرط علمِه تعالى فيه الخيرةَ، وقدِّم بين

стр. 247

يدي سؤالك (١) الاستخارة، ولا تكن (٢) استخارةً باللِّسان بلا معرفةٍ، بل استخارةَ من لا علمَ له بمصالحه، ولا قدرةَ له عليها، ولا اهتداءَ له إلى تفاصيلها، ولا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا (٣)؛ بل إن وُكِل إلى نفسه هلَك كلَّ الهلاك، وانفرط عليه أمرُه. وإذا أعطاك ما أعطاك بلا سؤالٍ فسَلْه أن يجعله عونًا على طاعته، وبلاغًا إلى مرضاته، ولا يجعله قاطعًا لك عنه، ولا مبعدًا عن مرضاته. ولا تظنُّ أنّ عطاءه (٤) كلَّ ما أعطى لكرامة عبده عليه، ولا منعَه كلَّ ما يمنعه لهوان عبده عليه. ولكن عطاؤه ومنعُه ابتلاءٌ وامتحانٌ يمتحن بهما عباده. قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا﴾ [الفجر: ١٥ - ١٧]. أي ليس كلُّ من أعطيتُه ونعَّمتُه وخوَّلتُه فقد أكرمتُه. وما ذاك لكرامته عليّ، ولكنّه ابتلاءٌ منِّي وامتحانٌ له: أيشكرني فأعطيه فوق ذلك، أم يكفرني فأسلبه إيّاه، وأخوِّله (٥) غيرَه! وليس كلُّ من ابتليته فضيّقتُ عليه رزقَه، وجعلتُه بقدرٍ لا يفضُل عنه، فذلك من هوانه عليّ؛ ولكنّه ابتلاءٌ وامتحانٌ منِّي له: أيصبر فأعطيه أضعاف أضعاف ما فاته من سعة الرِّزق، أم يتسخَّط فيكون حظُّه السُّخط!

стр. 248

فردَّ الله سبحانه على من ظنَّ أنّ سعةَ الرِّزق إكرامٌ، وأنّ الفقر إهانةٌ، فقال: لم أبتلِ عبدي بالغنى لكرامته عليّ، ولم أبتلِه بالفقر لهوانه عليّ. فأخبر أنّ الإكرام والإهانة لا يدوران (١) على المال وسعة الرِّزق وتقديره، فإنّه يوسِّع على الكافر لا لكرامته، ويقتِّر على المؤمن لا لإهانته له، إنّما يُكرم مَن يُكرمه بمعرفته ومحبّته وطاعته، ويهين مَن يهينه بالإعراض عنه ومعصيته. فله الحمد على هذا وعلى هذا، وهو الغنيُّ الحميد. فعادت سعادة الدُّنيا والآخرة إلى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. فصل القسم الثّالث: من له نوع عبادةٍ بلا استعانةٍ، وهؤلاء نوعان: أحدهما: القدريّة القائلون بأنّه قد فعَل بالعبد جميعَ مقدوره من الألطاف، وأنّه لم يبق في مقدوره إعانةٌ له على الفعل. فإنّه قد أعانه بخلق الآلات وسلامتها، وتعريف الطّريق، وإرسال الرَّسول، وتمكينه من الفعل؛ فلم يبق بعد هذا إعانةٌ مقدورةٌ يسأله إيّاها. بل قد ساوى بين أوليائه وأعدائه في الإعانة، فأعان هؤلاء كما أعان هؤلاء؛ ولكن أولياؤه اختاروا لأنفسهم الإيمان، وأعداؤه اختاروا لنفوسهم (٢) الكفر، من غير أن يكون الله سبحانه وفَّقَ هؤلاء بتوفيقٍ زائدٍ أوجبَ لهم الإيمان، وخذَلَ هؤلاء بأمرٍ آخر أوجبَ لهم الكفر. فعُبَّادُ هؤلاء لهم نصيبٌ منقوصٌ من العبادة، لا استعانة معه، فهم موكولون إلى أنفسهم، مسدودٌ عليهم طريقُ الاستعانة والتّوحيد.

