يُنفقوه. كم ذكَّرهم الله بنِعَمه فأعرضوا عن ذكره ونسوه! وكم كشَفَ حالهم لعباده المؤمنين ليجتنبوه! فاسمعوا أيُّها المؤمنون: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٦٧].
إن حاكمتَهم إلى صريح الوحي وجدتَهم عنه نافرين، وإن دعوتَهم إلى حكم كتاب الله وسنّة رسوله رأيتهم عنه مُعرضين. فلو شهدت حقائقَهم لرأيتَ بينها وبين الهدى أمدًا بعيدًا، ورأيتَها معرضةً عن الوحي إعراضًا شديدًا، ﴿قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١)﴾ [النساء: ٦١].
فكيف لهم بالفلاح والهدى بعدما أصيبوا في عقولهم وأديانهم! وأنّى لهم التّخلُّصُ من الضَّلال والرَّدى وقد اشتروا الكفرَ بإيمانهم! فما أخسَر تجارتَهم البائرة وقد اشتروا بالرَّحيق المختوم حريقًا! ﴿إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢)﴾ [النساء: ٦٢].
نشِبَ زَقُّومُ الشُّبَه والشُّكوك في قلوبهم، فلا يجدون لها مُسيغًا (١)، ﴿الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (٦٣)﴾ [النساء: ٦٣].
تبًّا لهم، ما أبعدهم عن حقيقة الإيمان! وما أكذَب دعواهم للتَّحقيق والعرفان! فالقومُ في شأنٍ، وأتباعُ الرَّسول في شأنٍ! ولقد أقسم الله ﷻ
стр. 667
في كتابه بنفسه المقدَّسة قسمًا عظيمًا، يعرف مضمونَه أولو البصائر، فقلوبُهم منه على وجَلٍ إجلالًا له وتعظيمًا، فقال تعالى تحذيرًا لأوليائه وتنبيهًا على حال هؤلاء وتفهيمًا: ﴿وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥].
تسبق يمينُ أحدهم كلامَه من غير أن تُعرضَ (١) عليه، لعلمه بأنّ قلوب أهل الإيمان لا تطمئنُّ إليه، فيتبرّأ بيمينه من سوء الظّنِّ به وكشفِ ما لديه. وكذلك أهلُ الرِّيبة يكذبون، ويحلفون ليحسبَ السَّامعُ أنّهم صادقون، وقد ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون: ٢].
تبًّا لهم! برزوا إلى البيداء مع ركب الإيمان، فلمّا رأوا طولَ الطَّريق وبعدَ الشُّقَّة نكصوا على أعقابهم ورجعوا، وظنُّوا أنّهم يتمتَّعون بطيب العيش ولذّة المنام في ديارهم، فما مُتِّعوا به ولا بتلك النُّجْعة (٢) انتفعوا. فما هو إلّا أن صاح بهم الصَّائحُ فقاموا عن موائد أطعمتهم والقومُ جياعٌ ما شبعوا، فكيف حالهم عند اللِّقاء، وقد عرفوا ثمّ أنكروا، وعمُوا بعدما عاينوا الحقَّ وأبصروا! ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٣].
أحسَنُ النَّاس أجسامًا، وأحلاهم (٣) لسانًا، وألطفُهم بيانًا، وأخبثُهم
стр. 668
قلوبًا، وأضعَفُهم جَنانًا. فهم كالخشب المسنَّدة التي لا تمييز (١) لها، قد قُلِعَت من مغارسها فتساندت إلى حائطٍ يقيمها لئلَّا يطأها السّالكون. ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون: ٤].
يؤخِّرون الصَّلاةَ عن وقتها الأوّل إلى شَرَقِ الموتى، فالصُّبحُ عند طلوع الشّمس، والعصرُ عند الغروب. وينقُرونها نقرَ الغراب، إذ هي صلاةُ الأبدان لا صلاةُ القلوب. ويلتفتون فيها التفاتَ (٢) الثَّعلب إذا تيقَّنَ أنّه مطرودٌ ومطلوبٌ. ولا يشهدون الجماعة، بل إن صلّى أحدُهم ففي البيت أو الدُّكّان. وإذا خاصَمَ فجَر، وإذا عاهَدَ غدَر، وإذا حدَّثَ كذَب، وإذا وعَد أخلَفَ، وإذا ائتُمِنَ خان (٣). هذه معاملتُهم للخلق، وتلك معاملتُهم للخالق (٤). فخذ وصفَهم من أوّل المطفِّفين، وآخر (والسَّماء والطَّارق) (٥)، فلا ينبِّئك عن أوصافهم مثلُ خبيرٍ، ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة: ٧٣].
فما أكثرهم! وهم الأقلُّون. وما أجبرهم! وهم الأذلُّون. وما أجهلهم!
стр. 669
وهم المتمعلمون (١). وما أغرّهم بالله إذ هم بعظمته جاهلون! ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ [التوبة: ٥٦].
إن أصاب أهلَ الكتاب والسُّنّة عافيةٌ ونصرٌ وظهورٌ ساءهم ذلك وغمَّهم. وإن أصابهم ابتلاءٌ من الله وامتحانٌ يمحِّص به ذنوبهم، ويكفِّر به سيِّئاتِهم أفرَحَهم ذلك وسرَّهم. وهذا تحقيقُ إرثِهم وإرثِ من عاداهم، ولا يستوي مَن موروثُه الرَّسولُ ومَن موروثُه المنافقون. ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (٥٠) قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٥٠ - ٥١]. وقال تعالى في شأن السَّلفين (٢) المتخلِّفين، والحقُّ لا يُدفَع بمكابرة أهل الزَّيغ والتّخليط، ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: ١٢٠].
كره الله طاعتَهم (٣) لخبث قلوبهم وفساد نيّاتهم، فثبَّطهم عنها وأقعَدَهم.
стр. 670
وأبغضَ قربَهم منه وجوارهم، لميلهم إلى أعدائه، فطرَدَهم عنه وأبعَدَهم. وأعرضوا عن وحيه فأعرض عنهم، وأشقاهم وما أسعدهم. وحكَم عليهم بحكمٍ عدلٍ لا مطمع لهم في الفلاح بعده إلّا أن يكونوا من التّائبين، فقال: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة: ٤٦]. ثمّ ذكر حكمته في تثبيطهم وإقعادهم، وطردِهم عن بابه وإبعادهم، وأنَّ ذلك من لطفه بأوليائه وإسعادهم، وهو أحكم الحاكمين، فقال (١): ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: ٤٧].
ثقلت عليهم النُّصوصُ فكرهوها، وأعيا عليهم حملُها فألقَوها عن أكتافهم ووضَعوها، وتفلَّتت منهم السُّننُ أن يحفظوها فأهملوها، وصالت عليهم نصوصُ الكتاب والسُّنّة فوضعوا لها قوانينَ ردُّوها بها ودفعوها. ولقد هتَكَ الله أستارهم، وكشَف أسرارهم، وضرَب لعباده أمثالَهم. وعَلِمَ أنّه كلّما انقرض منهم طوائفُ خلَفَهم أمثالُهم، فذكر أوصافَهم لأوليائه ليكونوا منها على حذَرٍ، وبيَّنها لهم، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٩].
هذا شأنُ من ثقلت عليه النُّصوصُ، ورآها حائلةً بينه وبين بدعته وهواه فهي في وجهه كالبنيان المرصوص. فباعها بـ"محصَّلٍ" (٢) من الكلام الباطل، واستبدل منها بـ"الفصوص" (٣)! فأعقبهم ذلك أن أفسد عليهم إعلانَهم
стр. 671
وإسرارَهم. ﴿لَهُمْ (٢٥) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (٢٦) فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (٢٧) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾ [محمد: ٢٦ - ٢٨].
أسرُّوا سرائرَ النِّفاق فأظهَرَها الله على صفحاتِ الوجوه منهم وفلَتاتِ اللِّسان، ووسَمهم لأجلها بسيما لا يخفَون بها على أهل البصائر والإيمان. وظنُّوا أنَّهم إذا كتموا كفرَهم وأظهروا إيمانَهم راجُوا على النُّقّاد (١)! والنّاقدُ البصيرُ (٢) قد كشفها لكم: ﴿أَعْمَالَهُمْ (٢٨) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٢٩ - ٣٠].
