← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 199

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 526 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

مُقْعَدٍ (١)! فلنرجع إلى شرح كلام صاحب «المنازل»: قال (٢): (ولها ثلاثة أنفاسٍ: نفس الخوف، ونفس الرّجاء، ونفس المحبّة). لمّا كان الحيوان (٣) متنفّسًا، فالنفس موجب الحياة وعلامتها، كانت أنفاس الحياة المشار إليها ثلاثةَ أنفاسٍ: نفسًا بالخوف؛ ومصدره مطالعةُ الوعيد، وما أعدّ الله لمن آثرَ الدُّنيا على الآخرة، والمخلوقَ على الخالق، والهوى على الهدى، والغيَّ على الرّشاد. ونفسًا بالرجاء؛ ومصدره مطالعة الوعد، وحسن الظّنِّ بالرّبِّ تعالى، وما أعدّ لمن آثر الله ورسوله والدّار الآخرة، وحكَّم الهدى على الهوى، والوحيَ على الآراء، والسُّنّةَ على البدعة، وما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه على عوائد الخلق. ونفسًا بالمحبّة؛ مصدره مطالعة الصِّفات والأسماء، ومشاهدة النّعماء والآلاء.

стр. 2172

فإذا ذكر ذنوبه تنفَّس بالخوف، وإذا ذكر رحمة ربِّه وسعةَ مغفرته وعفوه تنفّس بالرّجاء، وإذا ذكر جلاله وجماله وكماله وإحسانه وإنعامه تنفّس بالحبِّ. فلْيزِن العبد إيمانَه بهذه الأنفاس الثّلاثة، ليعلم ما معه من الإيمان، فالقلوب مفطورةٌ على حبِّ الجمال والإجمال، والله سبحانه جميلٌ، بل له الجمال التّامُّ الكامل من جميع الوجوه: جمال الذّات، وجمال الصِّفات، وجمال الأفعال، وجمال الأسماء. وإذا جُمِع جمال المخلوقات كلّها على شخصٍ واحدٍ، ثمّ كانت جميعها على جمال ذلك الشّخص الواحد، ثمّ نُسِب هذا الجمال إلى جمال الرّبِّ سبحانه= كان أقلَّ من نسبة سراجٍ ضعيفٍ إلى عين الشّمس. فالنّفس الصّادر عن هذه الملاحظة والمطالعة أشرفُ أنفاس العبد على الإطلاق، فأين نفس المشتاق المحبِّ الصّادق إلى نفس الخائف الرّاجي؟ ولكن لا يحصل له هذا النّفس إلّا بتحصيل ذينك النّفسينِ، فإنّ أحدهما ثمرة تركه للمخالفات، والثّاني: ثمرة فعله للطّاعات، فمن هذين النّفسينِ يصل إلى النّفس الثّالث. فصل قال (١): (الحياة الثّانية: حياة الجمع من موت التّفرقة ، ولها ثلاثة أنفاسٍ: نفس الاضطرار، ونفس الافتقار، ونفس الافتخار). مراده ــ إن شاء الله ــ بالجمع في هذه الدّرجة: جمعُ القلب على الله،

стр. 2173

وجمعُ الخواطر والعزوم في التّوجُّه إليه سبحانه، لا الجمع الذي هو حضرة الوجود؛ لأنّه قد ذكر حياة هذا الجمع في الدّرجة الثّالثة، وسمّاها حياة الوجود. وإنّما كان جمع القلب على الله والخواطرِ على المسير إليه حياةً حقيقيّةً؛ لأنّ القلب لا سعادة له ولا فلاح ولا نعيم ولا فوز ولا لذّة ولا قوة إلّا بأن يكون الله وحده هو غاية طلبه ونهاية قصده، ووجهُه الأعلى هو كلُّ بغيته، فالتّفرقة المتضمِّنة للإعراض عن التّوجُّه إليه واجتماعِ القلب عليه هي مرضه إن لم يمتْ منها. (ولهذه الحياة ثلاثة أنفاسٍ: نفس (١) الاضطرار)، وذلك لانقطاع أمله ممّا سوى الله، فيضطرُّ حينئذٍ بقلبه وروحه ونفسه وبدنه إلى ربِّه ضرورةً تامّةً، بحيث يجد في كلِّ منبتِ شعرةٍ منه فاقةً تامّةً إلى ربِّه ومعبوده، فهذا النّفس نفسُ مضطرٍّ إلى ما لا غنى له عنه طرفةَ عينٍ، وضرورته إليه من جهة كونه ربَّه، وخالقَه، وفاطره، وحافظه، ومعينه، ورازقه، وهاديه، ومعافيه، والقائم بجميع مصالحه، ومن جهة كونه معبودَه وإلهه، وحبيبه الذي لا تكمل حياته ولا تنفع إلّا بأن يكون هو وحده أحبَّ شيءٍ إليه، وأشوقَ شيءٍ إليه. وهذا الاضطرار اضطرار ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، والاضطرار الأوّل اضطرار ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. ولعمر الله إنّ نفس الافتقار هو هذا النّفس أو من نوعه، ولكنّ الشّيخ جعلهما نفسين، فجعل نفس الاضطرار بدايةً، ونفس الافتقار توسُّطًا، ونفس

стр. 2174

الافتخار نهايةً، فكأنّ نفس الاضطرار يقطع الخلق من قلبه، ونفس الافتقار يُعلِّق قلبه بربِّه. والتّحقيق: أنّه واحدٌ ممتدٌّ، أوّله انقطاعٌ، وآخره اتِّصالٌ. وأمّا نفس الافتخار فهو نتيجة هذين النّفسين؛ لأنّهما إذا صحَّا للعبد حصل له من القربِ من ربِّه، والأنسِ به، والفرحِ به وبالخِلَع التي خلَعَها على قلبه وروحه، ما لا تقوم لبعضه ممالكُ الدُّنيا بحذافيرها. فحينئذٍ يتنفّس نفسًا آخر، يجد به من التّفريج والتّرويح والرّاحة والانشراح ما يُشبِهُه من بعض الوجوه شَبَهًا مما يتنفَّس من جُعِل في عنقه حبلٌ (١) ليُخْنَقَ به حتّى يموت، ثمّ كُشِف عنه وقد حبسَ نفسه، فتنفَّسَ تنفُّسَ من قد أعيدتْ عليه حياته، وتخلَّصَ من أسباب الموت. فإن قلت: ما للعبد والافتخار؟ وأين العبوديّة من نفس الافتخار؟ قلت: لا يريد بذلك أنّ العبد يفتخر بذلك ويختال (٢) على بني جنسه، بل هو فرحٌ وسرورٌ لا يمكن دفعه عن نفسه بما فتح عليه به ربُّه، ومنحَه إيّاه، وخصَّه به. وأولى ما فرح به العبد فضل ربِّه عليه، والله تعالى يحبُّ الفرح بذلك؛ لأنّه من الشُّكر، ومن لا يفرح بنعمة المنعم لا يُعَدُّ شكورًا، فهو افتخارٌ بما هو محضُ منّةِ الله ونعمته على عبده، لا افتخار بما منَّ العبد، فهذا هو الذي ينافي العبوديّة لا ذاك. وهاهنا سرٌّ لطيفٌ، وهو أنّ هذا النّفس يفخر على أنفاسه التي ليست كذلك، كما تفخر الحياة على الموت، والعلم على الجهل، والسّمع على

стр. 2175

الصَّمَم، والبصر على العمى، فيكون الافتخار للنّفس على النّفس، لا للمتنفِّس على النّاس، والله أعلم. فصل قال (١): (الحياة الثّالثة: حياة الوجود. وهي حياةٌ بالحقِّ ، ولها ثلاثة أنفاسٍ: نفس الهيبة، وهو يُمِيت الاعتدال. ونفس الوجود، وهو يمنع الانفصال. ونفس الانفراد وهو يورث الاتِّصال، وليس وراء ذلك مَلْحَظٌ للنَّظَّارة، ولا طاقةٌ للإشارة). هذه المرتبة من الحياة هي حياة الواجد، وهي أكمل من النّوعين اللّذين قبلها، ووجود العبد لربِّه هو الذي أشار إليه في الحديث الإلهيِّ بقوله: «فإذا أحببتُه كنتُ سمعَه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي» (٢)، والمشار إليه في قوله: «ابنَ آدم، اطلبني تجِدْني، فإن وجدتَني وجدتَ كلَّ شيءٍ، وإن فُتُّك فاتَك كلُّ شيءٍ» (٣). وسيأتي في باب الوجود مزيدُ بيانٍ لهذا. وإنّما كانت حياة الوجود أكمل الحياة، لشرفها وكمالها بموجودها؛ وهو الحقُّ سبحانه، فمن حَيِيَ بوجوده فقد فاز بأعلى أنواع الحياة. فإن قلت: يصعب عليّ فهمُ معنى الحياة بوجوده.

