فصل
ومن أقوى أسباب السُّكر الموجبة له: سماع الأصوات المطربة، لا سيَّما إن كانت من صورةٍ مستحسنةٍ، وصادفت محلًّا قابلًا، فلا تَسَلْ (١) عن سكرة السامع، وهذا السُّكر يحدث عندها من جهتين:
إحداهما في نفسها، أنها (٢) توجب لذَّةً قويَّةً ينغمر معها العقل.
الثانية: أنَّها تحرِّك النّفس إلى نحو محبوبها وجهته كائنًا ما كان؛ فيحصل بتلك الحركة والشوق والطلب، مع التخيُّل للمحبوب وإحضاره في النفس، وإدناء صورته إلى القلب، واستيلائها على الفكر= لذَّةٌ عظيمةٌ تقهر العقل، فتجتمع لذَّة الألحان ولذَّة الأشجان، فتُسكر الرُّوح سكرًا عجبًا (٣)، أطيب وألذَّ من سكر الشراب، وتحصل به نشوةٌ ألذُّ من نشوة الشراب.
ومن هاهنا استشهد الشيخ على السُّكر بقول موسى ﵇ لمَّا سمع كلام الربِّ ﷻ : ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]. وقد ذكر الإمام أحمد (٤) وغيره: أنَّ الله سبحانه يقول يوم القيامة لداود: «مجِّدني
стр. 2207
بذلك الصوت الذي كنت (١) تمجِّدني به في الدُّنيا»، فيقول: يا ربِّ، كيف وقد أذهبته المعصية؟ فيقول: «أنا أردُّه عليك»، فيقوم عند ساق العرش ويمجِّده، فإذا سمع أهل الجنَّة صوته استفرغ نعيمَ أهل الجنَّة.
وأعظم من ذلك إذا سمعوا كلام الربِّ ــ ﷻ ــ وخطابَه لهم منه إليهم بلا واسطة، وقد ذكر (٢) عبد الله بن أحمد في «كتاب السُّنَّة» (٣) أثرًا في ذلك: كأنَّ الناس يوم القيامة لم يسمعوا القرآن (٤) إذا سمعوه من الرحمن ﷻ .
وإذا انضاف إلى ذلك: رؤيتهم وجهه الكريم الذي تغنيهم لذَّة رؤيته عن الجنَّة ونعيمها، فأمر لا تدركه العبارة، ولا قليلًا من كثيرٍ. وهذه صفة (٥) لا تلج كلَّ أذن، وصَوْبٌ (٦) لا يحيا به كلُّ أرض، وعينٌ لا يشرب منها كلُّ وارد، وسماعٌ لا يطرب عليه كلُّ سامع (٧)، ومائدة لا يجلس عليها طُفيلي.
стр. 2208
فلنرجع إلى ما نحن بصدده، فنقول: السُّكر سببه اللذَّة القاهرة للعقل، وسبب اللذَّة إدراك المحبوب. فإذا كانت المحبَّةُ قويَّةً وإدراكُ المحبوب قويًّا، كانت اللذَّة بإدراكه تابعةً لقوَّة هذين الأمرين (١). فإن كان العقل قويًّا مستحكمًا لم يتغيَّر لذلك، وإن كان ضعيفًا حدث السُّكر المُخرج له عن حكمه، فقد يضاف إلى قوَّة الوارد، وقد يضاف إلى ضعف المحلِّ، وقد (٢) يجتمع الأمران.
قال صاحب «المنازل» (٣): (وعيون الفناء لا تقبله، ومنازل العلم لا تبلغه).
لمَّا كان الفناء يُفني من العبد كلَّ ما سوى مشهوده، ويُفني معاني كلِّ شيءٍ، وكان السُّكر كما حدَّه بأنَّه سقوط التمالك في الطرب= كان في السَّكران بقيَّةٌ طَرِبَ بها، وأحسَّ بها بطربه، بحيث لم يتمالك في الطرب؛ والفناء يأبى ذلك، فحقائقه لا تقبل السُّكر. والحاصل: أنَّ الفناء استغراقٌ محضٌ، والسُّكر معه لذَّةٌ وطربٌ لا يتمالك صاحبها، ولا يقدر أن يعبِّر (٤) عنها.
والمقصود: أنَّ السُّكر ليس من أعلى مقامات العارفين الواصلين، لأنَّ أعلى مقاماتهم هو الفناء عنده، فمقامهم لا يقبل السُّكر.
قوله: (ومنازل العلم لا تبلغه) صحيح، فإنَّ علم المحبَّة والشوق
стр. 2209
والعشق شيء، وحال المحبَّة شيءٌ آخر، والسُّكر لا ينشأ من علم المحبَّة، وإنّما ينشأ من حالها. فكأنَّه يقول: السُّكر صفةٌ وحالة تعرض لمن مقامه فوق مقام العلم، ودون مقام الشُّهود والفناء. وهو مختصٌّ بالمحبَّة، لأنَّ المحبَّة هي آخر منزلةٍ يلتقي فيها مقدِّمةُ العامَّة وهم أهل طور العلم، وساقةُ الخاصَّة وهم أهل طور الشُّهود والفناء، فالبرزخ الحاصل بين المقامين هو مقام المحبَّة، فاختصَّ به السُّكر.
فصل
قال (١): (وللسُّكر ثلاث علاماتٍ: الضِّيق عن الاشتغال بالخبرِ والتعظيمُ قائم، واقتحام لجَّة الشوقِ والتمكُّنُ دائم، والغرق في بحر السُّرورِ والصبرُ هائم).
يريد: أنَّ المحبَّ تَشْغَلُه شدَّةُ وجده بالمحبوب، وحضورُ قلبه معه، وذوبانُ جوارحه من شدَّة الحبِّ= عن سماع الخبر عنه. وهذا الكلام ليس على إطلاقه، فإنَّ المحبَّ الصادق أحبُّ شيءٍ إليه الخبرُ عن محبوبه وذكرُه، كما قال عثمان بن عفّان ﵁: لو طهرت قلوبنا لما شبعت من كلام الله (٢). وقال بعض العارفين: كيف يشبعون من كلام محبوبهم، وهو غاية مطلوبهم؟
стр. 2210
والذي يريده الشيخ وأمثاله بهذا الكلام: أنَّ المحبَّ الصادق يمتلئ قلبه بالمحبَّة، فتكون هي الغالبة عليه، فتحمله غلبتها وتمكُّنها على أن لا يغفل عن محبوبه، ولا يشتغل (١) قلبه بغيره البتَّة، فيسمع من الفارغين ما ورد في حقِّ المحبِّين، ويسمع منهم أوصاف حبيبه والخبر عنه، فلا يكاد يقدر على أن يسمع ذلك أبدًا، لضيق قلبه عن سماعٍ (٢) من قلبٍ غافلٍ، وإلَّا فلو سمع هذا الخبر ممَّن هو شريكه في شَجْوه، وأنيسه في طريقه، وصاحبه في سفره، لما ضاق عنه ولاتَّسع له غاية الاتِّساع، فهذا وجه.
ووجهٌ ثانٍ وهو: أنَّ السكران بالمحبَّة قد امتلأ قلبه بمشاهدة المحبوب، فاجتمعت قوى قلبه وهمُّه وإرادتُه عليه، ومعاني الخبر فيها كثرةٌ وانتقالٌ من معنًى إلى معنًى، فقلبه يضيق في هذه الحال عنها حتَّى إذا صحا اتَّسع قلبه لها.
قوله: (والتعظيم قائم)، أي: ضيق قلبه عن اشتغاله بالخبر ليس اطِّراحًا له ورغبةً عنه، كيف وهو خبرٌ عن محبوبه واردٌ منه؟ بل لضيقه في تلك الحال عن الاشتغال به، وتعظيمُه قائمٌ في قلبه، فهو مشغولٌ بوجده وحاله عمَّا يفرِّقه عنه. وهذا يَحْسُن إذا كان المشتغَل به أحبَّ إلى حبيبه من المشتغَل عنه، فأمَّا إذا كان ما أعرض (٣) عنه أحبَّ إلى الحبيب ممَّا اشتغل به فشَرْعُ المحبَّة يوجب عليه إيثارَ أعظم المحبوبين إلى حبيبه، وإلَّا كان مع نفسه ووَجْده ولذَّته.
