← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 199

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 526 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

قد قام به ممّا يحبُّه الله ما اقتضى أن يغفِرَ له ويُسامِحَه ما لا يسامِحُ به المشركَ. وكلَّما كان توحيدُ العبد أعظمَ كانت مغفرةُ الله له أتمَّ. فمن لقيه لا يشرك به شيئًا البَتَّةَ غفرَ له ذنوبَه كلَّها، كائنةً ما كانت، ولم يُعذِّب بها. ولسنا نقول: إنّه لا يدخل النَّارَ أحدٌ من أهل التَّوحيد، بل كثيرٌ منهم يدخل بذنوبه، ويعذَّب على مقدار جُرمه، ثمَّ يخرج منها؛ ولا تنافي بين الأمرين لمن أحاط علمًا بما قدَّمناه. ونزيده هاهنا إيضاحًا لعِظَم هذا المقام من شدَّة الحاجة (١) إليه: اعلم أنَّ أشعَّةَ لا إله إلّا الله تُقطِّع من ضَبابِ الذُّنوب وغَيمها بقدر قوَّة ذلك الشُّعاع وضَعْفِه، فلها نورٌ، وتفاوتُ أهلها في ذلك النُّور قوّةً وضعفًا لا يحصيه إلّا الله تعالى. فمن النّاس مَن نورُ هذه الكلمة في قلبه كالشَّمس. ومنهم مَن نورُها في قلبه كالكوكب الدُّرِّيِّ. ومنهم مَن نورُها في قلبه كالمِشْعَل العظيم، وآخَرُ كالسِّراج المضيء، وآخَر كالسِّراج الضَّعيف. ولهذا تظهر الأنوارُ (٢) يوم القيامة بأيمانهم وبين أيديهم على (٣) هذا المقدار، بحسب ما هو في قلوبهم من نور هذه الكلمة علمًا وعملًا ومعرفةً وحالًا. وكلَّما عظُمَ نورُ الكلمة واشتدَّ أحرَقَ من الشُّبهات والشَّهوات بحسب قوَّته وشدَّته، حتّى إنَّه ربَّما وصل إلى حالٍ لا يصادف شبهةً ولا شهوةً ولا ذنبًا إلَّا أحرَقَه (٤).

стр. 632

وهذه حالُ الصَّادق في توحيده، الذي لم يُشرك بالله شيئًا. فأيُّ ذنبٍ أو شهوةٍ أو شبهةٍ دنت من هذا النُّور أحرَقَها. فسماءُ إيمانه قد حُرِسَتْ بالنُّجوم من كلِّ سارقٍ لحسناته، فلا ينال منه السَّارقُ إلّا على غِرَّةٍ وغفلةٍ لا بدَّ منها للبشر. فإذا استيقظ وعَلِمَ ما سُرِقَ منه استنقذه من سارقه، أو حصَّل أضعافَه بكسبه. فهو هكذا أبدًا مع لصوص الجنِّ والإنس، ليس كمن فَتَح لهم خِزانتَه (١)، وولّى البابَ ظهرَه. وليس التَّوحيدُ مجرَّدَ إقرارِ العبد بأنَّه لا خالقَ إلّا الله وأنَّ الله ربُّ كلِّ شيءٍ ومليكُه، كما كان عبَّادُ الأصنام مقرِّين بذلك وهم مشركون. بل التَّوحيدُ يتضمَّن من محبّةِ الله، والخضوعِ له، والذُّلِّ له، وكمالِ الانقياد لطاعته، وإخلاصِ العبادة له، وإرادةِ وجهه الأعلى بجميع (٢) الأقوال والأعمال، والمنع والعطاء، والحبِّ والبغض= ما يحول بين صاحبه وبين الأسباب الدَّاعية إلى المعاصي والإصرار عليها. ومَن عرَف هذا عرَف قولَ النّبيِّ ﷺ : "إنَّ الله حرَّم على النّار مَن قال: لا إله إلّا الله، يبتغي بذلك وجه الله" (٣)، وقوله: "لا يدخُل النّارَ مَن قال: لا إله إلّا الله" (٤)، وما جاء من هذا الضّرب من الأحاديث التي أشكلت على كثيرٍ من النّاس، حتّى ظنَّها بعضُهم منسوخةً، وظنَّها بعضُهم قبلَ ورود الأوامر والنَّواهي واستقرار الشَّرع. وحمَلهَا بعضُهم على نار المشركين والكفّار،

стр. 633

وأوَّلَ بعضُهم الدُّخولَ بالخلود وقال: المعنى لا يدخلها خالدًا. ونحو (١) ذلك من التّأويلات المستكرَهة. والشّارعُ ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ لم يجعل ذلك حاصلًا بمجرَّد قولِ اللِّسان فقط، فإنَّ هذا خلافُ المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام، فإنَّ المنافقين يقولونها بألسنتهم، وهم تحت الجاحدين لها في الدَّرك الأسفل من النّار. فلا بدَّ من قول القلب، وقول اللِّسان. وقولُ القلب يتضمَّن من معرفتِها، والتَّصديقِ بها، ومعرفةِ حقيقة ما تضمَّنته من النَّفي والإثبات، ومعرفةِ حقيقة الإلهيَّة المنفيَّة عن غير الله، المختصَّة به، التي يستحيل ثبوتُها لغيره، وقيامِ هذا المعنى بالقلب علمًا ومعرفةً ويقينًا وحالًا= ما يُوجِبُ تحريمَ قائلها على النّار. وكلُّ قولٍ رتَّب الشَّارعُ عليه (٢) ما رتَّب من الثَّواب، فإنّما هو القولُ التَّامُّ، كقوله ﷺ : "من قال في يومٍ: سبحان الله وبحمده مائة مرّةٍ، حُطَّت عنه خطاياه ــ أو: غُفِرَتْ له ذنوبُه ــ ولو كانت مثلَ زبدِ البحر" (٣). وليس هذا مرتَّبًا على مجرَّد القول اللِّساني. نعم، من قالها بلسانه غافلًا عن معناها، مُعرضًا عن تدبُّرها، ولم يواطئ قلبُه لسانَه، ولا عرَفَ قدرها وحقيقتها، راجيًا مع ذلك ثوابَها= حُطَّت من خطاياه بحسب ما في قلبه؛ فإنَّ الأعمالَ لا تتفاضَلُ بصورها وعددها، وإنَّما

стр. 634

تتفاضَلُ بتفاضُلِ ما في القلوب. فتكون صورةُ العمَلَين واحدةً، وبينهما في التّفاضل كما بين السَّماء والأرض. والرَّجلان يكون مقامُهما في الصَّفِّ واحدًا، وبين صلاتيهما كما بين السَّماء والأرض. وتأمَّلْ حديثَ البطاقة (١) التي تُوضَع في كِفَّةٍ، ويقابلها تسعةٌ وتسعون سجلًّا، كلُّ سجلٍّ منها مدَّ البصر، فتثقُل البطاقةُ، وتطيش السِّجلّات، فلا يعذَّب. ومعلومٌ أنَّ كلَّ موحِّدٍ فله مثلُ هذه البطاقة، وكثيرٌ منهم يدخل النَّارَ بذنوبه، ولكنَّ السِّرَّ الذي ثقَّل بطاقةَ ذلك الرَّجل وطاشت لأجله السِّجلَّاتُ، لمَّا لم يحصُل لغيره من أرباب البطاقات انفردت بطاقتُه بالثِّقل والرَّزانة. وإذا أردتَ زيادة إيضاحٍ لهذا، فانظُر إلى ذكر مَن قلبُه ملآنُ بمحبّتك، وذكرِ مَن هو معرضٌ عنك، غافلٌ ساهٍ، مشغولٌ بغيرك، قد انجذبت دواعي قلبه إلى محبَّة غيرك وإيثاره عليك، هل يكون ذكرهما لك واحدًا؟ أم هل يكون ولداك اللَّذان هما بهذه المثابة، أو عبداك، أو زوجتاك= عندك سواءً؟ وتأمَّلْ ما قام بقلب قاتلِ المائة من حقائق الإيمان التي لم تشغله عند السِّياق عن السَّير إلى القرية، وحَمَلتْه ــ وهو في تلك الحال ــ على أن

