وكذلك قوله: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ١٩]. وكذلك قوله: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٦٦]. وكذلك قوله: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس: ١ - ٣]، وقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٢]، وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ [المنافقون: ١]، وقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩]. فهذا كلُّه شهادةٌ منه لرسوله، قد أظهَرها وبيَّنها، وبيَّن صحّتَها غاية البيان بحيث قطع العذرَ بينه وبين عباده، وأقام الحجّةَ عليهم. فكونُه سبحانه شاهدًا لرسوله معلومٌ بسائر أنواع الأدلّة: عقليِّها ونقليِّها وفطريِّها، ضروريِّها ونظريِّها.
ومَن نظَر في ذلك وتأمَّلَه علِمَ أنّ الله سبحانه شهد لرسوله أصدقَ الشّهادة وأعدلَها وأظهَرها، وصدَّقه سائرَ أنواع التَّصديق بقوله الذي أقام البراهينَ على صدقه فيه، وبفعله وبإقراره وبما فطَر عليه عباده من الإقرار بكماله، وتنزيهه عن القبائح وعمّا لا يليق به. وكلَّ وقتٍ يُحدِث من آياته الدَّالّة على صدق رسوله ما يقيم به الحجّةَ، ويزيل به العذرَ، ويحكم له ولأتباعه بما وعدهم به من العزِّ والنّجاة والظّفر والتّأييد، ويحكم على أعدائه ومكذِّبيه بما أوعدهم به من الخزي والنَّكال والعقوبات المعجَّلة (١) الدَّالّة على تحقيق العقوبات المؤجّلة.
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ
стр. 2452
وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح: ٢٨]. فيظهره ظهورين: ظهورًا بالحجّة والبيان والدّلالة، وظهورًا بالنّصر والغلبة والتّأييد؛ حتّى يَظهر على مخالفيه ويكون منصورًا.
وقوله: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦]. فما فيه من الخبر عن علم الله الذي لا يعلمه غيره من أعظم الشّهادة بأنّه هو الذي أنزله، كما قال في الآية الأخرى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [هود: ١٣ - ١٤]. وليس المرادُ مجرَّدَ الإخبار بأنّه أنزله وهو معلومٌ له كما يعلم سائر الأشياء، فإنَّ كلَّ شيءٍ معلومٌ له من حقٍّ وباطلٍ. وإنّما المعنى: أنزله مشتملًا على علمه وفيه علمُه، فنزولُه مشتملًا على علمه هو آيةُ كونه من عنده وأنّه حقٌّ وصدقٌ. ونظير هذا قوله: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الفرقان: ٦] ذكر ذلك سبحانه تكذيبًا وردًّا على من قال: ﴿افْتَرَاهُ﴾ [الفرقان: ٤].
فصل
ومن شهادته أيضًا: ما أودعه في قلوب عباده من التَّصديق الجازم، واليقين الثّابت، والطُّمأنينة بكلامه ووحيه؛ فإنّ العادة تُحيل حصولَ ذلك بما هو من أعظم الكذب والافتراء على ربِّ العالمين، والإخبار عنه بخلاف ما هو عليه من أسمائه وصفاته. بل ذلك يُوقع أعظمَ الرَّيب والشّكِّ، وتدفعه الفطَرُ والعقولُ السّليمة، كما تدفع الفطَرُ التي فُطِرَ عليها الحيوانُ الأغذيةَ الخبيثةَ الضَّارَّةَ التي لا تغذِّي كالأبوال والأنتان. فإنَّ الله سبحانه فطَر القلوبَ
стр. 2453
على قبول الحقِّ، والانقياد له، والطُّمأنينة به (١)، والسُّكون إليه ومحبّته؛ وفطَرها على بغض الكذب والباطل، والنُّفور عنه، والرِّيبة به، وعدم السُّكون إليه. ولو بقيت الفطَرُ على حالها لما آثرت على الحقِّ سواه، ولما سكنت إلّا إليه، ولا اطمأنَّت إلّا به، ولا أحبَّت غيره.
ولهذا ندَب سبحانه عبادَه إلى تدبُّر القرآن، فإنَّ كلَّ من تدبَّره أوجب له تدبُّرُه علمًا ضروريًّا ويقينًا جازمًا: أنّه حقٌّ وصدقٌ، بل أحقُّ كلِّ حقٍّ، وأصدَقُ كلِّ صدقٍ؛ وأنَّ الذي جاء به أصدَقُ خلقِ الله، وأبرُّهم، وأكمَلُهم علمًا وعملًا ومعرفةً. قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]. وقال تعالى: ﴿(٢٣) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ﴾ [محمد: ٢٤]. فلو رُفعت الأقفالُ عن القلوب لباشرتها حقائقُ القرآن، واستنارت فيها مصابيحُ الإيمان، وعلِمت علمًا ضروريًّا يكون عندها كسائر الأمور الوجدانيّة من الفرح والألم والحبِّ والخوف= أنّه من عند الله، تكلَّم به حقًّا، وبلَّغه رسولُه جبريلُ عنه إلى رسوله محمَّدٍ ﷺ .
فهذا الشّاهد في القلب من أعظم الشّواهد، وبه احتجَّ هرقلُ على أبي سفيان حيث قال له: فهل يرتدُّ أحدٌ منهم سخطةً لدينه، بعد أن يدخل فيه؟ فقال: لا. فقال له: وكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشتُه القلوبَ لا يسخطه أحدٌ.
وقد أشار تعالى إلى هذا المعنى بقوله: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩]، وقوله: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي
стр. 2454
أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ [سبأ: ٦]، وقوله: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ [الرعد: ١٩]، وقوله: ﴿(٢٦) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ﴾ [الرعد: ٢٧] يعني: أنَّ الآيةَ التي يقترحونها لا تُوجِب هدايةً، بل الله هو الذي يهدي ويضلُّ. ثمّ نبَّههم على أعظمِ آيةٍ وأجلِّها، وهي: طمأنينةُ قلوب المؤمنين بذكره الذي أنزله، فقال: ﴿(٢٧) الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي بكتابه وكلامه ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ﴾ [الرعد: ٢٨]. فطمأنينةُ القلوب الصَّحيحة والفِطَر السَّليمة به وسكونُها إليه من أعظم الآيات، إذ يستحيل في العادة أن تطمئنَّ القلوبُ وتسكنَ إلى الكذب والافتراء والباطل.
فإن قيل: فلِمَ لا ذَكَر (١) سبحانه شهادةَ رسله مع الملائكة، فقال: شهد الله أنّه لا إله إلّا هو والملائكةُ والرُّسلُ (٢)، وهم أعظم شهادةً من أولي العلم؟
قيل: في ذلك عدّة فوائد:
أحدها: أنّ أولي العلم أعمُّ من الرُّسل والأنبياء، فيدخلون هم وأتباعهم.
стр. 2455
وثانيها: أنَّ في ذكرِ أولي العلم في هذه الشّهادة وتعليقِها بهم ما يدلُّ على أنّها من موجَبات العلم ومقتضَياته، وأنَّ كلَّ من كان من أولي العلم فإنّه يشهد بهذه الشّهادة؛ كما يقال: إذا طلع الهلال واتّضح فإنَّ كلَّ من كان من أهل النّظر يراه، وإذا فاحت رائحةٌ ظاهرةٌ كلُّ (١) من كان من أهل الشّمِّ يشمُّ هذه الرّائحة، كما قال تعالى: ﴿(٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ﴾ [النازعات: ٣٦]، أي كلُّ من له رؤيةٌ يراها حينئذٍ عيانًا. ففي هذا بيانُ أنَّ من لم يشهد له سبحانه بهذه الشّهادة فهو من أعظم الجُهَّال، وإن علِمَ من أمور الدُّنيا ما لا يعلمه غيرُه، فهو من أولي الجهل لا من أولي العلم. وقد بيّنّا أنّه لم يقم بهذه الشّهادة، ويؤدِّها على وجهها إلّا أتباعُ الرُّسل أهلُ الإثبات، فهم أولو العلم، وسائرُ من عداهم أولو الجهل وإن وسَّعوا القول وأكثروا الجدال.
