لكرامة كلِّ سائلٍ عليه. بل يسأله عبدُه الحاجةَ فيقضيها له، وفيها هلاكه وشقوته، ويكون قضاؤها له من هوانه عليه وسقوطه من عينه. ويكون منعُه منها لكرامته عليه ومحبّته له، فيمنعه حمايةً وصيانةً وحفظًا لا بخلًا. وهذا إنّما يفعله بعبده الذي يريد كرامته ومحبّته (١)، ويعامله بلطفه، فيظنُّ بجهله أنّ ربَّه لا يجيبه (٢) ولا يكرمه. ويراه يقضي حوائج غيره، فيسيء ظنَّه بربِّه. وهذا حَشْوُ قلبه ولا يشعر به، والمعصوم من عصمه الله، والإنسان على نفسه بصيرةٌ. وعلامةُ هذا حملُه على الأقدار وعتابُه الباطن لها، كما قيل:
وعاجزُ الرّأي مِضياعٌ لفرصته ... حتّى إذا فات أمرٌ عاتبَ القدَرا (٣)
فوالله لو كُشِف عن حاصله وسرِّه لرأى هناك معاتبة القدر واتِّهامه، وأنّه قد كان ينبغي أن يكون كذا وكذا، ولكن ما حيلتي، والأمر ليس إليّ؟ والعاقلُ خصمُ نفسه، والجاهلُ خصمُ أقدار ربِّه.
فاحذر كلَّ الحذر أن تسأل شيئًا معيّنًا (٤) خيرتُه وعاقبتُه مغيّبةٌ عنك. وإذا لم تجد من سؤاله بدًّا، فعلِّقه على شرط علمِه تعالى فيه الخيرةَ، وقدِّم بين
стр. 247
يدي سؤالك (١) الاستخارة، ولا تكن (٢) استخارةً باللِّسان بلا معرفةٍ، بل استخارةَ من لا علمَ له بمصالحه، ولا قدرةَ له عليها، ولا اهتداءَ له إلى تفاصيلها، ولا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا (٣)؛ بل إن وُكِل إلى نفسه هلَك كلَّ الهلاك، وانفرط عليه أمرُه.
وإذا أعطاك ما أعطاك بلا سؤالٍ فسَلْه أن يجعله عونًا على طاعته، وبلاغًا إلى مرضاته، ولا يجعله قاطعًا لك عنه، ولا مبعدًا عن مرضاته. ولا تظنُّ أنّ عطاءه (٤) كلَّ ما أعطى لكرامة عبده عليه، ولا منعَه كلَّ ما يمنعه لهوان عبده عليه. ولكن عطاؤه ومنعُه ابتلاءٌ وامتحانٌ يمتحن بهما عباده.
قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا﴾ [الفجر: ١٥ - ١٧]. أي ليس كلُّ من أعطيتُه ونعَّمتُه وخوَّلتُه فقد أكرمتُه. وما ذاك لكرامته عليّ، ولكنّه ابتلاءٌ منِّي وامتحانٌ له: أيشكرني فأعطيه فوق ذلك، أم يكفرني فأسلبه إيّاه، وأخوِّله (٥) غيرَه! وليس كلُّ من ابتليته فضيّقتُ عليه رزقَه، وجعلتُه بقدرٍ لا يفضُل عنه، فذلك من هوانه عليّ؛ ولكنّه ابتلاءٌ وامتحانٌ منِّي له: أيصبر فأعطيه أضعاف أضعاف ما فاته من سعة الرِّزق، أم يتسخَّط فيكون حظُّه السُّخط!
стр. 248
فردَّ الله سبحانه على من ظنَّ أنّ سعةَ الرِّزق إكرامٌ، وأنّ الفقر إهانةٌ، فقال: لم أبتلِ عبدي بالغنى لكرامته عليّ، ولم أبتلِه بالفقر لهوانه عليّ. فأخبر أنّ الإكرام والإهانة لا يدوران (١) على المال وسعة الرِّزق وتقديره، فإنّه يوسِّع على الكافر لا لكرامته، ويقتِّر على المؤمن لا لإهانته له، إنّما يُكرم مَن يُكرمه بمعرفته ومحبّته وطاعته، ويهين مَن يهينه بالإعراض عنه ومعصيته. فله الحمد على هذا وعلى هذا، وهو الغنيُّ الحميد.
فعادت سعادة الدُّنيا والآخرة إلى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.
فصل
القسم الثّالث: من له نوع عبادةٍ بلا استعانةٍ، وهؤلاء نوعان:
أحدهما: القدريّة القائلون بأنّه قد فعَل بالعبد جميعَ مقدوره من الألطاف، وأنّه لم يبق في مقدوره إعانةٌ له على الفعل. فإنّه قد أعانه بخلق الآلات وسلامتها، وتعريف الطّريق، وإرسال الرَّسول، وتمكينه من الفعل؛ فلم يبق بعد هذا إعانةٌ مقدورةٌ يسأله إيّاها. بل قد ساوى بين أوليائه وأعدائه في الإعانة، فأعان هؤلاء كما أعان هؤلاء؛ ولكن أولياؤه اختاروا لأنفسهم الإيمان، وأعداؤه اختاروا لنفوسهم (٢) الكفر، من غير أن يكون الله سبحانه وفَّقَ هؤلاء بتوفيقٍ زائدٍ أوجبَ لهم الإيمان، وخذَلَ هؤلاء بأمرٍ آخر أوجبَ لهم الكفر. فعُبَّادُ هؤلاء لهم نصيبٌ منقوصٌ من العبادة، لا استعانة معه، فهم موكولون إلى أنفسهم، مسدودٌ عليهم طريقُ الاستعانة والتّوحيد.
стр. 249
قال ابن عبّاسٍ ﵄: الإيمانُ بالقدر نظامُ التّوحيد، فمن آمن بالله وكذَّب بقدَره نقَضَ تكذيبُه توحيدَه (١).
النّوع الثّاني: من لهم عباداتٌ وأورادٌ، ولكن حظُّهم ناقصٌ من التّوكُّل والاستعانة. لم تتّسع قلوبهم لارتباط الأسباب بالقدر، وتلاشيها في طيِّه، وقيامها به، وأنّها بدون القدر كالمَوَات الذي لا تأثير له، بل كالعدم الذي لا وجود له، وأنَّ القدَر كالرُّوح المحرِّك لها، والمعوَّلُ على المحرِّك الأوّل. فلم تنفذ قوى بصائرهم من المتحرِّك إلى المحرِّك، ومن السَّبب إلى المسبِّب، ومن الآلة إلى الفاعل. فضعفت عزائمُهم، وقصرت هممُهم، فقلَّ نصيبُهم من ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، ولم يجدوا ذوق التّعبد بالتّوكُّل والاستعانة، وإن وجدوا ذوقَه بالأوراد والوظائف.
فهؤلاء لهم نصيبٌ من التّوفيق والنُّفوذ والتّأثير بحسب استعانتهم وتوكُّلهم، ولهم من الخذلان والضّعف والمهانة والعجز بحسب قلَّة استعانتهم وتوكُّلهم. ولو توكَّل العبد على الله حقَّ توكُّله في إزالة جبلٍ عن مكانه وكان مأمورًا بإزالته لأزاله.
فإن قلت: فما معنى التّوكُّل والاستعانة؟
قلت: هو حالٌ للقلب ينشأ عن معرفته بالله تعالى، وتفرُّدِه بالخلق
стр. 250
والتّدبير، والضَّرِّ والنّفع، والعطاء والمنع، وأنّه ما شاء كان وإن لم يشأ النّاس، وما لم يشأ لم يكن وإن شاءه النّاس. فيوجِبُ له هذا اعتمادًا عليه، وتفويضًا إليه، وطمأنينةً به، وثقةً به، وتيقُّنًا بكفايته لما توكّلَ (١) عليه فيه، وأنّه مليٌّ به، ولا يكون إلّا بمشيئته، شاءه النّاس أو أبوه. فتشبه (٢) حالتُه حالةَ الطِّفل مع أبويه فيما ينوبه من رغبةٍ ورهبةٍ هما مليّان بهما. فانظر في تجرُّد قلبه عن الالتفات إلى غير أبويه، وحبسِه (٣) همَّه على إنزال ما ينوبه بهما؛ فهذه حال المتوكِّل.