стр. 635

جعَل (١) ينوء بصدره وهو يعالج سكَراتِ الموت (٢) = فهذا أمرٌ آخر، وإيمانٌ آخر. ولا جرَمَ أُلْحِقَ بالقرية الصَّالحة، وجُعِلَ من أهلها. وقريبٌ من هذا ما قام بقلب البغيِّ التي رأت ذلك الكلبَ، وقد اشتدَّ به العطَشُ (٣) يأكل الثَّرى، فقام بقلبها ذلك الوقتَ ــ مع عدم الآلة، وعدم المُعين وعدم مَن تُرائيه بفعلها ــ ما حملها على أن غرَّرت بنفسها في نزول البئر ومَلْءِ الماء في خفِّها ــ ولم تعبأ بتعرُّضه للتَّلَف ــ وحملِها له بفيها وهو ملآنُ، حتّى أمكنها الرُّقيُّ في البئر، ثمَّ تواضُعِها لهذا المخلوق الذي جرت عادة النّاس بضربه وطرده، فأمسكت له الخفَّ بيدها حتّى شربَ، من غير أن ترجو منه جزاءً ولا شكورًا (٤). فأحرقت أنوارُ هذا القدر من التّوحيد (٥) ما تقدَّم منها من البغاء، فغُفِر لها.

стр. 636

فهكذا حالُ الأعمالِ والعُمَّال عند الله. والعاملُ (١) في غفلةٍ من هذا الإكسير الكيمياويِّ (٢)، الذي إذا وُضِع منه مثقالٌ (٣) على قناطيرَ من نحاس الأعمال قَلبَها ذهبًا. والله المستعان. فصل فإن قيل: فقد ذكرتم أنَّ المحبَّ يسامَحُ بما لا يسامَحُ به غيرُه، ويعفى للوليِّ عمَّا لا يعفى لسواه. وكذلك العالِمُ أيضًا يُغفَر له ما لا يُغفَر للجاهل، كما روى الطَّبرانيُّ (٤) بإسنادٍ جيِّدٍ مرفوعًا إلى النبيِّ ﷺ : "إنّ الله إذا جمَع

стр. 637

النّاسَ يوم القيامة في صعيدٍ واحدٍ قال للعلماء: إنِّي كنت أُعبَدُ بفتواكم، وقد علمتُ أنّكم كنتم تخلِطون ما يخلِط النَّاسُ، وإنِّي لم أضَعْ علمي فيكم وأنا أريد أن أعذِّبكم. اذهبوا، فقد غفرتُ لكم". هذا معنى الحديث، وقد روي مسندًا ومرسلًا. فهذا الذي ذكرتم صحيحٌ، وهو مقتضى الحكمة والجود والإحسان، ولكن ما تصنعون بالعقوبة المضاعفة التي ورد التَّهديدُ بها في حقِّ أولئك إن وقع منهم ما يُكرَه، كقوله: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَعَّفُ (١) لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠]، وقوله تعالى: ﴿(٧٣) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا﴾ [الإسراء: ٧٤ - ٧٥]، أي لولا تثبيتُنا لك لقد كدتَ تركَنُ إليهم بعضَ الشَّيء، ولو فعلتَ (٢) لأذقناك ضِعْفَ عذاب الحياة وضِعْفَ عذاب الممات، أي أضعفنا لك العذابَ في الدُّنيا والآخرة؟ وقال تعالى: ﴿(٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٦]. أي لو أتى بشيءٍ من عند نفسه لأخذنا بيمينه، وقطعنا نياطَ قلبه وأهلكناه. وقد أعاذه الله من هذا (٣) الرُّكون إلى أعدائه بذرَّةٍ من قلبه، ومن التَّقوُّل عليه سبحانه. وكم من راكنٍ إلى أعدائه ومتقوِّلٍ عليه من

стр. 638

قِبل نفسه قد أقرَّه ولم يعبأ به كأرباب البدع كلِّهم المتقوِّلين على أسمائه وصفاته ودينه. وما ذكرتم في قصّة يونس ﵇ هو من هذا الباب، فإنّه لم يسامَح بغَضْبةٍ، وسُجِن لأجلها في بطن الحوت. ويكفي حالُ أبي البشر حيث لم يسامَحْ بلقمةٍ وكانت سبَب إخراجه من الجنّة. والجوابُ: أنَّ هذا أيضًا حقٌّ، ولا تنافي بين الأمرين؛ فإنَّ مَن كملت عليه نعمةُ الله تعالى، واختصَّه منها بما لم يختصَّ به غيرَه، وأعطاه منها ما حرَمَه غيرَه، فحُبِيَ بالإنعام، وخُصَّ بالإكرام، وخُصَّ بمزيد التَّقريب، وجُعِلَ في منزلة الوليِّ الحبيب= اقتضت حالُه من حفظ مرتبة الولاية والقرب والاختصاص بأن يراعي مرتبتَه من أدنى مشوِّشٍ وقاطعٍ. فلشدّة الاعتناء به، ومزيد تقريبه، واتِّخاذه لنفسه، واصطفائه على غيره= تكون حقوقُ وليِّه وسيِّده عليه أتمَّ، ونعمُه عليه أكملَ، والمطلوبُ منه فوقَ المطلوب من غيره. فهو إذا غفَل وأخلَّ بمقتضى مرتبته نُبِّه بما لم يُنبَّه عليه البعيدُ البَرَّانيُّ، مع كونه يسامَحُ بما لم يسامَحْ به ذلك أيضًا، فيجتمع في حقِّه الأمران. وإذا أردتَ معرفة اجتماعهما وعدَم تناقضهما، فالواقع شاهدٌ به؛ فإنَّ الملك يسامِحُ خاصَّتَه وأولياءَه بما لا يسامِحُ (١) به مَن ليس في منزلتهم، ويؤاخذهم ويؤدِّبُهم بما لم يؤاخذ به غيرَهم. وقد ذكرنا شواهد هذا وهذا، ولا تناقُضَ بين الأمرين. وأنت إذا كان لك عبدان أو ولدان أو زوجتان، أحدُهما أحبُّ إليك من

стр. 639

الآخر وأقربُ إلى قلبك وأعزُّ عليك= عاملتَه بهذين الأمرين، واجتمع في حقِّه المعاملتان بحسب قربه منك، وحبِّك له، وعزَّته عليك. فإذا نظرتَ إلى إكمال إحسانك إليه وإتمام نعمتك عليه اقتضت معاملتُه بما لا يُعامَلُ مَن دونه من التَّنبيه وعدم الإهمال. وإذا نظرتَ إلى إحسانه ومحبّته لك، وطاعته وخدمته، وكمال عبوديّته ونصحه= وهبتَ له وسامحتَه وعفوتَ عنه بما لا تفعله مع غيره. فالمعاملتان بحسب ما منك وما منه. وقد ظهر اعتبارُ هذا المعنى في الشَّرع، حيث جعَل حدَّ من أنعَم عليه بالتّزوُّج إذا تعدَّاه إلى الزِّنى: الرَّجْمَ، وحدَّ من لم يعطه هذه النِّعمة: الجَلْدَ. وكذلك ضاعف الحدَّ على الحرِّ الذي قد ملَّكه نفسَه، وأتمَّ عليه نعمتَه، ولم يجعله مملوكًا لغيره، وجعَل حدَّ العبد المنقوص بالرِّقِّ (١) الذي لم تحصل له هذه النِّعمةُ نصفَ ذلك. فسبحان مَن بهرَتْ حكمتُه في خلقه وأمره وجزائه عقولَ العالمين، وشهدَتْ بأنّه أحكمُ الحاكمين. فللّه سرٌّ تحتَ كلِّ لطيفةٍ ... فأخو البصائر غائصٌ يتعقَّلُ (٢) فصل في أجناس ما يتاب منها ولا يستحقُّ العبدُ اسمَ التّائب حتّى يخلص منها وهي اثنا عشر جنسًا مذكورةٌ في كتاب الله تعالى، هي أجناس