стр. 2211
قوله: (واقتحام لجَّة الشوق، والتمكُّن دائم)، اقتحام لجَّة الشوق هو ركوب بحره وتوسُّطُه، لا الدُّخول في حاشيته وطرفه. والتمكُّن المشار إليه هو لزوم أحكام العلم من العمل به، ولزومُ أحكام الورع، والقيامُ بالأوراد الشرعيَّة؛ فلزوم ذلك ودوامه علامة صحَّة الشوق.
قوله: (والغرق في بحر السُّرور، والصبر هائم) أي: يكون المحبُّ غريقًا في بحر السُّرور، لا (١) يفارقه السُّرور، حتَّى كأنَّه بحرٌ قد غرق فيه، فكما أنَّ الغريق لا يفارقه الماء، كذلك المحبُّ لا يفارقه السُّرور (٢).
ومن ذاق مقام المحبَّة عرف صحَّة ما يقوله الشيخ، فإنَّ نعيم المحبَّة في الدُّنيا رقيقة ولطيفة من نعيم الجنَّة في الآخرة، بل هو جنَّة الدُّنيا، فما طابت الدُّنيا إلَّا بمعرفته ومحبَّته، ولا الجنَّة إلَّا برؤيته ومشاهدته، فنعيم المحبِّ دائمٌ، وإن مزج بالآلام أحيانًا. فلو عرف المشغولون بغير الحقِّ سبحانه ما فيه أهلُ محبَّته وذكرِه ومعرفته من النعيم= لتقطعت قلوبهم حسراتٍ، ولعلموا أنَّ الذي حصَّلوه لا نسبة له إلى ما ضيَّعوه وحُرِموه.
كما قيل (٣):
ولا خير في الدُّنيا ولا في نعيمها ... وأنت وحيدٌ مفردٌ غيرُ عاشق
стр. 2212
وقال الآخر (١):
وما الناس إلَّا العاشقون ذوو الهوى ... ولا خير فيمن لا يحبُّ ويعشَقُ
وقال الآخر (٢):
هل العيشُ إلا أن تروح وتغتدي ... وأنت بكأس العشق في الناس نشوانُ (٣)
وقال الآخر (٤):
وما تَلِفت إلَّا من العشق مُهجتي ... وهل طاب عيشٌ لامرئٍ غيرِ عاشق
وقال الآخر (٥):
وما سرَّني أنِّي خليٌّ من الهوى ... ولو أنَّ لي ما بين شرقٍ ومغرب
وقال آخر (٦):
ولا خير في الدُّنيا بغير صبابةٍ ... ولا في نعيمٍ ليس فيه حبيبُ
стр. 2213
وقال آخر (١):
وما طابت الدُّنيا بغير محبَّةٍ ... وأيُّ نعيمٍ لامرئٍ غيرِ عاشق
وقال آخر (٢):
اسكُنْ إلى سكنٍ تلذُّ بحبِّه (٣) ... ذهب الزمان وأنت منفردُ (٤)
وقال آخر (٥):
إذا لم تذق في هذه الدار صبوةً ... فموتك فيها والحياة سواءُ
وقال آخر (٦):
وما ذاق طعم العيش من لم يكن له ... حبيبٌ إليه يطمئنُّ ويسكنُ
وقال آخر (٧):
ولا خير في الدُّنيا إذا أنت لم تَزُر ... حبيبًا ولا وافى إليك حبيبُ
стр. 2214
وقال آخر (١):
يزور فتنجلي عنِّي همومي ... لأنَّ جلاء حزني في يديه
ويمضي بالمسرَّة حين يمضي ... لأنَّ حوالتي فيها عليه
وقال أبو المنجاب (٢): رأيت في الطواف فتًى نحيف الجسم، بيِّن الضعف، يلوذ ويتعوَّذ، وينشد:
وددت بأنَّ الحبَّ يُجمع كلُّه ... فيُقذفُ في قلبي وينغلق الصدرُ
ولا ينقضي ما في فؤادي من الهوى ... ومن فرحي بالحبِّ أو ينقضي العمرُ
والأخبار في المحبِّين وأشعارهم في ذلك أكثر من أن تُحصى.
هذا، وكلٌّ منهم معذَّبٌ بكل بمحبوبٍ سوى الحقِّ سبحانه ولو ظفر بوصاله، فما الظنُّ بمن قصر حبَّه على الحبيب الأوَّل (٣)؟ وكلَّما دعته نفسه إلى محبَّة غيره تمثَّل بقول القائل (٤):
نقِّل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحبُّ إلَّا للحبيب الأوَّل
стр. 2215
قوله: (والصبر هائم)، أي: يكون غريقًا (١) في سروره بالمحبَّة وصبرُه مفقودٌ، و «الهَيَمان» هو التشتُّت والحيرة.
قوله (٢): (وما سوى هذا فحيرةٌ تنحل اسم السُّكر جهلًا، أو هيمانٌ يسمَّى باسمه جورًا)
يقول: وما سوى ما ذكرناه من العلامات الثلاث وإن كان من المحبَّة إلَّا أنَّه لا ينبغي أن يسمَّى سُكرًا، مثل الحيرة فإنَّها تعطى اسم السُّكر عند الجهَّال، ومثل الهيمان فإنَّه يسمِّيه من لا يعرف السُّكر سكرًا، وذلك جورٌ وخروجٌ عن التحقيق، وعدولٌ عن الصواب.
قوله (٣): (وما سوى ذلك فكلُّه يناقض البصائر، كسكر الحرص، وسكر الجهل، وسكر الشهوة).
أي: هذه الأنواع من السُّكر أنواع مذمومة تناقض البصائر، فسكر الحرص ينشأ من شدَّة الرغبة في الدُّنيا وعدم الزُّهد فيها، فالحريص عليها سكرانُ في صورة صاحٍ.
وكذلك سكر الجهل، فإنَّ الجهل جهلان: جهل العلم، وجهل العمل، فإذا تحكَّم الجهلان فلا تَسَلْ عن سكر صاحبهما (٤).
وكذلك سكر الشهوة، فإنَّ لها سكرًا أشدَّ من سكر الخمر. وكذلك سكر
стр. 2216
الغضب، وسكر الفرح. وكذلك سكر السُّلطان والرياسة (١)، فإنَّ للرِّياسة سكرًا وعربدةً لا تخفى. وكذلك الشباب له سكرةٌ قويَّةٌ، وهي شعبةٌ من الجنون. وكذلك الخوف له سكرةٌ تحول بين الخائف وبين حكم العقل.
سكراتٌ خمسٌ إذا مُني المر ... ءُ (٢) بها صار ضحكةً للزمان
سكرة الحرص والحداثة والعشـ ... ـق وسكر الشراب والسُّلطان (٣)
وآخر ذلك كلِّه سكرة الموت التي تأتي بالحقِّ؛ ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٣٠].
* * * *
стр. 2217
فصل
قال صاحب «المنازل» (١): (باب الصَّحْو. قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ (٢)﴾ [سبأ: ٢٣]).
وجه استدلاله بإشارة الآية: أنَّ الله سبحانه إذا تكلّم بالوحي صَعِقت الملائكة، وأخذهم شبه الغشي مِن تكلُّم الرب ﷻ ، فإذا كُشف الفزعُ عن قلوبهم، وجُلِّي عنها، وأفاقوا من ذلك الغشي، قال بعضهم لبعضٍ: ماذا قال ربُّكم؟ فيستخبر أهلُ كلِّ سماءٍ مَن يليهم، حتى ينتهي الأمر إلى أهل السماء السابعة، فيسألون جبريل: يا جبريل، ماذا قال الله؟ فيقول: الحقَّ، وهو العليُّ الكبير (٣).
