← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 199

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 526 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

إنِّيَّةُ (١) كلِّ شيءٍ. وفي كلِّ شيء له آيةٌ ... تدلُّ على أنه عينُه (٢) وهذا عند محقِّقيهم من خطأ التّعبير، بل هو نفسُ الآية، ونفسُ الدّليل (٣)، ونفسُ المستدِلِّ، ونفسُ المستدَلِّ عليه؛ فالتّعدُّدُ بوجوهٍ واعتباراتٍ وهميّةٍ، لا بالحقيقة والوجود. فهو عندهم عينُ النّاكح وعينُ المنكوح، وعينُ الذّابح وعينُ المذبوح (٤)، وعينُ الآكل وعين المأكول. وهذا عندهم هو السِّرُّ الذي رمزت إليه هَرامسُ الدُّهور الأوّليّة (٥)، ورامت

стр. 2417

إفادتَه الهدايةُ النَّبويّةُ، كما قاله محقِّقهم وعارفهم ابنُ سبعين (١). ومن فروع هذا التّوحيد: أنَّ فرعون وقومه مؤمنون كاملو الإيمان، عارفون بالله على الحقيقة. ومن فروعه: أنَّ عُبَّاد الأصنام على الحقِّ والصَّواب، وأنّهم إنّما عبَدوا عينَ الله سبحانه لا غيره. ومن فروعه: أنَّه لا فرقَ في التَّحريم والتَّحليل بين الأمِّ والأخت والأجنبيَّة. ولا فرقَ بين الماء والخمر، والزِّنى والنِّكاح. الكلُّ من عينٍ واحدةٍ، لا، بل هو العين الواحدة؛ وإنّما المحجوبون عن هذا السِّرِّ قالوا: هذا حرامٌ وهذا حلالٌ. نعم (٢)، هو حرامٌ عليكم، لأنّكم في حجابٍ عن حقيقة هذا التَّوحيد. ومن فروعه: أنَّ الأنبياءَ ضيَّقوا الطَّريقَ على النّاس، وبعَّدوا عليهم المقصود، والأمرُ وراء ما جاؤوا به، ودعَوا إليه. وأمّا الجهميَّةُ، فالتَّوحيدُ عندهم: إنكارُ علوِّ الله على خلقه بذاته واستوائه على عرشه، وإنكارُ سمعه وبصره وقوّته وحياته وكلامه وصفاته وأفعاله ومحبّته ومحبَّةِ العباد له. فالتّوحيدُ عندهم هو المبالغةُ في إنكار التَّوحيد الذي بعث الله به رسلَه وأنزل به كتبَه.

стр. 2418

وأمّا القدريَّةُ، فالتَّوحيدُ عندهم: إنكارُ قدَرِ الله وعمومِ مشيئته للكائنات وقدرتِه عليها. ومتأخِّروهم ضمُّوا إلى ذلك توحيدَ الجهميَّة، فصار حقيقةُ التَّوحيد عندهم: إنكارَ القدر، وإنكارَ حقائق الأسماء الحسنى والصِّفات العلى. وربّما سمَّوا إنكارَ القدر والكفرَ بقضاء الرّبِّ وقدره: عدلًا، وقالوا: نحن أهل العدل والتّوحيد. وأمّا الجبريَّةُ، فالتَّوحيدُ عندهم: هو تفرُّدُ الرَّبِّ تعالى بالخلق والفعل، وأنَّ العبادَ غير فاعلين على الحقيقة، ولا مُحْدِثين لأفعالهم، ولا قادرين عليها؛ وأنَّ الرَّبَّ تعالى لم يفعل لحكمةٍ ولا غايةٍ تُطْلَب بالفعل، وليس في المخلوقات قوًى وطبائع وغرائز وأسبابٌ؛ بل ما ثمَّ إلّا مشيئةٌ محضةٌ ترجِّح مِثلًا على مثلٍ بغير مرجِّحٍ ولا حكمةٍ ولا سببٍ البتَّة. وأمَّا صاحبُ «المنازل» ﵀ ومن سلك سبيله فالتَّوحيدُ عندهم: نوعان، أحدهما غير موجودٍ ولا ممكنٍ، وهو: توحيدُ العبدِ ربَّه، فعندهم: ما وحَّد الواحدَ من واحدٍ ... إذ كلُّ من وحَّده جاحدُ (١) والثاني: توحيدٌ صحيحٌ، وهو توحيدُ الرَّبِّ لنفسه (٢). وكلُّ من ينعته سواه فإنَّه (٣) ملحدٌ.

стр. 2419

فهذا توحيدُ الطَّوائف (١)، ومَن النّاس إلّا أولئك! فصل وأمَّا التوحيدُ الذي دعت إليه رسلُ الله ونزلت به كتُبه، فوراء ذلك كلِّه. وهو نوعان: توحيدٌ في المعرفة والإثبات، وتوحيدٌ في المطلب والقصد. فالأوّل: هو إثباتُ حقيقةِ ذات الرَّبِّ تعالى وصفاته وأفعاله وأسمائه، وعلوِّه فوق سماواته على عرشه، وتكلُّمه بكتبه، وتكليمه لمن شاء من عباده؛ وإثباتُ عموم قضائه وقدره وحكمته. وقد أفصح القرآن عن هذا النّوع جِدَّ الإفصاح (٢)، كما في أوّل الحديد، وسورة طه، وآخر الحشر، وأوّل تنزيل السّجدة، وأوّل آل عمران، وسورة الإخلاص بكمالها، وغير ذلك. النّوع الثّاني: مثل ما تضمّنته سورةُ (قل ياأيُّها الكافرون)، وقولُه: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤]، وأوّلُ سورة تنزيل الكتاب وآخرُها، وأوّلُ سورة يونس ووسطُها وآخرُها، وأوَّلُ سورة الأعراف وآخرُها، وجملةُ سورة الأنعام. وغالبُ سور القرآن، بل كلُّ سورةٍ سورةٍ في القرآن، فهي متضمِّنةٌ لنوعَي التَّوحيد. بل نقول قولًا كلِّيًّا: إنَّ كلَّ آيةٍ في القرآن فهي متضمِّنةٌ للتّوحيد، شاهدةٌ به، داعيةٌ إليه؛ فإنَّ القرآنَ إمّا خبرٌ عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله (٣)، فهو التَّوحيدُ العلميُّ الخبريُّ. وإمّا دعوةٌ إلى عبادته وحده لا

стр. 2420

شريك له، وخلعِ كلِّ ما يُعبَد من دونه، فهو التَّوحيدُ الإراديُّ الطّلبيُّ. وإمّا أمرٌ ونهيٌ وإلزامٌ بطاعته وأمره ونهيه، فهي حقوق التّوحيد ومكمِّلاته. وإمّا خبرٌ عن إكرامه لأهل توحيده وطاعته، وما فعَل بهم في الدُّنيا، وما (١) يُكرمهم به في الآخرة؛ فهو جزاء توحيده. وإمَّا خبرٌ عن أهل الشِّرك، وما فعَلَ بهم في الدُّنيا من النَّكال، وما يحُلُّ بهم في العقبى من العذاب؛ فهو جزاءُ مَن خرج عن حكم التّوحيد. فالقرآن كلُّه في التّوحيد وحقوقه وجزائه، وفي شأن الشِّرك وأهله وجزائهم. فـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ توحيدٌ، ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ توحيدٌ، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ توحيدٌ، ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ توحيدٌ، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ توحيدٌ، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ توحيدٌ، ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ توحيدٌ متضمِّنٌ لسؤال الهداية إلى طريق أهل التّوحيد الذين أُنْعِمَ عليهم ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ الذين فارقوا التّوحيد. ولذلك شهد الله لنفسه بهذا التّوحيد، وشهدت له به ملائكتُه وأنبياؤه ورسله. قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٨ - ١٩]. فتضمّنت هذه الآية الكريمة إثباتَ حقيقة التّوحيد، والرَّدَّ على جميع هذه الطَّوائف، والشّهادةَ ببطلان أقوالهم ومذاهبهم. وهذا إنّما يتبيَّن بعد فهم الآية وبيان ما تضمَّنته من المعارف الإلهيّة والحقائق الإيمانيّة (٢).