فكيف بهم إذا جُمِعوا ليوم التَّلاق، وتجلّى الله ﷻ للعباد وقد كُشِفَ عن ساقٍ، ودُعُوا إلى السُّجود فلا يستطيعون، ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٣]!
أم كيف بهم إذا حُشِروا إلى جسر جهنّم، وهو أدقُّ من الشَّعْرة (٣)، وأحَدُّ من الحُسام! وهو دَحْضٌ مزَلَّةٌ مظلمٌ لا يقطعه أحدٌ إلّا بنورٍ يبصر به مواطئَ الأقدام. فقُسِّمت بين النّاس الأنوارُ ــ وهم على قدر تفاوتها في المرور والذَّهاب ــ وأُعْطُوا نورًا ظاهرًا مع أهل الإسلام، كما كانوا بينهم في هذه
стр. 672
الدّار يأتون بالصَّلاة والزَّكاة والحجِّ والصِّيام. فلمّا توسَّطوا الجسرَ عصَفَتْ على أنوارهم أهويةُ النِّفاق، فأطفأت ما بأيديهم من المصابيح. فوقفوا حيارى لا يستطيعون المرور، فضُرِبَ بينهم وبين أهل الإيمان بسورٍ له بابٌ، ولكن قد حيل بين القوم وبين المفاتيح. باطنُه الذي يلي المؤمنين فيه الرَّحمة، وما يليهم من قِبَله (١) العذابُ والنِّقمة. ينادُون من تقدَّمهم من وفد الإيمان، ومشاعلُ الرَّكب تلوح على بعدٍ كالنُّجوم، تبدو لناظر الإنسان: ﴿نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ بَيْنَهُمْ﴾ [الحديد: ١٣] لنتمكّن في هذا المضيق من العبور، فقد طفئت أنوارُنا ولا جوازَ اليوم إلّا بمصباحٍ من النُّور. ﴿ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ﴾ حيث قسِّمت الأنوار، فهيهات الوقوفُ لأحدٍ في مثل هذا المضمار! كيف يلتمس الوقوف في هذا المضيق؟ وهل يَلوي اليوم أحدٌ على أحدٍ في هذا الطّريق؟ (٢).
فذكَّروهم باجتماعهم معهم وصحبتهم لهم في هذه الدَّار، كما يذكِّر الغريبُ صاحبَ الوطن بصحبته له في الأسفار: ﴿مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ نصوم كما تصومون، ونصلِّي كما تصلُّون، ونقرأ كما تقرؤون، ونتصدَّق كما تتصدّقون، ونحجُّ كما تحجُّون؟ فما الذي فرَّق بيننا اليومَ، حتّى انفردتم دوننا بالمرور؟ ﴿وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ﴾ كانت ظواهركم معنا وبواطنكم مع كلِّ ملحدٍ وكلِّ ظلومٍ كفورٍ، ﴿أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤) فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ
стр. 673
وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٥)﴾ [الحديد: ١٤ - ١٥].
لا تستطِلْ أوصافَ القوم، فالمتروكُ والله أكثَرُ من المذكور! كاد القرآن أن يكون كلُّه في شأنهم، لكثرتهم على ظهر الأرض وفي أجواف القبور. فلا خلَتْ بقاعُ الأرض منهم لئلَّا يستوحشَ المؤمنون في الطُّرقات، وتتعطَّل بهم أسباب المعيشات، وتتخطَّفَهم الوحوشُ والسِّباعُ في الفلَوات! سمع حذيفة ﵁ رجلًا يقول: اللهمَّ أهلِكِ المنافقين، فقال: يا ابنَ أخي، لو أهلك المنافقين (١) لاستوحشتم في طرقاتكم (٢)!
تالله (٣) لقد قطَّع خوفُ النِّفاق قلوبَ السّابقين الأوّلين، ولعلمهم بدِقِّه وجِلِّه وتفاصيلهِ وجُمَلِه ساءت (٤) ظنونهم بأنفسهم حتّى خشُوا أن يكونوا من جملة المنافقين. قال عمر بن الخطّاب ﵁ لحذيفة بن اليمان: يا حذيفةُ، نشدتُك بالله، هل سمَّاني لك رسول الله ﷺ منهم؟ فقال: لا، ولا أزكِّي بعدك أحدًا (٥).
стр. 674
وقال ابن أبي مُلَيكة: أدركتُ ثلاثين من أصحاب محمّدٍ ﷺ كلُّهم يخاف النِّفاقَ على نفسه، ما منهم أحدٌ يقول: إنَّ إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل. ذكره البخاريُّ (١).
وذكَر (٢) عن الحسن ﵁: ما أمِنَه إلّا منافقٌ، ولا خافه إلّا مؤمنٌ.
ولقد ذُكر عن بعض الصَّحابة أنّه كان يقول في دعائه: اللهمَّ إنِّي أعوذ بك من خشوع النِّفاق. قيل: وما خشوعُ النِّفاق؟ قال: أن يخشع البدنُ، والقلبُ غيرُ خاشعٍ (٣).
بالله تعالى (٤)، لقد ملئت قلوبُ القوم إيمانًا ويقينًا، وخوفُهم من النِّفاق
стр. 675
شديدٌ، فهمُّهم لذلك ثقيلٌ. وسواهم كثيرٌ منهم لا يجاوز إيمانُهم حناجرَهم، وهم يدَّعون أنَّه كإيمان جبريل وميكائيل!
زرعُ النِّفاق ينبُت على ساقيتين: ساقية الكذب، وساقية الرِّياء، ومخرجُهما من عينين: عين ضعف البصيرة، وعين ضعف العزيمة. فإذا تمَّت هذه الأركانُ الأربعُ استحكم بنيانُ النِّفاق (١)، ولكنَّه بمدارج السُّيول على شفا جرُفٍ هارٍ. فإذا سال سيلُ الحقائق وعاينوا يومَ (٢) تُبلى السّرائر، وكُشِفَ المستور، وبُعثر ما في القبور، وحُصِّل ما في الصُّدور= تبيّن حينئذٍ لمن كانت بضاعتُه النِّفاقَ أنَّ حواصلَه التي حصَّلها كانت كالسَّراب، ﴿بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ﴾ [النور: ٣٩] (٣).
تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦]، فإنَّ هذه الآية نزلت في الوليد بن عُقبة بن أبي مُعَيطٍ لمَّا بعثه رسول الله ﷺ إلى بني المصطلِق بعد الوقعة مصدِّقًا، وكان بينه وبينهم عداوةٌ في الجاهليّة، فلمَّا سمع به القومُ تلقَّوه تعظيمًا لأمر رسول الله ﷺ ، فحدَّثه الشَّيطانُ أنّهم يريدون قتله، فهابهم، فرجع من الطَّريق إلى رسول الله ﷺ ، فقال: إنَّ بني المصطلق منعوا صدقاتهم وأرادوا قتلي. فغضب رسولُ الله ﷺ ، وهمَّ أن يغزوَهم. فبلغ القومَ رجوعُه، فأتوا رسولَ الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله، سمعنا برسولك، فخرجنا نتلقَّاه ونكرمُه، ونؤدِّي إليه ما قِبَلَنا من حقِّ الله، فبدا له في الرُّجوع، فخشينا أنَّه إنَّما ردَّه من الطَّريق كتابٌ جاءه منك لغضبٍ غضبتَه علينا، وإنَّا نعوذُ بالله من غضبه وغضب رسوله. فاتَّهمهم رسولُ الله ﷺ ، وبعث خالدَ بنَ الوليد خُفْيةً في عسكرٍ، وأمَره أن يخفي عليهم قدومَه، وقال له: "انظر، فإن رأيتَ منهم ما يدلُّ على إيمانهم فخُذْ منهم زكاةَ أموالهم، وإن لم ترَ ذلك فاستعمِلْ فيهم ما تستعمِلُ في الكفَّار". ففعل ذلك خالدٌ، ووافاهم، فسمع منهم أذانَ صلاتَي المغرب والعشاء، فأخذ منهم صدقاتهم، ولم ير منهم إلّا الطَّاعةَ والخيرَ. وانصرف (١) إلى رسول الله ﷺ ، وأخبره (٢)
الخبر، فنزلت (٣) ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ
стр. 678
نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦] (١). والنَّبأ هو: الخبر الغائب عن المخبِر إذا كان له شأنٌ. والتَّبيُّن: طلبُ بيان حقيقته والإحاطة بها علمًا.