قال (٤): (الصَّحو فوق السُّكر، وهو يناسب مقام البسط. والصحو مقامٌ صاعدٌ عن الانتظار، مغنٍ عن الطلب، طاهرٌ من الحرج، فإنَّ السُّكر إنَّما هو في الحقِّ، والصَّحو إنَّما هو بالحقِّ؛ وكلُّ ما كان في عين الحقِّ لم يخلُ من حيرةٍ، لا حيرة الشُّبهة، بل حيرة في مشاهدة نور العزَّة؛ وما كان بالحقِّ لم يخلُ من صحَّةٍ، ولم يُخَفْ عليه نقيصةٌ، ولم تتعاوره علَّة. والصحو من منازل
стр. 2218
الحياة، وأودية الجمع، ولوائح الوجود).
قوله: (الصحو فوق السُّكر)، يعني: أنَّ السُّكر يكون في الانفصال، والصحو في الاتِّصال. وأيضًا فالسُّكر فناءٌ، والصحو بقاء. وأيضًا فالسُّكر غيبةٌ والصحو حضور. وأيضًا فالسُّكر غلبةٌ والصحو تمكُّن. وأيضًا فالسُّكر كالنوم والصحو كاليقظة.
وبعضهم يفضِّل مقام السُّكر على مقام الصحو ويقول: لولا البقيَّة التي بقيت فيه لما صحا، وينشد متمثِّلًا (١):
ومهما بقيْ للصَّحو فيك بقيَّةٌ ... يجد نحوك اللاحي سبيلًا إلى العذل
وهذا غلطٌ محضٌ لما ذكرنا. نعم، السُّكر فوق صحو الفراغ (٢)، والسَّكران بالمحبَّة خيرٌ من الصاحي منها، والصَّاحي بها خيرٌ من السَّكران فيها.
قوله: (وهو يناسب مقام البسط)، وجه المناسبة بينهما: أنَّ الانبساط لا يكون إلَّا مع الصَّحو، وإلَّا فالسُّكر لا يحتمل الانبساط.
قوله: (والصَّحو مقامٌ صاعدٌ عن الانتظار) يعني: انتظار الحضور، فإنَّ الصاحي متمكِّنٌ في الحضور، ولذلك أشبه مقامه مقام البسط، فالصَّحو أعلى من أن يصحبه الانتظار، لأنَّ صاحبه قد اتَّصل، فهو لا ينتظر الاتِّصال. ولذلك قال: (مغنٍ عن الطلب)، فإنَّ الطالب إنَّما يطلب الوصول إلى
стр. 2219
مطلوبه، وهذا قد اتَّصل، فصحوه مغنٍ له عن طلبه.
وهذا الكلام ليس على إطلاقه، فإنَّ الطلب لا يفارق العبد ما دامت الحياة تصحبه. نعم، صحوه مغنٍ (١) عن طلب حظٍّ من حظوظه، وأمَّا طلب محابِّ محبوبه ومراضيه فهو أكمل ما يكون لها طلبًا.
فإن قيل: مراد الشيخ أنَّه مغنٍ عن التوجُّه والسُّلوك، فإنَّه واصلٌ، والسالك في الطريق.
قلت: العبد لا يزال في الطريق حتَّى يلحق بالله، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩]، وهو الموت بإجماع أهل العلم كلِّهم. قال الحسن: لم يجعل الله لعبادة المؤمنين (٢) أجلًا دون الموت (٣).
وتقسيم أبناء الآخرة إلى طالبٍ وسالكٍ وواصلٍ: صحيحٌ باعتبارٍ، فاسدٌ باعتبارٍ؛ فكأنَّهم جعلوا السير إلى الله تعالى بمنزلة السير إلى بيته، فالناس ثلاثةٌ: طالبٌ للسَّفر، ومسافرٌ في الطريق، وواصلٌ إلى البيت.
وهذا موضعٌ زلَّت فيه أقدامٌ، وضلَّت فيه أفهامٌ، ولا بدَّ من تحقيقه. فنقول ــ وبالله التوفيق ومنه الاستمداد وهو المستعان ــ:
هذا المثال غير مطابقٍ، فإنَّ الوصول إلى البيت هو غاية الطريق، فإذا وصل فقد انقطعت طريقه، وانتهى سفره. وليس كذلك الوصول إلى الله، فإنَّ
стр. 2220
العبد إذا وصل إلى الله جدَّ به سيرُه، وقوي سفره؛ فعلامة الوصول إلى الله: الجدُّ في السَّير، والاجتهاد في السَّفر.
وهذا الموضع هو مفرق الطريقين بين الموحِّدين والملحدين، فالملحد يقول: السفر وسيلةٌ، والاشتغال بالوسيلة بعد الوصول إلى الغاية بطالة، ومتى وصل العبدُ سقطت عنه أحكام السفر، وصار كما قيل (١):
فألقت عصاها واستقرَّ بها النوى ... كما قرَّ عينًا بالإياب المسافرُ
ودُعي بعض هؤلاء إلى الصلاة وقد أقيمت، فقال (٢):
يطالَب بالأوراد من كان غافلًا ... فكيف بقلبٍ كلُّ أوقاته وردُ
وقيل لملحدٍ آخر منهم: لِمَ لا تصلِّي؟ فقال: أنتم مع أورادكم، ونحن مع وارداتنا!
وهؤلاء هم (٣) الذين صاح بهم أئمَّة الطريق وأخرجوهم من دائرة الإسلام. وقال بعضهم: نعم وصلوا، ولكن إلى الشيطان لا إلى الرحمن. وقال آخر: وصلوا ولكن إلى سقر.
فكلُّ واصلٍ إلى الله: فهو طالبٌ له، وسالكٌ في طريق مرضاته.
نعم، بداية الأمر: الطلب، وتوسُّطه: السُّلوك، ونهايته: الوصول، وسيأتي بيان حقيقة الوصول الذي يشير إليه القوم في الباب الذي يلي هذا، إن شاء الله تعالى.
стр. 2221
والمقصود: أنَّ قوله: (مغنٍ عن الطلب) كلامٌ يحتاج إلى تأويلٍ وحملٍ على معنًى يصحُّ. فإمَّا أن يُحمَل على أنَّه مغنٍ عن تكلُّف الطلب، ولا يريد هذا المعنى (١).
وإمَّا أن يُحمل على أنَّه مغنٍ عن رؤية الطلب، وهذا أقرب، ولا يريده.
وإمَّا أن يحمل على أنَّه قد وصل إلى مشاهدة الأوَّليَّة، حيث تنطوي الأكوان والأسباب، ولا يبقى للطلب تأثيرٌ البتَّة، فإنَّه من عين الجود، وحصول المطلوب لم يكن موقوفًا عليه ولا به، وإنَّما هو ممَّن وجود كلِّ شيءٍ به وحده، فهو المُوجِد والمُعِدُّ والمُمِدُّ، وبيده الأسباب وسببيَّتها وقُواها وموانعها ومُعارضها، فالأمر كلُّه (٢) له وبه، ومصيره كلُّه (٣) إليه. فهذا معنًى صحيحٌ في نفسه، ولكنَّ صاحب هذا المقام لا يستغني عن الطلب.
قوله: (طاهرٌ من الحرج) أي: خالٍ منه، لا حرج عليه، لأنَّه قائمٌ بوظائف العبوديَّة في سكره وصحوه.
قوله: (فإنَّ السُّكر إنَّما هو في الحقِّ، والصحو إنَّما هو بالحقِّ)، يريد: أنَّ السُّكر إنَّما هو في محبَّته والشوق إليه، فقلبه مستغرقٌ في الحبِّ. والصَّحو إنَّما هو بالحقِّ (٤)، أي: بوجوده. وهذا كلامٌ يحتاج إلى شرحٍ وبيانٍ وعبارةٍ وافيةٍ بالغرض، فنقول والله المستعان:
стр. 2222
المحبُّ له حالتان: حالة استغراقٍ في محبَّةِ محبوبه، كاستغراق صاحب السُّكر في سكره. وذلك عند استغراقه في شهود جماله (١) وكماله، فلا يبقى فيه متَّسعٌ لسواه، ولا فضل لغيره، فإذا رآه من لم يعرف حاله ظنَّه سكرانًا (٢). فهذا استغراقٌ في محبوبه وصفاته ونعوته.