стр. 2176

قلت: أجَلْ، للحجاب الذي ضرب بينك وبين هذه الحياة، فافهم الحياة بوجود الفناء، وبوجود المالك القادر إذا كان معك وناصرك، دون مجرَّدِ وجوده ولا معرفةَ بينك وبينه البتّةَ، فحقيقة الحياة هي الحياة بالرّبِّ تعالى، لا الحياة بالنفس والغذاء (١) وأسباب العيش. وقد تُفسَّر حياة الوجود بشهود القيُّوميّة، حيث لا يرى (٢) شيئًا من الأشياء إلّا وهو بالله، هو الذي أقامه، وبحال هذا الشُّهود، وهو أن لا يلتفت بقلبه إلى شيءٍ سوى الله، ولا يخافه ولا يرجوه، بل قد قصرَ خوفَه ورجاءه وتوكُّله وإنابته على قيُّومِ الوجود وقيِّمه وقيَّامه ومُقِيمه وحدَه، فمتى حصل له هذا الشُّهود وهذا الحال فقد حصلتْ له حياة الوجود. فتارةً يتنفّس بالهيبة، وهي سطوة نور الصِّفات، وذلك عند أوّل ما يسطع نور الوجود، فيقع القلب في هيبةٍ تستغرق حسَّه عن الالتفات إلى شيءٍ من عوالم النّفس، وذلك هو الاعتلال الذي يُمِيته النّفس الثّاني، وهو قوله: «ونفس يميت الاعتلال»، فتموت منه عللُ أعماله، وآثارُ حظوظه، وشهودُ إنِّيّته. قوله: (ونفس الوجود) يريد به وجودَ العبد لربّه، فيتنفّس بهذا الوجود، كما يسمع به، ويبصر به، ويبطش به، ويمشي به. ولا تُصْغِ إلى غير هذا، فتزِلَّ قَدَمٌ بعد ثبوتها. قوله: (وهو يمنع الانفصال)، الانفصال عند القوم: انقطاع القلب عن الرّبِّ وبقاؤه بنفسه وطبيعته، والاتِّصال: هو بقاؤه بربِّه، وفناؤه عن أحكام

стр. 2177

نفسِه وطبعِه وهواه، وقد يراد بالاتِّصال الفناء في شهود القيُّوميّة، وبالانفصال الغَيبة عن هذا الشُّهود. وأمّا الملحد فيفسِّر الاتِّصال والانفصال بالاتِّصال الذّاتيِّ والانفصال الذّاتيِّ، وهذا محالٌ أيضًا، فإنّه لم يزل متّصلًا به، بل لم يزل إيّاه عنده. فالأوّل: يتعلّق بالإرادة والهمّة، وهو أعلى الأنواع. والثّاني: يتعلّق بالشُّهود والشُّعور، وهو دونه، وعند الشّيخ هو أعلى؛ لأنّه إنّما يكون في وادي الفناء. والثّالث: للملاحدة القائلين بوحدة الوجود. قوله: (ونفس الانفراد، وهو يورث الاتِّصال). نفس الانفراد: هو المصحوب بشهود الفردانيّة، وهي تفرُّد الرّبِّ سبحانه بالرُّبوبيّة والإلهيّة والتّدبير والقيُّوميّة، فلا يُثبِت لسواه قسطًا في الرُّبوبيّة، ولا في الإلهيّة، ولا في القيُّوميّة، بل يُفرِده بذلك في شهوده كما أفرده به في علمه، ثمّ يفرده به في الحال التي أوجبها الشُّهود، فيكون سبحانه فردًا في علم العبد ومعرفته، فردًا في شهوده، فردًا في حاله في شهوده. وهذا النّفس يُورِثه الاتِّصال بربِّه، بحيث لا يبقى له مرادٌ غيره، ولا إرادةٌ غير مراده الدِّينيِّ الذي يحبُّه ويرضاه، فيستفرغ حبُّه قلبه، وتستفرغ مرضاته سعيه، وليس وراء ذلك مقامٌ تَلْحَظُه النّظّارة، لا بالقلب ولا بالرُّوح. فإنّ كمال هذا الاتِّصال والشُّغل (١) بالحقِّ سبحانه: قد استغرقَ المقامات، واستوعب الإشارات، والله المستعان. * * * *

стр. 2178

فصل قال صاحب «المنازل» (١): (باب القبض. قال الله تعالى: ﴿(٤٥) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا﴾ [الفرقان: ٤٦]). قلت: لقد أبعد في تعلُّقه بإشارة (٢) الآية إلى القبض الذي يريده، ولا تدلُّ الآية عليه بوجهٍ ما، وإنَّما تشارك القبضَ المترجمَ عليه في اللفظ، فإنَّ القبض في الآية (٣) قبضُ الظلِّ، وهو تقلُّصه بعد امتداده، قال الله (٤) تعالى: ﴿(٤٤) أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (٤٥) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا﴾ [الفرقان: ٤٥ - ٤٦]، فأخبر تعالى: أنَّه بسط الظلَّ ومدَّه، وأنَّه جعله متحرِّكًا تبعًا لحركة الشمس، ولو شاء لجعله ساكنًا لا يتحرَّك، إمَّا بسكون المظهر له والدليل عليه، وإمَّا بسببٍ آخر. ثمَّ أخبر: أنَّه قبضه بعد بسطه قبضًا يسيرًا، وهو شيءٌ بعد شيءٍ، لم يقبضه جملةً. فهذا من أعظم آياته الدالَّة على كمال قدرته وحكمته (٥)، فندب سبحانه إلى رؤية صنعه (٦) وقدرته وحكمته في هذا الفرد من مخلوقاته، ولو شاء لجعله لاصقًا بأصلِ ما هو ظلٌّ له من جبلٍ وبناءٍ وشجرٍ وغيره، فلم ينتفع به