стр. 640

المحرَّمات: الكفر، والشِّرك، والنِّفاق، والفسوق، والعصيان، والإثم، والعدوان، والفحشاء، والمنكر، والبغي، والقول على الله بلا علمٍ، واتِّباع سبيلٍ غيرِ سبيله. فهذه الاثنا عشر جنسًا، عليها مدارُ كلِّ ما حرَّم الله تعالى، وإليها انتهى (١) العالَمُ بأسرهم إلّا أتباعَ الرُّسل. وقد يكون في الرَّجل أكثرُها أو أقلُّها أو واحدةٌ منها، وقد يعلم بذلك وقد لا يعلم. فالتَّوبةُ النَّصوحُ هي بالتَّخلُّص منها (٢)، وإنّما يمكن التّخلُّصُ منها لمن عرفها. ونحن نذكرها ونذكر ما اجتمعت فيه وما افترقت، لِتَبِينَ (٣) حدودُها وحقائقُها. والله الموفِّقُ لما وراء ذلك كما وفَّق له، ولا حول ولا قوّة إلّا به. وهذا الفصل من أنفع فصول الكتاب، والعبدُ أحوَجُ شيءٍ إليه. فأمّا الكفر، فنوعان: كفرٌ أكبر، وكفرٌ أصغر. فالكفر الأكبر: هو الموُجِبُ للخلود في النّار. والأصغَرُ: مُوجِبٌ لاستحقاق الوعيد دون الخلود، كما في قوله تعالى وكان ممَّا يتلى فنُسِخَ لفظهُ: "لا ترغبوا عن آبائكم فإنّه كفرٌ بكم" (٤)، وقولِه ﷺ في الحديث الصحيح: "اثنتان في أمّتي، هما بهم كفرٌ: الطَّعنُ في النَّسَب،

стр. 641

والنِّياحة" (١)، وقولهِ في "السُّنن" (٢): "من أتى امرأةً في دبرها فقد كفَر بما أُنزِل على محمّدٍ ﷺ "، وفي الحديث الآخر: "من أتى كاهنًا، فصدَّقه بما يقول، فقد كفَر بما أُنزِلَ على محمّدٍ ﷺ " (٣)، وقوله: "لا ترجعوا بعدي كفّارًا يضربُ بعضُكم رقابَ بعضٍ" (٤).

стр. 642

وهذا تأويل ابنِ عبّاسٍ وعامَّةِ أصحابه في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]. قال ابن عبَّاسٍ: ليس بكفرٍ ينقل عن الملَّة، بل إذا فعَلَه فهو به كفرٌ؛ وليس كمن كفَر بالله واليوم الآخر (١). وكذلك قال طاوسٌ. وقال عطاءٌ: هو كفرٌ دون كفرٍ، وظلمٌ دون ظلمٍ، وفسقٌ دون فسقٍ. ومنهم من تأوَّلَ الآية على ترك الحكم بما أنزل الله جاحدًا له، وهو قول عكرمة. وهو تأويلٌ مرجوحٌ، فإنَّ نفسَ جحوده كفرٌ، سواءٌ حكَم أو لم يحكُم. ومنهم من تأوَّلَها على ترك الحكم بجميع ما أنزل الله. قال: ويدخل في ذلك الحكمُ بالتَّوحيد والإسلام. وهذا تأويل عبد العزيز الكِنانيِّ. وهو أيضًا بعيدٌ، إذ الوعيد على نفي الحكم بالمنزَّل، وهو يتناول تعطيلَ الحكم بجميعه وببعضه. ومنهم من تأوَّلَها على الحكم بمخالفة النّصِّ تعمُّدًا من غير جهلٍ به ولا خطأٍ في التّأويل. حكاه البغويُّ عن العلماء عمومًا. ومنهم من تأوَّلَها على أهل الكتاب. وهو قول قتادة والضّحاك وغيرهما. وهو بعيدٌ خلافُ ظاهر اللَّفظ، فلا يصار إليه. ومنهم من جعله كفرًا ينقُل عن الملَّة. والصَّحيحُ: أنَّ الحكم بغير ما أنزل الله يتناول الكفرين: الأصغرَ

стр. 643

والأكبرَ، بحسب حال الحاكم، فإنّه إن اعتقد وجوبَ الحكم بما أنزل الله في هذه الواقعة، وعدَلَ عنه معصيةً، مع اعترافه بأنّه مستحقٌّ للعقوبة= فهذا كفرٌ أصغر. وإن اعتقد أنَّه غيرُ واجبٍ وأنّه مخيَّرٌ فيه، مع تيقُّنه أنّه حكمُ الله تعالى، فهذا كفرٌ أكبر. وإن جهِلَه وأخطَأَه، فهذا مخطئٌ له حكمُ المخطئين. والقصدُ أنَّ المعاصي كلَّها نوعٌ من الكفر الأصغر، فإنّها ضدُّ الشُّكر الذي هو العملُ بالطَّاعة. فالسَّعيُ إمَّا شكرٌ، وإمَّا كفرٌ، وإمَّا ثالثٌ لا من هذا ولا من هذا. فصل وأمّا الكفر الأكبر، فخمسة أنواعٍ: كفرُ تكذيبٍ، وكفرُ استكبارٍ وإباءٍ مع التَّصديق، وكفرُ إعراضٍ، وكفرُ شكٍّ، وكفرُ نفاقٍ. فأمَّا كفرُ التَّكذيب، فهو اعتقادُ كذب الرَّسول. وهذا القسم قليلٌ في الكفّار، فإنَّ الله تعالى أيَّد رسله، وأعطاهم من البراهين والآيات على صدقهم ما أقام به الحجَّةَ، وأزال به المعذرة. قال تعالى عن قوم فرعون: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]. وقال لرسوله ﷺ : ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]. وإن سمِّي هذا (١) كفرَ تكذيبٍ أيضًا فصحيحٌ، إذ هو تكذيبٌ باللِّسان. وأمّا كفر الإباء والاستكبار، فنحوُ كفر إبليس، فإنّه لم يجحد أمرَ الله ولا قابله بالإنكار، وإنّما تلقَّاه بالإباء والاستكبار.

стр. 644

ومن هذا: كفرُ مَن عرَفَ صدقَ الرَّسول وأنَّه جاء بالحقِّ من عند الله، ولم ينقَدْ له إباءً واستكبارًا. وهو الغالبُ على كفر أعداء الرُّسل، كما حكى الله تعالى عن فرعون وقومه: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٧]، وقولُ الأمم لرسلهم: ﴿قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا﴾ [إبراهيم: ١٠]، وقولُه: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾ [الشمس: ١١]. وهو كفرُ اليهود، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩]، وقال: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦]. وهو كفرُ أبي طالبٍ أيضًا، فإنَّه صدَّقه ولم يشكَّ في صدقه، ولكن أخذته الحَميّةُ وتعظيمُ آبائه أن يرغَب عن ملَّتهم، ويشهدَ عليهم بالكفر. وأمّا كفرُ الإعراض، فأن يُعرِض بسمعه وقلبه عن الرَّسول، لا يصدِّقه ولا يكذِّبه، ولا يواليه ولا يعاديه، ولا يصغي إلى ما جاء به البتّة، كما قال أحدُ بني عبدِ يالِيلَ للنَّبيِّ ﷺ : والله، لا أقول لك كلمةً. إن كنتَ صادقًا، فأنت أجلُّ في عيني من أن أرُدَّ عليك. وإن كنتَ كاذبًا، فأنتَ أحقَرُ من أن أكلِّمك (١). وأمّا كفرُ الشّكِّ، فأن لا يجزمَ بصدقه ولا بكذبه، بل يشكَّ في أمره. وهذا لا يستمرُّ شكُّه إلّا إذا ألزم نفسَه الإعراضَ عن النّظر في آيات صدقه جملةً، فلا يسمعها ولا يلتفت إليها. وأمّا مع التفاته إليها ونظره فيها، فإنَّه لا يبقى معه شكٌّ، لأنَّها مستلزمةٌ للصِّدق، ولا سيَّما بمجموعها، فإنَّ دلالتها على الصِّدق كدلالة الشَّمس على النّهار.