стр. 2421

فتضمّنت هذه الآية: أجلَّ شهادةٍ وأعظمَها وأعدلَها وأصدقَها، من أجلِّ شاهدٍ، بأجلِّ مشهودٍ به. وعباراتُ السَّلَف في «شهد» تدور على الحكم، والقضاء، والإعلام، والبيان، والإخبار. قال مجاهدٌ: حكَمَ، وقضى. وقال الزَّجَّاج: بيَّن. وقالت طائفةٌ: أعلَمَ وأخَبَر (١). وهذه الأقوال كلُّها حقٌّ لا تنافي بينها، فإنَّ الشَّهادَة تتضمَّن كلامَ الشّاهد وخبرَه وقولَه، وتتضمَّن إعلامَه وإخبارَه وبيانَه. فلها أربعُ مراتب. فأوّل مراتبها: علمٌ ومعرفةٌ واعتقادٌ لصحّة المشهود به وثبوته. وثانيها: تكلُّمُه بذلك ونطقُه به، وإن لم يُعلِمْ به غيرَه، بل يتكلَّم بها مع نفسه ويذكرها وينطق بها أو يكتبها. وثالثها: أن يُعلِمَ غيرَه بما شهِد به، ويخبرَه به، ويبيِّنه له. ورابعها: أن يُلْزِمَه بمضمونها ويأمرَه به. فشهادةُ الله سبحانه لنفسه بالوحدانيّة والقيام بالقسط تضمَّنَت هذه المراتبَ الأربعة: علمَه سبحانه بذلك، وتكلُّمَه به، وإعلامَه وإخبارَه لخلقه به، وأمرَهم وإلزامَهم به. فأمّا مرتبة العلم، فإنَّ الشّهادةَ بالحقِّ تتضمّنها ضرورةً، وإلّا كان الشّاهدُ شاهدًا بما لا علم له به. قال الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦]. وقال النَّبيُّ ﷺ : «على مثلها فاشهد»، وأشار إلى الشَّمس (٢).

стр. 2422

وأمّا مرتبة التّكلُّم والخبر، فمَن تكلّم بشيءٍ وأخبر به فقد شهد به، وإن لم يتلفّظ بالشّهادة. قال تعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٠]. وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: ١٩]. فجعل ذلك منهم شهادةً، وإن لم يتلفَّظوا بلفظ الشّهادة، ولم يؤدُّوها عند غيرهم. وقال النّبيُّ ﷺ : «عدَلت شهادةُ الزُّور الإشراكَ بالله» (١). وشهادةُ الزُّور هي قول الزُّور، كما قال تعالى: ﴿قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج: ٣٠ - ٣١]. وعند (٢) هذه الآية قال رسول الله ﷺ : «عدَلت شهادةُ الزُّور الإشراكَ بالله»، فسمّى قول الزُّور شهادةً. وسمّى الله سبحانه إقرارَ العبد على نفسه شهادةً، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥]. فشهادةُ المرء على نفسه: هي إقرارُه على نفسه. وفي الحديث الصّحيح في

стр. 2423

قصّة ماعزٍ: فلمّا شهد على نفسه أربعَ مرّاتٍ رجَمَه رسولُ الله ﷺ (١). وقال تعالى: ﴿قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٠]. وهذا وأضعافُه يدلُّ على أنّ الشَّاهدَ عند الحاكم وغيره لا يشترط في قبول شهادته أن يتلفَّظَ بلفظ الشّهادة، كما هو مذهب مالكٍ وأهل المدينة وظاهرُ كلام أحمد (٢)، ولا يُعرَف عن أحدٍ من الصَّحابة ولا التَّابعين اشتراطُ ذلك. وقد قال ابن عبَّاسٍ: شهد عندي رجالٌ مرضيُّون ــ وأرضاهم عندي عمر ــ أنّ رسول الله ﷺ نهى عن الصّلاة بعد الصُّبح حتّى تطلعَ الشَّمس، وبعد العصر حتّى تغربَ الشَّمس (٣). ومعلومٌ أنّهم لم يتلفَّظوا بلفظ الشّهادة. والعشرةُ الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنّة، لم يتلفَّظ في شهادته لهم بلفظ الشّهادة، بل قال: «أبو بكرٍ في الجنّة، وعمر في الجنّة، وعثمان في الجنّة، وعليٌّ في الجنّة» الحديث (٤).

стр. 2424

وأجمع المسلمون على أنّ الكافر إذا قال: لا إله إلّا الله، محمّدٌ رسول الله، فقد دخل في الإسلام، وشهد شهادة الحقِّ، ولم يتوقَّف إسلامُه على لفظ الشّهادة، وقد دخل في قوله: «حتّى يشهدوا أن لا إله إلّا الله» وفي اللفظ الآخر: «حتّى يقولوا لا إله إلّا الله» (١). فدلَّ على أنَّ مجرَّدَ قولهم: «لا إله إلّا الله» شهادةٌ منهم. وهذا أكثر من أن تذكر شواهده في الكتاب والسُّنّة. فليس مع من اشترط لفظ الشّهادة دليلٌ يعتمد عليه، والله أعلم (٢). فصل وأمّا مرتبة الإعلام والإخبار، فنوعان: إعلامٌ بالقول، وإعلامٌ بالفعل. وهذا شأنُ كلِّ مُعْلِمٍ لغيره بأمرٍ: تارةً يُعلِمه به بقوله، وتارةً بفعله. ولهذا كان من جعل داره مسجدًا، وفتَح بابها لكلِّ من دخل إليها، وأَذِن في الصّلاة فيها= مُعْلِمًا أنّها وقفٌ، وإن لم يتلفَّظ به. وكذلك من وُجِدَ متقرِّبًا إلى غيره بأنواع المَسَارِّ، مُعْلِمًا له ولغيره أنّه يحبُّه، وإن لم يتلفَّظ بقوله. وكذلك بالعكس. وكذلك شهادةُ الرَّبِّ ــ ﷻ ــ وبيانُه وإعلامُه يكون بقوله تارةً،

стр. 2425

وبفعله أخرى. فالقول هو ما أرسل به رسلَه، وأنزل به كتبَه، ممّا قد عُلِمَ بالاضطرار. وإنَّ جميعَ الرُّسل أخبروا عن الله أنّه شهد لنفسه بأنّه لا إله إلّا هو، وأخبر بذلك، وأمرَ عباده أن يشهدوا به. وشهادتُه سبحانه أنه لا إله إلّا هو معلومةٌ من جهة كلِّ من بلَّغ عنه كلامَه. وأمّا بيانُه وإعلامُه بفعله، فهو ما تضمّنه خبرُه تعالى عن الأدلّة الدّالّة على وحدانيّته التي يُعلَم (١) دلالتها بالعقل والفطرة. وهذا أيضًا يُستعمَل فيه لفظُ الشَّهادة، كما يُستعمَل فيه لفظُ الدّلالة والإرشاد والبيان، فإنّ الدّليل يبيِّن المدلولَ عليه ويُظهره، كما يبيِّنه الشّاهد المخبر؛ بل قد يكون البيانُ بالفعل أظهر وأبلغ. وقد يسمّى شاهدُ الحال نطقًا وقولًا وكلامًا، لقيامه مقامَه وأدائه مؤدَّاه، كما قيل: وقالت له العينانِ سمعًا وطاعةً ... وحدَّرتا كالدُّرِّ لمّا يثقَّبِ (٢) وقال الآخر: شكا إليَّ جملي طولَ السُّرى ... صبرًا جميلًا فكلانا مبتلى (٣)

стр. 2426

وقال الآخر: امتلأ الحوضُ وقال قَطْني ... مهلًا رويدًا قد ملأتُ بطني (١) ويسمّى هذا شهادةً أيضًا، كما في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٧]. فهذه شهادةٌ منهم على أنفسهم بما يفعلونه من أعمال الكفر وأقواله، فهي شهادةٌ بكفرهم، وهم شاهدون على أنفسهم بما شهدت به. والمقصود: أنَّه سبحانه يشهد (٢) بما جعل آياته المخلوقةَ دالّةً عليه، فإنَّ دلالتها إنّما هي بخلقه وجعله، ويشهد بآياته القوليّة الكلاميّة المطابقة لما شهدت به آياتُه الخلقيّة، فتتطابق شهادةُ القول وشهادةُ الفعل، كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣]، أي أنّ القرآن حقٌّ. فأخبر أنّه يدلُّ بآياته الأفقيّة والنَّفسيّة على صدق آياته القوليّة الكلاميّة. وهذه الشّهادة الفعليّة قد ذكرها غيرُ واحدٍ من أئمّة العربيّة والتّفسير. قال