стр. 2179

أحد، فإن كمال الانتفاع به تابع لمدِّه وبسطه وتحوُّله من مكانٍ إلى مكانٍ. وفي مدِّه وبسطه ثمَّ قبضه شيئًا فشيئًا من المصالح والمنافع ما لا يخفى ولا يحصى، فلو كان ساكنًا دائمًا، أو قُبض دفعةً واحدةً لتعطَّلت مرافق العالم ومصالحه به وبالشمس، فمدُّ الظلِّ وقبضُه شيئًا فشيئًا لازمٌ لحركة الشمس على ما قدِّرت عليه من مصالح العالم. وفي دلالة الشمس على الظِّلال ما يُعرف به أوقات الصلوات، وما مضى من اليوم، وما بقي منه. وفي تحرُّكه وانتقاله ما يبرد ما أصابه حرُّ الشمس، وينفع الحيوان والشجر والنبات. فهو من آيات الله الدالَّة عليه. وفي الآية وجهٌ آخر، وهو أنَّه سبحانه مدَّ الظلَّ حين بنى السماء كالقبَّة المضروبة، ودحا الأرض تحتها، فألقت القبَّة ظلَّها عليها، فلو شاء سبحانه لجعله ساكنًا مستقرًّا في تلك الحال، ثمَّ خلق الشمس ونصبها دليلًا على ذلك الظلِّ، فهو يتبعها في حركتها، يزيد بها وينقص، ويمتدُّ ويَقْلِص، فهو تابعٌ لها تبعيَّة المدلول لدليله. وفيها وجهٌ آخر، وهو أن يكون المراد قبضه عند قيام الساعة بقبض أسبابه، وهي الأجرام التي تلقي الظِّلال. فيكون قد ذكر إعدامه بإعدام أسبابه، كما ذكر إنشاءه بإنشاء أسبابه. وقوله: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ﴾ كأنَّه يشعر بذلك، فقوله: ﴿إِلَيْنَا قَبْضًا﴾ يشبه قوله: ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ [ق: ٤٤]. وقوله: ﴿ثُمَّ﴾ بصيغة الماضي لا ينافي ذلك، كقوله: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]. والوجه في الآية هو الأوَّل. وهذان الوجهان إن أراد من ذكرهما دلالة الآية عليهما إشارةً وإيماءً فقريب، وإن أراد أنَّ ذلك هو المراد من لفظها

стр. 2180

فبعيد؛ لأنَّه سبحانه جعل ذلك آيةً ودلالةً عليه للناظر فيه، كما في سائر آياته التي يدعو عباده إلى النظر فيها، فلا بدَّ أن يكون ذلك أمرًا مشهودًا تقوم به الدلالة وتحصل به التبصرة. وأبعد من هذا ما تعلَّق به صاحب «المنازل» في باب القبض بقبض الظِّلِّ، كما أشار إليه في خطبة كتابه حيث يقول (١): (الذي مدَّ ظلَّ التكوين على الخليقة مدًّا طويلًا، ثمّ جعل شمس التمكين لصفوته عليه دليلًا، ثمَّ قبض ظلَّ التفرقة عنهم إليه قبضًا يسيرًا)، فاستعار للتكوين لفظ الظلِّ إعلامًا بأنَّ المكوِّنات بمنزلة الظِّلال في عدم استقلالها بأنفسها، إذ لا يتحرَّك الظلُّ إلَّا بحركة صاحبه. وقوله (مدًّا طويلًا) إشارة إلى أنَّه سبحانه لا يزال يخلق شيئًا بعد شيءٍ خلقًا لا يتناهى، لسعة قدرته ووجوب أبديَّته. ثمَّ إنَّ حقيقة الظلِّ هي عدم الشمس في بقعةٍ ما لساترٍ سترها. فإنَّما تتعيَّن تلك الحقيقة بالشمس، فكذلك التكوُّن إنَّما يتعيَّن حقيقةً (٢) بالمكوِّن تعالى. و (شمس التمكين) هي التوحيد الجامع لقلوب صفوته عن (٣) التفرُّق في شعاب ظلِّ التكوين (٤). (ثمَّ قبض ظلَّ التفرقة عنهم إليه قبضًا يسيرًا) أي: أخذ ظلَّ التفرقة عنهم أخذًا سهلًا.

стр. 2181

فالشيخ أحال باستشهاده بالآية في الباب المذكور على ما تقدَّم له في الخطبة. ووجه الإشارة بالآية يعلم من قوله: ﴿(٤٥) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ﴾. والقبض في هذا الباب لم يرد به قبض الإضافة، ولهذا قال الشيخ (١): (القبض في هذا الباب اسمٌ يشار به إلى مقام الضَّنائن الذين ادَّخرهم الحقُّ اصطناعًا لنفسه). فالقبض نوعان: قبضٌ في الأحوال، وقبضٌ في الحقائق. فالقبض في الأحوال أمرٌ يطرق القلب يمنعه عن الانبساط والفرح، وهو نوعان أيضًا: أحدهما: ما يعرف سببه، مثل تذكُّر ذنبٍ أو تفريطٍ أو بُعدٍ أو جفوةٍ، أو حدوث ذلك. والثاني: ما لا يعرف سببه، بل يهجم على القلب هجومًا لا يقدر على التخلُّص منه. وهذا هو القبض المشار إليه على ألسنة القوم، وضدُّه البسط. فالقبض والبسط عندهم حالتان للقلب لا يكاد ينفكُّ منهما. وقد قال أبو القاسم الجنيد: في معنى القبض والبسط معنى الخوف والرّجاء، فالرجاء (٢) يبسط إلى الطاعة، والخوف يقبض عن (٣) المعصية (٤).

стр. 2182

وكلُّهم تكلَّم في (القبض والبسط) على هذا المنهج، حتَّى جعلوه أقسامًا: قبض تأديبٍ، وقبض تهذيبٍ، وقبض جمعٍ، وقبض تفريقٍ. ولهذا يمتنع به صاحبُه إذا تمكَّن منه من الأكل، والشُّرب، والكلام، وفعل (١) الأوراد، والانبساط إلى الأهل وغيرهم. فقبض التأديب يكون عقوبةً على غفلةٍ، أو خاطر سوءٍ، أو فكرةٍ رديئةٍ. وقبض التهذيب يكون إعدادًا لبسطٍ عظيمٍ (٢) شأنه يأتي بعده، فيكون القبض قبله كالتنبيه عليه والمقدِّمة له، كما كان الغتُّ والغطُّ (٣) مقدِّمةً بين يدي الوحي وإعدادًا لوروده. وهكذا الشدَّة مقدِّمةٌ بين يدي الفرج، والبلاء مقدِّمةٌ بين يدي العافية، والخوف الشديد مقدِّمةٌ بين يدي الأمن، وقد جرت (٤) سنَّة الله سبحانه أنّ هذه الأمور النافعة المحبوبة إنَّما يُدخَل إليها من أبواب أضدادها. وأمَّا قبض الجمع: فهو ما يحصل للقلب حالة جمعيَّته على الله من انقباضه عن العالم وما فيه، فلا يبقى فيه فضلٌ ولا سعةٌ لغير من اجتمع قلبه

стр. 2183

عليه. وفي هذه الحال مَن أراد مِن صاحبها (١) ما يعهده منه من (٢) المؤانسة والمذاكرة فقد ظلمه. وأمَّا قبض التفرقة: فهو القبض الذي يحصل لمن تفرَّق قلبه عن الله، وتشتَّت عنه في الشِّعاب والأودية، فأقلُّ عقوبته: ما يجده من القبض الذي يتمنَّى معه الموت. وأمّا القبض الذي أشار إليه صاحب «المنازل» فهو (٣) شيءٌ وراء هذا كلِّه، فإنَّه جعله من قسم الحقائق، وذلك القبض الذي تقدَّم ذكره من أقسام البدايات. ولهذا قال: (القبض في هذا الباب: اسمٌ يشار به إلى مقام الضَّنائن). ومن هاهنا حسن استشهاده بإشارة الآية، لأنَّه تعالى أخبر عن قبض الظلِّ إليه، والقبض في هذا الباب يتضمَّن قبضَ القلب عن غيره إليه، وجمعيَّتَه بعد التفرقة عليه. والضَّنائن جمع ضَنينةٍ (٤)، وهي الخاصَّة التي يَضَنُّ بها صاحبُها، أي: يبخل ببذلها ويصطفيها لنفسه، ولهذا قال: (الذين ادَّخرهم الحقُّ اصطناعًا لنفسه) (٥).