стр. 645

وأمّا كفرُ النِّفاق، فأن (١) يُظْهِرَ بلسانه الإيمان، وينطوي بقلبه على التّكذيب. فهذا هو النِّفاق الأكبر، وسيأتي بيانُ (٢) أقسامه إن شاء الله تعالى. فصل (٣) وكفرُ الجحود نوعان: كفرٌ مطلقٌ عامٌّ، ومقيَّدٌ خاصٌّ. فالمطلق: أن يجحد جملةَ ما أنزل الله تعالى، ورسالةَ الرَّسول. والخاصُّ (٤) المقيَّد: أن يجحد فرضًا من فروض الإسلام، أو تحريمَ محرَّمٍ (٥) من محرَّماته، أو صفةً وصف الله بها نفسه، أو خبرًا أخبر الله به= عمدًا، أو تقديمًا لقول من خالفه عليه لغرضٍ (٦) من الأغراض. وأمّا جحدُ ذلك جهلًا أو تأويلًا يُعذَر فيه صاحبُه، فلا يكفر صاحبُه به، كحديث الذي جحَد قدرةَ الله عليه وأمَر أهلَه أن يُحْرِقوه ويُذَرُّوه في الرِّيح، ومع هذا فغفَر الله له (٧) ورحِمَه لجهله (٨)، إذ كان ذلك الذي فعله مبلغَ

стр. 646

علمه، لم يجحد قدرة الله على إعادته عنادًا وتكذيبًا (١). فصل وأمّا الشِّركُ، فهو نوعان: أكبر وأصغر. فالأكبر: لا يغفره الله إلّا بالتَّوبة منه. وهو أن يتَّخذ من دون الله ندًّا يحبُّه كما يحبُّ الله. وهو الشِّرك الذي تضمَّن تسويةَ آلهة المشركين بربِّ العالمين. ولهذا قالوا لآلهتهم في النَّار: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٧ - ٩٨] مع إقرارهم بأنَّ الله وحده خالقُ كلِّ شيءٍ وربُّه (٢) ومليكه، وأنَّ آلهتهم لا تخلُق ولا ترزُق ولا تميت ولا تحيي. وإنَّما كانت هذه التَّسوية في المحبَّة والتَّعظيم والعبادة، كما هو حال أكثر مشركي العالم؛ بل كلُّهم يحبُّون معبوديهم (٣) ويعظِّمونها ويوالونها من دون الله. وكثيرٌ منهم، بل أكثرُهم يحبُّون آلهتَهم أعظَم من محبَّة الله، ويستبشرون بذكرهم أعظمَ من استبشارهم إذا ذُكِرَ الله وحده. ويغضبون لتنقُّص (٤) معبودهم وآلهتهم من المشايخ أعظمَ ما (٥) يغضبون إذا انتقص (٦) أحدٌ ربَّ

стр. 647

العالمين. وإذا انتُقِصَتْ (١) حرمةٌ من حرمات آلهتهم ومعبوديهم غضبوا غضبَ اللَّيثِ إذا حَرِب (٢). وإذا انتُهِكَتْ حرماتُ الله لم يغضبوا لها، بل إذا قام المنتهِكُ لها بإطعامهم شيئًا رضُوا عنه ولم تتنكَّر له قلوبهم! وقد شاهدنا نحن وغيرنا هذا (٣) منهم جهرةً. ونرى أحدَهم قد اتّخذ ذكرَ إلهه ومعبوده من دون الله على لسانه إن قام وإن قعد، وإن عثَر، وإن مرِضَ، وإن استوحى (٤). فذكرُ إلهه ومعبوده من دون الله هو الغالبُ على قلبه ولسانه، وهو لا ينكر ذلك، ويزعم أنّه بابُ حاجته إلى الله، وشفيعُه عنده، ووسيلتُه إليه. وهكذا كان عُبَّاد الأصنام سواءً، وهذا القدرُ هو الذي قام بقلوبهم، وتوارثَه المشركون بحسب اختلاف آلهتهم. فأولئك كانت آلهتهم من الحجر وغيرُهم اتَّخذها من البشر. قال تعالى حاكيًا عن أسلاف هؤلاء المشركين: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ

стр. 648

دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾. ثمَّ شهد عليهم بالكفر والكذب (١)، وأخبر أنّه لا يهديهم، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٣]. فهذه حالُ من اتَّخذ من دون الله وليًّا، يزعُم أنّه يقرِّبه إلى الله. وما أعزَّ من يخلُص من هذا! بل ما أعزَّ من لا يعادي مَن أنكره! والّذي في قلوب هؤلاء المشركين وسلفهم أنّ آلهتهم تشفع لهم عند الله، وهذا عينُ الشِّرك. وقد أنكره الله عليهم (٢) في كتابه، وأبطله، وأخبر أنَّ الشَّفاعةَ كلَّها له، وأنّه لا يشفع عنده أحدٌ إلّا لمن أذن الله أن يشفع فيه ورضي قولَه وعملَه. وهم أهلُ التَّوحيد الذين لم يتّخذوا من دون الله شفعاء، فإنّه يأذن سبحانه في الشَّفاعة لهم لمن شاء (٣)، حيث لم يتَّخذوهم شفعاء من دونه، فيكون أسعدَ النّاس بشفاعة من يأذن الله له صاحبُ التَّوحيد الذي لم يتَّخذ شفيعًا من دون الله. والشَّفاعةُ التي أثبتها الله ورسولُه هي الشَّفاعةُ الصَّادرةُ عن إذنه لمن وحَّده، والَّتي نفاها الله: الشَّفاعةُ الشِّركيّةُ التي في قلوب المشركين المتَّخذين من دون الله شفعاء، فيعامَلُون (٤) بنقيض قصدهم من شفاعتهم (٥)، ويفوز بها الموحِّدون.

стр. 649

فتأمَّلْ قولَ النَّبيِّ ﷺ لأبي هريرة، وقد سأله: من أسعَدُ النَّاسِ بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: "أسعدُ النَّاس بشفاعتي: من قال لا إله إلّا الله" (١)، كيف جعل أعظمَ الأسباب التي تُنال بها شفاعتُه تجريدَ التَّوحيد، عكسَ ما عند المشركين أنَّ الشَّفاعةَ تُنال باتِّخاذهم شفعاء وعبادتهم وموالاتهم من دون الله. فقَلَب النَّبيُّ ﷺ ما في زعمهم الكاذب، وأخبر أنَّ سببَ الشَّفاعة تجريدُ التَّوحيد، فحينئذٍ يأذن الله للشَّافع أن يشفَع. ومن جهل المشرك: اعتقادُه أنَّ من اتَّخذه وليًّا أو شفيعًا أنَّه يشفَع له وينفعه عند الله، كما يكون خواصُّ الملوك والولاة تنفع مَن والاهم! ولم يعلموا أنَّ الله لا يشفع عنده أحدٌ إلّا بإذنه، ولا يأذن في الشَّفاعة إلّا لمن رضي قولَه وعملَه، كما قال تعالى في الفصل الأوّل: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وفي الفصل الثّاني: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]. وبقي فصلٌ ثالثٌ، وهو أنّه لا يرضى من القول والعمل إلّا التَّوحيدَ واتِّباعَ الرَّسول، وعن هاتين الكلمتين يسأل الأوّلين والآخرين، كما قال أبو العالية: كلمتان يُسأل عنهما الأوّلون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ (٢). فهذه ثلاث (٣) فصول، تقطع شجرةَ الشِّرك من قلب من وعاها وعقلها:

стр. 650

لا شفاعة إلّا بإذنه، ولا يأذن إلّا لمن رضي (١) قوله وعمله، ولا يرضى من القول والعمل إلّا بتوحيده (٢) واتِّباع رسوله. فالله تعالى لا يغفر شركَ العادلين به غيره، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]. وأصحُّ القولين أنّهم يعدلون به غيرَه في العبادة والموالاة والمحبّة، كما في الآية الأخرى: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٧ - ٩٨]، وكما في آية البقرة: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [١٦٥]. وترى المشرك يكذِّب حالُه وعملُه لقوله (٣)، فإنّه يقول: لا نحبُّهم كحبِّ الله، ولا (٤) نسوِّيهم بالله؛ ثمّ يغضب لهم ولحرماتهم ــ إذا انتُهكت ــ أعظمَ ممّا يغضبُ لله! ويستبشرُ بذكرهم، ويتبَشْبَشُ به، سيَّما إذا ذُكِر عنهم ما ليس فيهم من إغاثة اللَّهَفات (٥)، وكشف الكربات، وقضاء الحاجات؛ وأنّهم بابٌ بين الله وبين عباده= ترى المشركَ يفرَحُ ويُسَرُّ ويحِنُّ قلبُه وتهيجُ منه لواعجُ التَّعظيم والخضوع لهم والموالاة. وإذا ذكرتَ له الله وحده، وجرَّدتَ توحيدَه لحقته وحشةٌ وضيقٌ وحرجٌ، ورماك بتنقُّص الآلهة التي له، وربَّما عاداك!