стр. 2427

ابن كيسان: شهد الله بتدبيره العجيب وأموره المحكمة عند خلقه: أنّه لا إله إلّا هو (١). فصل وأمّا المرتبة الرَّابعة ــ وهي الأمر بذلك والإلزام به، وإن كان مجرَّدُ الشّهادة لا يستلزمه (٢)، لكن الشَّهادةَ في هذا الموضع (٣) تدلُّ عليه وتتضمّنَه، فإنّه سبحانه شهد به شهادةَ من حكمَ به وقضى وأمرَ وألزَمَ عباده به، كما قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] , وقال تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ﴾ [النحل: ٥١] , وقال تعالى: ﴿أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥]، وقال تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الإسراء: ٢٢]، وقال: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الشعراء: ٢١٣] (٤). والقرآن كلُّه شاهدٌ بذلك. ووجهُ استلزام شهادته سبحانه لذلك: أنّه إذا شهد أنّه لا إله إلّا هو، فقد أخبَر وبيَّن وأعلَم وحكَم وقضَى: أنّ ما سواه ليس بإلهٍ، وأنَّ إلهيّةَ ما سواه أبطَلُ الباطل وإثباتَها أظلَمُ الظُّلم، فلا يستحقُّ العبادةَ سواه، كما لا تصلح الإلهيّةُ لغيره. وذلك يستلزم الأمرَ باتِّخاذه وحده إلهًا، والنَّهيَ عن اتِّخاذ غيره

стр. 2428

معه إلهًا. وهذا يفهمه المخاطب من هذا النّفي والإثبات، كما إذا رأيتَ رجلًا يستفتي أو يستشهد أو يستطِبُّ مَن ليس أهلًا لذلك، ويدَعُ مَن هو أهلٌ له، فتقول (١): هذا ليس بمفتٍ ولا شاهدٍ ولا طبيبٍ، المفتي فلانٌ، والشّاهد فلانٌ، والطّبيب فلانٌ؛ فإنَّ هذا أمرٌ منه (٢) ونهيٌ. وأيضًا فإنّ الآية (٣) قد دلّت على أنّه وحده المستحقُّ للعبادة، فإذا أخبر أنّه هو وحده المستحقُّ للعبادة تضمَّن هذا الإخبارُ: أمرَ العباد (٤) وإلزامَهم بأداء ما يستحقُّه الرَّبُّ تعالى عليهم، وأنَّ القيامَ بذلك هو خالصُ حقِّه عليهم، فإذا شهد سبحانه أنّه لا إله إلّا هو تضمّنت شهادتُه الأمرَ والإلزامَ بتوحيده. وأيضًا، فلفظُ الحكم والقضاء يُستعمَل في الجمل الخبريّة، ويقال للجملة الخبريّة: قضيّةٌ وحكمٌ، وقد حُكِمَ فيها بكيت وكيت. قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات: ١٥١ - ١٥٤]، فجعل هذا الإخبارَ المجرَّدَ منهم حكمًا. وقال في موضعٍ آخر: ﴿(٣٤) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ

стр. 2429

كَيْفَ﴾ [القلم: ٣٥]. لكن هذا حكمٌ لا إلزام معه، والحكمُ والقضاءُ بأنّه لا إله إلّا هو: متضمِّنٌ للإلزام. فصل وقوله تعالى: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾: القسط هو العدل، فشهد (١) سبحانه أنّه قائمٌ بالعدل في توحيده، وبالوحدانيّة في عدله. والتَّوحيدُ والعدلُ هما جِماعُ صفات الكمال، فإنَّ التَّوحيدَ يتضمَّن تفرُّدَه سبحانه بالكمال والجلال والمجد والتَّعظيم الذي لا ينبغي لأحدٍ سواه، والعدلُ يتضمَّن وقوعَ أفعاله كلِّها على السَّداد والصَّواب وموافقة الحكمة. فهذا توحيدُ الرُّسل وعدلُهم: إثباتُ الصِّفات والأمرُ بعبادة الله وحده لا شريك له، وإثباتُ القدَر والحكمةِ (٢)، والغاياتِ المطلوبة المحمودة بفعله وأمره؛ لا توحيدُ الجهميّة والمعتزلة والقدريّة الذي هو إنكارُ الصِّفاتِ وحقائقِ الأسماء الحسنى، وعدلُهم الذي هو التّكذيبُ بالقدَر، أو نفيُ الحِكَم والغايات (٣) والعواقب الحميدة التي يفعل لأجلها ويأمر (٤). وقيامُه سبحانه بالقسط في شهادته يتضمَّن أمورًا: أحدها (٥): أنّه قائمٌ بالقسط في هذه الشَّهادة التي هي أعدَلُ شهادةٍ على

стр. 2430

الإطلاق، وإنكارُها وجحودُها أظلَمُ الظُّلم على الإطلاق. فلا أعدلَ من التّوحيد، ولا أظلمَ من الشِّرك. فهو سبحانه قائمٌ بالعدل في هذه الشَّهادة قولًا وفعلًا، حيث شهد بها وأخبَرَ وأعلَمَ عباده، وبيَّن لهم تحقيقها وصحَّتها، وألزَمَهم بمقتضاها، وحكَم بها (١)، وجعل الثّوابَ والعقابَ عليها، كما جعل الأمرَ والنّهيَ من حقوقها وواجباتها. فالدِّينُ كلُّه من حقوقها (٢)، والثّوابُ كلُّه عليها، والعقابُ كلُّه على تركها. وهذا هو العدل الذي قام به الرَّبُّ تعالى في هذه الشَّهادة. فأوامرُه كلُّها تكميلٌ لها وأمرٌ بأداء حقوقها، ونواهيه كلُّها صيانةٌ لها عمَّا يهضِمها ويضادُّها. وثوابُه كلُّه عليها، وعقابُه كلُّه على تركها وتركِ حقوقها. وخلقُه السّماواتِ والأرضَ وما بينهما كان بها ولأجلها، وهي الحقُّ الذي خلقت به (٣). وضدُّها هو الباطل والعبث الذي نزَّه نفسَه عنه، وأخبر أنّه لم يخلُق به السَّماوات والأرض. قال تعالى ردًّا على المشركين المنكرين لهذه الشّهادة: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص: ٢٧]. وقال تعالى: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف: ١ - ٣]. وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [يونس: ٥]. وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ

стр. 2431

وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ [الروم: ٨]. وقال تعالى: ﴿(٣٧) وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا﴾ [الدخان: ٣٨ - ٣٩]. وهذا كثيرٌ في القرآن. والحقُّ الذي خُلقت به السّماواتُ والأرضُ ولأجله: هو التَّوحيدُ وحقوقُه من الأمر والنّهي والثّواب والعقاب. فالشَّرعُ والقدَرُ، والخلقُ والأمرُ، والثَّوابُ والعقابُ= قائمٌ بالتَّوحيدِ والعدلِ، والتّوحيد صادرٌ عنهما. وهذا هو الصِّراط المستقيم الذي عليه (١) الرَّبُّ سبحانه. قال تعالى حكايةً عن نبيِّه شعيب (٢) أنه قال: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦]. فهو سبحانه على صراطٍ مستقيمٍ في قوله وفعله، فهو يقول الحقّ، ويفعل العدل. ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَاتُ (٣) رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥]، ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤]. فالصِّراط المستقيم الذي عليه ربُّنا ﵎ هو مقتضى التّوحيد والعدل. قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ

стр. 2432

بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى﴾ [النحل: ٧٦]. فهذا مثلٌ ضربه الله سبحانه لنفسه وللصَّنم، فهو سبحانه الذي يأمر بالعدل، وهو على صراطٍ مستقيمٍ. والصَّنُم مثل العبد الذي هو كَلٌّ على مولاه، الذي (١) أينما يوجِّهه لا يأت بخيرٍ. والمقصود: أنّ قوله تعالى: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ هو كقوله: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. وقوله: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ نصبٌ على الحال. وفيه وجهان (٢)، أحدهما: أنّه حالٌ من الفاعل في ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾، والعامل فيه الفعلُ. والمعنى على هذا: شهد الله حال قيامه بالقسط: أنّه لا إله إلّا هو. والثّاني: أنّه حالٌ من قوله: ﴿هُوَ﴾، والعاملُ فيها معنى النّفي، أي: لا إله إلّا هو حالَ كونه قائمًا بالقسط. وبين التّقديرين فرقٌ ظاهرٌ، فإنّ التّقدير الأوّل يتضمَّن أنّ المعنى: شهِد اللهُ متكلِّمًا بالعدل، مخبرًا به، آمرًا به، فاعلًا له، مجازيًا به: أنّه لا إله إلّا هو. فإنَّ العدل يكون في القول والفعل، والمقسطُ هو العادلُ في قوله وفعله، فشهِد الله قائمًا بالعدل قولًا وفعلًا: أنّه لا إله إلّا هو. وفي ذلك تحقيقٌ لكون هذه الشَّهادة شهادةَ عدلٍ وقسطٍ، وهي أعدلُ شهادةٍ، كما أنَّ المشهودَ به أعدَلُ شيءٍ وأصحُّه وأحقُّه.