стр. 2184

والادِّخار افتعالٌ من الذُّخر، وهو ما يعدُّه المرء لحوائجه ومصالحه، والاصطناع بمعنى الاصطفاء. قال الله تعالى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ (١) [طه: ٤١]. والاصطناع في الأصل: اتِّخاذ الصنيعة، وهي الخير تسديه إلى غيرك، قال الشاعر (٢): وإذا اصطنعت صنيعةً فاقصد بها ... وجه الذي يولي الصنائع أو دَع قال ابن عبَّاس: اصطنعتك لوحيي ورسالتي. وقال الكلبيُّ: اخترتك بالرِّسالة لنفسي، لكي تحبَّني وتقوم بأمري. وقيل: اخترتك بالإحسان إليك لإقامة حجّتي لتكلِّم عبادي عنِّي. قال أبو إسحاق: اخترتك لإقامة حجَّتي، وجعلتك بيني وبين خلقي حتَّى صرتَ في الخطاب والتّبليغ عنِّي بالمنزلة التي أكون أنا بها لو خاطبتهم (٣).

стр. 2185

وقيل (١): مثَّل حاله بحال من يراه بعض الملوك لجوامع خصالٍ فيه وخصائص أهلًا لكرامته (٢) وتقريبه، فلا يكون أقربُ منه منزلةً إليه، ولا ألطف محلًّا، فيصطنعه بالكرامة والأثرة، ويستخلصه لنفسه، بحيث يسمع به، ويبصر به، ويطَّلع على سرِّه. والمقصود: أنَّ الربَّ سبحانه حال بين هؤلاء الضنائن وبين التعلُّق بالخلق، وصرف قلوبهم وهممهم وعزائمهم إليه. قال (٣): (وهم ثلاث فرقٍ: فرقةٌ قبضهم إليه قبضَ التوقِّي، فضنَّ بهم على أعين العالمين). هذا الحرف في (التّوقِّي) (٤) بالقاف من الوقاية (٥)، وليس من الوفاة. أي: سترهم على (٦) أعين النّاس وقايةً لهم وصيانةً عن ملابستهم، فغيَّبهم عن أعين الناس، فلم يطلعهم عليهم، وهؤلاء أهل الانقطاع والعزلة عن الناس وقت فساد الزمان، ولعلَّهم الذين قال فيهم النبيُّ ﷺ : «يوشك أن يكون خير مال المرء غنمًا يتبع بها شَعَف الجبالِ ومواقع القَطْر» (٧)، وقوله: «ورجلٌ معتزلٌ في شعبٍ من هذه الشِّعاب، يعبد ربَّه، ويدع الناس من

стр. 2186

شرِّه» (١). وهذه الحال تحمد في بعض الأماكن والأوقات دون بعضها، وإلَّا فالمؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من هؤلاء (٢). فللعزلة وقت تجب فيه، ووقت تستحبُّ فيه، ووقت تباح فيه، ووقت تكره فيه، ووقت تَحرُم فيه. ويجوز أن يكون (قبض التوفِّي) بالفاء، أي: توفَّى أجسادهم وقلوبهم من بين العالمين وهم في الدُّنيا، لكن لمَّا لم يخالطوهم كانوا بمنزلة من قد تُوفِّي وفارق الدُّنيا. قال (٣): (وفرقةٌ قبضهم بسترهم في لباس التلبيس، وأسبل عليهم أكلَّة (٤) الرُّسوم، فأخفاهم عن عيون العالم). هذه الفرقة هم مع الناس مخالطون لهم، والناس يرون ظواهرهم، وقد

стр. 2187

ستر الله سبحانه حقائقهم وأحوالهم عن رؤية الخلق لها. فحالهم ملتبسٌ على الناس لا يعرفونه (١)، فإذا رأوا منهم ما يرون من أبناء الدُّنيا من الأكل والشُّرب، واللِّباس والنِّكاح، وطلاقة الوجه وحسن العشرة= قالوا: هؤلاء من أبناء الدُّنيا. وإذا رأوا ذلك الجدَّ والهمم، والصبر والصِّدق، وحلاوة المعرفة والإيمان والذِّكر، وشاهدوا أمورًا ليست من دأب (٢) أبناء الدُّنيا= قالوا: هؤلاء أبناء الآخرة، فالتبس حالهم عليهم، فهم مستورون عن الناس بأسبابهم وصنائعهم ولباسهم، لم يجعلوا لطلبهم وإرادتهم إشارةً تشير إليهم: اعرفوني، فهؤلاء هم الصادقون، وهؤلاء يكونون مع الناس، والمحجوبون لا يعرفونهم، ولا يرفعون بهم رأسًا، وهم من سادات أولياء الله، صانهم الله عن معرفة الناس لهم كرامةً لهم، لئلَّا يفتتنوا بهم، وإهانةً للجهَّال بهم فلا ينتفعون بهم. وهذه الفرقة بينها وبين الأولى من الفضل ما لا يعلمه إلّا الله، فهم بين الناس بأبدانهم، وبين الرفيق الأعلى بقلوبهم، فإذا فارقوا هذا العالم انتقلت أرواحهم إلى تلك الحضرة، فإنَّ روح كلِّ عبدٍ تنتقل بعد مفارقة البدن إلى حضرة من كان يألفهم ويحبُّهم (٣)، فإنَّ المرء مع من أحبَّ. قوله: (وأسبل عليهم أكلَّة (٤) الرُّسوم)، أي: أجرى عليهم أحكام

стр. 2188

الخلق: يأكلون كما يأكلون، ويشربون كما يشربون، ويسكنون حيث يسكنون، ويمشون معهم في الأسواق، ويعانون معهم الأسباب؛ وهم في وادٍ والناس في وادٍ، فمشاركتهم إيَّاهم في ذلك هي التي سترتهم عن معرفتهم وإدراك حقائقهم، فهم تحت ستور المشاركة. ووراء هاتيك السُّتور محجَّبٌ ... بالحسن كلُّ العزِّ تحت لوائه لو أبصرت عيناك بعضَ جماله ... لبذلتَ منك الرُّوحَ في إرضائه ما طابت الدُّنيا بغير حديثه ... كلَّا ولا الأخرى بدون لقائه يا خاسرًا هانت عليه نفسه ... إذ باعها بالغبن من أعدائه لو كنت تعلم قدر ما قد بعتَه ... لفسختَ ذاك البيع قبل وفائه أو كنت كفؤًا للرشاد وللهدى ... أبصرت لكن لستَ من أكْفائه (١) قوله (٢): (وفرقةٌ قبضهم منهم إليه، فصافاهم مصافاةَ سرٍّ، فضنَّ بهم عليهم). هذه الفرقة إنَّما كانت أعلى من الفريقين المتقدِّمين لأنَّ الحقَّ سبحانه قد سترهم عن نفوسهم، لكمال ما أطلعهم عليه، وشَغْلِهم به عنهم. فهم في أعلى الأحوال والمقامات، ولا التفات لهم إليها، فهؤلاء قلوبهم معه سبحانه لا مع سواه، فلم يكونوا مع (٣) السِّوى ولا السِّوى منهم، بل هم مع السِّوى بالمجاورة والامتحان، لا بالمساكنة والألفة؛ قلوبٌ عامرةٌ بالأسرار، وأرواحٌ

стр. 2189

تحنُّ إليه حنين الطُّيور إلى الأوكار، قد سترهم وليُّهم وحبيبهم عنهم، وأخذهم إليه منهم. قوله: (فصافاهم مصافاةَ سرٍّ)، أي: جعل مواجيدهم في أسرارهم وقلوبِهم للطف إدراكهم، فلم يظهر عليهم في ظواهرهم لقوَّة الاستعداد. وقوله: (فضنَّ بهم عليهم)، أي: أخذهم عن رسومهم، فأفناهم عنهم، وأبقاهم به. وقد علمت من هذا أنَّ (القبض) المشار إليه في هذا الباب ليس هو القبض الذي يشير إليه القوم في البدايات والسُّلوك، والله أعلم. * * * *