الحالة الثانية: حالة صحوٍ، يفيق فيها على عبوديَّته والقيام بمرضاته والمسارعة إلى محابِّه. وهو في هذه الحالة: به، أي متصرِّفٌ في أوامره ومحابِّه به، ليس غائبًا عنه بأوامره، ولا غائبًا به عن أوامره، فلا يَشْغَلُه واجبُ أوامره وحقوقه عن واجب محبَّته والإنابةِ إليه والرِّضا به، ولا يَشْغَله واجبُ حبِّه عن أوامره. بل هو مقتدٍ بإمام الحنفاء إبراهيم الخليل ﵇، فإنَّه كان في أعلى مقامات المحبَّة وهي الخلَّة، ولم يَشْغَله ذلك عن القيام بخصال الفطرة من الختان، وقصِّ الشارب، وتقليم الأظفار، فضلًا عمَّا هو فوق ذلك؛ فوفَّى المقامين حقَّهما، ولهذا أثنى الله سبحانه عليه بذلك فقال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧].
قوله: (وكلُّ ما كان في عين الحقِّ لم يخلُ من حيرةٍ)، يريد بذلك تفضيلَ مقام الصحو على مقام السُّكر، ورفْعَه عليه، وأنَّ السُّكر لمَّا كان في عين الحقِّ كان مستلزمًا لنوعٍ من الحيرة.
ثمَّ استدرك فقال: (لا حيرة الشُّبهة)، فإنَّها تنافي أصل عقد الإيمان،
стр. 2223
(ولكن حيرة مشاهدة نور العزَّة)، وهي دهشةٌ تعتري المُشاهِد لأمرٍ عظيمٍ جدًّا لا عهد له بمثله؛ بخلاف مقام الصحو، فإنَّه لقوَّته وثباته وتمكُّنه لا يعرض له ذلك.
وحاصل كلامه: أنَّ (١) من كان ناظرًا في عين الحقيقة لزمته الحيرة، وهي حيرة مشاهدة أنوار العزَّة، لا حيرةُ مَن ضلَّ عن طريق مقصوده، فإنَّ الشُّبهة هي اشتباه الطريق على السالك بحيث لا يدري أعلى حقٍّ هو أم باطلٍ؟ وقد تقدَّم (٢) بيان أنَّ مشاهدة نور الذات المقدَّسة في هذه الدار محالٌ، فلا نعيده.
قوله: (وما كان بالحقِّ لم يخلُ من صحَّةٍ، ولم يُخَف عليه نقيصةٌ، ولم تتعاوره علَّة)، هذا تقريرٌ منه لرفع مقام الصحو على مقام السُّكر، فإنَّه لمَّا كان بالله كان محفوظًا محروسًا من النفس والشيطان اللَّذَين هما مصدر كلِّ باطلٍ. وهذا الحفظ هو من معنى قوله: «فإذا أحببتُه كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها»، فأين الباطل هاهنا؟ ثمَّ قال: «فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي» (٣) تحقيقًا لحفظ سمعه وبصره وبطشه ومشيه.
وقوله: (ولم تتعاوره علَّة)، التعاور: الاختلاف، أي: لم تتخالف عليه العلل. والعلل: ملاحظة الأغيار، وطاعة القلب للسِّوى، وإجابته لداعيه.
стр. 2224
قوله: (والصحو من منازل الحياة، وأودية الجمع، ولوائح الوجود)، هذا تقريرٌ أيضًا لرفع مقامه على مقام السُّكر، وقد تقدَّم ذكر الحياة ومراتبها وأقسامها.
والمناسبة بين الصَّحو والحياة: أنَّ الحياة هي المصحِّحة لجميع المقامات والأحوال، فهي التي ترمي على جميعها، كما ترمي الأودية أمواهَها (١) على البحار.
قوله: (وأودية الجمع) الجمع يراد به جمعُ (٢) الوجود، وجمعُ الشُّهود، وجمعُ الإرادة؛ فالأوَّل جمع أهل الإلحاد الاتِّحاديَّة، والثّاني جمع أهل الفناء، والثالث جمع الرُّسل وورثتهم، كما سيأتي تفصيل ذلك في باب الجمع إن شاء الله تعالى (٣). فالصَّحو من أودية الجمع العالي، لا النازل ولا المتوسِّط.
قوله: (ولوائح الوجود)، اللَّوائح جمع لائحةٍ، وهي ما يلوح لك كالبرق وغيره، وسيأتي الكلام على الوجود الذي الصَّحوُ من لوائحه في بابه إن شاء الله تعالى.
* * * *
стр. 2225
فصل
قال صاحب «المنازل» (١): (باب الاتِّصال. قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٨ - ٩] أَيْأَسَ (٢) العقولَ فقطع البحثَ بقوله: ﴿أَوْ أَدْنَى﴾).
كأنَّ الشيخ فهم من الآية: أنَّ الذي دنى فتدلَّى فكان من محمَّدٍ ﷺ (٣) قاب قوسين أو أدنى: هو الله . وهذا وإن قاله جماعةٌ من المفسِّرين، فالصحيح: أنَّ ذلك هو جبريل ﵊، فهو الموصوف بما ذُكر من أوَّل السُّورة إلى قوله: ﴿وَلَقَدْ رَأَىهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: ١٣ - ١٤]. هكذا فسَّره النبيُّ ﷺ في الحديث الصحيح: قالت عائشة ﵂: سألت رسول الله ﷺ عن هذه الآية، فقال: «ذاكِ جبريل، لم أره في صورته التي خلق عليها إلَّا مرَّتين» (٤). ولفظ القرآن لا يدلُّ على غير ذلك من وجوهٍ:
أحدها: أنَّه قال: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: ٥]. وهذا جبريل الذي وصفه بالقوَّة في سورة التكوير، فقال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ﴾.
الثاني: أنَّه قال: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ [النجم: ٦] أي: حَسَن الخَلْق، وهو الكريم
стр. 2226
المذكور في التكوير.
الثالث: أنَّه قال: ﴿فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾، وهو ناحية السماء العليا، وهذا استواء جبريل بالأفق. وأمَّا استواء الربِّ ﷻ فعلى عرشه.
الرابع: أنَّه قال: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾، فهذا دنوُّ جبريل وتدلِّيه إلى الأرض حيث كان رسول الله ﷺ . وأمَّا الدُّنوُّ والتدلِّي في حديث المعراج (١)، فرسول الله ﷺ كان فوق السماوات، فهناك دنا الجبَّار ــ ﷻ ــ منه وتدلَّى.
فالدُّنوُّ والتدلِّي في الحديث غير الدُّنوِّ والتدلِّي في الآية، وإن اتَّفقا في اللفظ.
الخامس: أنَّه قال: ﴿وَلَقَدْ رَأَىهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾، والمرئيُّ عند السِّدرة: هو جبريل قطعًا، وبهذا فسَّره النبيُّ ﷺ فقال: «ذاك جبريل».
السادس: أنَّ مفسِّر (٢) الضمير في قوله: ﴿وَلَقَدْ رَأَىهُ﴾، وقولِه: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾، وقولِه: ﴿فَاسْتَوَى﴾، وقولِه: ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾ = واحدٌ، فلا
стр. 2227
يجوز أن يخالَف بين المفسِّر من غير دليلٍ.
السابع: أنَّه سبحانه ذكر في هذه السُّورة الرسولين الكريمين: الملكيَّ والبشريَّ، ونزَّه البشريَّ عن الضلال والغِواية، والملكيَّ عن أن يكون شيطانًا قبيحًا ضعيفًا، بل هو قويٌّ كريمٌ حَسَن الخَلْق. وهذا نظير المذكور في سورة التّكوير سواءً.
الثامن: أنّه أخبر هناك أنَّه رآه بالأفق المبين، وهاهنا أنَّه رآه بالأفق الأعلى، وهو واحدٌ وُصِف بصفتين، فهو مبينٌ وأعلى، فإنَّ الشيء كلَّما علا بانَ وظهر.
التاسع: أنَّه قال: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾، والمرَّة: الخَلْق الحَسَن المُحكَم، فأخبر عن حُسن خَلْق الذي علَّم النبيَّ ﷺ ، ثمَّ ساق الخبر كلَّه عنه نسقًا واحدًا.