وهاهنا فائدةٌ لطيفةٌ، وهي أنّه سبحانه لم يأمر بردِّ خبر الفاسق وتكذيبه وشهادته جملةً، وإنّما أمَرَ (٢) بالتَّبيُّن. فإن قامت قرائنُ وأدلّةٌ من خارجٍ تدلُّ (٣) على صدقه عُمِل بدليل الصِّدق، ولو أخبر به مَن أخبر. فهكذا ينبغي الاعتماد في رواية الفاسق وشهادته. وكثيرٌ من الفاسقين يصدُقون في أخبارهم ورواياتهم وشهاداتهم، بل كثيرٌ منهم يتحرَّى الصِّدقَ غايةَ التَّحرِّي، وفسقُه من جهاتٍ أُخَر، فمثلُ هذا لا يُرَدُّ خبرُه ولا شهادتُه. ولو رُدَّتْ شهادةُ مثل هذا وروايته لتعطَّلت أكثَرُ الحقوق، وبطلت كثيرٌ من الأخبار الصَّحيحة، ولاسيَّما مَن فسقُه من جهة الاعتقاد والرّأي، وهو متحرٍّ للصِّدق، فهذا لا يُرَدُّ خبرُه ولا شهادتُه.
وأمّا مَن فسقُه من جهة الكذب، فإن كثُر منه وتكرَّر بحيث يغلب كذبُه على صدقه، فهذا لا يُقبَل خبرُه ولا شهادتُه. وإن ندَر منه مرّةً ومرَّتين، ففي ردِّ شهادته وخبره بذلك قولان للعلماء، وهما روايتان عن الإمام أحمد ﵀ (٤).
стр. 679
والمقصودُ: ذكرُ الفسوق الذي لا يُخرج إلى الكفر.
والفسوقُ الذي تجب التَّوبةُ منه أعمُّ من الفسق الذي تُرَدُّ به الرِّوايةُ والشَّهادةُ. وكلامنا الآن فيما تجب التَّوبة منه. وهو قسمان: فسقٌ من جهة العمل، وفسقٌ من جهة الاعتقاد.
ف فسقُ العمل نوعان: مقرونٌ بالعصيان، ومفردٌ.
فالمقرونُ بالعصيان: هو ارتكابُ ما نهى الله عنه. والعصيانُ: هو عصيانُ أمره، كما قال تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ [التحريم: ٦]. وقال موسى لأخيه: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ (١) أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ [طه: ٩٢]. وقال الشَّاعر:
أمرتُك أمرًا حازمًا (٢) فعصيتَني ... فأصبحتَ مسلوبَ الإمارة نادما (٣)
فالفسقُ أخصُّ بارتكاب النَّهي، ولهذا يطلق عليه كثيرًا، كقوله: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. والمعصيةُ أخصُّ بمخالفة الأمر كما تقدَّم. ويطلَق كلٌّ (٤) منهما على صاحبه، كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾
стр. 680
[الكهف: ٥٠]، فسمّى مخالفتَه للأمر فسقًا. وقال: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١] فسمّى ارتكابَه للنَّهي معصيةً. فهذا عند الإفراد. فإذا اقترنا كان أحدُهما لمخالفة الأمر، والآخَرُ لمخالفة النَّهي.
والتّقوى: اتِّقاءُ مجموع الأمرين فيه. وبتحقيقها تصحُّ التَّوبةُ من الفسوق والعصيان، بأن يعمل العبدُ بطاعة الله على نورٍ من الله يرجو ثوابَ الله، ويترك معصيةَ الله على نورٍ من الله يخافُ عقابَ الله.
و فسقُ الاعتقاد: كفسق أهل البدع الذين يؤمنون بالله ورسوله واليوم الآخر، ويحرِّمون ما حرَّم الله، ويوجبون ما أوجب الله؛ ولكن ينفُون كثيرًا ممّا أثبت الله ورسوله جهلًا وتأويلًا وتقليدًا للشُّيوخ، ويُثبتون ما لم يثبته الله ورسوله كذلك. وهؤلاء كالخوارج المارقة، وكثيرٍ من الرَّوافض، والقدريَّة، والمعتزلة، وكثيرٍ من الجهميَّة الذين ليسوا غلاةً في التَّجهُّم. وأمّا غاليَةُ الجهميَّة فكغلاة الرَّافضة، ليس (١) للطَّائفتين في الإسلام نصيبٌ. ولذلك أخرجهم جماعةٌ من السّلف من الثِّنتين وسبعين (٢) فرقةً، وقالوا: هم مباينون للملَّة.
وليس مقصودنا الكلام في أحكام هؤلاء، وإنَّما المقصود تحقيق التَّوبة من هذه الأجناس العشرة.
فالتَّوبةُ من هذا الفسوق: بإثبات ما أثبته الله لنفسه ورسوله من غير تشبيهٍ ولا تمثيلٍ، وتنزيهه عمّا نزَّه نفسَه عنه (٣) ونزَّهه عنه رسولُه من غير تحريفٍ
стр. 681
ولا تعطيلٍ، وتلقِّي النَّفي والإثبات من مشكاة الوحي، لا من آراء الرِّجال ونتائج أفكارهم التي هي منشأ البدعة والضَّلالة. فتوبةُ هؤلاء الفسَّاق من جهة الاعتقادات الفاسدة بمحض اتِّباع السُّنّة.
ولا يكتفى منهم بذلك أيضًا (١) حتّى يبيِّنوا فساد ما كانوا عليه من البدعة، إذ التَّوبةُ من كلِّ ذنبٍ هي بفعل ضدِّه. ولهذا شرَطَه (٢) الله في توبة الكاتمين ما أنزل الله من البيِّنات والهدى، لأنَّ ذنبَهم لمَّا كان بالكتمان كانت توبتُهم منه بالبيان. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا﴾ [البقرة: ١٥٩ - ١٦٠]. وذنبُ المبتدع فوق ذنب الكاتم، لأنَّ ذلك كتَم الحقَّ، وهذا كتَمه ودعا إلى خلافه؛ فكلُّ مبتدعٍ كاتمٌ، ولا ينعكس.
وشرَط في توبة المنافق الإخلاصَ; لأنّ ذنبه بالرِّياء. قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٤٥ - ١٤٦].
ولذلك كان الصَّحيحُ من القولين أنَّ توبةَ القاذف إكذابُه نفسَه (٣)، لأنَّه
стр. 682
ضدُّ الذَّنب الذي ارتكبه وهتَك به عرضَ المسلم المحصَن، فلا تحصل التَّوبةُ منه إلّا بإكذابه نفسَه، لينتفي عن المقذوف العارُ الذي ألحقه به بالقذف، وهو مقصودُ التَّوبة.
وأمّا من قال: إنَّ توبته أن يقول: أستغفر الله من القذف، ويعترفَ بتحريمه، فقولٌ ضعيفٌ لأنَّ هذا لا مصلحةَ فيه للمقذوف، ولا يحصل له به براءةُ عرضه ممَّا قذفه به، فلا يحصل به مقصودُ التَّوبة من هذا الذَّنب؛ فإنَّ فيه حقَّين: حقًّا لله، وهو تحريمُ القذف، فتوبتُه منه باستغفاره، واعترافه بتحريم القذف، وندمه عليه، وعزمه على أن لا يعود. وحقًّا للعبد، وهو إلحاقُ العار به، فتوبتُه منه بتكذيبه نفسَه. فالتَّوبةُ من هذا الذَّنب بمجموع الأمرين.