стр. 2433

وذكر ابنُ السّائب (١) وغيرُه في سبب نزول الآية ما يشهد بذلك، وهو أنّ حبرين من أحبار الشّام قدما على النّبيِّ ﷺ ، فلمّا أبصرا المدينة قال أحدهما لصاحبه: ما أشبه هذه المدينةَ بصفة مدينةِ النّبيِّ الذي يخرج في آخر الزَّمان! فلمّا دخلا على النّبيِّ ﷺ فقالا له: أنت محمّدٌ؟ قال: نعم. قالا: وأحمد؟ قال: نعم. قالا: نسألك عن شهادةٍ، فإن أخبرتَنا بها آمنَّا بك. قال: سلاني. قالا: أخبِرنا عن (٢) أعظم شهادةٍ في كتاب الله. فنزلت: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ الآية. وإذا كان القيامُ بالقسط يكون في القول والفعل كان المعنى: أنّه سبحانه يشهد وهو قائمٌ بالعدل، عاملٌ به لا بالظُّلم. فإنَّ هذه الشّهادة تضمَّنت قولًا وعملًا، فإنّها تضمّنت أنّه هو الذي يستحقُّ العبادة وحده دون غيره، وأنَّ الذين عبدوه وحده هم المفلحون السُّعداء، وأنَّ الذين أشركوا به غيره هم الضَّالُّون الأشقياء. فإذا شهد قائمًا بالعدل ــ المتضمِّن جزاءَ المخلصين بالجنّة، وجزاءَ المشركين بالنّار ــ كان هذا من تمام موجَب هذه الشّهادة وتحقيقها، وكان قولُه: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ تنبيهًا على جزاء الشّاهد بها والجاحد لها. فصل وأمّا التّقدير الثّاني ــ وهو أن يكون قوله: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ حالًا ممّا بعد

стр. 2434

إلّا ــ فالمعنى: أنّه وحدَه الإلهُ (١) قائمًا بالعدل، فهو وحدَه المستحقُّ للإلهيَّة مع كونه قائمًا بالقسط. قال شيخنا (٢): وهذا التّقدير أرجح، فإنّه يتضمَّن أنّ الملائكة وأولي العلم يشهدون له بأنّه لا إله إلّا هو، وأنّه (٣) قائمٌ بالقسط. قلتُ: مراده أنّه إذا كان قوله ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ حالًا من المشهود به، فهو كالصِّفة له، فإنّ الحال صفةٌ في المعنى؛ فإذا وقعت الشَّهادةُ على ذي الحال وصاحبها كان كلاهما مشهودًا به، فيكون الملائكة وأولو العلم قد شهدوا بأنّه قائمٌ بالقسط، كما شهدوا بأنّه لا إله إلّا هو. والتّقدير الأوّل لا يتضمَّن ذلك، فإنّه إذا كان التّقدير: شهد الله قائمًا بالقسط أنّه (٤) لا إله إلّا هو، والملائكة وأولو العلم يشهدون أنّه لا إله إلّا هو= كان القيامُ بالقسط حالًا من اسم الله وحده. وأيضًا فكونُه قائمًا بالقسط فيما شهد به أبلَغُ من كونه حالًا من مجرَّد الشاهد (٥). فإن قيل (٦): فإذا كان حالًا من «هو» فهلَّا اقترن به؟ ولم فُصِل بين صاحب الحال وبينها بالمعطوف، فجاء متوسِّطًا بين صاحب الحال وبينها؟ قلتُ: فائدته ظاهرة، فإنّه لو قال: «شهد الله أنّه لا إله إلّا هو قائمًا

стр. 2435

بالقسط والملائكة وأولو العلم» أوهَمَ عطفَ الملائكة وأولي العلم على الضَّمير في قوله: ﴿قَائِمًا﴾ وتحسَّن العطفُ (١) لأجل الفصل بقوله: ﴿بِالْقِسْطِ﴾ (٢)، وليس المعنى على ذلك قطعًا، وإنّما المعنى على خلافه، وهو أنّ قيامه بالقسط مختصٌّ (٣) به، كما أنّه مختصٌّ بالإلهيّة؛ فهو وحده الإله المعبود المستحقُّ (٤) للعبادة، وهو وحده المجازي المثيب المعاقِب بالعدل. وقوله: «لا إله إلّا هو»، ذُكِر عن (٥) جعفر بن محمد أنّه قال: الأولى وصفٌ وتوحيدٌ، والثّانية: رسمٌ وتعليمٌ، أي قولوا: لا إله إلّا هو (٦). ومعنى هذا: أنّ الأولى تضمّنت أنّ الله سبحانه شهد بها وأخبر بها، والتّالي للقرآن إنّما يخبر عن شهادة الله، لا عن شهادته هو، وليس في ذلك شهادةٌ من التّالي نفسه، فأعاد سبحانه ذكرَها مجرّدةً ليقولها التَّالي، فيكون شاهدًا هو بها أيضًا. وأيضًا فالأولى: خبرٌ عن الشّهادة بالتَّوحيد، والثّانية: خبرٌ عن نفس التَّوحيد.

стр. 2436

وختم الآية بقوله: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. فتضمَّنت الآيةُ توحيده، وعدله، وعزّته، وحكمته. فالتّوحيد يتضمَّن: ثبوتَ صفاتِ كماله ونعوتِ جلاله، وعدمَ المماثل له فيها، وعبادتَه وحده لا شريك له. والعدل يتضمَّن: وضعَه الأشياء مواضعَها وتنزيلَها منازلَها، وأنّه لم يخُصَّ منها شيئًا عن شيء إلّا بمخصِّصٍ اقتضى ذلك، وأنّه لا يعاقِبُ مَن لا يستحقُّ العقوبة، ولا يمنع مَن يستحقُّ العطاء، وإن كان هو الذي جعله مستحِقًّا. والعزَّةُ تتضمّن كمالَ قدرته وقوّته وقهره. والحكمةُ تتضمَّن: كمالَ علمه وخبرته، وأنّه أمَر ونهى وخلَق وقدَّر لما له في ذلك من الحِكَم والغايات الحميدة التي يستحقُّ عليها كمالَ الحمد. فاسمه «العزيز» يتضمَّن الملك، واسمه «الحكيم» يتضمَّن الحمد، وأوّلُ الآية يتضمَّن التّوحيد. وذلك حقيقة «لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ»، وذلك أفضل ما قاله رسول الله ﷺ والنّبيُّون من قبله (١). والحكيم: الذي إذا أمر بأمرٍ كان حسنًا في نفسه، وإذا نهى عن شيءٍ كان قبيحًا في نفسه، وإذا أخبر بخبرٍ كان صدقًا، وإذا فعَلَ فعلًا كان صوابًا، وإذا

стр. 2437

أراد شيئًا كان أولى بالإرادة من غيره. وهذا الوصف على الكمال لا يكون إلّا لله وحده. فتضمَّنت (١) هذه الشّهادة: وحدانيّتَه المنافيةَ للشِّرك، وعدلَه المنافيَ للظُّلم، وعزّتَه المنافيةَ للعجز، وحكمتَه المنافيةَ للجهل والعبث. ففيها الشّهادة له بالتّوحيد، والعدل، والقدرة، والعلم، والحكمة؛ ولهذا كانت أعظم شهادةٍ. ولا يقوم بهذه الشّهادة على وجهها من جميع الطّوائف إلّا أهلُ السُّنّة، وسائرُ طوائف (٢) أهل البدع لا يقومون بها: فالفلاسفة أشدُّ النّاس إنكارًا وجحودًا لمضمونها من أوّلها إلى آخرها. وطوائفُ الاتِّحاديّة: هم أبعدُ خلقِ الله منها من كلِّ وجهٍ. وطائفةُ الجهميّة تنكر حقيقتَها من وجوهٍ: منها: أنّ الإله هو (٣) الذي تألهه القلوب محبّةً له (٤) واشتياقًا إليه وإنابةً. وعندهم: أنّ الله لا يُحِبُّ ولا يُحَبُّ. ومنها: أنَّ الشّهادَة كلامُه وخَبرُه عمّا شهِد به. وهو عندهم لا يقول ولا يتكلَّم ولا يَشهد ولا يُخبر.