стр. 651

رأينا ــ واللهِ ــ منهم هذا عيانًا، ورمَونا بعداوتهم، وبغَوا لنا الغوائل، والله مخزيهم في الدُّنيا والآخرة. ولم تكن حجَّتُهم إلّا أن قالوا كما قال إخوانهم: عاب آلهتنا، فقال هؤلاء: تنقَّصتم مشايخَنا وأبوابَ حوائجنا إلى الله تعالى. وهكذا قال النَّصارى للنّبيِّ ﷺ ، لمَّا قال لهم: إنَّ المسيحَ عبدٌ قالوا: تنقَّصتَ المسيحَ وعِبْتَه (١)! وهكذا قال أشباهُ المشركين لمن منع اتِّخاذَ القبور أوثانًا تُعْبَد (٢) ومساجدَ، وأمَر بزيارتها على الوجه الذي أذِن الله فيه ورسوله، قالوا: تنقَّصتَ أصحابَها! فانظر إلى هذا التَّشابه بين قلوبهم، حتّى كأنَّهم قد تواصَوا به! و ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ فَهُوَ (٣) وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧]. وقد قطَع تعالى الأسباب التي يتعلَّق بها المشركون جميعَها قطعًا يعلم مَن تأمَّلَه وعرَفَه أنَّ من اتّخذ من دون الله وليًّا أو شفيعًا، فهو كمثل العنكبوت اتّخذت بيتًا، وإنَّ أوهنَ البيوت لَبيتُ العنكبوت، فقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢ - ٢٣]. فالمشرك إنّما يتّخذ معبوده لما يحصل له به من النَّفع، والنَّفعُ لا يكون

стр. 652

إلّا ممَّن فيه خصلةٌ من هذه الأربع: إمّا مالكٌ لما يريد عابده منه، فإن لم يكن مالكًا كان شريكًا للمالك، فإن لم يكن شريكًا له كان معينًا له وظهيرًا، فإن لم يكن معينًا ولا ظهيرًا كان شفيعًا عنده. فنفى سبحانه المراتب الأربع نفيًا مترتِّبًا منتقلًا (١) من الأعلى إلى ما دونه، فنفى المِلْكَ، والشِّركةَ، والمظاهرةَ، والشَّفاعةَ التي يطلبها (٢) المشرك؛ وأثبتَ شفاعةً لا نصيب فيها لمشركٍ، وهي الشَّفاعةُ بإذنه. فكفى بهذه الآية نورًا وبرهانًا ونجاةً، وتجريدًا للتَّوحيد، وقطعًا لأصول الشِّرك وموادِّه لمن عقلها! والقرآنُ مملوءٌ من أمثالها ونظائرها، ولكنَّ أكثرَ النَّاس لا يشعُر بدخول الواقع تحته وتضمُّنه له، ويظنُّه في نوعٍ وقومٍ قد خلوا من قبل ولم يُعقبوا وارثًا! وهذا هو الذي يحول بين القلب وبين فهم القرآن. ولَعَمْرُ الله، إن كان أولئك قد خلَوا، فقد ورثهم مَن هو مثلُهم، وشرٌّ منهم، ودونهم. وتناولُ القرآن لهم كتناوله لأولئك، ولكنَّ الأمرَ كما قال عمر بن الخطّاب ﵁: إنّما تُنقَضُ عُرى الإسلام عروةً عروةً، إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهليّة (٣).

стр. 653

وهذا لأنّه إذا لم يعرف الجاهليّةَ والشِّركَ وما عابه القرآن وذمَّه وقع فيه وأقرَّه، ودعا إليه، وصوَّبه وحسَّنه، وهو لا يعرف أنّه هو الذي (١) كان عليه الجاهليّةُ، أو نظيره، أو أشَرُّ (٢) منه، أو دونه؛ فينتقضُ بذلك عرى الإسلام، ويعود المعروفُ منكرًا والمنكرُ معروفًا، والبدعةُ سنّةً والسُّنّةُ بدعةً؛ ويكفَّر الرّجلُ بمحض الإيمان وتجريد التَّوحيد، ويبدَّعُ بتجريد متابعة الرَّسول ومفارقة الأهواء والبدع. ومن له بصيرةٌ وقلبٌ حيٌّ يرى ذلك عيانًا! فالله المستعان. فصل وأمّا الشِّركُ الأصغَرُ, فكيسير الرِّياء، والتَّصنُّع للخلق، والحلِف بغير الله، كما ثبت عن النَّبيِّ ﷺ أنّه قال: "من حلَف بغير الله فقد أشرك" (٣)، وقولِ الرَّجل للرَّجل: ما شاء الله وشئت، وهذا من الله ومنك، وإنَّا بالله وبك، وما لي إلَّا الله وأنت، وأنا متَّكلٌ على الله وعليك، ولولا أنت لم يكن كذا وكذا. وقد يكون هذا شركًا أكبر بحسب حال قائله ومقصده.

стр. 654

وصحَّ عن النَّبيِّ ﷺ أنّه قال لرجلٍ قال له: ما شاء الله وشئتَ: "أجعلتني لله ندًّا؟ قل: ما شاء الله وحده" (١). وهذا اللّفظ أخفُّ من غيره من الألفاظ. ومن أنواع الشِّرك: سجودُ المريد للشَّيخ، فإنّه شركٌ من السَّاجد والمسجود له. والعجب أنَّهم يقولون: ليس هذا سجودًا، وإنّما هو وضعُ الرّأس قدَّامَ الشَّيخ! فيقال لهؤلاء: ولو سمَّيتموه ما سمَّيتموه، فحقيقةُ السُّجود: وضعُ الرّأس لمن يسجد (٢) له. وكذلك السُّجودُ للصَّنم وللشَّمس وللنَّجم وللحجر= كلُّه وضعُ الرّأس قُدَّامَه. ومن أنواعه: ركوعُ المتعمِّمين بعضِهم لبعضٍ عند الملاقاة. وهذا سجودٌ في اللُّغة، وبه فُسِّر قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [النساء: ١٥٤] أي منحنين (٣)، وإلّا فلا يمكن الدُّخول بالجبهة على الأرض. ومنه: قولُ العرب: سجدت الأشجار، إذا أمالتها الرِّياحُ (٤).

стр. 655

ومن أنواعه: حلقُ الرّأس للشَّيخ، فإنّه تعبُّد لغير الله، ولا يُتعبَّد بحلق الرّأس إلّا في النُّسك لله خاصّةً. ومن أنواعه: التَّوبةُ للشَّيخ، فإنّها شركٌ عظيمٌ، فإنَّ التَّوبةَ لا تكون إلّا لله، كالصّلاة والصِّيام والحجِّ والنُّسك، فهي خالصُ حقِّ الله. وفي "المسند" (١): أنّ النَّبيَّ ﷺ أُتِيَ بأسيرٍ، فقال: اللهمَّ إنِّي أتوبُ إليك، ولا أتوب إلى محمّدٍ. فقال النبيُّ ﷺ : "عرَفَ الحقَّ لأهله". فالتّوبةُ عبادةٌ لا تنبغي إلّا لله، كالسُّجود والصِّيام. ومن أنواعه: النَّذرُ لغير الله، فإنّه شركٌ. وهو أعظم من الحلِف بغير الله، فإذا كان مَن حلَف بغير الله فقد أشرك، فكيف بمن نذَر لغير الله؟ مع أنَّ في "السُّنن" (٢) من حديث عقبة بن عامرٍ ﵁ عن النبي ﷺ "النَّذْرُ حَلْفَةٌ". ومن أنواعه: الخوفُ من غير الله، والتّوكُّلُ على غير الله، والعملُ لغير الله، والإنابةُ والخضوعُ والذُّلُّ لغير الله، وابتغاءُ الرِّزق من عند غيره، وحمدُ غيره على ما أعطى والغُنيةُ (٣) بذلك عن حمده سبحانه، والذَّمُّ والسَّخَطُ على ما لم يَقسِمْه ولم يجر به القدر، وإضافةُ نعمه إلى غيره، واعتقادُ أن يكون في