ومنها: الشَّهادةُ من الله سبحانه لأهل هذه الشَّهادة أنَّهم أولو العلم. فشهادتُه لهم أعدَلُ وأصدَقُ من شهادة الجهميّة والمعطِّلة والفرعونيّة لهم بأنَّهم جهَّالٌ، وأنَّهم حشويّةٌ، وأنَّهم مشبِّهةٌ، وأنَّهم مجسِّمةٌ ونوابِتُ ونواصِبُ. فكفاهم شهادُة أصدَقِ الصَّادقين لهم بأنَّهم من أولي العلم، إذ شهدوا له بحقيقة ما شهِد به لنفسه، من غير تحريفٍ ولا تعطيلٍ، وأثبتوا له حقيقةَ هذه الشَّهادة ومضمونَها؛ وخصومُهم نفَوا عنه حقائقَها، وأثبتوا له ألفاظها ومَجازاتها.
فصل
وفي ضمن هذه الشّهادة الإلهيّة: الثَّناءُ على أهل العلم الشَّاهدين بها
стр. 2456
وتعديلُهم. فإنّه سبحانه قرَنَ شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته، واستشهد بهم على أجلِّ مشهودٍ به، وجعَلَهم حجّةً على من أنكر هذه الشَّهادة، كما يحتجُّ بالبيِّنة على من أنكر الحقَّ. فالحجّةُ قامت بالرُّسل على الخلق، وهؤلاء نوّابُ الرُّسل وخلفاؤهم في إقامة حجج الله على العباد.
فصل
وقد فُسِّرت شهادةُ أولي العلم بالإقرار، وفسِّرت بالتّبيين والإظهار، والصَّحيحُ: أنّها تتضمَّن الأمرين، فشهادتُهم إقرارٌ، وإظهارٌ وإعلامٌ.
وهم شهداءُ الله على النّاس يوم القيامة. قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. وقال تعالى: ﴿سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا﴾ [الحج: ٧٨] فأخبر أنّه جعلهم عَدْلًا خيارًا، ونوَّه بذكرهم قبل أن يُوجِدهم لما سبق في علمه من اتِّخاذه لهم شهداء يشهدون على الأمم يوم القيامة. فمن لم يقم بهذه الشّهادة علمًا وعملًا، ومعرفةً وإقرارًا، ودعوةً وتعليمًا وإرشادًا، فليس من شهداء الله. والله المستعان.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] اختلف المفسِّرون: هل هو كلامٌ مستأنَفٌ، أو داخلٌ في مضمون هذه الشّهادة، فهو بعض المشهود به؟
وهذا الاختلاف مبنيٌّ على القراءتين في كسر «إنّ» وفتحها. فالأكثرون
стр. 2457
على كسرها على الاستئناف، وفتحَها الكسائيُّ وحده (١). والوجهُ: هو الكسر، لأنّ الكلام الذي قبله قد تَمَّ، فالجملة الثّانية مقرِّرةٌ مؤكِّدةٌ لمضمون ما قبلها. وهذا أبلغُ في التّقرير، وأذهبُ في المدح والثّناء. ولهذا كان كسرُ «إنَّ» في قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] أحسَنَ من الفتح (٢)، وكان الكسرُ في قول الملبِّي: «لبّيك، إنّ الحمد والنِّعمة لك» أحسنَ من الفتح.
وقد ذُكِر في توجيه قراءة الكسائيِّ ثلاثةُ أوجهٍ (٣):
أحدها: أن تكون الشَّهادةُ واقعةً على الجملتين، فهي واقعةٌ على ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ فهو المشهود به، ويكون فتحُ «أنّه» من قوله ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ على إسقاط حرف الجرِّ، أي لأنَّه (٤) لا إله إلّا هو، وهذا توجيه الفرّاء (٥). وهذا ضعيفٌ جدًّا، فإنّ المعنى على خلافه، وأنّ المشهود به هو نفسُ قوله: ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، فالمشهود به «أنّ» وما في حيِّزها، والعنايةُ إلى هذا صرفت، وبه حصلت. ولكن لهذا القول ــ مع ضعفه ــ وجهٌ، وهو أن يكون المعنى: شهد الله بتوحيده أنَّ الدِّين عنده الإسلام. والإسلام
стр. 2458
هو توحيده سبحانه، فتضمَّنت الشّهادةُ توحيدَه (١)، وتحقيق دينه أنّه الإسلام لا غيره.
الوجه الثّاني: أن تكون الشَّهادةُ واقعةً على الجملتين معًا، كلاهما مشهودٌ به، على تقدير حذف الواو وإرادتها (٢). والتَّقديرُ: وأنَّ الدِّينَ عند الله الإسلام، فتكون جملةً استُغني فيها عن حرف العطف بما تضمَّنت من ذكر المعطوف عليه، كما وقع الاستغناء عنها في قوله: ﴿ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ و ﴿خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢]. فيحسن ذكرُ الواو وحذفُها، كما حُذِفت هاهنا، وذُكرت في قوله: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢].
الوجه الثّالث ــ وهو مذهب البصريِّين ــ: أن تُجعَل «أنّ» الثّانية بدلًا من الأولى، والتَّقديرُ: شهد الله أنّ الدِّين عند الله الإسلام. وقولُه: ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ توطئةٌ للثّانية وتمهيدٌ، ويكون هذا من البدل الذي الثّاني فيه نفسُ الأوّل (٣)، فإنَّ الدِّينَ الذي هو الإسلام عند الله هو: شهادةُ أن لا إله إلّا الله والقيامُ بحقِّها. ولك أن تجعله على هذا الوجه من باب بدل الاشتمال لأنّ الإسلام يشتمل على التّوحيد.
فإن قيل: فكان ينبغي على هذه القراءة أن يقول: إنّ الدِّين عنده الإسلام،
стр. 2459
لأنّ المعنى: شهد الله أنَّ الدِّين عنده الإسلام؛ فلِمَ عدَلَ إلى لفظ الظّاهر؟
قيل: هذا يرجِّح قراءةَ الجمهور وأنَّها أحسنُ وأفصحُ، ولكن يجوز إقامةُ الظَّاهر مقام المضمَر، وقد ورد في القرآن وكلام العرب كثيرًا. قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ﴾ [البقرة: ١٩٦] وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٩]. وقال تعالى: ﴿تَعْقِلُونَ (١٦٩) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ﴾ [الأعراف: ١٧٠].
قال ابن عبّاسٍ (١): افتخر المشركون بآبائهم، فقال كلُّ فريقٍ منهم: لا دين إلّا دين آبائنا وما كانوا عليه، فأكذبهم الله تعالى، وقال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ يعني الذي جاء به محمّدٌ، وهو دينُ الأنبياء من أوّلهم إلى آخرهم، ليس لله دينٌ سواه، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥].
وقد دلَّ قولُه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ على أنّه دينُ أنبيائه ورسله وأتباعهم من أوّلهم إلى آخرهم، وأنّه لم يكن لله قطُّ ولا يكون له دينٌ سواه. قال أوَّلُ الرُّسل نوحٌ: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٧٢]. وقال إبراهيم وإسماعيل: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]، ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢]. وقال يعقوب لبنيه عند الموت: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ
стр. 2460
بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣)﴾ [البقرة: ١٣٣]. وقال موسى لقومه: ﴿مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ﴾ [يونس: ٨٤].
وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا﴾ [آل عمران: ٥٢]، وقالت ملكة سبأ: ﴿إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٤)﴾ [النمل: ٤٤].
فالإسلامُ دينُ أهلِ السَّماوات ودينُ أهلِ التَّوحيد من أهل الأرض، لا يقبل الله من أحدٍ دينًا سواه. فأديانُ أهل الأرضِ ستّةٌ: واحدٌ للرَّحمن، وخمسةٌ للشَّيطان. فدينُ الرَّحمن هو الإسلام، والّتي للشَّيطان: اليهوديَّة، والنَّصرانيَّة، والمجوسيَّة، ودين الصَّابئة، ودين المشركين.
فهذا بعضُ ما تضمّنته هذه الآية العظيمة من أسرار التَّوحيد والمعارف. ولا تستطِلِ الكلامَ فيها، فإنَّه أهمُّ من الكلام على كلام صاحب «المنازل»، فلنرجع إلى شرح كلامه وبيان ما فيه.
قال (١): (وإنّما نطق العلماء بما نطقوا به، وأشار المحقِّقون إلى ما أشاروا إليه من هذا الطّريق: لقصد تصحيح التَّوحيد، وما سواه من حالٍ أو مقامٍ فكلُّه مصحوب العلل).