ومن كان هكذا مع الله، فالله كافيه ولا بدّ. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] أي كافيه. والحَسْب: الكافي. فإن كان مع هذا من أهل التّقوى كانت له العاقبة الحميدة. وإن لم يكن من أهل التّقوى فهو:
القسم الرّابع: وهو من شهد تفرُّدَ الله بالضَّرِّ والنَّفع، وأنّه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولم يدُرْ مع ما يحبُّه ويرضاه، فتوكّل عليه، واستعان به على حظوظه وشهواته وأغراضه، وطَلبَها منه، وأنزلها به، فقُضِيت له، وأُسْعِفَ بها؛ ولكن لا عاقبة له، سواءٌ كانت أموالًا أو رياسات وجاهًا عند الخلق، أو أحوالًا من كشفٍ وتأثيرٍ وقوّةٍ وتمكينٍ، فإنّها من جنس المُلك الظّاهر والأموال، لا تستلزم الإسلام، فضلًا عن الولاية والقرب من الله؛ فإنّ الملك (٤) والمال
стр. 251
والحال (١) يُعطاه البَرُّ والفاجر والمؤمن والكافر. فمن استدلَّ بشيءٍ من ذلك على محبّة الله لمن آتاه إيّاه ورضاه عنه وأنّه من أوليائه المقرَّبين، فهو من أجهلِ الجاهلين، وأبعدِهم معرفةً بالله ودينه، والتّمييز بين ما يحبُّه ويرضاه ويكرهه ويسخطه. فالحال (٢) من الدُّنيا ــ وهو كالملك والمال ــ إن أعانه على طاعة الله ومرضاته وتنفيذ أوامره ألحَقَه بالملوك العادلين البررة، وإلّا فهو وبالٌ على صاحبه، ومُبْعِدٌ له عن الله تعالى، ومُلْحِقٌ له بالملوك الظّلمة والأغنياء الفجرة.
فصل
إذا عُرِف هذا فلا يكون العبد متحقِّقًا بـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ إلّا بأصلين عظيمين: أحدهما: متابعة الرّسول. والثّاني: الإخلاص للمعبود. فهذا تحقيق ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾.
والنّاس منقسمون بحسب هذين الأصلين أيضًا إلى أربعة أقسامٍ:
أحدها: أهل الإخلاص للمعبود (٣) والمتابعة. وهم أهل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ حقيقةً، فأعمالُهم كلُّها لله، وأقوالُهم لله، وعطاؤهم لله، ومنعُهم لله، وحبُّهم لله، وبغضُهم لله. فمعاملتُهم ظاهرًا وباطنًا لوجه الله وحده، لا يريدون بذلك جزاءً من النّاس ولا شكورًا، ولا ابتغاءَ الجاه عندهم، ولا طلبَ المحمدة
стр. 252
والمنزلة في قلوبهم، ولا هربًا من ذمِّهم. بل قد عدُّوا (١) النّاسَ كأصحابَ القبور (٢)، لا يملكون (٣) لهم ضرًّا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا. فالعملُ لأجل هؤلاء وابتغاء الجاه والمنزلة عندهم، ورجاؤهم (٤) للضَّرِّ والنّفع منهم، لا يكون من عارفٍ بهم البتّة، بل من جاهلٍ بشأنهم وجاهلٍ بربِّه.
فمَن عرف النّاس أنزلهم منازلهم، ومَن عرف الله أخلص له أعماله وأقواله وعطاءه ومنعه وحبّه وبغضه. ولا يعامل أحدٌ الخلقَ دون الله إلّا لجهله بالله وجهله بالخلق، وإلّا فإذا عرَف الله وعرَف النّاس آثرَ معاملةَ الله على معاملتهم. وكذلك أعمالُهم كلُّها وعباداتهم موافقةٌ لأمر الله ولما يحبُّه ويرضاه. وهذا هو العمل الذي لا يقبل الله من عاملٍ سواه. وهو الذي بَلَا عبادَه بالموت والحياة لأجله. قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (٥) [الملك: ٢]. وجعل ما على الأرض زينةً لها ليختبرهم (٦) أيُّهم أحسن عملًا. قال الفضيل بن عياضٍ ﵁: هو أخلَصُه وأصوَبُه. قالوا: يا أبا عليٍّ ما أخلَصُه وأصوَبُه؟ قال: إنّ العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبَل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقبَل، حتّى يكون خالصًا
стр. 253
صوابًا. فالخالص: أن يكون لله. والصّواب: أن يكون (١) على السُّنّة (٢).
وهذا هو المذكور في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، وفي قوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء: ١٢٥]. فلا يقبل الله من العمل إلّا ما كان خالصًا لوجهه، على متابعة أمره. وما عدا ذلك فمردودٌ (٣) على عامله، يعود أحوجَ ما هو إليه هباءً منثورًا. وفي "الصّحيح" (٤) عن النّبيِّ ﷺ : "كلُّ عملٍ ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ". وكلُّ عملٍ بلا اقتداءٍ فإنّه لا يزيد عاملَه من الله إلّا بعدًا، فإنّ الله تعالى إنّما يُعبَد بأمره، لا بالآراء والأهواء.
فصل
الضّرب الثّاني: من لا إخلاص له ولا متابعة. فليس عمله موافقًا للشرع، ولا هو خالصٌ للمعبود، كأعمال المتزيِّنين للنّاس المرائين لهم بما لم يشرعه الله ورسوله. وهؤلاء (٥) شرار الخلق، وأمقَتُهم إلى الله . ولهم أوفر نصيبٍ من قوله: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
стр. 254
[آل عمران: ١٨٨]. يفرَحون بما أتَوا من البدعة والضّلالة والشِّرك، ويحبُّون أن يُحْمَدوا باتِّباع السُّنّة والإخلاص.
وهذا الضَّرب يكثر فيمن انحرف من المنتسبين إلى العلم والفقر والعبادة عن الصِّراط المستقيم، فإنّهم يرتكبون البدعَ والضَّلالات والرِّياء والسُّمعة، ويحبُّون أن يُحْمَدوا بما لم يفعلوه من الاتِّباع والإخلاص والعلم، فهم أهل الغضب والضّلال.
الضّرب الثّالث: مَن هو مخلصٌ في أعماله، لكنَّها (١) على غير متابعة الأمر، كجُهَّال العُبَّاد والمنتسبين إلى طريق الزُّهد والفقر. وكلُّ من عبد الله بغير أمره واعتقده قربةً إلى الله فهذه حاله، كمن يظنُّ أنَّ سماعَ المُكَاء والتّصدية قربةٌ، وأنّ الخلوة التي يترك فيها الجمعة والجماعة قربةٌ، وأنّ مواصلة صوم النّهار باللّيل قربةٌ، وأنَّ صيامَ يوم فطر النّاس كلِّهم قربةٌ، وأمثال ذلك.
الضّرب الرّابع: مَن أعمالُه على متابعة الأمر، لكنّها لغير الله تعالى، كطاعات المرائين، وكالرّجل يقاتل رياءً وحميّةً وشجاعةً وللمغنَم، ويحُجُّ ليقال، ويقرأ القرآن ليقال. فهؤلاء أعمالهم أعمالٌ صالحةٌ مأمورٌ بها، لكنّها غير خالصة، فلا تُقبَل. ﴿أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥] فكلُّ أحدٍ لم يؤمر إلّا بعبادة الله بما أَمَر، والإخلاص له في العبادة، وهم أهل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.