стр. 2438

ومنها: أنّها تتضمَّن مباينتَه لخلقه بذاته وصفاته. وعند فرعونيِّهم: أنّه لا يُبايِنُ الخلقَ ولا يُحايِثُهم (١)، وليس فوق العرش إلهٌ يُعبَد، ولا ربٌّ يصلّى له ويُسْجَد. وعند حلوليِّهم: أنّه حالٌّ في كلِّ مكانٍ بذاته، حتّى في الأمكنة التي يُستحيا من ذكرها. فهؤلاء مُثبتة الجهميّة، وأولئك نُفاتهم. ومنها: أنَّ قيامَه بالقسط في أفعاله وأقواله. وعندهم: أنّه لم يقم به فعلٌ ولا قولٌ البتّة، وأنَّ قولَه مخلوقٌ من بعض المخلوقات، وفعلَه هو المفعول المنفصل، وأمّا أن يكون له فعلٌ يكون به فاعلًا حقيقةً، فلا. ومنها: أنّ القسط عندهم لا حقيقة له، بل كلُّ ممكنٍ فهو قسطٌ. وليس في مقدوره ما يكون ظلمًا وقسطًا، بل الظُّلمُ عندهم هو المُحالُ الممتنعُ لذاته، والقسط هو الممكن؛ فنزَّه نفسَه سبحانه ــ على قولهم ــ عن المحال الممتنع لذاته الذي لا يدخل تحت القدرة. ومنها: أنّ العزّة هي القوّة والقدرة. وعندهم لا تقوم به صفةٌ، ولا له صفةٌ تسمّى قدرةً وقوّةً. ومنها: أنّ الحكمة هي الغاية التي يُفْعَل لأجلها، وتكون هي المطلوبة بالفعل، ويكون وجودُها أولى من عدمها. وهذا عندهم ممتنعٌ (٢) في حقِّه سبحانه، فلا يفعل لحكمةٍ ولا غايةٍ، بل لا غايةَ لفعله ولا أمره، وما ثمَّ إلّا محضُ المشيئة المجرَّدة عن الحكمة والتَّعليل. ومنها: أنّ الإله هو الذي له الأسماء الحسنى والصِّفاتُ العُلا، وهو

стр. 2439

الذي يفعل بقدرته ومشيئته وحكمته، وهو الموصوف بالصِّفات والأفعال، المسمّى بالأسماء الّتي قامت به (١) حقائقها ومعانيها. وهذا لا يُثبته على الحقيقة إلّا أتباعُ الرُّسل، وهم أهلُ العدل والتّوحيد. فصل فالجهميّة والمعتزلة: تزعم أنَّ ذاتَه لا تُحَبُّ، ووجهَه لا يُرى (٢)، ولا يلتذُّ بالنّظر إليه، ولا تشتاق القلوب إليه، فهم في الحقيقة منكرون للإلهيّة (٣). والقدريّة: تُنكر دخول أفعال الملائكة والجنِّ والإنس وسائر الحيوان تحت قدرته ومشيئته وخلقه، فهم منكرون في الحقيقة لكمال عزَّته وملكه. والجبريّة: تُنكر حكمته، وأن يكون له في أفعاله وأوامره غايةٌ يفعل ويأمر لأجلها، فهم منكرون في الحقيقة لحكمته وحمده. وأتباعُ ابن سينا والنَّصير الطُّوسيِّ وفروخهما: تُنكر أن يكون له ماهيّةٌ غير الوجود المطلق، وأن يكون له وصفٌ ثبوتيٌّ زائدٌ على ماهيّة الوجود، فهم في الحقيقة منكرون لذاته وصفاته وأفعاله، لا يتحاشَون من ذلك. والاتِّحاديّة: أدهى وأمرُّ، فإنّهم رفعوا القواعد من الأصل، وقالوا: ما ثَمَّ وجودُ خالقٍ ووجودُ مخلوقٍ، بل الخلقُ المشبَّهُ هو الحقُّ المنزَّهُ، كلُّ ذلك من عينٍ واحدةٍ، بل هو العين الواحدة.

стр. 2440

فهذه الشّهادة العظيمة: كلُّ هؤلاء هم بها غيرُ قائمين. وهي متضمِّنةٌ لإبطالِ ما هم عليه وردِّه، كما تضمَّنت إبطالَ ما عليه المشركون وردَّه، وهي مبطلةٌ لقول طائفتي الشِّرك والتّعطيل. ولا يقوم بهذه الشّهادة إلّا أهل التَّوحيد والإثبات الذين يُثبتون لله ما أثبته لنفسه من الأسماء والصِّفات، وينفُون عنه مماثلةَ المخلوقات، ويعبدونه وحده لا يشركون به شيئًا. فصل وإذا كانت شهادتُه سبحانه تتضمَّن بيانَه للعباد ودلالتَهم وتعريفَهم بما شهد به ــ وإلّا فلو شهد شهادةً لم يتمكَّنوا من العلم بها لم ينتفعوا بها، ولم تقم عليهم بها الحجّة، كما أنَّ الشّاهدَ من العباد إذا كانت عنده شهادةٌ ولم يبيِّنها بل كتَمها لم ينتفع بها أحدٌ، ولم تقُم بها حجّةٌ ــ وإذا كان لا يُنتفع بها إلّا ببيانها، فهو سبحانه قد بيَّنها غايةَ البيان بطرقٍ ثلاثةٍ (١): السَّمع، والبصر، والعقل. أمّا السَّمْعُ، فيسمعُ (٢) آياته المتلوّة القوليّة المتضمِّنة لإثبات صفات كماله ونعوت جلاله، وعلوِّه على عرشه فوق سبع سماواته، وتكلُّمِه بكتبه، وتكليمِه لمن شاء من عباده تكلُّمًا وتكليمًا حقيقةً لا مجازًا. وفي هذا إبطالٌ لقول من قال: إنّه لم يُرِد من العباد ما دلّت عليه آياتُه السَّمعيّةُ من إثبات معانيها وحقائقها التي وُضِعت لها ألفاظها، فإنّ هذا ضدُّ البيان والإعلام، ويعود على مقصود الشّهادة بالإبطال والكتمان. وقد ذمَّ الله

стр. 2441

من كتم شهادةً عنده من الله، وأخبر أنّه من أظلم الظَّالمين. فإذا كانت عند العبد شهادةٌ من الله تُحقِّق ما جاء به رسولُه من أعلامِ نبوّته وتوحيدِ المرسِل وأنَّ إبراهيم وأهل بيته كانوا على الإسلام كلُّهم، وكَتَم (١) هذه الشّهادةَ، كان من أظلَم الظّالمين ــ كما فعله أعداءُ رسول الله ﷺ من اليهود الذين كانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ــ فكيف يُظَنُّ بالله سبحانه أنّه كتَم الشَّهادةَ الحقَّ التي تشهد (٢) بها الجهميّة والمعتزلة والمعطِّلة، ولا يشهد بها لنفسه، ثمَّ يَشهد لنفسه بما يضادُّها ويناقضها، ولا يجامعها بوجهٍ ما؟ سبحانك هذا بهتانٌ عظيمٌ! فإنَّ الله سبحانه شهد لنفسه بأنَّه استوى على العرش، وبأنَّه القاهر فوق عباده، وبأنَّ ملائكته يخافونه من فوقهم، وأنَّ الملائكة تعرج إليه بالأمر وتنزل من عنده به، وأنَّ العملَ الصَّالحَ يصعد إليه، وأنّه يأتي ويجيء، ويتكلّم، ويرضى ويغضب، ويحبُّ ويبغض، ويُنادي (٣) ويفرَح ويضحَك ويعجب، وأنّه يسمع ويُبصر، وأنّه يراه المؤمنون بأبصارهم يومَ لقائه، إلى غير ذلك ممّا (٤) شهد به لنفسه، وشهد له به رسولهُ (٥). وشهدت له الجهميّة بضدِّ ذلك (٦)، وقالوا: شهادتُنا أعدَلُ وأصحُّ من شهادة النُّصوص، فإنّ النُّصوص تضمّنت كتمانَ الحقِّ وإظهارَ خلافه.