يريد: أنَّ التّوحيدَ هو الغاية المطلوبة من جميع المقامات والأعمال
стр. 2461
والأحوال، فغايتُها كلِّها التَّوحيد، وإنّما كلامُ العلماء والمحقِّقين من أهل السُّلوك كلُّه لقصد تصحيحه. وهذا بيِّنٌ من أوّل المقامات إلى آخرها، فإنّها تشير إلى تصحيحه وتجريده.
قوله: (وما سواه من حالٍ أو مقامٍ فكلُّه مصحوب العلل)، يريد: أنّ تجريد التّوحيد لا علّة معه، إذ لو كان معه علّةٌ تصحبه لم يجرَّد. فتجرُّدُه ينفي عنه العللَ بالكلِّيّة بخلاف ما سواه من المقامات والأحوال، فإنَّ العللَ تصحبها.
وعندهم أنَّ علل المقامات لا تزول إلَّا بتجريد التَّوحيد. مثاله: أنَّ علَّةَ مقام التَّوكُّل أن يشهد متوكِّلًا ومتوكَّلًا فيه، ومتوكَّلًا عليه، ويشهد نفسَ توكُّله. وهذا كلُّه علّةٌ (١) في مقام التَّوكُّل، فإنّه لا يصحُّ له مقامُه إلّا بأن لا يشهد مع الوكيل الحقِّ الذي يتوكَّل عليه غيرَه، ولا يرى توكُّلَه سببًا لحصول المطلوب، ولا وسيلةً إليه.
وفيه علّةٌ أخرى أدقُّ من هذه عند أرباب الفناء، وهي: أنَّ المتوكِّلَ قد وكَلَ أمره إلى مولاه، والتجأ إلى كفايته وتدبيره له والقيام بمصالحه. قالوا (٢): وهذا في طريق الخاصَّة عمًى عن التّوحيد، ورجوعٌ إلى الأسباب؛
стр. 2462
لأنَّ الموحِّدَ قد رفض الأسباب، ووقف مع المسبِّب وحده؛ والمتوكِّلُ وإن رفَض الأسبابَ فإنّه واقفٌ مع توكُّله، فصار توكُّله بدلًا من تلك الأسباب التي رفضها، فهو متعلِّقٌ بما رفضه.
وتجريدُ التّوكُّل عندهم وحقيقته (١) هو: تخليص القلب من علّة التّوكُّل، وهو أن يعلم أنّ الله سبحانه فرغ من الأشياء وقدَّرها، وهو سبحانه يسوق المقادير إلى المواقيت. فالمتوكِّلُ حقيقةً ــ عندهم ــ هو من أراح نفسه من كدِّ النّظر ومطالعة السَّبب سكونًا إلى ما سبَق له من القَسْم، مع استواء الحالتين عنده، وهو أن يعلَم أنَّ الطلبَ لا ينفع، والتّوكُّلَ لا يجمع (٢). ومتى طالع بتوكُّله عوضًا كان توكُّله مدخولًا، وقصدُه معلولًا. فإذا خلَص من رقِّ هذه الأسباب ومطالعة العوض، ولم يلاحظ في توكُّله سوى خالص حقِّ الرَّبِّ سبحانه، كفاه الله تعالى كلَّ مهمٍّ، كما أوحى إلى موسى: كُنْ لي كما أريد، أكُنْ لك كما تريد (٣).
وهذا الكلام وأمثاله بعضه صوابٌ، وبعضه خطأٌ، وبعضه محتملٌ.
стр. 2463
فقولهم: «إنَّ التّوكُّلَ في طريق الخاصّة عمًى عن التّوحيد، ورجوعٌ إلى الأسباب» خطأٌ محضٌ، بل التّوكُّلُ حقيقةُ التَّوحيد، ولا يتمُّ التَّوحيدُ إلّا به. وقد تقدَّم في باب التّوكُّل بيانُ ذلك وأنَّه من مقامات الرُّسل، وهم خاصَّةُ الخاصَّة، وإنّما المتحذلقون المتنطِّعون جعلوه من مقامات العامَّة، ولا أخصَّ من رُسُلِ الله، ولا أعلى من مقاماتهم.
وقولهم: «إنّه رجوعٌ إلى الأسباب»، يقال: بل هو قيامٌ بحقِّ الأمر، فإنَّ الله سبحانه اقتضت حكمتُه ربطَ المسببات بأسبابها، وجعل التّوكُّل والدُّعاء من أقرب الأسباب التي تحصِّل المقصود. فالتّوكُّلُ امتثالٌ لأمر الله، وموافقةٌ لحكمته، وعبوديّةُ القلب، فكيف يكون مصحوبَ العلل؟ وكيف يكون من مقامات العامّة؟
وقوله (١): «لأنَّ الموحِّدَ قد رفض الأسباب كلّها»، يقال له: هذا الرَّفضُ لا يخرج عن الكفر تارةً، والفسق تارةً، والتّقصير تارةً؛ فإنّ الله أمرَ بالقيام بالأسباب، فإذا رفَضَ ما أمَره الله أن يقوم به فقد ضادَّ الله في أمره. وكيف يحلُّ لمسلمٍ أن يرفض الأسباب كلَّها؟
فإن قلتَ: ليس المرادُ رفضَ القيام بها، وإنّما المرادُ: رفضُ الوقوف معها.
قلتُ: وهذا أيضًا غير مستقيمٍ، فإنَّ الوقوفَ مع الأسباب قسمان:
وقوفٌ مأمورٌ به مطلوبٌ، وهو أن يقفَ معها حيث أوقفه الله ورسوله، فلا يتعدَّى حدودها ولا يقصِّرَ عنها، فيقفَ مع مراعاة حدودها وأوقاتها
стр. 2464
وشرائطها. وهذا الوقوف لا تتمُّ العبوديّة إلّا به.
ووقوفٌ معها، بحيث يعتقد أنّها هي الفاعلة المؤثِّرة بنفسها، وأنّها تنفع وتضرُّ بذاتها، فهذا لا يعتقده موحِّدٌ، ولا يحتاج أن يحترز منه من يتكلّم في المعرفة والسُّلوك.
نعم، لا ينقطع بها عن رؤية المسبِّب، ويعتقدها هي الغاية المطلوبة منه، بل هي وسيلةٌ تُوصِل إلى الغاية، ولا تصل إلى الغاية المطلوبة بدونها. فهذا حقٌّ، لكن لا يجامع رفضَها والإعراضَ عنها، بل يقوم بها معتقدًا أنّها وسيلةٌ مُوصِلةٌ إلى الغاية. فهي كالطَّريق الحسِّيِّ الذي يقطعه المسافر إلى مقصده، فإن قيل له: ارفُضِ الطَّريقَ ولا تلتفت إليها انقطع عن المسير بالكلِّيّة. وإن جعَلهَا غايتَه ولم يقصد بالسَّير فيها وصولَه إلى مقصدٍ معيَّنٍ كان معرضًا عن الغاية، مشتغلًا بالطّريق. وإن قيل له: التفِتْ إلى طريقك ومنازل سيرك، وراعِها، وسِرْ فيها ناظرًا إلى المقصود، عاملًا على الوصول إليه= فهذا هو الحقُّ.
وقولهم: «المتوكِّل وإن رفَضَ الأسبابَ واقفٌ مع توكُّله». فيقال: إن وقف مع توكُّله امتثالًا لأمر الله، وأداءً لحقِّ عبوديّته، معتقدًا أنَّ الله هو الذي منَّ عليه بالتّوكُّل، وأقامَه فيه، وجعله سببًا موصِلًا له (١) إلى مطلوبه، فنعم الوقوفَ وقَفَ! وما أحسنه من وقوفٍ! وإن وقف معه اعتقادًا أنَّ (٢) بنفس توكُّله وعمله يصل، مع قطع النّظر عن فضل ربِّه وإعانته ومنِّه عليه بالتّوكُّل؛
стр. 2465
فهو وقوفٌ منقطعٌ عن الله.
وقولهم: «إنّ التّوكُّل بدلٌ من الأسباب التي رفضها، فالمتوكِّل متنقِّلٌ من سببٍ إلى سببٍ». يقال لهم: إن كانت الأسبابُ التي رفَضَها غيرَ مأمورٍ بها، فالتّوكُّلُ المجرَّدُ خيرٌ منها. وإن كانت مأمورًا بها. فرفضُه لها إلى التّوكُّل معصيةٌ وخروجٌ عن الأمر.