стр. 255
فصل
ثمّ أهل مقام ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ لهم في أفضل العبادة وأنفعها وأحقِّها بالإيثار والتّخصيص أربعة طرق، فهم في ذلك أربعة أصنافٍ:
الصِّنف الأوّل: عندهم أنفَعُ العبادات وأفضَلُها: أشقُّها على النُّفوس وأصعَبُها. قالوا: لأنّه أبعد الأشياء من هواها، وهو حقيقة التّعبُّد. قالوا: والأجر على قدر المشقّة. ورووا حديثًا لا أصل له: "أفضلُ الأعمال أحمَزُها" (١) أي أصعَبُها وأشقُّها.
وهؤلاء هم أهل المجاهدات والجَور على النُّفوس. قالوا: وإنّما تستقيم النُّفوس بذلك، إذ طبعُها الكسل والمهانة والإخلاد إلى الأرض، فلا تستقيم إلّا بركوب الأهوال وتحمُّل المشاقِّ.
الصِّنف الثّاني قالوا: أفضل العبادات وأنفعها: التّجرُّد، والزُّهد في الدُّنيا، والتّقلُّلُ منها غاية الإمكان، واطِّراحُ الاهتمام بها، وعدمُ الاكتراث بكلِّ ما هو منها. ثمّ هؤلاء قسمان:
فعوامُّهم ظنُّوا أنّ هذا غايةٌ، فشمَّروا إليه وعملوا عليه، ودعَوا النَّاس إليه، وقالوا: هو أفضل من درجة العلم والعبادة، فرأوا الزُّهد في الدُّنيا غاية كلِّ عبادةٍ ورأسَها.
стр. 256
وخواصُّهم رأوا هذا مقصودًا لغيره، وأنّ المقصودَ به عكوفُ القلب على الله تعالى، وجمعُ الهمّة عليه، وتفريغُ القلب لمحبّته، والإنابة إليه، والتّوكُّل عليه، والاشتغال بمرضاته. فرأوا أنَّ أفضلَ العبادات في الجمعيّة على الله تعالى ودوامِ ذكره بالقلب واللِّسان والاشتغالِ بمراقبته دونَ كلِّ ما فيه تفريقٌ للقلب وتشتيتٌ له.
ثمّ هؤلاء قسمان: فالعارفون المتَّبعون منهم إذا جاء الأمر والنّهي بادروا إليه، ولو فرَّقَهم وأذهبَ جمعيَّتَهم. والمنحرفون منهم يقولون: المقصودُ من العبادة جمعيَّةُ القلب على الله، فإذا جاء ما يفرِّقه عن الله لم يلتفت إليه، وربّما يقول:
يطالَبُ بالأوراد من كان غافلًا ... فكيف بقلبٍ كلُّ أوقاته وِرْدُ (١)
ثمّ هؤلاء أيضًا قسمان: منهم من يترك الواجبات والفرائض لجمعيّته. ومنهم من يقوم بها، ويترك السُّننَ والنّوافلَ وتعلُّمَ العلم النّافع لجمعيّته.
وسأل بعض هؤلاء شيخًا عارفًا، فقال: إذا أذَّن المؤذِّنُ وأنا في جمعيّتي على الله تعالى، فإن قمتُ وخرجتُ تفرَّقتُ، وإن بقيتُ على حالي بقيتُ على جمعيّتي؛ فما الأفضل في حقِّي؟ فقال: إذا أذّن المؤذِّن وأنت تحت العرش، فقُمْ، فأجِبْ داعي الله، ثمّ عُدْ إلى موضعك. وهذا لأنّ الجمعيّةَ على الله تعالى حظُّ الرُّوح والقلب، وإجابةَ الدّاعي حقُّ الرّبِّ. ومن آثر حظَّ روحه على حقِّ ربِّه، فليس من أهل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾.
стр. 257
الصِّنف (١) الثّالث: رأوا أنّ أفضل العبادات وأنفعها: ما كان فيه نفعٌ متعدٍّ، فرأوه أفضل من ذي النّفع القاصر. فرأوا خدمةَ الفقراء، والاشتغالَ بمصالح النّاس، وقضاءَ حوائجهم، ومساعدتَهم بالمال والجاه والنّفع= أفضَلَ. فتصدَّوا له، وعملوا عليه، واحتجُّوا بقول النّبيِّ ﷺ : "الخلقُ كلُّهم عيالُ الله. وأحبُّهم إلى الله أنفَعُهم لعياله" (٢).
واحتجُّوا بأنَّ عملَ العابد قاصرٌ على نفسه، وعمل النَّفَّاع متعدٍّ إلى الغير، وأين أحدهما من الآخر؟ قالوا: ولهذا كان فضلُ العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب (٣). وقد قال (٤) رسول الله ﷺ لعليِّ بن أبي طالبٍ ﵁: "لأن يهديَ الله بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من حمر النَّعم" (٥). وهذا التّفضيل للنّفع المتعدِّي. واحتجُّوا بقوله ﷺ : "من دعا إلى
стр. 258
هدًى كان له من الأجر مثل أجور من اتَّبعه (١)، من غير أن ينقص من أجورهم شيءٌ" (٢).
واحتجُّوا بقوله ﷺ : "إنّ الله وملائكته يصلُّون على معلِّمي الناس الخير" (٣)، وبقوله ﷺ "إنّ العالم ليستغفر له مَن في السّماوات ومن في الأرض، حتّى الحيتانُ في البحر، والنّملةُ في جُحْرها" (٤).
واحتجُّوا بأنّ صاحب العبادة إذا مات انقطع عمله، وصاحب النّفع لا ينقطع عمله، ما دام نفعه الذي تسبَّبَ إليه.
واحتجُّوا بأنّ الأنبياء ﵈ إنّما بُعثوا بالإحسان إلى الخلق وهدايتهم ونفعهم في معاشهم ومعادهم، لم يُبعَثوا بالخلوات والانقطاع عن النّاس والتّرهُّب. ولهذا أنكر النّبيُّ ﷺ على أولئك النّفر الذين همُّوا بالانقطاع للتّعبد وتركِ مخالطة النّاس. ورأى هؤلاء أنَّ التّفرُّقَ في أمر الله ونفعِ عباده والإحسانِ إليهم أفضَلُ من الجمعيَّةِ عليه بدون ذلك.
الصِّنف الرّابع قالوا: إنّ أفضلَ العبادة العملُ على مرضاة الرّبِّ تعالى في
стр. 259
كلِّ وقتٍ بما هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته. فأفضلُ العبادات في وقت الجهاد: الجهاد، وإن آل إلى ترك الأوراد من صلاة اللّيل وصيام النّهار، بل ومن (١) ترك إتمام صلاة الفرض كما في حالة الأمن (٢).
والأفضل (٣) في وقت حضور الضّيف مثلًا: القيامُ بحقِّه والاشتغال به عن الورد المستحبِّ. وكذلك في أداء حقِّ الزّوجة والأهل.
والأفضلُ في وقت استرشاد الطّالب وتعليم الجاهل: الإقبالُ على تعليمه والاشتغال به.
والأفضل (٤) في أوقات السّحر: الاشتغالُ بالصّلاة، والقرآن، والدُّعاء والذِّكر.
والأفضل في وقت الأذان: تركُ ما هو فيه من ورده، والاشتغالُ بإجابة المؤذِّن.
والأفضل في أوقات الصّلوات الخمس: الجِدُّ والنُّصح في إيقاعها على أكمل الوجوه، والمبادرةُ إليها في أوّل الوقت، والخروجُ إلى الجامع. وإن بعُدَ كان أفضل.