العاشر: أنَّه لو كان خبرًا عن الربِّ تعالى لكان القرآن قد دلَّ على أنَّ رسول الله ﷺ رأى ربَّه مرَّتين: مرَّةً بالأفق، ومرّةً عند سدرة المنتهى (١)، ومعلومٌ أنَّ الأمر لو كان كذلك لم يقل النبيُّ ﷺ لأبي ذرٍّ وقد سأله: هل رأيت ربّك؟ فقال: «نورٌ، أنَّى أراه؟!» (٢). فكيف يخبر القرآن أنَّه رآه مرَّتين ثمَّ يقول رسول الله ﷺ : «أنَّى أراه»؟ وهذا أبلغ من قوله: لم أَرَه، لأنَّه مع النفي يقتضي الإخبار عن عدم الرُّؤية فقط، وهذا يتضمَّن النفي وطرفًا من الإنكار على السائل، كما إذا قال لرجلٍ: هل كان كيت وكيت؟ فيقول: كيف يكون ذلك؟!
стр. 2228
الحادي عشر: أنَّه لم يتقدَّم للربِّ ــ ﷻ ــ ذكرٌ يعود الضمير عليه في قوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾. والذي يعود الضمير عليه لا يصلح له، وإنَّما هو لعبده.
الثاني عشر: أنَّه كيف يعود الضمير إلى ما لم يُذكَر، ويُترَك عوده إلى المذكور مع كونه أولى به؟
الثالث عشر: أنّه قد تقدَّم ذكر ﴿صَاحِبُكُمْ﴾ [النجم: ٢]، وأعاد عليه الضمائر التي تليق به، ثمَّ ذكر بعده شديدَ القوى ذا المرَّةِ (١) وأعاد عليه الضمائر التي تليق به (٢)، والخبر كلُّه عن هذين المفسِّرين، وهما: الرسول الملكيُّ والبشريّ.
الرابع عشر: أنَّه سبحانه أخبر أنَّ هذا الذي دنا فتدلَّى كان بالأفق الأعلى وهو أفق السماء، بل هو تحتها، فدنا من الأرض فتدلَّى من رسول الله ﷺ . ودنوُّ الربِّ تعالى وتدلِّيه على ما في حديث شريكٍ (٣) كان من فوق العرش لا إلى الأرض.
الخامس عشر: أنَّهم لم يُماروه ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ على رؤية ربِّه، ولا أخبرهم بها لتقع مماراتهم له عليها، وإنَّما مارَوه على رؤية ما أخبرهم به من الآيات التي أراه الله إيَّاها. ولو أخبرهم برؤية الربِّ تعالى لكان مماراتهم له عليها أعظمَ من مماراتهم على رؤية المخلوقات.
стр. 2229
السادس عشر: أنّه سبحانه قرَّر صحَّة ما رآه وأنَّ مماراتهم له على ذلك باطلةٌ بقوله: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨]، ولو كان المرئيُّ هو الربُّ تعالى، والمماراة على ذلك منهم= لكان تقرير تلك الرُّؤية أولى، والمقامُ إليها أحوج، والله أعلم.
قوله: (أيأس العقول بقوله: ﴿أَوْ أَدْنَى﴾)، يعني: أنَّ العقول لا تقدر تثبت على معرفة اتِّصالٍ هو أدنى مِن قابِ قوسين. وهذا بناءً على ما فهمه من الآية، وإلَّا فالعقول غير آيسةٍ من دنوِّ رسوله الملكيِّ من رسوله البشريِّ، حتّى صار في القرب منه قاب قوسين أو أدنى من قوسين، فإنَّه دنوُّ عبدٍ من عبدٍ، ومخلوقٍ من مخلوقٍ.
يبقى أن يقال: فما فائدة ذكر ﴿أَوْ﴾؟
فيقال: هي لتقرير المذكور قبلها، وأنَّ القرب إن لم ينقص عن قدر قوسين لم يزد عليهما. وهذا كقوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]، والمعنى: أنَّهم إن لم يزيدوا على المائة الألف لم ينقصوا عنها، فهو تقريرٌ لنصِّيَّة عدد المائة الألف، فتأمَّلْه.
قال (١): (والاتِّصال ثلاث درجاتٍ، الدرجة الأولى: اتِّصال (٢) الاعتصام، ثمَّ اتِّصال الشُّهود، ثمَّ اتِّصال الوجود. فاتِّصال الاعتصام: تصحيح القصد، ثمَّ تصفية الإرادة، ثمَّ تحقيق الحال).
أمَّا القسمان الأوَّلان ــ وهما: اتِّصال الاعتصام واتِّصال الشُّهود ــ فلا
стр. 2230
إشكال فيهما، فإنَّهما مقاما الإيمان والإحسان، فاتِّصال الاعتصام مقام الإيمان، واتِّصال الشُّهود مقام الإحسان. وعندي أنَّه ليس وراء ذلك مرمًى، وكلُّ ما يُذكر بعد ذلك من اتِّصالٍ صحيحٍ فهو من مقام الإحسان، فاتِّصال الوجود لا حقيقة له. ولكن لا بدَّ من ذكر مراد الشيخ وأهل الاستقامة بهذا الاتِّصال، ومرادِ أهل الإلحاد القائلين بوحدة الوجود منه، إذا انتهينا إلى ذكره إن شاء الله.
فأمَّا (اتِّصال الاعتصام)، فقد قال تعالى: ﴿بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)﴾ [الحج: ٧٨]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠١]، وقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٤٦]، وقال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣].
فالاعتصام به نوعان:
اعتصام توكُّلٍ واستعانةٍ وتفويضٍ ولَجْءٍ وعياذٍ، وإسلام النفس إليه، والاستسلام له سبحانه.
والثاني: اعتصامٌ بوحيه، وهو تحكيمه دون آراء الرِّجال ومقاييسهم ومعقولاتهم، وأذواقهم وكشوفاتهم ومواجيدهم، فمن لم يكن كذلك فهو مُتخلٍّ من هذا الاعتصام.
فالدِّين كلُّه في الاعتصام به وبحبله، علمًا وعملًا، وإخلاصًا واستعانةً ومتابعةً، واستمرارًا على ذلك إلى يوم لقائه.
стр. 2231
قوله: (ثمَّ اتِّصال الشُّهود)، تقدَّم ذكر المشاهدة قريبًا (١)، وبيَّنَّا أنَّ المشاهدة هي تحقيق مقام الإحسان. فالاتِّصال الأوَّل: اتِّصال العلم والعمل، والثاني: اتِّصال الحال والمعرفة.
قوله: (ثمَّ اتِّصال الوجود)، الوجود: الظفر بحقيقة الشيء، ومعاذ الله أن يريد الشيخ أنَّ وجود العبد يتَّصل بوجود الربِّ، فيصير الكلُّ وجودًا واحدًا، كما يظنُّه الملحد (٢)، فإنَّ كفر النصارى جزءٌ يسير من هذا الكفر. وهو أيضًا كلامٌ لا معنى له، فإنَّ العبد ــ بل لا عبدَ في الحقيقة عندهم ــ لم يزل كذلك، ولو كان أفسق الخلق وأفجرهم، فنفس وجوده متَّصِلٌ بوجود ربِّه، بل هو عين وجوده، بل لا ربَّ عندهم ولا عبد!
وإنّما يريد الشَّيخ باتِّصال الوجود: أنَّ العبد يجد ربَّه بعد أن كان فاقدًا له، فهو بمنزلة من كان يطلب كنزًا ولا وصول له إليه، فظفر به بعد ذلك ووجده، واستغنى به غاية الغنى، فهذا اتِّصال الوجود، كما في الأثر: «اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كلَّ شيءٍ، وإن فُتُّك فاتك كلُّ شيءٍ» (٣).