نعم، للتّوكُّل ثلاثُ عللٍ:
أحدها: أن يترك به ما أُمِرَ به من الأسباب استغناءً بالتّوكُّل عنها. فهذا توكُّل عجزٍ وتفريطٍ وإضاعةٍ، لا توكُّلُ عبوديّةٍ وتوحيدٍ؛ كمن يترك الأعمالَ التي هي سببُ النّجاة ويتوكَّلُ في حصولها، ويتركُ القيامَ بأسباب الرِّزق من العمل والحراثة والتِّجارة ونحوها ويتوكَّلُ في حصوله؛ ويترك طلبَ العلم ويتوكَّل في حصوله= فهذا توكُّلُه عجزٌ وتفريطٌ، كما قال بعض السَّلف: لا تكن ممَّن يجعل توكُّلَه عجزًا، وعجزَه توكُّلًا (١).
العلّة الثّانية: أن يتوكَّل في حظوظه وشهواته دون حقوق ربِّه، كمن يتوكَّل في حصول مالٍ أو زوجةٍ أو رياسةٍ. وأمّا التّوكُّلُ في نصرة دين الله وإعلاء كلماته، وإظهار سنّة رسوله، وجهاد أعدائه. فليس فيه علّةٌ، بل هو مزيلٌ للعلل.
العلّة الثّالثة: أن يرى توكُّله منه، ويغيب بذلك عن مطالعةِ المنّة وشهود الفضل، وإقامةِ الله له في مقام التّوكُّل. وليس مجرَّدُ رؤية التّوكُّل علّةً كما يظنُّه
стр. 2466
كثيرٌ من النّاس، بل رؤيةُ التّوكُّل وأنَّه من عينِ الجود ومحضِ المنّة ومجرَّدِ التَّوفيق عبوديّةٌ، وهي أكمَلُ من كونه يغيب عنه ولا يراه. فالأكمَلُ أن لا يغيب بفضل ربِّه عنه، ولا به عن شهود فضله، كما تقدَّم بيانه.
فهذه العللُ الثّلاثُ هي التي تعرض في مقام التّوكُّل وغيره من المقامات، وهي التي يعمل العارفون بالله وأمره على قطعها. وهكذا الكلام في سائر علل المقامات، وإنّما ذكرنا هذا مثالًا لما يذكر من عللها. وقد أفرد لها صاحبُ «المنازل» مصنّفًا لطيفًا (١)، وجعل غالبَها معلولًا. والصَّوابُ: أنَّ عللها هذه الثّلاثة المذكورة: أن يتركَ بها ما هو أعلى منها، وأن يعلِّقَها بحظِّه والانقطاعُ بها عن المقصود، وأن لا يراها من عين المنّة ومحض الجود. وبالله التّوفيق.
قوله (٢): (والتّوحيد على ثلاثة أوجهٍ: الوجه الأوّل: توحيد العامّة، الذي يصحُّ بالشّواهد. والوجه الثّاني: توحيد الخاصَّة، وهو الذي يثبت بالحقائق. والوجه الثّالث: توحيدٌ قائمٌ بالقِدَم، وهو توحيد خاصَّة الخاصَّة).
فيقال: لا ريب أنَّ أهلَ التّوحيد متفاوتون في توحيدهم ــ علمًا ومعرفةً وحالًا ــ تفاوتًا لا يحصيه إلّا الله. فأكمَلُ النّاس توحيدًا: الأنبياءُ صلوات الله وسلامه عليهم، والمرسلون منهم أكمَلُ في ذلك، وأولو العزم من الرُّسل أكملُهم توحيدًا، وهم نوحٌ، وإبراهيم، وموسى، ومحمّدٌ صلوات الله وسلامه عليهم. وأكمَلُهم توحيدًا: الخليلان محمّدٌ وإبراهيم صلوات الله وسلامه
стр. 2467
عليهما، فإنَّهما قاما من التَّوحيد بما لم يقم به غيرُهما علمًا ومعرفةً وحالًا، ودعوةً للخلق وجهادًا. فلا توحيد أكمَلُ من الذي قامت به الرُّسلُ، ودعَوا إليه، وجاهَدوا الأمم عليه.
ولهذا أمر الله سبحانه نبيَّه ﷺ أن يقتدي بهم فيه، كما قال سبحانه بعد ذكر إبراهيم ومناظرته قومَه في بطلان الشِّرك وصحّة التّوحيد، وذكَر الأنبياءَ من ذرِّيّته، ثمّ قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (٨٩) أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٨٩]. فلا أكملَ من توحيد مَن أُمر رسولُ الله ﷺ أن يقتدي بهم.
ولمَّا قاموا بحقيقة التوحيد علمًا وعملًا ودعوةً وجهادًا جعَلَهم الله أئمّةً للخلائق، يهدُون بأمره، ويدعُون إليه. وجعل الخلائقَ تبعًا لهم، يأتمرون بأمرهم، وينتهون إلى ما وقفوا بهم عنده (١)؛ وخصَّ بالسَّعادة والفلاح والهدى أتباعَهم، وبالشَّقاء والضّلال مخالفيهم؛ وقال لإمامهم وشيخهم إبراهيم خليله: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي﴾ [البقرة: ١٢٤]، أي لا ينال عهدي بالإمامة مشركًا.
ولهذا أوصى نبيَّه محمَّدًا ﷺ أن يتَّبع ملّةَ إبراهيم. وكان يعلِّم أصحابه إذا أصبحوا أن يقولوا: «أصبحنا على فطرة الإسلام، وكلمة الإخلاص، ودين نبيِّنا محمَّدٍ، وملَّةِ أبينا إبراهيم حنيفًا مسلمًا وما كان من المشركين» (٢)، فملّةُ
стр. 2468
إبراهيم: التَّوحيد. ودينُ محمّدٍ: ما جاء به من عند الله قولًا وعملًا واعتقادًا. وكلمةُ الإخلاص هي شهادة أن لا إله إلّا الله. وفطرةُ الإسلام هي ما فطَر الله عليه عبادَه من محبّته وعبادته وحده لا شريك له، والاستسلامِ له عبوديّةً وذلًّا (١) وانقيادًا وإنابةً.
فهذا هو توحيدُ خاصَّة الخاصّة، الذي مَن رغب عنه فهو من أسفه السُّفهاء.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠ - ١٣١]. فقسَّم التَّوحيدُ الخلائقَ قسمين: سفيهًا لا أسفه منه (٢)، ورشيدًا. فالسَّفيهُ: من رغب عنه إلى الإشراك. والرَّشيدُ: من تبرّأ من الشِّرك قولًا وعملًا وحالًا، فكان قولُه توحيدًا، وعملُه توحيدًا، وحالُه توحيدًا، ودعوتُه إلى التَّوحيد.
وبهذا أمر الله سبحانه جميعَ المرسلين من أوّلهم إلى آخرهم. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥١ - ٥٢].
стр. 2469
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا يُوحَى (١) إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥].
وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥].
وقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١) لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢) لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ [الأنبياء: ٢١ - ٢٤]، أي هذا الكتابُ الذي أُنزِل عليّ وهذه كتبُ الأنبياء كلِّهم، هل وجدتم في شيءٍ منها اتِّخاذَ آلهةٍ مع الله أم كلُّها ناطقةٌ بالتّوحيد آمرةٌ به؟
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. والطَّاغوتُ اسمٌ لكلِّ ما عبدوه من دون الله، فكلُّ مشركٍ إلهُه طاغوتُه.
وقد تكلّم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى على ما ذكره صاحب «المنازل» في التّوحيد، فقال (٢) بعد أن حكى كلامه إلى آخره: أمَّا التوحيد الأوّل الذي ذكره فهو التوحيد الذي جاءت به الرُّسل كلُّهم، ونزلت به الكتب كلُّها، وبه أمر الله الأوّلين والآخرين. وذكر الآيات الواردة (٣) بذلك.
стр. 2470
ثمّ قال: وقد أخبر الله عن كلِّ رسولٍ من الرُّسل أنّه قال لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾. وهذا أوَّلُ دعوة الرُّسل وآخرُها. قال النَّبيُّ ﷺ : «أُمِرتُ أن أقاتلَ النّاسَ حتّى يشهدوا أن لا إله إلّا الله، وأنِّي رسولُ الله» (١). وقال: «من مات وهو يعلم أنَّه لا إله إلّا الله دخَلَ الجنّة» (٢).