стр. 260
والأفضل في أوقات ضرورة المحتاج إلى المساعدة بالجاه أو البدن أو المال: الاشتغالُ بمساعدته، وإغاثة لهفته (١)، وإيثار ذلك على أورادك وخلوتك.
والأفضل في وقت قراءة القرآن: جمعيّةُ القلب والهمّة على تدبُّره وتفهُّمه، حتّى كأنّ الله تعالى يخاطبك به، فتجمَعُ قلبَك على فهمه وتدبُّره والعزم على تنفيذ أوامره أعظمَ من جمعيّةِ قلبِ مَن جاءه كتابٌ من السُّلطان على ذلك.
والأفضل في وقت الوقوف بعرفة: الاجتهادُ في التّضرُّع والدعاء والذكر دون الصَّوم المُضْعِف عن ذلك.
والأفضل في أيّام عشر ذي الحجّة: الإكثار من التّعبُّد، لاسيّما التّكبير والتهليل والتحميد، فهو أفضل من الجهاد غير المتعيِّن.
والأفضل في العشر الأخير من رمضان: لزومُ المسجد فيه، والخلوةُ والاعتكافُ دون التّصدِّي لمخالطة النّاس والاشتغال بهم، حتّى إنّه أفضل من الإقبال على تعليمهم العلمَ وإقرائهم القرآنَ عند كثيرٍ من العلماء.
والأفضل في وقت مرض أخيك المسلم أو موته: عيادتُه، وحضورُ جنازته وتشييعه، وتقديمُ ذلك على خلوتك وجمعيّتك.
والأفضل في وقت نزول النّوازل وأذى النّاس لك: أداءُ واجب الصّبر مع خلطتك لهم (٢)، دون الهرب منهم، فإنَّ المؤمنَ الذي يخالط النّاس ويصبر
стр. 261
على أذاهم أفضَلُ من الذي لا يخالطهم ولا يؤذونه. والأفضل خلطتهم في الخير، فهي خيرٌ من عزلتهم فيه. وعزلتُهم في الشّرِّ، فهي (١) أفضل من خلطتهم فيه. فإن علم أنّه إذا خالطهم أزاله أو قلله فهي خيرٌ من عزلتهم.
فالأفضلُ في كلِّ وقتٍ وحالٍ: إيثارُ مرضاة الله تعالى في ذلك الوقت والحال، والاشتغالُ بواجب ذلك الوقت ووظيفته ومقتضاه.
وهؤلاء هم أهل التّعبد المطلَق. والأصنافُ قبلهم أهل التّعبد المقيَّد، فمتى خرج أحدهم عن النّوع الذي تعلَّق به من العبادة وفارقه يرى نفسه كأنّه قد نقص وترك عبادته، فهو يعبد الله على وجهٍ واحدٍ. وصاحبُ التّعبد المطلق ليس له غرضٌ في تعبد بعينه يؤثره على غيره، بل غرضُه تتبُّعُ مرضاة الله تعالى أين كانت، فمدارُ تعبُّدِه عليها. فهو لا يزال منتقلًا (٢) في منازل العبوديّة، كلَّما رُفِعت له منزلةٌ عمِل على سيره إليها واشتغل بها حتّى تلوح له منزلةٌ أخرى. فهذا دأبه في السَّير حتّى ينتهي سيره (٣). فإن رأيتَ العلماءَ رأيته معهم، وإن رأيت العُبَّادَ رأيته معهم، وإن رأيتَ المجاهدين رأيتَه معهم، وإن رأيتَ الذّاكرين رأيته معهم، وإن رأيتَ المتصدِّقين المحسنين رأيتَه معهم، وإن رأيتَ أرباب الجمعيّة وعكوف القلب على الله رأيته معهم.
فهذا هو العبد المطلق الذي لم تملكه (٤) الرُّسوم، ولم تقيِّده القيود،
стр. 262
ولم يكن عملُه على مراد نفسه وما فيه لذّتها وراحتها من العبادات، بل على مراد ربِّه ، ولو كانت راحة نفسه ولذّتها في سواه.
فهذا المتحقِّق بـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ حقًّا، القائمُ بهما صدقًا. ملبسه ما تهيَّأَ، ومأكله ما تيسَّرَ، واشتغالُه بما أُمِر به في كلِّ وقتٍ بوقته، ومجلسه حيث انتهى ووجده خاليًا. لا تملكه إشارةٌ، ولا يتعبَّده (١) قيدٌ، ولا يستولي عليه رسمٌ. حرٌّ مجرَّدٌ، دائرٌ مع الأمر حيث دار، يدين بدين الآمر أنَّى توجَّهتْ ركائبُه، ويدور معه حيث استقلَّت مضاربُه. يأنسَ به كلُّ مُحِقٍّ، ويستوحش منه كلُّ مبطلٍ. كالغيث حيث وقَع نفَع. وكالنخلة لا يسقط ورقُها، وكلُّها منفعةٌ حتّى شوكُها. وهو موضعُ الغلظة منه على المخالفين لأمر الله، والغضبِ إذا انتُهِكَتْ محارمُ الله. فهو لله وبالله ومع الله. قد صحِبَ الله بلا خَلْقٍ، وصحِبَ النّاسَ بلا نَفْسٍ. بل إذا كان مع الله عزَلَ الخلائق من البين، وتخلَّى عنهم. وإذا كان مع خَلْقه عزَلَ نفسَه من الوسط وتخلّى عنها. فواهًا (٢)! ما أغربَه بين النّاس! وما أشدَّ وحشته منهم! وما أعظم أنسَه بالله وفرَحَه به وطمأنينته به وسكونه إليه! والله المستعان، وعليه التكلان.
فصل (٣)
ثمّ للنّاس في منفعة العبادة وحكمتها ومقصودها طرقٌ أربعةٌ، وهم في ذلك أربعة أصنافٍ.
الصِّنف الأوّل: نفاة الحِكَم والتّعليل ، الذين يردُّون الأمر إلى محض
стр. 263
المشيئة وصِرْف الإرادة. فهؤلاء عندهم القيامُ بها ليس إلّا لمجرَّد الأمر، من غير أن يكون سببًا لسعادةٍ في معاشٍ ولا معادٍ، ولا سببًا لنجاةٍ. وإنّما القيامُ بها لمجرَّد الأمرِ ومحضِ المشيئة، كما قالوا في الخلق: إنّه لم يخلُقْ ما خلَقَه لعلَّةٍ ولا لغايةٍ هي المقصودة به، ولا لحكمةٍ تعود إليه منه. وليس في المخلوقات أسبابٌ مقتضِياتٌ لمسبَّباتها، ولا فيها قوًى ولا طبائع. فليست النّار سببًا للإحراق، ولا الماءُ سببًا للإرواء والتبريد وإخراج النّبات، ولا فيهما قوّةٌ ولا طبيعةٌ تقتضي ذلك. وحصولُ الإحراق والرِّيِّ ليس بهما، لكن بإجراء العادة الاقترانيّة على حصول هذا عند هذا، لا بسببٍ ولا بقوّةٍ قامت به. وهكذا الأمرُ عندهم في أمره سواء، لا فرق في نفس الأمر بين المأمور والمحظور، ولكنَّ المشيئةَ اقتضت أمرَه بهذا، ونهيَه عن هذا، من غير أن يقوم بالمأمور به صفةٌ اقتضت حسنَه، ولا بالمنهيِّ عنه صفةٌ اقتضت قبحَه.
ولهذا الأصل لوازمُ وفروعٌ كثيرةٌ فاسدةٌ، قد ذكرناها في كتابنا الكبير المسمّى بـ"مفتاح دار السّعادة ومطلب (١) أهل العلم والإرادة"، وبيّنَّا فساد هذا الأصل من نحو ستِّين وجهًا (٢)، وهو كتابٌ بديعٌ في معناه. وذكرناه أيضًا في كتابنا المسمّى بـ"سفر الهجرتين وطريق السّعادتين" (٣).