فإن قيل: إذا كان صادقًا قد عاين الزِّنى، فأخبر به، فكيف يسوغ له تكذيبُ نفسه وقذفُها بالذَّنب، ويكون ذلك من تمام توبته؟
قيل: هذا هو الإشكال الذي قال صاحبُ هذا القول لأجله: إنَّ توبتَه الاعترافُ بتحريم القذف والاستغفارُ منه. وهو موضعٌ يحتاج فيه إلى بيان الكذب الذي (١) حَكَم الله به على القاذف وأخبَر أنّه كاذبٌ عنده، ولو كان خبره مطابقًا للواقع، فنقول:
الكذب يراد به أمران:
أحدهما: الخبرُ الغيرُ المطابقِ (٢) لمُخْبَرِه. وهو نوعان: كذبٌ عمدٌ، وكذبٌ خطأٌ. فكذبُ العمد معروفٌ. وكذبُ الخطأ ككذب أبي السَّنابل في
стр. 683
فتواه للمتوفّى عنها إذا وضَعت حملَها أنَّها لا تحِلُّ حتّى تُتِمَّ أربعةَ أشهرٍ وعشرًا، فقال النَّبيُّ ﷺ : "كذب أبو السَّنابل" (١). ومنه قوله ﷺ : "كذب من قالها" (٢) لمن قال: حبِطَ عملُ عامرٍ، حيث قتل نفسَه خطأً. ومنه قول عبادة بن الصّامت: كذب أبو محمَّدٍ، حيث قال: الوتر واجبٌ (٣). فهذا كلُّه من كذب الخطأ، ومعناه: أخطأ قائلُ ذلك.
والثّاني من أقسام الكذب: الخبر الذي لا يجوز الإخبار به، وإن كان مطابقًا لمُخْبَرِه، كخبرِ القاذف المتفرِّد (٤) برؤية الزِّنى، والإخبارِ به، فإنَّه
стр. 684
كاذبٌ في حكم الله تعالى، وإن كان خبرُه مطابقًا لمُخْبَرِه. ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِذْ (١) لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣]. فحكمُ الله في مثل هذا أن يعاقَب عقوبةَ المفتري الكاذب، وإن كان خبرُه مطابقًا (٢). وعلى هذا فلا تتحقّق توبتُه حتّى يعترفَ بأنّه كاذبٌ عند الله، كما أخبر الله به عنه. فإذا لم يعترف بأنّه كاذبٌ وقد جعله الله كاذبًا، فأيُّ توبةٍ له؟ وهل هذا إلّا محضُ الإصرار والمجاهرة بمخالفة حكم الله الذي حَكَم به عليه؟
فصل
واختُلِفَ في توبة السَّارق إذا قُطِعت يدُه: هل من شرطها ضمانُ العين المسروقة لربِّها؟ وأجمعوا على أنَّ مِن شرط صحَّة توبته أداؤها (٣) إليه، إذا كانت موجودةً بعينها. وإنّما اختلفوا إذا كانت تالفةً، فقال الشَّافعيُّ وأحمد ﵄: من تمام توبته ضمانُها لمالكها، ويلزمه ذلك موسرًا كان أو معسرًا (٤).
وقال أبو حنيفة ﵀: إذا قُطعت يده وقد استهلك (٥) العينَ لم يلزمه ضمانُها (٦). ولا تتوقَّف صحَّةُ توبته على الضَّمان لأنَّ قطعَ اليد هو مجموعُ
стр. 685
الجزاء، والتَّضمينُ عقوبةٌ زائدةٌ عليه فلا تُشْرَع.
قالوا (١): وهذا بخلاف ما إذا كانت العينُ قائمةً، فإنَّ صاحبها قد وجد عينَ ماله فلم يكن أخذُها عقوبةً ثانيةً، بخلاف التَّضمين فإنَّه غرامةٌ، وقد قُطِعَ طرفُه، فلا يجتمع (٢) عليه غرامةُ الطَّرف وغرامةُ المال.
قالوا: ولهذا لم يذكر الله تعالى في عقوبة السَّارق والمحارب غيرَ إقامة الحدِّ عليهما. ولو كان الضَّمانُ لِما أتلفوه واجبًا لذَكَره مع الحدِّ، ولَما جعَلَ مجموعَ جزاء المحاربين ما ذكره من العقوبة بأداة "إنّما" التي هي عندكم للحصر، فقال: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣]. ومدلولُ هذا الكلام عند من يجعل أداة "إنّما" للحصر أنّه لا جزاء لهم (٣) غير ذلك.
قالوا: وقد روى النَّسائيُّ ﵀ في "سننه" (٤) من حديث
стр. 686
عبد الرَّحمن بن عوفٍ عن النَّبيِّ ﷺ أنّه قضى في السَّارق إذا أقيم عليه الحدُّ أنّه لا غُرْمَ عليه.
قالوا: وهذا هو المستقِرُّ في فِطَر النَّاس وعليه عملُهم: أنَّهم يقطعون السُّرَّاق، ولا يغرِّمونهم ما أتلفوه من أموال النّاس. وما رآه المؤمنون حسنًا فهو عند الله حسنٌ.
قالوا: ولأنّها لو ثبتت في ذمَّته بعد القطع لكان قد ملَكَها، إذ لا يجتمع لربِّها البدلُ والمبدَلُ؛ فثبوتُ بدلها في ذمّته يستلزم تقدير مِلْكِها، وهو شبهةٌ في إسقاط القطع.
وأصحابُ القول الأوّل يقولون: هذه العينُ تعلَّق بها حقَّان: حقٌّ لله، وحقٌّ لمالكها. وهما حقَّان متغايران لمستحقَّين متباينَين، فلا يُبطل أحدُهما الآخر، ويُستوفيان معًا لأنَّ القطعَ حقُّ الله، والضَّمانَ حقٌّ للمالك. ولهذا لا يسقط القطعُ بإسقاطه بعد الرَّفع إلى الإمام، ولو أسقط الضَّمانَ سقَطَ.
قالوا: وهذا كما إذا أكره أمةَ غيره على الزِّنى لزمه الحدُّ لحقِّ الله، والمهرُ لحقِّ السّيِّد. وكذلك إذا أكره الحرَّةَ على الزِّنى أيضًا. بل لو زنى بأمةٍ ثمَّ قتَلَها لزمه حدُّ الزِّنى وقيمتُها لمالكها. وهو نظيرُ ما إذا سرَقَها ثمَّ قتَلَها قُطعت يدُه لسرقتها وضمِنَها لمالكها.
قالوا: وكذلك إذا قتَلَ في الإحرام صيدًا مملوكًا لمالكه، فعليه الجزاءُ
стр. 687
لحقِّ الله، وقيمةُ الصَّيد لمالكه. وكذلك لو (١) غصَبَ خمرَ ذمِّيٍّ وشرِبَها لزمه الحدُّ حقًّا لله، ولزمه عندكم ضمانُها للذِّمِّيِّ (٢). ولم يلزمه ضمانٌ عند الجمهور، لأنّها ليست بمالٍ، فلا تُضْمَن بالإتلاف كالميتة.
قالوا: وأمّا قولكم: إنَّ قطعَ اليد مجموعُ الجزاء، إن أردتم أنَّه مجموعُ العقوبة فصحيحٌ، فإنّه لم يبق عليه عقوبةٌ ثانيةٌ. ولكنَّ الضَّمان ليس بعقوبةٍ للسَّرقة، ولهذا يجب في حقِّ غير الجاني، كمن أتلف مالَ غيره خطأً أو إكراهًا أو في حال نومه، أو أتلفه إتلافًا مأذونًا له فيه، كالمضطرِّ إلى أكله، أو المضطرِّ إلى إلقائه في البحر لثقل السَّفينة، ونحو ذلك. فليس الضَّمان من العقوبة في شيءٍ.
وأمّا قولكم: إنَّ الله تعالى لم يذكر في القرآن تضمينَ السَّارق والمحارب، فهو لم ينفه أيضًا، وإنَّما سكت عنه، فحكمُه مأخوذٌ من قواعد الشَّرع ونصوصه كقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]. وهذا قد اعتدى بالإتلاف، فيُعتدى عليه بالتَّضمين. ولهذا أوجبنا ردَّ العين إذا كانت قائمةً، ولم يُذْكَر في القرآن. وليس هذا من باب الزِّيادة على النَّصِّ، بل من باب إعمال النُّصوص كلِّها، لا نُعطِّلُ بعضَها ونُعمِلُ بعضَها. وكذلك الجواب عن قوله في المحارب: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ﴾ [المائدة: ٣٣]، أي عقوبتُهم.
стр. 688
قالوا: وأمَّا حديث عبد الرَّحمن بن عوفٍ، فمنقطعٌ (١) لا يثبت. يرويه سعدُ بن إبراهيم عن منصورٍ (٢)، وقد طعن في الحديث ابنُ المنذر، فقال: سعدُ بن إبراهيم مجهولٌ. وقال ابن عبد البرِّ: الحديثُ ليس بالقويِّ (٣).