والقرآنُ مملوءٌ من هذا التّوحيد، والدَّعوةِ إليه، وتعليقِ النَّجاة والسَّعادة في الآخرة به. وحقيقتُه: إخلاصُ الدِّين كلِّه لله. والفَناءُ في هذا التّوحيد مقرونٌ بالبقاء، وهو أن تُثبت إلهيّةَ الحقِّ تعالى في قلبك، وتنفي إلهيّةَ ما سواه، فتجمعَ بين النّفي والإثبات. فالنَّفيُ هو الفَناء، والإثباتُ هو البقاء. وحقيقتُه: أن تفنى بعبادته عن عبادة ما سواه، وبمحبَّته عن محبَّة ما سواه، وبخشيته عن خشية ما سواه، وبطاعته عن طاعة ما سواه. وكذلك بموالاته، وسؤالِه، والاستعانةِ به، والتّوكُّلِ عليه، ورجائِه ودعائه، والتَّفويضِ إليه، والتّحاكُمِ إليه، واللَّجَأ إليه، والرّغبةِ فيه.
قال تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٤].
وقال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ [الأنعام: ١١٤].
وقال تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٦٤].
وقال تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ
وأمَرنا تعالى أنّ نتأسّى بإمام هذا التَّوحيد في نفيه وإثباته، كما قال تعالى: ﴿(٣) قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَأَئُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾ [الممتحنة: ٤].
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٦].
وقال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (٧٠) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (٧١) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤) قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهْوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهْوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٦٩ - ٨٢].
وإذا تدبَّرتَ القرآن من أوّله إلى آخره رأيتَه يدور على هذا التَّوحيد وتقريره وحقوقه.
قال شيخنا (١): والخليلان هما أكمَلُ خاصَّة الخاصَّة توحيدًا. ولا يجوز أن يكون في الأمّة من هو أكمل توحيدًا من نبيٍّ من الأنبياء، فضلًا عن الرُّسل، فضلًا عن أولي العزم، فضلًا عن الخليلين. وكمالُ هذا التّوحيد هو أن لا
стр. 2474
يبقى في القلب شيءٌ لغير الله أصلًا، بل يبقى العبد مواليًا لربِّه في كلِّ شيءٍ، يحبُّ ما أحبَّ، ويُبغض ما أبغضَ، ويوالي من يواليه، ويعادي من يعاديه، ويأمر بما يأمر به، وينهى عمّا نهى عنه.
فصل
قوله: (وهذا توحيد العامّة، الذي يصحُّ بالشّواهد).
قد تبيَّن أنَّ هذا توحيدُ خاصَّة الخاصَّة، الذي لا شيء فوقه ولا أخصَّ منه، وأنَّ الخليلين أكملُ النّاس فيه، فَلْيَهْنِ العامَّةَ نصيبُهم منه!
قوله: (يصحُّ بالشّواهد)، أي بالأدلّة والآيات والبراهين. وهذا ممّا يدلُّ على كماله وشرفه أن قامت عليه الأدلَّةُ، ونادت عليه الشَّواهدُ، وأوضحته الآياتُ والبراهينُ. وما عداه فدعاوٍ مجرَّدةٌ لا يقوم عليها دليلٌ، ولا تصحُّ بشاهدٍ. فكلُّ توحيدٍ لا يصحُّ بشاهدٍ فليس بتوحيدٍ. فلا يجوز أن يكون توحيدٌ أكملَ من التَّوحيد الذي يصحُّ بالشّواهد والآيات، وتوحيدُ القرآن من أوّله إلى آخره كذلك.
وقوله: (هذا هو التّوحيدُ الظَّاهرُ الجليُّ الذي نفى الشِّركَ الأعظمَ).
فنعم لَعَمْرُ الله. ولظهوره وجلائه أرسل الله به رسلَه، وأنزل به كتبَه، وأمر به الأوّلين والآخرين من عباده. وأمَّا الرَّمزُ والإشارةُ والتَّعقيدُ الذي لا يكاد أن يفهمه أحدٌ من النّاس إلّا بجهدٍ وكلفةٍ، فليس ممّا جاءت به الرُّسل، ولا دعَوا إليه. فظهوُر هذا التّوحيد وانجلاؤه ووضوحه، وشهادةُ الفِطَر والعقول به: من أعظم الأدلّة أنّه أعلى مراتب التّوحيد وذروةُ سنامه. ولذلك قوِيَ على نفي الشِّرك الأعظم، فإنَّ الشَّيءَ كلَّما عظُم لا يدفعه إلّا العظيمُ، فلو كان
стр. 2475
شيءٌ أعظمَ من هذا التّوحيد لَدفَع الشِّركَ الأعظمَ. ولعظمته وشرفه، نُصِبت عليه القبلة وأُسِّست عليه الملَّة، ووجبت به الذِّمّة، وحُقِنت به الدِّماء وانفصلت به دارُ الكفر من دار الإسلام، وانقسم به النّاس إلى سعيدٍ وشقيٍّ، ومهتدٍ (١) وغويٍّ، ونادت عليه الكتب والرُّسل.
وقوله: (وإن لم يقوموا بحسن الاستدلال)، يعني: هو مستقِرٌّ في قلوب أهله، وإن كان أكثَرُهم لا يحسن أن يقوم بحسن الاستدلال (٢) عليه تقريرًا وإيضاحًا، وجوابًا عن المعارض، ودفعًا لشُبه المعاند.
ولا ريب أنَّ أكثرَ النّاس لا يُحسنون ذلك، وهذا قدرٌ زائدٌ على وجود التَّوحيد في قلوبهم. فما كلُّ مَن وجَد شيئًا وعلِمَه وتيقَّنَه أحسَنَ أن يستدِلَّ عليه، ويقرِّرَه، ويدفعَ الشُّبه القادحة فيه. فهذا لونٌ، ووجوده لونٌ. ولكن لابدَّ ــ مع ذلك ــ من نوع استدلالٍ قام عنده، وإن لم يكن على شروطِ الأدلّة التي ينظِّمها أهلُ الكلام وغيرهم وترتيبِها، فهذه ليست شرطًا في التّوحيد, لا في معرفته والعلم به، ولا في القيام به عملًا وحالًا. فاستدلالُ كلِّ أحدٍ بحسبه، ولا يحصي أنواعَ الاستدلال ووجوهَه ومراتبَه إلّا الله. فلكلِّ قومٍ هادٍ، ولكلِّ علمٍ صحيحٍ ويقينٍ دليلٌ يُوجبه، وشاهدٌ يصحُّ به. وقد لا يمكن صاحبَه التَّعبيرُ عنه عجزًا وعيًّا، وإن عبَّر عنه فقد لا يمكنه التَّعبيرُ عنه باصطلاح أهل العلم وألفاظهم. وكثيرًا ما يكون الدَّليلُ الذي عُرِفَ به الحقُّ أصَحَّ من كثيرٍ من أدلّة المتكلِّمين ومقدِّماتها، وأبعدَ عن الشُّبه، وأقربَ تحصيلًا للمقصود وإيصالًا إلى المدلول عليه.
стр. 2476
بل من استقرى أحوالَ النَّاس رأى أنَّ كثيرًا من أهل الإسلام ــ أو أكثرَهم ــ أعظمُ توحيدًا، وأكثرُ معرفةً، وأرسخُ إيمانًا من أكثر المتكلِّمين وأرباب النّظر والجدال؛ وتجد عندهم من أنواع الأدلّة والآيات التي يصحُّ بها إيمانُهم ما هو أظهرُ وأوضحُ وأصحُّ ممّا عند المتكلِّمين.
وهذه الآياتُ التي ندَب الله عبادَه إلى النَّظر فيها والاستدلال بها على توحيدِه، وثبوتِ صفاته وأفعاله، وصدقِ رسله= هي آياتٌ مشهودةٌ بالحسِّ، معلومةٌ بالعقل، مستقِرّةٌ في الفِطَر، لا يحتاج النّاظر فيها إلى أوضاعِ أهل الكلام والجدل واصطلاحِهم وطرقِهم البتّة. وكلُّ من له حسٌّ سليمٌ وعقلٌ يميِّز به يعرفُها، ويُقِرُّ بها، وينتقل من العلم بها إلى العلم بالمدلول.