وهؤلاء لا يجدون حلاوة العبادة ولا لذّتها ولا يتنعَّمون بها، وليست الصَّلاةُ قُرَّةَ أعينهم، وليست الأوامرُ سرورَ قلوبهم وغذاءَ أرواحهم وحياتَها. ولهذا يسمُّونها تكاليف، أي قد كُلِّفوا بها. ولو سمَّى مدَّعٍ لمحبّة ملكٍ من
стр. 264
الملوك أو غيره ما يأمره به تكليفًا وأنِّي (١) إنّما أفعله بكُلْفةٍ، لم يعدَّه أحدٌ محبًّا له. ولهذا أنكر هؤلاء أو كثيرٌ منهم محبّةَ العبد لربِّه، وقالوا: إنّما يُحِبُّ ثوابَه وما يخلقه له من النَّعيم الذي يتمتَّع به، لا أنَّه يُحِبُّ ذاته؛ فجعلوا المحبّة لمخلوقه دونه. وحقيقةُ العبوديّة هي كمالُ المحبّة، فأنكروا حقيقةَ العبوديّة ولبَّها. وحقيقةُ الإلهيّة كونُه مألوهًا محبوبًا بغاية الحبِّ المقرونِ بغاية الخضوع والذُّلِّ والإجلال والتّعظيم، فأنكروا كونه محبوبًا، وذلك إنكارٌ لإلهيّته.
وشيخ هؤلاء هو الجعد بن درهم الذي ضحَّى به خالد بن عبد الله القَسْريُّ في يوم أضحًى، وقال: إنّه زعم أنّ الله لم يكلِّم موسى تكليمًا، ولم يتّخذ إبراهيمَ خليلًا (٢). وإنّما كان إنكارُه لكونه تعالى محبوبًا (٣)، لم ينكر حاجة إبراهيم إليه، التي هي الخُلَّة عند الجهميّة، التي يشترك فيها جميع الخلائق، فكلُّهم أخِلّاءُ الله عندهم.
وقد بيّنَّا فساد قولهم هذا، وإنكارَهم محبّةَ الله من أكثر من ثمانين وجهًا في كتابنا المسمّى بـ"قرّة عيون المحبِّين وروضة قلوب العارفين" (٤). وذكرنا
стр. 265
فيه وجوبَ تعلُّقِ المحبّة بالحبيب الأوّل من جميع طرق الأدلَّة النّقليَّة والعقليَّة والذّوقيَّة والفطريَّة، وأنّه لا كمال للإنسان بدون ذلك البتّة، كما أنّه لا كمال لجسمه إلّا بالرُّوح والحياة، ولا لعينه إلّا بالنُّور الباصر، ولا لأذنه إلّا بالسَّمع؛ وأنّ الأمرَ فوقَ ذلك وأعظَم.
فصل
الصِّنف الثاني: القدريّة النفاة الذين يُثبتون نوعًا من الحكمة والتّعليل لا يقوم بالرَّبِّ ولا يرجع إليه، بل يرجع إلى مجرَّد مصلحة المخلوق ومنفعته. فعندهم: أنَّ العبادات إنَّما شُرعت أثمانًا لما يناله العباد من الثَّواب والنَّعيم، وأنّها بمنزلة استيفاء أجرة الأجير.
قالوا: ولهذا يجعلها الله عوضًا كقوله: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣]، وقوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢]، وقوله تعالى: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٠]، وقوله ﷺ فيما يحكي عن ربِّه : "يا عبادي، إنّما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثمّ أوفِّيكم إيّاها" (١)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ﴾ [الزمر: ١٠].
قالوا: وقد سمّاه الله تعالى جزاءً وأجرًا وثوابًا، لأنّه يثوب إلى العامل من عمله، أي يرجع إليه. قالوا: ولولا ارتباطه بالعمل لم يكن لتسميته جزاءً ولا أجرًا ولا ثوابًا معنًى.
стр. 266
قالوا: ويدلُّ عليه الموازنة، فلولا تعلُّقُ الثّواب والعقاب بالأعمال واقتضاؤها لها وكونُها كالأثمان لها لم يكن للموازنة معنًى. وقد قال تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ٨ - ٩].
وهاتان الطّائفتان متقابلتان أشدَّ التّقابل، وبينهما أعظمُ التّباين.
فالجبريّة لم تجعل للأعمال ارتباطًا بالجزاء البتّة، وجوَّزَتْ أن يعذِّب الله من أفنى عمره في طاعته، وينعِّم من أفنى عمره في معصيته، وكلاهما بالنسبة إليه سواءٌ. وجوَّزَتْ أن يرفع صاحب العمل القليل على أعظمَ عملًا منه (١) وأكثر وأفضل درجاتٍ ثَمَّ (٢). والكلُّ راجعٌ إلى محض المشيئة، من غير تعليلٍ ولا سببٍ ولا حكمةٍ تقتضي تخصيصَ هذا بالثواب وهذا بالعقاب.
والقدريّة أوجبت عليه رعاية الأصلح، وجعلت ذلك كلَّه بمحض الأعمال وثمنًا لها، وأنّ وصول الثّواب إلى العبد بدون عمله فيه تنغيصٌ باحتمال منّة الصّدقة عليه بلا ثمنٍ. فقاتلهم الله! ما أجهلهم بالله وأغرَّهم به! جعلوا تفضُّلَه وإحسانَه إلى عبده بمنزلة صدقة العبد على العبد، حتّى قالوا: إنّ إعطاءه ما يعطيه أجرةً على عمله أحبُّ إلى العبد وأطيَبُ له من أن يعطيه فضلًا منه بلا عملٍ. فقابلهم الجبريّةُ أشدَّ المقابلة، ولم يجعلوا للأعمال تأثيرًا في الجزاء البتّة.
والطائفتان جائرتان منحرفتان عن الصِّراط المستقيم، الذي فطر الله عليه
стр. 267
عباده، وجاءت به الرُّسل، ونزلت به الكتب. وهو أنّ الأعمال أسبابٌ مُوصِلةٌ إلى الثّواب والعقاب، مقتضياتٌ لهما كاقتضاء سائر الأسباب لمسبَّباتها؛ وأنّ الأعمال الصّالحة من توفيق الله وفضلِه ومنِّه وصدقتِه على عبده، إن أعانه عليها، ووفَّقه لها، وخلق فيه إرادتها والقدرة عليها، وحبَّبها إليه، وزيَّنها في قلبه وكرَّه إليه أضدادها. ومع هذا، فليست بثمنٍ لجزائه وثوابه، ولا هي على قدره، بل غايتُها ــ إذا بذل العبدُ فيها نصحَه وجهدَه، وأوقعها على أكمل الوجوه ــ أن تقع شكرًا له على بعض نعمه عليه، فلو طالبه بحقِّه لبقيت عليه من الشُّكر (١) بقيّةٌ لم يقُم بها. فلذلك لو عذَّب أهلَ سماواته وأهلَ أرضه لعذَّبهم وهو غيرُ ظالمٍ لهم، ولو رحِمَهم لكانت رحمتُه لهم خيرًا من أعمالهم، كما ثبت ذلك عن النبيِّ ﷺ (٢).
ولهذا نفى النّبيُّ ﷺ دخول الجنّة بالعمل، كما قال: "لن يُدخِلَ أحدًا منكم الجنّةَ عملُه" (٣). وفي لفظٍ: "لن يَدخُل أحدٌ منكم الجنّةَ بعمله" (٤). وفي
стр. 268
لفظٍ: "لن ينجي أحدًا منكم عملُه". قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا، إلّا أن يتغمّدني الله برحمةٍ منه وفضلٍ" (١). وأثبت سبحانه دخول الجنّة بالعمل، كما في قوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢]. ولا تنافي بينهما، إذ تواردُ النّفي والإثبات ليس على معنًى واحدٍ، فالمنفيُّ استحقاقُها بمجرَّد الأعمال، وكونُ الأعمال ثمنًا وعوضًا لها ردًّا على القدريّة المجوسيّة التي زعمت أنَّ التفضُّلَ بالثواب ابتداءً متضمِّنٌ لتكدير المنّة.