وأمَّا استقرارُ ذلك في فِطَر النَّاس فمَن قال: إنّه مستقرٌّ في فِطَرهم أنَّ الغنيَّ الواجدَ إذا سرَق مالَ فقيرٍ محتاجٍ أو يتيمٍ وأتلَفَه، وقُطِعت يدُه: أنّه لا يضمَنُ مالَ هذا الفقير واليتيم، مع تمكُّنه من الضَّمان وقدرته عليه، وضرورة صاحبه وضَعفه؟ وهل المستقرُّ في فِطَر النّاس إلّا عكسُ هذا؟
وأمّا قولكم: لو ثبتت في ذمّته بعد القطع لكان قد ملَكَها، فضعيفٌ جدًّا، لأنّها بالإتلاف قد استقرَّت في ذمَّته، ولهذا له المطالبةُ ببدلها (٤) اتِّفاقًا. وهذا الاستقرارُ في ذمّته لا يمنع القطَع، فإنّه يُقطَع بعد إتلافها واستقرارها في ذمّته، فكيف يزيل القطعُ ما ثبَت في ذمَّته، ويكون مبرِّئًا له منه؟
وتوسَّطَ فقهاءُ المدينة مالكٌ وغيره بين القولين، وقالوا: إن كان له مالٌ ضمِنَها بعد القطع، وإن لم يكن له مالٌ فلا ضمانَ عليه (٥). وهذا استحسانٌ حسنٌ جدًّا، وما أقربه من محاسن الشَّرع، وأولاه بالقبول! والله أعلم.
стр. 689
فصل
وأمّا الإثم والعدوان ، فهما قرينان. قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
وكلٌّ منهما إذا أُفْرِدَ تضمَّن الآخرَ، فكلُّ إثمٍ عدوانٌ، إذ هو فعلُ ما نهى الله عنه، أو تركُ ما أمر الله به، فهو عدوانٌ على أمره ونهيه. وكلُّ عدوانٍ إثمٌ، فإنّه يأثم به (١) صاحبُه.
ولكن عند اقترانهما، فهما شيئان بحسب متعلَّقهما ووصفهما. فالإثم: ما كان محرَّمَ الجنس كالكذب والزِّنى وشرب الخمر ونحو ذلك. والعدوان ما كان محرَّم القدر والزِّيادة. فالعدوان: تعدِّي ما أبيح منه إلى القدر المحرَّم، كالاعتداء في أخذ الحقِّ ممّن هو عليه، إمَّا أن يعتديَ على ماله أو بدنه أو عرضه، فإذا غصَبه خشبةً لم يرضَ عوضَها إلَّا دارَه، وإذا أتلف عليه شيئًا أتلف عليه أضعافَه، وإذا قال فيه كلمةً قال فيه أضعافَها= فهذا كلُّه عدوانٌ وتعدٍّ للعدل.
وهذا نوعان: عدوانٌ في حقِّ الله، وعدوانٌ في حقِّ العبد. فالعدوانُ في حقِّ الله كما إذا تعدَّى ما أبيح له من الوطء الحلال في الأزواج والمملوكات إلى ما حُرِّم عليه من سواهما، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٥].
стр. 690
وكذلك تعدِّي ما أبيح له من زوجته وأمته إلى ما حُرِّم عليه منها كوطئها في حيضها أو نفاسها أو في إحرام أحدهما أو صيامه الواجب.
وكذلك كلُّ ما أبيح له منه قدرٌ معيّنٌ، فتعدَّاه إلى أكثر منه، فهو من العدوان، كمن أبيح له إساغةُ الغصَّة بجُرعةٍ من خمرٍ، فتناول الكأسَ كلَّها؛ أو أبيح له نظرةُ الخِطْبة والسَّوم والشَّهادة والمعاملة والمداواة، فأطلقَ عنانَ طرفه في ميادين محاسن المنظور، وأسامَ طرفَ ناظره في تلك الرِّياض والزُّهور، فتعدَّى المباحَ إلى القدر المحظور، وحام حولَ الحِمى المحوَّط المحجور، فصار ذا بصرٍ حائرٍ (١)، وقلبٍ عن مكانه طائرٍ. أرسل طرفَه رائدًا يأتيه بالخبر، فخامَر عليه (٢) وأقام، فبعث القلبَ في آثاره، فلم يشعر إلّا وهو أسيرٌ يحجُل في قيوده بين تلك الخيام؛ فما أقلعت لحظاتُ ناظره حتَّى تشحَّط بينهنَّ قتيلًا، وما برحت (٣) تَنُوشه سيوفُ تلك الجفون حتّى جدَّلَتْه تجديلًا.
هذا خطرُ العدوان، وما أمامَه أعظَمُ وأخطَرُ (٤). وهذا فوتُ الحرمان، وما حُرِمَه من ثواب مَن غضَّ طرفَه لله أجلُّ وأكبر. سافَرَ الطَّرفُ في مفاوز
стр. 691
محاسن المنظور إليه فلم يربَحْ إلَّا أذى السَّفَر، وغرَّر بنفسه في ركوب تلك البِيد (١) وما عرَفَ أنَّ راكبها على أعظم الخطَر! يا لها سفرةً لم يبلغ المسافر منها نواه (٢)، ولم يضَعْ فيها عن عاتقه عصاه، حتّى قُطِعَ عليه فيها الطَّريق، وقعد له الرَّصَدُ (٣) على كلِّ نَقْبٍ ومضيقٍ. لا يستطيع الرُّجوعَ إلى وطنه والإيابَ، ولا له سبيلٌ إلى المرور والذَّهاب. يرى هَجِيرَ الهاجرة (٤) من بعيدٍ فيظنُّه بردَ الشّراب، ﴿مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ﴾ [النور: ٣٩]، وتيقَّن أنّه كان مغرورًا بلامع السَّراب!
تالله ما استوت هذه الذِّلّةُ وتلك اللَّذّةُ في القيمة فيشتريَها بها العارفُ الخبير، ولا تقاربا في المنفعة، فيتخيَّرَ بينهما البصير؛ ولكن على العيون غشاوةٌ فلا تفرِّقُ بين مواطن السَّلامة ومواطن العثور، والقلوبُ تحت أغطية الغفلات راقدةٌ فوق فُرُش الغُرور، ﴿لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ [الحج: ٤٦].
ومن أمثلة العدوان: تجاوزُ ما أُبيحَ من الميتة للضَّرورة إلى ما لم يُبَحْ منها، إمَّا بأن يشبَعَ وإنَّما أُبيح له سدُّ الرَّمَق، على أحد القولين في مذهب أحمد والشّافعيِّ وأبي حنيفة (٥).
وأباح مالكٌ له الشِّبَعَ والتّزوُّدَ إذا احتاج إليه، فإذا استغنى عنها وأكَلَها
стр. 692
واقيًا لماله وبخلًا عن شِرَى المذكّى ونحوه، كان تناولُها عدوانًا (١).
قال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣]. قال قتادة والحسن: لا يأكلها من غير اضطرارٍ، ولا يعدو شِبَعَه. وقيل: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ غيرَ طالبها وهو يجد غيرَها ﴿وَلَا عَادٍ﴾ أي لا يتعدّى ما حُدَّ له منها فيأكلَ حتّى يشبَعَ، ولكن سدُّ الرَّمَق. وقال (٢) مقاتلٌ: غيرَ مستحلٍّ لها ولا متزوِّدٍ (٣) منها. وقيل: لا يبغي بتجاوز الحدِّ الذي حُدَّ له منها، ولا يتعدّى بتقصيره عن تناوله (٤) حتّى يهلك، فيكون قد تعدّى حدَّ الله بمجاوزته أو التَّقصير عنه، فهذا آثمٌ، وهذا آثمٌ. وقال مسروقٌ: من اضطُرَّ إلى الميتة والدَّم ولحم الخنزير فلم يأكل ولم يشرب حتّى مات دخل النّار (٥). وهذا أصحُّ القولين في الآية.
وقال ابنُ عبَّاسٍ وأصحابُه والشَّافعيُّ: غيرَ باغٍ على السُّلطان ولا عادٍ في سفره، فلا يكون سفرَ معصيةٍ. وبنوا على ذلك أنَّ العاصيَ بسفره لا يترخَّص (٦).