стр. 656

الكون ما لا يشاؤه. ومن أنواعه: طلبُ الحوائج من الموتى، والاستغاثةُ بهم، والتّوجُّهُ إليهم. وهذا أصلُ شرك العالم، فإنَّ الميِّتَ قد انقطع عملُه، وهو لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا (١)، فضلًا لمن استغاث به وسأله قضاء حاجته، أو سأله أن يشفع له إلى الله فيها. وهذا من جهله بالشَّافع والمشفوع عنده، كما تقدَّم، فإنّه لا يقدر أن يشفع له عند الله إلّا بإذنه. والله لم يجعل استغاثته (٢) وسؤاله سببًا لإذنه، وإنّما السَّببُ لإذنه كمالُ التَّوحيد، فجاء هذا المشركُ بسببٍ يمنع إذنَه (٣)، وهو بمنزلة من استعان في حاجةٍ بما يمنع حصولَها! وهذه حالةُ كلِّ مشركٍ. والميِّتُ محتاجٌ إلى من يدعو له، ويترحَّم عليه، ويستغفر له، كما أوصانا النَّبيُّ ﷺ إذا زرنا قبور المسلمين أن نترحَّم عليهم ونسألَ لهم العافية والمغفرة. فعكَس المشركون هذا، وزاروهم زيارةَ العبادةِ واستقضاءِ الحوائج والاستغاثةِ (٤) بهم، وجعلوا قبورَهم أوثانًا تُعْبَد، وسمَّوا قصدَها حجًّا (٥)، واتّخذوا عندها الوقفةَ وحلقَ الرّأس؛ فجمعوا بين الشِّركِ بالمعبود الحقِّ، وتغييرِ دينه، ومعاداةِ أهل التَّوحيد ونسبةِ أهله إلى التّنقُّص بالأموات (٦). وهم

стр. 657

قد تنقَّصوا الخالقَ بالشِّرك، وأولياءَه الموحِّدين له الذين لم يشركوا به شيئًا بذمِّهم وعيبهم ومعاداتهم. وتنقَّصوا من أشركوا به غايةَ التّنقُّص، إذ ظنُّوا أنَّهم راضون منهم بهذا، وأنَّهم أمروهم به، وأنَّهم يوالونهم عليه. وهؤلاء هم أعداء الرُّسل والتَّوحيد في كلِّ زمانٍ ومكانٍ، وما أكثَرَ المستجيبين لهم! وللهِ خليلُه إبراهيم ﵇ حيث يقول: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٥ - ٣٦]. وما نجا من شَرَكِ (١) هذا الشِّرك الأكبر إلّا من جرَّد توحيده لله، وعادى المشركين في الله، وتقرَّب بمقتهم إلى الله، واتَّخذ الله وحده وليَّه وإلهَه ومعبودَه، فجرَّد حبَّه لله، وخوفَه لله، ورجاءَه لله، وذلَّه لله، وتوكُّلَه على الله، واستعانتَه (٢) بالله، والتجاءَه إلى الله، واستغاثتَه بالله؛ وأخلصَ قصدَه لله متّبعًا لأمره متطلِّبًا لمرضاته. إذا سأل سأل الله، وإذا استعان استعان بالله، وإذا عمِل عَمِل لله؛ فهو لله، وبالله، ومع الله. والشِّركُ أنواعٌ كثيرةٌ لا يحصيها إلّا الله. ولو ذهبنا نذكر أنواعه لاتَّسَع الكلامُ أعظمَ اتِّساعٍ، ولعلَّ الله أن يساعدَ بوضع كتابٍ فيه وفي أقسامه وأسبابه ومباديه ومضرَّته وما يندفع به، فإنَّ العبدَ إذا نجا منه ومن التَّعطيل ــ وهما الدَّاءان اللَّذان هلكت بهما الأمم ــ فما بعدَهما هو أيسرُ منهما، ومن (٣) هلك بهما فبسبيلِ مَن هلك، ولا آسى على الهالكين.

стр. 658

فصل وأمّا النِّفاق فالدَّاء العُضال (١) الذي يكون الرَّجلُ ممتلئًا منه، وهو لا يشعر، فإنّه أمرٌ خفيٌّ يخفى على النَّاس، وكثيرًا ما يخفى على من تلبَّس به، فيزعُم أنّه مصلحٌ وهو مفسدٌ. وهو نوعان: أكبر، وأصغر. فالأكبَرُ يُوجِب الخلودَ في النَّار في دركها الأسفل، وهو أن يُظهِر للمسلمين إيمانَه بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وهو في الباطن منسلِخٌ من ذلك مكذِّبٌ به، لا يؤمن بأنَّ الله تكلَّم بكلامٍ أنزله على بشرٍ جعله رسولًا للنَّاس يهديهم بإذنه، ويُنذرهم بأسَه، ويخوِّفهم عقابَه. وقد هتَك الله (٢) سبحانه أستارَ المنافقين وكشَفَ أسرارهم في القرآن، وجلّى لعباده أمورهم، ليكونوا منها ومن أهلها على حذرٍ. وذكَر طوائفَ العالم الثّلاثة في أوّل البقرة: المؤمنين، والكفّار، والمنافقين؛ فذكر في المؤمنين أربعَ آياتٍ، وفي الكفّار آيتين، وفي المنافقين ثلاث عشرة آيةً لكثرتهم ولعموم الابتلاء بهم، وشدّة فتنتهم على الإسلام وأهله، فإنَّ بليّةَ الإسلام بهم شديدةٌ جدًّا، فإنهم منتسبون إليه وإلى نصرته وموالاته، وهم أعداؤه في الحقيقة، يُخْرِجون عداوتَه في كلِّ قالبٍ يظنُّ الجاهلُ أنّه عِلمٌ وإصلاحٌ، وهو غايةُ الجهل والإفساد. فلله كم من معقلٍ للإسلام قد هدموه! وكم من حصنٍ له قد قلَعوا

стр. 659

أساسَه وخرَّبوه! وكم من عَلَمٍ له قد طمسوه! وكم من لواءٍ مرفوعٍ له قد وضعوه! كم (١) ضربوا بمعاول الشُّبه في أصول غِراسه (٢) ليقلعوها! وكم عمَّوا عيونَ موارده بآرائهم ليدفنوها ويقطعوها! فلا يزال الإسلامُ منهم في محنةٍ وبليّةٍ، ولا يزال يطرُقُه مِن شُبَههم سريَّةٌ بعد سريَّةٍ، ويزعمون أنّهم بذلك مصلحون! ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٢]، ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: ٨]. اتَّفقوا على مفارقة الوحي، فهم على ترك الاهتداء به مُجْمِعُون. ﴿فَتَقَطَّعُوا (٣) أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣]، ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢]، ولأجل ذلك ﴿اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠]. درست معالمُ الإيمان في قلوبهم فليسوا يعرفونها، ودثَرت معاهدُه عندهم فليسوا يعمُرونها، وأفَلَتْ كواكبُه من قلوبهم فليسوا يُحْيُونها، وكسَفَت شمسُه عند اجتماع ظُلَمِ آرائهِم فليسوا يبصرونها. لم يقبلوا هدى الله الذي أرسَلَ به رسولَه ولم يرفعوا به رأسًا، ولم يروا بالإعراض عنه إلى آرائهم وأفكارهم بأسًا. خلعوا نصوصَ الوحي عن سلطنة الحقيقة وعزلوها عن ولاية اليقين،