وهذه الطائفة من أجهلِ الخلق بالله تعالى، وأغلَظِهم عنه حجابًا؛ وحُقَّ لهم أن يكونوا مجوسَ هذه الأمّة. ويكفي من جهلهم بالله أنّهم لم يعلموا أنَّ أهلَ سماواته وأرضه في مِنَّته، وأنَّ من تمام الفرح والسرور والغبطة واللَّذَّة اغتباطَهم بمنّةِ سيِّدهم ومولاهم الحقِّ، وأنّه إنّما طاب لهم عيشُهم بهذه المنَّة. وأعظَمُهم منه منزلةً وأقربُهم إليه: أعرَفُهم بهذه المنّة، وأعظَمُهم إقرارًا بها، وذكرًا لها، وشكرًا عليها، ومحبّةً له لأجلها. فهل يتقلَّب أحدٌ قطُّ إلّا في منّته! ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧].
واحتمالُ منَّة المخلوق إنّما كانت نقصًا لأنّه نظيره، فإذا منَّ عليه استعلى عليه، ورأى الممنونُ عليه نفسَه دونه. هذا مع أنّه ليس في كلِّ مخلوقٍ، فلرسولِ الله ﷺ المنّةُ على أمّته، وكان أصحابه ﵃ يقولون (٢): اللهُ
стр. 269
ورسولُه أمنُّ (١). ولا نقصَ في منّة الوالد على ولده، ولا عارَ عليه في احتمالها؛ وكذلك السّيِّد على عبده. فكيف ربُّ العالمين الذي إنّما تتقلّب الخلائق في مجرَّد منّته (٢) عليهم، ومحضِ صدقته عليهم، بلا عوضٍ منهم البتّة! وإن (٣) كانت أعمالهم أسبابًا لما ينالونه من كرمه وجوده، فهو المانُّ عليهم بأن وفَّقَهم لتلك الأسباب وهداهم لها، وأعانهم عليها، وكمَّلها لهم، وقَبِلها منهم على ما فيها!
وهذا هو المعنى الذي أثبت به دخولَ الجنّة في قوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣]. فهذه باء السّببيّة ردًّا على القدريّة الجبريّة الذين يقولون: لا ارتباط بين الأعمال والجزاء، ولا هي أسبابٌ له، وإنّما غايتُها أن تكون أماراتٍ! قالوا: وليست أيضًا مطّردةً، لتخلُّف الجزاء عنها في الخير والشّرِّ، فلم يبقَ إلّا محضُ الأمر والمشيئة.
فالنُّصوصُ مبطلةٌ لقول هؤلاء، كما هي مبطلةٌ لقول أولئك. وأدلَّةُ المعقول والفطرة أيضًا تُبطل قول الفريقين، وتُبيِّن لمن له قلبٌ ولبٌّ مقدارَ قول أهل السُّنّة. وهم الفرقة الوسط المثبتون لعموم مشيئة الله وقدرته وخلقِه العبادَ وأعمالَهم، ولحكمته التّامّة المتضمِّنة ربطَ الأسباب بمسبَّباتها، وانعقادَها بها شرعًا وقدرًا، وترتُّبَها عليها عاجلًا وآجلًا.
стр. 270
وكلُّ واحدةٍ من الطّائفتين المنحرفتين تركت نوعًا من الحقِّ، ارتكبت (١) لأجله نوعًا من الباطل، بل أنواعًا! وهدى الله أهلَ السُّنّة لما اختلفوا فيه من الحقِّ بإذنه. ﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢١٣] و ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١].
فصل
الصِّنف الثالث: الذين زعموا أنّ فائدةَ العبادة رياضةُ النُّفوس، واستعدادُها لفيض العلوم عليها، وخروجُ قواها عن قوى النُّفوس السَّبعيّة والبهيميّة؛ فلو عطِّلت عن العبادات لكانت من جنس نفوس السِّباع والبهائم. فالعباداتُ تُخْرِجُها عن مألوفها وعوائدها، وتنقلُها إلى مشابهة العقول المجرَّدة، فتصير عالمةً قابلةً لانتقاش صور العلوم والمعارف فيها.
وهذا تقوله طائفتان: إحداهما: من تقرَّبَ إلى النُّبوّات والشّرائع من الفلاسفة القائلين بقدم العالم، وعدم انشقاق الأفلاك، وعدم الفاعل المختار.
والطائفة الثانية: من تفلسف من صوفيّة الإسلام وتقرَّب إلى الفلاسفة، فإنّهم يزعمون أنَّ العباداتِ رياضاتٌ لاستعداد النُّفوس وتجرُّدها، ومفارقتها العالمَ الحسِّيَّ، ونزول الواردات والمعارف عليها.
ثمّ من هؤلاء من لا يوجب العبادات إلّا لهذا المعنى، فإذا حصل لها بقي مخيَّرًا في حفظ أوراده، أو الاشتغال بالوارد عنها.
стр. 271
ومنهم من يوجب القيامَ بالأوراد والوظائف وعدمَ الإخلال بها، وهم صنفان أيضًا: أحدهما: يوجبونه حفظًا للقانون، وضبطًا للنَّاموس. والآخرون: يوجبونه حفظًا للوارد، وخوفًا من تدرُّج النّفس بمفارقته إلى حالتها الأولى من البهيميّة.
فهذه نهايةُ أقدام المتكلِّمين على طريق السُّلوك، وغايةُ معارفهم بحكم العبادة وما شُرعت لأجله. ولا تكاد تجد في كتب القوم غيرَ هذه الطُّرق الثّلاثة، على سبيل الجمع، أو على سبيل البدل.
فصل
وأمّا الصِّنف الرّابع ــ وهم المحمَّديَّةُ الإبراهيميَّةُ أتباعُ الخليلين، العارفون بالله وحكمته في أمره وشرعه وخَلْقه، وأهلُ البصائر في عبادته ومراده بها ــ فالطّوائف الثّلاثة محجوبون عنهم بما عندهم من الشُّبه الباطلة والقواعد الفاسدة، ما عندهم وراء ذلك شيءٌ. قد فرحوا بما عندهم من المحال، وقنعوا بما ألِفوه من الخيال. ولو علموا أنَّ وراءه ما هو أجَلُّ منه وأعظَمُ لَما ارتضَوا بدونه، ولكن عقولهم قصَّرت عنه. ولم يهتدوا إليه بنور النُّبوّة، ولم يشعروا به، ليجتهدوا في طلبه. ورأوا أنَّ ما معهم خيرٌ من الجهل، ورأوا تناقض ما مع غيرهم وفساده. فتركَّب من هذه الأمور إيثارُ ما عندهم على ما سواه، وهذه بليّة الطّوائف، والمعافى من عافاه الله تعالى.
فاعلم أنّ سرَّ العبوديّة وغايتَها وحكمتَها إنّما يطَّلع عليه من عرَف صفاتِ الرَّبِّ تعالى ولم يعطِّلها، وعرف معنى الإلهيّة وحقيقتها ومعنى كونه إلهًا، بل هو الإله الحقُّ، وكلُّ إلهٍ سواه فباطلٌ، بل أبطل الباطل، وأنّ حقيقة الإلهيّة لا تنبغي إلّا له، وأنَّ العبادةَ موجَبُ إلهيّته وأثرُها ومقتضاها،
стр. 272
وارتباطُها بها كارتباط متعلَّق الصِّفات بالصِّفات كارتباط (١) المعلوم بالعلم، والمقدور بالقدرة، والأصوات بالسمع، والإحسان بالرحمة، والعطاء بالجود.