стр. 693
والقولُ الأَوّلُ أصحُّ لعشرة أوجهٍ ليس هذا موضعَ ذكرها، إذ الآيةُ لا تعرُّضَ فيها للسَّفَر بنفيٍ ولا إثباتٍ، ولا للخروج على الإمام، ولا هي مختصّةٌ بذلك، ولا سيقت له. وهي عامَّةٌ في حقِّ المقيم والمسافر، والبغيُ والعدوانُ فيها يرجعان إلى الأكل المقصود بيانُه، لا إلى أمرٍ خارجٍ عنه لا تعلُّقَ له بالأكل؛ ولأنّ (١) نظير هذا قوله في الآية الأخرى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ [المائدة: ٣]، فهذا هو الباغي العادي. والمتجانفُ للإثم: المائلُ إلى القدر الحرام من أكلها. وهذا هو الشَّرط الذي لا تباح (٢) له بدونه؛ ولأنَّها إنّما أبيحت للضَّرورة، فتقدَّرت الإباحةُ بقدرها، وأعلَمَهم أنَّ الزِّيادةَ عليها بغيٌ وعدوانٌ وإثمٌ، فلا تكون الإباحةُ للضَّرورة سببًا لحلِّه. والله أعلم.
والإثمُ والعدوانُ هما الإثمُ والبغيُ المذكوران في سورة الأعراف (٣)، مع أنّ البغيَ غالبُ استعماله في حقوق العباد والاستطالة عليهم. وعلى هذا فإذا قُرن (٤) بالعدوان كان البغيُ ظلمَهم بمحرَّم الجنس كالسَّرقة والكذب والبهت والابتداء بالأذى، والعدوانُ تعدِّيَ الحقِّ في استيفائه إلى أكثر (٥) منه،
стр. 694
فيكون البغيُ والعدوانُ في حقِّهم كالإثم والعدوان (١) في حدود الله.
فهاهنا أربعة أمورٍ: حقٌّ لله وله حدٌّ. وحقٌّ لعباده وله حدٌّ. فالبغيُ والعدوانُ والظُّلم: تجاوزُ الحدَّين إلى ما وراءهما، أو التَّقصيرُ عنهما، فلا يصل إليهما.
فصل
وأمّا الفحشاء والمنكر ، فالفحشاء: صفةٌ لموصوفٍ قد حُذِف تجريدًا لقصد الصِّفة، وهي الفَعْلَة الفحشاء والخَصْلة الفحشاء. وهي ما ظهر قبحُها لكلِّ أحدٍ واستفحَشَه كلُّ ذي عقلٍ سليمٍ. ولهذا فُسِّر بالزِّنى واللِّواط، وسمَّاه الله فاحشةً لتناهي قبحه. وكذلك القبيحُ من القول يسمّى فحشًا، وهو ما ظهر قبحُه جدًّا من السَّبِّ القبيح والقذف ونحوه.
وأمّا المنكر، فصفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ أيضًا، أي الفعل المنكر، وهو الذي تنكره العقول والفِطَر. ونسبتُه إليها كنسبة الرَّائحة القبيحة إلى حاسَّة الشَّمِّ، والمنظرِ القبيحِ إلى العين، والطَّعمِ المستكرهِ إلى الذَّوق، والصَّوتِ المنكرِ إلى الأذن.
فما اشتدَّ إنكارُ العقول والفِطَر له فهو فاحشةٌ، كما فحشَ (٢) إنكارُ الحواسِّ له من هذه المدركات. فالمنكَر لها: ما لم تعرفه ولم تألفه. والقبيحُ المستكَره لها الذي تشتدُّ نفرتُها عنه هو الفاحشة.
стр. 695
ولذلك قال ابنُ عبّاسٍ ﵄: الفاحشة: الزِّنى. والمنكَر: ما لم يُعرَف في شريعةٍ ولا سنّةٍ (١). فتأمَّلْ تفريقَه بين ما لم يُعرَف حسنُه ولم يؤلَف، وبين ما استقرَّ قبحُه في الفِطَر والعقول.
فصل
وأمّا القول على الله بلا علمٍ ، فهو أشدُّ هذه المحرّمات تحريمًا، وأعظمها إثمًا. ولهذا ذُكر في المرتبة الرَّابعة من مراتب المحرَّمات التي اتّفقت عليها الشَّرائعُ والأديانُ، ولا تباح بحالٍ، بل لا تكون إلّا محرَّمةً، وليست كالميتة والدَّم ولحم الخنزير، الذي يباح في حالٍ دون حالٍ.
فإنَّ المحرَّمات نوعان: محرَّمٌ لذاته لا يباح بحالٍ، ومحرَّمٌ تحريمُه عارضٌ في وقتٍ دون وقتٍ. قال تعالى في المحرَّم لذاته: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٣٣]. ثمّ انتقل منه إلى ما هو أعظم منه، فقال: ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾، ثمَّ انتقل منه إلى ما هو أعظم منه، فقال: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢). فهذا أعظمُ المحرَّمات عند الله وأشدُّها إثمًا، فإنَّه يتضمَّن الكذبَ على الله، ونسبتَه إلى ما لا يليق به، وتغييرَ دينه وتبديلَه، ونفيَ ما أثبته وإثباتَ ما نفاه، وتحقيقَ ما أبطله وإبطالَ ما أحقَّه، وعداوةَ من والاه وموالاةَ من عاداه، وحبَّ ما أبغضه وبغضَ ما أحبّه، ووصفَه بما لا يليق به في ذاته وصفاته وأقواله وأفعاله. فليس في أجناس المحرَّمات أعظَمُ عند الله منه ولا أشدُّ إثمًا، وهو
стр. 696
أصلُ الشِّرك والكفر، وعليه أُسِّست البدعُ والضَّلالاتُ، فكلُّ بدعةٍ مُضلَّةٍ في الدِّين أساسُها القولُ على الله تعالى بلا علمٍ.
ولهذا اشتدَّ نكيرُ السَّلف والأئمّة لها، وصاحوا بأهلها من أقطار الأرض، وحذَّروا فتنتَهم أشدَّ التَّحذير، وبالغوا في ذلك ما لم يبالغوا مثلَه في إنكار الفواحش والظُّلم والعدوان؛ إذ مضرَّةُ البدع وهدمُها للدِّين ومنافاتُها له أشدُّ.
وقد أنكر تعالى على من نسب إلى دينه تحليلَ شيءٍ أو تحريمَه من عنده، بلا برهانٍ من الله، فقال: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل: ١١٦ - ١١٧]. فكيف بمن نسب إلى أوصافه ما لم يصِفْ به نفسَه، أو نفى عنه منها ما وصَف به نفسَه؟
قال بعض السَّلَف (١): ليحذر أحدكم أن يقول: أحلَّ الله كذا أو حرَّم الله كذا، فيقول الله له: كذبتَ، لم أُحِلَّ هذا، ولم أُحرِّم هذا. يعني التَّحليل والتَّحريم بالرَّأي المجرَّد، بلا برهانٍ من الله ورسوله.
وأصلُ الشِّرك والكفر هو القول على الله بلا علمٍ، فإنَّ المشركَ يزعم أنَّ من اتَّخذه معبودًا من دون الله يُقرِّبه إلى الله، ويشفَع له عنده، ويقضي حاجته بواسطة (٢)، كما تكون الوسائطُ عند الملوك. فكلُّ مشركٍ قائلٌ على الله بلا علمٍ، دون العكس، إذ القولُ على الله بلا علمٍ قد يتضمَّن التَّعطيلَ والابتداعَ
стр. 697
في دين الله، فهو أعمُّ من الشِّرك، والشِّركُ فردٌ من أفراده.
ولهذا كان الكذبُ على رسول الله ﷺ موجبًا لدخول النَّار واتِّخاذ منزلةٍ منها مبوَّأَه ــ وهو المنزلُ اللَّازم الذي لا يفارقه صاحبُه ــ لأنّه متضمِّنٌ للقول على الله بلا علمٍ، بل صريحُ الكذب عليه؛ لأنَّ ما يضاف إلى الرَّسول فهو مضافٌ إلى المرسِل، والقولُ على الله بلا علمٍ صريحُ افتراءِ الكذبِ عليه. ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: ٢١].