стр. 2442

فشهادةُ الرَّبِّ تعالى تُكذِّب هؤلاء أشدَّ التَّكذيب، وتتضمَّن أنَّ الذي شهِدَ به بيَّنه (١) وأوضَحه وأظهَره حتّى جعله في أعلى مراتب الظُّهور والبيان، وأنّه لو كان الحقُّ ما تقوله المعطِّلة والجهميّة لم يكن العباد قد انتفعوا بما شهد به سبحانه، فإنّ الحقّ الذي في نفس الأمر عندهم لم يشهد به لنفسه، والّذي شهد به لنفسه وأظهره وأوضحه فليس بحقٍّ، ولا يجوز أن يستفاد منه الحقُّ واليقين! وأمّا آياته العيانيّة الخلقيّة، فالنَّظرُ فيها والاستدلال بها يدلُّ على ما تدلُّ عليه آياته القوليّة السّمعيّة. وآياتُ الرّبِّ: هي دلالاته (٢) وبراهينه التي بها يعرفه (٣) العباد ويعرفون أسماءه وصفاته وتوحيده وأمره ونهيه. فالرُّسلُ تخبر عنه بكلامه الذي تكلَّم به وهو آياتُه القوليّة، ويستدلُّون على ذلك بمفعولاته التي تشهد على صحّة ذلك وهي آياته العيانيّة، والعقل يجمع بين هذه وهذه، فيجزم بصحَّة ما جاءت به الرُّسل، فتتّفق شهادةُ السّمع والبصر والعقل والفطرة. وهو سبحانه ــ لكمال (٤) عدله ورحمته، وإحسانه وحكمته، ومحبّته للعذر، وإقامته للحجّة ــ لم يبعث نبيًّا من الأنبياء إلّا ومعه آيةٌ تدلُّ على صدقه فيما أخبر به. قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ

стр. 2443

وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا يُوحَى (١) إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ [النحل: ٤٣]. وقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٨٣) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ [آل عمران: ١٨٣ - ١٨٤]. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ (٢) [فاطر: ٢٥]. حتّى إنّ من أخفى آيات الرُّسل آياتِ (٣) هودٍ ﵇، حتّى قال له قومه: ﴿يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ﴾ [هود: ٥٣]، ومع هذا فبيِّنتُه من أظهر البيِّنات. وقد أشار إليها بقوله: ﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٤ - ٥٦]. فهذا من أعظم الآيات: أنَّ رجلًا واحدًا يخاطب أمّةً عظيمةً بهذا الخطاب غيرَ جزعٍ ولا فزعٍ ولا خوّارٍ، بل هو واثقٌ بما قاله جازمٌ به، فأشهد الله أوّلًا على براءته من دينهم وما هم عليه إشهادَ واثقٍ به، معتمدٍ عليه، مُعْلِمٍ لقومه أنّه وليُّه وناصرُه وغير مسلِّط لهم عليه.

стр. 2444

ثمَّ أشهَدهم ــ إشهادَ مجاهرٍ (١) لهم بالمخالفة: أنّه بريءٌ من دينهم (٢) وآلهتهم التي يوالون عليها، ويعادون عليها، ويبذلون دماءهم وأموالهم في نصرتها. ثمّ أكَّد عليهم ذلك بالاستهانة بهم واحتقارهم وازدرائهم، وكونهم يجتمعون كلُّهم على كيده وشفاء غيظهم منه، ثمّ يعالجونه ولا يمهلونه. وفي ضمن ذلك: أنَّكم أضعفُ وأعجزُ وأقلُّ من ذلك، وأنّكم لو رُمتموه (٣) لانقلبتم بغيظكم مكبوتين مخذولين. ثمّ قرَّر دعوته أحسنَ تقريرٍ، وبيَّن أنَّ ربَّه تعالى وربَّهم الذي نواصيهم بيده هو وليُّه ووكيلُه القائمُ بنصره وتأييده، وأنّه على صراطٍ مستقيمٍ، فلا يخذُل من توكَّلَ عليه وآمن به، ولا يُشمِتُ به أعداءَه، ولا يكون معهم عليه، فإنَّ صراطه المستقيم الذي هو عليه في قوله وفعله يمنع ذلك ويأباه. وتحت هذا الخطاب: أنَّ من صراطه المستقيم أن ينتقمَ ممَّن خرج عنه وعمل بخلافه، ويُنزلَ به بأسه؛ فإنّ الصِّراط المستقيم (٤) هو العدلُ الذي الرَّبُّ تعالى عليه، ومنه انتقامُه من أهل الشِّرك والإجرام ونصرةُ أوليائه ورسله عليهم، وأنّه يذهب بهم ويستخلف قومًا غيرهم ولا يضرُّه ذلك شيئًا، وأنّه القائمُ سبحانه على كلِّ شيءٍ حفظًا ورعايةً وتدبيرًا وإحصاءً.

стр. 2445

فأيُّ آيةٍ وبرهانٍ ودليلٍ أحسَنُ من آيات الأنبياء وبراهينهم وأدلّتهم؟ وهي شهادةٌ من الله سبحانه لهم، بيَّنها لعباده غاية البيان وأظهرها لهم غاية الإظهار بقوله وفعله. وفي «الصحيح» (١) عنه ﷺ أنّه قال: «ما من نبيٍّ من الأنبياء إلّا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنّما كان الذي أوتيتُه وحيًا أوحاه الله إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرَهم تابعًا يوم القيامة». ومن أسمائه تعالى: «المؤمن»، وهو في أحد التَّفسيرين: المصدِّق الذي يُصدِّق الصّادقين بما يقيم لهم من شواهد صدقهم. فهو الذي صدَّق رسلَه وأنبياءه فيما بلَّغوا عنه، وشهد لهم بأنّهم صادقون بالدّلائل التي دلَّ بها على صدقهم قضاءً (٢) وخَلْقًا، فإنّه (٣) سبحانه أخبر ــ وخبرُه الصِّدق، وقولُه الحقُّ ــ أنّه لابدّ أن يُري العبادَ من الآيات الأفقيّة والنّفسيّة ما يبيِّن لهم أنَّ الوحي الذي بلَّغَته رسلُه حقٌّ، فقال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ أي القرآن، فإنّه هو المتقدِّم في قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [فصلت: ٥٢]. ثمّ قال: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣]. فشهد سبحانه لرسوله بقوله: أنَّ ما جاء به حقٌّ، ووَعَده أن يُري العبادَ من آياته الفعليّة الخَلقيّة ما يشهد بذلك أيضًا. ثمّ ذكر ما هو أعظَمُ من ذلك وأجلُّ، وهو شهادته سبحانه على كلِّ شيءٍ، فإنَّ

стр. 2446

من أسمائه «الشّهيد» الذي لا يغيب عنه شيءٌ، ولا يعزُب عنه، بل هو مطّلعٌ على كلِّ شيءٍ، مشاهدٌ له، عليمٌ بتفاصيله. وهذا استدلالٌ بأسمائه وصفاته، والأوّلُ استدلالٌ بقوله وكلماته (١)، والاستدلالُ بالآيات الأفقيّة والنّفسيّة استدلالٌ بأفعاله ومخلوقاته. فإن قلتَ: قد فهمتُ الاستدلالَ بكلماته والاستدلالَ بمخلوقاته، فبيِّن لي كيفيَّة (٢) الاستدلال بأسمائه وصفاته، فإنّ ذلك أمرٌ لا عهد لنا به في تخاطبنا ولا في كتبنا. قلتُ: أجل! وهو لَعَمْرُ الله كما ذكرتَ، وشأنُه أجلُّ وأعلى، فإنَّ الرَّبَّ تعالى هو المدلول عليه، وآياته هي الدّليل والبرهان. فاعلم أنَّ الله سبحانه في الحقيقة هو الدّالُّ على نفسه بآياته، فهو الدَّليلُ لعباده في الحقيقة بما نصبَه لهم من الدَّلالات والآيات. وقد أودع في الفِطَر التي لم تتنجَّس بالتّعطيل والجحود أنّه (٣) سبحانه الكاملُ في أسمائه وصفاته، وأنّه الموصوفُ بكلِّ كمالٍ، المنزَّهُ عن كلِّ عيبٍ ونقصٍ. فالكمالُ كلُّه والجلالُ والجمالُ والبهاءُ والعزُّ والعظمةُ والكبرياءُ= كلُّه من لوازم ذاته، يستحيلُ أن يكون على غير ذلك. فالحياةُ كلُّها له، والعلمُ كلُّه له (٤)، والقدرةُ كلُّها له. والسَّمعُ والبصرُ والإرادةُ والمشيئةُ والرَّحمةُ والغنى والجودُ