وفي القرآن ما يزيد على عشرات الألوف من هذه الآيات البيِّنات. ومن لم يحفظ القرآنَ إذا سمعها وفهمها وعقَلها انتقل ذهنُه منها إلى المدلول أسرعَ انتقالٍ وأقرَبَه.
وبالجملة: فما كلُّ من علِمَ شيئًا أمكنه أن يستدلَّ عليه، ولا كلُّ من أمكنه الاستدلالُ عليه يُحسن ترتيبَ الدّليل وتقريرَه والجوابَ عن المعارض.
والشَّواهد التي ذكرها هي الأدلَّة، كالاستدلال بالمصنوع على الصَّانع، والمخلوق على الخالق. وهذه طريقة القرآن الذي لا توحيدَ أكمَلُ من توحيده.
قوله: (بعد أن يسلموا من الشُّبهة، والحيرة، والرِّيبة). الشُّبهة: الشُّكوك التي تُوقع في اشتباه الحقِّ بالباطل، فيتولَّدُ عنها الحيرةُ والرِّيبةُ. وهذا حقٌّ، فإنَّ هذا التَّوحيدَ لا ينفع إن لم يسلَم قلبُ صاحبه من ذلك. وهذا هو القلبُ السَّليمُ الذي لا يُفلح إلّا من أتى الله به، فيسلَم من الشُّبهِ المعارضةِ لخبره،
стр. 2477
والإراداتِ المعارضةِ لأمره، بل ينقاد للخبرِ تصديقًا واستيقانًا، وللطَّلبِ إذعانًا وامتثالًا.
قوله: (بصدق شهادةٍ صحَّحها قبولُ القلب)، أي سلِموا من الشُّبهة والحيَرة والرِّيبة، بصدق شهادةٍ تواطأ عليها القلبُ واللِّسانُ، فصحَّت شهادتُهم بقبولِ قلوبهم لها، واعتقادِهم صحّتَها، والجَزمِ بها، بخلاف شهادة المنافق التي لم يقبلها قلبُه، ولم يواطئ عليها لسانُه.
قوله: (وهذا توحيد العامّة الذي يصحُّ بالشّواهد). قد عرفتَ أنَّ هذا هو التَّوحيدُ الذي دعت إليه الرُّسلُ، ونزلت به الكتبُ، واتّفقت عليه الشّرائعُ. ثمَّ بيَّن مراده بالشّواهد أنّها الرِّسالة والصَّنائع. والشَّواهد هي (١) الأدلّة الدَّالَّة على التَّوحيد، والرِّسالةُ أرشدت إليها وعرَّفت بها. ومقصوده: أنّ الشّواهد نوعان: آياتٌ متلوّةٌ وهي الرِّسالة، وآياتٌ مرئيّةٌ وهي الصَّنائع.
قوله: (يجب بالسَّمع، ويوجد بتبصير الحقِّ، وينمو على مشاهدة الشَّواهد). هذه ثلاث مسائل، إحداها: ما يجب به، والثّانية: ما يوجد به، والثّالثة: ما ينمو به.
فأمّا المسألة الأولى، فاختلف فيها النّاس. فقالت طائفةٌ: يجب بالعقل، ويعاقَب على تركه، والسَّمعُ مقرِّرٌ لما وجب بالعقل مؤكِّدٌ له. فجعلوا وجوبَه والعقابَ على تركه ثابتين بالعقل، والسَّمعُ مبيِّنٌ ومقرِّرٌ للوجوب وللعقاب. وهذا قول المعتزلة ومن وافقهم من أتباع الأئمّة في مسألة التّحسين والتّقبيح العقليَّين.
стр. 2478
وقالت طائفةٌ: لا يثبت بالعقل، لا هذا ولا هذا، فلا يجب بالعقل شيءٌ، وإنّما الوجوبُ بالشَّرع، ولذلك لا يستحقُّ العقاب على تركه. وهذا قول الأشعريّة ومَن وافقهم على نفي التّحسين والتّقبيح.
والقولان لأصحاب أحمد والشّافعيِّ وأبي حنيفة رحمهم الله تعالى.
والحقُّ: أنَّ وجوبه ثابتٌ بالعقل والسَّمع. والقرآن على هذا يدلُّ، فإنَّه يذكر الأدلَّة والبراهين العقليَّة على التَّوحيد، ويبيِّن حسنَه وقبحَ الشِّرك عقلًا وفطرةً، ويأمر بالتَّوحيد وينهى عن الشِّرك. ولهذا ضرب سبحانه الأمثال، وبيَّنَ الأدلَّةَ العقليَّةَ، وخاطَب العبادَ بذلك خطابَ من قد استقرَّ في عقولهم وفِطَرهم حسنُ التَّوحيد ووجوبُه، وقبحُ الشِّرك وذمُّه.
والقرآن مملوءٌ بالبراهين العقليّة الدّالّة على ذلك، كقوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَالِمًا (١) لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩]، وقوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهْوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٧٥) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهْوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى﴾ [النحل: ٧٥ - ٧٦]، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ
стр. 2479
عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٧٣] إلى أضعافِ أضعافِ ذلك من براهين التَّوحيد العقليّة التي أرشد إليها القرآن ونبَّه عليها.
ولكن هاهنا أمرٌ آخر، وهو أنّ العقاب على ترك هذا الواجب (١) يتأخَّر إلى حين ورود الشَّرع، كما دلَّ عليه قولُه تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقولُه: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الملك: ٨ - ٩]، وقولُه: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩]، وقولُه: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧] (٢).
فهذا يدلُّ على أنّهم ظالمون قبل إرسال الرُّسل، وأنّه لا يهلكهم بهذا الظُّلم قبل إقامة الحجّة. فالآيةُ ردٌّ على الطّائفتين معًا: من يقول: إنّه لا يثبت الظُّلم والقبح إلّا بالسَّمع، ومن يقول: إنّهم معذَّبون على ظلمهم بدون السَّمع. فالقرآن يبطل قول هؤلاء وهؤلاء، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ٤٧]، فأخبر: أنَّ ما قدَّمت أيديهم قبل إرسال الرَّسول
стр. 2480
سببٌ لإصابتهم بالمصيبة (١)،
ولكن لم يفعل سبحانه ذلك قبل إرسال الرَّسول الذي يقيم به حجَّتَه عليهم، كما قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥) أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٦) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ [الأنعام: ١٥٥ - ١٥٧]، وقوله: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ﴾ [الزمر: ٥٦ - ٥٩] (٢) وهذا كثيرٌ في القرآن، يخبر أنَّ الحجّةَ قامت عليهم بكتابه ورسوله، كما ينبِّههم بما في عقولهم وفِطَرهم من حسن التَّوحيد والشُّكر، وقبح الشِّرك والكفر.
وقد ذكرنا هذه المسألة مستوفاةً في كتاب «المفتاح» (٣) وذكرنا هنالك (٤) نحوًا من ستِّين وجهًا تُبطل قولَ من نفى القبحَ العقليَّ وزعَم أنّه ليس في الأفعال ما يقتضي حسنها وقبحها، وأنّه يجوز أن يأمر الله بعين ما نهى عنه، وينهى عن عين ما أمر به، وأنّ ذلك جائزٌ عليه، وإنّما فرَّق بين المأمور والمنهيِّ بمجرَّد الأمر والنّهي، لا بحسن هذا وقبح هذا، وأنّه لو نهى عن
стр. 2481
التّوحيد والإيمان والشُّكر لكان قبيحًا، ولو أمرَ بالكفر والشكر والظُّلم والفواحش لكانت حسنةً! وبيَّنَّا أنَّ هذا القولَ مخالفٌ للعقول والفِطَر والقرآن والسُّنّة.
والمقصود: الكلام على قول الشّيخ: (ويجب بالسَّمع) (١)، وأنَّ الصَّوابَ وجوبُه بالعقل والسَّمع، وإن اختلفت جهةُ الإيجاب، فالعقلُ يوجبه بمعنى اقتضائه لفعله، وذمِّه على تركه، وتقبيحه لضدِّه؛ والسَّمعُ يوجبه بهذا المعنى، ويزيد: إثباتَ العقاب على تركه، والإخبارَ عن مقت الرَّبِّ تعالى لتاركه وبغضه له. وهذا أيضًا قد يُعلم بالعقل، فإنَّه إذا تقرَّر قبحُ الشَّيء وفحشُه بالعقل، وعُلِمَ ثبوتُ كمال الرَّبِّ ﷻ بالعقل أيضًا= اقتضى ثبوتُ هذين الأمرين علمَ العقل بمقت الرَّبِّ تعالى لمرتكبه. وأمّا تفاصيلُ العقاب وما يوجبه مقتُ الرَّبِّ منه فإنّما يُعلَم بالسَّمع.