فذنوبُ أهل البدع كلُّها داخلةٌ تحت هذا الجنس، فلا تتحقَّق التَّوبةُ منه إلّا بالتَّوبة من البدع. وأنّى بالتَّوبة منها لمن لم يعلم أنّها بدعةٌ، أو يظنُّها سنّةً فهو يدعو إليها ويحضُّ عليها؟ فلا ينكشف لهذا ذنوبُه التي تجبُ عليه التَّوبةُ منها إلّا بتضلُّعه من السُّنَّة، وكثرةِ الاطِّلاعِ عليها، ودوامِ البحث عنها والتَّفتيشِ عليها، ولا ترى صاحبَ بدعةٍ كذلك أبدًا.
فإنَّ السُّنّةَ بالذَّات تمحقُ البدعة، ولا تقوم لها (١). فإذا طلعت شمسُها في قلب العبد قطَعت من قلبه ضَبابَ كلِّ بدعةٍ، وأزالت ظلمةَ كلِّ ضلالةٍ، إذ لا سلطانَ للظُّلمة مع سلطان الشَّمس. ولا يُري العبدَ الفرقَ بين السُّنَّة والبدعة ويعينُه على الخروج من ظُلَمِها إلى نور السُّنّة إلّا تجريدُ المتابعة، والهجرةُ بقلبه كلَّ وقتٍ إلى الله بالاستعانةِ والإخلاصِ وصدقِ اللَّجإ، وإلى رسوله بالحرص على الوصول إلى أقواله وأعماله وهديه وسنَّته. "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرتُه إلى الله ورسوله" (٢)، ومن هاجر إلى
стр. 698
غير ذلك فهو حظُّه ونصيبه في الدُّنيا والآخرة. وبالله المستعان.
فصل
ومن أحكام التَّوبة: أنَّ من تعذَّر عليه أداءُ الحقِّ الذي فرَّط فيه ولم يمكنه تداركُه، ثمَّ تاب، فكيف حكمُ توبته؟
وهذا يتصوَّر في حقِّ الله وحقوق عباده.
فأمَّا في حقِّ الله، فكمن ترك الصَّلاة عمدًا من غير عذرٍ مع علمه بوجوبها وفرضها، ثمَّ تاب وندم. فاختلف السَّلفُ في هذه المسألة (١).
فقالت طائفةٌ: توبتُه بالنَّدَم والاشتغال بأداء الفرائض المستأنفة وقضاء الفرائض المتروكة. وهذا قول الأئمّة الأربعة وغيرهم.
وقالت طائفةٌ: توبةُ هذا (٢) باستئناف العمل في المستقبل ولا ينفعه تداركُ ما مضى بالقضاء ولا يُقبَل منه، فلا يجب عليه. وهذا قول أهل الظَّاهر، وهو مرويٌّ عن جماعةٍ من السَّلَف.
وحجّةُ المُوجِبين: قولُ النَّبيِّ ﷺ : "من نام عن صلاةٍ أو نسيها فليصلِّها إذا ذكرها" (٣).
стр. 699
قالوا: فإذا وجب القضاء على النَّائم والنَّاسي مع عدم تفريطهما فوجوبُه على العامد المفرِّط أولى.
قالوا: ولأنّه كان يجب عليه أمران: الصَّلاةُ وإيقاعُها في وقتها، فإذا ترك أحدَ الأمرين بقيَ الآخر.
قالوا: ولأنَّ القضاءَ إن قلنا يجب بالأمر الأوّل فظاهرٌ، وإن قلنا يجب بأمرٍ جديدٍ فأمرُ النَّائم والنَّاسي به تنبيهٌ على العامد، كما تقدَّم.
قالوا: ولأنَّ مصلحةَ الفعل إن لم يمكن تداركُها تدارَكَ العبدُ منها ما أمكن. وقد فاتت مصلحةُ الفعل في الوقت فيتداركُ ما أمكن منها، وهو الفعلُ خارجَ الوقت.
قالوا: وقد قال النَّبيُّ ﷺ : "إذا أمرتُكم بأمرٍ فَأْتُوا منه ما استطعتم" (١). وهذا قد استطاع الإتيانَ بالمأمور خارجَ الوقت، وقد تعذَّر عليه الإتيانُ به في وقته، فيجبُ عليه الإتيانُ بالمستطاع.
قالوا: وكيف يُظَنُّ بالشَّرع أنَّه يخفِّف عن هذا المتعمِّد المفرِّط العاصي لله ورسوله بترك الوجوب، ويُوجبه على المعذور بالنَّوم والنِّسيان؟
قالوا: ولأنَّ الصَّلاةَ خارجَ الوقت بدلٌ عن الصَّلاة في الوقت، والعبادةُ إذا كان لها بدلٌ وتعذَّر المبدَلُ انتقل المكلَّفُ إلى بدله، كالتَّيمُّمِ مع الوضوء، وصلاةِ القاعد عند تعذُّر القيام والمضطجعِ عند تعذُّر القعود، وإطعامِ العاجز عن الصِّيام لكبرٍ أو مرضٍ غير مرجوِّ [الزَّوالِ] (٢) عن كلِّ يومٍ مسكينًا.
стр. 700
ونظائرُ ذلك كثيرةٌ في الشَّرع.
قالوا: ولأنَّ الصَّلاةَ حقٌّ موقَّتٌ، فتأخيرُه عن وقته لا يسقط إلّا بمبادرته خارجَ الوقت كديونِ الآدميِّين المؤجَّلة.
قالوا: ولأنَّ غايَته أنّه أثِمَ بالتّأخير، وهذا لا يُسقط القضاءَ عنه، كمن أخَّر الزَّكاة عن وقت وجوبها تأخيرًا أثِمَ به، أو أخَّر الحجَّ تأخيرًا أثِمَ به.
قالوا: ولو ترك الجمعةَ حتّى صلّاها الإمامُ عمدًا عصى بتأخيرها ولزِمَه أن يصلِّي الظُّهر، ونسبةُ الظُّهر إلى الجمعة كنسبة صلاة الصُّبح بعد طلوع الشَّمس إلى صلاتها قبل الطُّلوع.
قالوا: وقد أخَّر النَّبيُّ ﷺ صلاةَ العصر يوم الأحزاب إلى أن صلَّاها بعد غروب الشَّمس (١)، فدلَّ على أنَّ فِعْلَها ممكنٌ خارجَ الوقت في العمد، سواءٌ كان معذورًا به كهذا التَّأخير وكتأخير من أخَّرها من الصَّحابة يومَ بني قريظة إلى بعد غروب الشّمس، أو لم يكن معذورًا به كتأخير المفرِّط؛ فتأخيرُهما إنّما يختلف في الإثم وعدمه، لا (٢) وجوبِ التَّدارُك بعد التَّرك.
قالوا: ولو كانت الصَّلاةُ خارجَ الوقت لا تصحُّ ولا تجب لَمَا أمرَ النَّبيُّ ﷺ يوم بني قريظة بتأخير صلاة العصر إلى أن يصلُّوها فيهم، فأخَّرها بعضُهم حتّى صلَّاها فيهم باللَّيل، فلم يعنِّفهم ولم يعنِّف من صلَّاها في الطَّريق، لأجل اجتهاد الفريقين (٣).
стр. 701
قالوا: ولأنَّ كلَّ تائبٍ له طريقٌ إلى التَّوبة، فكيف يُسَدُّ على هذا طريقُ التَّوبة ويُجعَل إثمُ التَّضييع لازمًا له وطائرًا في عنقه؟ فهذا لا يليق بقواعد الشَّرع وحكمته ورحمته ومراعاته لمصالح العباد في المعاش والمعاد.
فهذا أقصى ما يحتجُّ به لصحة هذه المقالة.
قال أصحابُ القول الآخر: العبادةُ إذا أُمر بها على صفةٍ معيَّنةٍ أو في وقتٍ بعينه لم يكن المأمورُ ممتثلًا للأمر إلَّا إذا أوقَعَها على الوجه المأمور به من وصفها وشرطها ووقتها. فإيقاعُها في وقتها المحدود لها شرعًا شرطٌ في صحة التعبُّد بها والامتثال، فانتفاءُ وقتها كانتفاء وصفها وشرطها، فلا يتناولها الأمرُ بدونه.