стр. 2447

والإحسانُ والبِرُّ= كلُّه خاصٌّ له (١) قائمٌ به، وما خفي عن الخلق من كماله أعظَمُ وأعظَمُ ممّا عرفوه منه، بل لا نسبةَ لما عرفوه من ذلك إلى ما لم يعرفوه! ومن كماله المقدَّس: اطِّلاعُه على كلِّ شيءٍ، وشهادتُه عليه، بحيث لا يغيب عنه وجهٌ من وجوه تفاصيله، ولا ذرّةٌ من ذرّاته باطنًا وظاهرًا. ومَن هذا شأنه، كيف يليق بالعباد أن يشركوا به، وأن يعبدوا معه غيره ويجعلوا معه إلهًا آخر؟ وكيف يليق بكماله أن يُقِرَّ من يكذبُ عليه أعظمَ الكذب ويخبرُ عنه بخلاف ما الأمر عليه، ثمّ ينصرَه على ذلك ويؤيِّدَه، ويُعليَ كلمته، ويرفعَ شأنه، ويجيبَ دعوته، ويُهلك عدوَّه، ويُظهر على يديه من الآيات والبراهين والأدلّة ما يعجز عن مثله قوى البشر، وهو مع ذلك كاذبٌ عليه مفترٍ، ساعٍ في الأرض بالفساد؟ ومعلومٌ أنَّ شهادتَه سبحانه على كلِّ شيءٍ، وقدرتَه على كلِّ شيءٍ، وحكمتَه وعزَّتَه وكمالَه المقدَّس= يأبى ذلك (٢) كلَّ الإباء. ومن ظنّ ذلك به وجوَّزه عليه؛ فهو من أبعد الخلق عن معرفته، وإن عرَفَ منه بعضَ صفاته كصفة القدرة وصفة المشيئة. والقرآن مملوءٌ من هذه الطّريق، وهي طريقُ الخاصَّة، بل خاصَّةِ الخاصَّة الّذين يستدلُّون بالله على أفعاله، وما يليق به أن يفعله وما لا يفعله.

стр. 2448

وإذا تدبَّرتَ القرآنَ رأيتَه (١) ينادي على ذلك، ويبديه ويعيده لمن له فهمٌ وقلبٌ واعٍ عن الله. قال تعالى: ﴿(٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٧]. أفلا تراه سبحانه يخبر: أنَّ كماله وحكمته وقدرته تأبى أن يُقِرَّ من تقوَّلَ عليه بعضَ الأقاويل؟ بل لابدَّ أن يجعله عبرةً لعباده، كما جرت بذلك سنَّتُه في المتقوِّلين عليه. وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشورى: ٢٤]. هاهنا انتهى جوابُ الشَّرط، ثمَّ أخبر خبرًا جازمًا غيرَ معلَّقٍ أنّه يمحو الباطلَ ويُحِقُّ الحقَّ. وقال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١]، فأخبر أنَّ مَن نفى عنه الإرسالَ والكلامَ لم يقدِّره حقَّ قدره، ولا عرَفَه كما ينبغي، ولا عظَّمه كما يستحقُّ؛ فكيف من ظنَّ أنّه ينصر الكاذبَ المفتريَ عليه ويؤيِّده، ويُظهِر على يديه الآيات والأدلّة؟ وهذا في القرآن كثيرٌ جدًّا: يستدلُّ بكماله المقدَّس وأوصافه وجلاله على صدق رسله وعلى وعده ووعيده، ويدعو عبادَه إلى ذلك، كما يستدلُّ بأسمائه وصفاته على وحدانيّته وعلى بطلان الشِّرك، كما في قوله: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٣]. وأضعافُ أضعافِ ذلك في القرآن.

стр. 2449

ويستدلُّ سبحانه بأسمائه وصفاته على بطلان ما نُسِب إليه من الأحكام والشَّرائع الباطلة، وأنَّ كماله المقدَّس يمنع من شرعها، كقوله: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١) [الأعراف: ٢٨]، وقوله عقيبَ ما نهى عنه وحرَّمَه من الشِّرك والظُّلم والفواحش والقولِ عليه بلا علمٍ: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: ٣٨]، فأعلَمَك أنَّ ما كان سيِّئة في نفسه فهو يكرهه، وكمالُه يأبى أن يجعله شرعًا له ودينًا. فهو سبحانه يدلُّ عباده بأسمائه وصفاته على ما يفعله ويأمر به (٢)، ويحبُّه ويبغضه، ويثيب عليه ويعاقب عليه؛ ولكنَّ هذه الطَّريقَ لا يصل إليها إلّا خاصَّةُ الخاصَّة، فلذلك كانت طريقُ الجمهور الدِّلالةَ (٣) بالآيات المشاهدة، فإنّها أوسع وأسهل تناولًا، والله سبحانه يفضِّل بعضَ خلقه على بعضٍ، ويرفع درجاتٍ من يشاء، وهو العليم الحكيم. فالقرآنُ العظيمُ (٤) قد اجتمع فيه ما لم يجتمع في غيره، فإنّه هو الدَّعوةُ والحجَّةُ، وهو الدَّليلُ والمدلولُ عليه، وهو الشَّاهدُ والمشهودُ له، وهو الحَكَم والدَّليلُ، وهو الدَّعوى والبيِّنة. قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ [هود: ١٧] أي من ربِّه، وهو القرآن. وقال تعالى لمن طلب آيةً تدلُّ على صدق رسوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا

стр. 2450

أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥١ - ٥٢]، فأخبر سبحانه أنَّ الكتابَ الذي أنزله يكفي من كلِّ آيةٍ، ففيه الحجّةُ والدّلالةُ على أنّه من الله سبحانه، أرسل به رسوله، وفيه بيانُ ما يوجب لمن اتّبعه السّعادة، وينجيه من العذاب. ثمّ قال: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، فإذا كان سبحانه عالمًا بجميع الأشياء كانت شهادتُه أصدقَ شهادةٍ وأعدلَها، فإنّها شهادةٌ بعلمٍ تامٍّ، محيطٍ بالمشهود به، فيكون الشَّاهدُ به أعدلَ الشُّهداء وأصدقَهم. وهو سبحانه يذكر علمَه عند شهادته، وقدرتَه وملكَه عند مجازاته، وحكمتَه عند خلقه وأمره، ورحمتَه عند ذكر إرسال رسوله، وحلمَه عند ذكر ذنوب عباده ومعاصيهم، وسمْعَه عند ذكر دعائهم ومسألتهم، وعزَّتَه وعلمَه عند قضائه وقدره. فتأمَّلْ ورودَ أسمائه الحسنى في كتابه، وارتباطَها بالخلق والأمر والثَّواب والعقاب. فصل ومن هذا: قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣] فاستشهد على رسالته بشهادة الله (١) له، ولابدّ أن تُعلَم هذه الشَّهادةُ، وتقوم بها الحجَّةُ على المكذِّبين له.