واعلم أنّه إن لم يكن حسنُ التَّوحيد وقبحُ الشِّرك معلومًا بالعقل مستقِرًّا في الفطَر، فلا وثوق بشيءٍ من قضايا العقل، فإنَّ هذه القضيَّةَ من أجلى (٢) القضايا البديهيَّات، وأوضحِ ما رُكِّب في العقول والفطَر. ولهذا يقول سبحانه عقيبَ تقرير ذلك: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾. وينفي العقلَ عن أهل الشِّرك، ويُخبر عنهم بأنّهم يعترفون في النّار أنّهم لم يكونوا يسمعون ولا يعقلون، وأنّهم خرجوا عن موجَب السَّمع والعقل، وأخبر أنّهم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١]، وأخبر أنّ سمعَهم وأبصارهم وأفئدتهم لم
стр. 2482
تُغنِ عنهم شيئًا. وهذا إنّما يكون في حقِّ من خرج عن موجَب العقل الصَّريح والفطرة الصَّحيحة.
ولو لم يكن في صريح العقل ما يدلُّ على ذلك لم يكن في قوله تعالى: ﴿انْظُرُوا﴾ و ﴿اعتبروا﴾ و ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا﴾ فائدةٌ، فإنّهم يقولون: عقولُنا لا تدلُّ على ذلك، وإنّما هو مجرَّدُ إخبارك، فما هذا النّظرُ والتّفكُّرُ والاعتبارُ والسَّيرُ في الأرض؟ وما هذه الأمثال المضروبة والأقيسة العقليّة والشّواهد العيانيّة؟ أفليس في بعض ذلك أظهرُ دليلٍ على أنَّ حسنَ التّوحيد والشُّكر وقبحَ الشِّرك والكفر مستقرٌّ في العقول والفطر، معلومٌ لمن له قلبٌ حيٌّ وعقلٌ سليمٌ وفطرةٌ صحيحةٌ؟
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٢٧]. وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧]. وقال تعالى: ﴿يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ [الحج: ٤٦]. وقال تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩)﴾ [البقرة: ٢١٩]. وقال تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]. وقال تعالى: ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم: ٢٥].
ومن بعض أدلَّته العقليّة: ما أبقاه الله سبحانه من آثار عقوبات أهل
стр. 2483
الشِّرك وآثار ديارهم، وما حلَّ بهم، وما أبقاه من نصر أهل التَّوحيد وإعزازهم، وجعلِ العاقبة لهم. قال تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣٨]. وقال في ثمود: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [النمل: ٥٢ - ٥٣]. وقال في قوم لوطٍ: ﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٣٤) وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٣٤ - ٣٥]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٥ - ٧٩]. وقال تعالى في قرى لوطٍ: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧ - ١٣٨].
وهو سبحانه في سورة الشُّعراء يذكر ما أوقَعَ بالمشركين من أنواع العقوبات، ويذكر نجاتَه (١) لأهل التّوحيد، ثمّ يقول: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهْوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (٢)، فيذكر شركَ هؤلاء الذين استحقُّوا به الهلاك، وتوحيدَ هؤلاء الذين استحقُّوا به النَّجاة، ثمّ يخبر أنَّ في ذلك آية وبرهان (٣)، ثمّ يذكر مصدر ذلك كلِّه، وأنّه عن أسمائه وصفاته،
стр. 2484
فصدَرَ (١) هذا الإهلاكُ عن عزّته، وذلك الإنجاءُ عن رحمته. ثمّ قرَّرَ في آخر السُّورة نبوّةَ رسوله بالأدلّة العقليّة أحسنَ تقريرٍ، وأجاب عن شبه المكذِّبين له أحسنَ جوابٍ. وكذلك تقريرُه للمعاد بالأدلَّة العقليّة والحسِّيّة، وضربُ الأمثال والأقيسة. فدلالة القرآن سمعيّةٌ عقليّةٌ.
فصل
المسألة الثّانية: قوله: (ويوجد بتبصير الحقِّ) .
وجوبُ الشَّيء شرعًا لا يستلزم وجودَه حسًّا. فلذلك ذكَر ما يوجد به بعد ذكرِ ما يجب به، وهو تبصيرُ الحقِّ تعالى. ومراده: التَّبصيرُ التّامُّ الذي لا تتخلَّف عنه الهداية، وإلّا فقد يبصرُ الحقَّ العبدُ (٢) ولا يوجد منه الهدى، كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧]، فهو سبحانه بصَّرهم، فآثروا الضّلالَ على الهدى. وقال تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٨]. وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]. وقال تعالى عن قوم فرعون: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]. فهذا التَّبصيرُ لم يوجب وجودَ الهداية لأنّه سبحانه لم يُرِد وجودَها، وإن أراد وجود مجرَّد البصيرة. فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.
وأمّا التّبصير التّامُّ، فإنّه يستلزم وجودَ الهداية، وهو الذي أُمِرنا أن نسأله
стр. 2485
إيّاه في كلِّ صلاةٍ، وقال فيه أهل الجنّة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]. وقال تعالى: ﴿(٢٤) وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ﴾ [يونس: ٢٥]. فعمّ بدعوة البيان والدّلالة، وخصَّ بهداية التّوفيق والإلهام.
فلو قال الشّيخ رحمه الله تعالى: «ويوجد بتوفيق الله بعد تبصيره» كان أحسن، وهو مراده.
فصل
المسألة الثّالثة: قوله: (وينمو على مشاهدة الشّواهد) .
وهذا أيضًا يحتاج إلى أمرٍ آخر، وهو الإجابةُ لداعي الحقِّ. فلا يكفي مجرَّدُ مشاهدة الشّواهد في نموِّه. وكأيِّن من آيةٍ في السّماوات والأرض (١) يمرُّ عليها العبدُ ولا ينمو بها إيمانُه وتوحيدُه. فإذا أجاب الدّاعيَ وتبصَّر في الشّواهد نما توحيدُه وقوي إيمانُه. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧]. وقال تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦]. وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة: ١٢٤].
وقد تضمَّن كلامُ الشّيخ ما دلَّت عليه النُّصوصُ واتَّفق عليه الصّحابةُ والتّابعون: أنَّ الإيمانَ والتَّوحيدَ ينمو ويتزايد. وهذا من أعظم أصول أهل السُّنّة الذي فارقوا به الجهميّة والمرجئة.
стр. 2486
فصل
قال (١): (وأمّا التّوحيد الثّاني الذي يثبت بالحقائق، فهو توحيد الخاصَّة. وهو إسقاطُ الأسباب الظّاهرة، والصُّعودُ عن منازعات العقول وعن التّعلُّق بالشّواهد. وهو أن لا يشهد في التَّوحيد دليلًا، ولا في التّوكُّل سببًا، ولا للنَّجاة (٢) وسيلةً، فيكون مشاهدًا سبقَ الحقِّ بحكمه وعلمه، ووضعِه الأشياء مواضعها، وتعليقِه إيّاها بأحايينها، وإخفائه إيّاها في رسومها؛ ويحقِّقُ (٣) معرفةَ العلل، ويسلك سبيلَ إسقاط الحدث. هذا توحيد الخاصَّة، الذي يصحُّ بعلم الفناء، ويصفو في علم الجمع، ويجذب إلى توحيد أرباب الجمع).
قوله: (يثبت بالحقائق)، وقال في التّوحيد الأوّل: (يصحُّ بالشَّواهد)، فإنَّ الثُّبوتَ أبلغُ من الصِّحّة، والحقائقَ أبلغُ من الشّواهد. ويريد بالحقائق: المكاشفة، والمشاهدة، والمعاينة، والاتِّصال، والانفصال، والحياة، والقبض، والبسط، وما ذكره في قسم الحقائق من كتابه.
فالأدلَّةُ والشَّواهدُ تصحِّحُ التَّوحيدَ العامَّ، والحقائقُ تُثبِتُ التَّوحيدَ الخاصَّ.