قالوا: وإخراجُها عن وقتها كإخراجها عن استقبال القبلة مثلًا، وكالسُّجود على الخدِّ بدل الجبهة، والبروكِ على الرُّكبة بدل الرُّكوع ونحوه.
قالوا: والعباداتُ التي جُعِل لها ظروفٌ من الزَّمان لا تصحُّ إلّا فيه (١) كالعبادات التي جعل لها ظروفٌ من المكان، فلو أراد نقلَها إلى أمكنةٍ أخرى غيرها لم تصحَّ إلّا في أمكنتها، ولا يقوم مكانٌ مقامَ مكانٍ، كأمكنة المناسك من عرفة ومزدلفة والجِمار والسَّعي بين الصَّفا والمروة والطَّواف بالبيت. فنقلُ العبادة إلى أزمنةٍ غير أزمنتها التي جُعِلَتْ أوقاتًا لها شرعًا إلى غيرها كنقلها عن أمكنتها التي جُعِلت لها شرعًا إلى غيرها، لا فرقَ بينهما في الاعتداد وعدمه كما لا فرق بينهما (٢) في الإثم.
стр. 702
قالوا: فنقلُ الصَّلاة المحدودة الوقت أوّلًا وآخرًا عن زمنها إلى زمنٍ آخر كنقل الوقوف بعرفة عن زمنه إلى زمنٍ آخرَ، ونقل أشهر الحجِّ عن زمنها إلى زمنٍ آخَر.
قالوا: فأيُّ فرقٍ بين مَن نقَلَ صوم رمضان إلى شوَّالٍ أو صلَّى العصر نصفَ اللَّيل وبين من حَجَّ في المحرَّم ووقف فيه؟ فكيف تصحُّ صلاةُ هذا وصيامُه دون حجِّ هذا، وكلاهما مخالفٌ لأمر الله عاصٍ آثمٌ؟
قالوا: فحقوق الله تعالى الموقَّتة لا يقبلها في غير أوقاتها، فكما لا يَقْبل (١) قبل دخول أوقاتها (٢) لا يَقْبل بعد خروج أوقاتها. فلو قال: أنا أصوم شوَّالَ عن رمضان كان (٣) كما لو قال: أنا أصومُ شعبانَ الذي قبله عنه.
قالوا: فالحقُّ اللَّيليُّ لا يُقبل بالنَّهار، والنَّهاريُّ لا يُقبَل باللَّيل، ولهذا جاء في وصيّة الصِّدِّيق ﵁ لعمر ﵁ التي تلقَّاها بالقبول هو وسائر الصَّحابة ﵃: واعلم أنَّ لله حقًّا باللَّيل لا يقبله بالنَّهار، وله حقٌّ بالنَّهار لا يقبله باللَّيل (٤).
стр. 703
قالوا: ولأنّها إذا فات وقتها المحدود لها شرعًا لم تبق تلك العبادةُ بعينها، ولكن شيءٌ آخر غيرها، فإذا فُعِلَت العصرُ بعد غروب الشَّمس لم تكن عصرًا، فإنَّ العصرَ صلاةُ هذا الوقت المحدود، وهذه ليست عصرًا فلم يفعل مصلِّيها العصرَ البتّة، وإنّما أتى بأربع ركعاتٍ صورتُها صورةُ صلاة العصر، لا أنّها هي.
قالوا: وقد ثبت عن النَّبيِّ ﷺ أنّه قال: "من ترك صلاةَ العصر حبِطَ عملُه" (١). وفي لفظٍ: "الَّذي تفوته صلاةُ العصر فكأنّما وُتِرَ أهلَه ومالَه" (٢). فلو كان له سبيلٌ إلى التَّدارك وفعلها صحيحةً لم يحبَط عملُه ولم يوتَر أهلَه ومالَه مع صحَّتها منه وقبولها، لأنَّ معصيةَ التّأخير عندكم لا تُحقِّق التَّركَ والفواتَ، لاستدراكه بالفعل في الوقت الثَّاني.
قالوا: وهذه الصَّلاةُ مردودةٌ بنصِّ الشَّارع، فلا يسوغ أن يقال بقبولها وصحَّتها، مع تصريحه بردِّها وإلغائها كما ثبت في "الصَّحيح" (٣) عنه ﷺ من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "من عمل عملًا ليس عليه أمرُنا فهو ردٌّ". وفي لفظٍ: "كلُّ عملٍ ليس عليه أمرُنا فهو ردٌّ" (٤). وهذا عملٌ
стр. 704
على خلاف أمره، فيكون ردًّا. والرَّدُّ بمعنى المردود، كالخلق بمعنى المخلوق، والضَّرب بمعنى المضروب. وإذا ثبت أنَّ هذه الصَّلاةَ مردودةٌ فليست بصحيحةٍ ولا مقبولةٍ.
قالوا: ولأنَّ الوقتَ شرطٌ في سقوط الإثم وامتثال الأمر، فكان شرطًا في براءة الذِّمّة والصِّحَّة، كسائر شروطها من الطَّهارة والاستقبال وستر العورة. فالأمرُ تناوَلَ الشُّروطَ تناولًا واحدًا، فكيف ساغ التَّفريقُ بينها مع استوائها في الوجوب والأمر والشَّرطيّة؟
قالوا: وليس مع المصحِّحين لها بعد الوقت لا نصٌّ ولا إجماعٌ ولا قياسٌ صحيحٌ، وسنُبطل جميعَ أقيستهم التي قاسوا عليها ونُبيِّن فسادها.
قالوا: وفي "مسند الإمام أحمد" (١) وغيره من حديث أبي هريرة ﵁ عن النّبيِّ ﷺ أنّه قال: "من أفطر يومًا من رمضان بغير عذرٍ (٢) لم يقضه عنه صيامُ الدَّهر"، فكيف يقال: يقضيه عنه يومٌ مثلُه؟
قالوا: ولأنَّ صحَّةَ العبادة إن فُسِّرت بموافقة الأمر، فلا ريب أنَّ هذه العبادةَ غيرُ موافقةٍ له، فلا تكون صحيحةً. وإن فُسِّرت بسقوط القضاء فإنَّما يُسْقِطُ القضاءَ ما وقع على الوجه المأمور به، وهذا لم يقع كذلك، ولا سبيل
стр. 705
إلى وقوعه على الوجه المأمور به، فلا سبيل إلى صحَّته. وإن فُسِّرت (١) بما أبرأ الذِّمّةَ، فهذه لم تُبرئ الذِّمَّةَ من الإثم قطعًا، ولم يثبُت بدليلٍ يجب المصيرُ إليه إبراؤها للذِّمَّة من توجُّهِ المطالبة بالمأمور.
قالوا: ولأنَّ الصَّحيحَ من العبادات ما اعتبره الشَّارعُ ورضِيه وقبِله، وهذا لا يُعلَم إلّا بإخباره عن صحَّتها أو بموافقتها أمرَه، وكلاهما منتفٍ عن هذه العبادة، فكيف يُحكَم لها بالصِّحَّة؟
قالوا: فالصِّحَّةُ والفسادُ حكمان شرعيَّان مرجعُهما إلى الشَّارع.
فالصَّحيحُ: ما شهد له بالصِّحّةَ أو عُلِمَ أنَّه وافق أمرَه، أو كان مماثلًا لما شهد له بالصِّحَّة فيكون حكمُ المثل حكمَ مثلِه. وهذه العبادة قد انتفى عنها كلُّ واحدٍ من هذه الأمور. ومِن أفسَدِ الاعتبار اعتبارُها بالتَّأخير المعذور به أو المأذون فيه، وهو اعتبارُ الشَّيء بضدِّه، وقياسُه على مخالفه في الحقيقة والشَّرع، وهو من أفسَد القياس كما سيأتي (٢).
قالوا: وأمَّا استدلالُكم بقول النَّبيِّ ﷺ : "من نام عن صلاةٍ أو نسيها فَلْيصلِّها إذا ذكرها" (٣)، فأوجب القضاءَ على المعذور، فالمفرِّطُ أولى= فهذه الحجّةُ إلى أن تكون عليكم أقرَبُ منها أن تكون لكم! فإنَّ صاحبَ الشَّرع شرَطَ في فعلها بعد الوقت أن يكون التَّركُ عن نومٍ أو نسيانٍ، والمعلَّقُ