стр. 2190

فصل قال صاحب «المنازل» (١): (باب البسط. قال الله تعالى: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ [الشورى: ١١]). قلت: وجه تعلُّقه بإشارة الآية هو أن معناها: أنَّ الله سبحانه يُعيشكم فيما خلق لكم من الأنعام المذكورة. قال الكلبيُّ (٢): يكثِّركم في هذا التزويج، ولولا هذا التزويج لم يكثر النسل. والمعنى: يخلقكم في هذا الوجه الذي ذكر من جعله لكم أزواجًا، فإنَّ سبب خلقنا وخلق الحيوان: بالأزواج. والضمير في قوله: ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ يرجع إلى الجعل. ومعنى الذَّرْء: الخلق، وهو هاهنا الخلق (٣) الكثير، فهو خلقٌ وتكثير. فقيل: (في) بمعنى الباء، أي: يكثِّركم بذلك، وهذا قول الكوفيِّين (٤). والصحيح: أنَّها على بابها، والفعل مضمَّن معنى (يُنشئكم) وهو يتعدَّى بـ (في)، كما قال تعالى: ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦١]. فهذا تفسير الآية. ولمَّا كانت الحياة حياتين: حياة الأبدان وحياة الأرواح، وهو سبحانه هو الذي يحيي قلوب أوليائه وأرواحهم بإكرامه ولطفه وبسطه كان (٥) ذلك تنميةً لها وتكثيرًا وذرءًا، والله أعلم.

стр. 2191

قال صاحب «المنازل» (١): (البسط: أن يُرسِل شواهد العبد في مدارج العلم، ويُسبِل على باطنه رداء الاختصاص، وهم أهل التلبيس. وإنَّما بُسطوا في ميدان البسط لأحد (٢) ثلاث معانٍ، لكلِّ معنًى طائفة). يريد: أنَّ البسط إرسال ظواهر العبد وأعماله على مقتضى العلم، ويكون باطنه معمورًا بالمراقبة والمحبَّة والأنس بالله، فيكون جماله في ظاهره وباطنه، فظاهره قد أُلبس الجمال بموجب العلم، وباطنه قد اكتسى (٣) الجمال بالمحبَّة والرجاء والخوف والمراقبة والأنس، فالأعمال الظاهرة له دثارٌ، والأحوال الباطنة له شعارٌ. فلا حالُه ينقص عليه ظاهر حكم، ولا علمه يقطع عليه وارد حالٍ. وقد جمع سبحانه بين الجمالين ــ أعني: جمال الظاهر والباطن ــ في غير موضعٍ من كتابه: منها قوله: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦]. ومنها قوله في نساء الجنّة: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] فهنّ حسان الوجوه، خيرات (٤) الأخلاق.

стр. 2192

ومنها قوله: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ [الإنسان: ١١]، فالنضرة جمال الوجوه، والسُّرور جمال القلوب. ومنها قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢]، فالنضرة تزيِّن ظواهرها، والنّظر يجمِّل بواطنها. ومنها قوله: ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]، فالأساور جمَّلت ظواهرهم، والشراب الطهور طهَّر بواطنهم. ومنها قوله: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ [الصافات: ٦ - ٧]، فجمَّل ظاهرها بالكواكب، وباطنها بالحراسة من الشياطين. رجعنا إلى شرح كلامه. قوله: (وهم أهل التّلبيس) يعني: أنَّهم المذكورون في باب القبض وهم الفرقة الثانية الذين سُتروا بلباس التلبيس في (١) أعين الناس، فلا تُرى حقائقهم. قوله: (وإنَّما بسطوا في ميدان البسط)، أي: بسطهم الحقُّ سبحانه، ولم يتعمَّلوا البسط من أنفسهم. وميدان البسط هو الذي نصبه لهم الحق سبحانه (٢) على لسان رسوله ﷺ ، لا ما يظنُّه الملحد (٣) أنَّه السماع الشهيُّ، وملاحظة

стр. 2193

المنظر البهيِّ، ورؤية الصُّور المستحسنات، وسماع الآلات المطربات. نعم، هذا ميدانٌ بسَطَه الشيطان يقتطع به النفوس عن الميدان الذي نصبه الرحمن، فميدان الرحمن الذي بسطه لأنبيائه وأوليائه هو ما كان عليه رسول الله ﷺ مع أصحابه وأهله ومع الغريب والقريب مِن: سعة الصدر، ودوام البشر، وحسن الخلق، والسلام على من لقيه، والوقوف مع من استوقفه، والمزح بالحقِّ مع الصغير والكبير أحيانًا، وإجابة الدعوة، ولين الجانب حتَّى يظنَّ كلُّ واحدٍ من أصحابه أنَّه أحبُّهم إليه. وهذا الميدان لا تجد فيه إلَّا واجبًا، أو مستحبًّا، أو مباحًا يُعين عليهما. قوله (١): (فطائفةٌ بسطت رحمةً للخلق، يباسطونهم ويلابسونهم فيستضيئون بنورهم؛ والحقائق مجموعة، والسَّرائر مصونة). أي: جعل الله سبحانه انبساطهم مع الخلق رحمةً لهم، كما قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، فالرّبُّ سبحانه بسط هؤلاء مع خلقه ليقتدي بهم السالك، ويهتدي بهم الحيران، ويُشفى بهم العليل، ويُستضاء بنور هدايتهم ونصحهم ومعرفتهم في ظلمات دياجي الطَّبع والهوى، فالسالكون يقتدون بهديهم إذا سكتوا، وينتفعون بكلماتهم إذا نطقوا (٢)، فإنَّ حركاتِهم وسكونَهم ونُطقهم وسكوتهم لمَّا كانت بالله ولله وعلى أمر الله= جذبت قلوب الصادقين إليهم. وهذا النُّور الذي أضاء على الناس منهم هو نور العلم والمعرفة.

стр. 2194

والعلماء ثلاثة: - عالمٌ استنار بنوره واستنار به الناس، فهذا من خلفاء الرُّسل وورثة الأنبياء. - وعالمٌ استنار بنوره ولم يستنر به غيرُه، فهذا إذا لم يفرِّط كان نفعه قاصرًا على نفسه، وبينه وبين الأوَّل ما بينهما. - وعالمٌ لم يستنر بنوره ولا استنار به غيرُه، فهذا علمه وبالٌ عليه، وبسطته للناس فتنةٌ لهم، وبسطة الأوَّل رحمةٌ لهم. قوله: (والحقائق مجموعة، والسرائر مصونة)، أي: انبسطوا والحقائق التي في سرائرهم مجموعةٌ (١) في بواطنهم، لم تتفرق بالانبساط الذي اشتغلت به ظواهرهم، فالانبساط لم يشتِّت قلوبهم، ولم يفرِّق هممهم، ولم يحلَّ عقد عزائمهم. وسرائرهم مصونةٌ مستورةٌ لم يكشفوها لمن انبسطوا إليه وإن كان البسط يقتضي الإلف واطِّلاعَ كلٍّ من المتباسطين على سرِّ صاحبه. فإيَّاك ثمَّ إيَّاك أن تُطلع من باسطتَه على سرِّك مع الله، ولكن اجذبه وشوِّقه، واحفظ وديعة الله عندك، لا تعرِّضها للاسترجاع. قال (٢): (وطائفةٌ بُسطت لقوَّة معاينتهم (٣)، وتصميم مناظرهم، لأنَّهم