стр. 660

وشنُّوا عليها غاراتِ التَّأويلات الباطلة، فلا يزال يخرج عليها منهم كمينٌ بعد كمينٍ. نزلت عليهم نزولَ الضَّيف على أقوامٍ لئامٍ، فعامَلوها (١) بغير ما ينبغي لها من القبول والإكرام. وتلقَّوها من بعيدٍ، ولكن بالدَّفع في الصُّدور منها والأعجاز، وقالوا: ما لك عندنا من عبورٍ، وإن كان لا بدَّ فعلى سبيل المجاز! أعَدُّوا لدفعها أصنافَ العُدَد وضروبَ القوانين، وقالوا لمَّا حلَّت بساحتهم: ما لنا ولظواهر لفظيّةٍ لا تفيدنا شيئًا من اليقين! وعوامُّهم قالوا: حسبُنا ما وجدنا عليه خلَفَنا المتأخِّرين، فإنّهم أعلَمُ بها من السَّلَف الماضين، وأقوَمُ بطرائق الحجج والبراهين. وأولئك غلبت عليهم السَّذاجةُ وسلامةُ الصُّدور، ولم يتفرَّغوا لتمهيد قواعد النَّظر، ولكن صرفوا هِمَمَهم إلى فعل المأمور وترك المحظور. فطريقةُ المتأخِّرين أعلَمُ وأحكَمُ، وطريقةُ السّلف الماضين أجهَلُ لكنَّها أسلَم! أنزلوا نصوصَ السُّنّة والقرآن منزلةَ الخليفة في هذا الزَّمان: اسمُه على السِّكَّة (٢) وفي الخطبة فوق المنابر مرفوعٌ، والحكمُ النَّافذُ لغيره، فحكمُه غيرُ مقبولٍ ولا مسموعٍ! لبسوا ثيابَ أهل الإيمان على قلوب أهل الزَّيغ (٣) والكفران، فالظَّواهرُ ظواهرُ الأنصار، والبواطنُ قد تحيَّزت إلى الكفَّار. فألسنتُهم ألسنةُ المسالمين، وقلوبُهم قلوبُ المحاربين، يقولون: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ

стр. 661

وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨]. رأسُ مالهم: الخديعةُ والمكرُ، وبضاعتُهم: الكذبُ والخَتْرُ. وعندهم العقلُ المعيشيُّ أنَّ الفريقين عنهم راضون، وهم بينهم آمنون (١)، ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يُخَادِعُونَ (٢) إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ٩]. قد نهَكَت أمراضُ الشُّبهات والشَّهوات قلوبَهم فأهلكتها، وغلبت القصودُ السَّيِّئةُ على إراداتهم ونيّاتهم فأفسدتها. ففسادُهم قد ترامى إلى الهلاك، فعجَز عنه الأطبَّاءُ العارفون، ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ١٠]. من عَلِقَتْ مخاليبُ شكوكهم بأديم إيمانه مزَّقَتْه كلَّ التَّمزيق، ومن تعلَّقَ شررُ فتنتهم بقلبه ألقاه في عذاب الحريق، ومن دخلت شبهاتُ تلبيسهم في مسامعه حالت بين قلبه وبين التَّصديق. ففسادُهم في الأرض كثيرٌ، وأكثرُ النَّاس عنه غافلون، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١١ - ١٢]. المتمسِّكُ عندهم بالكتاب والسُّنَّة صاحبُ ظواهر، مبخوسٌ حظُّه من المعقول. والدَّائرُ مع النُّصوص عندهم كحمارٍ يحمل أسفارًا، فهمُّه في حمل المنقول. وبضاعةُ تاجر الوحي لديهم كاسدةٌ، وما هو عندهم بمقبولٍ. وأهلُ

стр. 662

الاتِّباع عندهم سفهاء، فهم في خلواتهم ومجالسهم بهم يطنُزُون (١)، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٣]. لكلٍّ منهم وجهان: وجهٌ يلقى به المؤمنين، وآخَرُ ينقلب به إلى إخوانه من الملحدين. وله لسانان: أحدهما يقبله بظاهره المسلمون، والآخر يترجم به عن سرِّه المكنون. ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤]. قد أعرضوا عن الكتاب والسُّنّة استهزاءً بعلمهما (٢) واستحقارًا، وأبوا أن ينقادوا لحكم الوحيين فرحًا بما عندهم من العلم الذي لا ينفع (٣) واستكبارًا. فتراهم أبدًا بالمتمسِّكين بصريح الوحي يستهزئون، ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥]. خرجوا في طلب التِّجارة البائرة في بحار الظُّلمات، فركبوا مراكبَ الشُّبَه والشُّكوك تجري بهم في موج الخيالات، فلعبت بسفنهم الرِّيحُ القاصفُ (٤)، فألقتها بين سفن الهالكين. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٦].

стр. 663

أضاءت لهم نارُ الإيمان فأبصروا في ضوئها مواقعَ الهدى والضَّلال، ثمَّ طفئ ذلك النُّورُ، وبقيت نارٌ تأجَّجُ ذاتُ تلهُّبٍ (١) واشتعالٍ، فهم بتلك النَّار معذَّبون، وفي تلك الظُّلمات يعمهون. ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: ١٧]. أسماعُ قلوبهم قد أثقَلَها الوَقْرُ فهي لا تسمع منادي الإيمان، وعيونُ بصائرهم عليها غشاوة العَمى فهي لا تُبصر حقائق القرآن، وألسنتهُم بها خَرَسٌ عن الحقِّ فهم به لا ينطقون، ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٨]. صابَ عليهم صيِّبُ الوحي وفيه حياة القلوب والأرواح، فلم يسمعوا منه إلّا رعدَ التَّهديد والوعيد والتَّكاليف التي وظِّفت (٢) عليهم بالمساء والصَّباح. فجعلوا أصابعهم في آذانهم، واستغشَوا ثيابهم، وجدُّوا في الهرب والطَّلب في آثارهم والصِّياح. فنُودي عليهم على رؤوس الأشهاد وكُشفت حالُهم للمستبصرين، وضُرب لهم مثلان بحسب حال الطّائفتين منهم: النَّاظرين، والمقلِّدين، فقيل: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ١٩]. ضعفت أبصارُ بصائرهم عن احتمال ما في الصَّيِّب من بروق أنواره وضياء معانيه، وعجزت أسماعُهم عن تلقِّي رُعود وعيده (٣) وأوامره

стр. 664

ونواهيه، فقاموا عند ذلك حيارى في أودية التِّيه! لا ينتفع بسمعه السَّامعُ ولا يهتدي ببصَره البصيرُ، ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٠]. لهم علاماتٌ يُعرفَون بها مبيَّنةٌ في السُّنَّة والقرآن، باديةٌ لمن تدبَّرها من أهل بصائر الإيمان. قام بهم واللهِ الرِّياءُ وهو أقبحُ مقامٍ قامه الإنسان، وقعد بهم الكسلُ عمَّا أُمِروا به من أوامر الرَّحمن، فأصبح الإخلاصُ لذلك عليهم ثقيلًا، فإذا ﴿قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢]. أحدُهم كالشَّاة العائرة بين الغنَمين، تَعِيرُ (١) إلى هذه مرّةً وإلى هذه مرّةً، ولا يستقرُّ (٢) مع إحدى الفئتين، فهم واقفون بين الجمعين ينظرون أيُّهم أقوى وأعزُّ قبيلًا ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤٣]. يتربَّصون الدَّوائرَ بأهل السُّنَّة والقرآن، فإن كان لهم فتحٌ من الله قالوا: إنَّا كنَّا في الباطن (٣) معكم؟ وأقسموا على ذلك بالله جَهْدَ الأيمانِ (٤). وإن كان

стр. 665

لأعداء الكتاب والسُّنّة من النُّصرة (١) نصيبٌ، قالوا: ألم تعلموا أنّ عقد الإخاء بيننا (٢) محكمٌ، وأنَّ النَّسَب بيننا قريبٌ! فيا من يريد معرفتهم، خذ صفاتهم (٣) من كلام ربِّ العالمين، فلا تحتاج بعده دليلًا: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]. يُعجِبُ السَّامعَ قولُ أحدهم لحلاوته ولينه، ويُشهد اللهَ على ما في قلبه من كذبه ومَينه، فتراه عند الحقِّ نائمًا، وفي الباطل واقفًا على الأقدام! فخذ وصفهم من قول القدُّوس السّلام: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤]. أوامرُهم التي يأمرون بها أتباعَهم متضمِّنةٌ لفساد البلاد والعباد، ونواهيهم عمَّا فيه صلاحُهم في المعاش والمعاد. وأحدُهم تلقاه بين جماعة أهل الإيمان في الصّلاة والذِّكر والزُّهد والاجتهاد، فإذا (٤) ﴿تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]. فهم جنسٌ بعضُه يشبه (٥) بعضًا: يأمرون بالمنكر بعد أن يفعلوه، وينهون عن المعروف بعد أن يتركوه، ويبخلون بالمال في سبيل الله ومرضاته أن