стр. 2487
قوله: (وهو إسقاط الأسباب الظّاهرة)، يحتمل أن يريد بها: الأسبابَ المشاهَدةَ التي تظهر لنا، وإسقاطُها هو أن لا يرى لها تأثيرًا البتّة ولا يتعلَّق بها وإن باشرها بحكم الارتباط العاديِّ، فمباشرتُها لا تنافي إسقاطها.
ويحتمل أن يريد بالأسباب الظّاهرة: الحركاتِ والأعمالَ، وإسقاطُها: عزلُها عن اقتضائها السّعادةَ والنَّجاةَ، لا إهمالُها وتعطيلُها فإنَّ ذلك كفرٌ وانسلاخٌ من الإسلام (١) بالكلِّيّة. ولكن يقومُ بها وقد عزَلَها عن ولاية النَّجاة والنَّجاح، كما قال ﷺ : «اعملوا، واعلموا أنَّ أحدًا منكم لن يُنْجِيَه عملُه» (٢).
واحترَزَ بالأسباب الظّاهرة من الأسباب الباطنة كالإيمان، والتَّصديق، ومحبّة الله ورسوله؛ فإنَّ النَّجاةَ والسَّعادةَ معلَّقةٌ بها، بل التَّوحيدُ نفسُه من الأسباب، بل أعظمُ الأسباب الباطنة، فلا يجوز إسقاطه.
وعلى التّقديرين، فهو غير مخلِّصٍ. فإن أُريدَ بالإسقاط التّعطيلُ والإهمالُ، فمن أبطلِ الباطل. وإن أريد العزلُ عن ولاية الاقتضاء (٣)، وإسنادُ الحكم إلى مشيئة الرَّبِّ وحده؛ فلا فرقَ بين الأسباب الظّاهرة والباطنة. وإن أريد الأسبابُ التي لم يؤمر بها العبد، فليس إسقاطُها من التوحيد في شيءٍ، ولا القيامُ بها مبطلًا له ولا منقصًا!
وبالجملة: فليس إسقاطُ الأسباب من التّوحيد، بل القيامُ بها واعتبارُها وإنزالُها في منازلها التي أنزلها الله فيها هو محضُ التَّوحيد والعبوديّة.
стр. 2488
والقولُ بإسقاط الأسباب هو توحيدُ القدريّة الجبريّة أتباعِ جهم بن صفوان في الجبر، فإنّه كان غاليًا في الجبر. وعندهم أنّ الله لم يخلق شيئًا بسببٍ (١)، ولا جعل في الأسباب قوًى وطبائع تؤثِّر، فليس في النّار قوّةُ الإحراق، ولا في السُّمِّ قوّةُ الإهلاك، ولا في الماء والخبز قوّةُ الرِّيِّ والتَّغذية، ولا في العين قوّةُ الإبصار، ولا في الأذن والأنف قوّةُ السَّمع والشَّمِّ؛ بل الله سبحانه يُحدِث هذه الآثارَ عند ملاقاة هذه الأجسام، لا بها. فليس الشِّبعُ بالأكل، ولا الرِّيُّ بالشُّرب، ولا العلمُ بالاستدلال، ولا الانكسارُ بالكسر، ولا الإزهاقُ بالذَّبح، ولا الطّاعاتُ والتَّوحيدُ سببًا لدخول الجنّة والنّجاة من النّار، ولا الشِّركُ والكفرُ والمعاصي سببًا لدخول النّار؛ بل يدخل هؤلاء الجنّةَ بمحض مشيئته من غير سببٍ ولا حكمةٍ أصلًا، وهؤلاء النّارَ بمحض مشيئته من غير سببٍ ولا حكمةٍ أصلًا!
ولهذا قال صاحب «المنازل»: (وهو أن لا يشهد في التَّوحيد دليلًا، ولا في التّوكُّل سببًا، ولا في النّجاة وسيلةً). بل عندهم صدور الكائنات والأوامر والنّواهي عن محض المشيئة الواحدة التي رجَّحَتْ مثلًا على مثلٍ بغير مرجِّحٍ. فعنها يصدر كلُّ حادثٍ، ويصدر مع الحادث حادثٌ آخر مقترنًا به اقترانًا عاديًّا، لا أنّ أحدهما سببٌ للآخر، ولا مرتبطٌ به. فأحدُهما مجرَّدُ علامةٍ وأمارةٍ على وجود الآخر، فإذا وُجد أحدُ المقترنين وُجِد الآخر معه، بطريق الاقتران العاديِّ فقط، لا بطريق التسبيب والاقتضاء. وهذا عندهم هو نهايةُ التّوحيد وغايةُ المعرفة.
стр. 2489
وطردُ هذا المذهب مفسِدٌ للدُّنيا وللدِّين (١)، بل لسائر أديان الرُّسل. ولهذا لمّا طرده قومٌ أسقطوا الأسبابَ الدُّنيويّةَ وعطّلوها، وجعلوا وجودها كعدمها. ولم يمكنهم ذلك، فإنّهم لابدّ أن يأكلوا ويشربوا، ويباشروا من الأسباب ما يدفع عنهم الحرَّ والبرد والألم!
فإذا قيل لهم: هلّا أسقطتم ذلك؟ قالوا: لأجل الاقتران العاديِّ. فقيل لهم: فهلّا قمتم بما أسقطتموه من الأسباب لأجل الاقتران العاديِّ أيضًا! فهذا المذهبُ قد فطَر الله سبحانه الحيوانَ ــ ناطقَه وأعجمَه ــ على خلافه.
وقومٌ طردوه، فتركوا له الأسباب الأخرويّة، وقالوا: سبَق العلمُ والحكمُ بالسّعادة والشّقاوة لا يتغيَّر البتّة، فسواءٌ علينا الفعلُ والتَّركُ. فإن سبق العلمُ والحكمُ بالشَّقاوة فنحن أشقياء، عمِلنا أو لم نعمَل. وإن سبقا بالسّعادة فنحن سُعَداء، عملنا أو لم نعمل. ومنهم من يترك الدُّعاءَ جملةً، بناءً على هذا الأصل، ويقول: المدعوُّ به إن سبَق العلمُ والحكمُ بحصوله حصَلَ، دعونا أو لم ندعُ. وإن سبقا (٢) بعدم حصوله لم يحصُل وإن دعونا.
قال شيخنا (٣): وهذا الأصل الفاسد مخالفٌ للكتاب والسُّنّة وإجماع السَّلف وأئمّة الدِّين، ومخالفٌ لصريح المعقول وللحسِّ والمشاهدة.
وقد سئل النبيُّ ﷺ عن إسقاط الأسباب نظرًا إلى القدر؟ فردّ ذلك، وألزمَ القيامَ بالأسباب، كما في «الصحيح» (٤) عنه ﷺ أنّه قال: «ما منكم من
стр. 2490
أحدٍ إلّا وقد عُلِمَ مقعدُه من الجنّة، ومقعدُه من النّار» قالوا: يا رسول الله، أفلا ندَعُ العملُ ونتّكلُ على الكتاب؟ فقال: «لا، اعملوا، فكلٌّ ميسَّرٌ لما خُلِقَ له».
وفي «الصحيح» (١) أيضًا أنّه قيل له: يا رسول الله، أرأيتَ ما يكدَح النّاسُ فيه اليوم ويعملون: أمرٌ قُضِيَ عليهم ومضى أم فيما يستقبلون ممّا آتاهم فيه الحجّة؟ فقال: «بل شيءٌ قُضي عليهم ومضى فيهم». قالوا: يا رسولَ الله، أفلا ندَعُ العملَ ونتّكل على كتابنا؟ فقال: «لا، اعملوا فكلٌّ ميسَّرٌ لما خُلِق له».
وفي «السُّنن» (٢) عنه ﷺ أنّه قيل له: أرأيتَ أدويةً نتداوى بها، ورقًى نسترقي بها، وتقاةً نتّقي بها= هل تردُّ مِن قدر الله شيئًا؟ فقال: «هي من قدر الله».
وكذلك قولُ عمر لأبي عبيدة، وقد قال له أبو عبيدة: أتفرُّ من قدر الله؟ ــ يعني من الطاعون ــ فقال: أفرُّ من قدر الله إلى قدر الله (٣).
وقد قال تعالى في السَّحاب: ﴿بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ﴾ [الأعراف: ٥٧]. وقال تعالى: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: ١٦٤]. وقال تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٦]. وقال تعالى: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣]، ﴿بِمَا