وهذا الوجود من العبد لربِّه يتنوَّع بحسب حال العبد ومقامه، فالتائب الصادق في توبته إذا تاب إليه وجده غفورًا رحيمًا، والمتوكِّل إذا صدق في التوكُّل عليه وجده حسيبًا كافيًا، والداعي إذا صدق في الرغبة إليه وجده قريبًا مجيبًا، والمحبُّ إذا صدق في محبَّته وجده ودودًا حبيبًا، والملهوف إذا صدق
стр. 2232
في الاستغاثة به وجده كاشفًا للكرب مخلِّصًا منه (١)، والمضطرُّ إذا صدق في الاضطرار إليه وجده رحيمًا مغيثًا، والخائف إذا صدق في اللَّجْءِ إليه وجده مؤمِّنًا (٢) له من المخوف، والراجي إذا صدق في الرجاء وجده عند ظنِّه به.
فمحبُّه وطالبه ومريده، ومن لا يبغي به بدلًا، ولا يرضى بسواه عوضًا، إذا صدق في محبَّته وإرادته وجده أيضًا وجودًا أخصَّ من تلك الوجودات، فإنَّه إذا كان المريد منه يجده، فكيف مريدُه ومحبُّه!
فيظفر هذا الواجد بنفسه وبربِّه. أمَّا ظفره بنفسه فتصير منقادةً له، مطيعةً له، تابعةً مرتاضةً (٣)، غيرَ أبيَّةٍ ولا أمَّارةٍ، بل تصير خادمةً له مملوكةً بعد أن كانت مخدومةً مالكةً. وأمَّا ظفره بربِّه فقربُه منه وأنسه به، وعمارةُ سرِّه به، وفرحُه وسرورُه به أعظمَ فرحٍ وسرورٍ. فهذا حقيقة اتِّصال الوجود، والله المستعان.
قوله: (فاتِّصال الاعتصام: تصحيح القصد، ثمَّ تصفية الإرادة، ثمَّ تحقيق الحال).
قلت: تصحيح القصد يكون بشيئين: إفراد المقصود، وجمع الهمِّ عليه. وحقيقته توحيد القصد والمقصود، فمتى انقسم قصده أو مقصوده لم يكن صحيحًا. وقد عبَّر عنه الشيخ فيما تقدَّم (٤) بأنَّه: (قصدٌ يبعث على الارتياض،
стр. 2233
ويخلِّص من التردُّد، ويدعو إلى مجانبة الأغراض)؛ فالاتِّصال في هذه الدرجة بهذا القصد.
قوله: (ثمَّ تصفية الإرادة)، هو تخليصها من الشوائب وتعلُّقها بالسِّوى أو بالأعواض، بل تكون إرادةً صافيةً من ذلك كلِّه، بحيث تكون متعلِّقةً بالله وبمراده الدينيِّ الشرعيِّ، كما تقدَّم بيانه.
قوله: (ثمَّ تحقيق الحال) أي: يكون له حالٌ محقَّقٌ ثابت، لا يكتفي بمجرَّد العلم حتَّى يصحبه العمل، ولا بمجرَّد العمل حتَّى يصحبه الحال، فتصير الإرادة والمحبَّة والإنابة والتوكُّل وحقائق الإيمان حالًا لقلبه، قد انصبغ قلبه بها بحيث لو تعطَّلت جوارحه كان قلبه في العمل والسَّيرِ إلى الله، وربَّما يكون عملُ قلبه أقوى من عمل جوارحه.
قوله (١): (الدرجة الثانية: اتِّصال الشُّهود ، وهو الخلاص من الاعتلال، والغنى عن الاستدلال، وسقوط شتات الأسرار).
الاعتلال هو العوائق والعلل، والخلاص منها هو الصحَّة. ولهذا كانت هذه الدرجة أعلى ممَّا قبلها، فإنَّ الأولى اتِّصالٌ بصحَّة القصود والأعمال، وهذه اتِّصالٌ برؤيةِ مَنِ العملُ له، على تحقيق مشاهدته بالبصيرة، فيتخلَّص (٢) العبد بذلك مِن عِلَل الأعمال واستكثارها واستحسانها والسُّكون إليها.
стр. 2234
وقوله: (والغنى عن الاستدلال) أي: هو مستغنٍ بمشاهدة المدلول عليه (١) عن طلب الدليل، فإنَّ طالب الدليل إنَّما يطلبه ليصل به إلى معرفة المدلول، فإذا كان مشاهدًا للمدلول، فما له ولطلب الدليل؟
وليس يصحُّ في الأذهان شيءٌ ... إذا احتاج النهار إلى دليلِ (٢)
فكيف يحتاج إلى إقامة الدليل عليه مَن النهارُ بعضُ آياته الدالَّةِ عليه؟ ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [فصلت: ٣٧]. ولهذا خاطبت الرُّسل قومهم خطابَ من لا يشكُّ في ربِّه ولا يرتاب في وجوده، فقالت لهم: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ﴾ [إبراهيم: ١٠].
قوله: (ويسقط عنه (٣) شتات الأسرار) يعني: أنَّ الخلاصَ من الاعتلال والغَناءَ (٤) باتِّصال الشُّهود عن الاستدلال يُسقط عنه شتات الأسرار، وهو تفرُّقُ باله وتشتُّت قلبِه في الأكوان؛ فإنَّ اتِّصال شهوده يجمعه على المشهود، كما أنَّ دوام الذِّكر الذي تواطأ عليه القلبُ واللِّسانُ وشهودُ المذكور يجمعه عليه ويُسقط شتاته، فالشّتات مصحوب الغيبة، وسقوطه مصحوب الحضور، والله المستعان (٥).
стр. 2235
قوله (١): (الدرجة الثالثة: اتِّصال الوجود ، وهذا الاتِّصال لا يُدرَك منه نعتٌ ولا مقدارٌ، إلَّا اسمٌ معارٌ، ولمحٌ إليه يُشار (٢)).
يقول: لما لم يُعهَد هذا النوع من الاتِّصال، وكان أعزَّ شيءٍ وأغربه على النُّفوس علمًا وحالًا= لم تَفِ العبارة بكشفه، فإنَّ اللفظ ظلوم (٣) والعبارة فتَّانة، إمَّا أن يزيغ (٤) إلى زيادةٍ مُفسدةٍ أو نقصٍ مخلٍّ، أو يَعدِل بالمعنى إلى غيره فيُظَنَّ أنَّه هو.
والذي تُمْكِن العبارةُ عنه مِن ذلك أنَّه: غلبة نور القرب، وتمكُّن المحبَّة، وقوَّة الأنس، وكمال المراقبة، واستيلاء الذِّكر القلبيِّ، فيذهب العبدُ عن إدراكه بحاله لِما قهره من هذه الأمور، فيبقى بوجودٍ آخر غير وجوده الطَّبعي (٥).
وما أظنُّك تصدِّق بهذا: أنَّه يُصيِّر له وجودًا (٦) آخر، وتقول: هذا خيالٌ ووهمٌ! فلا تعجل بإنكار ما لم تُحِط بعلمه، فضلًا عن ذوق حاله؛ وأعط القوس باريها، وخلِّ المطايا وحاديها. فلو أنصفت لعرفت أنَّ الوجود الحاصل لمعذَّبٍ مُضيَّقٍ عليه في أسوأ حالٍ وأضيقِ سجنٍ وأنكدِ عيشٍ إذا
стр. 2236
فارق هذه الحال، وصار إلى مُلكٍ هنيٍّ واسعٍ نافذةٍ فيه كلمتُه، مطاعٍ أمره، قد انقادت له الجيوش واجتمعت عليه الأمَّة= فإنَّ وجوده حينئذٍ غير الوجود الذي كان فيه. وهذا تشبيهٌ على التقريب، وإلَّا فالأمر أعظم من ذلك وأعظم، فلهذا قال: (لا يُدرَك منه نعت)، أي: لا يُدرك منه نعتٌ يُطابقه ويحيط به، فإنَّ الأمور العظيمة جدًّا نعتُها لا يكشف حقيقتها على ما هي عليه، وليس في الدُّنيا ممَّا في الآخرة إلَّا الأسماء، وإنَّما يُذكَر بعض لوازمها ومتعلَّقاتها، فيدلُّ بالمذكور على غيره.
وقوله: (ولا مقدار) يريد: مقدار الشرف والمنزلة، كما تقول: فلانٌ كبير المقدار.