стр. 2195

طائفةٌ لا تخالج الشواهدُ شهودهم (١)، ولا تضرب رياحُ الرسوم موجودهم، فهم منبسطون (٢) في قبضة القبض). إنَّما كانت هذه الدرجة أعلى ممَّا قبلها، لأنَّ ما قبلها لأرباب الأعمال، وهذه لأرباب الأحوال، بُسطت (٣) الأولى رحمةً للخلق، وبسطت هذه اختصاصًا بالحقِّ. وقوله: (لقوَّة معاينتهم)، إمَّا أن يكون المعنى: لقوَّة إدراك معاينتهم، أو لقوَّة ظهور معاينتهم لبواطنهم، أو لقوَّتها وثباتها (٤) في نفسها. والمعنى: أنَّه لا يطمع البسط أن يحجبهم عن معاينة مطلوبهم؛ لأنَّ قوَّة المعاينة منعت وصول البسط إلى إزالتها أو إضعافها. وقوله: (وتصميم مناظرهم) يعني: ثبات مناظر قلوبهم وصحَّتها، فليسوا ممَّن يحول بين نظر قلوبهم وبين ما تراه قَتَرٌ من شكٍّ، ولا غيمٌ من ريب، فاللطيفة الإنسانيَّة المدرِكة لحقيقة ما أُخبروا به من الغيب صحيحة، وهي شديدة التوجُّه إلى مشهودها، فلم يقدر البسط على حجبها عن مشهودها. قوله: (لأنَّهم طائفةٌ لا تخالج الشواهد شهودهم (٥)) أي: لا تمازج

стр. 2196

الشواهد شُهودهم (١) فيكونَ إدراكهم بالاستدلال، بل مشهودهم حاضرٌ لهم لم يدركوه بغيره، فلا يخالط مشاهدتَهم له شواهدُ من غيره. والشواهد مثل الأمارات والعلامات. وهذا الكلام يحتاج إلى (٢) بيانٍ وتفصيلٍ: فإنَّ الله سبحانه أقام الشواهد عليه، وملأ بها كتابه، ودعا عباده إلى النظر فيها والاستدلال بها، ولكنَّ العارف إذا حصل له منها الدلالة، ووصل منها إلى اليقين انطوى حكمُها في شهوده، وسافر قلبه منها إلى المطلوب المدلول عليه بها، ورآها كلَّها أثرًا من آثار أسمائه (٣) وصفاته وأفعاله، فعاين المشهود المدلول عليه بها معاينةَ القلب والبصيرة للصانع إذا عاين صُنعَه، فكأنَّه يرى الباني وهو يبني ما يشاهده (٤) من البناء المحكم المتقن؛ لا أن الشواهد والأدلَّة تَبطُل ويَبطُل حكمُها. فتأمّل هذا الموضع، فإنَّه غلط فيه فريقان: فريقٌ أساؤوا الظنَّ بمن طوى حكم الشواهد والأدلَّة، ونسبوهم إلى ما نسبوهم إليه. وفريقٌ رأوا أنَّ الشواهد نفس المشهود، والدليل عين المدلول عليه، ولكن كان في الابتداء شاهدًا ودليلًا، وفي الانتهاء مشهودًا (٥) ومدلولًا.

стр. 2197

قوله: (ولا تضرب رياح الرُّسوم موجودهم (١))، شبَّه الرُّسوم بالرِّياح؛ لأنَّ (٢) معاني الصُّور الخلقيَّة تمرُّ على أهل الشُّهود الضعيف فتحرِّك بواطنهم بنوعٍ من الشكِّ والريب، فهؤلاء الذين بسطهم الحقُّ تعالى سالمون من ذلك. قوله: (فهم منبسطون في قبضة القبض)، أي: هم في حال انبساطهم غير محجوبين عن معاني القبض، بل هم مبسوطون (٣) بقبضه إيَّاهم عن غيره، فلا يتنافى في حقِّهم البسط والقبض، بل قبضهم إليه (٤) في بسطهم، وبسطهم (٥) به في قبضهم. وجَعَل للقبض قبضةً ترشيحًا للاستعارة. قال (٦): (وطائفةٌ بُسطت أعلامًا على الطريق، وأئمَّةً للهدى، ومصابيح للسالكين). إنَّما كانت هذه الفرقة أعلى من الفرقتين لأنَّها شاركتهما في درجتيهما واختصَّت عنهما بهذه الدرجة، فاتَّصفت بما اتَّصفت به الأولى من الأعمالِ والثانيةُ من الأحوال، وزادت عليهما بالنفع للسالكين، والهداية للحائرين، والإرشاد للطالبين؛ فاهتدى بهم الحائر، وسار بهم الواقف، واستقام بهم

стр. 2198

الجائر (١)، وأقبل بهم المعرض، وكمل بهم الناقص، ورجع بهم الناكص، وتقوَّى بهم الضعيف، وتنبَّه على المقصود من هو في الطريق. وهؤلاء هم خلفاء الرُّسل حقًّا، وهم أولو الصبر واليقين، فجمعوا بين البصيرة والصبر؛ قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]، فنالوا إمامة الدِّين بالصبر واليقين. * * * *

стр. 2199

فصل قال صاحب «المنازل» (١): (باب السُّكر. قال الله تعالى حاكيًا عن كليمه موسى: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]). وجه استدلاله بإشارة الآية أنَّ موسى لمَّا استغرق قلبَه وسمعَه وروحَه (٢) الاستلذاذُ بكلام ربِّه له، فحصل له من سماع ذلك الكلام، وطيبِ ذلك الخطاب، ولذَّةِ ذلك التكليم ما يَجِلُّ ويَعظُم ويَكبُر أن يسمَّى سكرًا أو يُشبَّه بالسُّكر= جرى على لسانه طلبُ الرؤية له سبحانه في تلك الحال. قال (٣): (السُّكر في هذا الباب اسمٌ يشار به إلى سقوط التمالك في الطَّرب. وهذا من مقامات المحبِّين خاصَّةً، فإنَّ عيون الفناء لا تقبله، ومنازل العلم لا تبلغه). قوله: (يشار به إلى سقوط التمالك)، يعني: عدم الصبر، تقول: ما تمالكتُ أن أفعل كذا، أي: ما قدرت أن أصبر عنه، فكأنَّه قال: هو اسمٌ لقوَّة الطرب الذي لا يدفعه الصبر. وهذا المعنى لم يعبِّر عنه القرآن ولا السنَّة ولا العارفون من السلف بالسُّكر أصلًا، وإنَّما ذلك من اصطلاح المتأخِّرين. وهو بئس الاصطلاح، فإنَّ لفظ السُّكر والمُسكِر من الألفاظ المذمومة شرعًا وعقلًا، وعامَّةً ما

стр. 2200

يستعمل في السُّكر المذموم الذي يمقته الله ورسوله، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣]. وعبَّر سبحانه به (١) عن الهول الشديد الذي يحصل للناس عند قيام السّاعة فقال: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢]. ويقال: فلان أسكره حبُّ الدنيا، وكذلك (٢) يستعمل في سكر الهوى المذموم. فأين أطلق الله سبحانه أو رسوله أو الصحابة أو أئمَّة الطريق (٣) المتقدِّمون على هذا المعنى الشريف الذي هو من أشرف أحوال محبِّيه وعابديه= اسمَ السُّكر المستعمل في سكر الخمر وسكر الفواحش؟! كما قال تعالى عن قوم لوطٍ: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢]، فوصف بالسُّكر أرباب الفواحش، وأرباب الشراب المسكر؛ فلا يليق استعماله في أشرف الأحوال والمقامات، ولا سيَّما في قسم الحقائق. ولا يطلق على كليم الرحمن اسم السُّكر في تلك الحال. والاصطلاحاتُ لا مشاحَّة فيها إذا لم تتضمَّن مفسدةً. وأيضًا فمن المعلوم أنَّ هذه الحال تحصل في الجنَّة عند رؤية الربِّ تعالى وسماع كلامه على أتمِّ الوجوه، ولا تسمَّى سكرًا. ونحن لا ننكر المعنى المشار إليه بهذا الاسم، وإنَّما المنكر تسميته بهذا