فمَن أنكر حقيقة الإلهيّة ولم يعرفها، كيف يستقيم له معرفةُ حكمة العبادات وغاياتها ومقاصدها وما شُرعت لأجله؟ وكيف يستقيم له العلمُ بأنّها هي الغاية المقصودة بالخلق، فلها خُلِقوا، ولها أُرسلت الرُّسل، وأُنزلت الكتب، ولأجلها خُلِقت الجنّة والنار؛ وأنّ فرضَ تعطيل الخليقة عنها نسبةُ الله (٢) إلى ما لا يليق به، ويتعالى عنه مَن خلق السّماوات والأرض بالحقِّ، ولم يخلقهما باطلًا، ولم يخلق الإنسان عبثًا ولم يتركه (٣) سدًى مهملًا. قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥] أي لغير شيءٍ ولا حكمةٍ، ولا لعبادتكم لي ومجازاتي لكم. وقد صرَّح تعالى بهذا في قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٤) [الذاريات: ٥٦]. فالعبادة هي الغايةُ التي خلق لها الجنّ والإنس والخلائق كلّها.
стр. 273
وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦]. أي مهملًا. قال الشّافعيُّ ﵁ (١): لا يؤمر ولا يُنْهى. وقال غيرُه: لا يثاب ولا يعاقب (٢). والصحيح الأمران، فإنّ الثَّوابَ والعقابَ مترتِّبٌ (٣) على الأمر والنهي، والأمرُ والنهيُ هو طلبُ العبادة وإرادتُها، وحقيقةُ العبادة امتثالُهما.
وقال تعالى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١]. وقال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الحجر: ٨٥]. ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الجاثية: ٢٢]. فأخبر أنّه خلق السّماوات والأرض بالحقِّ المتضمِّن أمره ونهيه، وثوابه وعقابه.
فإذا كانت السّماوات والأرض وما بينهما خُلِقت لهذا، وهو غاية الخلق، فكيف يقال: إنّه لا علّة له، ولا حكمةٌ مقصودةٌ هي غايته، أو إنّ ذلك لمجرَّد استئجار العُمَّال حتّى لا يتكدَّر عليهم الثّوابُ بالمنّة، أو لمجرَّد (٤) استعداد النُّفوس للمعارف العقليّة وارتياضها لمخالفة العوائد!
فليتأمَّل اللّبيبُ الفرقانَ بين هذه الأقوال وبين ما دلَّ عليه صريحُ الوحي
стр. 274
يجِدْ أصحابَ هذه الأقوال ما قدرَوا الله حقَّ قدره، ولا عرفوه حقَّ معرفته. فالله تعالى إنّما خلَق الخَلْقَ لعبادته الجامعة لكمال محبّته مع الخضوع له والانقياد لأمره.
فأصلُ العبادة: محبّةُ الله، بل إفرادُه بالمحبّة، وأن يكون الحبُّ كلُّه لله، فلا يُحِبُّ معه سواه، وإنّما يُحِبُّ ما يحبُّه (١) لأجله وفيه، كما يُحِبُّ أنبياءَه ورسلَه وملائكتَه وأولياءه. فمحبّتنُا لهم من تمام محبّته، وليست محبّةً معه كمحبَّة من يتّخذ من دون الله أندادًا يحبُّهم (٢) كحبِّه.
وإذا كانت المحبّة له هي حقيقة عبوديّته وسرّها، فهي إنّما تتحقَّق باتِّباع أمره واجتناب نهيه. فعندَ اتِّباع الأمر والنّهي (٣) تتبيَّن حقيقةُ العبوديّة والمحبّة. ولهذا جعل سبحانه اتِّباعَ رسوله ﷺ عَلَمًا عليها، وشاهدًا لمن ادَّعاها، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]. فجعَل اتِّباعَ رسوله مشروطًا بمحبّتهم لله، وشرطًا لمحبّة الله لهم. ووجودُ المشروط ممتنعٌ بدون تحقُّق شرطه (٤)، فعُلِمَ انتفاءُ المحبّة عند انتفاء المتابعة. فانتفاءُ محبّتهم لله لازمٌ لانتفاء المتابعة لرسوله، وانتفاءُ المتابعة ملزومٌ لانتفاء محبّة الله لهم، فيستحيل إذًا ثبوتُ محبّتهم لله، وثبوتُ محبّة الله لهم بدون المتابعة لرسوله ﷺ . ودلَّ على أنّ متابعة الرَّسول هي
стр. 275
حبُّ الله ورسوله وطاعةُ أمره.
ولا يكفي ذلك في العبوديّة حتّى يكون الله ورسوله أحبَّ إلى العبد ممّا سواهما، فلا يكون عنده شيءٌ أحبَّ إليه من الله ورسوله. ومتى كان عنده شيءٌ أحبَّ إليه منهما فهذا هو الشِّرك الذي لا يُغفَر لصاحبه البتّة، ولا يهديه الله. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤].
فكلُّ مَن قدَّم طاعةَ أحدِ هؤلاء (١) على طاعة الله ورسوله، أو قولَ أحدٍ منهم على قول الله ورسوله، أو مرضاةَ أحدٍ منهم على مرضاة الله ورسوله، أو خوفَ أحدٍ منهم ورجاءَه والتوكُّلَ عليه على خوف الله ورجائه والتوكُّل عليه، أو معاملةَ أحدٍ منهم (٢) على معاملة الله= فهو ممّن ليس اللهُ ورسولُه أحبَّ إليه ممّا سواهما. وإن قاله بلسانه فهو كذبٌ منه، وإخبارٌ بخلاف ما هو عليه. وكذلك من قدَّمَ حكمَ أحدٍ على حكم الله ورسوله، فذلك عنده أحبُّ إليه من الله ورسوله.
لكن قد يشتبه الأمر على من يقدِّم قولَ أحدٍ أو حكمَه أو طاعتَه أو مرضاتَه ظنًّا منه أنّه لا يأمر ولا يحكم ولا يقول إلّا ما قاله الرّسول، فيطيعه، ويحاكم إليه، ويتلقَّى أقواله كذلك= فهذا معذورٌ إذا لم يقدِر على غير ذلك.
стр. 276
وأمّا إذا قدر على الوصول إلى الرَّسول ﷺ (١)، وعرف أنّ غيرَ من اتَّبعه أولى به مطلقًا أو في بعض الأمور، ولم يلتفت إلى الرَّسول ولا إلى من هو أولى به= فهذا الذي يُخاف عليه، وهو داخلٌ تحت الوعيد. فإن استحلَّ عقوبةَ من خالفه وآذاه (٢) ولم يوافقه على اتِّباع شيخه، فهو من الظَّلَمة المعتدين. وقد جعل الله لكلِّ شيءٍ قدرًا.
فصل
وبناءُ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ على أربعة قواعد (٣): التّحقُّقُ بما يحبُّه الله (٤) ويرضاه، من قولِ اللِّسان والقلب وعملِ القلب والجوارح. فالعبوديّة: اسمٌ جامعٌ لهذه المراتب الأربع، فأصحابُ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ حقًّا هم أصحابها.
فقول القلب: هو اعتقاد ما أخبر الله سبحانه به عن نفسه وأسمائه وصفاته وأفعاله وملائكته ولقائه على لسان رسوله ﷺ (٥).
وقول اللِّسان: الإخبارُ عنه بذلك، والدعوةُ إليه، والذَّبُّ عنه، وتبيينُ بطلان البدع المخالفة له، والقيامُ بذكره، وتبليغُ أوامره.