стр. 249

قال ابن عبّاسٍ ﵄: الإيمانُ بالقدر نظامُ التّوحيد، فمن آمن بالله وكذَّب بقدَره نقَضَ تكذيبُه توحيدَه (١). النّوع الثّاني: من لهم عباداتٌ وأورادٌ، ولكن حظُّهم ناقصٌ من التّوكُّل والاستعانة. لم تتّسع قلوبهم لارتباط الأسباب بالقدر، وتلاشيها في طيِّه، وقيامها به، وأنّها بدون القدر كالمَوَات الذي لا تأثير له، بل كالعدم الذي لا وجود له، وأنَّ القدَر كالرُّوح المحرِّك لها، والمعوَّلُ على المحرِّك الأوّل. فلم تنفذ قوى بصائرهم من المتحرِّك إلى المحرِّك، ومن السَّبب إلى المسبِّب، ومن الآلة إلى الفاعل. فضعفت عزائمُهم، وقصرت هممُهم، فقلَّ نصيبُهم من ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، ولم يجدوا ذوق التّعبد بالتّوكُّل والاستعانة، وإن وجدوا ذوقَه بالأوراد والوظائف. فهؤلاء لهم نصيبٌ من التّوفيق والنُّفوذ والتّأثير بحسب استعانتهم وتوكُّلهم، ولهم من الخذلان والضّعف والمهانة والعجز بحسب قلَّة استعانتهم وتوكُّلهم. ولو توكَّل العبد على الله حقَّ توكُّله في إزالة جبلٍ عن مكانه وكان مأمورًا بإزالته لأزاله. فإن قلت: فما معنى التّوكُّل والاستعانة؟ قلت: هو حالٌ للقلب ينشأ عن معرفته بالله تعالى، وتفرُّدِه بالخلق

стр. 250

والتّدبير، والضَّرِّ والنّفع، والعطاء والمنع، وأنّه ما شاء كان وإن لم يشأ النّاس، وما لم يشأ لم يكن وإن شاءه النّاس. فيوجِبُ له هذا اعتمادًا عليه، وتفويضًا إليه، وطمأنينةً به، وثقةً به، وتيقُّنًا بكفايته لما توكّلَ (١) عليه فيه، وأنّه مليٌّ به، ولا يكون إلّا بمشيئته، شاءه النّاس أو أبوه. فتشبه (٢) حالتُه حالةَ الطِّفل مع أبويه فيما ينوبه من رغبةٍ ورهبةٍ هما مليّان بهما. فانظر في تجرُّد قلبه عن الالتفات إلى غير أبويه، وحبسِه (٣) همَّه على إنزال ما ينوبه بهما؛ فهذه حال المتوكِّل. ومن كان هكذا مع الله، فالله كافيه ولا بدّ. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] أي كافيه. والحَسْب: الكافي. فإن كان مع هذا من أهل التّقوى كانت له العاقبة الحميدة. وإن لم يكن من أهل التّقوى فهو: القسم الرّابع: وهو من شهد تفرُّدَ الله بالضَّرِّ والنَّفع، وأنّه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولم يدُرْ مع ما يحبُّه ويرضاه، فتوكّل عليه، واستعان به على حظوظه وشهواته وأغراضه، وطَلبَها منه، وأنزلها به، فقُضِيت له، وأُسْعِفَ بها؛ ولكن لا عاقبة له، سواءٌ كانت أموالًا أو رياسات وجاهًا عند الخلق، أو أحوالًا من كشفٍ وتأثيرٍ وقوّةٍ وتمكينٍ، فإنّها من جنس المُلك الظّاهر والأموال، لا تستلزم الإسلام، فضلًا عن الولاية والقرب من الله؛ فإنّ الملك (٤) والمال
следующие страницы →