وقوله: (إلَّا اسمٌ معارٌ ولمحٌ إليه يُشار)، لمَّا كان الاسم لا يبلغ الحقيقة ولا يطابقها، فكأنَّه لغيرها وأعير إطلاقُه عليها عاريةً. وكذلك اللمح المشار هو الذي يُشار به إشارةً إلى الحقيقة.
وبعد، فالشَّيخ يدندن حول بحر الفناء، وكأنَّه يقول: صاحب هذا الاتِّصال قد فني في الوجود، بحيث صار نقطةً انحلَّ تعيُّنها، واضمحلَّ تكوُّنها، ورجع عودُها على بدئها، ففني من لم يكن، وبقي من لم يزل؛ فهناك طاحت الإشارات، وذهبت العبارات، وفنيت الرُّسوم ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه: ١١١].
* * * *
стр. 2237
فصل
قال صاحب «المنازل» (١): (باب الانفصال. قال الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨]. ليس في المقامات شيءٌ فيه من التّفاوت ما في الانفصال).
وجه الإشارة بالآية أنَّه سبحانه المقرِّب المُبعد، فليحذر القريب من الإبعاد والمتَّصل من الانفصال، فإنَّ الحقَّ ــ ﷻ ــ غيورٌ، لا يرضى ممَّن عرفه ووجد حلاوة معرفته، واتَّصل قلبه بمحبَّته والأنس به، وتعلَّقت روحه بإرادة وجهه الأعلى= أن يكون له التفاتٌ إلى غيره البتَّة.
ومِن غَيرته سبحانه حرَّم الفواحش، والله سبحانه يغار أشدَّ الغَيرة على عبده أن يلتفت إلى سواه؛ فإذا أذاقه حلاوةَ محبَّتِه، ولذَّةَ الشَّوق إليه، وأنسَ معرفته، ثمَّ ساكن غيره= باعَدَه مِن قربه، وقطعه مِن وصله، وأوحش سرَّه، وشتَّت قلبه، ونَغَّص عيشه، وألبسه رداءَ الذلِّ والصغار والهوان؛ فنادى عليه حالُه، إن لم يصرِّح به قالُه: هذا جزاء من تعوَّض عن وليِّه وإلهه وفاطره ومَن لا حياة له إلَّا به بغيره، وآثر غيرَه عليه، فاتَّخذ سواه له حبيبًا، ورضي بغيره أَنيسًا، واتّخذ سواه وليًّا، (٢) ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠].
стр. 2238
فإذا ضُرب هذا القلب بسوط البعد والحجاب، وسلِّط عليه من يسومه سوء العذاب، وملئ من الهموم والغموم والأحزان، فصار محلًّا للجيف والأقذار والأنتان، وبُدِّل بالأنس وحشةً، وبالعزِّ ذلًّا، وبالقَنَع حرصًا، وبالقرب بعدًا وطردًا، وبالجمع شتاتًا وتفرقةً= كان هذا بعض جزائه. وحينئذٍ فتَطْرُقه الطوارق المؤلمات، وتعتريه وفود الأحزان والهموم بعد وفود المسرَّات.
قرأ قارئٌ بين يدي السَّريِّ: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥]، فقال السريُّ: تدرون ما هذا الحجاب؟ هذا حجاب الغيرة، ولا أحد أغير من الله (١). فمن عرفه وذاق حلاوة قربِه ومحبَّته، ثمَّ رجع عنه إلى مساكنة غيره= ثبَّطَ جوارحَه عن طاعته، وعقل قلبه عن إرادته ومحبَّته، وأخَّره عن محلِّ قربه، وولَّاه ما اختاره لنفسه.
وقال بعضهم: احذره (٢)، فإنَّه غيورٌ، لا يحبُّ أن يرى في قلب عبده سواه (٣).
ومن غيرته سبحانه: أنَّ صفيَّه آدم لمَّا ساكن بقلبه الجنَّة، وحرص على الخلود فيها أخرجه منها.
ومن غيرته سبحانه: أنَّ إبراهيم خليله لمَّا أخذ إسماعيلُ شعبةً من قلبه
стр. 2239
أمره بذبحه، حتّى يخرج من قلبه (١).
إنَّما كان الشِّرك عنده ذنبًا لا يُغفَر لتعلُّق قلب المشرك به وبغيره، فكيف بمن علَّق قلبَه كلَّه بغيره وأعرض عنه بكلِّيَّته؟
إذا أردت أن تعرف ما حلَّ بك من بلاء الانفصال وذلِّ الحجاب، فانظر لمن استعبد قلبَك، واستخدم جوارحَك، وبمن شُغِل سرُّك، وأين يبيت قلبك إذا أخذت مضجعك؟ وإلى أين يطير إذا استيقظتَ من منامك؟ فذلك هو معبودك وإلهك؛ فإذا سمعت النِّداء يوم اللقاء: لينطلق كلُّ أحدٍ مع من كان يعبده (٢)، انطلقت معه كائنًا من كان.
لا إله إلَّا الله! ما أشدَّ غبنَ من باع أطيب الحياة في هذه الدار المتَّصلة بالحياة الطيِّبة هناك والنعيمَ المقيمَ بالحياة المنغَّصة المنكَّدة (٣) المتَّصلة بالعذاب الأليم؛ والمدَّةُ ساعةٌ من نهارٍ، أو عشيَّةٌ أو ضحاها، أو يومٌ أو بعض يومٍ، فيه ربح الأبد وخسارة الأبد (٤).
فما هي إلَّا ساعةٌ ثمَّ تنقضي ... ويذهب هذا كلُّه ويزولُ (٥)
стр. 2240
فصل
قال الشيخ (١): «ليس في المقامات شيءٌ فيه من التفاوت ما في الانفصال».
يعني: أنَّ بين درجات المقامات تناسب (٢) واختلاف قريب (٣)، ومقام الانفصال قليل التناسب في درجاته كثيرُ التفاوت، كما سنذكره.
قال (٤): (ووجوهه ثلاثة. أحدها: انفصالٌ هو شرط الاتِّصال، وهو الانفصال عن الكونين بانفصال نظرك إليهما، وانفصالِ توقُّفك عليهما، وانفصالِ مبالاتك بهما).
يعني: أنَّ انفصال العبد عن رسومه بالفناء هو شرط اتِّصال وجوده بالبقاء، فلا ولاءَ إلا ببراءٍ (٥): لا ولاءَ لله ورسوله إلَّا بالبراء ممَّا يضادُّ ذلك ويخالفه. وقد قال إمام الحنفاء لقومه: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٧]. وقال الفتية: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [الكهف: ١٦]، أي: فلم تعتزلوه.
وهذه العبارة التي ذكرها الشيخ في بادئ الرأي لا تخلو عن إنكارٍ حتَّى
стр. 2241
يتبيَّن (١) معناها والمراد بها، فإنَّ الكونين عبارةٌ عن جميع ما خلقه الله في الدُّنيا والآخرة، ويعبَّر عنهما بعالم الغيب وعالم الشهادة، وفيهما الرُّسل والأنبياء، والملائكة والأولياء، فكيف ينفصل عنهم ولا ينظر إليهم، ولا يقف بقلبه عليهم، ولا يبالي بهم؟
فاعلم أنَّ في لسان القوم من الاستعارات، وإطلاق العامِّ وإرادة الخاصِّ، وإطلاق اللَّفظ وإرادة إشارته دون حقيقة معناه= ما ليس في لسان أحدٍ من الطوائف غيرهم. ولهذا يقولون: نحن أصحاب الإشارة لا أصحاب العبارة (٢)، والإشارة لنا والعبارة لغيرنا. وقد يطلقون العبارة التي يطلقها الملحد، ويريدون بها معنًى لا فساد فيه. وصار هذا سببًا لفتنة طائفتين: طائفة تعلَّقوا عليهم بظاهر عباراتهم، فبدَّعوهم وضلَّلوهم؛ وطائفة نظروا إلى مقاصدهم ومغزاهم، فصوَّبوا تلك العبارات، وصحَّحوا تلك الإشارات. وطالب الحقِّ يقبله ممَّن كان، ويردُّ ما خالفه على من كان.