стр. 2201

الاسم، ولا سيَّما إذا انضاف إلى ذلك اسمُ (الشرب) وتسميةُ المعارف بـ (الخمر)، والواردات بـ (الكؤوس)، واللهِ ﷻ بـ (الساقي)؛ فهذه الاستعارة والتسمية هي التي فتحت هذا الباب. وأمَّا قوله: (وهو من مقامات المحبِّين خاصَّةً)، فلا بدَّ من بيان حقيقة السُّكر وسببه وتولُّده، وهل هو مقدورٌ أم غير مقدورٍ، وبيان انقسامه باعتبار ذاته وأسبابه ومحلِّه، لتكون الفائدة بذلك أتمَّ. فنقول وبالله التوفيق: السُّكر لذّةٌ ونشوةٌ يغيب معها العقل الذي يحصل به التمييز ويعلم صاحبه ما يقول. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، فجعل (١) الغاية التي يزول بها حكم السُّكر: أن يعلم ما يقول (٢)، فإذا علم ما يقول خرج عن (٣) حدِّ السكران. قال الإمام أحمد: السكران من لم يعرف ثوبه من ثوب غيره، ونعلَه من نعل غيره (٤). ويُذكر عن الشافعيِّ أنَّه إذا اختلط كلامه المنظوم، وأفشى سرَّه المكتوم (٥). فالسكر يجمع معنيين: وجودَ لذَّةٍ وعدمَ تمييزٍ، وقاصد السُّكر قد يقصدهما جميعًا، وقد يقصد أحدهما. فإنَّ النفس لها هوًى وشهواتٌ

стр. 2202

تَلَذَّذُ (١) بإدراكها، والعلمُ بما في تلك اللذَّات من المفاسد العاجلة والآجلة يمنعها من تناولها، والعقل يأمرها بأن لا تفعلي، فإذا زال العلم الكاشف المميِّز والعقل الآمر الناهي انبسطت النفس في هواها، وصادفت مجالًا (٢) واسعًا. وحرَّم الله سبحانه السُّكر لسببين (٣) ذكرهما في كتابه، وهما: إيقاع العداوة والبغضاء بين المسلمين، والصدُّ عن ذكر الله وعن الصلاة. وذلك يتضمَّن حصولَ المفسدة الناشئة من النُّفوس بواسطة زوال العقل، وانتفاءَ المصلحة التي لا تتمُّ إلَّا بالعقل؛ فإيقاع العداوة من الأوَّل، والصدُّ عن ذكر الله من الثاني. وقد يكون سبب السُّكر غير تناول المسكر، إمَّا ألم شديد يُغيِّب العقل حتَّى يصير كالسكران، وقد يكون سببَه (٤) مخوفٌ عظيمٌ هجم وهلةً واحدةً حتَّى غيَّب عقلَ من هجم عليه. ومِن هذا قوله تعالى: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ [الحج: ٢]، فهم سكارى من الدهش والخوف، وليسوا سكارى (٥) من الشراب، فسكرهم سكر خوفٍ ودهشٍ، لا سكر لذَّةٍ وطربٍ. وقد يكون سببه قوَّة الفرح بإدراك المحبوب، بحيث يختلط كلامُه وتتغيَّر أفعاله، بحيث يزول عقله ويُعربد أعظم من عربدة شارب الخمر.

стр. 2203

وربَّما قتله سكرُ هذا الفرح بسببٍ (١) طبيعيٍّ، وهو انبساط دم القلب وهلةً واحدةً انبساطًا غير معتادٍ، والدَّم هو حامل الحارِّ الغريزيِّ، فيبرد القلب بسبب انبساط الدم عنه، فيحدث الموت. ومن هذا قول سكران الفرح بوجود راحلته في المفازة بعد أن استشعر الموت: «اللهمَّ أنت عبدي وأنا ربُّك»، أخطأ من شدَّة فرحه (٢). وسكرة الفرح فوق سكرة الشراب، فصوِّر في نفسك حال فقيرٍ مُعْدِمٍ، عاشقٍ للدُّنيا أشدَّ العشق، ظَفِر بكنزٍ عظيمٍ، فاستولى عليه آمنًا مطمئنًّا، كيف يكون سكره (٣)؟ أو من غاب عنه غلامه بمالٍ له عظيمٍ مدَّة سنين حتَّى أضرَّ به العُدْم، فقَدِم عليه من غير انتظارٍ له بماله كلِّه وقد كسب أضعافه؟ وقد يوجبه غضبٌ شديدٌ، يحول بين الغضبان وبين تمييزه، بل قد يكون سكر الغضب أقوى من سكر الطرب، ولهذا قال النبيُّ ﷺ : «لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان» (٤). ولا يستريب من شمَّ رائحة الفقه أنَّ الغضب إذا وصل بصاحبه إلى هذه الحال فطلَّق، لم يقع طلاقه. وقد نصَّ الإمام أحمد (٥) على أنَّ الإغلاق الذي

стр. 2204

قال فيه النبيُّ ﷺ : «لا طلاق ولا عتاق في إغلاق» (١) أنَّه الغضب. وقال أبو داود (٢): أظنُّه الغضب. والشافعي يُسمِّي نذر اللِّجاج والغضب: نذر الغَلَق (٣)، وذلك لأنَّ الغضبان قد انغلق عليه باب القصد والتمييز بشدَّة غضبه. وإذا كان الإكراه غَلَقًا، فالغضب (٤) الشديد أولى أن يكون غلقًا. وكذلك السُّكر غلقٌ أيضًا، والجنون غلقٌ. فالغَلَق والإغلاق كلمةٌ جامعةٌ لمن انغلق عليه باب القصد والتمييز بسببٍ من الأسباب. [وقد أشبعنا الكلام في هذا في كتابنا المسمَّى بـ «إغاثة اللهفان في طلاق الغضبان»] (٥). فصل ومن أسباب السُّكر: حبُّ الصُّور وغيرِها، سواءٌ كانت مباحةً أو محرَّمةً، فإنَّ الحبَّ إذا استحكم وقوي أسكر صاحبَه، وهذا مشهورٌ في أشعارهم وكلامهم، كما قال (٦):

стр. 2205

سُكرانِ سكرُ هوًى وسكرُ مُدامةٍ ... ومتى إفاقةُ مَن به سُكران وقال الآخر (١) من أبياتٍ: [تسقيك من عينها خمرًا ومن يدها ... خمرًا فما لك مِن سُكرَينِ من بدِّ] (٢) لي سكرتان وللنَّدمان واحدةٌ ... شيءٌ خُصِصتُ به من بينهم وحدي وفي «المسند» (٣) عن النبيِّ ﷺ : «حبُّك الشيءَ يُعمي ويُصمُّ»، أي: يعمي عن رؤية مساوئ المحبوب، ويصمُّ عن سماع العذل واللَّوم، وإذا تمكَّن واستحكم (٤) أعمى قلبَه وأصمَّه بالكلِّيَّة. وهذا أبلغ من السُّكر، فإذا انضمَّ إلى سكر المحبَّة فرحةُ الوصال قوي السُّكرُ وتضاعف، فيخرج صاحبه عن حكم العقل وهو لا يشعر. وأكثر ما ترى من عربدة العاشق المواصل وتخليطه هو من هذا السُّكر. ولكن لمَّا ألف الناس ذلك واشتركوا فيه لم ينكروه، وإنَّما ينكره من كان خارجًا عنه، فإذا أفاقوا (٥) بين الأموات (٦) علموا حينئذٍ أنَّهم كانوا في سكرتهم يعمهون.