وعمل القلب: كالمحبّة له، والتوكُّل عليه، والإنابة إليه، والخوف منه
стр. 277
والرجاء له، وإخلاص الدِّين له، والصبر على أوامره وعن نواهيه وعلى أقداره، والرضا به وعنه، والموالاة فيه، والمعاداة فيه، والذلِّ له والخضوع والإخبات إليه، والطمأنينة به، وغير ذلك من أعمال القلوب التي فرضُها أفرَضُ من أعمال الجوارح، ومستحبُّها أحبُّ إلى الله من مستحبِّها. وعملُ الجوارح بدونها إمّا عديم المنفعة أو قليل المنفعة.
وأعمال الجوارح: كالصلاة والجهاد، ونقل الأقدام إلى الجمعة والجماعات، ومساعدة العاجز، والإحسان إلى الخلق، ونحو ذلك.
فـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ التزامٌ لأحكام هذه الأربعة، وإقرارٌ بها. و ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ طلبٌ للإعانة عليها والتّوفيق لها. و ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ متضمِّنٌ للتّعريف بالأمرين على التّفصيل، وإلهامِ القيام بهما، وسلوكِ طريق السّالكين إلى الله بهما.
فصل
وجميع الرُّسل إنّما دعوا إلى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، فإنّهم كلَّهم دعوا إلى توحيد الله وعبادته، من أوّلهم إلى آخرهم. فقال نوحٌ لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]. وكذلك قال هودٌ وصالحٌ وشعيبٌ وإبراهيم ﵈.
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا يُوحَى (١) إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]. وقال تعالى:
стр. 278
﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥١ - ٥٢].
فصل
والله جعل العبوديّةَ وصفَ أكملِ خلقه وأقرَبِهم إليه، فقال: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٧٢]. وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)﴾ [الأعراف: ٢٠٦].
وهذا يبيِّن أنّ الوقف التّامّ في قوله: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (١) هاهنا، ثمّ يبتدئ: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩ - ٢٠]. فهما جملتان تامّتان مستقلّتان، أي: له من في السّماوات ومن في الأرض عبيدًا وملكًا، ثمّ استأنف جملةً أخرى فقال: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ يعني: أنّ الملائكة الذين عنده لا يستكبرون عن عبادته: لا يأنفون عنها ويتعاظمون (٢). ولا يستحسرون، فيعيَون وينقطعون. يقال: حسِرَ واستَحْسَرَ، إذا تعب وأعيا. بل
стр. 279
عبادتهم وتسبيحهم كالنَّفَس لبني آدم (١). فالأوّل وصفٌ لعبيد ربوبيّته، والثّاني وصفٌ لعبيد إلهيّته (٢).
وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ (٣) [الأنبياء: ٢٦ - ٢٧]. وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا﴾ [الفرقان: ٦٣] إلى آخر السُّورة. وقال: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان: ٦]. وقال: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ﴾ [ص: ١٧]، ﴿(٤٠) وَاذْكُرْ عَبْدَنَا﴾ [ص: ٤١]، ﴿(٤٤) وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾ [ص: ٤٥]. وقال عن سليمان: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ﴾ [ص: ٣٠]. وقال عن المسيح: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ٥٩]، فجعَل غايتَه العبوديَّةَ لا الإلهيّة، كما يقول أعداؤه النّصارى لعنهم الله.
ووصف أكرمَ خلقه عليه (٤) وأعلاهم عنده منزلةً بالعبوديّة في أشرف مقاماته (٥)، فقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣]، وقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١]، وقال:
стр. 280
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ﴾ [الكهف: ١]، فذكره بالعبوديّة في مقام إنزال الكتاب عليه والتَّحدِّي بأن يأتوا بمثله. وقال: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩]، فذكره بالعبوديّة في مقام الدّعوة إليه. وقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١]، فذكره بالعبوديّة في مقام الإسراء.
وفي "الصّحيح" (١) عنه ﷺ أنّه قال: "لا تُطْرُوني كما أَطْرَتِ النّصارى المسيحَ ابنَ مريم، فإنّما أنا عبدٌ، فقولوا: عبد الله ورسوله".
وفي الحديث الآخر: "إنَّما أنا عبدٌ، آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد (٢) " (٣).
وفي "صحيح البخاري" (٤) عن عبد الله بن عمرٍو قال: قرأت في التوراة
стр. 281
صفة محمَّدٍ ﷺ : محمَّدٌ رسول الله، عبدي ورسولي، سمَّيته المتوكِّل، ليس بفظٍّ ولا غليظٍ، ولا صخّابٍ بالأسواق، ولا يجزي بالسّيِّئة السّيِّئة، ولكن يعفو ويغفر.
وجعل سبحانه البشارة المطلقة لعباده، فقال: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١)(١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٧]. وجعل الأمن المطلق لهم، فقال تعالى: ﴿يَا عِبَادي (٢) لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨) الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف: ٦٨ - ٦٩].
وعزَل الشّيطانَ عن سلطانه عليهم خاصّةً، وجعل سلطانه على من تولّاه وأشرك به، فقال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢]، وقال: ﴿الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ﴾ [النحل: ٩٩ - ١٠٠].
وجعل النّبيُّ ﷺ إحسانَ العبوديّة أعلى مراتب الدِّين، وهو الإحسان، فقال في حديث جبريل ﵇ وقد سأله عن (٣) الإحسان: "أن تعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك" (٤).
стр. 282
فصل
في لزوم ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ لكلِّ عبد إلى الموت
قال الله تعالى لرسوله ﷺ : ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩]. وقال أهل النّار: ﴿مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦)﴾ [المدثر: ٤٦ - ٤٧]. واليقين هاهنا: الموت، بإجماع أهل التّفسير. وفي "الصحيح" (١) في قصّة عثمان بن مظعونٍ ﵁ أنّ النّبيَّ ﷺ قال: "أمّا عثمان فقد جاءه اليقين من ربِّه" أي الموتُ وما فيه.
فلا ينفكُّ العبد من العبوديّة ما دام في دار التّكليف. بل عليه في البرزخ عبوديّةٌ أخرى لمَّا يسأله (٢)
المَلَكانِ: من كان يعبد؟ وما يقول في رسول الله ﷺ ؟ ويلتمسان منه الجواب (٣). وعليه عبوديّةٌ أخرى يوم القيامة، يوم يدعو الله الخلقَ كلَّهم إلى السُّجود، فيسجد المؤمنون، ويبقى الكفّار والمنافقون لا يستطيعون السُّجود. فإذا دخلوا دارَ الثّواب والعقاب انقطع التّكليفُ هناك،
стр. 283
وصارت عبوديّةُ أهل الثَّواب تسبيحًا مقرونًا بأنفاسهم، لا يجدون له تعبًا ولا نصبًا.
ومن ظنَّ أنّه يصل إلى مقامٍ يُسقِط عنه التّعبُّدَ، فهو زنديقٌ كافرٌ بالله ورسوله، وإنّما وصل إلى مقام الكفر بالله تعالى والانسلاخ من دينه. وكلَّما تمكَّن العبدُ في منازل العبوديّة كانت عبوديّتُه أعظم، والواجبُ عليه منها أكثر من الواجب على من دونه. ولهذا كان الواجبُ على رسول الله ﷺ بل على الرُّسل أعظمَ من الواجب على أممهم، والواجبُ على أولي العلم أعظمَ من الواجب على من دونهم، وكلُّ أحدٍ بحسب مرتبته.
فصل
في انقسام العبوديّة إلى عامّةٍ وخاصّةٍ
العبوديّة نوعان: عامٌّ، وخاصٌّ.
فالعبوديّة العامّة: عبوديّة أهل السّماوات والأرض كلِّهم لله: برِّهم وفاجرهم، مؤمنهم وكافرهم. فهذه عبوديّة القهر والملك، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَنْفَطِرْنَ (١) مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٣]. فهذا يدخل فيه (٢) مؤمنهم وكافرهم.