ومراد الشيخ وأهل الاستقامة: أنَّ النفس لمَّا كانت مائلةً إلى الملذوذات المحسوسة والمعنويَّة المشاهدة والغائبة (٣) = كان النظر إليها والوقوفُ معها علَّةً في الطريق والقصد جميعًا، فكان شاغلًا لها عن النظر إلى نفس المقصود وحده، والوقوفِ معه دون غيره، والالتفاتِ إليه دون ما سواه.
فمتى قوي تعلُّق القلب بالمقصود الأعلى، بحيث يَشْغَله ذكرُه عن ذكر
стр. 2242
غيره، وحبُّه عن حبِّ غيره، وخوفُه ورجاؤه عن خوف غيره ورجائه، وكان أنسُه به خاصَّةً= انفصل عن ذكر غيره في حال شغله به سبحانه، إذ ليس فيه اتِّساعٌ لغيره، فانفصل في هذه الحال نظرُه إلى الكونين، وانفصل توقُّفه عليهما، وانفصلت مبالاته بهما ضرًّا أو نفعًا، أو عطاءً أو منعًا.
وهذه الحال لا تدوم له؛ فإذا رجع إلى الكون بحكم طبعه (١) وأنَّه جزءٌ من الكون ذكر الرُّسل والأنبياء والملائكة والأولياء بالتعظيم والاحترام وأحسنِ الذِّكر، وذكر أعداءهم باللعن والطعن وأقبحِ الذِّكر؛ فهذا وظيفته في هذه الحال، وتلك وظيفته في ذلك المقام.
والمقصود: أنَّه انفصالُ شهودٍ في بعض الأحوال، لا انفصال وجودٍ، ولا انفصال شهودٍ دائمًا أبدًا. ولا تلتفت إلى غير هذا، فإنّه خيالٌ ووهم، لا نطيل الكتاب بذكره.
قال (٢): (الثاني: انفصالٌ عن رؤية الانفصال الذي ذكرنا، وهو أن لا يترايا عندك في شهود التحقيق شيءٌ يوصل بالانفصال منها إلى شيءٍ).
إنَّما كانت هذه الدرجة أعلى عنده ممَّا قبلها من حيث كانت الأولى وسيلةً إليها، وكانت هذه غايةً لها ومرتَّبةً عليها، فإنَّ المنفصل من الكونين شغلًا بالله قد تسكن نفسه إلى مقامه من الانفصال، ويساكنه بسرِّه وقلبه، ويغيب عنه أنَّه محضُ منَّة الله ومجرَّدُ فضله وعطائه، فيحتاج إلى أن ينفصل عن رؤية انفصاله، ويضيف ذلك إلى أهله ووليِّه المانِّ به.
стр. 2243
وهذا التفصيل يتضمَّن التفاوت الذي أشار إليه الشيخ في أوَّل الباب، فإنَّه ذكر في الدرجة الأولى أنَّ الانفصال شرطٌ في الاتِّصال، وقال هاهنا: (لا يترايا عندك في شهود التحقيق سببٌ يوصل بالانفصال منها إلى شيءٍ)، وهذا يناقض ما ذكره، ولا يجتمع معنى كلاميه، بل بينهما تفاوت التناقض؛ فأين شرط حصول الشيء من شهود عدم كونه سببًا وشرطًا؟!
والجواب عن هذا: أنَّ كون الشيء شرطًا وسببًا لحصول شيءٍ لا يناقض أن يكون عدمُ رؤيته شرطًا لحصول ذلك الشيء، فيكون حصوله مشروطًا بوجود ذلك الشيء في نفس الأمر وبعدم رؤية العبد له، فتكون الرُّؤية مانعةً، وإيضاح ذلك ببيان كلامه:
فقوله: (انفصالٌ عن رؤية الانفصال) يعني: أنَّ العبد يرى حالة الشُّهود أنّه انفصل عن الكونين، ثمَّ اتصل بجناب العزَّة، فيشهد اتِّصالًا بعد انفصالٍ. وهذه الرُّؤية في التحقيق ليست صحيحةً، لأنَّه لم ينفصل عن الكونين أصلًا، لكنَّه توهَّم ذلك، فإذا تبيَّن (١) أنَّه لم ينفصل عن الكونين فقد انفصل عن الانفصال المذكور، لتحقُّقه أنَّه لم يكن صحيحًا.
ثمّ بيَّن كيف يصحُّ له انفصاله عن انفصاله (٢)، فقوله: (أن لا يترايا) أي: لا يظهر لك (٣) (شيءٌ في شهود التحقيق) يكون هو السبب الموجب للاتصالِ (٤)، فكأنَّه قال: أن تشهد التحقيق، فيريك شهوده أنَّك ما انفصلت
стр. 2244
بنفسك عن شيءٍ، ولا اتَّصلت بنفسك بشيءٍ، بل الأمر كلُّه بيد غيرك، فهو الذي فصلك وهو الذي وصلك.
وأمَّا الملحد فيفسِّر كلامه بغير هذا، ويقول (١): إذا شهدت الحقيقة أرتك أنَّك ما انفصلت من شيءٍ، ولا اتَّصلت بشيءٍ، فإنَّ تلك اثنينيَّةٌ تنافي الوحدة المطلقة.
فانظر ما في الألفاظ المجملة الاصطلاحيَّة من الاحتمال، وكيف يجرُّها كلُّ أحدٍ إلى نحلته ومذهبه؟ ولهذا يقول الملحد (٢): إنَّه ليس هناك اتِّصالٌ ولا انفصال، إنَّما هو في نظر العبد ووهمه، فإذا صار من أهل التَّحقيق علم بعد ذلك أنَّه لا انفصال ولا اتِّصال، ويُنشد في هذا المعنى بيتًا مشهورًا لطائفة الاتِّحاديّة:
فما فيك لي شيءٌ لشيءٍ موافق ... ولا منك لي شيءٌ لشيءٍ مخالفُ
قال (٣): (الثالث: انفصالٌ عن اتِّصال (٤)، وهو انفصالٌ عن شهود مزاحمة الاتِّصال عينَ السبق، فإنَّ الانفصال والاتِّصال على عظم تفاوتهما في الاسم والرسم في العلَّة سيَّان).
الفرق بين هذه الدرجة والتي قبلها: أنَّ ما قبلها انفصالٌ عن سكونه إلى
стр. 2245
انفصاله ورؤيته له، وهو في هذه الدرجة انفصالٌ عن رؤية اتِّصاله، فيتجرَّد عن رؤية كونه متَّصلًا، فإنَّ هذه الرُّؤية علَّةٌ في الاتِّصال. بل حالُ (١) اتِّصاله: غيبتُه عن رؤية كونه متَّصلًا (٢) لكمال استغراقه بما هو فيه من حقيقة الاتِّصال. فحصل من الدرجتين انفصاله عن الانفصال والاتِّصال جميعًا.
فهاهنا جال المُلحد وصال، وفتح فاه ناطقًا بالإلحاد، وقال (٣): هذا يدلُّ على أنَّ الانفصال والاتِّصال لا حقيقة لهما في نفس الأمر بل في نظر الناظر، فلا حقيقة لهما في نفس الأمر لكن في وهم المكاشف، فأين الاتِّصال والانفصال في العين الواحدة؟ وإنَّما الوهم والخيال قد حكما على أكثر الخلق.
وقد أعاذ الله الشيخ من أن يُظنَّ به هذا الإلحاد، وإنَّما مراده ما ذكرناه. وقد كشف عن مراده بقوله: (وهو انفصالٌ عن شهود مزاحمة الاتِّصال عينَ السبق) أي: ينفصل عن شهود مزاحمته لاتِّصاله عينَ ما سبَقَ له في الأزل من الأوَّل الآخر سبحانه، فإنَّه إذا لاحظ السَّبْق وما تقرَّر فيه حيث لم يكن هو ولا شيء من الأشياء= لم يزاحم شهودُ اتِّصاله لشهود ما سبَقَ به الأزل، بل اضمحلَّ فعلُه وشهودُه ووجودُه في ذلك الوجود الأزليِّ بحيث كأنَّه لم يكن. فإذا نسَبَ فعله وصفاته ووجوده إلى ذلك الوجود اضمحلَّ وتلاشى، وصار كالظلِّ والخيال للشخص.