стр. 2451

وكذلك قوله: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ١٩]. وكذلك قوله: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٦٦]. وكذلك قوله: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس: ١ - ٣]، وقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٢]، وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ [المنافقون: ١]، وقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩]. فهذا كلُّه شهادةٌ منه لرسوله، قد أظهَرها وبيَّنها، وبيَّن صحّتَها غاية البيان بحيث قطع العذرَ بينه وبين عباده، وأقام الحجّةَ عليهم. فكونُه سبحانه شاهدًا لرسوله معلومٌ بسائر أنواع الأدلّة: عقليِّها ونقليِّها وفطريِّها، ضروريِّها ونظريِّها. ومَن نظَر في ذلك وتأمَّلَه علِمَ أنّ الله سبحانه شهد لرسوله أصدقَ الشّهادة وأعدلَها وأظهَرها، وصدَّقه سائرَ أنواع التَّصديق بقوله الذي أقام البراهينَ على صدقه فيه، وبفعله وبإقراره وبما فطَر عليه عباده من الإقرار بكماله، وتنزيهه عن القبائح وعمّا لا يليق به. وكلَّ وقتٍ يُحدِث من آياته الدَّالّة على صدق رسوله ما يقيم به الحجّةَ، ويزيل به العذرَ، ويحكم له ولأتباعه بما وعدهم به من العزِّ والنّجاة والظّفر والتّأييد، ويحكم على أعدائه ومكذِّبيه بما أوعدهم به من الخزي والنَّكال والعقوبات المعجَّلة (١) الدَّالّة على تحقيق العقوبات المؤجّلة. ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ

стр. 2452

وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح: ٢٨]. فيظهره ظهورين: ظهورًا بالحجّة والبيان والدّلالة، وظهورًا بالنّصر والغلبة والتّأييد؛ حتّى يَظهر على مخالفيه ويكون منصورًا. وقوله: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦]. فما فيه من الخبر عن علم الله الذي لا يعلمه غيره من أعظم الشّهادة بأنّه هو الذي أنزله، كما قال في الآية الأخرى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [هود: ١٣ - ١٤]. وليس المرادُ مجرَّدَ الإخبار بأنّه أنزله وهو معلومٌ له كما يعلم سائر الأشياء، فإنَّ كلَّ شيءٍ معلومٌ له من حقٍّ وباطلٍ. وإنّما المعنى: أنزله مشتملًا على علمه وفيه علمُه، فنزولُه مشتملًا على علمه هو آيةُ كونه من عنده وأنّه حقٌّ وصدقٌ. ونظير هذا قوله: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الفرقان: ٦] ذكر ذلك سبحانه تكذيبًا وردًّا على من قال: ﴿افْتَرَاهُ﴾ [الفرقان: ٤]. فصل ومن شهادته أيضًا: ما أودعه في قلوب عباده من التَّصديق الجازم، واليقين الثّابت، والطُّمأنينة بكلامه ووحيه؛ فإنّ العادة تُحيل حصولَ ذلك بما هو من أعظم الكذب والافتراء على ربِّ العالمين، والإخبار عنه بخلاف ما هو عليه من أسمائه وصفاته. بل ذلك يُوقع أعظمَ الرَّيب والشّكِّ، وتدفعه الفطَرُ والعقولُ السّليمة، كما تدفع الفطَرُ التي فُطِرَ عليها الحيوانُ الأغذيةَ الخبيثةَ الضَّارَّةَ التي لا تغذِّي كالأبوال والأنتان. فإنَّ الله سبحانه فطَر القلوبَ

стр. 2453

على قبول الحقِّ، والانقياد له، والطُّمأنينة به (١)، والسُّكون إليه ومحبّته؛ وفطَرها على بغض الكذب والباطل، والنُّفور عنه، والرِّيبة به، وعدم السُّكون إليه. ولو بقيت الفطَرُ على حالها لما آثرت على الحقِّ سواه، ولما سكنت إلّا إليه، ولا اطمأنَّت إلّا به، ولا أحبَّت غيره. ولهذا ندَب سبحانه عبادَه إلى تدبُّر القرآن، فإنَّ كلَّ من تدبَّره أوجب له تدبُّرُه علمًا ضروريًّا ويقينًا جازمًا: أنّه حقٌّ وصدقٌ، بل أحقُّ كلِّ حقٍّ، وأصدَقُ كلِّ صدقٍ؛ وأنَّ الذي جاء به أصدَقُ خلقِ الله، وأبرُّهم، وأكمَلُهم علمًا وعملًا ومعرفةً. قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]. وقال تعالى: ﴿(٢٣) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ﴾ [محمد: ٢٤]. فلو رُفعت الأقفالُ عن القلوب لباشرتها حقائقُ القرآن، واستنارت فيها مصابيحُ الإيمان، وعلِمت علمًا ضروريًّا يكون عندها كسائر الأمور الوجدانيّة من الفرح والألم والحبِّ والخوف= أنّه من عند الله، تكلَّم به حقًّا، وبلَّغه رسولُه جبريلُ عنه إلى رسوله محمَّدٍ ﷺ . فهذا الشّاهد في القلب من أعظم الشّواهد، وبه احتجَّ هرقلُ على أبي سفيان حيث قال له: فهل يرتدُّ أحدٌ منهم سخطةً لدينه، بعد أن يدخل فيه؟ فقال: لا. فقال له: وكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشتُه القلوبَ لا يسخطه أحدٌ. وقد أشار تعالى إلى هذا المعنى بقوله: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩]، وقوله: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي

стр. 2454

أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ [سبأ: ٦]، وقوله: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ [الرعد: ١٩]، وقوله: ﴿(٢٦) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ﴾ [الرعد: ٢٧] يعني: أنَّ الآيةَ التي يقترحونها لا تُوجِب هدايةً، بل الله هو الذي يهدي ويضلُّ. ثمّ نبَّههم على أعظمِ آيةٍ وأجلِّها، وهي: طمأنينةُ قلوب المؤمنين بذكره الذي أنزله، فقال: ﴿(٢٧) الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي بكتابه وكلامه ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ﴾ [الرعد: ٢٨]. فطمأنينةُ القلوب الصَّحيحة والفِطَر السَّليمة به وسكونُها إليه من أعظم الآيات، إذ يستحيل في العادة أن تطمئنَّ القلوبُ وتسكنَ إلى الكذب والافتراء والباطل. فإن قيل: فلِمَ لا ذَكَر (١) سبحانه شهادةَ رسله مع الملائكة، فقال: شهد الله أنّه لا إله إلّا هو والملائكةُ والرُّسلُ (٢)، وهم أعظم شهادةً من أولي العلم؟ قيل: في ذلك عدّة فوائد: أحدها: أنّ أولي العلم أعمُّ من الرُّسل والأنبياء، فيدخلون هم وأتباعهم.

стр. 2455

وثانيها: أنَّ في ذكرِ أولي العلم في هذه الشّهادة وتعليقِها بهم ما يدلُّ على أنّها من موجَبات العلم ومقتضَياته، وأنَّ كلَّ من كان من أولي العلم فإنّه يشهد بهذه الشّهادة؛ كما يقال: إذا طلع الهلال واتّضح فإنَّ كلَّ من كان من أهل النّظر يراه، وإذا فاحت رائحةٌ ظاهرةٌ كلُّ (١) من كان من أهل الشّمِّ يشمُّ هذه الرّائحة، كما قال تعالى: ﴿(٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ﴾ [النازعات: ٣٦]، أي كلُّ من له رؤيةٌ يراها حينئذٍ عيانًا. ففي هذا بيانُ أنَّ من لم يشهد له سبحانه بهذه الشّهادة فهو من أعظم الجُهَّال، وإن علِمَ من أمور الدُّنيا ما لا يعلمه غيرُه، فهو من أولي الجهل لا من أولي العلم. وقد بيّنّا أنّه لم يقم بهذه الشّهادة، ويؤدِّها على وجهها إلّا أتباعُ الرُّسل أهلُ الإثبات، فهم أولو العلم، وسائرُ من عداهم أولو الجهل وإن وسَّعوا القول وأكثروا الجدال. ومنها: الشَّهادةُ من الله سبحانه لأهل هذه الشَّهادة أنَّهم أولو العلم. فشهادتُه لهم أعدَلُ وأصدَقُ من شهادة الجهميّة والمعطِّلة والفرعونيّة لهم بأنَّهم جهَّالٌ، وأنَّهم حشويّةٌ، وأنَّهم مشبِّهةٌ، وأنَّهم مجسِّمةٌ ونوابِتُ ونواصِبُ. فكفاهم شهادُة أصدَقِ الصَّادقين لهم بأنَّهم من أولي العلم، إذ شهدوا له بحقيقة ما شهِد به لنفسه، من غير تحريفٍ ولا تعطيلٍ، وأثبتوا له حقيقةَ هذه الشَّهادة ومضمونَها؛ وخصومُهم نفَوا عنه حقائقَها، وأثبتوا له ألفاظها ومَجازاتها. فصل وفي ضمن هذه الشّهادة الإلهيّة: الثَّناءُ على أهل العلم الشَّاهدين بها
следующие страницы →