стр. 666

يُنفقوه. كم ذكَّرهم الله بنِعَمه فأعرضوا عن ذكره ونسوه! وكم كشَفَ حالهم لعباده المؤمنين ليجتنبوه! فاسمعوا أيُّها المؤمنون: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٦٧]. إن حاكمتَهم إلى صريح الوحي وجدتَهم عنه نافرين، وإن دعوتَهم إلى حكم كتاب الله وسنّة رسوله رأيتهم عنه مُعرضين. فلو شهدت حقائقَهم لرأيتَ بينها وبين الهدى أمدًا بعيدًا، ورأيتَها معرضةً عن الوحي إعراضًا شديدًا، ﴿قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١)﴾ [النساء: ٦١]. فكيف لهم بالفلاح والهدى بعدما أصيبوا في عقولهم وأديانهم! وأنّى لهم التّخلُّصُ من الضَّلال والرَّدى وقد اشتروا الكفرَ بإيمانهم! فما أخسَر تجارتَهم البائرة وقد اشتروا بالرَّحيق المختوم حريقًا! ﴿إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢)﴾ [النساء: ٦٢]. نشِبَ زَقُّومُ الشُّبَه والشُّكوك في قلوبهم، فلا يجدون لها مُسيغًا (١)، ﴿الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (٦٣)﴾ [النساء: ٦٣]. تبًّا لهم، ما أبعدهم عن حقيقة الإيمان! وما أكذَب دعواهم للتَّحقيق والعرفان! فالقومُ في شأنٍ، وأتباعُ الرَّسول في شأنٍ! ولقد أقسم الله ﷻ

стр. 667

في كتابه بنفسه المقدَّسة قسمًا عظيمًا، يعرف مضمونَه أولو البصائر، فقلوبُهم منه على وجَلٍ إجلالًا له وتعظيمًا، فقال تعالى تحذيرًا لأوليائه وتنبيهًا على حال هؤلاء وتفهيمًا: ﴿وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]. تسبق يمينُ أحدهم كلامَه من غير أن تُعرضَ (١) عليه، لعلمه بأنّ قلوب أهل الإيمان لا تطمئنُّ إليه، فيتبرّأ بيمينه من سوء الظّنِّ به وكشفِ ما لديه. وكذلك أهلُ الرِّيبة يكذبون، ويحلفون ليحسبَ السَّامعُ أنّهم صادقون، وقد ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون: ٢]. تبًّا لهم! برزوا إلى البيداء مع ركب الإيمان، فلمّا رأوا طولَ الطَّريق وبعدَ الشُّقَّة نكصوا على أعقابهم ورجعوا، وظنُّوا أنّهم يتمتَّعون بطيب العيش ولذّة المنام في ديارهم، فما مُتِّعوا به ولا بتلك النُّجْعة (٢) انتفعوا. فما هو إلّا أن صاح بهم الصَّائحُ فقاموا عن موائد أطعمتهم والقومُ جياعٌ ما شبعوا، فكيف حالهم عند اللِّقاء، وقد عرفوا ثمّ أنكروا، وعمُوا بعدما عاينوا الحقَّ وأبصروا! ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٣]. أحسَنُ النَّاس أجسامًا، وأحلاهم (٣) لسانًا، وألطفُهم بيانًا، وأخبثُهم

стр. 668

قلوبًا، وأضعَفُهم جَنانًا. فهم كالخشب المسنَّدة التي لا تمييز (١) لها، قد قُلِعَت من مغارسها فتساندت إلى حائطٍ يقيمها لئلَّا يطأها السّالكون. ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون: ٤]. يؤخِّرون الصَّلاةَ عن وقتها الأوّل إلى شَرَقِ الموتى، فالصُّبحُ عند طلوع الشّمس، والعصرُ عند الغروب. وينقُرونها نقرَ الغراب، إذ هي صلاةُ الأبدان لا صلاةُ القلوب. ويلتفتون فيها التفاتَ (٢) الثَّعلب إذا تيقَّنَ أنّه مطرودٌ ومطلوبٌ. ولا يشهدون الجماعة، بل إن صلّى أحدُهم ففي البيت أو الدُّكّان. وإذا خاصَمَ فجَر، وإذا عاهَدَ غدَر، وإذا حدَّثَ كذَب، وإذا وعَد أخلَفَ، وإذا ائتُمِنَ خان (٣). هذه معاملتُهم للخلق، وتلك معاملتُهم للخالق (٤). فخذ وصفَهم من أوّل المطفِّفين، وآخر (والسَّماء والطَّارق) (٥)، فلا ينبِّئك عن أوصافهم مثلُ خبيرٍ، ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة: ٧٣]. فما أكثرهم! وهم الأقلُّون. وما أجبرهم! وهم الأذلُّون. وما أجهلهم!

стр. 669

وهم المتمعلمون (١). وما أغرّهم بالله إذ هم بعظمته جاهلون! ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ [التوبة: ٥٦]. إن أصاب أهلَ الكتاب والسُّنّة عافيةٌ ونصرٌ وظهورٌ ساءهم ذلك وغمَّهم. وإن أصابهم ابتلاءٌ من الله وامتحانٌ يمحِّص به ذنوبهم، ويكفِّر به سيِّئاتِهم أفرَحَهم ذلك وسرَّهم. وهذا تحقيقُ إرثِهم وإرثِ من عاداهم، ولا يستوي مَن موروثُه الرَّسولُ ومَن موروثُه المنافقون. ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (٥٠) قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٥٠ - ٥١]. وقال تعالى في شأن السَّلفين (٢) المتخلِّفين، والحقُّ لا يُدفَع بمكابرة أهل الزَّيغ والتّخليط، ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: ١٢٠]. كره الله طاعتَهم (٣) لخبث قلوبهم وفساد نيّاتهم، فثبَّطهم عنها وأقعَدَهم.

стр. 670

وأبغضَ قربَهم منه وجوارهم، لميلهم إلى أعدائه، فطرَدَهم عنه وأبعَدَهم. وأعرضوا عن وحيه فأعرض عنهم، وأشقاهم وما أسعدهم. وحكَم عليهم بحكمٍ عدلٍ لا مطمع لهم في الفلاح بعده إلّا أن يكونوا من التّائبين، فقال: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة: ٤٦]. ثمّ ذكر حكمته في تثبيطهم وإقعادهم، وطردِهم عن بابه وإبعادهم، وأنَّ ذلك من لطفه بأوليائه وإسعادهم، وهو أحكم الحاكمين، فقال (١): ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: ٤٧]. ثقلت عليهم النُّصوصُ فكرهوها، وأعيا عليهم حملُها فألقَوها عن أكتافهم ووضَعوها، وتفلَّتت منهم السُّننُ أن يحفظوها فأهملوها، وصالت عليهم نصوصُ الكتاب والسُّنّة فوضعوا لها قوانينَ ردُّوها بها ودفعوها. ولقد هتَكَ الله أستارهم، وكشَف أسرارهم، وضرَب لعباده أمثالَهم. وعَلِمَ أنّه كلّما انقرض منهم طوائفُ خلَفَهم أمثالُهم، فذكر أوصافَهم لأوليائه ليكونوا منها على حذَرٍ، وبيَّنها لهم، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٩]. هذا شأنُ من ثقلت عليه النُّصوصُ، ورآها حائلةً بينه وبين بدعته وهواه فهي في وجهه كالبنيان المرصوص. فباعها بـ"محصَّلٍ" (٢) من الكلام الباطل، واستبدل منها بـ"الفصوص" (٣)! فأعقبهم ذلك أن أفسد عليهم إعلانَهم
следующие страницы →