стр. 2206

فصل ومن أقوى أسباب السُّكر الموجبة له: سماع الأصوات المطربة، لا سيَّما إن كانت من صورةٍ مستحسنةٍ، وصادفت محلًّا قابلًا، فلا تَسَلْ (١) عن سكرة السامع، وهذا السُّكر يحدث عندها من جهتين: إحداهما في نفسها، أنها (٢) توجب لذَّةً قويَّةً ينغمر معها العقل. الثانية: أنَّها تحرِّك النّفس إلى نحو محبوبها وجهته كائنًا ما كان؛ فيحصل بتلك الحركة والشوق والطلب، مع التخيُّل للمحبوب وإحضاره في النفس، وإدناء صورته إلى القلب، واستيلائها على الفكر= لذَّةٌ عظيمةٌ تقهر العقل، فتجتمع لذَّة الألحان ولذَّة الأشجان، فتُسكر الرُّوح سكرًا عجبًا (٣)، أطيب وألذَّ من سكر الشراب، وتحصل به نشوةٌ ألذُّ من نشوة الشراب. ومن هاهنا استشهد الشيخ على السُّكر بقول موسى ﵇ لمَّا سمع كلام الربِّ ﷻ : ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]. وقد ذكر الإمام أحمد (٤) وغيره: أنَّ الله سبحانه يقول يوم القيامة لداود: «مجِّدني

стр. 2207

بذلك الصوت الذي كنت (١) تمجِّدني به في الدُّنيا»، فيقول: يا ربِّ، كيف وقد أذهبته المعصية؟ فيقول: «أنا أردُّه عليك»، فيقوم عند ساق العرش ويمجِّده، فإذا سمع أهل الجنَّة صوته استفرغ نعيمَ أهل الجنَّة. وأعظم من ذلك إذا سمعوا كلام الربِّ ــ ﷻ ــ وخطابَه لهم منه إليهم بلا واسطة، وقد ذكر (٢) عبد الله بن أحمد في «كتاب السُّنَّة» (٣) أثرًا في ذلك: كأنَّ الناس يوم القيامة لم يسمعوا القرآن (٤) إذا سمعوه من الرحمن ﷻ . وإذا انضاف إلى ذلك: رؤيتهم وجهه الكريم الذي تغنيهم لذَّة رؤيته عن الجنَّة ونعيمها، فأمر لا تدركه العبارة، ولا قليلًا من كثيرٍ. وهذه صفة (٥) لا تلج كلَّ أذن، وصَوْبٌ (٦) لا يحيا به كلُّ أرض، وعينٌ لا يشرب منها كلُّ وارد، وسماعٌ لا يطرب عليه كلُّ سامع (٧)، ومائدة لا يجلس عليها طُفيلي.

стр. 2208

فلنرجع إلى ما نحن بصدده، فنقول: السُّكر سببه اللذَّة القاهرة للعقل، وسبب اللذَّة إدراك المحبوب. فإذا كانت المحبَّةُ قويَّةً وإدراكُ المحبوب قويًّا، كانت اللذَّة بإدراكه تابعةً لقوَّة هذين الأمرين (١). فإن كان العقل قويًّا مستحكمًا لم يتغيَّر لذلك، وإن كان ضعيفًا حدث السُّكر المُخرج له عن حكمه، فقد يضاف إلى قوَّة الوارد، وقد يضاف إلى ضعف المحلِّ، وقد (٢) يجتمع الأمران. قال صاحب «المنازل» (٣): (وعيون الفناء لا تقبله، ومنازل العلم لا تبلغه). لمَّا كان الفناء يُفني من العبد كلَّ ما سوى مشهوده، ويُفني معاني كلِّ شيءٍ، وكان السُّكر كما حدَّه بأنَّه سقوط التمالك في الطرب= كان في السَّكران بقيَّةٌ طَرِبَ بها، وأحسَّ بها بطربه، بحيث لم يتمالك في الطرب؛ والفناء يأبى ذلك، فحقائقه لا تقبل السُّكر. والحاصل: أنَّ الفناء استغراقٌ محضٌ، والسُّكر معه لذَّةٌ وطربٌ لا يتمالك صاحبها، ولا يقدر أن يعبِّر (٤) عنها. والمقصود: أنَّ السُّكر ليس من أعلى مقامات العارفين الواصلين، لأنَّ أعلى مقاماتهم هو الفناء عنده، فمقامهم لا يقبل السُّكر. قوله: (ومنازل العلم لا تبلغه) صحيح، فإنَّ علم المحبَّة والشوق

стр. 2209

والعشق شيء، وحال المحبَّة شيءٌ آخر، والسُّكر لا ينشأ من علم المحبَّة، وإنّما ينشأ من حالها. فكأنَّه يقول: السُّكر صفةٌ وحالة تعرض لمن مقامه فوق مقام العلم، ودون مقام الشُّهود والفناء. وهو مختصٌّ بالمحبَّة، لأنَّ المحبَّة هي آخر منزلةٍ يلتقي فيها مقدِّمةُ العامَّة وهم أهل طور العلم، وساقةُ الخاصَّة وهم أهل طور الشُّهود والفناء، فالبرزخ الحاصل بين المقامين هو مقام المحبَّة، فاختصَّ به السُّكر. فصل قال (١): (وللسُّكر ثلاث علاماتٍ: الضِّيق عن الاشتغال بالخبرِ والتعظيمُ قائم، واقتحام لجَّة الشوقِ والتمكُّنُ دائم، والغرق في بحر السُّرورِ والصبرُ هائم). يريد: أنَّ المحبَّ تَشْغَلُه شدَّةُ وجده بالمحبوب، وحضورُ قلبه معه، وذوبانُ جوارحه من شدَّة الحبِّ= عن سماع الخبر عنه. وهذا الكلام ليس على إطلاقه، فإنَّ المحبَّ الصادق أحبُّ شيءٍ إليه الخبرُ عن محبوبه وذكرُه، كما قال عثمان بن عفّان ﵁: لو طهرت قلوبنا لما شبعت من كلام الله (٢). وقال بعض العارفين: كيف يشبعون من كلام محبوبهم، وهو غاية مطلوبهم؟

стр. 2210

والذي يريده الشيخ وأمثاله بهذا الكلام: أنَّ المحبَّ الصادق يمتلئ قلبه بالمحبَّة، فتكون هي الغالبة عليه، فتحمله غلبتها وتمكُّنها على أن لا يغفل عن محبوبه، ولا يشتغل (١) قلبه بغيره البتَّة، فيسمع من الفارغين ما ورد في حقِّ المحبِّين، ويسمع منهم أوصاف حبيبه والخبر عنه، فلا يكاد يقدر على أن يسمع ذلك أبدًا، لضيق قلبه عن سماعٍ (٢) من قلبٍ غافلٍ، وإلَّا فلو سمع هذا الخبر ممَّن هو شريكه في شَجْوه، وأنيسه في طريقه، وصاحبه في سفره، لما ضاق عنه ولاتَّسع له غاية الاتِّساع، فهذا وجه. ووجهٌ ثانٍ وهو: أنَّ السكران بالمحبَّة قد امتلأ قلبه بمشاهدة المحبوب، فاجتمعت قوى قلبه وهمُّه وإرادتُه عليه، ومعاني الخبر فيها كثرةٌ وانتقالٌ من معنًى إلى معنًى، فقلبه يضيق في هذه الحال عنها حتَّى إذا صحا اتَّسع قلبه لها. قوله: (والتعظيم قائم)، أي: ضيق قلبه عن اشتغاله بالخبر ليس اطِّراحًا له ورغبةً عنه، كيف وهو خبرٌ عن محبوبه واردٌ منه؟ بل لضيقه في تلك الحال عن الاشتغال به، وتعظيمُه قائمٌ في قلبه، فهو مشغولٌ بوجده وحاله عمَّا يفرِّقه عنه. وهذا يَحْسُن إذا كان المشتغَل به أحبَّ إلى حبيبه من المشتغَل عنه، فأمَّا إذا كان ما أعرض (٣) عنه أحبَّ إلى الحبيب ممَّا اشتغل به فشَرْعُ المحبَّة يوجب عليه إيثارَ أعظم المحبوبين إلى حبيبه، وإلَّا كان مع نفسه ووَجْده ولذَّته.
следующие страницы →